فصل - في معني التفويض اليهم . اعلم ان الناس وقعوا فيما وقعوا من الافراط و التفريط لانهم لم‌يطلعوا علي الحقايق فلاجل ذلك اضطروا الي الاخذ بظواهر الادلة و هي لاختلاف المحال مختلفة فمنهم من افرط و منهم من فرط و اما من من الله عليه بمعرفة حقيقة المسئلة فلايكاد يفرط او يفرط الا ان يشاء الله فتنته فيعميه عن قصد الحق و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فمن من الله عليه بالتوحيد و معرفة التفريد لايكاد يقول بالتفويض الي احد من الخلق من محمد فمن دونه الي الثري فان التفويض من المحال و كيف يمكن ان يفرض خلق منقطع عن الخالق عز و جل مستغن عنه حتي يعقل التفويض اليه و ان كان الخلق لا وجود له الا بمدد الخالق و مشيته كما قال و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره فمن يفوض و الي من يفوض و هو و جميع ما له و به و منه و اليه و عليه و لديه و فيه و عنده كلها قائمة بامر الله عز و جل بحيث انها اشياء و موجودة اذا روعي فيها و رأي فيها المشية و الا [ص 120] فليس لها وجود ابدا فالي من يفوض الله عز و جل سبحانه سبحانه سبحانه عما يقول الظالمون علوا كبيرا فعندنا لايجوز التفويض الي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن و لا غيرهم من الخلق ابدا و ليس عندنا قبض روح عزرائيل و احياء اسرافيل و خلق الملكين الخلاقين و اعمال غيرهم من الملئكة من باب التفويض اليهم نعوذ بالله بل ليس في عالم الزمان امر شئ مفوضا الي احد من الخلق حتي انه لم‌يفوض امر التشريع و لو في بعض المسائل الي محمد صلي الله عليه و آله فما روي مما يدل علي ذلك متشابه يرد الي المحكم و المحكم قوله تعالي هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و قوله قل الله خالق كل شئ و قوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ و قوله ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قوله ان‌اتبع الا ما يوحي اليّ و امثال ذلك فمن اثبت غير الله خالقا فهو كافر بالله عز و جل و من قال ان الله خلق بعضا و خلق احد غيره بعضا فهو مشرك بالله العظيم و يكون كالمجوس ثنويا و من قال ان الله و احدا غيره شريكان في الخلق علي الاشاعة فهو مشرك بالله عز و جل و من قال ان الله وكل احدا من الخلق لاجراء الافاعيل فهو يفعل وكالة عن الله تعالي او ان الله اذن لاحد من خلقه ان يفعل فهو يفعل باذن الله فهو ممن اخرج الله عن سلطانه و انكر قدرته اللانهاية و اشرك بالله ما ليس له به علم و من قال ان الله عز و جل هو الفاعل لما يشاء و الحاكم لما يريد و هو محدث كل حادث و مشيء كل شئ وحده وحده وحده لا شريك له فهو مؤمن حقا نعم ان الله يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء فانه ابي ان يجري الاشياء الا [ص 121] باسبابها و جعل لكل شئ سببا فيحرق بالنار و يبرد بالماء و ينور بالشمس و يظلم بالارض و هكذا يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء و من تلك الاسباب اسباب شهادية و اسباب غيبية و اسباب صورية و اسباب معنوية و اسباب جزئية و اسباب كلية و السبب لايكون شريكا للمسبِّب - بكسر الباء - و لا وكيلا له و لا مأذونا من عنده كما تري من البلورة انها ليست شريكة للشمس في الحرارة و الاحراق و لا وكيلة لها بحيث لاتحرق الشمس و تحرق هي و لا مأذونة من قبلها بحيث يقال ان الشمس اذنت للبلورة بان تحرق فهي تحرق دون الشمس بل الشمس هي الحارة المحرقة وحدها الا انها تظهر احراقها في البلورة لاستعدادها للمظهرية دون الآجرة كذلك يفعل العزيز العليم يخلق ما يشاء بما يشاء و منه الملكان الخلاقان و يتوفي الانفس بملك الموت و يحيي الموتي باسرافيل و هكذا و هو عز و جل بفردانيته فاعل الافعال الا انك بعد ان عرفت هذا السر لك ان تنسب الفعل الي السبب لاجل ظهوره منه كما يقال ان القلم يكتب حسنا و السكين يقطع جيدا و كتبته يداي و قد قال الله عز و جل الله يتوفي الانفس و قال قل يتوفيكم ملك الموت و قال الذين تتوفيهم الملئكة و قال الله خالق كل شئ و قال احسن الخالقين و قال و ما من دابة الا علي الله رزقها و قال و علي المولود له رزقهن و كسوتهن ، الي غير ذلك من الآيات الكثيرة فكل نسبة الي غيره عز و جل فمن باب ظهور الفعل من السبب و الا فالفعل صدورا يصدر من الله الواحد في افعاله بلا شريك فمن زعم ان في الملك محدثا غيره فقد اشرك بالله العظيم و قد ذكرنا ان من تلك الاسباب ما هو جزئي كما عرفت بعضها و منها ما هو كلي كالسبب الاعظم الاعظم الاعظم و هو ما به [ص 122] فتح الله و به يختم و اليه يرجع امر العالم فهو الذي لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع فلذلك تقرؤ في الزيارة فما من شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل و عن ابي‌عبدالله عليه السلام نحن السبب بينكم و بين الله عز و جل فهم سبب الاسباب منهم يظهر كل سبب و اليهم ينتهي كل سبب و الله عز و جل هو مسبب هذا السبب من غير سبب لانه لايسبقه سابق فمن قال ان الله عز و جل هو الخالق الرازق المحيي المميت محدث كل حادث و خالق كل مخلوق لكن بما يشاء كيف يشاء و اعظم ما شاء ان يخلق به و يرزق به و يحيي به و يميت به و يحدث به هو هم صلوات الله عليهم لان الخلق بعضهم سبب بعض و كل مقدم سبب المؤخر و هم اقدم من الكل و اسبق علي جميع ما سويهم فهم سبب الكل و بهم احدث الله الكل لا بغيرهم و لايشاركهم في هذه السببية احد من الخلق اذ جميع الاسباب من ظهورهم و شعاع نورهم لم‌يقل شططا و هو الموحد لله بتوحيد الافعال كما شاء الله المتعال و ليس بتفويض ابدا فان التفويض كفر و جميع ما خرج من العدم الي الوجود خرج بسبب فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها ، فهذا مجمل القول علي نحو الظاهر و اما الاشارة الي حقيقة المسئلة كما يليق بهذا الكتاب فاعلم ان كل ما سوي الواجب جل و عز مسبوق بالامكان و هو العدم السابق علي الوجود و العدم المحض ليس بسابق علي الوجود فانه ليس محض فالامكان هو عدم الاشياء الصالح لان يخلق منه الاشياء الا انها فيه منفية و جميعها فيه علي السواء بلا امتياز فهو صلوح الكل بلا تفاوت و الكل فيه بالقوة و لايخرج شئ من تلك القوي الي عرصة الفعلية من دون كامل بالفعل في [ص 123] تلك الجهة خارجي فاذا حصل كامل في تلك الجهة المرادة وقع فضل كماله علي ذلك الامكان و احاله شيئا فشيئا الي مشاكله فصوره بصورة من نحو كماله و هذا هو معني ما كان يقال الحكمة اظهار ما قد كمن لا ايجاد ما لم‌يكن كما ان صورة الالف في المداد بالقوة فاذا جاء حركة يدك من الامام الي الوراء و وقع ظلها عليه اخرجت من كمونه الحركة من الامام الي الوراء فتصور بصورة الالف و كذلك الدهن فيه النار بالقوة فاذا جاءت النار بالفعل و القت شبحها و حرارتها الفعلية عليه كملت ما فيه من الحرارة النارية بالقوة علي نحو الاحالة فاخرجها من القوة الي الفعلية فصارت شعلة و الذي خفي علي الكثيرين تركب الامكان من الطبايع فلعلهم يزعمونه امرا بسيطا لا طبايع فيه فيحار فيه عقولهم كيف يظهر منها كل هذه الصور المختلفة و الامر علي خلاف ذلك فان الامكان ليس باحد و لا بسيط و انما هو مركب من الطبايع العامة الامكانية التي هي قوابل جميع الصور و تلك الطبايع فيه موجودة علي نهج الاتحاد السرمدي فبتلك الطبايع الشايعة صلح لجميع الصور التي هي هيئات تلك الطبايع و مقتضياتها ان ظهرت بالفعل كما تري في الماء و الطين في هذه الدنيا اللذين منهما خلق كل مولود و هما مركبان من الطبايع صالحان للتصور بصور لا نهاية لها فاذا جاء مكمل لصورة من الصور طاوعاه و تصورا بصورة ذلك المكمل و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فلاجل ذلك احتاج كل موجود مسبوق بالعدم الي سبب كامل به يخرج من العدم الي الوجود و مما بينا ظهر لمن ابصر ان السبب لا بد و ان يكون مشاكلا مناسبا لما يراد اخراجه من العدم الي الوجود فالشئ الجزئي [ص 124] سببه جزئي لا محالة و الكلي سببه كلي و الشهادي شهادي و الغيبي غيبي و من البين ان الاسباب الجزئية ظواهر السبب الكلي و هو بمنزلة الاحدية في اعدادها و بمنزلة الذات في صفاتها فالسبب الكلي الاعظم الاعظم الذي به اي بذاته او بصفاته و ظهوراته او افعاله اخرج الله الخلق من العدم الي الوجود هو المخلوق الاول و يجب ان يكون غير مسبوق بالعدم اذ لا كامل سابقا يخرجه من العدم الي الوجود و لا بد و ان يكون بين الكامل و المتكمل مناسبة و لايجوز ان يكون الذات القديمة سبب الخلق و لايجوز انقلاب العدم الي الوجود بنفسه فوجب ان يكون سبب كامل كلي ذو انوار و اشعة لا نهاية لها و يكون سببا بنفسه بلا سبب سابق عليه به يخرج الله جل و علا من كمون الامكان ما يشاء علي ترتيب الحكمة و ليس ذلك بتفويض و لا تشريك و لا توكيل و لا اذن و انما الخالق هو الله وحده يخلق ما يشاء بما يشاء كيف يشاء .

فصل - و لما ان بلغ الكلام الي هيهنا احببت ان اذكر ما طال به المقال بين اهل القيل و القال من امر العلل الاربع فهم بين غال و قال و مفرط و مفرّط و اردت و لا قوة الا بالله ان اذكر هنا حقيقة الامر حتي يتبين للمنصفين ما فيه و يشرح ظاهره و خافيه . اعلم ان علة الشئ سببه و ما يتوصل به اليه و هي عند الحكماء اربعة فان الشئ مركب من مادة و صورة فمادته حصة من امكانه السابق قابلة للتصور بصورته و صورته ما ظهر عليها بصنع الصانع المحيل لها الي مشاكله فالشئ بهما شئ و كل واحد منهما ركن الشئ و هو قائم بهما قيام ركن الا ان المادة هي الركن الاعظم الجوهري و الصورة هي الركن الاصغر العرضي و مثلهما كالخشب و صورة السريرية و بهما يوجد السرير [ص 125] في الخارج فالخشب هو العلة المادية عندهم و الصورة السريرية هي العلة الصورية و لما كان لهما خالق و موجد اوجدهما بصنعه و هما قائمان به قيام صدور سموا ذلك الصنع المتعلق بهما بالعلة الفاعلية و لما ان كان الفاعل الحق جوادا كاملا و لايتعلق صنعه بشئ الا بسبب ذلك الجود الموجب لان يوجه صنعه الي ايجاد ذلك الشئ و غير الفاعل الحق ايضا يحتاج الي مهيج يهيجه علي فعل ذلك الشئ الذي يصنعه يشترط تعلق صنع الصانع بوجود الشئ بذلك الجود السابق و سموا ذلك بالعلة الغائية فالعلة الغائية هي علة للفاعلية و الفاعلية علة للمادية و المادية علة لتحقق الصورة و ان لم‌تكن علة وجودها فلاجل ذلك قالت الحكماء انه ما من شئ الا و له علل اربع فجميع ما سوي الله جل و عز حادث و الحادث يحتاج في وجوده الي علل اربع لا محالة و لكنها في كل رتبة من مراتب الخلق علي حسبه اما الخلق الاول الذي لا سابق عليه سوي الواجب جل و عز فيجب ان يكون جميع علله عينه اذ لا سابق عليه يكون علة له و الذات جلت و علت لاتكون مادة خلقه و لا صورته و لا الصنع المتعلق بالخلق و لا المقتضي الداعي الي الصنع اذ جميع ذلك ينافي الاحدية فمن عرف الاحد نزهه عن جميع الصفات و عرف ان كمال التوحيد نفي الصفات عنه هذا و العلة متضايفة مع المعلول و ذكر كل واحد في كل واحد و الله الاحد اجل من ان يكون ذكر غيره فيه و لو كانت العلة هي القديمة لكان المعلول ايضا قديما لعدم جواز تخلف المعلول عن العلة التامة و الله لايكون ناقصا و العلية وصف و الذات منفي عنها الصفات عند الموحدين في الدعاء كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة و في الخبر علة ما صنع صنعه و هو لا علة له ، فوجب ان يكون الخلق [ص 126] الاول جميع علله في نفسه فبذلك ليس لوجوده ترقب و لم‌يسبقه عدم ابدا و لو كان معدوما حينا ما لكان علل وجوده معدومة و لم‌يكن يصير الذات علة و لايوجد شئ بلا علة و الا لم‌يكن مصنوع الفاعل فوجب ان لايسبقه عدم ابدا فهو العلة الغائية و الفاعلية و المادية و الصورية خلقه الله لا لشئ و لا بشئ و لا من شئ و لا علي شئ لايسأل عما يفعل و هم يسألون و كما انه لا بدأ له لا فناء له فهو آية اولية الله و آخريته و ازليته و ابديته و وجوبه و قدمه و غنائه و كماله و عدم تناهيه فانه ليس فوقه شئ يصل به اليه شئ بعد شئ و يسعي مترقيا اليه و هو لايفقد نفسه ابدا و هي علة جميع ما يمكن في حقه فجميع ما يمكن في حقه موجود له بالفعل و الامكان لا نهاية له فالخلق الاول هو بنفسه العلل الاربع لنفسه و هو المعلول الاول قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، و اما ما سواه فهو دونه و من نوره و شعاعه اذ بعدم التناهي و الفعلية الكاملة لم‌يدع الخلق الاول معه مقاما يسع غيره و يفقد هو كماله فيتناهي به فاذ لم‌يكن معه شئ كان ما سواه دونه و كل اثنين لايتجامعان يكون احدهما شعاع الآخر لا محالة و ظهورا و تمثلا له فالمنير منهما هو غير المتناهي المعطي ما دونه اسمه و حده و النور هو المتناهي الذي لايري الا برؤية المنير و لايوجد الا بوجوده بالجملة جميع ما سوي الخلق الاول شعاعه و نوره و ظهوره و تمثله في الخارج و لا بد و ان يكون للشعاع ايضا علل اربع اما ذات الخلق الاول فلاتكون مادة للخلق الثاني و لا صورة له بلا شك و كذا لاتكون علة فاعلية لتكثر الاشعة و توحدها و لا بد من المشاكلة بين الفاعل و المفعول و لا علة غائية اذ لو كانت علة لاقتضي اقتران [ص 127] الفاعلية بها ثم اقتران المفعولات بها و لوجب ان يكون جميع الحوادث و الاشعة في عرضها فاذ لم‌يصلح ان يكون ذات الخلق الاول علل الاشعة و الانوار بذاتها وجب ان تكون بشعاعها و هو عين الآثار فالخلق الاول علة نفسه في نفسه بنفسه و اما في انواره و آثاره فهو علة لها بها لا بنفسه فقول الصادق عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية ، فمعناه بشعاع المشية و نورها كما تقول كتبت بيدي و قلت بلساني فالمراد الحقيقي بحركة يدي و حركة لساني لا بذاتهما و هذا المجاز شايع معروف و منه انا اليه راجعون اي الي امره راجعون او نقول ان الباء ليست حقيقة للاستعانة بالذوات اذ لايستعان بها علي شئ حقيقة و لا حقيقة لها غير ذلك و انما المستعان به في كل مقام ظهور الشئ و صفته فوضع الباء حقيقة لذلك فقوله عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية اي بظهورها و حيث اقترانها فقوله خلق الله المشية بنفسها انما تتحدان هناك بدليل خارجي فافهم و تدبر فهل في الآثار هي ممتازة او متحدة فذلك يختلف بحسب اختلاف المراتب فيشتد تشاكلها كلما قربت الي المبدء و تمايزها كلما بعدت و علي اي حال يكون الخلق الاول هو علل الخلق بنوره و شعاعه فهو العلة المادية و الصورية لان ما سواه من شعاعه و نوره و الشعاع مادته من ظهور منيره و صورته من صورة ذلك الظهور و الظهور ظهور اذا رأي الظاهر منه و فيه و به و الا فليس بظهور له فهو العلة المادية و الصورية لما سواه و كذا هو العلة الفاعلية فان الكل بفعله و هو فعله من حيث الاضمحلال و هو العلة الغائية فان الغاية ظهور كماله و الخلق هو ظهور كماله فهم سلام الله عليهم الذين هم الخلق الاول كما مر هم العلة المادية و الصورية و الغائية و الفاعلية بظهورهم [ص 128] من غير تفويض و استقلال لهم و لا تشريك و لا توكيل و لا اذن و ان الله هو الخالق و كان كنزا مخفيا فاحب ان يعرف فخلق الخلق لكي يعرف فاخترع الخلق لا من شئ و ابتدعه لا لشئ كل ذلك بما شاء كيف شاء و هو العزيز العليم و ان هذا هو الصراط المستقيم نحن النمرقة الوسطي الينا يرجع الغالي و بنا يلحق التالي و الحمد لله و قد شرحت لك جميع اطراف المسئلة لو تدبرت في حدود هذه الكلمات .

فصل - قد روي في العوالم و البحار انه سأل ابوذر الغفاري سلمان الفارسي رضي الله عنه يا اباعبدالله ما معرفة اميرالمؤمنين عليه السلام بالنورانية قال يا جندب فامض بنا حتي نسأله عن ذلك الي ان قالا جئناك يا اميرالمؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية قال صلوات الله عليه مرحبا بكما من وليين متعاهدين لدينه لستما بمقصرين لعمري ان ذلك الواجب علي كل مؤمن و مؤمنة ثم قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انه لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك و مرتاب يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص الذي قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة الخبر ، و احببت ان اذكر شيئا من ذلك هيهنا و ان كان وضع كتابنا علي ذلك ، اعلم انه يمكن ان يراد [ص 129] من قوله بالنورانية شيئان الاول ان يراد بها صفة العارف و الثانية ان يراد بها نوع معرفة المعروف فان اردنا الاول فالمراد معرفة اميرالمؤمنين عليه السلام بالنورانية التي جعلها الله في المؤمن و هي المشار اليها في قول رسول الله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله المفسر في قول الصادق عليه السلام اي النور الذي خلق منه المشار اليه في قوله تعالي فمن لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور و يسعي نورهم بين ايديهم و بايمانهم و ذلك النور هو مادة المؤمن التي خلق منها و ليس له ذكر قبلها و هي نفسه التي من عرفها فقد عرف ربه و هي فؤاده المشار اليه ماكذب الفؤاد ما رأي و هي صفته سبحانه و آية تعريفه و تعرفه سبحانه به عرّف نفسه لخلقه و ذلك النور هو شعاع آل‌محمد عليهم السلام لان شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس و الشعاع صفة المنير و شبحه المنفصل المطابق لشبحه المتصل و دليله و آيته فمن عرف النور عرف المنير بصفته و لايعرف المنير حقيقة عند من دونه الا بنوره الذي تجلي له به فمن عرف اميرالمؤمنين عليه السلام بنورانية هذا النور وصل الي حقيقة معرفته الممكنة لمن دونه و من لم‌يعرفه بهذه النورانية فقد عرفه بغير ما هو عليه و بغير ما خصه الله به و عرف نفسه لمن دونه فمن عرف الشمس بغير نورها الذي تجلت به فقد عرفها بغير صفتها و من عرفها بغير صفتها فقد ضل عن معرفتها و غوي و ان اريد بالنورانية صفة معرفة المعروف فالمراد معرفتهم بالنورانية التي جعلها الله فيهم المشار اليها في قولهم عليهم السلام اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و قولهم يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، و ذلك هو حقيقة معرفتهم فمن عرفهم [ص 130] بهذه المعرفة فقد بلغ و كمل و وصل و اقر بما جعله الله لهم من الفضل و هذه المعرفة لاتحصل الا بتلك العين اي الفؤاد و المراد الاشارة الي هذه المعرفة علي نهج الاختصار اعلم ان من عرف ان الله سبحانه كان فردا في ذاته متوحدا ليس معه ذكر ما سواه لا بوجود و لا عدم و عرف ان اول جميع ما خلق محمد و آل‌محمد عليهم السلام عرف انهم سلام الله عليهم كماله عز و جل و نوره و اسمه و صفته و انهم موقع كل اسم و صفة كائنين ما كانا بالغين ما بلغا و انهم فانون مضمحلون في جنبه سبحانه لا ذكر لانفسهم و انهم بجميع ما هم عليه ذكر الله عز و جل و لله لا لانفسهم و عرف ان جميع ما قيل في العالي يقع عليهم لانهم الموصوفون و هم مواقعه و جميع ما قيل في حقهم هو الواقع علي الله لانهم نوره و لم‌يكونوا لانفسهم و هم الذين بهم عرف الله توحيد ذاته و صفاته و افعاله و عبادته لهم و لغيرهم بهم صلوات الله عليهم و هم غاية الغايات و نهاية النهايات و مواقع الاسماء و الصفات و هم في اعلي مقاماتهم في غاية الوحدة الامكانية لانهم اول الموجودات و مبدأ الكاينات و لايجري عليهم صفات ما هو دونهم من الكثرة و التعدد و كانوا علي تلك الوحدة الي ان ظهروا في هذا العالم فظهروا بصور متعددة علي حسب اقتضاء الاوقات الزمانية و لهذه الابدان الشخصية الجزئية نفوس جزئية متلاشية فانية عند نورهم الكلي الوحداني بحيث لا حكم لجزئيتهم و انما صار الجزئي يحكي الكلي لفعلية جميع قبضات البسايط فيه علي اكمل ما يمكن و ليست في غيرهم صلوات الله عليهم هكذا فهم الكلمات التامات فظهر منهم جميع كمالات الكلي بحيث لايشذ عنها شاذ و جميع من سواهم منحط عن تلك الدرجة فيفقد كل من دونهم قبضة فلايظهر منه كمالها [ص 131] فبذلك صاروا صلوات الله عليهم في مقام الجزئية حكاة الكلي و مرآة جميع الاسماء و الصفات لله سبحانه و هم في مقام حكاية الكلي اشرف و اعظم من تمام هذا العالم لصفاء طويتهم و اعتدال سجيتهم و طهارتها عن الاعراض بخلاف هذا العالم فانهم سلام الله عليهم بمجاهدتهم في الله قد بلغوا مبلغ اخروية بسايط العالم و ما بهم من الاعراض لم‌يختلط بهم بحيث يحجب ابدانهم عن حكاية الكلي و لذلك يتركونه اذا شاؤا و يضمونها بابدانهم اذا شاؤا بخلاف ما بالبسايط من الاعراض فانه لايزول عنها الا بنفخ الصور و طي الارض و السماء و تبديلهما و اما صفة ظهورهم في ابدان عرضية متعددة اذا شاؤا في زمان واحد او ازمنة متعددة فسهلة عند من عرفهم و هي ان حقايقهم الدهرية الكاملة المفارقة المستقلة في الدهر نسبتها الي جميع الاوقات و الامكنة علي السواء فاذا شاؤا التجلي في امكنة عديدة او اوقات اخذوا من اعراض هذا العالم و الفوها بحيث تناسبهم في الصفاء و الاعتدال و تجلوا فيها و نطقوا عنها و يأتي شرحها في الرجعة ان شاء الله فافهم راشدا موفقا فقد ذكرت لك سر الامر و حقيقته فتفهم و لو راجعت حديث النورانية لرأيت ان ما ذكرناه في هذا الفصل شرح اكثر فقراته علي سبيل الاشارة .

فصل - في معني الغلو و التقصير . اعلم ان الغلو لغة بمعني التصلب و التشدد في الامر حتي يجاوز الحد و التقصير قطع آخر الشئ اي من طوله فالغالي في آل‌محمد عليهم السلام هو الذي تصلب فيهم حتي جاوز حدا جعله الله لهم في توصيفهم فجاوز بهم عن ذلك الحد و المقصر في حقهم من انزلهم عن مقام جعله الله لهم و كلاهما طريق ضلالة و عن علي عليه السلام يهلك في اثنان [ص 132] محب غال و مبغض قال و قال عليه السلام يهلك في رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس لي و مبغض يحمله شنئاني علي ان يبهتني و لا شك ان الغلاة كفرة و كذا المقصرون بعد البيان فمن رفع آل‌محمد عليهم السلام عن الامامة الي حد النبوة فقد غلا و من رفع النبي عن مقام النبوة الي مقام الالوهية فقد غلا و كذا من رفع الشيعة عن مقام التشيع الي مقام الائمة فقد غلا و هو كفر بالله العظيم فعن ابي‌بصير قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا بامحمد ابرأ ممن يزعم انا ارباب قلت برئ الله منه قال ابرأ ممن يزعم انا انبياء قلت برئ الله منه ، و ذلك من بديهيات مذهب الشيعة و مما استقر عليه مذهبهم و لا شك فيه و كذلك من قصر و وصف الله بصفة النبي صلي الله عليه و آله او وصف النبي صلي الله عليه و آله بصفة الائمة عليهم السلام دون صفة النبوة او وصف آل‌محمد عليهم السلام بصفة الشيعة دون صفة الامامة فلو فعل ذلك بعد البيان فقد اشرك بالله العظيم و اما من وضع كل واحد منهم مقامه الذي جعله الله له و وصف كل واحد بما وصفه الله فهو مؤمن حقا فالذي اقول في هذا المقام ان الله سبحانه احد لايثني تعالي عن مجانسة مخلوقاته و تقدس عن مقارنة مذروءاته ليس كمثله شئ و لاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و لاتعرفه غوامض الاسرار فهو مجهول الكنه بريء عن الاسم و الرسم اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و اول جميع ما سواه باسره نور محمد صلي الله عليه و آله و آله الطاهرين سلام الله عليهم فهو اول ما خلق الله لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق ثم كانوا علي ذلك التوحد و التفرد ابدا الي ان ظهروا في عالم الكثرة فانشق نصفين فصار نصفه محمدا و نصفه عليا كما روي في الاخبار ثم تفصل نور علي [ص 133] عليه السلام الي الائمة الاطهار صلوات الله عليهم و هم جميعهم من نور واحد و طينة واحدة خلقهم الله قبل خلق الخلق بالف‌الف دهر فلما استكمل خلقهم خلق الله من شعاع نورهم الانبياء و الاوصياء ثم من شعاع نور الانبياء الشيعة و لكل منهم مقام معلوم فلايمتنع اثبات جميع ما سوي ذات الاحد من الكمال لهم صلوات الله عليهم و ليس بغلو و لا تجاوز عن الحد في حقهم و لذلك روي في المستفيضة منها لاتجعلونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لاتبلغون كنه ما فينا فان الله عز و جل قد اعطانا اكبر و اعظم مما يصفه واصفكم او يخطر علي قلب احدكم فاذا عرفتمونا هكذا فانتم المؤمنون و في رواية نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لن‌تبلغوا و في رواية قولوا انا عبيد مربوبون و قولوا في فضلنا ما شئتم الي غير ذلك من الاخبار و نحن و الحمد لله لم‌نجاوز بهم مقام الخلق في كتابنا هذا و ساير كتبنا و مباحثاتنا و عقايدنا و لكن المخالفين لنا مقصرون في معرفة التوحيد و يصفون الله بصفات خلقه فاذا وصفنا خلقا بتلك الصفات يزعمون انا غلونا و نحن نبرأ الي الله سبحانه ممن يغلو في حقهم صلوات الله عليهم او يقصر و ليكن ذلك محكما عندك ارجع اليه ساير اقوالنا و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله .

فصل - و مما اكثر آل‌محمد عليهم السلام ذكره في احاديثهم امر روح القدس عليه السلام فاحببت ان لايخلو كتابي هذا من ذكره فانه مرجع كثير من فضائلهم صلوات الله عليهم . اعلم ان اصل الروح مشتق من الريح و اخرج علي لفظ الروح لانه مجانس للريح متحرك مثلها كما روي و مصداق [ص 134] هذا المعني منه في الظاهر الروح البخاري الذي في البدن فانه الذي كالريح و يسمي الروح الفلكي المشتعل فيه بالروح تعبيرا عن الاعلي بالادني و لان ما في الاعلي حقيقة ما في الادني و ما في الادني ظاهر ما في الاعلي و لذلك تعلق الروح الفلكي بالبخاري و اشتعل به فالفلكي ايضا علي صفة الريح و ان لم‌يكن علي شكلها و قد يطلق الروح و يراد منه الروح الملكوتي البرزخي بين العقل و النفس و قد يطلق و يراد منه العقل كقوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله روحي و قد يطلق و يراد منه النفس كما يقال قبض ملك الموت روحه اي نفسه لقوله تعالي الله يتوفي الانفس فروح القدس هو العقل و هو رئيس الملئكة و غيرهم و هو المشار اليه بقوله تعالي تنزل الملئكة و الروح و اوحينا اليك روحا من امرنا ، فعن ابي‌جعفر عليه السلام في تفسيره خلق من خلق الله اعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلي الله عليه و آله يخبره و يسدده و هو مع الائمة من بعده و في رواية اطلق عليه لفظ الملك و عليه هو من العالين و ليس من عرض ساير الملئكة و هو المشار اليه بقوله يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في تفسيره خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل لم‌يكن مع احد ممن مضي غير محمد صلي الله عليه و آله و هو مع الائمة يوفقهم و يسددهم و ليس كل ما طُلب وجد و في رواية هو من الملكوت و في رواية سماه بالطارق المذكور في قوله و السماء و الطارق لانه يطرق الائمة من عند ربهم بما يحدث بالليل و النهار و في رواية صورة اعظم من جبرئيل و ميكائيل و في رواية عن الرضا عليه السلام قال ايدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لم‌تكن مع [ص 135] احد ممن مضي الا مع رسول الله صلي الله عليه و آله و هي مع الائمة منا تسددهم و توقفهم و هو عمود من نور بيننا و بين الله عز و جل و قد يطلق الروح علي الناطقة القدسية فيسمي بروح الايمان و قد يطلق علي النفس الحيوانية الفلكية كما روي في تفسير قوله تعالي يسألونك عن الروح قال التي في الدواب و الناس قيل و ما هي قال هي من الملكوت و القدرة و قد يطلق علي النفس النباتية فيقال الروح النباتي و بذلك يكون النبات حيا و قد يطلق الروح علي القوي كما روي ان فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فروح القوة و روح الشهوة هما القوتان الغضبية و الشهوية التي في الحيوان و روح البدن هو الحيواني الفلكي و المؤمن فيه اربعة ارواح و هي ما سوي روح القدس و في الحيوانات ثلثة ارواح و هي روح القوة و الشهوة و البدن و لما كان الكافر ليس فيه روح الايمان يشارك الحيوان في الثلثة و ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فروح القوة و الشهوة هما قوتان في الحيوان و روح البدن هو حيوته الحيوانية و لذلك عبر عنه في بعض الاخبار بروح الحيوة و قدم عليهما و اختلف الترتيب في خبر آخر و المراد محض العد او هو من تغيير الرواة فاذا اتبعت روح الايمان عملت الثلثة بامره و له و حييت بفضل حيوة الايمان و الطاعة و اذا اتبعت الاربعة روح القدس عملت الاربعة بامره و له و جرت في طاعته و اعماله و حييت بفضل حيوته و اما ما في دعاء الصحيفة في الصلوة علي الملئكة و الروح الذي علي ملئكة الحجب و الروح الذي هو من امرك فالاول هو الروح الملكوتي المهيمن علي ملئكة الحجب سكنة النفس و الثاني هو الذي مادته من امر الله [ص 136] المفعولي و هو العقل و هو روح القدس و قد عبر في بعض الاخبار عن روح القدس بالعمود من نور يري فيه الدنيا و ما فيها و في بعضها بلفظ المنار و روي انه كهيئة العين علي رأس النبي و الاوصياء بالجملة روح القدس هو العقل الكلي و هو عقلهم و هو وسط الكل و علة العلل و عالم بالشئ قبل كونه محيط بالاشياء من جميع جهاتها و هو عمود من نور رأسه عند الله و يمر علي روح الحجة و نفسه و طبعه و مادته و مثاله و قلبه و صدره و عقله و علمه و وهمه و فكره و خياله و حسه المشترك و رأسه الآخر عند حواس الامام فيسمع بذلك النور و يبصر به و يشم و يذوق و يلمس به و هو يؤيد جميع حواسه و كلما اشكل شئ علي جميع هذه المراتب يلتفت الي هذا العمود و يري فيه ما يريد و اذا نفد ما عند هذه المراتب يأتيه بذلك الروح المزيد و هو المنار الذي حقيقته مشرفة عليه ينظر في الف‌الف عالم و يري فيه اعمال اهل جميع العوالم كل عالم في جزء من هذا المنار بازائه و هو علي صفة العين الرائية التي لاتنام و لاتعمي عن شئ و تدرك كل شئ علي ما هو عليه و هذا المنار يرفع لهم اذا تولدوا و يشتد لهم ظهورا و فعلية بالمراقبة الخاصة اذا انتقل اليهم الامر و هو لايلهو و لايسهو و لايخطي و لايزل و لاينام و لايغفل فلو وقع عليه شئ من ذلك لفني ضده عن كل العالم لانه مؤثر الكل و الذي في ذلك العمود اصول جميع ما خلق الله و مباديه و علله بها يعلمون الاشياء علم احاطة و لو تدبرت في حدود هذه الكلمات لوجدتها شرح جميع اخبار الباب فهم سلام الله عليهم بهذا الروح يعلمون ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و يقدرون علي ما يشاؤن من التصريف في جميع الف‌الف عالم و يظهرون الغرائب [ص 137] و الاسرار و المعجزات و يعلمون الاسم الاعظم باعتبار و به يفعلون ما يشاؤن و مع ذلك هذا الروح خادمهم لان حقيقتهم اعلي من ذلك و بذلك كتب العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و المراد صاقورة العالم اي قحف رأسه و هو عالم الجبروت ذاق من حدايقهم التي غرسوها في ارض الامكان باكورة ثمرة الوجود لان العقل اول ما خلق الله و هو ظل فؤادهم و دونه مطيع له منقاد عبد طاعة و لاينافي ذلك ما روي من انه يسددهم و يؤيدهم و يعلمهم فانه يأخذ عن حقيقتهم و يوصله الي ساير مراتبهم كما ان خيالك يأخذ عن نفسك و يوصل الي صدرك و ما لم‌يخطر ببالك الخاطر لاتدري البتة و كما ان جبرئيل خادمهم و ما لم‌ينزل لايعلمون فافهم راشدا موفقا .

الخاتمة

في بيان معني الرجعة و بيان اسرارها و فيها فصول :

فصل - اعلم ان الرجعة امر من امر الله و سر من سر الله فهمها من المعضلات و درك حقيقتها من المشكلات و الايمان بها من خواص المؤمنين المسلمين لآل‌محمد عليهم السلام و نحن قد كتبنا شيئا من بيانها مع التفاصيل الواردة في الاخبار في كتابنا ارشاد العوام و قد كتبها شيخنا الاوحد في كتاب يشتمل علي مسئلتين العصمة و الرجعة و لكن يظهر منه ان عزمه كان علي جمع الاخبار لا كشف الاسرار و كذلك ما كتبه في شرح الزيارة و غيره من كتبه اعلي الله مقامه و الذي اريد و لا قوة الا بالله في هذه الرسالة شرح حقيقتها و ان لم‌استوف الاخبار اذ بناء الكتاب علي شرح الحقائق و الاشارة [ص 138] الي الآثار فاقول ان المراد بالرجعة رجوع الائمة و شيعتهم الماحضين و كذا اعداءِهم في الدنيا ان لم‌يكونوا ممن اهلكهم الله بالعذاب في الدنيا لقوله تعالي و حرام علي قرية اهلكناها انهم لايرجعون و كذا من كان له قصاص و ان لم‌يكن ماحضا فيرجع و يقتص من قاتله و يعيش بعده ثلثين شهرا ثم يموتون في ليلة واحدة و هي الحشر المشار اليه في قوله تعالي و يوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون و هي غير الظهور لان الامام عليه السلام حي غايب و سيظهر ان شاء الله و لم‌يسلب الملك فيرجع اليه فمبدء الرجعة من رجوع الحسين عليه السلام الي الدنيا و القول بها هو المحكي عن الاكثرين و انكرها بعض الامامية و لم‌يعترف الا بخروج القائم و منهم الشيخ المفيد رضي الله عنه فطرح الاخبار بانها اخبار آحاد و حملها علي ظهور القائم و اما العامة فينكرونها رأسا و يشنعون علي الشيعة و زعموا ان القول به يلزم التناسخ و استدلوا بادلة واهية ذكرها شيخنا اعلي الله مقامه و ردها بما لا مزيد عليه و سجل عليها بالآيات و الاخبار بحيث اغنانا و لله الحمد عن ذكرها ثانيا هنا بالجملة هي عندنا ثابتة بالكتاب و السنة المتواترة معني و اجماع الشيعة اليوم المقطوع دخول المعصوم فيهم و الاقرار بها اليوم من اركان المذهب و اصوله و لايقدح في الاجماع خروج نادر من الشيعة قد خرج بشبهة و بعدم ثبوتها عنده و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم .

فصل - اعلم انا قد قدمنا في المعاد من تفصيل البدء و العود ما يغنينا عن التفصيل هنا و لكن لا بد لنا من الاشارة الي بعض المقدمات لاستنتاج النتايج و اتساق الكلام ، اعلم ان الله سبحانه احد لا بدء لاوليته و لا منتهي لآخريته [ص 139] لايمر عليه الاوقات و لايطرأ عليه البداوات هو علي ما هو عليه ابدا ازلا لايترقب لنفسه حدوث كمال و لاينتظر حصول جمال و جميع ما سواه حاضر في ملكه الي ما لا نهاية له فلايستفيد زيادة ملك و لايستزيد علما و لا قدرة و لا سلطانا و كل شئ عنده بمقدار ثابت في حده و مقامه ابدا ازلا و لايلزم من ذلك قدم الاشياء فانها دائمة الافتقار ثم تجلي بوجود مطلق بنفسه لنفسه من نفسه علي نفسه فلم‌يكن له ايضا بدؤ و لا ختم و لا ترقب و لا تغير و لا زوال و لا تحول و لا انتقال لم‌يشاركه فيما هو عليه سواه و ليس معه غيره و هو المسمي بالمشية بالاضافة الي ما دونه ثم اول خلق الله بهذا التجلي المسمي بالمشية العقل و هو الجوهر الدراك الكلي المعنوي و المراد باوليته علو وجوده علي ما دونه و قربه من مبدئه كاولية العرش بالنسبة الي الكرسي ثم امره بالادبار و المراد بالادبار اشراقه علي المراتب الدانية و نفس الوجودات الدانية اشراقه و نوره فعمر بنوره جميع المراتب الخلقية الي الجسم و احتجب كل عال عن عين الداني بنفس الداني اذ تجلي لها بها و بها امتنع منها فكان غيبا بالنسبة اليه و تفصل كل مرتبة دنيا بالنسبة الي العليا و تكثر و تكثف فما خفي في العليا بغلبة الوحدة ظهر في الدنيا و صارت الدنيا بيانها و شرحها و بذلك قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و ان العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ليس تأخر كل رتبة دانية عن العالية بتأخر وقتي و انما تأخره تأخر رتبي كتأخر الافلاك بعضها عن بعض مع وجود الجميع في آن واحد ثم تفصل كل رتبة علي حسبه بجهات كماله بعرش [ص 140] و كرسي و افلاك و عناصر و كذلك احتجب تفصيل كل عليا بتفصيل كل دنيا فجميع العروش كامن في هذا العرش و جميع الكراسي في هذا الكرسي و جميع الافلاك و العناصر في هذه الافلاك و العناصر كل في تنزله الا ان من هذه التنزلات ما يحكي انوار الغيوب لصفائه و منها ما يحجب لغلظته و كثافته فتم بذلك كليات عرصة الامكان مع بسايطها و تفاصيلها الكلية و بدوران هذه الافلاك علي هذه العناصر الذي هو نداء اقبل حصل بينهما مواليد مقبلة يغلب علي بعضها الاجزاء الحاجبة فيحجب انوار الغيوب و علي بعضها الاجزاء الحاكية فيحكي و الحاكي يشتعل بنور الكلي الغيب فيظهر عليه نور منصبغ بصبغه متهيء بهيأته متشخص بشخصيته و ذلك الاشتعال هو نفسه الشخصية و هو شعاع النفس الكلية و ظهورها و شأن من شؤنها و كمال من كمالاتها فلم‌يفرز للمولود حصة من الكلي و انما له اشتعاله بنوره فان كان المولود كامل الاجزاء لطيفها و معتدلها و صافيها حكي جميع شؤن الكلي و الا فحكي بعض كمالاته علي حسبه و هذا هو حيوة المولود فاذا اختل اجزاء وجوده و نفد دهنه او فسد فسد تركيبه و بطل الحكاية و ذهب الاشتعال و رجع الاجزاء الي البسائط و فني الاشتعال في ذلك الزمان و الوقت ان كان الاشتعال بنور او نار زمانية او برزخي ذي امتداد و ان كان صورة ذلك الاشتعال موجودة في مكان وجودها السرمدي لاتفني اذ لايضل ربي و لاينسي الا انها تفني في الزمان و البرزخ و ان كان الاشتعال بنار دهرية يبقي صورة ذلك الاشتعال في الدهر لها مادة من فعل الكلي و صورة اكتسابية من تلك الاجزاء فاذا انكسر المرآة يبقي ذلك الشبح قائما بمؤثره قيام صدور و بجزئيه قيام ركن [ص 141] و مادته بصورته قيام ظهور و صورته بمادته قيام تحقق و هو نفسه و حقيقته الباقية تدخل بدنه الاصلي بعد فناء البدن العرضي كما مر و هو بجميع ذاتياته المجزي المثاب المعاقب و ما هو خارج عن ذاته اعراض قد لحقته و اذا فارقته لحقت غيره و لايأبي عن شئ كما لايأبي المرآة عن مثل الشواخص و الثوب عن لبس كل احد و قد مر شرح ذلك مفصلا .

فصل - اعلم ان العقل حين التنزل تنزل علي نحو الابهام و الاطلاق معري عن الاكتسابات الجزئية الناشئة من المراتب الدانية كما تري من اطلاق نزول الروح الحيواني الي المشاعر فهو دراك مطلق و يكتسب العلم بجزئيات المسموعات و المبصرات و غيرها في مقام تنزله من المشاعر و ذلك حاصل نزوله و هذه المشاعر الجزئية كانت كامنة فيه مستجنة استجنان الشجرة في النواة فامره الله بالنزول حتي يتمكن من ان يظهر الي عرصة الفعلية ما هو مستجن فيه و بالقوة فالنزول كان علي نهج الاطلاق و الابهام و به غرس حبة كل عال في ارض كل دان حتي تفسخت فيه و شاعت و انحلت و ذابت و انفعل و انصبغ جميع اجزائها في تلك الارض بالقوة ثم امره الله بالاقبال فصعد من حال التفرق الي التركيب ثم من غير الحاكي الي الحاكي فظهر فيه النفوس الغيبية منصبغة بصبغه مكتسبة منه تفاصيل استخرجت من كمون المراتب الدنيا التي هي تنزلات العلياء فتحصل للعقل تفاصيل علوم المراتب الدنيا و انبسط بذلك و اعلم ان الصاعد هو النازل و درجات الصعود هي درجات النزول و وقت الصعود هو وقت النزول فالنفس مقامها مثلا اوسط الدهر صعودا و نزولا و هي هناك ابدا ثابتة الا انك اذا نظرت اليها من حيث الوجود تراها نازلة و اذا نظرت اليها [ص 142] من حيث الظهور تراها صاعدة يعني مبادي صورها من الداني و مبادي موادها من العالي هذا مجمل القول في النزول و الصعود و الا فليس ان العقل نزل في اوقات و لا صعود كالنازل من درج ثم صعد في وقت آخر كالصاعد علي الدرج بل كل ذي درجة ابدا في درجته و تفاصيل صوره مكتسبة من الداني و اجمال مادته حاصل له من العالي فافهم فقد كشفت لك قناع حقيقة المسئلة لتكون من الفائزين فكل شئ حاضر في محل وجوده عند ربه و في هذا النظر لا بدء و لا عود و كل شئ لازم حده و مقامه و اما من حيث التدرجات في ظهور الحكايات فصعود و يصعد الشئ درجة بعد درجة الي ان يصل الي مبدئه الذي نزل منه و الخلق منذ انشئ هذا العالم في الصعود كما مر و هذا هو احد معاني العود علي نهج الاختصار و قد مر تفصيله .

فصل - و اما العود الذي هو عود الارواح الي الاجساد فهو مما اشكل علي الناس دركه و قد مر في المجلد الاول شرحه ان المراد عود الارواح الي الاجساد الاصلية و قد بينا شرحه بحيث لاينافي العود بالمعني الاول و لاينافي السير الطبيعي الاقبالي و لايحتاج الي الرجوع قهقري و تطبيقهما من غوامض العلوم و كذلك الامر في الرجعة فلايعرف معناها علي ما يوافق القواعد الحكمية و يطابق السير الاقبالي الا الاقلون و نحن نريد ان نشرح هنا بقدر ما علمنا الله من ذلك مما يوافق الكتاب و السنة ، اعلم انه لا شك و لا ريب عند الحكماء في ان كل موجود في هذا العالم فانما ينزل من الخزاين العليا كما قال الله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فالشئ الموجود هنا له مراتب من لدن المشية المتعلقة به المبدئة [ص 143] له الي ان ينتهي اليه و لا طفرة و تلك الخزاين في كل مرتبة علي حسبه ففي الجبروت جبروتية و في الملكوت ملكوتية و في السماء سماوية و في الغيب غيبية و في الشهادة شهادية و في عالم المعني معنوية و في عالم الصورة صورية حتي انه لو وجد هنا قطرة ماء لا بد و ان يثبت لها دهرية بالنسبة اليها و كذلك لا شك و لا ريب في ان العالي يحوي الداني بجميع امكنته و اوقاته و لايتقدر بقدره و لايتشخص بشخصياته مثلا آن من الدهر يحوي جميع الزمان باوقاته و امكنته يعني نسبته الي جميع اوقات الزمان و امكنته واحدة اينما وضع مرآة مقابلة له ينطبع فيها عكسه الاتري ان الماء الكلي دهري و هو موجود جزئي من موجودات الدهر و هو حاو لجميع الاوقات و الامكنة الزمانية فلو وجد مظهر له في اي جزء من اوقات الزمان او امكنته انطبع فيه و اعطاه اسمه و حده فالذي في اول الزمان ماء و الذي في اوسطه ماء و الذي في آخره ماء و كذلك ما في المشرق و المغرب و اي مكان اتفق هو ماء انطبع فيه الماء الدهري و اعطاه اسمه و لا شك ايضا ان هذه الموجودات في الاوقات و الامكنة مظاهر الماء لا حقيقته و هذه جزئيات لايعطي احدها الآخر اسمه و حده كما حقق في محله بل لو اخترع شئ في الدنيا لم‌يكن فيما مضي و لايكون فيما بقي بل اخترع و اوجد في آن واحد ثم فني يتحقق له حقيقة دهرية نسبتها الي جميع الزمان سواء بحيث يظهر في كل ما وجد مثل ذلك في اي وقت و اي مكان و لذلك يكتفي في تقييد المطلق و الامتثال له بفرد واحد كما حققناه في الاصول نعم يشترط في ظهوره مناسبة بين المظهر و الظاهر فمتي ما وجد جسم رقيق سيال بارد رطب ظهر [ص 144] عليه الماء و هو غير الماء فلو لم‌يظهر عليه الماء لم‌يكن ماء البتة غاية الامر انه لايتخلف الاجابة عن الدعوة التامة فلو صنعت من قطعة حديد سيفا ظهر عليها السيف و اذا كسرتها خفي السيف و اذا اعدتها عاد السيف ظاهرا و اذا كسرتها خفي و لو صنعت ذلك الف‌الف مرة و لاينافي ظهور السيف علي الحديد مرة بعد اخري كون العالم في الصعود بل تصور الحديد بصورة السيف و انكساره بسبب الاعراض فمتي ما وضع مرآته تبين فيها وجه السيف و كلما رفعت خفي وجهه غاية الامر ان المرآة في الآن الثاني الطف اذا لم‌يعرضها عارض لان العالم كلية في الصعود و كذلك الامر في بدن زيد في الدنيا فان زيدا حين وجد في الدنيا تحقق له نفس دهرية هي حقيقة زيد و هي في الدهر و نسبتها الي جميع الزمان سواء فلو اعيد بدن زيد في الدنيا الف‌الف مرة يعود حقيقة زيد الدهرية اليه الف‌الف مرة و لاينافي كونه صاعدا و كون الزمان صاعدا غاية الامر ان البدن المصنوع ثانيا الطف و احكي و لذلك يقتل الجبت و الطاغوت في كل يوم الف مرة و يحيان ( يحييان ل ) و في كل مرة هما هما و من هذا الباب عيش عزير عليه السلام بعد موته و عيش حماره و عيش الذين خرجوا من ديارهم و هم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم و عيش طيور ابرهيم عليه السلام و عيش اصحاب الكهف بعد طول لبثهم و احياء عيسي عليه السلام الموتي فانه كان سبب الموت تخلل آلات البدن بسبب الاعراض و الامراض فاذا سوي البدن و ازال العرض او المرض تجلي فيه الروح ثانيا كما كان متجليا و كيف يشك في ذلك و الخلق دائما في الكسر و الصوغ فانه يتحلل منهم [ص 145] ما يتحلل و يأتيهم بدله فاذا اعتدل البدل و صفا و واجه نفس زيد انطبعت فيه بل هم في لبس من خلق جديد و هكذا كما يتعلق النار بالدهن في كل آن فانه كلما يصل الدهن الي مرتبة التكلس و الصفا و الرقة و واجه النار انطبعت فيه و لو وصل اليه المدد الي يوم القيمة و اذا انقطع المدد خفي النار و المثل تقريبي و ليس اذا اعدت تكليس دهن بعد الانطفاء يعود تلك الشعلة الزمانية بعينها فانها زمانية و فنيت و لكن العائد علي الدهن الثاني الشعلة الدهرية الاتري ان الاولي شعلة و الثانية شعلة و لذلك لما قال الزنديق للصادق عليه السلام اخبرني عن السراج اذا انطفي اين يذهب نوره قال يذهب فلايعود قال فما انكرت ان يكون الانسان مثل ذلك اذا مات و فارق الروح البدن لم‌يرجع اليه ابدا كما لايرجع ضوء السراج اليه ابدا اذا انطفي قال لم‌تصب القياس ان النار في الاجسام كامنة و الاجسام قائمة باعيانها كالحجر و الحديد فاذا ضرب احدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء فالنار ثابتة في اجسامها و الضوء ذاهب و الروح جسم رقيق البس قالبا كثيفا و ليس بمنزلة السراج الذي ذكرت الخبر ، و غرضه عليه السلام ان هذا الضوء الذي علي السراج دنياوي تولد من الجسم الدنياوي الذي هو الدهن فاذا انطفأ السراج يذهب الضوء الذي هو الاشتعال و اصل النار باق في الاجسام لايذهب و اما الروح فهو جسم رقيق دهري آيته النار لا الضوء و اذا فني الجسم الكثيف القالبي بقي ذلك الجسم الرقيق الدهري و انما الروح البخاري آيته و مظهره في البدن فلو فرقت اجزاء البدن و اجزاء الروح البخاري ماتفرق الروح الدهري فاذا تألفت مرة اخري و واجهت ذلك الروح بعينه بالمناسبة [ص 146] عاد اليها الروح اي ظهر فيها و لو كرر ذلك في كل يوم الي آخر الدهر و لا امتناع فيه و لايخالف الحكمة و ارانا الله امثاله في الماضين و في افعال السابقين غاية الامر ان الصيغة الثانية تكون الطف و احكي لما وراءها و هكذا كلما كسر و صيغ فافهم و من هذا الباب ما كان اميرالمؤمنين عليه السلام يري نفسه الشريفة في امكنة عديدة و اوقات مختلفة فانه عليه السلام نفسه الشريفة مفارقة للمواد الزمانية كاملة قادرة ثابتة في الدهر و نسبته متساوية الي جميع الاوقات و الامكنة فاينما و متي ما الّف من المواد الدنياوية جسدا مناسبا له مواجها اليه انطبع مثاله فيه و نطق من لسانه و نظر من عينه و بطش من يده بلا تفاوت مع جسده المعروف و كذلك ظهور جبرئيل بصورة دحية او الاعرابي فاذا الف جسدا علي طبعه انطبع فيه مثاله و ان قلت ان هذه المواد الدنياوية اذا الفت علي نهج الاعتدال و صفيت استخرج من نفسها نفس دهرية خاصة بها و تكون شخصا خاصا مجددا و ان لم‌تؤلف علي نهج الاعتدال لم‌يظهر عليها نفس فكيف يجوز ان ينطبع فيها نفس مستقلة ثابتة غير ما يستخرج منها و ما الفرق بين هذا القول و القول بالتناسخ قلت ان التناسخ ان تظهر نفس في غير بدنها لا في بدنها المناسب لها المواجه اليها الاتري ان ظهور الماء الدهري في كل بدن مناسب زماني وجد في وقت او مكان من النظم الطبيعي العادي و اما اذا حصل بدن ترابي ليس يظهر فيه ابدا و كذلك روح زيد لايظهر في بدن عمرو فانه غير مناسب له و اما اذا الف بدن زيد بعد خرابه كما كان اول مرة فهو مناسب لروحه مواجه له فيظهر عليه و لايلزم تناسخ و اما النفس المستخرجة منه فان كانت فردا زمانيا من افراد ذلك الكلي الدهري [ص 147] فلا تنافي و انما التنافي فيما اذا لم‌تكن فردا منه فلو كان المستخرجة فردا من افراد كلي اخر فذلك المنافي غير الجائز و يظهر من ذلك ان البدن لم‌يصغ علي الصيغة الاولي و لم‌يتوجه الي ما كان اولا متوجها اليه و المفروض انه لو صيغ علي صيغته يوم اول و واجه الي ما كان مواجها اليه الاتري ان مواد بدن زيد العرضي دائمة التجدد و روحه البخاري دائم التجدد و كل بخار متجدد الاشتعال بالحيوانية و كل شعلة حيوانية متجدد الاشتعال بالانسانية و في كل آن يتجدد شعلته الانسانية الزمانية تجدد اشتعال شعلة السراج و هو هو فالشعلة المرئية في نظر الحكيم في كل آن غير ما في الآن السابق و كذلك روح بدن زيد متجدد في كل آن و هذه الشعلات الانسانية العرضية المتجددة كلها مناسبة لنفس زيد و بدن زيد الاصلي الكامن غير المتجدد بتجدد الاعراض مواجه اليها و يظهر علي الكل في كل آن نفس زيد و لا تناسخ و قد استخرج من بدن زيد في كل آن نفس زمانية فكذلك لو صيغ ابدان متعددة لشخص كلي و اشتعل ارواحها الزمانية بانسانية عرضية متناسبة متشاكلة مواجهة الي حقيقة واحدة فانه يظهر علي الكل تلك الحقيقة الدهرية كما تري ان هذه الابدان مختلفة شخصا و كلها انسان قد ظهر عليها الانسان و كذلك لو صيغ لاصناف ابدان يظهر عليها تلك الاصناف و كذلك اذا ظهر لشخص ابدان فان الكلية و الجزئية اضافية و زيد كلي بالنسبة الي حال طفوليته و شبابه و كهولته و هَرَمه و ساير اوقاته و امكنته و حاله فهو في كل ذلك زيد فهو كلي بالنسبة كما انه جزئي بالنسبة كما ان النوع جزئي بالنسبة الي الجنس بالجملة كما ان زيدا يظهر في جميع حالات بدنه و بدنه مختلف الاشتعال شخصا في الحالات [ص 148] كذلك يظهر النفس القوية المفارقة الكلية في ابدان عديدة و ان كان لها اشتعالات عديدة و دهرية الكل هي تلك النفس المفارقة الكلية بل اقول اذا تقدس النفس و اشتد اطلاقها فلربما تظهر في ابدان مختلفة مع اختلاف اشتعالاتها و لو صنفا بل و لو نوعا بل و لو جنسا و من هذا الباب قولهم انا آدم و شيث و انا نوح و سام و انا ابرهيم و اسمعيل و امثالها و قولهم الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و قوله انا الذي اتقلب في الصور كيف‌ما شاء الله و انا صلوة المؤمنين و صيامهم و امثال ذلك من كلماتهم بالجملة احياء رجل بعد موته امر جايز واقع لايخالف القواعد الحكمية و لاينافي صعود الاشياء الي مباديها و هي صاعدة دائما و لايسع انكار ذلك احدا بعد اقراره بالقرآن و اخبار العترة الطاهرة و لم‌يكن ذلك من باب التخييلات البتة فان بعض من احيي عاش في الدنيا زمانا كساير الناس كعزير عليه السلام و لم‌يكن ذلك من باب التناسخ و الحمد لله علي ما سددنا لاتباع آل‌محمد عليهم السلام في المبدء و الختام .