فصل - اعلم ان الله سبحانه غني عما سواه و ليس في ذاته مناسبة بشئ و ميل الي شئ و مقتضٍ لشئ فبذلك لميجر مشيته الا علي حسب القوابل الامكانية و الاستعدادات الخلقية و لميعط احدا الا علي حسب سؤاله و علي مقدار استعداده في حدود قابليته فلاجل ذلك اعطي كل شئ ما سأله بلسان قابليته في حد انيته فبذلك لايتجاوز شئ مبدء كينونته و حيث لا ذكر له و لا قابلية هناك قريبة الي الفعلية مستعدة لها و الا فكل شئ بالقابلية المطلقة الامكانية صالح لكل شئ و لا رجحان فيها لشئ دون شئ و الله سبحانه ليس ذاته رجحان شئ و لا فعله و ارادته فان الارادة من غير مرجح من نفس الشئ هو الترجيح بلا مرجح لا غير فلا بد و ان يكون للقوابل رجحان من نفسها لشئ خاص دون آخر و ان كانت مساوقة لوجودها كما حققناه في محله فعلي ذلك ليس يمكن في العادة الخلقية الجارية علي ترجح نفس الاشياء ان يترقي الجسم عن جسمانيته فوق عرصة الاجسام و يلحق عالم المثال فيكون جسما في عالم المثال او مثالا و لايترقي المثال الي المادة و هكذا [ص 287] فلكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و كذلك لميجر عادة الايجاد الاختياري بصعود التراب الي عرصة الافلاك و هو تراب اللهم الا ان يستحيل فلكا و يصفي و يعدل و يلقي عنه قشوره و ارمدته غير اللايقة فيكون بلطافة الفلك ثم يصعد الي عرصة الافلاك و الا فما دام التراب ترابا ليس يصعد الي الافلاك بل و الي كرة النار فانه يذاب و يحترق و لايبقي كينونته و كذلك لايصعد الماء و هو ماء الي كرة النار فانه يجف و يستحيل نارا فكيف بالصعود الي الافلاك فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام رفع عيسي بن مريم بمدرعة صوف من غزل مريم و من نسج مريم و خياطة مريم فلما انتهي الي السماء نودي يا عيسي الق عنك زينة الدنيا انتهي ، فتبصر و اعتبر نعم لما كان الاجسام كلها في رتبة واحدة يمكن استحالة كل الي كل بالقوة القريبة و يستحيل كما حقق في الفلسفة و اما الداني علي ما هو عليه فلايصعد الي رتبة العالي الا قسرا كالحجر المحلق مثلا و اما بالطبع فلا فان له حيزا مضروبا له بحكمة الحكيم المدبر المجري حكمته علي الاختيار و لكن الجسم لو لطف مدي الدهور ليس يستحيل مثالا و لايتجاوز رتبته ابدا اللهم الا ان يرد الي الامكان ثم يصاغ مثالا و الله قادر علي ذلك و لكن لميجر عادة الله سبحانه علي رد الاكوان الي الامكان و اعدامها و كذا المثال لو لطف مدي الاعصار لايستحيل مادة و كذا المادة لاتستحيل طبيعة و لا الطبيعة نفسا و لا النفس روحا و لا الروح عقلا و لا العقل فؤادا و لا الخلق امرا نعم كل واحد يترقي و يتلطف و يتصفي الي ما لا نهاية له و هو هو و يزداد شفافته و حكايته لما وراءه و تناسبه له و ذلك سير لا غاية له و لا نهاية .
[ص 288] فصل - اعلم انه لايتركب شئ واحد حقيقي من شيئين مستقلين قبل التركيب فوحدة المركب من شيئين مستقلين وحدة شخصية ايتلافية ظاهرية و التركيب من شيئين مستقلين قبل التركيب تركيب عرضي يعود الي الفناء البتة فان الاجزاء قبل التركيب عباد لله سبحانه و امم امثالكم لهم شرع و دين و ثواب و عقاب مخصوصة بهم مجزيون باعمالهم عائدون الي مباديهم واقفون في محشر لهم خاص بهم و ان هم الا كجماعة من الاناسي التموا في مجلس و تجاوروا ثم تفرقوا و ذهبوا الي بيوتهم فالوحدة الايتلافية الحاصلة من اجتماعهم المسماة باللمة و الجماعة و الثلة وحدة عرضية لهم حكم الوحدة العرضية ما داموا مجتمعين و اذا تفرقوا عادوا الي ما كانوا فيه قبل الاقتران فالجمادات المستقلة قبل التركيب و النباتات الملتمة المستقلة قبل الالتيام و الحيوانات المستقلة اذا التمت لها احكام مستقلة خاصة بهم و اذا التمت و تركبت لها حكم الوحدة العرضية و الاسم الواحد العرضي ما دامت مؤتلفة فاذا تفككت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة كما نص عليه علي عليه السلام في حديث الاعرابي فان هي الا كبيت من مدر بنيته او اعواد و اخشاب ركبتها ثم سكنته برهة من الدهر ثم خرجت عنه و تركته حتي خرب و عاد الي الاتربة و بلي او كمدرعة لبستها ثم نزعتها و تركتها حتي بليت و عادت الي التراب فلمتكن منك و لا اليك و اما انت فواحد حقيقي خلقت للبقاء لا للفناء و انما تنتقل من دار الي دار و تعود عود مجاورة لا عود ممازجة فالانسان الذي هو رب البيت و المدرعة وحدته وحدة حقيقية مجزي بعمله جزاءا واحدا بمقتضي عمله الصادر عنه بوحدته العائد اليه بوحدته و اما الاتربة [ص 289] و الاحجار و الاعواد و الاصواف فانما هي ايضا عباد مجزيون باعمالهم الصادرة عن كل واحد فجزاء كل واحد لازم عمله اللازم له بخصوصه و لاتزر وازرة وزر اخري و هذا ما اردنا ايراده في هذا الفصل و نحن نذكر الحكمة متفرقة و عليك بالجمع و التأليف و استخراج النتايج عنها ان كتب لك .
فصل - اعلم ان الذي اصل كينونته الذاتية في عالم العقول هو في جميع العوالم لايسكن الا في ابدان تكون في اللطافة كعقول تلك العوالم فان تلك الابدان هي المناسبة لحكايته و الشافة عنه و المستعدة لتحمل اعبائه و الذي اصل كينونته الذاتية في عالم الارواح هو في جميع العوالم يتخذ ابدانا من رتبة ارواح تلك العوالم و كذلك التي ذاتيته من عالم النفوس يتخذ ابدانا نفسانية و هكذا و انما ذلك للزوم المناسبة بين الظاهر و الباطن و العبودية و الربوبية فالنبي الذي كينونته الذاتية اول ما خلق الله سبحانه بتواتر الاخبار و اجماع المسلمين اذا نزل في المراتب الدانية يتخذ لنفسه فيها ابدانا هي في اللطافة و الشرافة كعقول تلك المراتب و هي الابدان الاصلية له فيها فالبدن الاصلي له في كل مرتبة ما يساوق عرشه فان العرش في كل عالم عقل ذلك العالم و اول ما خلق الله من ذلك العالم و مستوي الرحمن منه فالبدن الذي ينبغي له هو بدن يكون في اللطافة و الرقة و الشفافة و الاستعلاء كعرش تلك الرتبة كما روي قلب المؤمن عرش الرحمن ، فالعرش الاعظم هو قلب المؤمن الاعظم و العرش الكلي هو قلب المؤمن الكلي و المؤمن الكلي الاعظم في كل رتبة هو رسول الله صلي الله عليه و آله بالضرورة و هو القلب الذي روي فيه في القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب [ص 290] عبدي المؤمن ، ثم لما اقتضي الحكمة ان ينزل من مقام العرش الي رتبة العناصر للايصال اليهم اتخذ لنفسه ثانيا و بالعرض بدنا عنصريا تأليفيا عرضيا يلبسه اذا شاء و يخلعه اذا شاء ليظهر للناس الترابيين علي حسبهم كما كان يظهر جبرئيل بصورة دحية الكلبي في عصر النبي صلي الله عليه و آله و بصورة الاعرابي في عصر علي عليه السلام و قد قال علي عليه السلام الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي فهو ملكي الذات الهي الصفات زايد الحسنات عالم بالمغيبات الخبر ، فهم عليهم السلام في مقام القطبية في كل عالم مساوقون لعرش ذلك العالم في الدرجة و الرتبة و لكن العرش طرف من اطراف الوجود و هم مظهر جميع صفات المعبود و لذا روي ان الامام يعطي التصرف علي الاطلاق و انه النور الاول و الكلمة العلياء و التسمية البيضاء و الوحدانية الكبري و امره بين الكاف و النون لا بل هم الكاف و النون الخبر ، فهم في الاصل سماويون بل عرشيون و في الجامعة فجعلكم بعرشه محدقين حتي من علينا بكم و جعلكم في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه ، و تلك البيوت تلك الابدان العنصرية و كانوا قبل ان ينزلوا الي هذه العناصر محدقين بعرش الله جل جلاله يطوفون حوله و سيعودون اليه بعد ما خلعوا عنهم اقمصة الابدان كما روي ما معناه ان الامام يبقي في قبره ثلثة ايام ثم يصعد الي العرش و لولا انهم في الرقة و اللطافة و الروحانية كانوا مساوقين للعرش لميكونوا محدقين به في سوالف الزمان عائدين اليه في خوالفه ففي البصاير بسنده عن عبدالرحمن بن كثير عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل خلق محمدا و عترته عليه و عليهم السلام [ص 291] و شيعته من طينة العرش فلاينقص منهم واحد و لايزيد فيهم واحد انتهي ، و اما الشيعة و ان كانوا من طينة العرش و لكنهم من نضحها فهم العرش الاسفل و يدل علي ذلك ما رواه عن بشر بن ابيعقبة عن ابيجعفر و ابيعبدالله عليهما السلام قال ان الله خلق محمدا من طينة من جوهرة تحت العرش و انه كان لطينته نضح فجبل طينة اميرالمؤمنين عليه السلام من نضح طينة رسول الله صلي الله عليه و آله و كان لطينة اميرالمؤمنين عليه السلام نضح فجبل طينتنا من فضل ( نضح خل ) طينة اميرالمؤمنين عليه السلام و كان لطينتنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا فقلوبهم تحن الينا و قلوبنا تعطف عليهم تعطف الوالد علي الولد و نحن خير لهم و هم خير لنا و رسول الله صلي الله عليه و آله لنا خير و نحن له خير ، الي غير ذلك من الاخبار هم بالجملة اصل ابدانهم من طينة العرش بحيث لولا الباعث علي النزول لكان حيز ابدانهم حيز العرش و انما نزلوا لباعث الابلاغ و الايصال فاذا زال الباعث او حصل مانع لميكن لهم حاجة الي هذه الاعراض كما لميكن يستقر جبرئيل في الارض في بدن كالاعرابي اذا زال الباعث من اظهار علم علي عليه السلام بل اذا تكرر البواعث للظهور و الموانع عنه يتكرر ظهورهم في الدنيا كما ظهر علي عليه السلام بعد موته و ظهر الائمة عليهم السلام في اطراف الارض عند اظهار المعجزات و قال علي عليه السلام انا الذي اقتل مرتين و احيي مرتين و لي الكرة بعد الكرة ، بل اذا حصل الباعث يظهر في آن واحد في امكنة متعددة بصور متعددة فان اصل ابدانهم عرشي و هذه الصور البشرية لهم كمرايا موضوعة تحت الشمس و العجب [ص 292] ممن يقر ان اصل الملك جسم لطيف و يقدر ان يتشكل باشكال مختلفة و الجن جسم لطيف و يتشكل باشكال مختلفة و اجسام غليظة فيرون و هم هم لايمنع تغلظهم عن صدق الاسم و لايسلم لهم انهم اصل ابدانهم سماوي عرشي و انما ظهروا بصورة البشر للايصال و الابلاغ و ظهروا للحكمة بصورة الوليد و الرضيع و الطفل و البالغ و الشاب و الكهل و غير ذلك قال الله سبحانه و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون بالجملة اذا اقتضت الحكمة يوما ما ترك الايصال او الظهور او ارادوا التوجه الي مبدئهم و خلعوا الاعراض و نفروا عن دار الامراض تخلصوا الي ما لهم بالاصالة و مع ذلك لميخرجوا عن الجسمانية و لميخلعوا عنهم اللباس الجسمانية و صعدوا به الي حيزه و هو الطف من جميع الاجسام و ارق و اشف المتسمع ان النبي صلي الله عليه و آله لميكن له ظل و كان يري من خلفه كما كان يري من امامه و انه ليس يري له مدفوع و سئل عن ذلك فقال صلي الله عليه و آله ان ابداننا في الدنيا كابدان اهل الجنة في الجنة و كانوا يسيرون المشرق و المغرب في آن واحد و لايبقون في قبورهم اكثر من ثلثة ايام و ان سيدالشهداء في العرش ينظر الي زواره الي غير ذلك من الاخبار المتواترة معني الدالة علي ان ابدانهم سماوية لاينكرها الا جاحد لفضلهم و مقامهم و ان كل ذلك الا ان اصل ابدانهم عرشي و لحقهم اعراض لا عبرة بها كلون و غلظة و كثافة يمكن رؤيتهم بسببها و احساسهم بالحواس الظاهرة ارادة الايصال و الابلاغ فاذا زال الباعث عادوا الي حيزهم بلا كلفة و قسر بل القسر في نزولهم و ترائيهم لاجل الباعث قال الله سبحانه و انزلنا اليكم ذكرا رسولا فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
[ص 293] فصل - اعلم ان الجسم كلما كان اقرب الي المبدأ يكون ارق و الطف و اوسع و كلما كان ابعد عن المبدأ كان اغلظ و اكثف و اضيق و لذا تري كرة الهواء اوسع من الارض و الطف و النار اوسع و الطف منها و هكذا كل فلك اوسع و الطف من الذي دونه الي فلك الافلاك الذي هو اوسع و الطف من الكل و انت لو وضعت كرة صغيرة صيقلية علي الارض تري جميع الافلاك و الكواكب فيها مع سعتها و صغر الكرة و ذلك لاجل المواجهة التامة فلاينافي صغر الشبح في الكرة الصيقلية كبر الشاخص كما انه لاينافي صغر صورة الدحية و الاعرابي كبر جبرئيل و هو بجسمه يملؤ فضاء الارض و السماوات و كذلك اجسام الائمة الاصلية لكونها بلطافة العرش يكون ارق الاجسام و الطفها و اوسعها و ان ظهروا في هياكل صغيرة بشرية لحكمة المتسمع قول الحجة عليه السلام في دعاء رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك الي ان قال بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، فهم في كل مكان باصل جسمانيتهم يسمعون نداء كل مستغيث و يجيرون كل مستجير و يستجيبون كل داع و يظهرون اين ما يشاؤن من شرق الارض و غربها المتسمع عليا عليه السلام يقول انا الواقف علي الطتنجين انا الناظر الي المغربين و المشرقين ، و الاخبار الدالة علي ذلك متواترة معني ثم ان الارض هي الاسفل و السماء هي الاعلي من كل جهة فاذا نزع الواسع الذي هو اوسع من السماوات عن نفسه صورة الدحية او الاعرابي الضيقة الصغيرة و عاد الي اصليته ليس يختص صعوده بجهة دون جهة فليس يصعد جبرئيل اذا صعد الي جهة [ص 294] واحدة و ليس ينزل اذا نزل من جهة واحدة و انما يأتي النبي صلي الله عليه و آله من كل جهة و يخاطبه من كل جهة ما دام هو بصورته فان تصور بصورة الدحية التي هي في جهة خاصة و مكان خاص ظهر شبحه فيها في جهة خاصة و تكلم من فم تلك الصورة من جهة واحدة فلما نزعها عاد الي سعته الكبري و صعد الي السماء من كل جهة كانصاف اقطار خارجة من المركز الي المحيط فافهم ان كنت تفهم فاني كذلك الابكم الذي يري الرؤيا فلايقدر هو علي قصها و لايقدر الناس علي فهمها فان فهمت بالاشارة فقد نلت الحظ من كلامي و الا فلاتفسدنها و اعط القوس باريها و الله خليفتي عليك .
فصل - اعلم ان قد قام الاجماع الضروري من المسلمين ان النبي صلي الله عليه و آله عرج بجسمه الشريف الي المعراج و لميكن معراجه روحانيا و منكر ذلك ملحد و عن الدين خارج و قد قال العلامة المجلسي ان الاخبار الدالة علي ذلك الوف و لاتحصي فمن حاد عنها و تمسك بشبهات المتكلمين و الحكماء و انكر المعراج الجسماني لشبهات هي اوهن من بيت العنكبوت من امتناع الخرق و الالتيام في السماوات فهو راد علي الله و لرسوله و حده حد الشرك بالله انتهي ، نعم الذي دلت عليه الضرورة و الاجماع انه صلي الله عليه و آله عرج بجسمه الشريف في اليقظة و اما كيفية صعوده و حكمه و دقايقه فليس معرفتها من شأن العوام و ليس افهام الجهلة مما يجب اتباعها و انما المدار في ذلك علي فهم الحكيم من الكتاب و السنة و الآيات الآفاقية و الانفسية و شاهد الصدق علي ذلك ان يطابق استنطاق فهم الحكيم ما في ايدي المسلمين فان خالفه فهو باطل مخالف للضرورة البتة فالحكيم [ص 295] يوافق الناس في الرواية و النطق و ربما يخالفهم في الدراية و الفهم و لا ضير و قد قال النبي صلي الله عليه و آله رب حامل فقه الي من هو افقه من و رب حامل فقه و ليس بفقيه ، فالقطعي من ذلك ما نطق به القرآن في قوله سبحان الذي اسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير و ما ورد في اخبار الائمة الاطهار صلوات الله عليهم ما اختلف الليل و النهار و نحن لايسعنا في هذا الكتاب ان نذكر جميع ما روي في الباب و نشرحها فان ذلك يقتضي رسم كتاب كبير مستقل بل نكتفي هنا ببعض الاخبار و مواضع الحاجة و الاشكال منها و الاشارة اليها لئلايخلو كتابنا هذا من ذلك بالكلية فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان المسجد الاقصي في السماء ، اقول هو البيت المعمور الذي في السماء الرابعة و في بعض الاخبار انه في السماء السابعة و لا تنافي بينهما فان فلك الشمس هو قطب الافلاك السبعة و اصلها و حيوة الافلاك منه و هو اشرف من ساير الافلاك ففي الشرف هو السابع و الستة دونه و ان كان في المكان في وسط الافلاك كما ان القلب هو اشرف الاعضاء و اول عضو يحيي و آخر عضو يموت مع انه في الوسط و عنه صلي الله عليه و آله حملت علي جناح جبرئيل عليه السلام حتي انتهيت الي السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهي عندها جنة المأوي حتي تعلقت بساق العرش الخبر ، اعلم ان سدرة المنتهي هي الشجرة التي في الكرسي اليها تنتهي اعمال الخلايق و الصور و الكثرات و هي الشجر الاخضر المذكور في القرآن لانها مقام النفس ذات الكثرات الصورية المجردة المتشعبة المتكثرة و خضرتها من صفرة الروح و زرقة كثرات [ص 296] الصور الملتفة و ماتجاوزها جبرئيل و وقف دوينها فان مقامه الطبيعة و هو حاملها و هي الركن الاسفل الايسر ركن الخلق فعن ابيجعفر عليه السلام قال لقد رآه نزلة اخري عند سدرة المنتهي عندها جنة المأوي يعني عندها وافي به جبرئيل حين صعد الي السماء فلما انتهي الي محل السدرة وقف جبرئيل دونها و قال يا محمد انها موقفي الذي وضعني الله فيه و اناقدر علي ان اتقدمه و لكن امض انت امامك الي السدرة فقف عندها قال فتقدم رسول الله الي السدرة و تخلف جبرئيل قال ابوجعفر عليه السلام انما سميت سدرة المنتهي لان اعمال اهل الارض تصعد بها للحفظة البررة دون السدرة يكتبون ما يرفع اليهم من اعمال العباد في الارض فينتهون بها الي محل السدرة قال فنظر رسول الله صلي الله عليه و آله فرآي اغصانها تحت العرش و حوله قال فتجلي لمحمد نور الجبار فلما غشي محمدا شخص ببصره و ارتعدت فرايصه قال فشد الله لمحمد قلبه و قوي له بصره حتي رآي من آيات ربه ما رآي و ذلك قول الله و لقد رآه نزلة اخري عند سدرة المنتهي عندها جنة المأوي يعني الموافات قال فرأي محمد ما رأي ببصره من آيات ربه الكبري يعني اكبر الآيات الخبر ، فسر وقوف جبرئيل دونها ما ذكرنا ان حده الطبيعة لايتجاوزها و تجاوزها النبي صلي الله عليه و آله بنفسه حتي وصل السدرة و هي مقام النفس الكلية و لميقف هناك ملك مقرب و لا نبي مرسل و لذا قال له جبرئيل فوالله لقد بلغت مبلغا لميبلغه خلق من خلق الله لان النفس الكلية حده خاصة و هي بعبارة اخري الحجاب الزبرجدة الخضراء المروي في حديث آخر كان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لااعلمه الا و قد قال زبرجد فنظر في سم الابرة الي ما شاء الله من نور العظمة فقال الله يا محمد قال لبيك [ص 297] قال من لامتك من بعدك قال الله اعلم قال علي بن ابيطالب الخبر ، و هي مقام نفس النبي التي هي الولي بنص الكتاب فرأي هناك من آيات ربه الكبري فقال عليه السلام اي آية لله اكبر مني و هناك تعين الوصي كما سمعت و اليها ينتهي اعمال الخلايق اذ كل شئ احصيناه في امام مبين و هو الكتاب الذي ينطق عليكم بالحق و نور العظمة هو نور الله الظاهر في الولي اذ مقامه مقام حجاب العظمة التي عندها خلق علي عليه السلام كما في حديث آخر و عندها جنة المأوي اذ هي مقام النفس الكلية سقفها عرش الرحمن كما روي و لذا كان اغصان الشجرة تحت العرش و حولها ثم جاوزها النبي صلي الله عليه و آله حتي وافي العرش و هو حجاب جلال القدرة الذي كان يطوف حولها ثمانينالف سنة في اول بدئه و لولا انه صلي الله عليه و آله كان جسمه و نفسه و روحه من ذلك المكان لماوصل اليه فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث مر و لولا ان روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لماقدر ان يبلغه و كان من الله كما قال الله قاب قوسين او ادني اي بل ادني انتهي ، و مقام العرش هو مقام قاب قوسين و القاب كما في معيار اللغة من القوس بين المقبض و ما عطف من طرفها و لكل قوس قابان و القاب ايضا ما بين سية القوس الي رأسها عن الشرع و سيتها حيث يعطف من طرفها و يشد عليه الوتر و المقدار انتهي ، و عن ابيالحسن عليه السلام كان من الله كما بين مقبض القوس الي رأس السية او ادني اي من نعمته و رحمته قال بل ادني و روي في دني فتدلي انه نزلت فتداني و عن القمي كان بين لفظه و بين سماع محمد كما بين وتر القوس و عودها و روي عن علي بن الحسين عليه السلام دنا من حجب بالنور فرأي [ص 298] ملكوت السموات ثم تدلي فنظر من تحته الي ملكوت الارض حتي ظن انه في القرب من الارض كقاب قوسين او ادني و عن ابيالحسن موسي عليه السلام فلما اسري بالنبي صلي الله عليه و آله و كان من ربه كقاب قوسين او ادني رفع له حجاب من حجبه و عن النبي صلي الله عليه و آله لما عرج بي الي السماء دنوت من ربي تعالي حتي كان بيني و بينه قاب قوسين او ادني فقال لي يا محمد من تحب من الخلق قلت يا رب عليا قال التفت يا محمد فالتفت عن يساري فاذا علي بن ابيطالب و سئل ابوعبدالله جعلت فداك ما قاب قوسين او ادني قال ما بين سيتها الي رأسها فقال كان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لااعلمه الا و قد قال زبرجد فنظر في مثل سم الابرة الي ما شاء الله من نور العظمة و عن النبي صلي الله عليه و آله قال قدر ذراعين او ادني من ذراعين و عن ابيابرهيم موسي عليه السلام في التدلي انه لغة في قريش اذا اراد الرجل منهم ان يقول سمعت يقول تدليت و انما التدلي الفهم و عن علي عليه السلام فدنا بالعلم فتدلي فدلي له من الجنة رفرف اخضر و غشي النور بصره فرأي عظمة ربه بفؤاده و لميرها بعينه فكان كقاب قوسين بينهما او ادني و عن ابيجعفر عليه السلام ادني الله محمدا منه فلميكن بينه و بينه الا قفص لؤلؤ فيه فراش من ذهب يتلألأ فاري صورة فقيل له يا محمد اتعرف هذه الصورة قال نعم هذه صورة علي بن ابيطالب ، الي غير ذلك من الاخبار و الاشارة الي شرحها و جمعها ان القاب بمعني المقدار و القوس قطعة من الدايرة و لا تحديد لطولها و ان الله سبحانه لما خلق العقل قال له ادبر فادبر الي ان وصل غاية البعد و هي الارض الجسمانية ثم قال له اقبل فقام مقبلا الي ربه يعود [ص 299] صاعدا كما نزل و لميعد علي طريق نزل منه بالبداهة و انما صعد الي تلك المقامات و المراتب التي نزل منها نوعا فلاجل ذلك عبر الحكماء عن الطريقين بالقوس و عبروا عن القوسين بدايرة الوجود فالقوس العظمي النزولية فيها قسي صغار بعدد مراتب الخلق و كلياتها سبع : قوس العقل و قوس الروح و قوس النفس و قوس الطبع و قوس المادة و قوس المثال و قوس الجسم و كل واحدة قطعة من الدايرة و ان كانت كلها ابعاض نصف الدايرة و كذلك قوس الصعود فان الانسان يصير في محاذاة تلك القسي في تلك العوالم و قد يقسم قوس النزول بثمان و عشرين و هي قسي العقل و الروح و النفس و الطبع و المادة و المثال و الجسم و العرش و الكرسي و فلك البروج و فلك المنازل و الافلاك السبعة و العناصر الاربعة و الجماد و المعدن و النبات و الحيوان و الجن و الملك ثم الانسان الجامع مقام لام الف او يترك المعدن في الذكر لجماديته حقيقة فيتم الثمان و العشرون بالجملة هذه المراتب قسي الدايرة نزولا و صعودا و النبي صلي الله عليه و آله صعد ليلة المعراج بكل مرتبة عرضية له في المراتب التي هي بالنسبة اليه عرضية حتي جاز الاعراض فوقف موقفا لميقف فيه احد من الخلق و لمير الا نفسه و ظن ان جميع الخلق قد ماتوا و هو مقام تفرده في ذاتيته و هو مقام العقل فصعد عن هذه القسي جميعا الي ان دنا في مقام سدرة المنتهي و النفس و هو الدنو بالعلم لانها مقام فتدلي اي تواضع و تذلل بافناء نفسه و رفع النظر عنها و التصغر عند عظمة الله فدلي له رفرف اخضر و الرفرف بساط و عبر به عن اعلي النفس لانه دلي اليه فتعلق به و صعد او فتدلي بعده و علي قراءة فتداني اي الي الروح [ص 300] و معناهما واحد لان التدلي هو الدنو بالفهم ايضا كدنا فكان من ربه و هو الرب المضاف فهو الرب اذ مربوب و هو فؤاده عليه السلام مقدار قوسين و هما قوس الروح و قوس العقل او ادني اي بل ادني و هو مقام العقل و هو المقام الخاص فنظر من يساره اي الي النفس فرأي عليا عليه السلام لانه نفسه و هو دونه بدرجة فنظر من مثل سم الابرة الي ما شاء الله من نور عظمة ربه و رفعة ممر النظر لانه توجه الي الاحد جل شأنه و هذا النظر ليس له عرض اذ ليس المنظور اليه مثني فافهم و روي لميره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد كما قال الشاعر :
اذا رام عاشقها نظرة و لميستطعها فمن لطفها
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها
و ذلك قوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي و قال لقد رأي من آيات ربّه الكبري و لميقل رأي الله و عن النبي صلي الله عليه و آله انتهيت الي سدرة المنتهي و اذا لورقة منها تظل امة من الامم فكنت من ربي كقاب قوسين او ادني انتهي ، فمقام قاب قوسين عند السدرة و بينه و بين الفؤاد قوس الروح و العقل و اما او ادني فهو مقام العقل و اما ما روي كان من الله كما بين مقبض القوس الي رأس السية ، فلاينافي ما ذكرنا فان من المقبض الي اسفل السية قوس و من اسفل السية الي رأسها قوس الا ان هذه اصغر و انعطافها لاينافي القوسية و هي منعطفة الي خارج القوس الي جهة الفؤاد فتدبر و اما تفسير القمي كما بين وتر القوس و عودها ، لعله تفسير او ادني فان الوتر متصل بعود السية و اما ما روي انه في القرب من الارض كقاب قوسين فهو تفسير آخر و الكلمة من القرآن تنصرف الي معان [ص 301] فمن مقام العقل الي الارض قوسان قوس الغيب و قوس الشهادة او قوس الملكوت و قوس الملك و اما ما روي ما بين سيتها الي رأسها ، فيمكن ان يراد بالرأس المقبض فانه لميقل ما بين اسفل السية الي رأسها و انما قال ما بين سيتها و اراد الكل فلميبق رأس الا علي معني ان لكل قوس رأسين فان لكل خط رأسين و لذا يقال رسمت دائرة و وصلت بين رأسي الخط مثلا فالقوس لها رأسان احدهما اعلي السية و آخرهما عند المقبض فضمير رأسها راجع الي القوس لا السية و يمكن انه اجاب من مقام او ادني فانه قال ما قاب قوسين او ادني و سأل عنهما معا فكما انه يحتمل انه اجاب عن قاب قوسين يحتمل انه اجاب عن او ادني بل يرجح ذلك لان الاستدراك ينفي المستدرك عنه فلميبق الا الاستدراك فان او ادني يعني بل ادني و لميبق بينهما قاب قوسين و اما تفسيرها بالذراعين فالمراد من الذراع هو القوس ان صحت الرواية فانها عامية و روي عن طرقنا ايضا و يحتمل التقية و يمكن ان يقال ان الذراع من الكوع الي البوع و هي عظمان و هما الزندان فعبر عن كل مرتبة بالذراع لتركبها من وجود و ماهية و لان كل مرتبة يد للعالي في خلق الاسفل و الله اعلم و اما قوله تعالي و لقد رآه نزلة اخري يحتمل الرؤية حال الرجوع الي سدرة المنتهي في نزوله و لذا عبر بالنزلة و روي في تفسير لقد رأي من آيات ربه الكبري ، انها جبرئيل رآه في صورته مرتين هذه المرة و مرة اخري و ذلك ان خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الذين لايدرك خلقهم و صفتهم الا الله رب العالمين و عن علي عليه السلام ما لله آية اكبر مني و لا تنافي بينهما فان جبرئيل احد اشعته و هو الذي يتقلب في الصور كيف ما شاء الله من رآهم [ص 302] فقد رآه كما روي و عن ابيجعفر عليه السلام قال اتي جبرئيل رسول الله صلي الله عليه و آله بالبراق اصغر من البغل و اكبر من الحمار مضطرب الاذنين عينه في حافره و خطاؤه مد بصره فاذا انتهي الي جبل قصرت يداه و طالت رجلاه فاذا هبط طالت يداه و قصرت رجلاه اهدب العرف الايمن له جناحان من خلفه و روي هي دابة من دواب الجنة ليست بالقصير و لا بالطويل و لو ان الله تعالي اذن لها لجالت الدنيا و الآخرة في جرية واحدة و هي احسن الدواب لونا و روي انها لما ركبها النبي صلي الله عليه و آله تضعضعت فلطمها جبرئيل عليه السلام فقال لها قري يا براق فماركبك احد قبله مثله و لايركبك احد مثله بعده و روي انه اركبه جبرئيل البراق و اسري الي بيت المقدس و روي لما اسري بي الي السماء حملني جبرئيل علي كتفه الايمن انتهي ، و اعلم ان البراق هو فرس الحيوة و اصله من اعلي الملكوت و له مظاهر في كل رتبة و حيزوم فرس جبرئيل من شيعته و قد احيي بذر تراب تحت حافره العجل و قد ركبه النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج ليصعد الي عالم الارواح و الورد الاصفر من عرق البراق لان الصفرة لون الهواء و الهواء اذا تحرك هو الريح و انما سمي الروح روحا لانه كالريح متعلق به فالبراق له حقيقة و هو الروح الكلية لميركبها احد قبل محمد صلي الله عليه و آله و له تنزلات الي عالم الاجسام فمظهره الروح البخاري في الاجسام و صعد جسم النبي صلي الله عليه و آله بتعلقه بها و حملها اياه و هي جناحها من خلفها و هو في ذوات الاجنحة مقام اليدين فكان جناحاها من خلفها علي الرجلين فان طيرانها بالسعي باقدام الطاعة و الامتثال و عينها في حافرها لان [ص 303] تمشي سويا علي صراط مستقيم و تكون بصيرة بالطريق لاتضله و يمكن ان يكون كناية عن نظرها الي حافرها دائما و يعبر عن النظر بالعين كثيرا و اذناها تتحركان دائما لتلقي ما يجري اليها من روح القدس من الامر و النهي فهو ابدا يجري و هي ابدا تدري و خطاؤها مد بصرها و هو جميع الملك و اليه الاشارة بقوله عليه السلام لو اذن لها لجالت الدنيا و الآخرة في جرية واحدة فالآن تجول بجريتين جرية في الملك و هو مد نظرها و جرية في الآخرة لاختلاف الجريتين في العرض و الطول الآن و لو اذن الله لها لطوتهما طيا لانها المنيرة لهما و اما تضعضعها بركوب النبي صلي الله عليه و آله فاضطرابها عند اشراق العقل الكلي عليها فلمتطقها و استقرها جبرئيل ملك الطبيعة بلطمه اياها و تنبيهها و اما ما روي انه حمله جبرئيل علي كتفه الايمن و هو يكون الي دوين السدرة ، فلاينافي ركوبه علي البراق فان لها ظهورا في عالم الطبيعة ايضا و حاملها جبرئيل و اركبه علي كتفه الايمن جهته الي ربه و اما ما روي انه خوطب صلي الله عليه و آله ادن من صاد فاغسل مساجدك و طهرها و صل لربك و كان اول صلوة صلاها رسول الله صلي الله عليه و آله في السماء بين يدي الله تبارك و تعالي قدام عرشه جل جلاله و كان صلوته صلوة الظهر فاعلم انه صلي الله عليه و آله مؤثر جميع الخلق بجسمه الشريف و خلق من شعاعه حقايق الانبياء فما دونها و قد ملأ عرصة الاكوان بجسمه الشريف كما روي بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، و ذلك هو جسمه الاصلي الذاتي له فاذا صعد صعد من المركز الي المحيط من كل جانب و صعد في عالم الاجسام هذا بجسمه العرضي الزماني و في عالم الامثلة [ص 304] بظله العرضي و في عالم المواد بمادته العرضية و هكذا في كل عالم بما له من ذلك العالم بالعرض الي ان انتهي الي عالمه فصعد من ارض عالمه الي سموات عالمه في كل رتبة منها الي ان انتهي الي مقام او ادني و هو العقل المرتفع بين يدي الله سبحانه فهناك دنا من صاد و هو بحر دون العرش في مقام روحه الشريفة لانه سئل موسي بن جعفر عليه السلام عن الصاد فقال عين تنفجر من ركن من اركان العرش يقال لها ماء الحيوة و هو ما قال الله عز و جل ص و القرآن انما امره ان يتوضأ و يقرء و يصلي انتهي ، فماء الحيوة هو الحيوة الكلية الخاصة به و هو قوله ص و القرآن ذي الذكر فامره ان يتوضأ من صاد ليتطهر من الواث مراتب البعد الميتة بالنسبة الي حيوة القرب و يقرأ من القرآن مقام العقل و يصلي و يصل الي مقام الذكر اقم الصلوة لذكري و هو الفؤاد و اما انه كان اول صلوة صلاها مع ان المعراج بعد البعثة بمدة فلانه صلي الله عليه و آله عرج في الزمان بجسمه الزماني و في ساير المراتب بجسمه الدهري فجاز الآفاق المائلة و ليل عالم الاجسام حتي دخل فجر عالم المثال فجازه حتي طلع الشمس في عالم النفوس و سار حتي وصل الي الظهر في عالم العقول و شمس المشية علي قمة رأسه حين كان طالع الدنيا السرطان البرج المائي و كواكب جهات المشية في الاشراف و شمس المشية في التاسعةعشرة من برج الحمل في وسط السماء فهنالك صلي الظهر و جميع صلوات العالم مظاهر تلك الصلوة فهي اول صلوة صليها مخلوق صليها قدام العرش بين يدي الله سبحانه علي ما نشير اليه فافهم ان كنت تفهم و اما ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام انه سئل كم عرج برسول الله صلي الله عليه و آله فقال [ص 305] مرتين فاوقفه جبرئيل عليه السلام موقفا فقال مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفا ماوقفه ملك قط و لا نبي ان ربك يصلي فقال يا جبرئيل و كيف يصلي قال يقول سبوح قدوس انا رب الملئكة و الروح سبقت رحمتي غضبي فقال اللهم عفوك عفوك قال و كان كما قال الله قاب قوسين او ادني الخبر ، فالرب المصلي هو الرب المضاف فهو صاحب الربوبية اذ مربوب و مربوبه محمد صلي الله عليه و آله فهو فؤاده و هو رب الملئكة الذين هم شؤن عقله صلي الله عليه و آله و الروح اي روح القدس المسدد له و هو عقله صلي الله عليه و آله فيصلي و الصلوة معراج المؤمن فهو يصلي لله و يصل اليه بقوله سبوح قدوس قولا كونيا فيقدس الله عن مشابهة الانداد و الاضداد بكينونته فانه ثناؤ الله الذي لايحصيه الا الله جل شأنه فقال اللهم عفوك عفوك بنفسانيته و اطلاع جبرئيل علي هذه الصلوة لانه ملك الطبيعة الكلية و هي آية الفؤاد في الشهادة فاطلع علي ظاهره فاخبر النبي صلي الله عليه و آله دوين سدرة المنتهي عند بدأ جبرئيل و منتهي حده و ان كان المراد بالرب هنا المشية فصلوته وصل النبوة بالولاية فمقام النبوة هو المشار اليه بقوله سبوح قدوس و مقام الولاية هو المشار اليه بقوله سبقت رحمتي غضبي فان الولي هو صاحب الرحمة الرحيمية كتب علي نفسه الرحمة و في هذا الخبر انه عرج به مرتين و عن ابيعبدالله عليه السلام عرج بالنبي صلي الله عليه و آله مائة و عشرين مرة ما من مرة الا و قد اوصي الله تعالي فيها النبي صلي الله عليه و آله بالولاية و الائمة من ولده عليهم السلام اكثر مما اوصاه بالفرايض انتهي ، و لايحضرني جمع بينهما ينبئ عن الواقع و الا فالاحتمالات كثيرة و لماجد خبرا مخبرا عن الواقع فالله يعلم حقيقة الحال [ص 306] و اعلم اني لو اردت ان استقصي اسرار المعراج او اسرار خبر من اخبارهم لاقتضي ذلك رسم كتاب مستقل و اني لمبتلي و مبتلي بي و لايسعني الاستقصاء و مع ذلك فتحت الباب و لا قوة الا بالله لمن اراد الدخول فلنكتف بما ذكرنا من بعض اسرار بعض آثارهم صلوات الله عليهم و فك رموزها و الحمد لله .
فصل - اعلم انه صلي الله عليه و آله لما كان في كل مرتبة مؤثر جميع ما دونه و جميع الكاينات من شعاع نوره كما تواتر به الاخبار معني و صعد صلي الله عليه و آله الي مقام اعلي اذكار نفسه اطلع في نزوله علي جميع ذرات الكائنات عند اول تكونها و بدء ايجادها و تصرف فيها بقوة اسماء الله العظمي التي علمها صلي الله عليه و آله علما اتحاديا لقولهم عليهم السلام نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها ، فاطلع علي حقيقة جميع الكاينات و اشرف عليها حين صدرت من مؤثراتها قال سبحانه سبحان الذي اسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا و اتي بمن الدالة علي التبعيض مع انه رأي جميع ما خلق الله سبحانه فان جميع ما خلق الله سبحانه جزء من سبعين جزءا من نور نفسه صلي الله عليه و آله و نفسه صلي الله عليه و آله هي آية الله الكبري و هي كل الآيات لقوله تعالي و لقد اريناه آياتنا كلها فكذّب و ابي و المراد علي عليه السلام حيث ظهر علي فرعون حين جحد حق موسي عليه السلام فجميع الخلق بعض الآيات و اراه الله اياها اراءة اشراف و اطلاع و احاطة و اما قوله سبحانه لقد رأي من آيات ربه الكبري و هي نفسه الشريفة فهذه الرؤية رؤية اتحاد لانها كانت بالفؤاد ماكذب الفؤاد ما رأي بالجملة انه صلي الله عليه و آله في عروجه [ص 307] سافر الاسفار الاربعة التي هي السفر من الخلق الي الحق و هو صعوده من حضيض الارض الي اوج العرش من جميع الاقطار راكبا علي براق روحه الكلية الشريفة مدبرا عن الخلق مقبلا الي الله سبحانه ممتثلا امر اقبل خالعا للاعراض صاعدا مصاحبا للاغراض معرضا عن الكثرات متوجها الي الذات جل ثناؤها و لميكن صعوده ذلك صعودا علميا بل كينونيا و لا روحانيا بل جسمانيا فمر علي عالم الاظلة بكينونته و شاهده شهود من يموت كونا و مر علي جميع اوقات البرزخ حتي سمع صوت الصور و شاهد موت جميع اهل الارض و السماء و طي السموات كطي السجل للكتب و تفكك كل مركب و تبديل الارض غير الارض و السموات و مر علي اربعمائة سنة بين النفختين لانه لايصعق بنفخ الصور لانه المستثني في قوله تعالي فصعق من في السموات و من في الارض الا من شاء الله و نادي بنداء الله سبحانه لمن الملك اليوم فانه لسان الله الناطق و اجاب بقوله لله الواحد القهّار ثم سمع نفخة الدفع و شاهد ولوج الارواح في الابدان بعد تركيبها و نشر الاموات و حشرها الي خالق البريات و نصب الموازين و تطاير الكتب و مد الصراط و سير الناس عليه و الجنة و النار و من ينعم في الجنة من المؤمنين و عددهم و عرفهم باسمائهم و اسماء آبائهم و قبايلهم و اهل النار و عددهم و عرفهم باسمائهم و اسماء آبائهم و ذلك قول الصادق عليه السلام في شرح قوله فاوحي الي عبده ما اوحي ، فدفع اليه كتاب اصحاب اليمين و اصحاب الشمال فاخذ كتاب اصحاب اليمين بيمينه و فتحه فنظر اليه فاذا فيه اسماء اهل الجنة و اسماء آبائهم ثم طوي الصحيفة فامسكها بيمينه ثم فتح صحيفة اصحاب الشمال فاذا فيها اسماء اهل النار و اسماء [ص 308] آبائهم و قبايلهم ثم نزل و معه الصحيفتان فدفعهما الي علي بن ابيطالب انتهي ، و من عرف معني كتاب الاسماء عرف سر مشاهدته عليه السلام لما قلت ثم مر علي جنة المأوي و جنة عدن ثم علي الرضوان ثم صعد الي عرصة الذكر ثم عرصة الاسماء و الصفات و الانوار حتي غرق في بحر التحير بلا كيف و هو قوله صلي الله عليه و آله رب زدني فيك تحيرا و وصل الي مقام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو و هو هو و نحن نحن و وصل الي مقام اشار اليه علي عليه السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين و هو قوله عليه السلام و ظننت ان جميع الخلق قد ماتوا و لمار غيري احدا من خلقه ، فافهم و لما كان صلي الله عليه و آله حيوة الكل و قد اعرض عن الكل كان الواجب ان يسيخ الارض باهلها و لكنه خلف عليا عليه السلام في الارض و دار الرحا عليه و استمد الخلق منه كما روي انه قال الله سبحانه حين المناجاة يا محمد قلت لبيك ربي و سعديك سيدي و الهي قال اسألك عما انا اعلم به منك من خلفت في الارض بعدك قلت خير اهلها لها اخي و ابن عمي و ناصر دينك و الغاضب لمحارمك اذا استحلت و لنبيك غضب النمر اذا غضب علي بن ابيطالب قال صدقت يا محمد اني اصطفيتك بالنبوة و بعثتك بالرسالة و امتحنت عليا بالبلاغ و الشهادة علي امتك و جعلته حجة في الارض معك و بعدك الخبر ، فصار خليفة النبي صلي الله عليه و آله في امساك تركيب الاكوان لاعراضه عنها فلما بلغ هذا المبلغ انقطع سيره الصعودي و دار علي نفسه بلا كيف و لا جهة و لا حركة فطوي جميع الكاينات طي الاحد للاعداد و نفذ في جميع الامكنة الوجودية فهنالك سار [ص 309] في السفر الثاني و هو السفر في الحق بالحق و ذلك سفر لا غاية له و لا نهاية و لا بيان عنه و لا عبارة و لا كيف و لا اشارة فلما استكمل السفرين امر بالسفر الثالث و هو السفر من الحق الي الخلق و هو قوله صلي الله عليه و آله ثم هوي بي الرفرف فاذا انا بجبرئيل فتناولني حتي صرت الي سدرة المنتهي فوقف بي تحتها ثم ادخلني جنة المأوي فرأيت مسكني و مسكنك يا علي فيها فبينا جبرئيل يكلمني اذ علاني نور من نوره فنظرت الي مثل مخيط الابرة الي ما كنت نظرت اليه في المرة الاولي الخبر ، و في خبر آخر بعد ذكر توحده هناك فتركني ما شاء الله ثم رد علي روحي فافقت الخبر ، و ذلك حين نزوله فلما اشرف من ذلك المكان الارفع الاعلي الي الخلق و اراد الهبوط اطلع علي مقام نقطة الامر و الفه و حروفه و كلمته التي انزجر لها العمق الاكبر و علي العمق الاكبر و علي العقل حين بدء ايجاده و ساير العوالم عرضا و طولا و اجمالا و تفصيلا و سمع صرير القلم و شاهد جريانه بما كان و ما يكون فقرأ الالواح و الكتب حرفا حرفا و كيف لا و يقول وصيه و خليفته لقد علمت ما فوق الفردوس الاعلي و ما تحت السابعة السفلي و ما في السموات العلي و ما بينهما و ما تحت الثري كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار الخبر ، فما ظنك بمن هو سيده و سنده و كان صلي الله عليه و آله كلما ينزل من مقام الي مقام يلبس ما خلع من الاعراض لاراءة الاغراض الي ان نزل الي عرش هذا العالم ثم الي كرسيه ثم افلاكه ثم ارضه فشوهد كما كان يشاهد فسافر رابعا في الخلق بالحق و اقامه الله مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و لاتمثله غوامض [ص 310] الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار .
فصل - ما اوهن شبهات الطبيعيين و المتكلمين و الحكماء المتفلسفين حيث زعموا ان الافلاك يمتنع عليها الخرق و الالتيام زعما منهم انها بسايط يمتنع عليها صدور حركتين مختلفتين منها فلايمكن ان يكون صعد صلي الله عليه و آله بجسمه الشريف و انما عروجه عروج روحاني و خلع جسمه بالكلية فانها اوهن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت و هل يمكن ان يعارض الوف من الاخبار الصادرة من الاطهار بهذه الظنون الواهية و التوهمات البالية و هل هي الا تكذيب المعصومين بالظن و التخمين و الخروج عن دين المسلمين فنحن نبين لك بحول الله و قوته ما يكشف لك الامر وضوح الشمس في رابعة النهار . اعلم اولا ان القول بان الافلاك بسيطة قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فانه لا بسيط الا الاحد الحق جل شأنه و قد روي عن الرضا عليه السلام ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده و قد قال الله سبحانه و من كل شئ خلقنا زوجين و قد ثبت في الحكمة ان كل حادث مثلث الكيان مربع الكيفية فالافلاك اجسام مركبة من طبايع اربع غاية الامر انها جوهرية دهرية لا عنصرية فهي من اجزاء حارة و باردة و رطبة و يابسة و لذلك صارت الكواكب اصحاب طبايع مختلفة فكل واحد غلب عليه طبع من تلك الطبايع ظهر به فزحل غلب عليه البرودة و اليبوسة و المشتري الحرارة و الرطوبة و المريخ الحرارة و اليبوسة و هكذا فان لكل واحد منها طبيعة خاصة بالاتفاق و يظهر منه آثار طبيعته فاذا صارت الافلاك مركبة ذات طبايع مختلفة لم لايمكن [ص 311] ان يصدر منها حركات مختلفة غاية الامر ان الغالب علي كل واحد طبع خاص و الافعال الصادرة منه علي حسب تلك الطبيعة الغالبة اما اذا جاء مكمل و قوي فيه طبعا آخر يصدر منه فعل مناسب لذلك الطبع كما ان الحجر من شأنه النزول ما دام الغالب عليه طبع التراب اما اذا كمل الرامي الي الفوق حرارته و ناريته صعد بقدر تكميله فاذا انقطع عنه اثر التكميل عاد نازلا فكذلك ان الطبيعة الفلكية تقتضي الحركة الي جهة خاصة لاجل الطبع الغالب بالعرض او بالذات فاذا صعد النبي صلي الله عليه و آله بجسمه و الفلك رخو كالهواء و الدخان بنص القرآن ثم استوي الي السماء و هي دخان زاحم اجزاء جسم النبي صلي الله عليه و آله جسم الفلك فينفرج و يدخله جسم النبي و الحركة الانفراجية له علي خلاف جهة مقتضي طبعه الغالب بتكميل جسم النبي صلي الله عليه و آله اياه فاذا جاوزها و ذهب عنه اثر التكميل عاد الي ما كان فلا فرق بين خرقه الهواء و التيام اجزائه بعد المفارقة و بين خرقه السموات ابدا و لايقدر علي القول بامتناع الحركة الخارجة مسلم يجب عليه القول برد الشمس لسليمان و يوشع و علي عليه السلام فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين و بطل ما كانوا يعملون ، هذا اذا فرض انه صعد من جهة و اما اذا كان صعوده من كل جهة كما هو الواقع فلما وصل الي الفلك من كل جهة افني سطحا منه و قام بسطح جسمه مقامه كما افني عصا موسي حبال القوم و افني صورة السبع جسد الساحر الخبيث و لميلزم تداخل اجسام في مكان واحد فان النبي صلي الله عليه و آله هو المبدئ المعيد ففكك تركيب الافلاك و فرقها و قام مقامها كل ما وصل اليها فلما جاوزها اعادها سطحا بعد سطح و لميلزم [ص 312] من ذلك محال و الله قادر علي جميع ذلك و قد وقع مثال هذا و ما يقولون علي فرض صحته هو مجري الطبيعة العادي و عروجه صلي الله عليه و آله خارق للعادة فالخارق للعادة يقدر علي خرق ما عادته عدم الخرق كما يمسك الحجر في الهواء من غير دعامة هذا و نحن نقول ان جسمه الشريف الطف من جميع الاجسام فان قلوب المؤمنين خلقت من فاضل جسمه الشريف و شعاعه فاذا كان جسمه الشريف الطف من جسم الافلاك بحيث ينفذ في جميع الاجسام كما ينفذ النار العنصرية في الياقوت من غير خرق له فما المانع من نفوذه صلي الله عليه و آله من ثخن جميع الافلاك بلا خرق لها و لا التيام فاصل جسمه الشريف الطف من جميع الاجسام و هو بلطافة محدب العرش فصعد من كل جهة و نفذ من ثخن جميع الاجسام من غير خرق و لا التيام و ان قيل ان الاجسام السفلية لها مسامات و النار تخرج من مساماتها و هي منخرقة بنفسها قلنا ان القول بالمسامات قول عن محض حدس و تخمين فلو كان للياقوت الشفاف مثلا مسامات لكان له مسامات من كل جهة و المسامات من كل جهة تؤدي الي عدم الجسم و ان لايحتمي الياقوت من النار لان النار لاتدخل الا في المسامات و تخرج منها و باقي الجسم المتصل الاجزاء لايدخله النار فماكان يجوز ان يحتمي و الحال انه يحتمي حتي يصير نارا و علي فرض تسليم المسامات في السفليات لا مانع من تصديقها في السماويات و اثباتها فيها ايضا بالجملة اذا كان النار تخرج من ثخن الياقوت بلا خرق و لا التيام لا مانع من نفوذه صلي الله عليه و آله بجسمه الشريف عن السماوات و اصل جسمه في اللطافة كمحدب العرش و انما تراءي للبشر في صورة مشاكلة لهم حتي يروه [ص 313] و ينتفعوا به و يأخذوا عنه فاذا امر بالرجوع الي حيزه و مركزه ذهب بالطبع و صعد صعود النار الي حيزها و من ذلك كان الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر فالخرق و الالتيام علي ما ذكرناه لا امتناع فيه و هو امر قد اشتهر بين الناس من غير قياس ، بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و اما الواقع في الخارج فهو ذلك الاخير الذي نبهنا عليه و اما ما روي في اخبار عديدة من فتح ابواب السماء له فاعلم ان السماء جسم رقيق كريّ كالهواء له مقعر و محدب و ثخن غاية الامر انه جسم فوق الطبايع العنصرية و هو بمنزلة سر الواحدية الظاهرة في المركب و بعبارة اخري هو بمنزلة الطبيعة الخامسة و المزاج الحاصل في المركب و هو الطف من الاجسام العنصرية و لغاية شفوفها صارت قابلة لاراءة الروح الغيبية و التحرك بحركتها و الكوكب في الفلك بمنزلة القلب في البدن يتعلق به الروح الغيبية فانه ذو مرة حافظة فيحيي الكوكب بحيوة الروح و حكايتها ثم ينتشر منه في فلكه و بواسطة اشعته تختلط بجماد الارض و نباتها و حيوانها و ساير ما فيها ثم تصير بالفعل بعد دوران الافلاك عليها بالجملة السماء كرة دخانية حية و حيوة كل فلك من شأن من شؤن النفس من فكرها و خيالها و وهمها و علمها و عقلها و غير ذلك اي الغالب علي كل فلك بحسب طبعه شأن من شؤن النفس الكلية فلما صعد النبي صلي الله عليه و آله و القي عنه الاعراض التي ليست منه و لا اليه كما يلقي الاعراض في الحمام عن جسده و تخلص فيه ما يناسب فلك القمر بلا حاجب و لا مانع انفتح له باب فلك القمر و امكنه الدخول فيه و اذا القي عن نفسه اعراض فلك القمر و تخلص فيه ما له من فلك الفكر انفتح له باب فلك الدبير عطارد و هكذا كلما كان يتطهر [ص 314] عن شوب الادني يرتفع درجة و يصعد مرتبة و يصير من جنس ما في العرصة العلياء فينفتح عليه بابه اذ بذلك يمكنه الدخول في حيز كل سماء فافهم راشدا موفقا .