ثم اردنا بعد الحمد لله ان نعرفهم باعيانهم من الكتاب و ان عرفناهم [ص 31] بانه لم‌يدع في الاسلام عصمة لاحد من آل ابرهيم في هذه الامة الا لاربعة‌عشر نفسا منهم بل قام الاجماع علي عدم عصمة الباقي و به يكتفي المكتفي فرأينا الله سبحانه يقول انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا فاثبت الطهارة من كل رجس لاهل البيت عليهم السلام فهم المعصومون من اقذار الذنوب ففي عصره كان اهل بيته علي و الحسن و الحسين و فاطمة بالاجماع و قد نزل فيهم هذه الآية و لم‌يدع احد من الامة العصمة في غيرهم فاختص الامر بهم بلا اكتراث و تأمل و بعدهم جميع ولده اهل بيته و يخرج الذين لم‌يدع العصمة في حقهم ابدا و يبقي الباقون اذ هم اهل بيته يقينا و ادعي فيهم العصمة و لم‌يقم اجماع علي نفيها عنهم و لولا الاجماع علي نفي بعض لوجب ان يكونوا كلهم بهذه الآية معصومين فخرج من خرج و بقي الباقي فوجب ان يكونوا معصومين فثبت العصمة في آل ابرهيم من آل‌محمد عليهم السلام و وجب ان يكون الامامة و الولاية و الشهادة في آل‌محمد عليهم السلام و هذا ما اردناه هنا ، و وجه آخر في تعيين العترة الطاهرة ان الله سبحانه حكم ان نكون مع الصادقين في قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين فوجب علي الكل الكون مع الصادقين قطعا و يشهد به العقل السليم ايضا فلما راجعنا الكتاب رأينا انه قال الله سبحانه قل تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين و باجماع الامة المدعوون من اهل الحق هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فان كانوا صادقين و هم الصادقون وجب الكون معهم و ان قيل ليسوا بصادقين فقد جمعهم [ص 32] النبي صلي الله عليه و آله ليلعنهم و يقع اللعن في المباهلة علي رهطه و لايقول به عاقل فهم الصادقون و وجب الكون معهم و اما غيرهم فلم‌يثبت كونه صادقا علي الاطلاق البتة و علي المدعي شاهد صدق ، و وجه آخر في تعيينهم ان الله سبحانه خصهم بالمودة المطلقة حيث قال لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربٰي فوجب محبتهم علي الاطلاق في كل حال لانها اجر الرسالة الذي يجب ان يؤدي في كل حال و امر الله سبحانه بمودة احد علي الاطلاق دليل العصمة و الطهارة و ان الله يحبه علي الاطلاق و من يحبه الله علي الاطلاق هو معصوم لانا وجدناه يقول لايحب الخائنين و لايحب الظالمين و لايحب الفرحين و لايحب الكافرين و لايحب المتكبرين و لايحب المسرفين و لايحب المعتدين و لايحب المفسدين و لايحب كل خوّان كفور و لايحب كل كفّار اثيم و لايحب كل مختال فخور فبأمره سبحانه بمودة ذي القربي عرفنا انهم صلوات الله عليهم ليسوا بخائنين و لا ظالمين و لا فرحين بغيره سبحانه و لا كافرين و لا متكبرين و لا مسرفين و لا معتدين و لا مفسدين و لا خوانين و لا آثمين و لا مختالين و لا فخور و من سلب عنه هذه الخصال كلية فهو معصوم مطهر فان منها الاثم و الظلم و الاعتداء و هي نفيها يلزم العصمة و رأينا الله سبحانه يقول حبّب اليكم الايمان و زيّنه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان فهم بريئون من الكفر و الفسوق و العصيان و وجدناه وافق قوله سبحانه ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي لانهم الذين قال الله فيهم اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم ثم وجدنا الله سبحانه ابانهم بالخمس و اشركهم بنفسه تكريما حيث قال و اعلموا انما غنمتم من شئ فان لله [ص 33] خمسه و للرسول و لذي القربي بخلاف الصدقات فلم‌يجعل نفسه شريكة مع الفقراء و قال و آتِ ذا القربي حقّه و اصطفاهم في آية الاصطفاء و هم من آل ابرهيم المصطفين و خصهم بآية التطهير الصريحة بالعصمة و بالامر بالصلوة خاصة بعد ما كانوا مشاركين للمؤمنين فقال و امر اهلك بالصلوة و اصطبر عليها و بالانذار الخاص بعد ان كانوا مشاركين للناس في الانذار العام فقال و انذر عشيرتك الاقربين و الحقهم بدرجة النبي صلي الله عليه و آله في آية الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم فذرية كل مؤمن تلحق به في درجته اكراما له و ذرية النبي صلي الله عليه و آله تلحق به اكراما له و كفي به فخرا لذريته و دلالة علي عصمتها و طهارتها و صلوحها لدرجة النبوة و لا شك ان من يصلح لللحوق بدرجة النبوة اولي بالخلافة و الوصاية و الامامة و الولاية و لم‌يخصص الالحاق بيوم القيمة بل اطلق فآل‌محمد عليهم السلام في الدنيا و الآخرة ملحقون بمحمد صلي الله عليه و آله و هو حجة الله و حاكم الله و ولي الله فهم ملحقون بدرجة الحجة و الحاكم و الولي و الدليل علي انهم ذرية رسول الله صلي الله عليه و آله قوله تعالي و لقد ارسلنا رسلا من قبلك و جعلنا لهم ازواجا و ذرية و قال ماكنت بدعا من الرسل و بآية المباهلة و خصهم بالسلام عليهم من دون آل احد من الانبياء حيث قال سلام علي آل يس و هذه قراءة من القراء لاتنكر و يس هو محمد صلي الله عليه و آله بالاجماع و يشهد له قوله انك لمن المرسلين و جعلهم اهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم في قوله اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و الذكر رسول الله صلي الله عليه و آله في قوله انزل الله اليكم ذكرا رسولا [ص 34] يتلو عليكم آيات الله مبينات فبعد ما وجدناه سبحانه خصهم بهذه المكارم و امر بمودتهم علي الاطلاق لم‌يبق في انكار امامتهم و ولايتهم مجال لاحد فهم الائمة الهداة الشهود من الله سبحانه في خلقه من دون سائر الامة و هم الذين لهم الفضل علي سائر الانبياء و المرسلين و اوصيائهم المكرمين و اصطفاهم علي جميع العالمين ثم اردنا ان نتعرف اعيانهم من كتاب الله و نعرفهم باشخاصهم فوجدنا الله سبحانه قال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا و لا شك ان آل‌محمد عليهم السلام و ذريته اهل بيته و الآية تدل علي عصمتهم و هي جارية في جميع الذرية الا انه في زمانه صلي الله عليه و آله كان منهم علي و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السلام فجمعهم في الكساء و قال : اللهم هؤلاء اهل بيتي ، و نزول الآية فيهم محل اجماع و هم الذين شملهم آية المباهلة تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم فكان علي عليه السلام نفس رسول الله صلي الله عليه و آله و امسّ به من الاهل و الذرية و كان الحسنان و فاطمة من ذريته و اهله بل جزئه لانه سبحانه سمي الولد جزءا في كتابه و جعلوا له من عباده جزءا فكان علي عليه السلام كله و الثلاثة اجزاءه و شهد الله عليهم بالتطهير و اذهاب الرجس علي الاطلاق ظاهرا و باطنا مع ما مر من الادلة و الاصطفاء و الاجتباء فكان الخليفة بعده نفسه و كله القائم مقامه و قد نهي الله عن التخلف عنه ما دام في الدنيا حيث قال ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلّفوا عن رسول الله و لايرغبوا بانفسهم عن نفسه و الكل مقدم علي الجزء و شهد الله سبحانه له بولايته و ولاية رسوله صلي الله [ص 35] عليه و آله حيث قال انما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون فحصر الامر في رسوله و فيه و يشمله دعاء ابرهيم عليه السلام بالامامة لعدم ظلمه فهو الامام الاول بعد رسول الله صلي الله عليه و آله القائم مقامه لايتقدمه احد ثم بعده الحسن فانه معصوم موجود في الدنيا بشهادة الله و هو الامام بنص الله في وعد ابرهيم عليه السلام و تقدم علي اخيه بكبره و بآية اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض و الولد الاكبر اولي بالاب و بقوله تعالي السابقون السابقون اولئك المقربون فلما ارتحل عليه السلام كان اخوه حيا معصوما من ذرية ابرهيم قد ناله الدعوة في حيوة اخيه كما نالهما في حيوة ابيهما الا انهما سكتا لعدم الحاجة الي النطق و خفضا له جناح الذل من الرحمة و تركا لنهره و تسليما له و طاعة له بايجاب الله سبحانه اياها في مفهوم و ان جاهداك علي ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما و اما في غير ذلك فيجب طاعتهما فاطاعا اباهما حال حيوته و اما بعده فكان الحسن اولي به لكبره فسلم له الحسين عليه السلام لسبقه الي العصمة و الامامة و الجنة و درجات قرب الله تعالي و الايمان و السابقون السابقون اولئك المقربون و لكل درجات مما عملوا و اما بعد وفاته فكان الحسين عليه السلام اماما معصوما موجودا فلم‌تكن الامامة تتعداه الي غيره فتحولت الامامة عن الحسن الي الحسين عليه السلام فلما توفي الحسين عليه السلام كان ابنه اولي به و قد قال الله سبحانه النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم و اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين و لا شك ان الولد اولي بوالده لانه جزؤه فانتقل [ص 36] الامامة الي الولد و معه لم‌ينتقل الي ابناء اخيه و مثلهما كموسي و هرون حيث كانا نبيين و كان هرون خليفة موسي و بعده انتقل الامر و النبوة و الخلافة الي ابناء هرون دون ولد موسي فكان بعد الحسين عليه السلام علي بن الحسين عليه السلام و هكذا بعده ولده و هكذا الي ان انتهي الامر الي قائمهم عجل الله فرجه و جميعهم يثبت ولايتهم بالآية المذكورة و كونهم من آل ابرهيم و ذريته المدعو لهم بالامامة و كونهم من اهل المودة المطلقة بالاجماع و هي توجب العصمة كما مر و يخرج من يخرج بالاجماع و يبقي الباقي و لم‌يدع في الاسلام عصمة غيرهم و عرفت انه لا بد و ان يكون في كل عصر معصوم شاهد امام فهم الائمة واحدا بعد واحد بذلك و بآية اولي الارحام و اطلاقها فاطلاقها ثابت ما لم‌يثبت مانع فكل ولد منهم اولي بجميع ما لابيه الا ما خرج بالدليل و لم‌يثبت خروجهم بكتاب و لا سنة و لا دليل عقل و لا وجه من الوجوه فالائمة الاثناعشر صلوات الله عليهم كانوا اماما بعد امام و قد ادعي في الاسلام عصمتهم بعد ما علمنا في الكتاب وجوب كون جماعة معصومين داعين الي الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر اولي الامر افضل من الانبياء و المرسلين ائمة شاهدين و لم‌يدع و لم‌يعرف عصمة غيرهم و ادعي عصمتهم و شهد الكتاب بعصمتهم بآية التطهير و آية المودة المطلقة فهم ائمة قادة سادة اتباعهم عبادة و مخالفتهم شقاوة فالحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و اما خصوصية الاثني‌عشر فان الله سبحانه يقول قل ماكنت بدعا من الرسل فهو علي وتيرة الرسل الماضين و يقول الله سبحانه سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا [ص 37] و لن‌تجد لسنة الله تحويلا ، فلا بد و ان يكون سنة الله في الباقين كما كانت في الماضين الا ما خرج بدليل قطعي من كتاب او سنة او اجماع او دليل عقل و قال الله سبحانه في بني‌اسرائيل في عدد رؤسائهم و لقد اخذ الله ميثاق بني‌اسرائيل و بعثنا منهم اثني‌عشر نقيبا و قال الله اني معكم لئن اقمتم الصلوة و آتيتم الزكوة و آمنتم برسلي و عزرتموهم و اقرضتم الله قرضا حسنا لاكفّرن عنكم سيئاتكم و لادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل و قال في آية اخري في اصناف اتباعهم و قطعناهم اثنتي‌عشرة اسباطا امما و اوحينا الي موسي اذ استسقاه قومه ان اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتاعشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم الآية ، و من البيّن ان حواريي عيسي عليه السلام الذين قالوا نحن انصار الله كانوا اثني‌عشر اتفاقا فبمقتضي قوله تعالي لتركبن طبقا عن طبق و آية السنة وجب ان يكون امم هذه الامة ايضا اثنتي‌عشرة و نقباؤهم و اسباطهم ايضا اثني‌عشر و الائمة هم اسباط النبي صلي الله عليه و آله بداهة و ادعي امامة هذه الاثني‌عشر مع ما روي من الاخبار من طرق العامة و الخاصة في ان الائمة اثناعشر كلهم من قريش فلايبقي مجال الا ان يكون عددهم اثني‌عشر صلوات الله عليهم اجمعين و لعمري ان امر آل‌محمد عليهم السلام اوضح من نار علي علم و قد اتضح و الحمد لله امرهم بحيث لم‌يبق شك و لا ارتياب و لايحتاج بعد الي دليل سنة و لا كتاب الا اني احببت ان اعلم اصحابي كيفية استخراج المسائل من الكتاب و ليعلموا انه كيف يوجد فيه تبيان كل شئ و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .

[ص 38] فصل - اعلم ان وضع هذا الكتاب علي التحقيقات الدقيقة و الحكم العميقة فلايناسبه ان نثبت امر الامامة بالاخبار و اثبات تواترها و قيام الاجماع علي صحتها و رد ما عسي ان يرد عليها مع ان هذا يقتضي رسم كتاب مستقل كبير ، هذا و قد تكفل بذلك كثير من علمائنا و كتبوا في ذلك ما لايحصي حتي صار هذا الامر مفروغا عنه عند علمائنا فلايحتاج حقيقة بعد الي تجديدنا العهد فلنضرب نحن عنه صفحا و لنتوجه الي ما تركوا من جميع ذلك و هو في الحقيقة امر لولاه لكان جميع استدلالاتهم ناقصا و به يتم جميع امور الدين و الدنيا و الآخرة و نحن قد كتبنا في ذلك كتابا مبسوطا قريبا من ستة آلاف بيت سميناه بعلم اليقين و كتابا قبله اخصر منه مسمي برسالة التسديد ثم ارخينا عنان القلم في سائر كتبنا اينما جري ذكره و لا بد و ان نشير اليه هنا كما قدمنا في جلد النبوة من هذا الكتاب ايضا علي حسب وضع هذا الكتاب لانه لا ناصر له غيرنا و هو امر التقرير الذي هو هدي كل ضرير .

فنقول اعلم ان الله سبحانه احد ليس فيه جزء و جزء لا في الخارج و لا في الفرض و الاعتبار قائم بنفسه غير محتاج الي غيره و جميع ما سواه حادث و خلقه و لايرتبط به لتنافي الارتباط مع الاحدية الصرفة للزوم وجود ذكر كل من المرتبطين في الآخر فخلقه جملا ايضا قائم بنفسه دون غيره اذ لا غير الا انه متلاش تحت احدية الذات مضمحل عند سطوع نوره و نعبر عن هذا التلاشي انه لغيره فالخلق قائم بنفسه لغيره و هو جل جلاله قائم بنفسه لنفسه لعدم انطوائه تحت شئ سواه فلا بد و ان يكون الخلق القائم بنفسه لغيره المتكثر في ذاته لاختصاص الاحدية بالازل الطاوي للكل حاويا لجميع ما به [ص 39] يمكن ان يقوم بنفسه موضوعا مترتبا علي نحو يمكن ان يرتبط بعضه ببعض و يقوم بعضه ببعض و الا لم‌يقم بنفسه هذا و هو ظهور الاحد القائم بالنفس الدال بقيامه بنفسه عليه و به عرف نفسه له و هداهم اليه و هو كماله الذي تجلي به فلا بد و ان يكون مرتبط المدلول بالدليل و المسبب بالسبب و المعلول بالعلة و المعَدّ له بالمعِدّ و المشروط بالشرط و المقتضَي - بالفتح - بالمقتضِي و الاجابة بالدعاء و المسؤل بالسؤال و القابل بالفاعل و هكذا و الا لاختل النظام و بطلت الحكمة و لم‌تدل علي الواحد الفرد و دل علي مبادي عديدة يدور كل نوع منه علي قطبه و يؤب الي مبدئه ، لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و لذهب كل اله بما خلق ، فالارتباط التام بين اجزاء الخلق و قيام بعضه ببعض و قيام الكل بنفسه و انطواء الكل تحت الاحد جل جلاله دليل علي وحدة المبدء الحق جل جلاله فاذا وجب ان يكون الخلق علي نهج الحكمة و الصواب بريئا عما به يختل النظام و ينحل الزمام وجب ان يكون جميع ما هو من جهة الرب القديم الثابت الدائم النور الكامل القوي القاهر الغالب المهيمن المستولي الواحد الاحد علي وفق صفته سبحانه ثابتا مستمرا دائما نيرا كاملا قويا قاهرا غالبا مهيمنا مستوليا متسقا متحدا و جميع ما هو من جهة النفس التي هي ضدها بعكس ذلك و لايكون بينهما اشتباه و التباس ابدا ابدا كما لايشتبه النور بالظلمة و الزايل بالمستمر الثابت هذا في الخلق الاولي و الوضع الالهي و اما في عالم الاعراض و استتار الاغراض فقد شيب الحق بالباطل و الثابت بالزايل ليبتليهم و يهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لحصول الاختيار و رفع الاضطرار و اخراج مستجنات الاسرار [ص 40] و عدم تمكنهم من التمسك بشئ من غير عروة فلو خلص الحق و الباطل عن الشوب لم‌يخف امرهما علي ذي حجي و اضطر الي وضع كل منهما موضعه كما يصيرون اليه في الآخرة فمن الحكمة ان قد شاب الله سبحانه الحق بالباطل و الباطل بالحق و اخذ من هذا ضغثا و من هذا ضغثا و جعل للحق المشيب رجحانا علي ما شابه و للباطل المشيب رجحانا علي ما شابه بحيث اذا نظر الناظر بعين الفطرة الالهية عرف رجحان الاصل و مرجوحية الفضل في كل من الطرفين و انما جعل ذلك كذلك لانه من لوازم التعاكس و التعارض اللازم للكثرة و الاختيار في الخلق الساري في الغالب و المغلوب اللازمين للكثرة و كونهما منه و اليه كونا فافهم فلما جاء الشوب جاء التعارض و الذاتي ابدا غالب علي العرضي و لو بعد حين و هو الذي انزل الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم الذين هم الميزان المنصوب الموضوع فوجب ما دام الشوب باقيا الرجوع الي محكمات موازين الله التي ليس من الحكمة خلو الملك منها لانها محل عناية العالي من عالم الاعراض و حكاة امره و فيضه و مدده و لا بد في دائرة كل امر من قطب محكم خال عن الاعراض يكون واسطة بين المبدء و ساير اصحاب الاعراض المحجوبين عنه و الا لانقطعوا عن المبدء و هلكوا جميعهم فلا بد من قلب معتدل قائم بالقسط شاهد بالحق ناطق بالصدق في كل امر يدور عليه رحي ساير المشيبين بالاعراض المحجوبين بكثافة اعراضهم عن الاستحياء بالمبدء و اما استحياؤها عن القلب فتدريجي و للاعراض [ص 41] درجات فوجب في كل امر طلب المحكمات و الرد اليها و منها دليل العقل غير المشيب و هو المستنير بنور الموازين المربي بتربيتها المسدد بتأييداتها و الذي وافقه جميع العقول بالجملة الذي هو من جهة الرب غالب فان كان في عالم الاصول فبنفسه و ان كان في عالم الفضول فباعوانه و انصاره و المؤيدين له و الذابين عنه و لايغلبن الخلق ابدا علي الحق و الشيطان علي الرحمن و حزب الله هم الغالبون و حزب الشيطان هم الخاسرون ، كتب الله لاغلبن انا و رسلي ان الله قوي عزيز ، فاذا كل حق في الملك فالج ظافر مؤيد منصور ثابت دائم قاهر غالب و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و كل باطل في الملك مخزي مكسور مقهور مخترم منقطع مغلوب ، مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار ، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء و قد شحن بهذا الامر الكتاب و استدل ابدا بذلك الانبياء الاطياب سلام الله عليهم اجمعين و ذلك سنتهم في كل باب و لاوردن هنا بعض تلك الآي لتكون علي بصيرة قال الله سبحانه كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم و شهدوا ان الرسول حق و جاءهم البينات و الله لايهدي القوم الظالمين و قال و ما للظالمين من انصار و قال و اسرّوا النجوي الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم أفتأتون السحر و انتم تبصرون قل ربي يعلم القول في السماء و الارض و هو السميع العليم و قال و من اظلم ممن افتري علي الله كذبا او كذب بآياته انه لايفلح الظالمون و قال فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم [ص 42] ان الله لايهدي القوم الظالمين و قال يريد الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون و قال ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون و قال و لاتكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين و قال ان الله لايهدي القوم الكافرين و قال لايفلح الساحر حيث اتي و قال و الله لايهدي القوم الفاسقين و قال جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و استدل بذلك نبينا صلي الله عليه و آله بتعليم الله تعالي فقال قل ايّ شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و مثله قوله قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم انه كان بعباده خبيرا بصيرا و استدل بذلك نوح علي نبينا و آله و عليه السلام فقال الله ام يقولون افتراه قل ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون و استدل بذلك موسي عليه السلام حيث قال الله سبحانه فلما القوا قال موسي ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحق الله بكلماته و لو كره المجرمون و حيث قال الله فلما جاءهم موسي بآياتنا بيّنات قالوا ما هذا الا سحر مفتري و ماسمعنا بهذا في آبائنا الاولين و قال موسي ربي اعلم بمن جاء بالهدي من عنده و من تكون له عاقبة الدار انه لايفلح الظالمون و استدل به صالح علي نبينا و آله و عليه السلام و قال يا قوم من ينصرني من الله ان عصيته و استدل به يوسف علي نبينا و آله و عليه السلام و قال ذلك ليعلم اني لم‌اخنه بالغيب و ان الله لايهدي كيد الخائنين و استدل بذلك رسل الله علي نبينا و آله و عليهم السلام قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم و لكن الله يمنّ علي من يشاء من عباده [ص 43] و ماكان لنا ان نأتيكم بسلطان الا باذن الله و علي الله فليتوكل المؤمنون و اخبر الله سبحانه بقطع امداده عن الكاذب مزيدا علي ما مر بقوله و لو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين و وصف الله سبحانه صفات الكاذبين و قال انما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله و اولئك هم الكاذبون و قال هل انبئكم علي من تَنَزَّل الشياطين تنزَّل علي كل افّاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون ، الي غير ذلك من الآيات فاذا كل حق في الدنيا حتي قول ان النواة نواة و الحصاة حصاة يجب ان يكون مصدقا منصورا مؤيدا غالبا من عند الله سبحانه له نور و كل باطل في الدنيا حتي قول ان النواة حصاة و الحصاة نواة يجب ان يكون مكذّبا مخذولا مردودا مغلوبا و ان كان للقول الحق بعض ما يزدري به و للباطل بعض ما يحسن و لكن علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و يشترط في ذلك النظر بعين الانصاف و مجانبة الاعتساف و طلب الحق و المجاهدة في سبيله و الدخول من باب المطلوب مستمدا من الله سبحانه سائلا منه الوقوع علي الحق قال الله سبحانه قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و قال و اتوا البيوت من ابوابها نعم لايجب في الحكمة الوصول لكل احد الي كل ما اراد فان الله سبحانه لايغير حكمته الوسائل فما كان قد اراده من خلقه و طلبه منهم و في تعريفه اياه لهم صلاح يكشف لهم عن حقيقته بطلبهم و ما كان لم‌يرده منهم و ليس في تعريفه لهم صلاح و قضي عليهم المنع من ذلك فهو محجوب عنهم لايصلون اليه بطلبهم الظاهري الشرعي فان كينوناتهم تأبي عن ذلك و هي اقوي من طلبهم الظاهري [ص 44] و ليس الله بظلام للعبيد و هو الجواد الحميد فهو يسأل العباد عما كلفهم و يوصله اليهم لا محالة و لايسألهم عما قضي عليهم و لم‌يطلب خلافه عنهم فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاقول ان الله سبحانه خلق خلقه بحكمته علي طبايع مختلفة و غرايز متشتتة مدني الطبع يحتاج بعضهم الي بعض و يتكفل بعضهم بحاجة بعض لا قوام لهم الا بالاجتماع و التمدن و في اجتماعهم باختلاف غرايزهم تنازع و تجاذب و تجادل و تخاصم فيحتاجون ابدا ما هم في الدنيا الي حاكم عادل يقوم بينهم بالعدل و يقضي بالقسط و يحكم بالحق و يحملهم علي ما فيه صلاحهم و نظام معاشهم و عمارة معادهم و يمنعهم عما فيه فسادهم و بوارهم و لا بد و ان يكون ذلك الحاكم عارفا بما جعل له عاملا به في الملك فهو المعصوم المطهر عما هو خلاف الحق علما و عملا و تلك العصمة ليست علامة في ظاهر الخلقة فلايعلمها الا الذي خلقها فيجب ان يكون باختيار الله سبحانه العالم بالغيب و الشهادة و لايطلع علي اختياره احد الا باظهار ما يخص به من افعال الربوبية عليه و هو ما يعجز البشر عنه و نفي ما ينافيه عنه مما يجتمع العقول علي انكاره و استقباحه فمن وجد بين الخلق هكذا و قام بين يدي الله سبحانه في عباده حاكيا عنه مدعيا انه من عنده و ايده الله و صدقه و امده و ارشده و سدده و لم‌يظهر عليه ما ينافي مدعاه هو الحق الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه و يجب اتباعه علي كل من اطلع عليه ثم هو الميزان الحق المتبع فكل ما قال هو حكم الله الحق في عباده و يجب طاعته فمن يطع الرسول فقد اطاع الله ، فمن نصبه علي عباد الله بعده او اخبر بكونه من عند الله تعالي هو المطاع المتبع بعده و هو غني عن البرهان ازيد من ذلك فان جاء [ص 45] بعد ذلك بمعجز للبشر فهو فضل من عند الله سبحانه و له المن فما دام نص السابق معلوما ثابتا لكل من فحص لايحتاج اللاحق الي دليل آخر فان اختفي بتقلبات الزمان و تغلبات اهل العدوان فلا بد و ان يجدد الله له المعجز و البرهان ليبلغ حجته و لايبقي لذي مقال مقال فذلك القائم بالقسط في هذه الامة هو محمد بن عبدالله صلوات الله و سلامه عليه و آله و ذلك مفروغ عنه في هذه الامة مع ما بسطنا القول فيه في جلد النبوة و اما بعده فنحن لطول الزمان و اختصار البيان نحتاج الي دليل غير النص و ان كان اصحابنا قد جمعوا كتبا في ذلك كلها وافية شافية منها كتاب اثبات الهداة بالنصوص و المعجزات للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي مجلدات يشتمل علي اكثر من عشرين‌الف حديث و اسانيد تقارب سبعين‌الف سند منقولة من جميع كتب الخاصة و العامة و كتاب غاية المرام للسيد هاشم بن سليمان يشتمل علي ازيد من اربعة‌آلاف و اربعمائة حديث في تعيين الامام و اثبات حق آل‌محمد عليهم السلام كلها من كتب العامة و الخاصة و قد طبع و انتشر في البلاد و الحمد لله الي غير ذلك من الكتب التي قد ملأت البلاد و كلها كافية شافية تغني طالب الحق و يزيد احاديثها حد التواتر بمرات الا انا قد قصدنا في هذا الكتاب ايراد ادلة لايسع الخصم ردها و لا الاعتراض فيها و لا انكارها عند سماعها و التأمل فيها فاقول لا شك في ان بعد النبي صلي الله عليه و آله عترة له ادعت الامامة و اجتمعت عليهم طائفة من الامة و رووا في امامتهم احاديث بسبعين‌الف سند و اكثر و صدقهم جماعة و هم الشيعة و نشروا فيهم احكاما و شرايع و دعوات و ذرايع و ادعوا العصمة و صدقهم الشيعة و ادعوا [ص 46] في حقهم العصمة و الطهارة و المكابر في ذلك كله كالمكابر في مجيء نبي بمكة و ادعائه النبوة و اتيانه بشرع و كتاب و معجز بعينه و ذلك لايكلم و لايحاجج و لايخاصم و لا شك و لا ريب ان سلاطين اعصارهم و علمائها و اغلب الخلق ممن حاد عنهم و ذهب الي غيرهم من فرق السنة و الجماعة و غير الاثني‌عشرية كانوا ساعين في اطفاء نورهم و ازهاق امرهم و ادحاض حجتهم حتي انهم قتلوهم و اسروهم و سلبوهم و حبسوهم و شتتوهم و فعلوا بهم ما فعلوا مما لايخفي علي ذي نظر في الاسلام بل عند الخارجين عنه و كانوا ابدا في طلب عيب و قدح فيهم يسقطونهم به من نظر الناس و يظهرون انهم لايليقون بما يدعونه و كتبوا كتبا و صنفوا تصانيف فلم‌يسعهم مع شدة فحصهم و تعدد انظارهم و شدة العداوة و طول الاعصار ان يعيبوا عليهم شيئا كثيرا و لا قليلا و لم‌يجدوا فيهم مغمضا و لم‌يحكوا عنهم ما ينافي ادعاءهم بل اجمعوا مع شدة انكارهم علي صدقهم مجملا و ورعهم و زهدهم و علمهم و حسبهم و نسبهم و امامتهم و لزوم مودتهم الي غير ذلك من فضائلهم التي ملأت كتبهم كما سمعت بعضها و تواتر عنهم بالضرورة عند الشيعة انهم ادعوا الامامة و شهد بذلك آي من الكتاب و اخبار لاتحصي عن النبي صلي الله عليه و آله و سائر الاصحاب برواية الاعادي فهم المصدقون من عند الله جل جلاله و مع ذلك لا شك في انهم اتوا بخوارق عادات و معجزات مجملا حتي انها تظهر من قبورهم و مواضع اقدامهم قريبا و بعيدا الي زماننا هذا و ذلك مما لاينكر نوعا فعلمنا بذلك انهم حجج الله علي العباد و خلفاؤ رسول الله صلي الله عليه و آله في البلاد و قد صدقهم الله سبحانه اذ قاموا بين يديه و في مرأي منه و مسمع [ص 47] و ادعوا الخلافة و الوصاية و فرضوا الفرايض و سنوا السنن و نشروا اعلام اصول الدين و فروعه علي ما يوافق العقل السليم و استشهد بآي و اخبار لاتحصي فلم‌ينكر الله سبحانه عليهم و لم‌يبطل دعواهم و لم‌يدحض حججهم و لم‌يقم احدا في مقابلهم و محض انكار المنكر لايكون دليلا علي بطلان احد فان الناس انكروا علي رسول الله صلي الله عليه و آله ايضا و لم‌يفدهم شيئا اذ ابطل الله حججهم و اتم نوره و لو كره المشركون فلو كان لله حاكم في ارضه غيرهم لقام بالامر باقامة الله و اظهر حقه و ابطل امرهم بتأييد الله و نصرهم الله و اقام حججا و براهين علي حقيته و بطلانهم او اثار الله غيره ممن يشاء يبطل به امرهم و يدحض به حججهم البتة كما ابطل بآل‌محمد عليهم السلام حجج المخالفين و اظهر بطلانهم للعالمين و كلما سعي الساعون و منكروا فضائلهم الناصبون في اطفاء نورهم و اخمال ذكرهم و اخماد امرهم ازداد نورهم و شاع ذكرهم و فضلهم حتي طرق الاسماع و ملأ الاصقاع و انتشر الوية امامتهم و ولايتهم في جميع الاحناء حتي بلغ اعنان السماء فلما عجزوا عن ذلك كله بادروا الي قتلهم و سبيهم و اسرهم و نهبهم فماازدادوا بذلك الا عزة و شرفا و علوا و قدرا و الحمد لله فاي دليل احكم من ذلك و اي برهان اقوي مما هنالك فهذا هو البرهان الذي لايحتمل النقض و لايعترضه معترض في الطول و العرض و بهذا السراج نهتدي نحن في جميع ظلمات الارض و نقيم به كل سنة و فرض فالحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و هذا البرهان مما خصنا الله بتشييد اركانه و اجتبانا لشرحه و بيانه و ناهيك به شفاء لما في الصدور و دليلا هاديا لطرق البطون و الظهور [ص 48] أولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد و بكل شئ عليم و علي كل شئ قدير فهو حسبنا و نعم المولي و نعم النصير .

فصل - اعلم ان بناء الناس ان يذكروا في ابحاثهم ما ذكره السابقون و ان ابطل الله امره و اخمد ناره و قطع آثاره بالحجج الباهرة و الدلائل الظاهرة و صار من المفروغ عنه عند اهل البصيرة فيكررون في كتبهم و محاوراتهم تلك الشبه المفروغ عنها فيجددون الشبه في اذهان الذين لم‌يسمعوا ادحاض الله تعالي قدره اياها و من ذلك امر الامامة و قد حصل و الحمد لله ذي المنة علي عباده الفراغ عنها بانقراض رؤساء الضلالة الذين كانوا يظنون انهم امراء الدين و خلفاء رسول الله صلي الله عليه و آله و بقي خيام مذهبهم بلا عمود و بقوا متفرقين حياري متشتتين تحت كل كوكب بفضل الله الودود اذ قد عرفت مما سبق انه لايجوز ان يخلو الارض من حجة لله سبحانه مدبر لامر الملك عالم بالحلال و الحرام و الفرائض و الاحكام و تدبير امر العباد و تعمير البلاد و قد اخترم امر الاعادي و الحمد لله و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين و بقي امرهم كسروانية و قيصرانية و عادوا الي الجاهلية الاولي و ليس فيهم من يدعي في حقه و لو بالباطل انه خليفة الله و خليفة رسوله صلي الله عليه و آله و انه حافظ الدين و حاكم بالشرع المبين منذ قرون و دهور و كل مذهب مبناه علي الاخترام و الانقطاع باطل مضمحل فلا حاجة الي برهان آخر بعد هذا البرهان بعد انقراضهم و انما كان يختلج في الصدور الضعيفة بعض الشبه حين كان فيهم من يدعي الامامة و لو كذبا و افتراء و اما الآن فقد وقع الفراغ عن ذلك بالكلية و لو كان امر خلافة [ص 49] رسول مدع هكذا لدل علي بطلان امر ذلك الرسول ايضا فضلا عن امر خليفته و لو قيل ان امر الشيعة ايضا عاد الي ذلك حيث انه ليس فيهم امام قائم لله بحجة ظاهر معروف فدل ذلك علي بطلان امرهم ايضا قلت ليس الامر كذلك و الشيعة الاثناعشرية مجمعون مقرون علي وجوب خليفة لله في ارضه و مجمعون علي انه موجود الي الآن و آتون علي ذلك بادلة و براهين من الكتاب و السنة و يروون في ذلك اخبارا عديدة من كتب العامة و الخاصة و شاركهم في ذلك غيرهم من العامة كثيرا و لايشترطون في الحجة الظهور و البروز فان الفائدة التي في الحجة ليست محض السلطنة و الحكومة الظاهرة بل فائدته امور منها الفوائد الكونية التي تترتب علي وجوده مما سمعت و ستسمع فذلك يشترط فيه شهادته للخلق لا شهادة الخلق له كما ينتفع الخلق من فضل الله جل و عز و لايشاهدونه و عدم مشاهدة الخلق لله لاينفي حاجة الخلق الي خالق مفيض ممد لهم و منها الفوائد الشرعية فمنها حفظ الكلمة و جمعها و جمع الفرقة و تفريقها و رعايتها و الحفظ لهم و عليهم فذلك ايضا يحتاج الي رؤيته للخلق لا رؤية الخلق له و امر الامامة امر عظيم و خطب جسيم و ليس محض السلطنة و الحكومة و تجنيد الجنود و حفظ الثغور كما ستسمع ان شاء الله تعالي و منها الحكم بين المتنازعين و اجراء الحدود و تجنيد الجنود و ذلك ايضا امر لايجب فيه المباشرة عقلا و نقلا و اجماعا و لايجب فيه مشاهدة الرعية للسلطان و كان النبي صلي الله عليه و آله يبعث الامراء و ينصب القضاة و ائمة الصلوة و لم‌يكن جميعها بمباشرته و لم‌يك يشاهده جميع الامة و كذلك اليوم امر الشيعة سلطانهم موجود غايب فنفرضه في بعض [ص 50] القري و لايشاهده كل الرعية و يخرج امره و نهيه الي نوابه و امرائه و قضاته و قد خرج من احاديثه الي شيعته و امره و نهيه ما خرج و قرر من احاديث آبائه عليهم السلام ما قرر و نحن نعمل باحاديث آبائه من حيث انها مقررة من عنده فلو نهانا عنها كلية تركناها و عدلنا حيث‌ما عدّلنا و اعدّ لنا فعملنا بهذه الاخبار كلها عملا بامره و نهيه غاية الامر انه ليس يغير اوامره و نواهيه كلية و يغيرها بتغيير الافهام و تقريب البعيد و تبعيد القريب و ليس لنا التعرض عليه البتة فهو موجود و تصرفه ثابت موجود بلا تفاوت مع ايام ظهوره و القول بانه لو كان ظاهرا كنت اتشرف بلقائه تمنٍ و

ما كل ما يتمني المرء يدركه تجري الرياح بما لاتشتهي السفن

هذا اويس كان من افضل الصحابة و لم‌يشاهد النبي صلي الله عليه و آله فلعله لو كان ظاهرا وكلك بثغر و لم‌يأذن لك في التخلف عنه و تركه و كنت فيه الي ان تموت و كان يأتيك الاخبار بالرواة كما تأتيك الآن و كنت كما تكون الآن فايّ فرق في ظهوره و خفائه بالجملة بيننا و بين العامة بون بعيد و اما من قال ان الامام وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا فلم‌يعرف امامه كما ينبغي و حسب تصرفه محض تصرف السلطنة او داري خصمه بهذا القول و كلم علي قدر عقله و ستسمع في خلال هذا الكتاب ما تعرف منه ان الامام يقوم به امر الكون و الشرع في الدين و الدنيا و الآخرة و لولاه لساخت الارض و لم‌يعرف احد نفسه فضلا عن دينه بالجملة بهذا البرهان نحن نحصل اليقين بكل حق و يثبت به امامة الائمة الاثني‌عشر عليهم السلام بخصوصهم و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله [ص 51] الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

فصل - اعلم ان الذي يقتضيه الادلة العقلية ان يكون المعصومون عليهم السلام اربعة‌عشر منهم واحد هو قطبهم و مركز دايرتهم و قلبهم و آية الواحد الاحد فيهم و عرش استواء الرحمن لهم و السفير بينهم و بين ربهم و اثناعشر منهم هم شؤن ذلك الواحد و تفصيله و وجوهه في توجهه الي ساير الرعية و توجههم اليه و ايدي عطائه و منعه و واحد آخر منهم هو وعاء تلك الشؤن و محل ذلك التفصيل و حامل تلك الانوار و مجمع تلك الاسرار و ان كان لهم فوق ذلك مقام ولاية كلية و نبوة كلية و فوق هذين مقام وحدة مقدسة عن الكثرات دالة علي وحدة خالق البريات و علي ذلك في العقول ادلة و في الآفاق و الانفس آيات و في الكتاب و السنة شواهد و في القرون الخالية سنن و قد مر بعض الوجوه في جلد النبوة و نذكر منها هنا ما يتيسر .

اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان في قدس توحده و كنه تفرده فتجلي بمطلق الوجود به اذ لا سابق عليه و خلقه بنفسه و له في تزييل الفؤاد مقامات و ان كانت متحدة باتحاد وحداني لغاية بساطته و سبقه علي كل كثرة و كونه علة كل شئ فله حيث الي ربه و هو حيث كونه وجودا محضا معريً عن كل اعتبار سواه حتي الاطلاق و يعبر عنه بالوجود لا بشرط و من اطلقه علي ذات الحق الازلية فقد اخطأ فانه لا اسم له و لا رسم و انما هو عنوانه جل و علا في الوجود المطلق و له حيث من نفسه و مخلوقيته و له من هذا الحيث مقامات نعبر عنها بالكيان الثلاثة و هي جهة اجمال و كلية معنوية و جهة تفصيل و صورية جزئية بالنسبة و حيث ثالث بينهما هو منتهي الاجمال و مبدؤ التفصيل [ص 52] و هذه الكيان مما لا بد منه في كل مكون و لايتم الا به و قد برهن عليه في محله في ساير كتبنا و يعبر عنها في الفلسفة بالروح و النفس و الجسد و لكل من هذه الكيان الثلثة طبايع اربع و هي ايضا مما لا بد منه في كل حادث و قد برهنا عليه في ساير كتبنا في الفلسفة و غيرها و من ثم اطبق الحكماء علي ان كل ممكن مثلث الكيان و مربع الكيفية و لما ظهر هذه الكيفيات الاربع في جميع مراتب الكيان بدت اثنتاعشرة كيفية مختلفة في الصفة و ذلك ان الموجود لا بد فيه من هذه الكيفيات عند انخلاقه من فعل فاعله و لكل كيفية كيان ثلثة روحانية مجملة صاعدة و جسدانية مفصلة هابطة و نفسانية متوسطة رابطة بينهما مؤلفة فروحانيات الكيفيات كلها في الكون الروحاني للموجود و هو مؤلف منها و نفسانياتها كلها في الكون النفساني له و هو مؤلف منها و جسدانياتها كلها في الكون الجسداني له و هو مؤلف منها فتحقق للموجود من حيث تعينه اثنتاعشرة كيفية بها تتم مراتبه لا محيص عنها و لا غني له عنها البتة و ذلك الحيث الاول اي الوجود المحض اللابشرط هو كالرحمن المهيمن علي عرش جميع تلك الكيفيات و كالمادة السارية في جميع مراتب الصور و الحقيقة الظاهرة بجميع تلك التعينات و هو في نفسه مبرؤ عن تلك الصفات و للمجموع من حيث المجموع حيث آخر و هو الحيث التركيبي الحاصل من تركب الكل فهذه اربعة‌عشر حيثا لا غني للموجود عنها و بين هذين الحيثين اي الذي عبرنا عنه بالوجود الحق و حيث نفس التجلي مقام برزخي و هو مقام الوجود المطلق النوعي الساري في جميع تلك الكثرات و هو حيث اتحادها في معني الوجود الاطلاقي و لهذا المقام جهتان [ص 53] جهة الي الوجود الحق و جهة الي الكثرات و هي حيث صلوحه لتلك التعددات الاعتبارية المعتبرة المثبتة فيه من باب تزييل الفؤاد و رؤيته ظهورها في الآثار فتفصل الواحد بهذين الاثنين اولا ثم تفصل هذان الاثنان بالكيان الثلثة ثم الكيان بالكيفيات الاربع و لاجل خروج الواحد و الاثنين عن حد الكثرات تعين كون اول الاعداد ثلثة و اول الازواج اربعة فلما ظهر الثلثة في الاربعة حصل الاثناعشر و باجتماعهما حصل السبعة فثنيت في التجلي في نفسه و في تعلقه فظهر اربعة‌عشر و قد ظهر سر ذلك في جميع مراتب الوجود في آفاقها و انفسها منها ما تشاهد في العبودية الدالة علي مراتب الربوبية و فيما هيهنا الدال علي ما هنالك و هو ان هذا العالم له حيث من ربه و هو الجسم المطلق مع قطع النظر عن قيد الاطلاق و هو آية الله و مثاله و نوره في هذا العالم و حيث آخر للجسم من حيث الاطلاق و هو الجسم بشرط لا و له مادة جوهرية و صورة صلوحية و هو آية المشية و هذان المقامان فوق مقام الكثرات و التعينات و لهذا العالم في مقام التعين بعد ثلث مراتب مقام اجمال و هو العرش و مقام تفصيل و هو العناصر و مقام بين بين و هو الافلاك و الكرسي و هي برزخ بين العناصر و العرش له من حيث العرش اجمال و هو الكرسي و من حيث العناصر تفصيل و هو الافلاك السبعة و الكيفيات الاربع سارية في جميع هذه المراتب الثلث الا ان روحانيات الكيفيات في العرش الاعلي فاتحدت لشدة التشاكل و ظهر واحدا اطلس و جسدانياتها في العناصر السفلي و ظهرت اربعة نوعا و ان كانت اشد تكثرا من الافلاك و نفسانياتها في الافلاك الوسطي فالكرسي نفس كلية و الافلاك مشاعرها و قواها كما ان زحل [ص 54] عاقلتها و المشتري عالمتها و المريخ واهمتها و الشمس مادتها اي المادة الظاهرة منها و الزهرة خيالها و عطارد فكرها و القمر صورتها اي صورتها الظاهرة منها و ظهر التعدد هنا لان الافلاك جهات تعلقات الكرسي بالسفليات و يركب من هذا المجموع بدن جامع يجمع جميع تلك القوي و يظهر منه آثار كل واحد و افعاله و ذلك محسوس مشاهد و آية ذلك في الانسان ايضا مشاهد فانه مركب من قبضات هذه البسايط و له من كل واحد منها حصة و قبضة و هذه المراتب جارية في جميع العالم فانه قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا الا ان لهذه المراتب في كل مقام اسما و رسما و انا انما ذكرناه باللسان الطبيعي لتعليم من لا درية له في الالهي و اما القول فيه باللسان الالهي في مقام الوجود المطلق و التجلي الاول ان لذلك التجلي حيثين حيث ذات و غيب و هو حيث المثال الملقي في هويته و حيث آئيته لله سبحانه و حيث نفس التجلي و كونه وجودا بشرط التقدس عن الكثرات و الاطلاق عن المقيدات في جهتيه و حيث ظهور في الشؤن و له من هذا الحيث اربع مراتب مقام باطن و مقام بطون و مقام ظاهر و مقام ظهور و لهذه المقامات الاربعة مقام كلية و مقام جزئية و مقام بينهما برزخي رابط بين ربوبية الكلية و عبودية الجزئية و قطب بينها هو محل عناية العالي و السفير بينه و بين الداني و هو القلب المتوسط بين تلك الاعضاء و مقام الكلمة التامة و الشخص الجامع و النور اللامع و لولا هذه المراتب لم‌يقم لفسطاط التجلي عمود و لم‌يخضر ابدا له عود و لم‌يتحقق تام المراتب كامل المقامات و للمجموع المركب مقام رابع‌عشر و هو مقام الحاملية لتلك الانوار و الوعائية لتلك الاسرار [ص 55] و ما لم‌يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كاملة في كليتها كاملة في جزئيتها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فظهر ملك التجلي بهذه الجهات الاربع‌عشرة و لما كان هو مؤثر جميع ما عداه سري هذا السر في جميع تلك الآثار و جري ذلك الامر في جميع الاقطار و لما كان اول صادر منه اي من الوجود المطلق الذي هو المشية المخلوقة بنفسها النور المحمدي صلوات الله و سلامه عليه و آله و الاثر يطابق صفة مؤثره جري ذلك السر فيه ايضا بل تحقق فيه اولا و انما ذكرناها في التجلي الاول من باب التزييل الفؤادي و مشاهدة الاسرار في الآثار فتحقق في ذلك النور مقام آئية للواحد الاعلي جل شأنه و مثال للعالي الواقع في هويته و هو مقام اتحادهم في المحمدية و مقام كلنا محمد و مقام آئية للمشية و هو مقام الاثنينية و الوصول الي حول حجاب العظمة بعد الطواف حول حجاب القدرة فشق ذلك النور نصفين فقال الله سبحانه لنصف كن محمدا و لنصف كن عليا فهو اخوه و نفسه و منه و تحقق له في مقام الظهور ثلثة مقامات نبوة و ولاية و عصمة فالنبوة هي كالقلب و القطب بين هذه الظهورات و بين العالي و السفير بينهما و القائم مقام العالي في الاداء كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حقه استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمرا و ناهيا عنه اقامه في ساير عوالمه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار الخطبة ، فهو مستخلص في مقام الآئية القديمة منفرد عن التشاكل من ابناء جنسه و هم الاولياء فغيرهم ليس [ص 56] من جنسه صلوات الله عليه و آله و قائم مقام العالي في مقام القطبية في الاداء عنه و له مقام هوية و انية و هو حيث نفسه في نفسه و هو مقام الولاية فله في هذا المقام اثناعشر مقاما لما ذكرنا من ان له ثلثة كيان كون روحاني بالنسبة الي مقامه و كون نفساني و كون جسداني و لكل كون منها مقامات اربعة مقام الباطن و البطون و الظاهر و الظهور كما قدمنا فالظاهر هو ظاهر الباطن و الظهور هو ظهور البطون و للباطن و الظاهر مادية و ان اختلفا في النوعية و الشخصية و اعلم هنا ان العرفاء اختلفوا في النبوة و الولاية ايهما اشرف و اعلي فمنهم من قال بتقدم النبوة علي الولاية و منهم من قال بالعكس و الظاهر ان النزاع باختلاف الانظار فان محمدا صلي الله عليه و آله اشرف من علي اتفاقا من المسلمين في كل مقام فان كانت النبوة اشرف فهي لمحمد صلي الله عليه و آله او الولاية فهي لمحمد صلي الله عليه و آله و الحق ان القول في ذلك يختلف باختلاف الانظار فان اريد ظواهرهما فالنبوة اشرف لانها مقام السفارة و الوساطة الكبري و المنبئية عن الله سبحانه بالفتح و الكسر و الولي هو المعطي كل ذي حق حقه و السايق الي كل مخلوق رزقه و هو المباشر المتعلق بالرعية و ان اريد المراد منهما فالله سبحانه هو الولي و ليس الله سبحانه بنبي و لا رسول فهنالك الولاية لله الحق و لم‌تظهر في النبي لعدم استقلاله في جنب ربه لكماله و غاية قربه و ظهرت في الولي لاستقلاله لانه جهة نفس النبي كما يظهر الفاعل في المشتق عن الفعل المتأخر عنه و المراد من الفاعل هو اعلي من المصدر و يوصف العالي بالفاعل و لايوصف بالفعل فالفعل اعلي من ظاهر الفاعل و ادني من المراد منه و الفعل احكي للفاعل و اقرب اليه و اشرف و ان لم‌يسم بالفاعل لاضمحلاله فافهم المثل [ص 57] فالنبوة ادني من باطن الولاية و صورتها و ظهورها و لاجل ذلك ظهر علي بتثليث الاسم و محمد بتربيعه و الثلثة فرد و الاربعة زوج فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المادة جهة الرب العليا و الصورة جهة النفس الدنيا فالمادة احكي للرب هنا و الصورة احكي لظهوره و قد قدمنا ان الباطن و الظاهر لهما مادية و البطون و الظهور لهما صورية فلاجل ذلك ظهرت المقامات الاربعة في الاكوان الثلثة بمقامين ولويين و مقامين نبويين يعني ظهر في كل كون مقام الباطن و الظاهر بالولوية و العلوية و مقام البطون و الظهور بالنبوية و المحمدية فظهر سيدهم و افضلهم الذي هو في مقام الباطن بالعلوية و سمي بعلي و ظهر بعده الحسن عليه السلام بالمحمدية و لذلك كان شبيها بمحمد صلي الله عليه و آله في الصورة و السيرة و كني بابي‌محمد و ظهر بعده الحسين عليه السلام بالعلوية و لذلك كان شبيها به و كان اباعلي و اباعبدالله فان مقام علي عليه السلام اول مقامات العبودية و التابعية لمحمد الاعلي فقال انا عبد الله و اخو رسوله و انا عبد من عبيد محمد ، ثم ظهر بعده القائم عجل الله فرجه بالمحمدية و هو بعد الحسين عليه السلام افضل الكل و ظهر بعده علي بن الحسين بالعلوية و لقب بزين‌العابدين ثم ظهر بعده محمد بن علي بالمحمدية و صار مدينة العلم و باقره ثم ظهر بعده جعفر بن محمد بالعلوية و لذلك كني بابي‌عبدالله كالحسين الظاهر بالعلوية ثم ظهر بعده موسي بن جعفر بالمحمدية و موسي اسم نبي طابق اسمه اسم الموسي الاول و لقب بالكاظم و هو من صفات محمد الكاظم للغيظ تأدبا بادب الله سبحانه و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و اصفح الآية ، ثم ظهر بعده علي بن موسي [ص 58] بالعلوية و لقب بالرضا للمرتضي و كني بابي‌الحسن ثم ظهر بعده محمد بن علي بالمحمدية ثم ظهر بعده علي بن محمد بالعلوية و الهادوية لاجل قوله انما انت منذر و لكل قوم هاد و علي الهادي ثم ظهر بعده الحسن بالمحمدية علي حذو الحسن الاول و كني بابي‌محمد مثله و هذا من غريب اسرار اسمائهم و ترتيبهم صلوات الله عليهم و لم‌يصل الينا من طرق الاخبار افضلية بعض الثمانية من بعض و هم اعلم بما هم عليه صلوات الله عليهم نعم روي في كتاب سليم بن قيس ان فاطمة عليها السلام قالت لرسول الله صلي الله عليه و آله في حديث طويل ذكر فيه عليا و الحسن و الحسين عليهم السلام و حمزة و جعفرا فاي هؤلاء الذين سميت افضل فقال رسول الله صلي الله عليه و آله اخي علي افضل امتي و حمزة و جعفر افضل امتي بعد علي و بعد ابني و سبطي الحسن و الحسين و بعد الاوصياء من ولد ابني هذا و اشار رسول الله صلي الله عليه و آله الي الحسين منهم المهتدي و الذي قبله افضل منه الاول خير من الآخر لانه امامه و الآخر وصي الاول الخبر ، و هذا الخبر يعطي ان كل سابق منهم افضل من اللاحق لان السابق امام اللاحق و اللاحق وصي السابق و فرعه و لكن رويت روايات اخر ان القائم صلوات الله عليه افضل التسعة و العلم بهم عند الله عز و جل و عندهم صلوات الله عليهم و اما في غير القائم فالبرهان الذي ذكره صلي الله عليه و آله محكم فان الامام لا بد و ان يكون افضل من المأموم و كل صامت مأموم لا محالة و اما الحامل لهذه الانوار و الجامع لهذه الاسرار الذي هو ايضا في مقام الصورة المناسبة للمحمدية و صاحب العصمة الكلية فهو فاطمة المكناة بام‌ابيها و لها مقام [ص 59] الحجرية للعيون الاثنتي‌عشرة المنبجسة بضرب عصاء موسي عند استسقائه لقومه اثني‌عشر سبطا بالجملة هم سلام الله عليهم في هذا العدد علي طبق شؤن المشية و جهاتها ثم سري سرهم في جميع العالم و ظهر هذه الجهات في كل شئ بحسبه في الآفاق و في الانفس و من العجب ان البدن الانساني الذي هو فذلكة العالم الكبير ظهر انواره و هداته في اثني‌عشر و هي حواسه الخمس الظاهرة و حواسه الخمس الباطنة و نفسه و عقله فلو رفعت هذه الانوار الحجج عن ارض البدن لساخت و رجت و اندكت و انما يبقي البدن و يهتدي بهذه الهداة و الرعاة له هذا و في نظر آخر له قلب عرشي و صدر كرسي و عاقلة زحلية و عالمة مشتروية و واهمة مريخية و مادة شمسية و خيال زهري و فكر عطاردي و روح قمري و صفراء نارية و دم هوائي و بلغم مائي و سوداء ترابية و مجموع مركب مولودي علي حذو العالم الكبير حرفا بحرف بالجملة لاجل هذه الاسرار و غيرها خلقهم الله اربعة‌عشر نورا يجمعها ثلثة يجمعها اثنان يتحدان في المبدء بوحدة تحكي ظهور الواحد الازل جل شأنه و كذلك تقدير العزيز العليم .