المقالة الثالثة

في بعض الادلة العقلية الموزونة بالموازين الالهية و انواعها ثلثة :

النوع الاول - دليل الحكمة و هو اشرف الادلة و اهله اصحاب الافئدة و لعله في اعين الظاهريين استحسان و ليس بدليل و لكنه دليل ذوقي عياني كشفي و قد شحن به الكتاب و السنة لكونه اشرف الادلة ففي الاستدلال به علي هذا الركن مقامان :

الاول الاستدلال بدليل الحكمة علي ان ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء مطلقا من اركان الدين . اعلم ان الشيئين اما ان يتحدا في المادة نوعا و يختلفا في الصورة علي نحو التواطي او التشكيك او لايتحدا فالاول يكون النسبة بينهما عرضية و ذلك كزيد و عمرو او كالنار و الهواء و الثاني يكون النسبة [ص 206] بينهما طولية اي الادني اثر الاعلي بمادته و صورته و ذلك كالمطلق و المقيد و المقيد عندنا ليس من حصة من المطلق و المطلق لايتحصص و ليس المقيد من مادة المطلق فيكون في عرضه لصدق الاسم في الطولية دون العرضية و ذلك كالجسم المطلق و العرش او الكرسي او غيرهما من الاجسام المقيدة ففي الطولية ليس العالي وراء حد الداني بحيث اذا تجاوزت محدب كرة الداني تدخل في عرصة العالي و لايكون في امكنة المقيدات فيزاحمها بل هو داخل فيها لا كدخول مقيد في مقيد و خارج عنها لا كخروج مقيد عن مقيد بل هو اولي بها منها و اوجد في مكانها منها يعني ان رأيت العالي فهو اذ ذاك هو و لا سواه و لم‌ينضم به شئ سواه فيكون قد تحقق المقيدات و ان رأيت الداني فهو اذ ذاك هو مقيد و لا مطلق و نعبر عن هذا القسم بالشعاع و المنير فالمقيد شعاع المنير و نوره نظرا الي ان النور ليس مادته من مادة المنير و انما مادته مثال و شبح منفصل من المنير كما روي في خبر معرفة الخنثي ان العدول ينظرون الي المرآة فيرون الشبح فاذا المنير اولي بالانوار من الانوار و اوجد منها في مكانها و ليس نور بنور الا برؤية المنير فيه فاذا انقطع اعتباره فاذا هو ظلمة و عدم و قد حققنا ذلك في ساير كتبنا فما دام يري المنير من النور فهو نور و ان قطع النظر عن اعتبار المنير فهو ظلمة و ان الله سبحانه خلق آل‌محمد عليهم السلام قبل ان يخلق القلم و اللوح او شيئا غيرهما و خلق من شعاعهم شيعتهم بالبداهة و علي ذلك استفاضة الاخبار و تواطؤ الآثار و شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس و روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و الاشتقاق هو الاشتقاق الكبير و لا ضير فهم عليهم السلام اوجد في امكنة وجودات شيعتهم منهم و اولي بهم [ص 207] منهم و انما يدرك تشيع الشيعي ما اعتبر وجودهم صلوات الله عليهم فلو قطع النظر عن وجودهم فلا تشيع أليس تقرأ ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و ألم‌تسمع نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر فهم سلام الله عليهم اصل شيعتهم و لا تأصل لهم الا بهم و لا تحقق لهم الا برؤيتهم فاذا وجب تولاهم وجب تولاهم في شيعتهم و من عادي شيعتهم و هو يعلم انهم من شيعتهم فقد عاديهم فقد روي في الوسائل باسناد عديدة عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لاتجد رجلا يقول انا ابغض محمدا و آل‌محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا ، و مر في حديث جيش بن المعتمر عن علي عليه السلام من سره ان يعلم امحب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا و ان كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا ، فعلم بدليل الحكمة انه يجب ولاية اولياء الله و البراءة من اعداء الله فانهم ايضا اظلال اعداء آل‌محمد عليهم السلام بحكم المقابلة و المرئي فيهم هو هم ثم حدود التولي تختلف بحسب اختلاف مراتب الشعاع فكل من كان هو احكي لهم و اجمع لكمالاتهم و شئونهم و فضائلهم كان اولي بالولاية حتي ان القريب الاقرب من الاشعة الذي لا فرق بينه و بين المنير الا انه عبده و نوره له من الولاية مثل ما للمنير الا ان تولاه لاجل المنير و تولي المنير لاجل نفسه و يتحقق تمام تولي المنير بتولاه ، قال علي عليه السلام محبك من احبك و احب من احبك و ابغض من ابغضك و مبغضك من ابغضك و ابغض من احبك و احب من ابغضك .

بقي شئ و هو انا ذكرنا ان النور نور ما رأي المنير فيه و اذا لم‌ير المنير فيه [ص 208] فهو ظلمة فالشيعي له جهتان جهة الي المنير و بها يكون شيعيا و جهة الي نفسه فلايري منها المنير فمن لاحظ فيه جهته الي منيره و تشيعه و شعاعيته ثم ابغضه فقد ابغض المنير و يكون ببغضه له ناصبا كافرا لانه ابغض المنير و اما من ابغضه لاحنة بينه و بين ذلك الرجل او لخلق سيء له او لعمل او لشئ آخر لا من جهة تشيعه فذلك ليس يرجع الي المنير و لايصدق عليه انه ابغض ولي عليّ و شيعته فليس يكفر و لاينصب و ان كان له فسقا ان كان في غير محله فلاتغفل فان الشيعي له جهتان البتة و يمكن للنفس التوجه الي كل جهة منه بدون الجهة الاخري و كذلك الامر في اعدائهم فلو احببت خُلقا حسنا فيهم او عملا صالحا ظاهرا فليس ذلك يرجع الي حب اعدائهم بل الي حبهم اذ ذلك المحبوب مسحة من مولاك فيهم بالعرض من جهة اللطخ و الخلط و قد اشار الصادق عليه السلام الي ذلك بقوله و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا نعم يختلف الشيعة بحسب المراتب و يكون اعتبار الجهتين في الذين لكل من الجهتين فيهم اعتبار و اما من استهلك جهته الي نفسه في جهته الي مولاه بحيث انه لايعرف الا به و لايري منه الا هو و هو منقطع اليه معروف به مضمحل لديه فذلك الذي لايعذر احد في بغضه و لايقبل منه الاعتذار باني لم‌ابغض جهة تشيعه و انما ابغضت جهة نفسه اذ ليس له اعتبار من نفسه لاسيما بعد موته و عدم بقاء شئ من آثاره الا آثار ولايته كسلمان و ابي‌ذر و المقداد و عمار و اضرابهم في كل عصر و اوان فلا عذر لاحد في بغضهم و امثال ذلك كثيرة الاتري ان تربة كربلا لو رفعت بقصد كونها تربة الحسين عليه السلام كان لها الاحترام و فيها الشفا و ان لم‌ترفع بهذا القصد لا حرمة لها و هكذا الامر في كل تربة [ص 209] من ارضه الي ان تأخذ التربة من جوار قبره صلوات الله عليه فتلك لشدة الانتساب لاتحتاج الي قصد و من اساء الادب اليها فقد اساء الادب الي صاحبها و كذلك كلمات القرآن هي الكلمات التي يتفوه العرب بها فلو كان لفظة قال مكتوبة بقصد القرآن لاتمسها الا بطهارة و اذا كانت مكتوبة بقصد لفظ غيره فلا حرمة لها و اما كلمات صريحة في القرآنية لاتحتمل غيرها كقل هو الله احد و بسم الله الرحمن الرحيم و امثالها فلا عذر لاحد في مسها بلا طهارة و لايسمع منه انه مسها بغير قصد القرآنية اذ كأنه لا حيث لها الا القرآنية و كذلك امر الشيعة فكبار الشيعة الذين بذلوا مهجهم دون آل‌محمد عليهم السلام و صرفوا عمرهم في علومهم و بذلها و نشرها و لاينسبون الا اليهم و هم من العدالة و التقوي و الزهد بمكان فلا عذر لاحد في بغضهم و عداوتهم اذ لاتبان فيهم جهة الا جهة تشيعهم و لايعرفون الا بالتشيع و انهم علماء مذهب الشيعة و حملة علوم آل‌محمد عليهم السلام فتدبر حفظنا الله من شرور انفسنا و سيئات اعمالنا بالجملة قد تبين مما ذكرنا ان ولاية اولياء محمد و آل‌محمد عليهم السلام من تمام ولايتهم بل هي ولايتهم حقيقة اليس رفع السيف رفع الحديد و وضعه وضعه و حبه حبه و بغضه بغضه و اليس حب نور الشمس حبها و بغضه بغضها فكذب من يزعم انه يحب محمدا و آل‌محمد و هو يبغض نورهم و شعاعهم بعد ما تبين ان فلانا نورهم و شعاعهم .

بقي شئ و هو انه ربما يسول للانسان نفسه ان فلانا ليس من شعاع محمد و آل‌محمد او لم‌يثبت فلا بأس ببغضي اياه و ليس بغضه بغضهم ، اقول اذا صح ذلك عنهم مطلقا فبذلك يتجه اليهودي ايضا علي المسلم انكم لستم اولياء الله و الا لكنا نحبكم و هكذا السني علي الشيعي و المعول [ص 210] علي ظهور الآثار فان لكل حقيقة اثرا كما قال النبي صلي الله عليه و آله علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور ، فاذا كان اثر الرجل ولاية آل‌محمد عليهم السلام و بغض اعدائهم و العمل بآثارهم فما باله ليس من شعاعهم و نورهم ان هذا الا تلبيس الملبسين و تعلل المتعللين كما اذا كان الرجل ينكر فضائلهم بعد البيان و يبغض اولياءهم و يوالي اعداءهم فما باله ليس من الناصبين .

و الثاني في الاستدلال علي ان للشيعة درجات و فيهم سابقين و لاحقين و لكل درجات مما عملوا و حقوق بحسب مقامهم . اعلم ان الله سبحانه خلق الشيعة من شعاع آل‌محمد عليهم السلام كما روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، و لا شك ان الشعاع من لدن المنير الي منتهي غايته مختلف المراتب باختلاف القوابل التي ضمنته و ان كان الشعاع من حيث الصدور وحدانيا كمؤثره فكلما قرب الي المنير كان اوحد و ابسط و الطف و انور و اشبه بالمنير حتي انه يصل الي مقام يرق فيه القابلية حتي يكاد ان يفني من نفسه ، فكأنما خمر و لا قدح ، و كلما بعد عن المنير كان اشد تكثرا و اغلظ و اكثف و اقل شبها بالمنير حتي يكاد ان يكون ظلمة و لا نور و لا ذكر للمنير فيه ، فكأنما قدح و لا خمر ، و ما بين ذلك درجات لاتحصي فنور المنير و ظلمة القوابل كانهما مثلثان تداخل رأس كل مثلث علي قاعدة الآخر ففي قاعدة النور نقطة من الظلمة مستهلكة و لا حكم الا للنور و في قاعدة الظلمة نقطة من النور مستهلكة و لا حكم الا للظلمة و لايعقل الطفرة في درجات النور و القوابل لان القابل في الدرجة العليا من الامكان لانه اللاتعين موجود و المعطي ذو جود و المقتضي موجود و المانع مفقود و القابلة اللاحقة بنفسها منحطة عن درجة [ص 211] الاستفاضة من المنير من غير ان يتجلي في القابلية الاولي اولا ثم يتجلي بها للثانية و بهذا العجز و الانحطاط صارت ثانية و لاحقة و اللاحق هو العاجز عن الاستفاضة قبل السابق و الا لكان سابقا فكيف يستفيض اللاحقة قبل السابقة و هي ابعد تناسبا بالمنير من السابقة و محجوب عن درك المنير من غير غشاء و وقاية تكثف نوره و السابقة اولي بالمنير و انسب من اللاحقة و متمكنة من النظر الي المنير من غير واسطة فاي دليل علي وجود التسعة ادل من نفس العشرة اذ هي تسعة اضيف اليها واحد فكيف تنكرها و اي دليل ادل علي وجود النفس من الجسد المحجوب عن العقل الا بواسطة النفس و يري اثر العقل عليه و اي دليل ادل علي النور القوي من وجود النور الضعيف و يعلم ان ضعفه ليس لضعف السراج و انما ضعفه لشوب النور الآتي بظلمة القوابل السابقة و بظلمة قابليته و بعدها عن السراج فاذا لا دليل ادل علي وجود الكاملين من الشيعة من وجود الناقصين و يعلمون انهم ليسوا باول صادر عن المنير و اشبه اثر به فلا بد و ان يكون بينهم و بين المنير وسايط علي حسب بعدهم قال الله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قال و السابقون السابقون اولئك المقربون ، فاذا وجود الكاملين من الشيعة اظهر من الشمس و ابين من الامس و لا شك انهم في غاية القرب و اشد شبها بالمبدء حتي انه لا فرق بينه و بينهم الا انهم عباده و خلقه فتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه و المراد بعدم الفرق عدم الفرق في الصفة و بالمستثني الفرق في الذات فذات النور عبد المنير و اثره احدثه لا من شئ و اما في الصفة و الفعل فلا فرق اذ النور بنفسه صفة المنير و فعله فالذين هم عند قاعدة النور [ص 212] اشبه شئ شبها بالمنير في الصفة و احكي له ثم يضعف الشباهة شيئا فشيئا الي ان لايبقي فيه الا ذكر المبدء فاذا لكل طائفة حق بحسب حكايتها المبدء و اراءتها اياه و ذلك الحق هو ما للولي علي الرعية من السمع و الطاعة و الميل اليه و المحبة له و معرفة الاعلي به و التوجه اليه منه و امثال ذلك فاينما وجده الرعية يجب عليها ان تؤدي اليه حقه علي حسب ما وجدته و سيأتيك عدد مراتب الاولياء و درجات الاصفياء فترقب و اكتفينا بما ذكرنا من دليل الحكمة هنا لما فصلناه في كتابنا الزام النواصب .

النوع الثاني - دليل الموعظة الحسنة و هو حظ السالكين و ارباب القلوب من المؤمنين الذين اشار اليهم رب العالمين بقوله فبشّر عباد الذين يستمعون القول فيتّبعون احسنه اولئك الذين هديهم الله و اولئك هم اولوا الالباب ، اعلم ان بهذا النوع من الدليل ايضا نستدل في المقامين :

الاول الاستدلال علي وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء . اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق لفائدة و هي الجود عليهم و التفضل و الكرم بالحيوة الابدية و القدرة الكاملة و الاحاطة التامة و الكمالية الباقية له و هي التي وعدهم من نعيم الجنة و لاينالون تلك الفائدة الا بافادة الله اياها و لايتحقق الافادة الا بقبولهم و استفادتهم و تلك الاستفادة هي فعلهم و منهم و خلق فيهم الاختيار ليستحق المدح مقبلهم و الذم معرضهم ثم علمهم طريق اكتساب تلك المقامات و سماها العبادة و مكنهم من العصيان لتتحقق العبادة فقال ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و لما كان اول العبادة المعرفة قال خلقت الخلق لكي اعرف ، و كانت تلك الطريق هي المحبوبة لله عز و جل لانها [ص 213] سبب الوصول الي دار رضاه ان الله لايرضي لعباده الكفر و ان تشكروا يرضه لكم و رضاء الله رحمته و سخطه عذابه و كان العامل بها و السالك فيها محبوبا لله تعالي قال ان كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله و قال و الله ولي المؤمنين و الله ولي المتقين و قال فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه اذلّة علي المؤمنين اعزّة علي الكافرين ، الي غير ذلك من الآيات و من يحبه الله يحبه الرسول البتة لاجل ان رضاء النبي صلي الله عليه و آله لايخالف رضاء الله البتة و معاداتهم مجانبة رحمة الله و النبي ليس يجانب رحمة الله و من يحبه الرسول صلي الله عليه و آله يحبه آل‌محمد عليهم السلام فانهم لايخالفونه في شئ من الامر و كيف يمكن ان يعادوا من احبه الله و رسوله او يحبوا من ابغضه الله و رسوله فاذا كان الشيعة المتبعون لهم و الموالون اياهم ممن يحبه الله و رسوله و اولياؤه و لم‌يكونوا محبوبين الا لاتباعهم محاب الله و مراضيه كيف يجوز لولي لهم ان يعادي اولياءهم او يوالي اعداءهم و وليهم هو المتصف بصفتهم و هو اذا كان محبا لهم كان محبا لصفتهم فان ذاتهم ممتنعة عن الادراك و صفتهم موجودة في اوليائهم فوجب ولاية من كان متصفا بصفاتهم ، هذا و المؤمن مؤمن باتباعه اوامر الله و اجتنابه نواهيه و اكتسابه العلة الغائية و هي قربه تعالي و المحبة هي الميل و غايتها الاتصال فالمحب للمتقربين الي الله سبحانه متوجه الي الله متقرب اليه و العداوة هي التنافر و التباعد و عداوة المتقربين الي الله تعالي تنافر عن دار قرب الله و جواره و تباعد عنه فمحبة اولياء الله سبب التقرب الي الله و عداوتهم سبب التباعد عن الله فمحبتهم طاعة لله و عداوتهم معصية له فلايختار عاقل ما يتباعد به عن جوار الله الذي فيه خير الدنيا و الآخرة علي ما [ص 214] يتقرب به الي الله عز و جل فيحرم عن كل خير في الدنيا و الآخرة و محبة الاولياء اتصاف بصفة الله و صفة رسوله و حججه عليهم السلام يقينا و عداوة الاولياء اتصاف بصفة اعداء الدين و اعداء الرسول الامين و اعداء حجج الله علي الخلق و في الحقيقة هذا الامر من الضروريات التي لاتحتاج الي الدليل و كل نظري انتهي اليه وجب التسليم له فلانطيل بذكره الكلام .

الثاني الاستدلال علي وجود الكاملين بهذا الدليل و يحتاج الي مقدمة و هي ان الله سبحانه كما عرفت خلق الخلق لفائدة و لاينالون تلك الفائدة الا باسباب حصولها و اسباب حصولها مفيدها و هو موجود و مطاوعتهم لمفيدها و هي منهم و جهات تلك المطاوعة الطاعة و لايعرفون تلك الطاعة الا بالتعليم و لايقدرون علي العمل بها الا بالتمكين و التوفيق و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فلا بد من سبب التعليم و التمكين فخلق لذلك اسبابا و هي الرسل و الحجج و الاولياء الكاملون صلوات الله عليهم و احتيج الي الاولياء مع وجود الحجج كما احتيج الي الحجج مع وجود الرسل و العلة فيه ان الرسول شخص بشري يجري عليه الموت و ما دام شريعته باقية تحتاج الي حافظ و مؤد عنه و خليفة منه و هو الحجج و الرسول و الحجة شخصان بشريان يكونان في بلد و لايمكن الايصال الي اطراف ما بعث اليها الا بواسطة الحملة و الثقات القابلين للتعليم و التمكين و هم علماء امته و رعيته و خلفاؤه الجزئية الي تلك الاطراف و لولا العلماء المبلغون لماانتشر الدين و لماتعلم الجهال الشرع المبين و لماتمكن القابلون من العمل بمقتضي امر الرسول و نهيه و لاسيما في حال فقد النبي و غيبة الولي و دول الضلال و غلبة الجهال و كثرة الاعداء و قلة الاولياء و انطماس الآثار و تشعب الطرق خلال الديار [ص 215] و خفاء الحق فلولا اولئك العلماء المعلمون الممكنون لمابقي احد الا ارتد كما روي عن العسكري عليه السلام عن ابيه عليه السلام لولا من يبقي بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين الله و لكن هم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الافضلون عند الله انتهي ، و انت تعلم ان كل الدنيا جهل و لايعبد به الله الا مواضع العلم و مواضع العلم عند العلماء و جوارهم فلو كانت البلاد خالية عن العلماء سواء كانت في عصر الحجة او بعده كانت جاهلة و لايعبد الله بالجهل و الحجة بنفسه بشر لايحضر كل بلد فتبقي البلاد في الجهل فلاتعبد الله ، فوجب في الحكمة ايجاد علماء اخر غير الحجج يجوبون البلاد و يعلمون العباد و يمكنونهم من التزود ليوم المعاد .

فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة فانصف ربك اليس وجود اولئك من الحكمة و عدمهم خلاف الحكمة و ان عجزت عن درك ذلك أليس وجود اولئك اكمل و اسهل لترقية العباد و هل يجوز ان يعدل الله عن الاكمل الي غير الاكمل و هو قادر علي ايجاد الاكمل و الاكمل اولي بالايجاد و ترك الاولي قبيح علي العباد فضلا عن القوي القادر المختار البتة و قد عاتب الله بترك الاولي الانبياء فكيف يترك الاولي بنفسه ، هذا و النفس الضعيفة لاتقدر ان تسالك النفس القوية و تضمحل و تتلاشي عندها فالخلق الضعيف الكثير لايقدرون علي الاستفادة الكاملة من الكامل القوي الواحد الشخصي و لم‌يجر عادة العالم علي ذلك و لم‌يجر عادة الانبياء و الحجج علي تكميل الخلق الناقصين بخرق [ص 216] العادة فلاجل ذلك في العادة احتيج الي وجود كاملين جزئيين يكونون وسائط بين الحجج و بين الضعفاء في حضورهم و غيبتهم و يكونون خلفاءهم عليهم كما قال تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين ، فمن انصف ربه و علم سياسة المدن و طريق الهداية و الارشاد علم ان وجود اولئك الهداة واجب او هو الاولي و الاكمل اقلا و الاسهل و ان الله سبحانه لايترك الاولي لما عاتب انبياءه بترك الاولي و لقبحه عن القادر الغني ، فتبين و ظهر انه لا بد و ان يكون في كل عصر لهم شيعة كاملون مكملون حملة اسرارهم و آثارهم مؤدون الي شيعتهم عنهم و بذلك استفاضت الاخبار منها ما رواه في العوالم من بصائر الدرجات بسنده عن الحسين بن يونس عن ابي‌عبدالله عليه السلام في صفة الامام قال فاذا كان الامر يصل اليه يعني الي الامام اللاحق اعانه الله بثلثمائة و ثلثة‌عشر ملكا بعدد اهل بدر و كانوا معه و معهم سبعون رجلا و اثناعشر نقيبا و اما السبعون فيبعثهم الي الآفاق يدعون الناس الي ما دعوا اليه اولا و يجعل الله في كل موضع مصباحا يبصر به اعمالهم و من خطبة لعلي عليه السلام اللهم و اني لاعلم ان العلم لايأزر كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك ظاهر ليس بالمطاع او خائف مغمور كيلاتبطل حججك و لايضل اولياؤك بعد اذ هديتهم بل اين هم و كم اولئك الاقلون عددا و الاعظمون عند الله جل ذكره قدرا المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم و ينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فتستجيب ارواحهم لقادة العلم و يستلينون من حديثهم ما استوعر علي غيرهم و يأنسون [ص 217] بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء صحبوا اهل الدنيا بطاعة الله تعالي و اوليائه و دانوا بالتقية عن دينهم و الخوف من عدوهم فارواحهم معلقة بالمحل الاعلي فعلماؤهم و اتباعهم خرس صمت في دولة الباطل ينتظرون لدولة الحق و سيحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل هاه هاه طوبي لهم علي صبرهم علي دينهم في حال هدنتهم و يا شوقاه الي رؤيتهم في حال ظهور دولتهم و سيجمعنا الله و اياهم في جنات عدن و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذرياتهم و في الكافي في حديث عن ابي‌عبدالله عليه السلام انظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، و بمضمونه احاديث كثيرة .

فتبين و ظهر ان الله جل و عز لايخل بهذا الامر العظيم و لايترك الاولي و لايهمل هذا الخلق و ان وجود الامام وحده لايكفي لهذا الامر بحسب العادة اذ لايشهد كل قطعة بر و بحر و لا بد من خلفاء له و حكام يبعثهم الي الآفاق ليهدوا و يعلموا كل من عرفوه بالاستعداد لئلايضل اولياء الله و لولا ذلك لبقي الخلق علي الجهل و الضلالة و لم‌يتم الدعوة و ضاع من في الاطراف و ان قلت ذلك لازم و هم فقهاء الشيعة قلت لسنا الآن بصدد تعيين اولئك و غرضنا اثبات اكمل من ضعفاء الشيعة و جهالهم به يعلمهم الله من الجهالة و يمكنهم من الطاعة و ان لم‌يتبعوه فان الواجب ان يكون الخلق من الحكيم في غاية الاتقان فان لم‌يتبعه الناس فلا نقص علي خلق الله كما ان الذي خلق العطش خلق الماء فان لم‌يشرب رجل الماء حتي يموت فلا نقص في خلق الله ،

فلله تحت قباب العرش طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا [ص 218] 

و هم ناظرون مأمورون بالهداية و مشاهدون القوابل فمن عرفوه بالاستعداد لماخلوه ان يضيع و من البديهيات ان وجود اولئك لاينافي كتابا و لا سنة و لا اجماعا و لا ضرورة و لا عقلا فلايجوز لاحد ان يرد هذا القول علي القائلين به لعدم قيام دليل علي كذبه ، قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و من كان متدينا لايكذب هؤلاء القوم غاية الامر انه يقول لم‌يثبت لي وجودهم و اما الانكار مع انه لم‌يصعد السماء و لم‌يخرق الارض و لم‌يطف بجميع البلاد فكيف يجوز عند العاقل فالانكار مخاطرة النفس البتة و ان راجع امرأ و انصف من نفسه ما كتبناه هنا و في ساير كتبنا عرف بلا غبار انه يجب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء و الاطاعة و الانقياد لرؤساء المؤمنين و وجودهم لازم في الحكمة و من اللطف الواجب .

النوع الثالث - دليل المجادلة بالتي هي احسن فنستدل بذلك ايضا لاهل الجدال علي المقامين :

فالاول الاستدلال علي وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء نوعا فاقول لا شك ان الله سبحانه خلق هذا الخلق و بعث اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و دعاهم الي امتثال اوامره و اجتناب نواهيه فاجاب منهم مجيبون و اعرض منهم معرضون ثم ان قلت ان الله سبحانه دعاهم الي ما فيه هلاكهم و به بعدهم عنه فذلك خلاف البداهة فان الله وعدهم بالطاعة خير الدنيا و الآخرة و بالمعصية شر الدنيا و الآخرة و نري انه اهلك الامم الماضية بعصيانهم و ان قلت انه دعاهم الي ما فيه نجاتهم في الدنيا و الآخرة و به يتقربون اليه فالمجيبون للدعوة ناجون و متقربون الي الله سبحانه ثم لايخلو اما ان تقول ان الله يبغض المجيبين [ص 219] الناجين المقربين و اما يحبهم فان قلت بالاول خالفت ضرورة الاسلام و الكتاب و السنة و ان قلت بالثاني فهم اولياؤ الله و احباؤه متقربون اليه يحبهم و يحبونه فاذا كانوا كذلك لايخلو قولك في حبك لهم من ان تقول انه يكون مقربا منهم و موصلا اليهم او تقول انه يكون مبعدا عنهم فان قلت بالاول خالفت البداهة فان الحب ينشأ من المناسبة و يكون سبب الاتصال و دليل المجانسة و البغض بعكس ذلك و كل مجانس يكون محبا للمجانس لانه يقويه و عدوا للمنافر لانه يضعفه ضرورة ان الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها و ان قلت بالثاني فحبك لاولياء الله دليل علي مناسبتك معهم و مجانستك لهم و يكون سبب اتصالك بهم حتي انه روي من احب حجرا حشره الله معه فاذا حب اولياء الله دليل السعادة و بغضهم دليل الشقاوة و بهذا القدر نكتفي من المجادلة فانه بديهي ان شاء الله و لا احد من اهل الاسلام بل من الاديان قال بانه لايجب حب اولياء الله .

و الثاني الاستدلال به علي وجود السابقين و الوسايط من المؤمنين و ذلك ايضا بديهي و اني لااجد عاقلا يقول ليس في خلق الله اتقي مني و اورع و اعلم و اكمل و كيف يتفوه العاقل بذلك و هو لم‌يجب جميع المشرق و المغرب و جميع بقاع الارض و لم‌يطلع علي ما في الصدور و علي عباد الله الظاهرين فضلا عن المغمورين و لايدل علي ذلك دليل عقلي و لا وحي فاذا يجب علي المسلم ان لايبت علي عدم كون كاملين في العلم و العمل في كل عصر و ينزل اولا من درجة الانكار الي درجة الاحتمال و لايرد علي القائلين به قولهم و لايكذبهم بقولهم فان كل من ادعي ما يمكن كونه و لاينافي دينا و لا عقلا لايجوز انكاره و ان لم‌يقدر ان يثبته اذ يحتمل وجوده في نفسه [ص 220] و ان لم‌يدعه مدعٍ فاذا نزلت من عرصة الانكار الي مقام الاحتمال فاقول ان نبينا صلي الله عليه و آله مبعوث علي كل الناس ام بعضهم فان قلت بعضهم كذبت و ان قلت كلهم صدقت لقوله تعالي قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا فان كان مبعوثا علي الكل يجب الابلاغ الي من بعث اليه ام لا فان قلت لا امحلت و ذهبت فائدة البعثة و ان قلت نعم صدقت و قال الله تعالي يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لم‌تفعل فمابلغت رسالته و قال ان عليك الا البلاغ ، فاقول هل يمكن في الخلقة البشرية الشخصية الزمانية في العادة ان يصل النبي بنفسه الي جميع اقطار الارض و يوصل الي الكل في المدة القليلة ام لا و هل فعل النبي صلي الله عليه و آله ذلك ام لا فان قلت نعم كذبت و ان قلت لا لم‌يصل الي جميع العباد و البلاد صدقت فاقول هل اخل بالابلاغ فليس بمعصوم ام لم‌يخل فلاتقدر علي اختيار الاول فلم‌يخل فهل يتحقق الابلاغ مع عدم وصوله بنفسه الا بالابلاغ بواسطة ام لا و لا شك انه لايمكن الا بواسطة و هل ينبغي ان يكون الواسطة الذي يكون خليفة له في الابلاغ عالما بما يبلغ او يجوز ان يكون جاهلا لايسعك اختيار الثاني ، فتبين انه كان في عصره بينه و بين من لم‌يصل اليه عالم بمعني ما يريد ان يبلغه و يجب عليهم متابعته و الرد عليه رد عليه و القبول منه قبول منه و حبهم له حب له و بغضهم له بغض له و كذلك نقول هو رسول الي الخلق الي يوم القيمة فجعل في كل عصر خليفة بدله معصوما لئلايضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء الي يوم القيمة و ذلك الخليفة ايضا بشر شخصي لايمكنه عادة الابلاغ الي جميع الخلق و لايمكن الايصال الا بعلماء صالحين كاملين بهم يقوم عمود [ص 221] الابلاغ و يتم الحجة علي العباد و اشد من ذلك حال غيبتهم سلام الله عليهم فان الناس حينئذ اشد احتياجا الي العلماء فوجود العلماء المبلغين من شروط ابلاغ النبي و من تمامه و اسبابه و يجب بقدر وجوب الابلاغ و منكره منكر الابلاغ و في الاخلال به تضييع الدين و الاهمال في ابلاغ رسالة رب العالمين و من البين انه ليس بناء الرسل علي الابلاغ علي نحو خرق العادة و لاجل ذلك لم‌يبلغ النبي صلي الله عليه و آله بخرق العادة و هو اشرفهم و املكهم له و انما اتخذ سفراء علماء و حملهم علمه و ارسلهم اليهم قال عليه السلام لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم و قال عليه السلام اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، فوجودهم من تمام الرسالة و الامامة يعني لايتحقق الرسالة و الامامة العامة الا بوجود شيعة علماء حلماء مبلغين عن الحجة ما امر بابلاغه الي الخلق و بدونهم ناقصتان في العادة فالقول بعدمهم بعد كونه بلا حجة و صادرا عن محض العناد قول بعدم تمام الرسالة و النبوة و اخلال الحجة بما امر به و عدم العصمة نعوذ بالله و ذلك ليس كلام مؤمن بالله و رسله و ان قلت كلامك هذا لايفيد وجود ازيد من راو لاخبارهم الي ساير المكلفين و نحن لاننكر ذلك اقول لايكفي الراوي وحده فان امم الارض مختلفة و الافهام متفاوتة و رب حامل فقه و ليس بفقيه فلايكفي محض الرواية الي اهل الهند و السند و القند و الترك و الديلم و لا بد من شارح لهم و هو قوله تعالي فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و طلب العلم فريضة علي كل [ص 222] مسلم و لايطلب الا من العالم و صرف الرواية اذا كان لايفهمها الراوي و المروي اليه ليس بعلم فمن اوجب طلب العلم علي كل مسلم وضع علماء يطلبه منهم و بذلك مرت القرون و تمادت الاعصار و مضت الامم و فوق كل ذي علم عليم و يؤت كل ذي فضل فضله ، هم درجات عند الله و لكل درجات مما عملوا و كذلك فضلنا بعض النبيين علي بعض فضلا عن غيرهم ، هذا و لايكفي في سياسة المدن و نظم البلاد و العباد محض الابلاغ و انما يحتاج كل قطعة من الارض الي حاكم يرفع النزاع و يحمل الناس علي القصد و التنازع يقع في جميع الامور الظاهرة و الباطنة و الاعمال و الاحوال و العلوم و لا شك ان ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول فينبغي الرد الي الله و رسوله في جميع المنازعات و اذا لم‌يمكن الرد الي الرسول الشخصي البشري للاقاصي في كل شئ تنازعوا فيه وجب ان يكون له خلفاء في الاطراف يرفعون النزاع و يحكمون بين الناس بالقسط في جميع الامور مما تنازعوا فيه و عدم امثال اولئك الخلفاء نقص في الابلاغ و الرسالة و يكون وجوب الرد الي شخص الرسول لجميع اهل الارض في كل شئ تكليفا بما لايطاق فتدبر و انصف فالشيعة مختلفوا الدرجات بعضهم اعلم من بعض و بعضهم اتقي من بعض و بعضهم اكمل من بعض و ذلك من البديهيات فان لم‌تكن اعلم الخلق ففوقك اعلم منك و ان لم‌تكن اتقي الناس ففوقك اتقي منك و ان اكرمكم عند الله اتقيكم و ان لم‌تكن اكمل الناس ففوقك اكمل و اي دليل ادل علي ذلك من عدم كونك اعلم الخلق و كافيا للناس و هادي من سواك الي الحق و الي طريق مستقيم و فوق كل ذي علم عليم ، فالكاملون [ص 223] في الحقيقة ايدي الامام و السنته في الهداية و الابلاغ و الايصال و بدونهم لايحصل عادة و هم غير مهملين لما امروا به لانهم معصومون مطهرون ، فتبين و ظهر انه يجب ان يكون في كل عصر كاملون عالمون حاكمون حتي لايكون في خلق الحكيم نقص ثم ان كانوا خائفين مغمورين فمن ظلم العباد و ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و لما كان ساير كتبنا في هذا الباب كافية شافية لاسيما كتابنا الزام النواصب اكتفينا بما ذكرنا .

المقالة الرابعة

في الاستدلال علي ذلك بامثلة الآفاق و الانفس التي جعلها الله اسباب التبين و الاستدلال و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال في الارض آيات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و قال و كم من آية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون فآيات الآفاق و الانفس في الشهادة كاشفة عن الغيب كما قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و لما قال الله سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، بالجملة ففي هذا المقصد مثالان :

الاول المثال الآفاقي و هو انك اذا نظرت الي هذا العالم وجدته علي طبقتين طبقة متحركة و طبقة ساكنة اما الطبقة الساكنة فهي الارض و شأنها مطاوعة الطبقة العلياء و امتثال امرها و التحرك بتحريكها و اما الطبقة المتحركة فالسموات و شأنها الاحاطة بالارض و الحركة عليها و تحريكها و اثارتها في الظاهر و الباطن و نضجها و تربيتها و اخراج المواليد منها بتكميلها فسميت الطبقة العليا بالآباء العلوية و الارض بالامهات السفلية و المواليد اولاد بينهما [ص 224] تحصل بنكاح السماء الارض و حركتها عليها و انزال نطفتها التي هي انوارها و شعلاتها اليها فتنزل الارض ايضا و هي لطايف اهبيتها فتختلطان و يحصل الاولاد من نطفة امشاج منهما و لولا السموات و الآباء المتحركات المحركات لماكمل شئ من الارض و لماخرج شئ من قوتها الي الفعلية بنفسها و كل قوة تخرج الي الفعلية بتكميل ذي فعلية و السموات هي ذوات الفعلية في الكمالات الجسمية فتكمل الارض و لولاها لماتكملت ابدا ابدا و اذا نظرنا الي السموات وجدناها ذوات مراتب : الاولي مرتبة العرش و هو الاطلس الخالي عن جميع التعينات الجسمية مما دونه و هو جهتها الي ربه و هو مبدء المبادي و غاية الغايات و منتهي النهايات فاليه ينتهي جميع الاجسام منه بدئت و اليه تعود و به فتح الله و به يختم و هو اول جسم موجود خلقه الله و هو مركب من بسيطين اي من جزئين غير مركبين بتركيب الاجسام فلا ابتداء زماني له و لا انتهاء ثم دونه مقام الكرسي و هو نفس العرش و جهة تفصيله و تكثره قد شحن باثني‌عشر برجا هي مبادي تدبيرات العالم و فيه كواكب وجوه جميع الآثار و هي معلوماته و رقوم سطره قلم العرش في لوحه و هما اخوان الا ان العرش معنوي كلي غيبي و الكرسي صوري كلي شهادي و هما اصلا جميع التأثيرات و مبدءا جميع الحركات و هما وكرا مشية الله و فعله المتعلق بتدبير العالم الا ان العرش جهة الكرسي الي ربه و الكرسي جهة العرش الي نفسه و الكرسي خليفة العرش و وصيه و ينتهي تفاصيله الي اثني‌عشر برجا و لما استسقي موسي النفس الكلية الالهية لقوم ظهوراتها و اشعتها قال الله سبحانه فاضرب بعصي العرش حجر الكرسي فانبجست منه اثنتي‌عشرة عين البروج [ص 225] ليعلم كل اناس من طوايف القوابل مشربهم و مستمَدَّهم - بالفتح - و لما كان قابلية الارض بعيدة عن مجانسة العرش و الكرسي غير مستأهلة للتلقي عنهما و استماع امرهما و نهيهما و عمشه عن رؤية انوارهما عاجزة عن حمل اعباء كمالاتهما و ما لم‌يوفق الله القابلية بالتمكين لم‌تستأهل للتكوين خلق الله بين الكرسي و بين الارض افلاك دوارة متحركة مستأهلة للتلقي عن الكرسي لاجل المناسبة معه صالحة للالقاء الي الارض للمناسبة من حيث غلظتها و كدورتها بالنسبة فهي اسباب التمكين و التقريب و التوفيق و التأييد حتي يقترن انوارها بالارض و تخالطها و تمازجها و تنبهها و تؤهلها لتلقي انوار الكرسي و آثاره و اسراره و لولا الافلاك لمااطاقت اياها ابدا ابدا و فنيت باول اشراق منهما و تلك الافلاك بالنسبة الي الكرسي كيدك و لسانك بالنسبة اليك فهي مضافة اليه و منه و له انما صار سلمان من العلماء لانه رجل منا اهل البيت ، من اتبعني فانه مني ، ان اولي الناس بابرهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا ، فالعرش هو مثل محمد صلي الله عليه و آله الذي هو اول ما خلق الله و به فتح الله و به يختم و هو العقل الكل و الكرسي مثل مجمع الولاية و اصل العصمة صلوات الله عليها تشتمل علي اثني‌عشر برجا صلوات الله عليهم و هي السماء ذات البروج و اما الافلاك فهم كاملوا الشيعة الملحقون بساداتهم الداير الساير كواكب نفوسهم في البروج دائما و هم بين عديم عرض و ذي عرض بحسب اختلاف مقامهم دائبون في خدمتهم سايرون في البلاد لتكميل قوابل المستعدين و الارض مثل القوابل من الضعفاء و الناقصين و من فيهم الكمالات بالقوة و انما خلقوا لتخرج تلك القوي من كمونهم الي بروزهم و هيئ لاخراج تلك القوي اسباب السماوات [ص 226] فدار عرش الرسول بالابلاغ و لم‌يكلف الا نفسه فبلغ الي كرسي نفسه و لم‌يعقل منه الا هو فجعله خليفته و ادار الخليفة خدام سمواته من نقباء الشمس و زحل و نجباء القمر و المشتري و حكماء المريخ و علماء الزهرة و عطارد فكملوا قوابل الضعفاء حتي استأهلوا لظهور نور الولاية فيهم و لولا ذلك لمااستطاعوا ان يتلقوا من ائمتهم شيئا و ما يري من تلقي الناس من النبي و الامام فانما هو تلق عرضي ظاهري و المطلوب التلقي الباطني و معرفة الوسائط الاتري انه ليس لاحد ان يقول ان الافرنجيون احياء يرزقون و لايعرفون نبيا فليس النبي بواسطة فيض بين الله و بين خلقه فان الشأن في المعرفة فالناس و ان كان يصل اليهم انوار كواكب الكرسي لكن ليس يصلهم شئ منها الا بواسطة الافلاك ، فافهم هذا المثل الحكيم الذي ضربه الله في الآفاق بحيث ليس فيه مغمض ابدا و هو نص فيما نريد من توسط كبار الشيعة بين الضعفاء و بين الحجج و هو مطابق مع الكتاب التدويني حيث يقول الله سبحانه و جعلنا بينهم اي القوابل الارضية و بين القري التي باركنا فيها اي العرش و الكرسي قري ظاهرة و هي الافلاك و قدرنا فيها السير سير الانظار و الاوهام سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

و الثاني المثال النفساني و هو بعد ما بينا المثال الآفاقي سهل جدا فان الانسان عالم صغير و فيه انطوي العالم الاكبر و فيه من كل جزء من العالم قبضة فعرشه قلبه و كرسيه صدره و مشاعره الباطنة افلاكه و ساير الاعضاء ارضه و جميع تدابير ارض بدنه بافلاكه التسعة و قلبه هو مبدأه و مظهر عقله به فتح الله و به يختم و صدره مظهر نفسه و هو خليفة قلبه و عاقلته و عالمته و واهمته و وجوده و خياله و فكره [ص 227] و حيوته هي اسباب تمكين الاعضاء و الجوارح للاطلاع علي اوامر القلب و الصدر و ايديهما في ايصال الفيض اليها و لولا المشاعر لمااطلع عضو علي امر القلب و لماتأهل لقبول امرهما و حكمهما و لماتحرك بتحريكهما فقلبك مثل نبيك و صدرك مثل وليك و مشاعرك امثال خدامه و شيعته الممكنون الكاملون المكملون من نقباء العاقلة و الشمس و نجباء المشتري و القمر و حكماء المريخ و علماء الزهرة و عطارد فهم يمكنون الاعضاء و يبلغون عن القلب و الصدر اليها و هم من كمالهما و ايديهما و السنتهما و بدونهم لايتم ابلاغهما و ايصالهما و لايقوم حجتهما و ان الله تعالي قدره جعل فيكم دليل وجود الكاملين لئلاتقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين ، فاذا كان هذا شأنهم فلا شك ان لهم حقا فوق الحقوق و يجب ان يؤدي اليهم فمن لم‌يشكر العبد لم‌يشكر الرب و لم‌نستدل بهما علي وجوب ولاية نوع الاولياء و البراءة من الاعداء لشدة وضوحهما و من عرف من الآفاق و الانفس ان ما ارتبط بشئ جري عليه حكمه و ورد مورده و الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها لايخفي عليه وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء .

المقالة الخامسة

في الاستدلال علي ذلك بالاجماع و الضرورة من المذاهب بل الملل باجمعها بل الجبلات و السجايا و قد فصلنا ذلك تفصيلا في كتابنا الزام النواصب و نسلك هيهنا سبيل الاختصار . اعلم ان كل من دخل عرصة التشيع بل الاسلام عرف ذلك بلا غبار ان المسلمين اخوة تتكافأ دماؤهم و انهم يد علي من سويهم و هم بناء دينهم علي التألف لاسيما بعد قوله و اذكروا اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم [ص 228] فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها ، فالعدوان شفا حفرة النار و الاخوة هي النجاة من النار و قال انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و لزوم محبة المسلم للمسلم من ضروريات مذهب الشيعة بل من ضروريات الاسلام بحيث لو سئل عنه النساء و الصبيان لعرفوا ذلك فكيف يكون قولنا بانه يجب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء و انها من اركان الدين كفرا او فسقا او خروجا عن الدين و هل افتراؤهم ذلك الا من تلبيس ابليس اللعين و اي مسئلة من مسائل الدين اوضح من ذلك بل علي ذلك جميع امم الانبياء بل اهل النحل فلاتجد اهل ملة و نحلة الا و هو يحب من يقول بقوله و يبغض من يرد عليه قوله فذلك بديهي جميع الملل و النحل و من ضرورياتهم بل ذلك من لوازم السجايا و الجبلات حتي ان الظبي يألف الظبي و الغنم يألف الغنم و الابل يألف الابل و كل واحدة منها ينفر عن مفترسه و عدوه و كذلك صنوف الاناس فالصبي يألف الصبي و الشاب الشاب و الكهل الكهل و الشيخ الشيخ و العالم العالم حتي ان الحلاق يألف الحلاق و هؤلاء يدعون ولاية آل‌محمد عليهم السلام و منهم من يدعي العلم و ينفرون عن جماعة محضوا ولاية آل‌محمد عليهم السلام و صرفوا عمرهم فيها و في نشر فضائلهم و درسها و كتبها و حلها و افنوا شبابهم في علوم آل‌محمد عليهم السلام فهل ذلك الا من اختلاف الطين و مفارقة الفطر و قال الله سبحانه و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله مااقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد و لا شك ان اولاهم بالايمان اولاهم بالله و اولاهم بالله اشدهم حبا لله و لرسوله و آله سلام الله عليهم و لاوليائهم و اطوعهم لهم و اسلمهم و ذلك امر لاينكر [ص 229] و عند الصراط يعرف المعوج من المستقيم و المائل عن القويم و الي الله المشتكي و المستعان خرجنا بما نفث الصدر عن بناء الكتاب و الغرض ان ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء من ضروريات المذهب بل الملة بل الملل بل النحل بل العقلاء بل من لوازم السجايا فمنكرهما منكر جميع ذلك و مآله الي ما شاء الله و اما وجود سابقين علي سبيل الاجمال فالاجماع قائم علي ان في الشيعة بل في الملة بل في الملل جهالا و علماء و ناقصين و كاملين و العلماء الكاملون هم اولي بالله و برسوله و اكثر تقربا اليهما و اولي بكل خير و فيض نزل منهما و هم احكي لصفاتهما و افعالهما و كمالاتهما بالبداهة و هم خلفاء الرسل و حملة علومهم و محال عنايتهم و يدل علي ذلك قوله تعالي و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين لفي شقاق بعيد و ليعلم الذين اوتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا فتخبت له قلوبهم و ان الله لهادي الذين آمنوا الي صراط مستقيم ، فاثبت الله سبحانه ان كل نبي بعث الي قوم و قرأ علي قومه آيات الله و دين ربه القي الشيطان في قراءته قراءة و في دينه بدعا و في حقه باطلا فلو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حجي و لكن لا بد من ان يكون من هذا ضغث و من هذا ضغث ليكون لكل من الفريقين مستمسك فيكون تمني الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض فيهلك هالكهم عن بينة و تمني النبي استبصارا للذين اوتوا العلم ففي كل امة رجال اوتوا العلم بكتاب الله و بالحق و الباطل و تخبت و تخضع قلوبهم و تسلم له و رجال في [ص 230] قلوبهم مرض و قلوبهم قاسية و هم ظالمون مشاقون لله و لرسوله و قال الله سبحانه و السابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم ثلّة من الاولين و قليل من الآخرين و قال و اصحاب اليمين ما اصحاب اليمين الي ان قال ثلة من الاولين و ثلة من الآخرين و قال انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا و الربّانيون و الاحبار بما استحفظوا من كتاب الله و كانوا عليه شهداء و قال و كاين من نبي قاتل معه ربيون كثير الآية ، و قال لتجدن اقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصاري ذلك بان منهم قسيسين و رهبانا و انهم لايستكبرون و يقول الله سبحانه لتركبن طبقا عن طبق و يقول سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا و لاتجد لسنتنا تحويلا و كما ان في النصاري قسيسين و رهبانا و في اليهود ربانيين و احبارا و لم‌يك امة الا و فيهم اولوا علم و مخبتون فلا بد و ان يكون في هذه الامة ايضا رجال كبار علماء حلماء حكماء يحكمون بالحق و به يعدلون و لا شك ان حقوقهم اعظم من حقوق ساير الرعية لقوله تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب و لعلك قد بلغك امر هابيل في عصر آدم عليه السلام و امر حزقيل مؤمن آل فرعون في عصر موسي عليه السلام و صاحب يس حبيب النجار في عصر عيسي عليه السلام و امر ذي‌القرنين معروف و صفة لقمان مشهورة و روبيل صاحب يونس فاذا كان امثالهم في السابقين و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و تركبن سنن من كان قبلكم بالاتفاق فلا بد و ان يكون في هذه الامة ايضا رجال سابقون كاملون يعينون الحجة علي اداء الرسالة و ابلاغها بمقتضي قوله فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم [ص 231] اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و يحكمون بين الناس بالقسط كما حكم الربانيون و الاحبار بما استحفظوا من كتاب الله و ان قلت ان ادلتك لاتفيد ازيد من وجود امثال الفقهاء قلت فليكونوا منهم و سيأتيك انه لا مانع من وجود اكمل منهم ايضا و لما اطلنا الكلام في ذلك في كتابنا الزام النواصب نكتفي هنا بهذا القدر لئلايخلو كتابنا عن الاشارة الي نوع الدليل و الله يهدي من يشاء الي سواء السبيل .