فصل - بقي هنا اشكال احببت ان اختم به و بجوابه هذا المقصد لان جوابه لايكون الا عندنا و لايعرف الا من كتبنا و هو انه لو قال احد انكم قد بينتم ان سر وجود المعصوم في كل عصر ان الناس مدنيون مختلفوا الطبايع جهال فيحتاجون الي حاكم و معلم تقوم به مدينتهم و يتعلمون منه ما به قوامهم و نظامهم علي حد ما مر و لاجل ذلك اقام الله بينهم في كل عصر نبيا و اماما معصوما يشاهدونه و يرجعون اليه و يترافعون اليه ليحكم بينهم بالقسط [ص 60] و يسألونه فيعلمهم ما به صلاحهم فاذا كان الامر كذلك تبين فساد مذهب العامة حيث لايثبتون في كل عصر اماما معصوما دالا علي الله فلو قال قائل لكم ان هذا البرهان ان كان حقا فمذهبكم ايضا باطل كالعامة فانكم بقيتم بعد غيبة حجتكم كما بقيت العامة بعد فقد نبيها و اكتفيتم بعلمائكم كما اكتفوا بعلمائهم و وقعتم في الشكوك و الظنون و التشاجر و الاختلاف كما وقعوا و ورد عليكم ما ورد عليهم فكلما ابطلتم به مذهبهم ابطلنا به مذهبكم اقول اعلم ان الله سبحانه غيب مطلق واحد حق لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير يمتنع معه ذكر غيره و الخلق كلهم في رتبة الحدوث اخترعهم لا من شئ و ابتدعهم لا لشئ فهم لازموا رتبهم لايتجاوزونها و لايصعدون عليها فلايدركون حيث يمتنع وجودهم فيه فلايمكن ان يعرفوه سبحانه الا بما عرف نفسه و انما خلقهم لاجل المعرفة و العبادة و جعلهم بحيث اذا عرفهم صفة تعريفه عرفوها و تلك الصفة كانت كامنة فيهم مستورة بحجب انيتهم فاجتبي من خلقه خلقا علاه بتعليته و فضله بتكرمته و انتجبه في القدم علي ساير الامم و ابانه عن ساير خلقه بان جعله صفة تعريفه و حقيقة توصيفه فجعله كاملا في الوصفية له سبحانه بحيث لا فرق بينه و بينه الا انه خلقه بدؤه منه و عوده اليه فجعله يده في استخراج ما فيهم بالقوة و استظهار ما وضع في غيبهم بالوديعة فابتعثه آمرا و ناهيا منه الي ساير عوالمه و جعله القائم مقامه في ساير خلقه و انزله اليهم و البسه في كل عالم لباسهم و انطقه في كل عرصة بلسانهم ليترجم لهم عن الله و يبين لهم مراد الله و يستخرج كوامن قوابلهم و يستظهر ما اخفي الله فيهم من صفة تعريفه ليعرفوه و يعبدوه [ص 61] و ذلك قوله و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبيّن لهم حتي اذا اراد هداية البشر و تعريف نفسه لهم انزله اليهم و البسه لباس البشرية فجاء بين ظهرانيهم و قال انما انا بشر مثلكم يوحي اليَّ انما الهكم اله واحد و بين لهم التوحيد في جميع مراتبهم كما قال ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني بعد ما قال الله تعالي له ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و جميع ما جاء به صلي الله عليه و آله توحيد محض الا ان التوحيد في كل مقام بحسبه فتوحيد الفؤاد بالمعرفة العيانية و دليله الحكمة و توحيد العقل باليقين و دليله الموعظة و توحيد النفس بالعلم المجرد و دليله المجادلة و توحيد المثال و الظلال بالعلوم المقترنة و الصور و توحيد البدن بالاعمال الصالحة و الحسنات و دليلهما ايضا المجادلة فدعا كل قوم الي ربهم بلسانهم و دليلهم و استخرج به كوامن ما ابطن فيهم من سر التوحيد و حقيقة التفريد فما لميكن ذلك البعيث معصوما مطهرا عن جميع ما هو خلاف التوحيد في جميع مراتبه لميكن آلة استخراج التوحيد فيها جميعا و كان من جهة عصيانه آلة استخراج الشرك و الكفر فانه كما كانت الطاعات و الاعمال الحسنة و الاخلاق الزكية كلها ظواهر التوحيد و تجسماته كذلك يكون المعصية ظاهر الشرك و تجسمه فان كان البعيث يخطي و يسهو و يلهو كان حين الخطاء و السهو و اللهو آلة الشيطان و يده في استخراج الشرك و الكفر و فروعهما و ان قيل ما ضر ان يكون من حيث البشرية خاطيا ساهيا و من حيث الابلاغ يحفظه الله قلت ان الله سبحانه حكيم لايباشر شيئا بذاته و انما يفعل ما يفعل باسبابه التي جعلها له فان كان الخطاء و السهو يجري في [ص 62] جميع الاسباب الملكية من مبدئها الي منتهاها فبم يمنع الله الخطاء و السهو و يلزم من ذلك ان يخطئ الله و يسهو اذا كان لا بد لاسبابه الخلقية من الخطاء و السهو و كل من يخطي يخطي بفعله و الفعل غيره فيكون الله اذا خاطئا نعوذ بالله و ان كان يكون في الملك سبب و اسباب ليست تخطي و تسهو و هي غيره صلي الله عليه و آله فمن الذي هو اعلي من محمد و آلمحمد عليهم السلام الذين هم اول ما خلق الله و اشرف ما برأ الله فهم السبب الذي لايخطي و لايسهو هذا و هم وصف تعريفه سبحانه فان كان وصف الله نفسه بالخطاء و السهو فينبغي ان يعرف الله و يوصف بالخطاء و السهو و ذلك باطل بالبداهة فهم سلام الله عليهم منزهون مبرؤن عن الخطاء و الزلة و السهو و النسيان في جميع امورهم البشرية و الحجية صلوات الله و سلامه عليهم هذا و هم سلام الله عليهم اول ما خلق الله و خلق ما خلق من شعاع نورهم فما فقد فيهم يجب ان يفقد في جميع العالم فلايكون منه عند احد فما غفل عنه النبي صلي الله عليه و آله لايجوز ان يلتفت اليه احد ممن خلق من نوره و ما سها عنه لايجوز ان يتعمده احد غيره و ما اخطأ فيه لايجوز ان يصيبه احد من الخلق و ذلك من البطلان بمحل فان قيل ان بشرية النبي صلي الله عليه و آله ليست بمؤثرة الكاينات البتة و انما المؤثر غيبه و نوره فما ضر ان يصدر من بشريته الخطاء و السهو و النسيان اقل ليس بعد الحق الا الضلال و ليس بعد النور الا الظلمة و بعد الرحمن الا الشيطان فالنبي ان اخطأ بشريته او سهت او نسيت هل هو من هذا الحيث مظهر الرحمن و محل مشيته او مظهر الشيطان و جحر ارادته لايسعك ان تنسبها حال الخطاء الي الله سبحانه فان الله [ص 63] لميتجل بالخطاء و لايجري مشيته بالسهو فهي مظهر الشيطان و مظهر الشيطان لايليق بالاخبار عن الله و لايعتمد عليه و ليس بصفة لله و ليس له قابلية الحكاية عن امر الله و ترجمة ارادته فاذا لا بد و ان يكون في كل عصر حجة مترجم عن الله مؤدٍ عنه معرف اياه مستخرج كوامن ما ابطن في خلقه من صفة تعريفه و لما كان النبي بشرا مؤديا يجري عليه الموت و الارتحال وجب في الحكمة ان يكون بعده من يقوم مقامه حاكما بين العباد حافظا لدين الله شارحا لمراد الله حيا قائما بالحفظ و لايسع احدا من الرعية حفظ حكم جميع الخلق الي يوم القيمة اذ لايحفظ حكم جميع الخلق الا صدر النبي او صدر كصدره و الاحكام بحسب قوابل العالم و الاشخاص و تتجدد بتجدد القوابل و لله البداء يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء فلايسع احدا من الرعية حفظ احكام جميع العباد في جميع البلاد في جميع الاعصار و لايعلم احد من غير الشاهدين علي الخلق تجدد القوابل و كيفيتها و ماينبغي لها الا النبي او من هو من جنسه فوجب ان يكون بعد النبي صلي الله عليه و آله في جميع الاعصار امام معصوم مطهر به يقوم الكون و الشرع فهو اِما ظاهر مشهور او مستتر مغمور لئلاتبطل حجج الله و بيناته و الله سبحانه رؤف بعباده فان رأي صلاح العالم باظهار الحجة يظهره و يظهر امره و ان رأي الصلاح في خفائه يخفيه عن اعين الرعية و ان اخفاه عن اعين الرعية لميخف الرعية عنه فهو الشاهد عليهم يراهم و يسمعهم و يعلم ما يصلحهم و ما يفسدهم و يعلم احكام الدين و يشاهد الاعصار و يطلع علي صدور العلماء الابرار و يعلم الزيادة و النقصان و هو من عند الله مأمور بالبيان و قادر علي الحفظ و السوق و الدفع [ص 64] و ان لميعاينه احد من الرعية فلا مانع له بعد الشهادة و القدرة و المأمورية فالامام الحافظ واجب بعد ارتحال النبي و لولاه لميعرف الحق من الباطل و لالتبس علي المسلمين امورهم البتة و شرط التصرف و الحفظ رؤيته و هي حاصلة و قدرته و هي كاملة و المأمورية و هي لا شبهة فيها و اما اذا ذهب النبي و لميبق حجة معصوم فلا حافظ و الناس غير شاهدين الحقايق غير مطلعين علي القوابل و لايعلمون الصلاح و الفساد و النبي قد رفع العناية عنهم بموته فهم كاِبل مهملة لاتعلم مرعاها و مشربها و مناخها و معطنها و اما نحن اليوم فلسنا كالعامة العمياء و الحمد لله اذ لنا حافظ شاهد قادر مأمور بحفظ ديننا لنا و قد استفاض بذلك الاخبار و اوردناها في كتابنا علم اليقين للاعتبار و هو المعصوم المطهر الذي لايخطي و لايسهو و لاينسي و لايلهو و اما العلماء فهم رواة و حملة لاحكام الحجة الي الخلق و رسل و نقلة كما لو كان ظاهرا قاعدا في الكوفة او المدينة و نصب القضاة في كل بلد و بعث فقهاء الي اطراف العالم بعينه فهو يوم يكون في الكوفة ليس يراه كل اهل الارض و لايشافه كل اهل الارض و انما كان النبي صلي الله عليه و آله بالمدينة و ساير الناس غيب عنه لايرونه و هو يبعث الرسل و النقلة و حملة الاخبار فيخبرون الناس عنه فنحن اليوم مع امامنا كاهل مكة مع رسول الله صلي الله عليه و آله بلا تفاوت و كما ليس يشترط في سفراء النبي صلي الله عليه و آله في عصره العصمة و ليس بناء العالم عليه و الا لوجب ان يكون كل احد معصوما حتي يطمئن ان اذنه ماخانته و ان فهمه مااخطأ في فهم الحكم فيكونون اذا كلهم معصومين مطهرين و ذلك غير لازم بداهة فكما انه لايجب [ص 65] عصمة اذن المستمع و فهمه لايجب عصمة حامل الخبر و الاثر الي صاحبهما فكما لميشترط العصمة في سفراء النبي في عصره الي الغائبين عنه ظاهرا ليس يشترط العصمة في فقهاء الشيعة مع وجود امامهم و غيبته عن اعينهم و انما الاكتفاء و الاطمينان بحفظه و نظره ، هذا و نحن نشترط في الفقيه ان يكون راويا عنهم اصلا او فرعا عاما او خاصا و الراوي لايحتاج الا الي الصدق و لذلك اجمع الشيعة علي الاكتفاء برواية الواقفية و الفطحية اذا كان عليها قرائن الصدق نعم لو كان الفقيه يجوز له ان يفتي بدليل عقله وحده او برأيه و استحسانه او مصلحة يراها او غير ذلك من غير باب السمع و النطق و الرواية لوجب فيه العصمة حتي يحصل القطع بانه اصاب معني حقيقة الحق و حتي يعلم انه لميغلب علي عقله جهل او الحاد او غضب او شهوة او طبع او عادة او غير ذلك و المفتي بالرأي هو مدعي مقام الولاية بل النبوة بل الالوهية فانه غير مستند الي غيره مستبد برأيه و علمه و لا بد في الولي و النبي من العصمة و ان يكونا عدلا حقيقيا و اما الحاكي الراوي فلايراد منه الا الصدق و يمكن الاعتماد علي الرواة ما دام الحافظ في البين و علم صدقهم بالقراين و اما العامة فقد اخطأوا من وجهين الاول عدم الاعتقاد بوجود حافظ بعد النبي صلي الله عليه و آله و الثاني الاستبداد بالرأي فبيننا و بينهم بعد المشرقين و الحمد لله رب العالمين .
في بعض فضائلهم صلوات الله عليهم و ان كان لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و لو ان [ص 66] ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله و لكن احببت ان اذكر بعض ما منحنا الله من المعرفة ببعض فضائلهم صلوات الله عليهم بحيث يناسب وضع هذا الكتاب و فيه مقصدان :
المقصد الاول - في بعض الفضائل الكلية التي هي اس كثير من الفضائل و فيه فصول :
فصل - اعلم ان جميع ما ذكرناه في مجلد النبوة من الفضائل جارية في حقهم الا النبوة فانهم باجماع الشيعة متحدون مع النبي صلي الله عليه و آله في النور و الروح و الطينة يجري فيهم جميع ما يجري في النبي الا النبوة فانها الكلمة التي اختص بها النبي صلي الله عليه و آله قال الله سبحانه ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض و هم آل ابرهيم بنص الكتاب حيث يقول ملّة ابيكم ابرهيم و هم من ابرهيم لقوله من اتبعني فانه مني و هم متبعوه لانهم علي ملة ابرهيم لقوله قل انني هداني ربي الي صراط مستقيم دينا قيما ملة ابرهيم و من يرغب عن ملة ابرهيم الا من سفه نفسه و قد عرفت انهم معصومون لآية التطهير فهم المتبعون لابرهيم فهم منه و آله فهم ذرية بعضها من بعض فيجري علي بعضهم ما يجري علي بعض فهم مشتركون مع النبي صلي الله عليه و آله في جميع فضائله الا النبوة فلو راجعت المجلد السابق استغنيت عن تفصيلها هنا فهم مشاركون مع النبي صلي الله عليه و آله في البيان و المعاني و الابواب و الامامة و القطبية الا النبوة فانها مخصوصة بمحمد صلي الله عليه و آله و بعض الاحكام الظاهرة يختص في ظاهر الشرع به صلي الله عليه و آله [ص 67] و بعد ذلك هم كلهم من نور واحد و طينة واحدة و روح واحد يجري في آخرهم ما يجري في اولهم و لذلك قالوا اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد كلنا محمد ، فاعادتنا الكلام هنا بعد ما فصلناه في المجلد الثاني فضل و لكن سنح لنا معني آخر لحديث جابر في المعارف السبعة احببنا ان نذكره هنا لئلايخلو هذا المجلد ايضا من بيانه فان فيه جل فضائلهم و هو الحديث الذي رواه جابر عن زينالعابدين عليه السلام و هو حديث طويل و فيه المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و قال عليه السلام يا جابر تدري ما اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة الله القديم العامة الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن لاتستدركه كما سنذكره كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الخبر ، و سمي التوحيد في حديث جابر بن عبدالله عن الباقر عليه السلام بالبيان فقال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلت و ما البيان و ما المعاني قال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف الله سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد الخبر ، اعلم انا قدمنا معني هذين الخبرين علي وجه في المجلد الثاني و الذي نذكره هنا وجه آخر منه و هو ان لهم عليهم السلام مقامين غيب و شهادة و اجمال و تفصيل و كلية و جزئية و ذلك انه [ص 68] حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فجميع ما سوي ذات الاحد القديم جل شأنه العظيم خلق كائنا ما كان بالغا ما بلغ حتي الاسماء و الصفات و لاجل ذلك صار كمال التوحيد نفي الصفات عنه و الخلق هذا هو المعني الاعم اي المنطوي تحت الاحد و اما اذا اخذ الخلق بمعني ما تعلق به الامر سواء كان ذلك الامر نفس ذلك الخلق كما قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها او غيرها كما قال ثم خلق الاشياء بالمشية فبينهما ثالث البتة و هو ما اضمحل فيه جهة الخلقية و الامرية المشار اليهما بقوله له الخلق و الامر بغلبة جهة الحق عليه و ذلك ان هذه المراتب الثلث في جميع مراتب الخلق بالمعني الاعم موجودة الا انه اذا صعد صاعدا بلغ مقاما صار الخلقية و الامرية فيه مضمحلتين متلاشيتين فلايبقي فيه لهما عين و لا اثر فلا خلق و لا امر و انما الظاهر فيه بالفعل هو الحق و الاسماء للاعيان و مناشئ الآثار فاذ لا عين و لا منشأ اثر فلا اسم فاذا بعد عن ذلك المقام بدرجة خفي فيه الحق و ظهر فيه الامر بعينه و ليس للخلق فيه عين و لا اثر فلايسمي بالحق و لا بالخلق و انما هو امر لا غير فاذا نزل نازلا غلب عليه جهة الخلق و ظهرت عليه بعينها و خفي فيه الحق و الامر فلا حق و لا امر بل هو خلق و آية ذلك الكيان الثلثة في المولود الفلسفي حيث ان كل واحد من الروح و النفس و الجسد مركب من بخار و دخان و ملح الا ان الروح غلب عليه البخار و كمن فيه اخواه فسمي باسم الغالب و يؤثر تأثير البخار و النفس غلب عليها الدخان و خفي فيها اخواها فسميت باسم الغالب و توثر تأثير الدخان و الجسد غلب عليه الملح و خفي فيه اخواه فسمي باسم الغالب و اثر تأثير الملح [ص 69] و لاجل كون كل واحد من الطبايع الثلث في كل واحد من الكيان امكن تركيبها و تأليفها بعد تقريبها و الف كل واحد كل واحد بما فيه من جنسه فافهم و الحال هكذا في الخلق بالمعني الاعم فالوجودات الثلثة سارية في جميع مراتبه الا ان كل درجة منه يسمي باسم الغالب و يؤثر تأثير الغالب فان اخذ الخلق بالمعني الاخص من الاخص ● فبينهما ثالث البتة و هو الامر اذ الامر غير الخلق لقوله تعالي شأنه له الخلق و الامر و ان اخذ الخلق بالمعني الاعم من الاخص ● فبينهما ايضا ثالث و هو الوجود الحق و مرادنا من هذا الوجود الحق الساري غير الذات الاحدية القديمة بل هو الذات في الذوات للذات و هو الثالث الذي بين الواجب و القديم الاقدم و بين الخلق بالمعني الاعم من الاخص و هذا الوجود المبارك غير الحادث و القديم الاقدم و يسمي في عرف آلمحمد عليهم السلام بالقديم و الازلي و غير المكون و ذلك في اخبارهم مستفيض غير منكور فمن يأول تلك الاخبار فليأول كلامنا و من يتركها بحالها فليترك كلامنا بحاله فانا اخذنا منهم و اقتفينا اثرهم فمن تلك الآثار ما ورد في الدعاء يا اقدم من كل قديم و في ادعية عديدة اللهم اني اسألك باسمك العظيم و ملكك القديم و في الزيارة السلام علي الاصل القديم و الفرع الكريم و في الخطبة في صفة النبي صلي الله عليه و آله انتجبه في القدم علي ساير الامم و في اخري انا صاحب الازلية الاولية و في [ص 70] اخري كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين و من اسمائه سبحانه ازل الآزال ، الي غير ذلك مما لايعد كثرة هذا و انا نصرح بان ذلك كله من الخلق بالمعني الاعم فلا ضير فلايلزمنا شرك و لا اعتقاد بتعدد القدماء و ان قلت ان الذات الاحدية اجل من ان توصف و ليس لها اسم و رسم و انما الاوصاف في عرصة الخلق بالمعني الاعم و قلت اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم بلغت مقاما اعظم بالجملة غرضنا ان نبين لك ان ما سوي الحق الاحدي خلق و قد ثبت بضرورة الاسلام و تواتر الاخبار و دلالة الكتاب و ادلة العقول المستنيرة ان محمدا صلي الله عليه و آله لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و انه اول الخلق و اشرفه و اكرمه و اقربه من الله جل جلاله و افضله و اسبقه بحيث انه لا نكير علي ذلك بين المسلمين اجمالا بل من انكر ذلك اجمالا خرج من ضرورة الاسلام و كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم كيف لا و هو في الكتاب اول المسلمين و اول العابدين و هو خير امة اخرجت للناس و قد تواتر في الاخبار ان آلمحمد عليهم السلام من نور محمد و طينته و روحه و نحن قد كتبنا في ذلك كتابا سميناه بنعيم الابرار و قد اقمنا فيه ادلة من الكتاب و السنة و الاجماع و الادلة العقلية علي ان محمدا و آلمحمد عليهم السلام هم اول الخلق و اشرفه و اسبقه و اقربه من الله سبحانه و سنذكر في هذا الكتاب ان شاء الله ما يكتفي به المكتفي فترقب فاذا صار محمد و آلمحمد عليهم السلام اول ما خلق الله بقول مطلق فلايسبقهم سابق من الخلق و لايتقدم عليهم متقدم فمقامهم في اعلي درجات الخلق بالمعني الاعم [ص 71] لا ثالث بينهم و بين الله عز و جل و هم اول تجل تجلي الله به و اول وصف وصف به نفسه و اول تعريف لله عز و جل و اول شهادة شهد الله بها لنفسه فلهم في ذلك المقام اربعة مقامات بالتزييل الفؤادي حين النظر الي آثارهم و ان كانت الافئدة اقصر من ان تثبت فيهم التعدد في ذلك المقام الا انها تحكم للتجلي اينما كان و اينما تدركه و تميزه اربعة مقامات مقام باطن و بطون و ظاهر و ظهور و المراد بالباطن الذات الظاهرة بالبطون و بالبطون وصفها الذي ظهرت به و اتصفت و كذلك المراد بالظاهر الذات الظاهرة بالظهور و بالظهور الوصف الذي ظهرت به و اتصفت فلا بد لكل تجل تام من هذه الاربع مراتب فان البطون تمام الظهور و الظهور تمام البطون و ما لميكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و تعالي الحكيم عن ذلك و ذلك ان التجلي له حيثان حيث الي المتجلي و حيث نفسه و كونه تجليا و من البين ان الحيث الاول اغيب من الحيث الثاني لقدس نفس المتجلي عن التجلي فهو عرصته فوق عرصة التجلي من حيث نفسه و ابطن فالحيث الاول يثبت له جهتان جهة الذات الظاهرة بكونها متجلية و جهة المتجلي نفسه و هما الباطن و البطون لغيبوبتهما عن درك الابصار ما لمتظهرا و كذا الحيث الثاني يثبت له جهتان جهة الذات الظاهرة في التجلي و حيث نفس التجلي و هما الظاهر و الظهور و المشهودان بالتعلق اما الباطن فهو مقام البيان و باطن النبوة لغلبة ذلك علي محمد صلي الله عليه و آله الذي هو غيب الله و باطنه العالي عن درك الابصار الذي اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء و البطون فهو مقام المعاني و باطن [ص 72] الولاية التي هي نفس النبوة و صورتها التي بها قوامها و عليها اتكاؤها قال هي عصاي اتوكأ عليها و اهشّ بها علي غنمي و لي فيها مآرب اخري و قال لولا علي لماخلقتك ، فهو الحيوة و الباطن هو الحي و هو القدرة و الباطن هو القادر و هو الرحمة و الباطن هو الرحيم و هو الملك و الباطن هو المالك و هكذا فجميع المعاني مقامها هو البطون و الموصوف بها هو البيان الباطن و اليها الاشارة بقوله اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك الدعاء و بقوله اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم ، و الضمير راجع الي الباطن فانت اذا اردت دعوته باسم امتثالا لقوله تعالي لله الاسماء الحسني فادعوه بها تتذكر ما شئت من المعاني كالرزق او الرحمة او غير ذلك فتتذكر الظاهر بها اي تنظر الي جهتها الي ربها فتقول يا رازق يا رحيم ثم تذكر انطواءهما و انطواء نفسك و دعائك و حاجتك تحت الذات القديمة الاحدية حتي تمتثل قوله ادعوني استجب لكم و الياء هي نفس المتكلم اي الذات الظاهرة بالتكلم فافهم و اما مقام الظاهر فهو مقام الابواب و ظاهر الرسالة و السفارة و البابية و الجناب و الحجاب و اللسان الترجمان بين الغيب و اهل الشهادة و اما مقام الظهور فهو مقام الامام و ظاهر الولاية و الخلافة قال ظاهري امامة و وصية و باطني و المراد به مقام البطون غيب ممتنع لايدرك و هو مقام خلافة الرسول و نيابته و يده و لسانه و عينه و اذنه و المؤدي عنه و المبلغ الي الرعية دعوته و الهاش لغنمه و امينه المؤدي الي كل ذي حق حقه و السائق الي كل مخلوق رزقه قال الصادق عليه السلام في حديث فالصورة الانزعية هي الضياء و الظل و هي التي لاتتغير في قديم الدهور و لا فيما يحدث من الازمان [ص 73] فظاهره صورة الانزعية و باطنه المعنوية و تلك الصورة هيولي الهيولات و فاعلة المفعولات و أس الحركات و علة كل علة لا بعدها سر و لايعلم ما هي الا هو و يجب ان يعلم يا مفضل ان الصورة الانزعية التي قالت ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ليست كلية الباري و لا الباري سواها و هي هو اثباتا و ايجادا و عيانا و يقينا لا هي هو كلا و لا جمعا و لا احصاء و لا احاطة قال المفضل قلت يا مولاي زدني شرحا فقد علمت من فضلك و نعمك ما اقصر عن صفته قال يا مفضل سل ما احببت قلت يا مولاي تلك الصورة التي رُأيت علي المنابر تدعو من ذاتها الي ذاتها بالمعنوية و تصرح بلاهوتيته قلت لي انها ليست كلية الباري و لا الباري غيرها فكيف يعلم بحقيقة هذا القول يا مفضل تلك بيوت النور و قمص الظهور و السن العبارة و معدن الاشارة حجبك بها عنه و ذلك منها اليه لا هي هو و لا هو غيرها محتجب بالنور ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته و ينال علي مقدار طاقته فمنهم من يراه قريبا و منهم من يراه بعيدا يا مفضل ان الصورة نور منير و قدرة قدير ظهور مولاك رحمة لمن آمن به و اقر و عذاب علي من جحد و انكر ليس وراءه غاية و لا له نهاية الي ان قال قلت يا مولاي فما باطن الميم فقال عليه السلام نور الذات و هو اول الكون و مبدع الخلق و مكون لكل مخلوق و متصل بالنور منفصل لمشاهدة الظهور ان بعد فقريب و ان نأي فمجيب و هو الواحد الذي ابداه الاحد من نوره و الاحد لايدخل في عدد و الواحد اصل الاعداد و اليه عودها و هو المكنون الي ان قال فقلت يا مولاي يقول السيد انا و علي كهاتين لاادري يمينا و لا شمالا و اقرن بين سبابتيه فقال [ص 74] يا مفضل ليس مقدار احد من اهل العلم ( ان ظ ) يفصل بين الاسم و المعني غير ان المعني فوقه لانه من نور الذات اخترعه فليس بينه و بين النور فرق و لا فاصل و لاجل ذلك انا و علي كهاتين اشارة منه الي العارفين ان ليس هناك فصل و لو كان بينه و بينه فصل لكان شخصا غيره هذا هو الكفر الصراح اماسمعت قوله ان يفرقوا بين الله و رسله و قوله و يقطعون ما امر الله به ان يوصل الي ان قال فمن عرف الاشارة استغني عن العبارة و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة المتسمع الي اشارات الاسم الي مولاه ( مولاي ظ ) تصريحا بغير تلويح حيث يقول انك كاشف الهم مني و انت مفرج كربتي انت قاضي ديني و انت منجز وعدي ثم يكشف عن اسمه الظاهر بين خلقه فيقول انت عليّ الخبر ، ذكرته بطوله لكثرة محصوله فيما نحن بصدده فالولي في كل مقام صفة للنبي و صورة يظهر جميع ما منه منها و الموصوف يقيم الصفة مقامه في عرصة التجلي تحكي عنه و تدل عليه و تدعو اليه فالناس محجوبون عن الموصوف مبتلون بالصفة فمن توجه اليها توجه اليه و من ادبر عنها ادبر عنه و من اقر بها فقد اقر به و من جحدها فقد جحده المتسمع الي اشارتها حيث يقول في خطبته و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران .
فصل - مثال هذه المقامات العرش و الكرسي و الشمس و القمر فان العرش مقام الغيب و الباطن و التقدس عن التعينات و الحدود و التخطيطات و مبدء المبادي و غاية الغايات و الكرسي مقام الصورة و التعين و الحدود و البروج الاثنيعشر و آخر مقام الاجمال و اول مقام التفصيل و مقام الظاهر [ص 75] بالنسبة الي العرش و هما غيبان باطنان الا ان العرش اغيب من الكرسي و قد روي الصدوق في التوحيد حديثا شريفا فيهما بسنده عن حنان بن سدير قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن العرش و الكرسي فقال ان للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وضع في القرآن صفة علي حدة فقوله رب العرش العظيم يقول الملك العظيم و قوله الرحمن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي هذا ملك الكيفوفة في الاشياء ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعا غيبان و هما في الغيب مقرونان لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدأ فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علمه اغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال رب العرش العظيم اي صفته اعظم من صفة الكرسي و هما في ذلك مقرونان قلت جعلت فداك فلم صار في الفصل جار الكرسي قال صار جاره لان علم الكيفوفة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء الخبر ، اقول لما كان هذا الخبر من اخبارهم الصعبة لا بأس بالاشارة الي معناه بقدر ما نعرفه منه بفضلهم و جودهم فاعلم ان للعرش و الكرسي مقام وصل و مقام فصل اما مقام وصلهما فالعرش و الكرسي هما تمام الملك الا ان العرش جهته الي ربه و حيث فعليته و الكرسي جهته الي نفسه و حيث مفعوليته فالعرش آيته السماوات و الكرسي آيته الارض و هما اخوان بل هما شئ واحد منظرا [ص 76] مخلوق بنفسه و ان كانا شيئين مخبرا فلاجل ذلك صار العرش اغيب من الكرسي و علمه الطف و اغيب و هو منه كالروح من الجسد و المعني من اللفظ و القدر في العمل فالعرش هو ملك كيفوفة الايجاد للاشياء كما ان كيفوفة جميع الحروف في حركة يدك الا انها خفية و ظهورها في الحروف و اما كون الكرسي مطلع البدع و منه الاشياء كلها فانهما معا بالنسبة الي ما دونهما مقام المشية و هما المشية المخلوقة بنفسها الا ان العرش مقامه مقام النفس التي خلقت المشية من حيث نفسها و هي الكرسي بها فالكرسي هو الذي منه يظهر جميع الاشياء كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم فالعرش هو الف الاختراع و الكرسي هو باء الابداع و مواد الاشياء من العرش و صورها من الكرسي فهما كالحركة و صورة الحركة و مرجع الحروف الي صورة الحركة و دلالتها عليها فلاجل ذلك قال ان الكرسي مطلع البدع و منه الاشياء كلها و اما كون العرش هو الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة فانه في الخلق الاول اي العرش و الكرسي معا حيث كانا شيئا واحدا خلق ● بنفسه مقام المشية و الفعل فهو في خلق الكرسي مشية و ارادة و قدر و قضاء ففيه علم كيفية الايجاد و التكوين بالنسبة الي الكرسي و اما علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فالمراد بالالفاظ لفظ كن و ساير الاوامر الكونية و الحركات و الترك هي الافعال فان الفعل هو الحركة الايجادية و اما علم العود و البدأ فيه فانه الذي منه [ص 77] البدأ و اليه العود اذ هذا صفة الفعل المتعلق بالمفعول الذي هو شعاعه و نوره و اثره و علي صفته هذا مقام وصلهما و اما مقام فصلهما فهو الفلك التاسع و الثامن ففي الفصل صار الكرسي جار العرش لان العرش في الفصل آية العرش في الوصل و الكرسي فيه آية الكرسي في الوصل و صار جاره لان صدور علم الكيفوفة من العرش و ظهوره من الكرسي علمه علمه و جعله باب مدينته فمن اراد المدينة فليأتها من بابها و مرجع الآثار جميعا الي الكرسي و ظهورها منه كما عرفت و تري و صار علم العرش اغيب من علم الكرسي لان العرش مبدأ المواد و الكرسي مبدأ الصور فلو تدبرت فيما شرحنا و بينا علي سبيل الاشارة لعرفت منه الباطن ان شاء الله فهما آية باطن النبوة و الولاية و مقام البيان و المعاني من حيث الآئية و الوصفية لله لا من حيث الفعلية فالعرش مقام البيان و الكرسي مقام المعاني و العرش مقام الباطن و الكرسي مقام البطون كما عرفت و اما مثل ظاهر النبوة و الولاية فالشمس و القمر فالشمس مقام ظاهر النبوة و آية العرش في الظاهر و قطب الافلاك و باب الابواب و باب الباب و جناب الجناب و اما القمر فهو مقام ظاهر الولاية و آية الكرسي في الظاهر و خليفة الشمس قال الله سبحانه و الشمس و ضحيٰها و القمر اذا تليٰها ، فعن ابيعبدالله عليه السلام الشمس رسول الله به اوضح الله للناس دينهم و قال في القمر اذا تليها ذلك اميرالمؤمنين تلا رسول الله و نفثه بالعلم نفثا الخبر ، فهذان المقامان بالنسبة الي المقامين الاولين جزئيان فالشمس مقام انا بشر مرئي محسوس مثلكم نوعا و انما الفرق بيني و بينكم انه اوحي الي و القي في روعي و هو اعلي اذكاري انما الهكم اله واحد [ص 78] و قد اوحي هذا الوحي الي الكرسي لما القي في روعه من العرش فهذا الوحي حكاية الكرسي لي عدم استقلاله عند العرش و كونه عبدا من عبيده فانه باقراره له بالعبودية و الاضمحلال ظهر عليه كنهه فحكي لي ما ناله من العرش قال ابوعبدالله عليه السلام الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش الخبر ، فنور الشمس مكتسب من نور الكرسي و ما اوحي اليها من النور فقد اوحي اليها بواسطة الكرسي و ان كان الكرسي آخذا من العرش فهو مغترف من بحر العرش مفرغ في الشمس ثم تؤدي الشمس ما القي اليها الي القمر و تنفثه بما علمت نفثا و ما لمينطفئ نور الشمس الحار اليابس في بحر فلك القمر البارد الرطب ثم يصل الي الارض ماتحملته ابدا و لولا فلك القمر بينها و بين الارض لاحرقت سبحاتها ما انتهي اليه بصرها من الارض و ذلك من آيات الله التي اراها خلقه في الآفاق و كم من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون ، فهما جزئيان بالنسبة الي العرش و الكرسي فالشمس مقام الرسالة و السفارة بين الكرسي و بين اهل الارض و مقام بشرية الرسول و القمر مقام الامامة و الوصاية و الخلافة و تليها في الانارة اذا غابت فتلخص من ذلك ان البيان مقام باطن النبوة و المعاني مقام باطن الولاية و الابواب مقام ظاهر الرسالة و الامام مقام ظاهر الخلافة و ان كان تتحقق هذه المراتب في كل واحد من الحجج كما بينا و شرحنا في الجلد الثاني في النبوة فما ورد من الفضائل الظاهرة و كمال العبودية فهو في ظاهرهم و ما ورد من الفضائل الباطنة و خصال الربوبية فهو في باطنهم و الحكيم يصدق بجميعها و يضع [ص 79] كل واحدة مقامها نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لنتبلغوا .
فصل - و لهم مقام خامس و هو مقام القطبية و النور النازل من سماء وجودهم الي ارض جودهم و الودق الخارج من سحاب رحمتهم الي البلاد الميتة المحيي لها فهم سلام الله عليهم في مقام القطبية يظهرون بلباس الرعية بين ظهرانيهم فهم كعبة الاتقياء و الوجه الذي يتوجه اليه الاولياء و المهوي الذي يهوي اليه افئدة الناس ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و الحجر الذي يؤدي اليه الامانة و يتعاهد عنده الميثاق ليشهد لهم بالموافاة اذ هو الشهيد عليهم من انفسهم قال تعالي لقد جاءكم رسول من انفسكم و قال يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيدا علي هؤلاء فهم في مقام كونهم من انفس الخلق و من اخوانهم كعبة الانام و قبلة الاسلام في جميع الايام ينبغي ان يشد اليهم الرحال و يفد اليهم افئدة الرجال و ينفر اليهم الطوائف ليتفقهوا في الدين و يشهدوا منافع لهم و يذكروا الله في ايام معلومات صلوات الله عليهم فيروه فيهم و يعبدوه بعبادتهم و يطيعوه بطاعتهم فهم في هذا المقام قائمون مقام الله في الاداء من رآهم فقد رأي الحق فهم في هذا المقام بمنزلة الروح البخاري الذي هو في الجسمانية من نوع الاعضاء مماثل لها و انما الفرق بينه و بينها انه يوحي اليه ان الروح الملكوتي هو الواحد المتفرد في ذاته و هو اولي بالروح و الاعضاء و ما لها و منها و اليها فهو الحي العليم القدير السميع البصير المحس المدرك وحده وحده و جميع ما للجوارح و المدارك كله منه و هو اولي به لا شريك له و ان كل حركة و سكون و فعل و عمل في الاعضاء فهو له و منه و اليه لا شريك له [ص 80] من الجوارح و الاعضاء و الآلات و الادوات بوجه من الوجوه و انه هو مقصود الاعضاء و مطاع الجوارح لايجوز لاحد من الاعضاء التوجه الي غيره و طلب سواه ابدا ابدا و يوحي اليه جميع رضاه و غضبه و محابه و مساخطه و امره و نهيه لايطلع علي ذلك كله احد من الاعضاء دونه الا بواسطة الروح البخاري فهو الترجمان و السفير بين الاعضاء و بين الروح الملكوتي فهو لهم باب المراد و قبلة العباد و كعبة الوفاد يتوجهون اليه من اطراف البلاد فمن كان متصلا به حيي و حفظ عن الفساد و من انفصل عنه فسد و هلك و باد فكل ما بيد الاعضاء من خير و نور و حس و شعور و قدرة و قوة و حيوة فهو منه و اليه ان ذكر شئ من ذلك فهو اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و كلما كان فيها من نقص و شر و ثقل و موت و جهل و عجز فهو منها و اليها و هي احق بها و معني هذا الوحي و الترجمة خفي يجب التنبيه عليه و هو ان الروح البخاري لما خلص عن شوائب الاكدار و جانب الاغيار و تمحض في الروح الجبار ظهر من كنهه ما استجن فيه من مثال الروح الملكوتي و اشتعل في زيت وجوده حتي اشرق و انار فصار كالسراج المنير بين الديار و استضاء فاشرق لمن استنار فادي ما حمل و ظهر بما جبل عليه فكان خليفة تلك النار و سمي باسمها بين اهل الاسرار و شرح ذلك اميرالمؤمنين عليه السلام حين اجتاز به يهودي و هو يتكلم مع جماعة فقال يا ابن ابيطالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن قال عليه السلام و ما تعني بالفلسفة اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه [ص 81] فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير فقال الله اكبر يا ابن ابيطالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات صلوات الله عليك انتهي ، و لما كان بناء هذا الكتاب علي العلم احب ان اعنون فصلا مستقلا لشرح هذه الكلمات الشريفة ليتبين مراده صلوات الله عليه .
فصل - اعلم ان الله كان في قدس كماله و عز جلاله و بهاء جماله اذ لا كان و هو ذات احدية مهيمنة علي كل متوحد و متكثر فتجلي بكينونة ازلية متوحدة متفردة ليس لها حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود و لا غاية موصوفة و لا نهاية معروفة فهي كينونة فعلية كاملة فاحدث بها مشية بنفسها و هي كمال فعلي لا ترقب فيها فجعلها مبدأ المبادي و غاية الغايات و مكملة جميع النواقص و مرجحة جميع القوي المستجنة في الامكان فاخرج بها بدايع الاكوان و الاعيان و اول ما ظهر منها نور شعشعاني اضاء له قوابل الامكان و اول ما استضاء به قابلية العقل الكلي و هو الباكورة في جنان الصاقورة و القلم النابت في اجمة الجبروت فقال له اقبل الي قبول امري و مطاوعة حكمي و الانوجاد بايجادي فاقبل و اطاع فهذا الاقبال مساوق لخلقه فهو منه كالانكسار عند الكسر فلما كمل وجوده و تم شهوده قال له ادبر و المراد من هذا الادبار توجهه الي الاشراق و الانارة علي جميع ما دونه الذي تحقق بنفس ادباره اي نفس المراتب الدانية نفس نوره المشرق و شعاعه المتألق و كلما كان يحدث من انارته رتبة كان يحتجب بها عنها كما [ص 82] قال روحي له الفداء تجلي لها بها و بها امتنع منها ، فكان الداني لاجل حجبه اياه دار قوة و استعداد لظهوره و ابراز نوره يعني كان يمكن في حقه التلطف و التصفي حتي يرق حجابه و ينهتك استاره حتي ينكشف اسراره و كان يمكن عدم ذلك اذا اخلد الي الارض و اتبع هواه و ادبر عن مولاه و كان هكذا ديدنه في النزول الي ان بلغ ارض هذا العالم اي طبايع العناصر فصارت دار قوة و استعداد لظهور انوار العقل و بدو اسراره فكل عال بالنسبة الي الداني صوري ملكي اي فعلية خالية من قوي ما دونه كما قال روحي له الفداء حين سئل عن العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و ان اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي ، و سينحل عقد هذا الخبر في هذا الفصل ايضا ان شاء الله فكل عال صوري بالنسبة الي الداني و المراد بالصورة الفعلية نظرا الي ان المادة امكان صالح فهي دار قوة و استعداد لظهور نور العالي فاذا ظهر عليها و تصور بها فهي اي تلك الصورة فعلية دانية حاكية عن الفعلية الاولي كثيفة مصبوغة بصبغ تلك الهوية و ليس الفعلية الاولي عين الفعلية الثانية فلاتغلط فان الفعلية الاولي فعلية غير متكثفة بكثافة هوية الدنيا و تكثرها و مثلهما كحبة فعلية زرعتها فغابت في الساق النابتة و صارت بالقوة ثم عادت بالفعل متكثرة في سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فالفعلية الدانية ظهور الفعلية الاولي في القوابل الدانية المنصبغة بصبغها المكتسبة [ص 83] منها من صفاتها و هذا الريع هو غاية الزرع و هذه الاكتسابات هي غاية النزول و الصعود فالعالي بالنسبة الي الداني صورة فعلية ساذجة متوحدة فلما تنزلت الي المادة الدنيا غابت فيها و استجنت بنورها و ظهورها لا بنفسها فهي في درجة علوها محفوظة و لولاها لانقطع الداني عن المبدء فلما نزل العقل علي ما بينا و شرحنا الي طبايع هذا العالم ناداه ربه بلسان جواهر اوائل العلل و هي التي لميمت العقل فيها و يشرق منها انواره و هي هنا السموات ان اقبل و هذا النداء هو النور المشرق من السموات المتنبهة المنبهة لرواقد القوي الراقدة في مراقد الطبايع فقامت تصعد درجة بعد درجة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما و تم ظاهر الولد فلما حصل فيه الاعضاء و الجوارح بعد تفصل الاخلاط و حصل له معدة و كبد و قلب و وصل اليه الغذاء و ورد معدته و صار كيلوسا بالانحلال المناسب و تميز منه الطراطير العكرية و ان كانت قليلة جدا لان الغذاء دم مصفي و نزل من المعدة الي الامعاء خرج الصافي اللطيف منها الي الكبد فانحل ثانيا فيها انحلالا طبيعيا مناسبا له و تميز منه الطراطير العكرية الطبيعية ماءا و نزل الي الكلية و المثانة و دهنا و نزل الي المرارة و ملحا و نزل الي الطحال و بقي الجوهر الصافي الخالص عن شوائب الاكدار الهبائية و الطبيعية و ذهب الي قلبه فانحل هناك انحلالا ثالثا جوهريا و صعد منه بخار لطيف هو خلاصة خلاصة خلاصة الغذاء الواصل اليه و بقي عكره في اسفل القلب و اندفع الي الاوردة و هذا البخار هو المشار اليه بقوله من اعتدل طباعه صفا مزاجه ، فاعتداله الكامل بان صار فيه جزء من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و جزءان من الرطوبة و صفاء مزاجه من تلك الطراطير العكرية الغليظة الحاجبة [ص 84] بينه و بين الروح الملكوتية و هو قوله بها احتجب منها و انما صفا المزاج باعتدال طبعه لانه اذا اعتدل قوي دافعته فدفعت عن نفسه الاعراض و الغرائب الطرطيرية فهو من اول الامر معتدل و باعتداله يدفع عن نفسه الاعراض في كل درجة و كمال اعتداله يظهر في البخار فاذا صفا مزاجه قوي اثر النفس الوحدانية الصورية الملكية فيه يعني تنبه ما كان فيه راقدا من اثر النفس و نورها و مثالها الذي كان فيه و ذلك المثال هو جهته الي ربه فانه صفا مزاجه و استعد و عمل فيه حيوة الام الفعلية و حيوة الافلاك الواصلة اليه بواسطة اشعتها الملقاة علي الارض فقوي ضعف ذلك المثال و تنبه راقده فقام و اشتعل في ذلك الدخان و البخار الصافي فصار حيا دراكا متحركا مريدا فاذا بلغ هذا المبلغ سما الي ما يرتقيه اي علا الي مقام يرتقيه بقوة جذب النفس اياه اليه و سموه اقباله و اجابته دعوة الداع اذا دعاه بالاقبال اليه فان الاشياء تنجذب الي مشاكلاتها و تميل اليها فان المشاكل القوي يقوي ضعف المشاكل الضعيف فيصير حيزه حيزه فيميل اليه فلما كان ميله بتقوية القوي كان انجذابا فاذا سما الي ما يرتقيه و يمكنه السمو اليه تخلق بالاخلاق النفسانية و استحال الي طبعها و انتشأ منه آثار كما تنتشئ من النفس فينظر الي مؤثره و يتصور بصورته و يتصف بصفته علي معني قوله عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فحينئذ يصير موجودا بالروحانية دون ان يكون موجودا بالبخارية فيكسوه الروح الملكوتية حلة اسمه و حده فيدعي روحا مثله و ينشأ عنه الآثار الروحانية فيصير سميعا بصيرا ذائقا شاما لامسا مريدا متحركا كالروح الملكوتية فيدخل في الباب الملكي الصوري و يصير روحا بالفعل فان [ص 85] الملئكة فعليون عالون عن القوة و الاستعداد ليس لهم ترقيات و انقلابات و لذلك قال عليه السلام و ليس له عن هذه الغاية مغير ، فانه حينئذ صورة فعلية لاتقبل غير ما هي عليه الاتري ان الصفرة صفرة ابدا لايمكن ان تكون غير صفرة و انما المتغير و القابل للتغير هو الاصفر فيزول عنه الصفرة و يلبس لون الحمرة و اما الصفرة فلاتكون الا صفرة ابدا و كذلك حال الملئكة فالملك هو هو علي ما هو عليه لايزول و لايحول فمنهم قيام لايركعون و منهم ركوع لايسجدون و منهم سجود لايقعدون فاذا تخلق البخار باخلاق الروح الملكوتي دخل في باب الملكي الصوري فان النفس ملكية صورية فاذا صار ملكيا صوريا لميكن له عنها مغير فثبت علي ما هو عليه و يظهر من ذلك ان الانسان في التغير و التبدل ما دام متعلقا بالمواد ذوات القوة و الاستعداد فاذا للدواعي فيه نصيب يجذبه كل داع الي شكله فهو تبع كل ناعق يميل مع كل ريح لآمرنهم فليغيرن خلق الله دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم و اما اذا دخل في الباب الملكي الصوري ليس له عنه مغير يسبحون الليل و النهار لايفترون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فيعتصمون بعصمة الله و يكونون معصومين ، ان المتقين في مقام امين الا ان اولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون فوعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ان عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الله سبحانه و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة اي ماجعلنا اصحاب القائم نار الله الموقدة علي الكفار الا ملئكة لانهم معتصمون بعصمة الله و من يعتصم بالله فقد هدي الي صراط مستقيم فهم ملئكة لايعصون الله ما امرهم امامهم و هم بامره يعملون .
[ص 86] فصل - كما مثلنا لك في البخار و الروح الحيوانية يجري الامر في الروح الحيوانية و النفس الانسانية الكونية التي بدو تعلقها عند تولد الولد التولد الدنياوي حرفا بحرف الا ان تلك التصفية تجري في الدماغ و كما يكون الامر فيهما كونا يكون الامر في الانسان الشرعي فاذا اعتدل طباع الانسان الكوني صفا مزاجه ثم قوي اثر النفس الناطقة القدسية فيه فسما الي ما يرتقيه فتخلق باخلاقها فدخل في الباب الملكي الصوري فاطمئن و رضي و ارتضي و دخل في عباد الله المأيوس عنهم الشيطان و دخل الجنة دار القرب و الكرامة و دار السلام و الاشارة الي ذلك علي نحو الاجمال ان الله سبحانه ذات فعلية لاتترقب لنفسها حدوث كمال و لاتنتظر لوجهها تجدد جمال بل هي علي ما هي عليه ازلا و ابدا و قد ذكرنا انها اول ما تجلت تجلت بكينونة متوحدة متفردة ازلية و هي الكمال الذي لا نقص فيه و النور الذي لا ظلمة فيه و الحق الذي لا باطل فيه و الثابت الذي لا انقطاع له ثم تجلت بها بالمشية بنفسها و خلق بها الامكان الراجح و هو هي ثم خلق بها الامكان الجايز و اكوانه علي ترتيب مذكور في محله و جميع هذه التجليات من مراتب الخلق اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و له مقامان اذ مرة تنظر اليه من حيث الرب و هو عند ملاحظة سر الاحدية النافذة في كله الطاوية له و هو المشار اليه بقوله عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و بقوله لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و بقوله مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه و بقوله لنا مع الله حالات هو فيها نحن ، و هذا النظر يحصل لك بمعرفة الاحدية و طيها ما سويها طي الامتناع اولا ثم التوجه الي الاشياء [ص 87] من حيث المثال الملقي في هويتها و لاتزعمن ان هذا المثال منفصل عن الذات انفصال الشبح عن وجهك او متصل بها اتصال الشبح بوجهك نعوذ بالله بل هو مثال كائن غير مكون بفعل و لا حادث بحركة و هو مقامه سبحانه الذي لا تعطيل له في كل مكان يعرفه به من عرفه لا فرق بينه و بينه الا انه مضاف الي جهة اضافته و هو جهة اضافته و لا بيان فوق ذلك فانه سر مبهم و رمز منمنم لايجوز الافصاح به بل لايمكن التعبير عنه و من عرف هذا المثال من العبيد فقد بلغ اقصي مقام التوحيد و اعلي درجة التفريد و مرة تنظر اليه من حيث انه هو هو فتري امكانا و اكوانا و اعيانا كلا في مقامه و حده و اقصي مراداتنا من الوجود الشرعي هو ما تراه بالنظر الاول و هو مقدم علي الوجود الكوني بما لا غاية له و لا نهاية و هذا هو الذي يعبر عنه بان الوجود الشرعي روح الوجود الكوني فلما خلق الله الاكوان احتجب ذلك الوجود الشرعي بها عنها و هي تأويل قوله تعالي وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و هو غاية الغايات و نهاية النهايات فلما عمر الله ديار الاكوان و زين بلاد الاعيان اصطفي من بينها اكوانا كان ذلك الوجود فيهم مشهودا بالفعل فحلاهم بتحليته و علاهم بتعليته و جعلهم سماوات افاضاته و مبادي امداداته و هم الذين لميغلب عبوديتهم الربوبية و لميحجب انوارهم ظلمات الطبيعة و لميغط كثرتهم سر الاحدية و كان زيت انيتهم مشتعلا بنار الهوية و حديدة قابليتهم محماة بحرارة الالوهية تجلي الله لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله بلا تكلف فجعلهم القائمين مقامه في الاداء و خلفاءه في عرصة الاكوان و الانشاء و جعلهم ترجمان وحيه و السنة ارادته و وجهه الذي لايفني [ص 88] و هيكله الذي لايبلي و جعل نفوسهم علي هيئة محبته و طباعهم علي صفة ارادته فمايشاؤن الا ان يشاء الله لانه جعل مشيته في مشيتهم و ارادته في ارادتهم و محبته في محبتهم و رضاه في رضاهم و اخلاقه في اخلاقهم و صفاته في صفاتهم و جعلهم جهة اضافته و اقترانه في كل باب و جعلهم له لا لهم من المبدء الي المآب فاقامهم بين ظهراني العباد فانطقهم بما احب و رضي في البلاد و دعوا الرعية الي ما انفسهم عليه من الصفات ان كنتم تحبون الله فاتبعوني و لمينطقوا الا بما جبلوا عليه و كانوا فيه و ما احبوا و استحسنوا و هو الشرع المبين و الدين المتين فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل ادب نبيه علي محبته فقال انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه فقال عز و جل و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قال عز و جل من يطع الرسول فقد اطاع الله ثم قال و ان نبي الله فوض الي علي و ائتمنه فسلمتم و جحد الناس فوالله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيما بينكم و بين الله عز و جل ماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا و عن زرارة قال سمعت اباجعفر و اباعبدالله عليهما السلام يقولان ان الله عز و جل فوض الي نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الآية ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل ادب نبيه فاحسن ادبه فلما اكمل له الادب قال انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه امر الدين و الامة ليسوس عباده فقال عز و جل ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان مسددا موفقا مؤيدا بروح القدس لايزل و لايخطي في شئ مما يسوس به الخلق فتأدب بآداب الله الخبر ، تفكر [ص 89] في هذه الاخبار و اعرف لحن سادتك الاطهار فان المراد بتأديبه تسليط نار الربوبية علي زيت وجوده و المراد بتأدبه و استكماله اشتعاله بتلك النار و صيرورته ظاهر الجبار فقال له انك لعلي خلق عظيم ثم اذن له في الاشراق و الانارة في ظلمات القوابل فان شئت قل فوض اليه امر الدين علي ما عرفت و ان شئت قل ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين اناتبع الا ما يوحي الي ، فلا منافاة و ان كتاب الله المجيد اجل و اعظم من ان يكون فيه اختلاف و ليس المراد بالتفويض تفويض انقطاع عن الله عز و جل نعوذ بالله فذلك كفر في التكوين و التشريع بل هو تفويض اظهار و ابراز و هو هو ايمان فيهما و علي الحالين هو الله المتفرد بالايجاد و التشريع لا شريك له و عن جابر قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله خلق السموات و الارض دعاهن فاجبنه فعرض عليهن نبوتي و ولاية علي بن ابيطالب عليه السلام فقبلتاهما ثم خلق الخلق و فوض الينا امر الدين فالسعيد من سعد بنا و الشقي من شقي بنا نحن المحللون لحلاله و المحرمون لحرامه و عن محمد بن سنان قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لميزل فردا متفردا في الوحدانية ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة عليهم السلام فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوابه و حجابه يحللون ما شاؤا و يحرمون ما شاؤا و لايفعلون الا ما شاء الله عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه [ص 90] الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الافراط و من نقصهم عن هذه المراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بر التفريط و لميوف آلمحمد حقهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه ، و في حديث كامل عن الحجة عليه السلام جئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا اوعية مشية الله فاذا شاء شئنا و الله يقول و ماتشاؤن الا ان يشاء الله ثم رجع الستر الي حالته فلماستطع كشفه الخبر ، و هؤلاء سلام الله عليهم هم سموات الجود و افلاك افاضة المعبود جل و عز فهم ايدي مشيته و اكمام ارادته و نجوم هدايته فاشرق من شمس وجودهم انوار التشريع و الهداية يعبر عنها بصلوا و صوموا كما يعبر عن المشية الكونية بكن و كما انه لا لفظ هناك و لا صوت و انما هو صرف تعبير في عالم الالفاظ كذلك لانوارهم حقايق خارجية يعبر عنها في هذا العالم بصَلِّ و صم و حج و لكن مرادنا من تلك الانوار انوار خارجية و تكميلات نفسانية حالية الاتري انك بمجاورة الجواد يتقوي ما فيك من الجود و يضعف ما فيك من الشح و لعله لا لفظ بينكما و لايقول ابدا لك جُدْ بما تجد و لكن يشرق عليك لطيفة جوده الغالب و يقوي ما فيك من صفة الجود ضعيفا فينتعش صريعه و يقوم فيعبر عن ذلك الاشراق بقول جد و عن تلك التقوية بقول التأييد و التسديد و عن التقوي و القيام بالصفة الامتثال و قول بلي فافهم ذلك فانه اصل في كل باب و لما كان وجود المبدء الاول هو الكامل في جميع جهات الجمال و الاعتدال و المتصف باوصاف الله بالفعل و لطيفته في جميع وجوه الكمال غالبة فاضلة اشرق من جميع وجوه كمالاته نور شعشعاني وجودي علي ارض قوابل الاستعدادات الكونية فمنهم [ص 91] من انفعل دون جهة من جهات تلك الانوار و منهم من انفعل دون جهتين و منهم من انفعل دون ثلث جهات الي ان منهم من انفعل دون جميع جهات انوارهم فتقوي و تكمل و خرج تلك الجهات من كمون قابليته الكونية الي عرصة الوجود و ذلك النور الشعشعاني هو نداء اقبل الشرعي و نداء الست بربكم و محمد نبيكم و علي و احدعشر من ولده و فاطمة الصديقة اولياؤكم الستم توالون اولياء الله و تعادون اعداء الله الاتصلون الاتصومون الاتزكون الاتحجون الاتجاهدون في سبيل الله اعداء الله و هكذا الي آخر الشرايع و الاحكام و الحلال و الحرام و الرواجح و المرجوحات بل المباحات فصارت القوابل بين مجيبة و منكرة و مسرعة و مبطية من جهة و من جهات و بذلك حصل الاختلاف بين الناس بعد ما كانوا مؤتلفين في امكان القبول و عدمه فمنهم شقي و سعيد اما الذين شقوا ففي النار و اما الذين سعدوا ففي الجنة و ذلك قوله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين الآية ، و لميقبل تلك الاوامر و لميقبل الا من اعتدل طباعه و صفا مزاجه حتي قوي اثر النفس فيه و هي ذلك النور المشرق فسما الي ما يرتقيه فتخلق بالاخلاق النفسانية و صار موجودا بما هو انسان و هو ذلك النور المشرق و استهلك فيه جهة الانية دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فيضمحل فيه اثر ذلك النور و يستقل اثر الماهية عليه فاذا صار موجودا بذلك النور دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير كما قال و لآمرنهم فليغيرن خلق الله و لانه من المخلصين الذين قال ابليس في حقهم لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين و جميع ارسال الرسل و انزال الكتب و بعث [ص 92] الاولياء لاجل تكميل الناقصين علي ما بينا و شرحنا و هذه الصورة المستخرجة من كمون امكان الاكوان هي الوجود الشرعي المركب من مادة و صورة مادته مس نار اشراق ذلك الوجود الكامل و صورته انفعال زيت قابلية الكون فيخرج شعلة المؤمن علي صفة زيت قابليته و اثر نار وجود الكامل فافهم و تدبر و كذلك ينفعل قوابل المؤمنين باثر كمال اعلي ثم ينفعل قابليته باثر كمال اعلي و لا غاية له و لا نهاية لان وجود الكامل الاول الذي هو مشية الله الشرعية لا نهاية له في الكمال و لا غاية ، كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، بالجملة قد طال الكلام مع انا لمنكن بصدد بيانه فتدبر و قد تبين بعد هذا التطويل كيفية الوحي من العالي الي الداني و انه من باب الاشراق و القاء المثال فالروح البخاري يقول للاعضاء انما انا بشر مثلكم في الجسمية و التركيب و الفرق بيني و بينكم انه اوحي الي بالاشراق و القاء المثال ان الروح الملكوتي الذي هو مربيكم و مدبر اموركم واحد و قد عرفت ان ذلك الوحي هو نار حيوة اشتعلت في دخان الروح البخاري الصاعد من زيت الدم الاصفر في مسرجة القلب فافهم .