الفطرة السليمة المجلد الثالث
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذا هو المجلد الثالث من كتاب الفطرة السليمة في المعارف الدينية في الامامة و الولاية و البراءة ففيه بابان من ابواب الكتاب و خاتمة في معني الاخوة و بها تمام الكتاب و اسأل الله الوهاب ان يوفقني لاتمامه كما وفقني لاتمام الجلدين السابقين و ان يجعله علي ما يحب و يرضي خالصا لوجهه الكريم انه بعباده رؤف رحيم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين .
في الامامة و في هذا الباب مطلبان و خاتمة :
في اثبات امامة الائمة عليهم السلام نوعية و شخصية و فيه مقصدان :
المقصد الاول - في اثبات لزوم وجود خليفة و امام معصوم بعد النبي صلي الله عليه و آله ما دام شرعه في الدنيا باقيا و عدم جواز خلو زمان عن حجة من الله معصوم و في هذا المقصد فصول :
فصل - اعلم ان ادلة اثبات لزوم وجود حجة من الله سبحانه دائما في الملك هي بعينها ادلة قد مرت في باب النبوة ظاهرة و باطنة و المقتضي للزوم وجود النبي الحاكم بين الرعية هو المقتضي للزوم وجود الخليفة بعده و عدم خلو الارض من حجة من الله فلانعيدها هنا الا انا نذكر هنا ادلة اخري تختص بالامامة لئلايخلو هذا الباب ايضا من الدليل و نبدأ بادلة سياسية و غير سياسية ظاهرية ثم نتبعها بادلة حكمية باطنية ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل قوم مآربهم فاقول ان من البين ان محمدا صلي الله عليه و آله خاتم النبيين فلا نبي بعده و دينه خاتم الاديان فلا دين بعده و قد بعث علي حين فترة من الرسل و طول هجعة من الامم حين كانت اعلام الاديان طامسة و اطلالها دارسة و اغلب اهل الدنيا يعبدون الاصنام و الحيوانات و الاشجار و الاحجار و قليل منهم اهل الكتاب و قد ارتدوا عن دينهم بالكلية فمنهم [ص 4] من كفر بانكاره النبي اللاحق و منهم من كفر ببدعته في دينه و اتخاذه نبيه او الاحبار و الرهبان آلهة من دون الله و منهم اميون لايعلمون شيئا فقام بين ظهرانيهم و هم وحشيون عن التدين و التأدب و الاستقامة يدعوهم الي اعتقادات بعيدة عن افهامهم و التخلق باخلاق منافية لسجاياهم مع شدة احقادهم و كبرهم و انفتهم عن قبول الحق فقام يدعوهم الي الحق مدة لبثه في مكة فلايزيدهم الا نفورا و استكبارا اللهم الا آحادا منهم الي ان هاجر منها بعد ما رأي شدة كلبهم فجاء الي المدينة و اكثرهم يهود معادون للحق و كثير منهم جهال لايعرفون هرا من بر رعاة ابل و غنم و كسبة اسواق و اصحاب شقاق فنزل فيهم يدعوهم الي الحق مع استيحاشهم و عداوة اكثرهم فآمن به بعضهم علي الظاهر و هم مع ذلك اهل ضنك و فقر فمنهم من كان يحترف في الاسواق و منهم من كان يقوم علي نخله و منهم من كان يطلب مواضع القطر و الكلأ و يدور مع غنمه و منهم من كان يسافر مع جماله و دوابه يطلب التجارات في الاسواق و البلاد نعم كان بعض العاجزين عن المكاسب او المستغنين عنها في اغلب الاوقات معه فاذا امر رسول الله صلي الله عليه و آله بامر و حكم بحكم ، سمعه من حضره و فات من غاب عنه و انت تعلم ان كل من حضره لميك يعيه و يحفظه اما لنفاقه القلبي و قلة اعتنائه كما قال الله سبحانه اذا خرجوا من عندك قالوا ماذا قال آنفا و اما لكونه وحشيا عن الدين و معانيه كما ليس يعي عوامنا المعاشرون للفقهاء احكامهم اليوم مع انسهم بالدين و اما لقلة فهمه و اما لانهم لميكونوا من اهله فان لضبط احكام الفقه و فهم جهاتها اهلا كما ان لضبط الطب و النجوم اهلا و ليس [ص 5] كل من سمع حكما في قضية علم الحيثية المقتضية ، هذا و هو صلي الله عليه و آله كان غالبا في الاسفار و الغزوات و تفرق الناس فيها و اشتغالهم بحوائجها و غفلتهم و بطرهم و عدم اعتنائهم بالدين اكثر و اكثر كما هو مشاهد فلاجل ذلك كل واحد من المعاشرين حفظ شيئا و غاب عنه اشياء مع نفاقهم الموجب لعدم الاعتناء التام الموجب لعدم الفهم التام اولا و النسيان آخرا و التحريف وسطا و الكذب عليه دائما كما قال الله سبحانه و من اهل المدينة مردوا علي النفاق و قال جاهد الكفار و المنافقين الي غير ذلك من الآيات الناصة علي شدة تمردهم و عنادهم فكانوا كذلك الي ان مات رسول الله صلي الله عليه و آله و لميلتفت الصحابة في زمن حيوته الي ضبط ما سمعوا في كتاب و لميصنف كتاب في عصره في المسائل و الاحكام بل كانوا يحفظون علي ظهر القلب ان اعتنوا و اغلبهم لايظن امره الا سياسة او رياسة علي حسب مصالح الوقت و يظن ان كل من يترأس له الحكم يوما فيوما و ليس يلزم ضبط حكم هذا الرئيس للرئيس الآتي هذا و طباع اغلب الناس ان يضبطوا اذا ضبطوا احكاما تخصهم و يحتاجون اليها لا احكام غيرهم اللهم الا الذي يريد ان يتفقه و يترأس علي اقوام فيضبط احكاما تعمهم فلاجل ذلك لميحفظ احكام الدين و لميجمعها احد منهم و من حفظ ايضا شيئا نسيه لطول الزمن و اشتبه عليه و لربما حفظ المنسوخ و لميحفظ الناسخ فتدبر رحمك الله بعين الانصاف هل يحتمل طباع العالم غير ذلك و هل كانوا علي غير هذه الصفة هذا و تفرق الصحابة بعده فمنهم من خرج لقتال مسيلمة و اهل الردة و منهم من خرج لجهاد اهل الشام و منهم من خرج لقتال اهل العراق و كل يوم يزداد تفرقهم [ص 6] و انت تعلم انه لميكن عند كل واحد واحد منهم الا اقل قليل مع السهو و النسيان بالابتلاء بطول الاسفار و المقاتلات و المعاملات و فوات الناسخ و النفاق و عدم الاعتناء و العامية و الجهالة و امثال ذلك من يوم اول فتدبر وفقك الله ان هذا الدين الذي هو خاتم الاديان و ينبغي ان يبقي الي مائةالف سنة او اقل او اكثر و يتدين به اهل كل زمان هل ينضبط هكذا و هل يبقي مع لعب هؤلاء المنافقين به و كذب الكاذبين و تحريف المحرفين و نسيان الناسين و جهالة الجاهلين و وهم المتوهمين و هل يمكن ان يكتفي خاتم الانبياء بذلك و هل يبقي هذا الدين الي سنين عديدة فضلا عن مدد مديدة أليس يحتاج هذا الدين الي قيم حافظ في كل عصر يعلم جميع الشرايع و الاحكام و الحلال و الحرام و الناسخ و المنسوخ و يكون مفزعا للمسلمين و مرجعا للمؤمنين و يكون الدين به محفوظا الي يوم القيمة و يؤدي الي كل ذي حق حقه و يفتي لكل احد بحكمه أتظن كاولئك المنافقين ان امره كان سلطنة او رياسة او دينا و معرفة و حكمة و علما فان كان امره دينا و علما و حكمة و معرفة و يجب ان يبقي الي مائةالف سنة أليس يحتاج الي عالم به حافظ له و هل كان احد من اولئك الصحابة عالما بجميع ما جاء به النبي صلي الله عليه و آله و بجميع احكام العباد في جميع البلاد و القرون و الاعصار لا و لميدع احد من العامة لاحد انه كان كذلك بل قام الاجماع من المسلمين علي انه لميكن احد منهم كذلك فاذا كانوا كذلك لميكونوا قُيّم دين رسول الله صلي الله عليه و آله و ليس امره الا الدين فوجب بعده وجود قيم يقوم مقامه و يحفظ دينه و يؤدي الي رعيته و الا لميقم للاسلام عمود و لميخضر له عود و لميدم [ص 7] الي مائةالف سنة بل يخترم عن قليل و يضمحل و هو ينافي قوله سبحانه اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قوله يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم و الله متم نوره و قوله ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و ينافي كونه خاتم النبيين اتيان نبي بعده و ان لميأت بقي الخلق بلا دين و بلا حاكم يحكم بين العباد و ينافي قوله سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فلا بد بعد النبي صلي الله عليه و آله من وجود ائمة خلفاء له قائمين مقامه في كل قرن قرن مدي نبوته و رسالته و هو الي يوم القيمة فلاتخلو الارض من قائم لله بحجة مستحفظ لدينه حاكم بين عباده بحكمه بعد النبي صلي الله عليه و آله و لاتبقي الارض الا و فيها عالم يعرف الناس دينهم و احكامهم و لولاه لميتم حقيقة ادعاء نبوة النبي صلي الله عليه و آله و كان امره ناقصا مخترما و هذا هو ما اردنا اثباته و من انصف و تأمل في سيرة الناس و الدنيا لميبق له شك و لا ارتياب .
فصل - اعلم ان النبي صلي الله عليه و آله هو في الظاهر بشر مبعوث من عند الله سبحانه مصدق بالمعجز و ليس الصدق و النبوة و العصمة آية في جسد الانسان يعرف بها فلاجل ذلك ايده الله بالمعجز ليصدق به علي الله سبحانه و نبينا صلي الله عليه و آله مبعوث علي جميع اهل الدنيا الي يوم القيمة فما دام كان حيا كان يبلغ و يقيم الحجة علي من يبلغ اليه و يأتيه من الامم و يأتي بالمعجزات ما يقطع به الاعذار و ليس لنبي ان يأتي قوما و يدعي النبوة و يأتي بمعجز لرجلين منهم او ثلثة او ازيد او اقل مرة واحدة ثم كلما يطلب [ص 8] منه من اتاه جديدا يحوله علي اولئك النفر ليخبروه انه اتي بمعجز و يستشهدهم علي نفسه بانه اتي يوم جاء بمعجز و الرجل شاك في كفر هؤلاء الشهود و ايمانهم و مشاركتهم له في الحيلة او اغترارهم بحيلته و يعلم ان فنون العلم كثيرة و هؤلاء لميحيطوا بفنونه و يختلج بباله انه ربما اتي بحيلة بهرت عقولهم فظنوا انها معجزة كما نري من اتباع الصوفية يشهدون علي مرشديهم بالكرامات و المعجزات و الله يعلم انهم لكاذبون و لميروهم الا شعبذة محضة فلا بد و ان يكون النبي صلي الله عليه و آله قائما بمعجزه و براهينه دائما لئلايبقي لذي حجة حجة فلما ارتحل النبي صلي الله عليه و آله و هو مبعوث علي جميع الناس الي يوم القيمة أليس لا بد و ان يكون بعده احد قائم بحجته الي كل من يأتي دار الاسلام و يطلب منهم الحجة علي صدق دعويهم أيتم حجة الله بان يشهد عند الرجل نفر ممن يشك في كفرهم و ايمانهم و اغترارهم او اهتدائهم و كلما يسألهم عن البرهان علي صدقهم يقولون له نحن شهود علي صدق انفسنا فلا والله لايتم حجة الله علي الخلق بذلك الي يوم القيمة و ان قلت يحتج عليهم بالمتواترات الموجبة للقطع قلت ان اهل الاسلام من معرفة المتواتر في عويل الا بعض المتواترات النوعية و المعنوية فكيف بمن يدخل دار الاسلام جديدا و لايعرف احدا و لميتصفح المسلمين و لميعرف طبقات الاعصار و هذا الشرع باق الي يوم القيمة و لرب عصر يتم طبقات السند و الرواية الف طبقة فاني يمكن للداخل في دار الاسلام تصفح الاخبار في الف عصر حتي يعرف المتواتر و يؤمن بكم بسببه و الناس بعد نبيهم بيومين ضاع عنهم سيرته و اشتبه عليهم اكثر اخباره فكيف بالكافر الداخل في الاسلام بعد الف سنة و كذا [ص 9] لايقدر اهل الاسلام اذا علي قتال الكفار و فتح البلاد فانهم ان كانوا يدعونهم الي الاسلام بغير حجة فليس ذلك من العدل و ان ارادوا ان يلقوا اليهم الحجة فان كان العسكر يشهدون لهم و هم يريدون قتالهم و يقيمون عليهم الحجة بشهادتهم فما اوهن هذه الدعوة و هذه الحجة و ان كانوا يأمرونهم بمعرفة تواتر الاخبار و استفاضة الآثار فلا بد في كل دعوة من تدارس دورة اصول فيطول التشاجر اذا و لايبلغ المنتهي ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان دعوة النبي صلي الله عليه و آله ليست تتم و لاتقوم له الحجة علي الخلق الي يوم القيمة الا بحجة معصوم قادر علي المعجزات و خوارق العادات ليدعو الي الله كما كان يدعو النبي صلي الله عليه و آله و يقيم عليهم الحجة و يقاتلهم عليها و الا لميجز قتال احد من الكفار و لمينتشر الدين و لميكن علي احد ان يدخل في هذا الدين و قهر الناس علي التدين اكراه خارج عن العدل و ان قلت ان القرآن معجز و هو بيننا اقول ان جميع علماء الاسلام عجزوا عن فهم معني اعجاز القرآن فكيف بسائر الخلق و كل من بين فيه شيئا فقد تكلف كما مر هذا و القرآن عربي و جميع اعاجم العالم محرومون عن فهم الفاظه فضلا عن اعجازه كيف يحتج عليهم بالقرآن و ان قلت بشهادة العرب بالعجز قلت قد جاء المحذور الاول و يجب ان يذهب قوم الي الافرنج مثلا و يقولوا آمنا بنبينا فيقولوا باي حجة فيقولوا نحن بانفسنا شهود علي ان كتابه معجز من عند الله او يجب ان يجلوهم عن الافرنج و يأتوا بهم الي بلاد العرب و يبقوا حتي يتعلموا العربية و يفحصوا عن القرون و الاعصار حتي يفهموا انه لميأت بمثله احد في عصر فلو كان الامر كذلك لميقم لاسلامكم عمود و لميخضر له عود [ص 10] و لاانتشر له دعوة ، فتبين و ظهر لمن كان من اهل النظر انه لا بد و ان يكون بعد النبي صلي الله عليه و آله حجة في كل عصر مدي طول رسالته يقوم مقامه و يأتي بمعجزاته و لايكون احد كذا الا بعصمة و طهارة و علم و اتحاد طينة مع النبي صلي الله عليه و آله و الناس عن هذا الوجه من السر غافلون و من انكر ذلك لا بد و ان يحكم بالجور و وجوب اكراه الناس و سفك دمائهم بغير حجة و فيهم مسلمون للحق صالحون فيما هم عليه متعبدون مؤمنون فيما عرفوا من الحق او ينكر دعوة النبي صلي الله عليه و آله و بعثته علي الخلق اجمعين فانه لايتم له دعوة بغير ما ذكرنا و ذلك سر ليس عنه محيص .
فصل - و اما الحكم الباطنة علي لزوم وجود الحجة و الامام في كل عصر فلا نهاية لها و منها ما مر في باب النبوة و هي بعينها جارية في الوصاية و الامامة ايضا و نزيد هنا بذكر طرف منها فمنها ان الله سبحانه احدي الذات غيب مطلق لاتدركه الابصار حكيم قد خلق الخلق علي نهج الحكمة و الصواب و الترتب الحكمي حتي يدل علي وحدته سبحانه فكان اول ما خلق الله منه اشرفه و الطفه و ابسطه لانه ما وصف به نفسه لعباده و آيته و مثاله فهو كما اراد الله من خلقه ان يعرفوه به من الوحدة و البساطة و التجرد و التنزه و العلم و الحكمة و القدرة و امثال ذلك ثم الذي يليه في الرتبة لايعقل ان يكون في غاية الكثرة و التركيب و الكثافة و النقص و الجهل فيخالف الترتيب الحكمي و يختل به النظام و يلزم الطفرة و يبطل الدلالة فلا بد و ان يكون دوينه في جميع ما له من الوحدة و النزاهة و الحكمة و القدرة و غيرها و يكون برزخا بين الاول و الثالث يرتبط من حيث الاعلي بالاعلي و من حيث [ص 11] الاسفل بالاسفل و هكذا في كل درجة الي منتهي مراتب الخلق حتي يتصل الامداد و يتدارك الفيوض الكونية و الشرعية علي التدرج الحكمي الجاري في كل مشهود فلما كان النبي صلي الله عليه و آله اول الموجودات بدلالة الآيات و تواتر الروايات و اتفاق اهل الاسلام كان ابسط جميع الخلق و اوحدهم و اشدهم نزاهة و اعلمهم و احكمهم و اقدرهم و كان حقيقته علي ما اراد الله ان نصفه به كما مر ثم لا شك انه لايليه احد من رعيته الجهال العاجزين الذين عبدوا الاصنام دهورا و اكثرهم منافقون او جهلة غير معتنين بالدين و اكثرهم لايعقلون فلميكن احد منهم و هم علي ما وصفت ممن يليه في الرتبة و يخلفه في رعيته فان قال قائل بلي قد كان فيهم من يليه في الرتبة فهو بغيتي و انا في صدد اثبات ذلك و معرفته و ان قال لميكن فقد خالف ما اقتضاه الحكمة الالهية من التدرج في الخلق و عدم الطفرة فلا بد و ان يكون بين النبي الذي هو آية الله و بين هذه الرعية واسطة بل وسائط يأخذون عنه الامداد و الفيوض و يؤدون الي من دونهم من الخلق يرتبطون به من حيث الاعلي فيكونوا آية الرب الاعلي و يرتبطون بمن يليهم من حيث الاسفل فيصل اليهم جميع علم النبي و قدرته و حكمته و ما وصل اليه من الفيوض عن مشية الله سبحانه و هم يفرقون بين من يليهم من الخلق المتكثر فيعطون كل ذي حق حقه و يسوقون الي كل مخلوق رزقه و هذا المقام ليس لللئام و الطغام و انما هو حظ سادة الانام و نواميس الايام صلي الله عليهم في جميع الدهور و الاعوام و منها ان النبي صلي الله عليه و آله هو بمنزلة الروح في البدن الذي به حيوته و اول اذكاره و اعلي مراتبه الصادر من امر ربه المخبر عنه [ص 12] المؤدي الي البدن ما اراده الرب جل شأنه و اما الرعية فهم بمنزلة الاعضاء و مدينتهم بمنزلة البدن و لا شك ان الاعضاء و الجوارح لكثافتها و غلظتها لاتطلع علي ارادات الحيوة الغيبية و لاتسمع لندائها و لاتتأثر بحركتها لبعد المناسبة فقدر الله الحكيم العليم اعدل عضو بين الاعضاء و انسبها الي الروح الغيبي اللطيف و احكيها له و اطوعها فجعله القائم مقامه في الاداء في مملكة البدن و خليفته في رعيته و عيبة علمه و صندوق سره و يده الباطشة و عينه الناظرة و لسان صدقه الناطق و سيفه المسلول و هو القلب فجعله المطلع علي ارادات الروح و حركاته و سكونه المؤدي عنه اليها و المبلغ عنها اليه و مقسم فيضه و مفرق عطائه و هو اول من يتصل بالروح و آخر من ينقطع عنه و مفزع الاعضاء و مرجع الجوارح و قطب كرتها و مركز دائرتها فلولاه لمات جميع الاعضاء مع وجود الحيوة في عالمها و كل عضو اتصل به حيي و كل عضو انقطع عنه مات و جاف فمن اتصل به اتصل بالحيوة و من انقطع عنه انقطع عن الحيوة و من توجه اليه توجه الي الحيوة و من ادبر عنه ادبر عن الحيوة و كذلك نسبة النبي و الامام بلا كلام فان الامام من الرعية كما ان القلب من الاعضاء الا انه مركز دائرتها و قطب رحاها و مفزعها و مرجعها تتحرك به و تسكن و هو كرسي استيلاء النبي و موضع سره و علمه و الامام هو الذي يعي جميع اسرار النبي كما ان القلب يعي جميع اسرار الحيوة و اما الاعضاء فكل عضو ان وعي فقد يعي ما يناسبه و ليس له سلطان علي سائر الاعضاء و لا عنده ما تحتاج اليه الا القلب فانه يعلم جميع ما يحتاج اليه الاعضاء و ترجع اليه عند الاشتباه و جميع تصرفاتها باذنه و اما النبي فهو بمنزلة الروح الغيبي فان الروح جسم [ص 13] لطيف البس قالبا كثيفا فالروح ايضا من مراتب الجسم الا انه اعليها و اشرفها صدر من امر الله سبحانه كما ان النبي صلي الله عليه و آله من الخلق الا انه الطفه و اشرفه و اعلاه و الخلق كل واحد منهم ذو جهة واحدة فانهم الرعية التي لكل منها مقام معلوم و ليس له ذلك الاستيلاء و الهيمنة علي البواقي فان ظن ظان انه كان احد في الرعية متأدبا بآدابه متصلا به من جنسه فهو بغيتي و ان قال لا فقد انكر الحكمة الثابتة ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الرعية لايقدرون علي الانتفاع من النبي الا بواسطة الولي و هو القطب و المركز الحاوي لجميع اسرار النبوة دون غيره و يجب ان لايخلو الزمان من هذا القلب فان البدن الآتي لايتقوم بالقلب الماضي و لا بد لبدن الزمان دائما من قلب حي قائم بين ظهرانيهم و هو الامام الحجة من الله المؤدي عن روح الرسول الي اعضاء الرسالة استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و منها ان النبي صلي الله عليه و آله يبعث في القوم ليكون حكما عدلا من الله بينهم يحفظ عليهم مدينتهم و يؤلف بين شتاتهم و يقتص عن ظالميهم و يعين مظلوميهم و يعلمهم ما لايعلمون مما في علمهم به صلاحهم و في جهلهم به فسادهم و يأمرهم و ينهاهم لانه لايقوم بغير ذلك مدينتهم و لايعيشون الي منتهي اجلهم و هذا المقتضي منهم دائم دوام كينونتهم اذ هو لازم تكثرهم و تعددهم في مرتبتهم و لا بد و ان لايمنعهم الله الجواد الذي خلقهم كرما و جودا مقتضي ذلك المقتضي ابدا فانه مجيب لمن دعاه معط لمن سأله جودا و كرما فلا بد في الحكمة ان لايخلي الله الارض من النبي المبعوث من عنده الحكيم العليم العدل السلطان الحاكم بالقسط لان مقتضي بعثته دائم فيهم ما داموا في الدنيا [ص 14] و لما ان حكم الله علي النبي ان يكون بشرا من جنس ساير الناس بمقتضيات اخر يرد عليه ما يرد عليهم من التغيرات و العوارض و لا بد من ارتحاله من الدنيا مع وجود الالسنة الداعية الي الله المقتضية لدوام وجودهم حكم الله سبحانه في عجيب حكمته ان يرتحل الانبياء من الدنيا و يظهروا بصورة اخري من جنسهم و يقوموا بينهم بالقسط و يتقلبوا في الصور حتي يقضي الحقين و يجيب الدعوتين فاوجب في عجيب حكمته ان يأتي النبي و يقوم بينهم ايامه ثم يرتحل بمقتضي قابلية البشرية ثم يظهر بصورة بشرية اخري و يمتحنهم بها فما كان يجوز اتيان نبي بعد نبي لايبعد ان يكون الصورة الاخري صورة نبوة و اما اذا انقطع النبوة و بلغت الخاتم فلا بد و ان يتقلب في صور الخلفاء و الاوصياء و يظهر بصورهم و معني هذا التقلب و التصور ليس علي ما يزعمه اصحاب التناسخ بل المراد ان الله سبحانه في بديع حكمته خلق نفوسا زكية من نور واحد و روح واحد و طينة واحدة و اظهره اي ذلك النور في هياكل متعددة بشرية كما خلق جميع افراد الاناسي من نور الانسان ثم اظهر ذلك النور في هياكل الافراد فزيد انسان و عمرو انسان و بكر انسان و هكذا و ليس ذلك بتناسخ فاذا ظهر الانسان بصورة زيد و انقضي ايامه و ارتحل يظهر الانسان بصورة عمرو و ينطق من فيه فاذا ارتحل عمرو يظهر الانسان من صورة بكر و هكذا و كذلك النبي و الوصي كلاهما من نور واحد و حقيقة واحدة كلية يظهر بصورة النبي ما دام النبي في الدنيا فاذا ذهب النبي ظهر بصورة الوصي فهو نبي و النبي هو بلا تفاوت الا في الهيكل البشري الظاهري و كذلك الامر في الانبياء السالفين و انما ذلك لعدم التنافي و التنافر بينهم و اضمحلالهم [ص 15] في جنب الواحد الاحد و تلاشي جهة تمايزهم في جنب جهة وحدتهم و عملهم بمقتضاها لا بمقتضي تمايزهم فمن رأي واحدا منهم فقد رأي الآخر و كلما تطلب من واحد منهم يحصل لك من واحد آخر منهم فسر الاتحاد يتفاوت في مراتب الوجود علي حسب قربهم من الواحد و بعدهم عنه فهذا السر في المخلوق الاول اعظم و اعلي و في المخلوق الثاني دون ذلك بدرجة فلايبلغ اتحادهم مبلغ الخلق الاول و في الخلق الثالث دون الثاني بدرجة فلايبلغون في الاتحاد مبلغ الخلق الثاني و لكن اعاليهم لايخلون من اتحاد ما فانهم يحومون حول ربهم باجمعهم و ان كان بينهم تفاوت في السرعة و البطء فمن رأي واحدا من هؤلاء فكأنه رأي الآخر بادني تفاوت و يحصل من كل واحد ما يحصل من الآخر بادني تفاوت و اما ادانيهم فوجه الاتحاد فيهم ضعيف و وجه التمايز فيهم قوي و عملهم بمقتضاه اكثر فلاجل ذلك حصل بينهم الشقاق و التنافي و التنافر و التدافع و التنازع و احتاجوا الي وجود السابقين المتحدين الذين هم نظام كثرتهم و سمط تعددهم لايجتمعون الا بهم بالجملة اهل الوحدة هم المتحدون في النور المتعددون في الهياكل و اولي الخلق بذلك الخلق الاول فهم في مقام الوحدة بحيث تفوق وحدتهم اعلي مشاعر سائر الخلق فهم في اعلي درجات الوحدة الامكانية و لا تدافع بينهم و لا تنازع و لا تنافي و لا تنافر فكل واحد منهم كل واحد منهم بكل اعتبار نعم بينهم تفاوت في الهياكل التي مقتضياتها مضمحلة في جنب جهة وحدتهم فاذا ارتحل احدهم يقوم الآخر مقامه يقول بقوله و يعمل بعمله و يسير بسيرته و يحكم بحكمه بلا تفاوت يأتيك بكل ما كنت تريد من السابق حرفا بحرف فهذا معني اتحاد [ص 16] انوار الخلق الاول و ارواحهم و طينتهم مع ما يري من تعددهم فنحن اذا علمنا ان للخلق درجات و علمنا ان بعضهم اقرب من المبدء من بعض علمنا ان اعاليهم متحدون و هم نظام وجود المتكثرين المتعددين يجرون بهم مجري واحدا يأتلفون بهم و يرتبطون بهم و يتعاونون بهم و لولا ذلك النظام الواحد لتفرقوا ايدي سبا و هلكوا عن آخرهم فاقتضي قوابلهم المتكثرة من ربهم سمطا واحدا يسلكون فيه مسلكا واحدا و هو كما عرفت رجل من اهل الوحدة و المقربين فاذا ذهب ذلك السمط و اجاب داعيه لا بد و ان يقوم مقامه واحد آخر رباني وحداني بدل الواحد الاول ينتظمون بوجوده يكون هو هو السابق فانهم دائما يحتاجون الي مثل ذلك الواحد الاولي و لايعيشون الا به و هكذا فليس يخلي الله الارض من ذلك الواحد الذي اقتضاه قابليتهم و مستمرون علي ذلك الاقتضاء كما ليس يخلي بدنك من نظام روح وحداني ينتظم به اعضاؤك المتعددة و يجريها مجري واحدا و كلما تحلل منه شئ ابدله مثله ، ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها ، فمحال في الحكمة ان يخلي الله تعالي قدره ارضا او قرية من نظام ينتظمون به و الدليل علي وجوده في كل عصر بقاؤ العالم و نظام عيش بني آدم غاية الامر قد يدبر امرهم علانية و قد يدبره سرا و محال عادة خلو الزمان من ذلك النظام طرفة عين فاذا كان الامر كذلك فكيف يعقل ان يبعث خاتم الانبياء الذي لا نبي بعده ثم يرتحل و يخلي الله الزمان الي مائةالف سنة من نظام مع انه ارسل في سبعةآلاف سنة مائةالف نبي و اربعة و عشرينالفا و يترك الدنيا و الدين في ايدي المنافقين و الكافرين و الجاهلين و المنتحلين و يفسد امر الخلق اجمعين حتي يصبح الطالب للحق و لايدري [ص 17] من ايّ الي ايّ و لايميز بين الحق و الباطل و لايعرف سبيل الرحمن من سبيل الشيطان يجذب كل الي نفسه و يدفع عنها و لا واحد يدعو الي الواحد بكل جهة أيبقي بدن لاحق بحيوة سابقة أيسكن عطش لاحق بماء سابق أيري الشئ في ظلمات لاحقة بنور سابق اينتظم المتكثرون بمفرق مشتتٍ داعٍ الي شهوة نفسه جاذب اليها دائما و ايم الله لايشتبه امثال هذه الامور علي ذي مسكة و انما يهلك من يهلك عن بينة و لما كان امر الامامة في هذه الاعصار و الحمد لله اوضح من الشمس و ابين من الامس و ذاق المنكرون لها عاقبة امرهم و اعتبر المعتبرون من فساد امرهم لانحتاج الي تحقيق زائد لاسيما و بناؤ الكتاب علي تحقيق مشكلات الحكمة و يأتي ايضا مزيد تحقيقات يرفع الحجاب عن اعين الالباب ان شاء الله الوهاب .
فصل - نريد و لا قوة الا بالله ان نثبت مطلق الامامة و لزوم وجود حاكم بعد النبي صلي الله عليه و آله في كل عصر مثله في الصفات ماخلا النبوة من الكتاب المحض الذي فيه تبيان كل شئ و لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه فقد روي من لميعرف امرنا من القرآن لميتنكب الفتن ، فاعلم انا اذا تصفحنا الكتاب بعد ما رأينا عيانا في الآفاق وجدنا الله سبحانه اخبر باختلاف فرق الناس حيث قال انا خلقناكم من ذكر و انثي و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقيٰكم و قال و من آياته اختلاف السنتكم و الوانكم و قال و من الناس و الدواب و الانعام مختلف الوانه فالاختلاف في خَلقهم يؤدي الي الاختلاف في خُلقهم كما قال سبحانه و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و يؤدي الي التباغي [ص 18] و الظلم كما قال و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض بل يؤدي الي الاختلاف في المذهب و الكفر و الايمان و المقاتلة كما قال سبحانه و لو شاء الله مااقتتل الذين من بعدهم اي من بعد الرسل من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله مااقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد فلما كان هذا الاختلاف سبب بوارهم و هلاكهم نهاهم عن ذلك فقال و لاتكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و اولئك لهم عذاب عظيم ثم اخبر انهم يعصون و يختلفون كما قال و ليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون و الآيات الدالة علي اختلاف الامة و نفاق اكثرهم و ارتدادهم و انقلابهم ازيد من ان تحصي و كفي قوله سبحانه و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك فاذا جاء الاختلاف الدائم يحتاجون الي حاكم يحكم بينهم و يمنعهم عن التقاتل و التنازع و التباغي يأمرهم بالمعروف و ينهيهم عن المنكر و ذلك احد الاسباب الموجبة لوجود الحجج ظاهرا معروفا في الارض و يدل عليه قوله سبحانه يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق و خاطب نبيه و قال فاحكم بينهم بما انزل الله و لاتتبع اهواءهم عما جاءك من الحق و قال عموما كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و مااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و خاطب الحاكم بالحق و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم [ص 19] حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فلايؤمن الناس حتي يتحاكموا الي الحاكم الذي جعله الله حاكما و يسلموا لحكمه و نهيهم عن التحاكم الي اهل الجور و البغي فان الحاكم لرفع البغي فلو كان بنفسه باغيا كان ضرره مع استيلائه اعظم من نفعه فقال يريدون ان يتحاكموا الي الطاغوت و قد امروا ان يكفروا به و يريد الشيطان ان يضلّهم ضلالا بعيدا فوجب بحكم الكتاب التحاكم الي الحاكم الالهي و الاعراض عن اهل البغي و الجور فلا بد في الحكمة من وجود حكام عدل في الارض فوجدنا الله سبحانه اخبر بانه يكون فيهم قوم كذلك حريون بالحكومة فقال و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و اولئك هم المفلحون و ذلك انه امر صورة و جيء به لبيان وجوب كون الخلق كذا في الحكمة كما يقال لتكن العين في اعلي البدن لئلايسترها شئ و لتكن اليدان طويلتين للقبض و البسط اي لا بد و ان تكون كذا و لميخل بها في الحكمة فمعني و لتكن منكم امة اي لا بد و ان تكون امة فان حصول هذا الامر علي ما تعرف كوني لا شرعي تكليفي ثم اخبر الله عن تلك الامة ان اولئك هم المفلحون فحلي المفلحون بالالف و اللام ليبين انهم هم حقيقة المفلحين و كل المفلحين و ليس هنا مقام بيان ازيد من ذلك و يأتي ان شاء الله و لكن باثبات هذا الفلاح لهم اثبت عصمتهم لانا وجدناه يقول لايفلح الظالمون و لايفلح المجرمون و لايفلح الكافرون و قال أتقولون علي الله ما لاتعلمون ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون ، فاخبرنا ان جميع الظالمين و المجرمين و الكافرين و المفترين علي الله غير مفلحين و اخبرنا علي الاطلاق ان تلك الامة هم المفلحون فعرفنا انهم [ص 20] لا مجرمون و لا ظالمون و لا كافرون و لا مفترون علي الله و من لايجرم و لايظلم فهو معصوم ثم اخبرنا بعد آي انهم موجودون لميخل بوجودهم في الايجاد الجاري علي نظم الحكمة فقال و ممن خلقنا امة يهدون بالحق و به يعدلون فان وجودهم مما به نظام الخلق و عمادهم و بعدمهم فسادهم ثم فضلهم و شرفهم بالخطاب المستطاب فقال كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله و لو آمن اهل الكتاب يعني بكم لكان خيرا لهم منهم المؤمنون و اكثرهم الكافرون و لا شك ان المخاطب هنا بعض الامة فان كلهم لميكونوا كذا اجماعا و هم اخرجوا لمنفعة الناس فهم غير عامة الناس ثم اخبر في هذه الآية انهم افضل من جميع الانبياء و المرسلين و اولي العزم المقربين فان في الآية تصريحا بانه اخرج في الدنيا امم لمنفعة الناس و تلك الامم في كل عصر غير الناس و اخرجت صفة الامة اذ خرجوا لمنفعة الناس و هذه الامة خير امة كانوا كذا و الانبياء و المرسلون هم ايضا امم اخرجت للناس ألمتسمع ان ابرهيم كان امة قانتا لله و قد نص الله سبحانه ان هذه الامة خير امة جاءت في الدنيا لمنفعة الناس و النكرة الموصوفة عامة في جهة الوصف بالبداهة و مما قام الاجماع عليه ان جميع هذه الامة لميكونوا اشرف من جميع الانبياء و المرسلين فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان في هذه الامة اي امة خاتم النبيين صلوات الله عليه و آله رجالا يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر غير مجرمين و لا ظالمين و لا مفترين علي الله و لا كافرين و هم افضل من جميع الخلق حتي الانبياء و المرسلين فانهم ان صاروا خيرا من الانبياء فهم خير من ساير الناس [ص 21] الذين اخرج الانبياء لمنفعتهم و هدايتهم بالبداهة قال سبحانه ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين فهذه الامة افضل العالمين بنص القرآن فلما امرهم فاطاعوا و دعاهم الي ما دعاهم فاجابوا و علم بما نص عليه من فلاحهم و عدم افترائهم علي الله و دعائهم الي الخير و امرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر انهم علماء معصومون صادقون اوجب الله الكون معهم حيث كانوا فقال اتقوا الله و كونوا مع الصادقين فمن دار معهم دار مع الحق و قال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم اي الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعاء الي الخير فانه لميبق امر الا و قد اندرج في هذه الجملة و نفس هذه الآية تدل علي عصمة اولي الامر و طهارتهم و بانضمام آي اخر فان الله سبحانه يقول ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون فعلمنا ان الله سبحانه لايأمر بطاعة الجبت و الطاغوت و يقول فيهما يريدون ان يتحاكموا الي الطاغوت و قد امروا ان يكفروا به و لا بطاعة ظالم و هو يقول و لاتركنوا الي الذين ظلموا و لا بطاعة مكذب لامر الله سبحانه و امر رسوله و هو يقول لاتطع المكذبين و لا بطاعة الكافرين و المنافقين و هو يقول لاتطع الكافرين و المنافقين و لا بطاعة مسرف مفسد و هو يقول و لاتطيعوا امر المسرفين الذين يفسدون في الارض و لايصلحون و لا بطاعة آثم و كفور بنعمة الله و هو يقول لاتطع منهم آثما او كفورا و لا بغافل عن ذكر الله متبع هواه مجاوز حدود الله و هو يقول و لاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا فلما امرنا بطاعة اولي الامر علي الاطلاق عرفنا [ص 22] انهم عدول في الحكم و في اعمالهم و افعالهم و اقوالهم و اخلاقهم مصدقون امر الله مؤمنون صادقون محافظون حدود الله مصلحون في الارض معصومون شاكرون لانعم الله ذاكرون لله آناء الليل و اطراف النهار متبعون مولاهم مخالفون هواهم كل ذلك علي حسب النصوص القرآنية المحكمة و من كان هكذا هو المعصوم المطاع الذي يقرن طاعته علي الاطلاق بطاعة رسول الله صلي الله عليه و آله و بطاعة الله فلو علم الله انهم ليسوا كذلك لنهي عن طاعتهم كما نهي في غير محل و وجدناه ثم حث بالرجوع اليهم و استنباط العلم منهم حيث قال و لو ردّوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فوجب الرجوع الي هؤلاء و الكون معهم بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و الرجوع اليهم و الحايد عنهم حائد الي النار فماذا بعد الحق الا الضلال فمن حاد عمن امر الله بطاعته علي الاطلاق فقد عصي الله و اطاع من نهي الله الخلق عن طاعته كما سمعت ثم اردنا ان نعرف ان وجود هؤلاء الحكام كان او يكون في عصر واحد او يجب ان يكون في كل عصر بحيث لايخلو الارض من وجودهم تتبعنا في الكتاب وجدنا الله سبحانه وصف البرآء من الظلم المعصومين بالشهادة علي الخلق و الاطلاع علي خلق السموات و الارض و الناس حيث يقول بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا حيث نفي الاشهاد عن الظالمين و الاعتضاد عن المضلين و يدل بمفهوم الوصف انه اشهد العادلين بقول مطلق خلقها و اعتضد بالهادين فظهر بهذه الآية ان المعصوم شاهد الله في السماوات و الارض و النفوس و صرح بالمنطوق في آية اخري و قال و الذين آمنوا بالله [ص 23] و رسوله اولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم لهم اجرهم و نورهم و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم و هذا الايمان الذي يوجب مقام الصديقين و الشهداء فوق ساير درجات الايمان بل هو اعلي درجات الايمان و هو ايمان المعصوم و هو ايمان لايشوبه ظلم كما قال سبحانه الذين آمنوا و لميلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن و هم مهتدون و قد عرف بنص منطوق الآية السابقة ان الظالم لايكون شاهدا فبقي المؤمن بالله و رسوله الذي لميلبس ايمانه بظلم و هو المعصوم فتبين ان المعصوم هو الشاهد علي خلق السموات و الارض و خلق الاشياء علي الاطلاق فوجدناه يقول فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و قال و يوم نبعث من كل امة شهيدا ثم لايؤذن للذين كفروا و لا هم يستعتبون و قال و يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيدا علي هؤلاء فاثبت لكل امة شهيدا اما الشهيد فهو المعصوم الحي لقوله سبحانه حكاية عن عيسي و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم و انت علي كل شئ شهيد و اما الامة فتطلق علي الواحد فما فوقه كقوله سبحانه ان ابرهيم كان امة قانتا و قال في اهل السفينة و هم ثمانون و علي امم ممن معك و قال في بنياسرائيل و من قوم موسي امة يهدون بالحق و به يعدلون و قال و قطعناهم في الارض امما فكل من يصدق عليه الامة لا بد و ان يكون عليه شهيد معصوم حي و هو الامام المتبع و لذلك قال يوم ندعو كل اناس بامامهم و قال انما انت منذر و لكل قوم هاد ، فتبين مصداق قول النبي صلي الله عليه و آله المجمع عليه من مات و لميعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ، ثم اردنا ان نعرف [ص 24] ان هذا الشخص يكون باختيار الناس ام باختيار الله جل جلاله فوجدناه يقول و يحاكم خلقه أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله انيتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون ان ربك هو اعلم من يضل عن سبيله و هو اعلم بالمهتدين و قال و ربك يخلق ما يشاء و يختار ماكان لهم الخيرة و يقول لنبيه لاتعلمهم نحن نعلمهم ففي كل زمان امام حي شاهد من الله سبحانه آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر داع الي الخير هاد للخلق و هو ولي الامر بعد الرسول صلي الله عليه و آله مفترض الطاعة بنص اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم يجب الكون معه بنص كونوا مع الصادقين و هو افضل من جميع الانبياء و المرسلين معصوم مطهر من عند رب العالمين شاهد علي خلق السموات و الارضين و خلق الانفس اجمعين و هذا ما اردنا ايراده هنا هكذا يكون في كتاب الله تبيان كل شئ و هكذا ينبغي ان يستخرج قد من الله بساداتنا سلام الله عليهم علينا و بنا علي الناس و لكن اكثر الناس لايشكرون و يأتي تعيين اشخاصهم ان شاء الله في محله فترقب .
المقصد الثاني - في اثبات الامامة الخاصة و ما يناسب ذلك و فيه فصول :
فصل - و لنقدم هنا اثبات الامامة الخاصة من الكتاب المستطاب ليكون متصلا بما قبله في المقصد السابق لان ما ذكرنا هناك مقدمة ما نذكره هنا ، اعلم انك بعد ما عرفت في المقصد السابق انه يجب ان يكون في كل عصر بعد النبي صلي الله عليه و آله حجة من الله معصوم يحكم بين العباد يأمر [ص 25] بالمعروف و ينهي عن المنكر و يدعو الي الخير و يكون اشرف من جميع الانبياء و المرسلين و افضل كما بينا اردنا ان نعرف انهم في ايّ صنف من الناس فراجعنا الكتاب المستطاب وجدنا الله سبحانه قال و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيٰكم و ماجعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابرهيم هو سمّيٰكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس فاقيموا الصلوة و آتوا الزكوة و اعتصموا بالله هو موليٰكم فنعم المولي و نعم النصير فرأيناه خاطب قوما و كلفهم بامر عظيم هو بالاجماع مخالف لتكليف عامة الخلق و هو و جاهدوا في الله حق جهاده فان احدا من الرعية لايقدر ان يقوم بحق جهاده و عبادته و تقاته و لذلك قالوا في قوله و اتقوا الله حق تقاته انه منسوخ بقوله فاتقوا الله ما استطعتم و ذلك لقيام الاجماع علي ان الله لايكلف نفسا الا وسعها فهذا التكليف و الذي في قوله فاتقوا الله حق تقاته لقوم يقدرون علي ان يقوموا بحق جهاد الله و تقاته و هو المعصوم المطهر الذي لايصدر عنه ترك الاولي فانه يقوم بحق ما يحب الله و يرضي و يريده من عباده بل لولا معصوم في خلق الله يعلم الله انه يطيعه في جميع الامور الكلية و الجزئية و القولية و العملية و النفسية لكان التكليف بكلها و هو يعلم ان الخلق لايستطيعونه لغوا و تعالي الله عن ذلك فارادة جميع التكاليف من الخلق دليل وجود معصوم فيهم يعمل بكلها البتة ثم وجدناه يقول هو اجتبيٰكم فالمخاطبون بالخطاب هم قوم مجتبون و وجدنا الاجتباء في القرآن مخصوصا بالانبياء كما قال ثم اجتبيٰه ربه فتاب عليه و هدي و قال بعد ان ذكر الانبياء اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح و من ذرية [ص 26] ابرهيم و اسرائيل و ممن هدينا و اجتبينا اذا تتلي عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّدا و بكيّا قوله من النبيين بيان الذين و هم الذين مضي ذكرهم و من ذرية آدم صفة النبيين و ممن حملنا مع نوح عطف علي آدم و صفة بعد صفة تكريمية فان من هو من ذرية من في السفينة هو من ذرية آدم و كذا من ذرية ابرهيم و اسرائيل و قوله ممن هدينا و اجتبينا عطف علي النبيين كما هو ظاهر و كذلك في قوله و وهبنا له اسحق و يعقوب كلا هدينا و نوحا هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان و ايوب و يوسف و موسي و هٰرون و كذلك نجزي المحسنين و زكريا و يحيي و عيسي و الياس كل من الصالحين و اسمعيل و اليسع و يونس و لوطا و كلا فضلنا علي العالمين و من آبائهم و ذرياتهم و اخوانهم و اجتبيناهم و هديناهم الي صراط مستقيم و قوله و من آبائهم عطف علي اسحق اي وهبنا لابرهيم ما ذكر و بعض آباء من ذكر و بعض ذرياتهم و بعض اخوانهم الذين كانوا في عداد الانبياء فانه لميذكر جميع الانبياء بالبداهة و لميقل جميع آبائهم و جميع ذرياتهم و قال في صاحب الحوت فاجتبيٰه ربه فجعله من الصالحين و قال و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء و قال ليوسف يجتبيك ربك بالجملة المخاطبون في الآية الاولي هم المجتبون و في عداد الانبياء كما ذكر اجتباءه لهم و ليس كل هذه الامة مجتبين مصطفين بالبداهة و فيهم الظلمة و الفسقة الفجرة و المنافقون و الملاحدة فهم قوم مخصوصون يقدرون علي ان يقوموا بحق جهاد الله و الا لماكلفهم و اجتبيهم الله كما اجتبي الانبياء ثم قال ملّة ابيكم ابرهيم فصرح بان المجتبين من ذرية ابرهيم فوجدناه وافق قوله ان الله [ص 27] اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين فكما جعل آل ابرهيم مصطفين هنا جعلهم مجتبين في تلك الآية و لا شك ان جميع امة محمد صلي الله عليه و آله ليسوا بذرية ابرهيم و اما العرب و ان كانوا من ذرية اسمعيل عليه السلام الا ان كلهم ليسوا مجتبين و اشباه الانبياء و لايجتبي الله كل ظالم منافق بل هم قوم خاص من العرب كما يأتي فتبين ان المخاطبين من العرب ثم قال هو اي الله سمّيٰكم المسلمين من قبل اي في الكتب السالفة و في هذا اي في هذا الكتاب فهم المسمون بالمسلمين بتسمية الله المخصوصون بهذا الاسم و هذا الاسلام هو الاسلام الخاص لا العام فان العام يطلق علي من لميؤمن ايضا كما قال قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبكم و اما الاسلام الخاص فهو العصمة كما قال سبحانه أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون فكل مجرم غير مسلم فكل مسلم معصوم عن الجرم و لولا هذا لميكن امتنان في هذه التسمية و لميوافق الاجتباء و لذلك قال النبي المعصوم صلي الله عليه و آله بتعليم الله قل انني هداني ربي الي صراط مستقيم دينا قيما ملّة ابرهيم حنيفا و ماكان من المشركين قل ان صلوتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و انا اول المسلمين اي اول الانبياء المعصومين و قال سبحانه تعظيما له اني امرت ان اعبد الله مخلصا و امرت لان اكون اول المسلمين فبنصوص هذه الآيات رسول الله صلي الله عليه و آله رئيس المسلمين غير المجرمين الذين سموا من قبل و في هذا بالمسلمين و غيرهم من الانبياء و وجدنا الانبياء ايضا امروا بذلك و حرصوا لان يكونوا منهم كما قال نوح امرت ان اكون من المسلمين و قال ابرهيم [ص 28] و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا امة مسلمة لك و هذه الامة المسلمة من ذرية ابرهيم و اسمعيل هم خير امة اخرجت للناس و هم المخاطبون بقوله هو سمّيٰكم المسلمين من قبل و في هذا و قال في ابرهيم اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين و قال في لوط فماوجدنا فيها غير بيت من المسلمين و قال في التورية يحكم بها النبيّون الذين اسلموا للذين هادوا ، بالجملة هذا الاسلام غير الاسلام العام و هو اسلام خاص مخصوص بالانبياء لانه مرادف للعصمة و به من علي آل ابرهيم ثم مدحهم في اخري و قال من احسن قولا ممن دعا الي الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين ثم قال تعالي ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس هذا التعليل يرجع الي قوله هو اجتبيكم او الي قوله جاهدوا و كلاهما واقعان فان بجهادهم و باجتباء الله اياهم بلغوا هذا المبلغ ليكون الرسول شهيدا عليكم لانه اول من اجتبيه الله و اول المسلمين و اكرم المجاهدين و تكونوا شهداء علي الناس فهم غير سائر الناس و هم شهداء الله علي الناس و قد مر ان الشاهد لا بد و ان يكون حيا مشاهدا معصوما مطهرا فان الله لميقبل في صاع تمر شهادة غير العادل المرضي كيف يجعل كل فاسق من العرب شاهدا علي الناس هذا و يقول تعالي شأنه و ليعلم الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء و لميقل و يتخذكم او يتخذ كلكم شهداء بل اراد البعض و رأيناه يعظم القيمة بهم فيقول يوم يقوم الاشهاد فشهود الله علي خلقه لايكونون ظالمين مجرمين غير معصومين كما مر في الآيات السابقة آنفا فظهر من هذه الآية ان الحجج الشهود و الائمة الدعاة الذين اخبر الله عنهم و اوجب وجودهم في كل عصر هم من آل ابرهيم و هم معصومون مطهرون [ص 29] حكام الله في ارضه علماء بالدين و الكتاب فرأينا الله سبحانه نص به في آية اخري فقال ام يحسدون الناس علي ما آتيٰهم الله من فضله فقد آتينا آل ابرهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما فآل ابرهيم الذين آتيهم الله الكتاب و الحكمة و الملك هم المخاطبون بقوله ملّة ابيكم ابرهيم و لاينافي هذا التفسير ما روي انا نحن الناس المحسودون ، فكأنه قال انهم يسلمون تلك الفضيلة في آل ابرهيم كلية و هؤلاء من آل ابرهيم بالاجماع فما بالهم ينكرون تلك الفضيلة في حقهم فاما الكتاب الذي آتيهم الله فهو القرآن لقوله سبحانه و الذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه ان الله بعباده لخبير بصير ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا و قد مر انه قال ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران فالقرآن بعد النبي صلي الله عليه و آله اورثه الله آل ابرهيم و كذلك قال مؤيدا لذلك و لقد ارسلنا نوحا و ابرهيم و جعلنا في ذريتهما النبوّة و الكتاب فمنهم مهتد و كثير منهم فاسقون فورث الكتاب المهتدون من الذرية و هم ذرية ابرهيم و اما الحكمة فهي من دعاء ابرهيم حيث قال ربنا و اجعلنا مسلمين لك اي انا و اسمعيل و من ذريتنا امة مسلمة لك و هم بعض الذرية غير المجرمين المعصومين كما مر و ارنا مناسكنا و تب علينا انك انت التواب الرحيم ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم فالرسول كان منهم لقوله من اتبعني فانه مني و الذرية الطاهرة هم الامة المسلمة و هم التابعون يقينا للنبي صلي الله عليه و آله و هم منه يقينا و قال الله سبحانه بعد آية المصطفين ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم ، يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكّيهم انك انت العزيز الحكيم فالنبي صلي الله عليه و آله [ص 30] علمهم الكتاب و الحكمة و زكيهم و هم ورثوه و عليهم يصدق يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و مايذكر الا اولوا الالباب و اما الملك العظيم فهو قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و اي ملك اعظم من الطاعة المفروضة علي جميع اهل الارض بالجملة اختص الامامة و الحجية و وراثة الكتاب و الحكمة و الملك و الولاية و الحكومة بآل ابرهيم المعصومين من هذه الامة لاسيما و قد سمعنا الله سبحانه يقول قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين فاستثني الله من ذريته الظالمين و اثبت عهد الامامة لجميع المعصومين العادلين من ذريته و هم اصحاب الشهادة كما عرفت فثبتت الامامة في ذرية ابرهيم عليه السلام في معصوميهم و عدولهم الي يوم القيمة من غير مخصص و وجدنا الله يقول في بنياسرائيل و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون فثبت ان في بنياسرائيل ائمة يهدون بامر الله و قال تعالي سنة الله التي قد خلت من قبل و لنتجد لسنة الله تبديلا و لنتجد لسنة الله تحويلا ، فتبين ان في هذه الامة ايضا ائمة يهدون بامر الله و حكمه لا باجماع الناس و اختيارهم و هم في آل ابرهيم لما عرفت و هم معصومون مطهرون و احق ان يتبعوا من كل الامة لقول الله تعالي أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي فهم المأمور بطاعتهم و اتباعهم من عند الله و هم اصحاب الصبر و اليقين لما عرفت و هم في كل عصر واحد بعد واحد شهود علي الخلق كما عرفت ،