فصل - اعلم انك بعد ما عرفت ان الموجودات الشخصية التي هي تحت مطلق واحد كلها من مادة واحدة نوعا و ان لدرجاتها تفاوتا و ان الدنيا منها من نوع العليا الا انها غلايظها و العليا منها من نوع الدنيا الا انها من لطايفها و يجتمع كلها تحت مطلق واحد يعطي كلها اسمه و حده علي شرع [ص 256] سواء اذ كلها تمثله و ظهوره في الخارج و هو في مقامه احدي ثم من كل عالية بعد الاستكمال وقع الشعاع علي الدانية لاحداث الوجودات الشرعية و اخراج القوي المستجنة لعلك تعرف ان الداني لاينفعل من مثال العالي الا بعد ان يتطور الداني اطوارا و هو قوله سبحانه ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا و هي طور النطفة و العلقة و المضغة و العظام و كسوة اللحم و انشاء خلق آخر و هي المشار اليها بقوله خلق السموات و الارض و ما بينهما في ستة ايام و ذلك ان سبيل الاستخلاص و التكوين ان يأخذ المكوِّن اولا مادة المكوَّن فان كان لها رطوبة فاضلة مطاوعة تطاوع بها تدبير المدبر حتي يبلغ بها منتهي ارادته يخرج من قوتها الي الفعلية اكمل قوة استجنت فيها و الا فيقعد بها قصورها في اثناء الطريق فيظهر مبادي تلك القوة و معداتها دونها فاذا اخذ المكوِّن المادة شرع اولا في خلط لطيفها بكثيفها و عاليها بدانيها لان غرضه المولود الجامع لجميع الاطوار و هو مقام الجمادية فان قصر بها الرطوبة تجمد علي الجمادية ثم لاتطاوع فتسقط نطفة و ان كان رطوبتها ازيد من ذلك شرع في تصفيتها و تنقيتها عن الاعراض فان قصر بها الرطوبة و جمدت تبقي معدنا فتسقط علقة و ان كان لها رطوبة ازيد من ذلك ينقيها عن الاعراض و يصفيها ثم يعدلها فان قعد بها نقصان رطوبتها المطاوعة في اثناء التعديل تجمد برزخا بين المعادن و النبات من قبيل المرجان و الصدف و ما يشاكلهما و تسقط مضغة فان وفت رطوبتها حتي عدلها كمال التعديل النسبي في الكيف و الكم ظهر عليها اثر الطبيعة المطلقة الجامعة فيها فنمت و ربت من جميع اقطارها بفضل روحانية الفاعل و جذبه من كل جهة [ص 257] علي السواء و مشاكلتها له في استوائها علي عرش الاضداد في الجملة فظهر منها قواها و خواصها ثم جمدت فلمتطاوع انعقدت نباتا و سقطت عظاما و ان وفت الرطوبة حتي عدلها و سما بها الي ما ترتقيه فجمدت في اثناء الطريق انعقدت برزخا بين النبات و الحيوان كبورايخ و ما يشاكله و سقطت مصورة مكسية لحما تامة الاعضاء فان بقيت فيها الرطوبة حتي انتهي بها السمو و الترقي و حدث فيها الدخان الفلكي الذي هو الطبيعة الخامسة و جمدت عليها انعقدت حيوانا و سقط الجنين بعد اربعة اشهر فان كان رطوبتها بحيث سما بها الي ما ترتقيه علي نهج الكمال و تجاوزت الموج المكفوف و البخار المألوف الي ان صارت دخانا فلكيا و جرما سماويا تخلقت باخلاق العالي اي النفس الغيبية فصارت موجودة بما هي انسان دون ان تكون موجودة بما هي حيوان و دخلت في الباب الملكي الصوري و تولدت انسانا ثم ان وفت رطوبته المطاوعة الي ان ترقي في المدارج الانسانية الي ان ظهر عليه آثار غيب الكرسي بلغ النبوة او غيب العرش بلغ مقام الخاتمية المبدئية ثم يتدرج في مدارج رب زدني علما و رب زدني فيك تحيرا و يرتقي في مراقي ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و هو اقصي غاية مراد المريد من تدبيرها و اكمل استعداد يمكن في المواد الخلقية و لا كل ما يتمني المرء يبلغه و من البين ان رطوبتها و رقتها ما لمتكن بلا نهاية لمتدم تحت حرارة نار تدبير المدبر الي ما لا نهاية له فلا بد و ان تكون درجات المادة المأخوذة متفاوتة في الرقة و الغلظة و تكون احيازها مختلفة علي حسب اختلاف مراتب الخلق فان كلا منها قد وقف في حد و لميقف الا بجفاف الرطوبة و لمتجف الا علي حسب مقدار الرطوبة فثبت بذلك [ص 258] ان درجات المادة المأخوذة لها متفاوتة فالمطاوع الي ما لا نهاية له عودا كان رطبا رقيقا بلا نهاية بدءا و ليس هو الا الماء الاول كما بدأكم تعودون و لولا ان مراد المكون احداث هذه الغاية لماعطف عنايته الي تدبير هذه المدبرات كما ان مراد الابوين من النكاح توليد الولد الكامل فان عرض عارض سقط قبل بلوغ الكمال و الا يتولد المولود علي حسب غاية المراد فتدبر و لا بد في كل من المراتب العرضية المذكورة في الفصل السابق من هذه الاطوار ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لكل مرتبة وقوف علي حسب رقتها و غلظتها و مطاوعتها و عدم مطاوعتها و يجري هذه الاحكام في بسائط كل مرتبة و مواليده الا ان البسائط وجودات ملكية ناقصة و المواليد وجودات تامة مستكملة بالنسبة فعلم من ذلك ان الانسان و الجامع منه اكمل منها و اجمع و اشرف منها و اسناها و اعليها و اسبقها في الوجود و احكاها للغيب و اسماء الله و صفاته و ان كان في الجثة اصغر منها فان الصغر و الكبر ليس لهما مدخلية في حكاية الغيب و لا عبرة بهما و انما العبرة بالرقة و الغلظة و الصفاء و الكدورة و الاستقامة و الاعوجاج فالجامع صلوات الله عليه هو مهبط مشية الله و مورد ارادته و المؤدي عنه توحيده في المراتب الاربع كما عرفت فيما سبق فتدبر .
فصل - و اذ قد انتهي بنا الكلام الي هيهنا فناسب ان نذكر قليلا من امر السلسلة الطولية ايضا التي هي عماد جل مسائلنا و سناد كثير من مطالبنا و معرفتها من خواصنا و قد غفل عنها العلماء الكاملون و الاحبار الفاضلون و لايعرف هذه المسئلة اي مسئلة المعراج الا بمعرفتها و كتبنا هذه المسئلة مفصلة [ص 259] في رسالة اخري خاصة و في ساير رسائلنا و نكتفي هيهنا بعبارات جامعة قصيرة و اشارات لطيفة بحيث تناسب هذا الكتاب فاقول اعلم ان الله سبحانه كما عرفت مكررا احدي الذات طاو باحديته جميع الكثرات و معني ذلك انه لايتناهي بشئ سواه اي ليس اذ ذاك هو شئ سواه علي معني الامتناع البحت فلايتجزي بجزئين جوهريين و لا عرضيين و لا جوهر و عرض و ليس يدرك شئ معه الا بعد رفع النظر عنه و ليس انه انقسم قسمين جوهرا و عرضا فاذا قستهما كان خلقا و لا انه صالح للظهور بخلقه و التجلي بكثراته نعوذ بالله فانه لاينقسم و لايكون صالحا لامر الا ذو قوة يكون قوته صورته غير مادته فان القوة معني وصفي يوصف به صاحبه كالبحر المنقسم الي الامواج و الكلي الظاهر بالافراد و من هنا خبط القوم خبط عشواء فمثلوا له سبحانه بامثال سوأي من تطور المداد بالحروف و البحر في الامواج و الشمس في المرايا و الروح في الحواس و الواحد في الاعداد تعالي ربنا الاحد عما يقول الظالمون علوا كبيرا بل هو بحيث اذا نظرت اليه هو اذ ذاك هو ليس شئ غيره و لا عرصة سواه معه لا في الادراك و الوجدان و لا في الوجود علي معني الامتناع و اذا نظرت الي الخلق وجدت الخلق المتكثر و لميكن من اصول ازلية بل رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله اخترعه الله اختراعا و ابدعه ابداعا و ليس رتبة الخلق تحت الازل و الازل اعلاها او اعلي منها نعوذ بالله فيكون الحدث خلوا منه و يكون متناهيا اليه و لايكون لامتناع ما سواه معه معني في الواقع الخارج فان الذي يمكن في الدنيا الممتازة عن العليا لايمتنع وجوده في العليا الممتازة و كذا العكس [ص 260] لامكان تصور كل في الكل فالاحد هو الممتنع معه ما سواه في الوجدان و الوجود و لست تبلغ ادراك هذا المقام الا بعد ان يوجد فيك عينه التي يعيرها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين و كلما وجدت شيئا مميزا جزته و نظرت الي ما طوي طرفيه حتي تري احدا يفوق معرفتك و تمييزك و تحديدك و اشارتك و ادراكك و مدركك حتي تغرق في بحر التحير و الفناء المحض و يضمحل منك المعرفة و العارف و المعروف فاذا وصلت الي هذا المقام وصلت الي المراد بلا كيف و لا اشارة و لا غاية لهذا السير و لا نهاية و هو معني قوله صلي الله عليه و آله رب زدني فيك تحيرا و قوله تدلج بين يدي المدلج من خلقك ، فان فزت بنظر كذلك لعلك تدرك معني امتناع الخلق معه و هذا الوجود بهذا القدس محال ان يكون فيه اعيان ثابتة او يكون كل الاشياء كما ان الحر من حيث هو حر يمتنع ان يكون بردا و لله المثل الاعلي بالجملة اذا رفعت النظر عنه رأيت خلقا متكثرا غير مرتبط به و غير منسوب اليه و غير ناشئ منه و غير صادر منه و غير متولد و لا خارج عنه فهذا الخلق حينئذ له مراتب عديدة : فاولها مقام الوجود المطلق و اعني به ما يشاهد عند كسر جميع الكثرات الشهودية و الغيبية و العرضية و الجوهرية و الشخصية و النوعية و عند ابطال حدودها و محدوداتها بقضها و قضيضها في الوجدان المنتزع من الوجود فما لميكن في الوجود لميكن في الوجدان فهو جنس الاجناس و نوع الانواع المعطي كلما دخل في عرصة الايجاد اسمه و حده الصادق علي الكل بقول مطلق فهو مقام اللاتعين بمعني النفي و الوجود بشرط لا كما ان الوجود الحق هو اللاتعين و اللابشرط بمعني الامتناع فهو اشد الاشياء ابهاما و ليس فيه [ص 261] في رتبته تعين من تعينات آثاره بالفعل و هو اظهر الاشياء و ابينها غني عن الدليل و ليس شئ في عرصة الخلق اظهر منه فيكون هو المظهر له كيف لا و كل ما يصدق عليه الوجود فعلية منه و كمال له فهو موجود به يصدق عليه الوجود بانطوائه تحته و لاجل كونه ظهوره كما ان كل جسم جسم لاجل كونه ظهور الجسم المطلق و بانطوائه تحته و كونه فعليته و هذا معني قوله عليه السلام كل شئ سواك قائم بامرك و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره ، فافهم فما دمت ناظرا اليه لمتر سواه بل ليس سواه في الخارج معه بل هو بحر متلاطم لايساحل و يم زخار لايساجل مركب من مادة هي عين صورته و من صورة هي عين مادته لانك تراه صالحا للظهور قابلا للتجلي بجميع ما يكون مذكورا فيه مما سواه بالذكر الصلوحي الا ان هذا الصلوح هو عين مادته و نعبر عنه بالامكان الراجح و الوجود الراجح و لميتقطع هذا الامكان بنفسه و لميتحصص اذ ما يكون مادته عين صورته و صورته عين مادته لايكون قابلا للتحصص الا من حيث الظهور اي ظهوره الذي اعطاه اسمه و حده يصلح لان يتحصص كما ان الماء من حيث انه ماء لميتحصص بالبحر و النهر و المطر و البئر فيكون كل واحد بعضه و لايصدق عليه الاسم بكله بل الماء يتحصص من حيث الظهور و هو الكل فالكل له بعض تفهم عني فانه مشكل فاذا رفعت النظر عن هذا الوجود العام و الحرف المخفي و دخلت عرصة الشهود رأيت خلقا مقيدا بقيود ممتازة بمادة ممتازة عن صورتها و صورة ممتازة عن مادتها بالنسبة الي ذلك الوجود المطلق مركبا منهما تركيبا دهريا غير مسبوق باجزاء موجودة في الخارج قبله و ان كان يمكن التوجه [ص 262] الي كل جزء من دون الآخر في الوجدان بخلاف تركيب الوجود المطلق فانه غير مسبوق باجزاء موجودة في الخارج قبله و لايمكن التوجه الي جزء منه من دون جزء آخر فانه مركب من بسيطين غير مستقلين في الخارج و في الذهن و اما هذا الموجود المقيد فهو مركب من جزئين بسيطين بالنسبة في الخارج دون الذهن فان الذهن يتوجه الي جزء فيأخذ مادة تصوره منه و يكسوها صورة من نفسه فيدركه وحده من دون حاجة الي الآخر و اما ما ينتزع من الوجود المطلق فهو مجموع الجزئين فان كل جزء منه عين الآخر و بذلك صار لا بدء لاوله و لا منتهي لآخره فافهم فانه دقيق فهذا الوجود المقيد مقيد بالنسبة الي ذلك المطلق و اما بالنسبة الي ما دونه فهو مطلق عن جميع قيوده اي قيود ما دونه و له مراتب هي شروط كونه اثرا تاما للمؤثر علي ما شرحنا و بينا في السلسلة العرضية ما فذلكته انه فعلية للوجود المطلق احدثها بنفسها فلها حيث فعلية لنفسها و حيث مفعولية و حيث فعليتها له مراتب ثلث مقام اجمال محض و مقام تعلق بحيث المفعولية و مقام بين بين هو منتهي الاجمال و مبدء التفصيل و حيث مفعوليتها له اربع مراتب جهة دائرة علي الفعل علي التوالي و هي التي تحوم حول ربها و جهة دائرة علي نفسها تحوم علي نفسها و جهة دوران الجهة الاولي علي الثانية علي خلاف التوالي و جهة دوران الجهة الدنيا علي العليا علي التوالي و هي تأويل قوله سبحانه بلحاظ و من كل شئ خلقنا زوجين و هما في الحقيقة اربعة و تأويل قوله سبحانه و ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فهذه المراتب السبع هي المراتب [ص 263] التي لا بد لكل اثر منها في تحقق كونه اثرا و هذه المراتب ليست بالاثرية و المؤثرية و انما هي بالتنزل و التشكيك بطريق اللب و القشر و اللطيف و الكثيف يجتمع كلها تحت صدق الوجود المطلق عليها علي حد سواء كمراتب السموات و الارض و اجتماعها تحت صدق اسم الجسم عليها بالسوية فمقام اجمال حيث الفعلية يسمي بالعقل و مقام مبدء التفصيل يسمي بالروح و مقام منتهي التفصيل يسمّي بالنفس و مقام جهة الرب من حيث المفعولية يسمي بالطبع و مقام جهة النفس منه يسمي بالجسم و مقام دوران العليا علي السفلي يسمي بالمادة و مقام دوران السفلي علي العليا يسمي بالمثال فهذه السبعة هي مراتب الاثر في كونه اثرا لايتحقق الا بها البتة في كل مقام و اما هذه السبعة في الوجود المطلق فهي موجودة و لكن غير ممتاز بعضها عن بعض متحد بعضها مع بعض و قد تفصل تلك الجهات منه في اثره الذي هو كماله و فعلية ما هو فيه بالقوة و تفصيل اجماله و عبودية ربوبيته فهذه المراتب لكونها مراتب الصادر الاول من الوجود المطلق و لشدة تشاكلها معه و قربها منه لها اطلاق بالنسبة الي ما دونها و لها كمالات و فعليات نسبتها اليها كنسبتها الي الوجود المطلق فلكل مرتبة منها اثر له مراتب سبع علي حذو ما سمعت بها يتحقق عالم مستقل فالعقل المطلق له اثر له مراتب سبع هي بسايط عالم العقول فيسمي مقام اجمال حيث فعليته بالعرش و مقام مبدء تفصيله بالكرسي و منتهي تفصيله و تعلقه بالافلاك و حيوث مفعوليته بالنار و الهواء و الماء و التراب بها قامت بسائط عالم العقول الا ان هذه المراتب فيه عقلانية معنوية كلية و الروح المطلق له اثر و له مراتب كما سمعت هي [ص 264] بسائط عالم الارواح و هكذا الي ان الجسم المطلق له اثر و هو هذا العالم و له مراتب من عرش و كرسي و افلاك و عناصر هي بسايط هذا العالم علي ما تري و هذه المراتب كلها بالتنزل يجتمع كلها تحت اطلاق الجسم المطلق عليها فهي بالنسبة الي الجسم بالاثرية لانطوائها تحته و بعضها بالنسبة الي بعض بالتنزل لعدم الانطواء كما ان مراتب الاثر الاول المطلقة بعضها بالنسبة الي بعض بالتنزل لعدم الانطواء و بالنسبة الي الوجود المطلق بالاثرية لوجود الانطواء و كذلك مراتب الوجود المطلق بالتنزل بعضها بالنسبة الي بعض و ليست منطوية تحت الازل بذلك المعني الذي مضي فيكون للمطوي ذكر صلوحي في الطاوي بل هي ممتنعة في الازل جل شأنه فهو اي الوجود المطلق نفسه منطوية تحت نفسها دائرة عليها فافهم ان كنت تفهم فالاثرية و المؤثرية محققة في العالم بين كل مقيد و مطلق لا في مراتب كل مقيد ثم لكل من هذه العوالم السبعة مواليد توجد من دوران سموات كل مرتبة علي ارضيها و تلك المواليد هي غايات تلك البسائط في القوس الصعودية و مظاهر الحقيقة الجامعة لها و آية الاحد جل شأنه فيها الا ان بعض المواليد يسقط قبل كمال تكونه و بعضها يبقي الي منتهي التدبير و غاية التقدير فيظهر فيه سر الاحد جل شأنه الذي هو غاية الايجاد و هو الواحد و مركز الدائرة و قطب العالم و قلبه الذي به حيوة الكل فتلك المواليد تختلف في العوالم علي حسب استعداد موادها و الارحام الحاملة ففي بعض العوالم يكثر السقوط و في بعضها يقل و في بعضها لايكون بل يبلغ ولده منتهي التدبير و يظهر فيه سر الاحد القدير ففي عالم العقول لميسقط ولد و لميبق في البسايط ما لميستعد [ص 265] للتركيب و التوحد و ظهور سر الاحد عليه فصار جميع مواليده كاملة بالغة واصلة مظهرة للواحد الاحد جل شأنه فصاروا كلهم حجج الجبار لان موادهم كلها من الحجية و هي صفة العقل و لميتجاوز مواليدها الاربعة عشر و هم كلهم بالنسبة الي من دونهم كاملون في اظهار سر الاحدية الا ان لهم في انفسهم تفاوتا فكان واحد منهم القطب و القلب لذلك العالم الواصل منتهي الكمال و غاية الاعتدال فكان بمنزلة عرش ذلك العالم اي صار جميع اجزاء تركيبه في اللطافة مع الجامعية بصفاء عرشه و واحد ادني من الجميع فبقي مع الجامعية في مقام تراب ذلك العالم و واحد قد بلغ من الصفاء مع الجامعية مقام كرسي ذلك العالم و البواقي تدرجوا في درجات ساير مراتب ذلك العالم و انتهي تكثرهم الي اربعة عشر لان اصول ذلك العالم كما سمعت سبعة و قد غلب في بعضهم سر مادة كل مرتبة و في بعضهم سر صورته و لذلك ترددوا في المحمدية و العلوية فهم السبع المثاني التي آتاها الله نبيه صلي الله عليه و آله و هي فاتحة كتاب الايجاد صلوات الله عليهم اجمعين و اما عالم الروح فله ايضا بسايط كما عرفت و مواليد و تكثر مواليده الي مائةالف و اربعة و عشرينالفا و اختلف مراتبهم في النبوة و الرسالة و اولي العزمية و مظهر الخاتمية و هم آثار حقيقة المواليد الاولي لا آثار اشخاصهم و لميكونوا آثار نفس الحقيقة فان آثار نفس الحقيقة منحصرة في الاربعةعشر لميجعل الله لاحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا بل هم آثار تنزلها في الرتبة الثانية و اما عالم النفس فله بسايط كما عرفت و مواليد متكثرة لايحصيهم الا الله سبحانه و اختلف مراتبهم غاية لايحصيها الا الله سبحانه و هم الاناسي [ص 266] و هم آثار حقيقة الانبياء بعد تنزلها في الرتبة النفسانية و ليست آثار نفس الحقيقة الا اشخاص الانبياء لميجعل الله في مثل الذي خلقهم منه نصيبا فهم آثار الحقيقة المحمدية بواسطة حقيقة الانبياء بعد تنزلها و ليسوا بآثار اشخاصهم و انما آثار اشخاص كل رتبة حركتهم و سكونهم و اعمالهم و اقوالهم و ساير آثارهم فتدبر و اما عالم الطبايع فله بسايط كما عرفت و مواليده لايحصيها الا الله سبحانه و هم الجن المخلوقة من نار شجرة النفس و هم آثار حقيقة الاناسي بعد تنزلها الي الطبع لا اشخاصهم و آثار حقيقتهم بلا واسطة اشخاصهم اي اشخاص الاناسي و اما عالم المواد فله بسايط كما عرفت و مواليد لايحصيهم الا الله و هم الملئكة و هم آثار حقيقة الجن علي ما عرفت و اما عالم الامثلة فله بسايط كما عرفت و مواليد هي الحيوانات لايحصيها الا الله سبحانه كثرة و هي آثار حقيقة الملئكة كما عرفت و اما عالم الاجسام فله بسايط كما تري و هي اصول هذه البسايط العرضية المشهودة و له مواليد هي النباتات و هي آثار حقيقة الحيوانات و لعالم الاجسام اعراض قد حدث عنها بسايط عرضية و لها مواليد عرضية و هي الجمادات و هي آثار حقيقة النباتات بعد تنزلها في الاعراض و كل واحدة من هذه المواليد و الاشخاص آثار حقيقة العالين المطلقة بعد تنزلها كما عرفت و آثار الاشخاص اعمالهم و افعالهم و حركاتهم و سكناتهم فافهم راشدا موفقا ثم في عرض اشخاص كل رتبة اشخاص اعتدالهم اكثر من البواقي يظهر فيهم ما استجن في حقيقتهم من مثال الحقيقة العليا فينطقون عن لسان الاشخاص العالين فان الاشخاص العالين فعليات شؤن حقيقتهم و آثارها فلما نزلت تلك الحقيقة الي الحقيقة الدنيا نزلت شؤنها ايضا ففعليات [ص 267] تلك الشؤن في العالم الادني مظاهر حقائق تلك الاشخاص العالين فالاناسي مثلا آثار الانسان المطلق و الانسان المطلق تنزل حقيقة الانبياء و الانبياء آثار شؤن تلك الحقيقة الذاتية و تلك الشؤن الذاتية نزلت في حقايق الاناسي اي الانسان المطلق فللانسان المطلق شؤن هي تنزلات شؤن حقيقة الانبياء و شؤن لها من خاصة رتبتها و هويتها فلما ظهرت حقيقة الاناسي باشخاصهم فمنهم من هو فعلية تلك الشؤن النازلة و منهم من هو فعلية شؤن هوية الانسان المطلق فالذين هم فعلية الشؤن النازلة في حقيقة الانسان هم مظاهر حقايق الانبياء فينطقون بالنبوة لكن الانبياء في عالمهم ينطقون بحقيقة النبوة و في عالم الاناسي ينطقون بظواهر ما ينطقون في عالمهم و قشوره لا بلبه نحن معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم و هذا الامر جار في جميع المراتب فيجتمع في كل عالم ادني ظواهر العوالم العلياء فلذلك اجتمعوا كلهم في هذا العالم و كلهم ينطقون بمقتضي هذا العالم لا بمقتضي ما لهم في عالمهم فلو تكلموا بمقتضي ما لهم بالذات لميحتمله احد من اهل هذا العالم بالجملة كذلك عمرت الديار و ظهر الجبار و لكل نوع من المواليد في عالمه فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم لانه مركب من اجزاء عالمه و بسايطه و هو اثر تام له مراتب و لكل حقيقة في رتبة اصول تلك المراتب فانها شؤنها فكل حقيقة دنيا تنزل ادني مرتبة الحقيقة العليا فآثار الحقيقة الدنيا حقيقة آثار تنزل ادني مرتبة الحقيقة العليا و هي بالنسبة اليها جسمها فاشخاص المرتبة الدنيا حقايقهم اثر جسم حقيقة اشخاص العليا او حقيقة جسم اشخاص العليا فافهم فانه منتهي تحرير المسئلة .
[ص 268] فصل - و لنا سلسلة اخري طولية لكنها شرعية فيها يقال ان مؤمني كل رتبة شعاع مؤمني الرتبة العليا و كفار كل رتبة ظل كفار الرتبة العليا و يعبر عنها في مراتب سجين بالدنيا و هذه السلسلة سلسلة وصفية شرعية لا ذاتية كونية فانها في ترتب الارواح الايمانية و هي ارواح شرعية تصدر من الاوامر الشرعية كما ان الارواح الكونية تصدر من الاوامر الكونية فالشخص الشرعي الذي يسمي بالمؤمن و الكافر شخص وصفي يعرض الاشخاص الكونية له مادة هي تأكيد الامر الشرعي و شبحه المنفصل و صورة من قبول الشخص الكوني و مرآة قابليته و ذلك ان الله سبحانه خلق الاكوان بالاوامر الكونية لهم مادة هي شبح امر الله سبحانه و صورة هي من مقتضي القوابل الامكانية العلمية لله سبحانه فلما اقامهم اقامهم مميزين زيدا و عمرا و بكرا و هكذا ثم هؤلاء صاروا امكانا للاشخاص الشرعية فوجه الله سبحانه اليهم الاوامر الشرعية فامرهم و نهاهم فصدر من صبح امره سبحانه الشرعي نور اشرق علي تلك القوابل الامكانية لها التي هي هياكل ذلك النور و انطبع في مرآتها و انصبغ فيها فمن المرايا ما لميغير ذلك النور شيئا و اظهره علي ما هو عليه من مقتضي ارادة الله سبحانه الشرعية و منها ما غيرته قليلا و منها ما غيرته بحيث انكره الشارع و لمينسبه الي نفسه و تبرأ منه فتلك المثل الظاهرة هي الاشخاص الشرعية المركبة من مادة و صورة و هي المؤمن و الكافر فهما وصفان ملبسان علي زيد و عمرو كما ان الزيدية و العمروية وصفان ملبسان علي الامكان فهذه الاشخاص الوصفية في المراتب الخلقية ايضا بينها ترتبات و تسمي هذه السلسلة بالطولية الشرعية و هي مراد مشايخنا [ص 269] حيث يذكرون السلسلة الطولية الاتريهم يقولون ان الانبياء خلقوا من شعاع الحقيقة المحمدية و مؤمني الانس خلقوا من شعاع الانبياء و مؤمني الجن خلقوا من شعاع مؤمني الانس و خلق من شعاعهم الملئكة و من شعاعهم الحيوانات الطيبة و من شعاعها النباتات الطيبة و من شعاعها الجمادات الطيبة و يقولون في مقابلة ذلك ان الجمادات الخبيثة من شعاع النباتات المرة البشعة و هي من شعاع الحيوانات السامة و النجسة و المحرمة و هي من شعاع الشياطين و هم من شعاع كفرة الجن و هم من شعاع كفرة الانس و هم من شعاع المنافقين و هم من شعاع رؤساء الكفر و الضلالة اعداء محمد و آلمحمد عليهم السلام و ليس في الكون كفر و لا ايمان و كيفية حصول هذه السلسلة ان الله سبحانه لما عمر العالم بالاكوان في اختلاف مراتبها و جعل في كل واحد بالفعل ما كان في الآخر بالقوة جعل اصحاب الفعليات يده في استخراج قوي اصحاب القوي و بابه في الافاضة عليهم و ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و اسبابها منها لا من ذاته سبحانه الا ان في مقام التشريع منها ما هو سبب استخراج قوي محبوبة لما فيه من فعلية محبوبة و منها ما هو سبب استخراج قوي مبغوضة لما فيه من فعلية مبغوضة و في كل نوع قوي و ضعيف و كلي و جزئي ففي جانب النور و الخير كان الكون الاول بمقتضي كينونته و خاصة رتبته الطف الاكوان و ارقها و احكاها لمبدئه قد غلب عليه جهة الوجود الذي هو اثر مشية الله سبحانه المحبوبة مطابق لها في جميع الامور حتي اضمحل فيه جهة الانية و النفس و صار فعلياته بحذافيرها علي طبق مشية الله المتعلقة بوجوده و صفاته علي حذو صفاتها و صار جميع ما يخالف تلك المشية فيه بالقوة فصار جميع [ص 270] ما له و به و منه و اليه مطابقا لتلك المشية و ماتشاؤن الا ان يشاء الله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي ، فلما صار كذلك صار محل المشية التشريعية الاضافية لله سبحانه و صار امره امره و نهيه نهيه فاقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء و لما كان هو الكون الاول كان مهديا بنفسه كما ان الكون الاول الكوني مخلوق بنفسه و كما انه خلقت الاشياء الكونية بذلك الكون كذلك هنا خلقت الاشياء الوصفية بهذا الوصف اي وصف الكائن الاول و كما ان لذلك الكون الذي هو المشية الكونية رؤسا و وجوها تتعلق بالاشياء و بقوة كونها الفعلي تخرج الاكوان من القوة الي الفعلية كذلك لهذا الوصف الذي هو المشية الشرعية رؤس و وجوه تتعلق بالاكوان و بقوة وصفها الفعلي تخرج الاوصاف الشرعية من عدم اكوانها و قوتها الي الفعلية و كما ان جميع تلك الرؤس ترجع الي تلك المشية الكلية كذلك جميع هذه الرؤس ترجع الي هذه المشية و كما ان هنالك مواد الاكوان من مثال المشية و صورها من القوابل الامكانية كذلك هنا مواد الاشخاص الشرعية من مثال هذه المشية و نورها و صورها من القوابل الامكانية التي هي الاكوان حرفا بحرف و كما ان الامر هنالك كان كُنْ كان هنا آمِنْ و صَلِّ و صُمْ و امثالها و كما ان الامكان كان هناك عدم الكون و لميكن له تخصص بشئ من الاشياء و كان صالحا لكل واحد واحد كذلك امكان هذا المقام و هو وجود زيد و عمرو و بكر اي اكوانهم الخارجية صالح لان يصير مؤمنا و كافرا و طيبا و خبيثا و شقيا و سعيدا الي ان توجه اليها الامر [ص 271] التشريعي فمن سبق الي الاجابة علي حذو الامر و مطابقته التامة الكاملة فهو سعيد سابق و من تأخر و اجاب بعد حين مع تفاوت لايؤدي الي المضادة و المحادة فهو سعيد لاحق و هو من اصحاب اليمين و من لميجب و ضاد تلك المشية و الامر التشريعي فهو شقي و هلك و هو قوله سبحانه كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه الآية ، و قال و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر الآية ، و كانوا قبل الامر و النهي امكان المؤمن و الكافر و ان المؤمن و الكافر وصفان عارضان علي زيد و عمرو فهما قبل الايمان و الكفر ليسا من السلسلة النورانية و لا الظلمانية و انما هما كونان صالحان لان يصيرا من هؤلاء و ان يصيرا من هؤلاء و انما يخرج من امكانهما الايمان اذا وقع عليهما شعاع الكامل بالفعل في الايمان فيقوي ذلك الشعاع ما استجن في زيت كونهما من جنس هذا الشعاع فيلطفه و يرققه و يقوي مجانسه الكامن فيه شيئا فشيئا الي ان يخرج وصف المؤمن من كمون كونهما الذي هو امكان الايمان و الكفر الي عرصة الشهود فيتصف بصفة الايمان و يصدق عليه المؤمن فالمؤمن وصف تشريعي عارض علي الكاين و هو شعاع المؤمن القوي الكامل بالفعل من حيث المادة النوعية و الصورة النوعية و المادة الشخصية و صورته الشخصية من قبول مرآة كينونة الكائن التي هي امكان الايمان و الكفر و كما ان الكاين الاول المطابق وصفه للمشية المتعلقة بوجوده هو السبب الاول الاعظم في الانوار كذلك الكائن الاول المطابقة صفته للماهية المضادّة لجهة الوجود الموصوفة بجميع الصفات المبغوضة الكاملة [ص 272] فيها بالفعل هو السبب الاعظم في الظلمات و استخرج مستجنات الاكوان من الكفر و الشقاوة و العصيان و له رؤس و وجوه بها يستخرج الصفات الجزئية من امكان القوابل و كلها راجعة اليه صادرة عن امره و نهيه فعلهم فعله و عملهم عمله و قولهم قوله ، اليه يدعون و عليه يدلون فهذا السبب في سجين هو مقابل ذلك السبب في عليين قد قاما علي الاكوان لاظهار سر الاختيار و ابطال الاجبار ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة فمن اتبع هذا الداعي كان من شيعته راجعا اليه فكذلك يصدر من هذا الداعي ظلمة هي مادة الكفار و لها صورة من قبول القوابل فمنهم من لميغير و لميبدل كلمة الكفر و وافق ارادة هذا الداعي من كل جهة فهو السابق الشقي و منهم من غير في الجملة و خالف فهو من اصحاب الشمال و اما من ضاده من كل جهة و خالفه فهو مؤمن فهذا الداعي هو مشية الله الخذلانية المبغوضة فمن هذين المبدئين الداعيين تحقق سلسلتان نورانية و ظلمانية فاول السلسلة النورانية هو محمد و آله صلوات الله عليهم اجمعين و هم مشية الله التشريعية في احداث جميع المؤمنين في عرصات الاكوان فصدر منهم الاوامر الشرعية و صدر منها انوار هي مواد المؤمنين و تلك الانوار اشعة محمد و آلمحمد عليهم السلام و اشباحهم المنفصلة و آثارهم انتشرت في عرصات الاكوان فاول من استنار بتلك الانوار الانبياء سلام الله عليهم علي اختلاف مراتبهم في الاجابة و اختلاف قوابلهم في الصفاء و الكدورة و الاستقامة و الانحراف في الجملة فخرج من كمون اكوانهم و من قويهم الي الفعلية اوصاف النبوة و الرسالة فاتصفوا بهما و صاروا انبياء و مرسلين و ذلك بعد نزول محمد و آلمحمد [ص 273] عليهم السلام في رتبتهم و قيامهم بين ظهرانيهم و دعوتهم اياهم الي الله سبحانه بصفاتهم فصدر منهم نور الدعوة و صار مادة الانبياء و تصور ذلك النور بصورهم فكان مادة الانبياء من شعاع اشباحهم و صفاتهم المتصلة فلما خرج من كمون اكوان الانبياء الي الفعلية صفة النبوة و صاروا بها انبياء اشرق نورهم بعد اشتعالهم في عرصات الاكوان و صار مادة المؤمنين فاستخرج من كمون اكوان المؤمنين صور الايمان علي حسب اختلافهم فصاروا بذلك مؤمنين فلما اشتعل زيت وجود المؤمنين اشرق علي الاكوان بنور هو مادة مؤمني الجن و هكذا في كل طبقة فبذلك عمرت السلسلة الطولية النورية الي الجمادات الطيبة و كل داع الي الخير في هذه السلسلة في اية طبقة كان هو رأس من رؤس تلك المشية التشريعية و وجه من وجوهها و لسان من السنتها و من اصغي الي ناطق فقد عبده ان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، فكل مدعو هو من شيعة الداعي الا ان جميع المشايعين يرجعون الي الداعي الاول النوراني و كذلك الامر يعني بعكس ذلك في السلسلة الظلمانية فاولها اعداؤ آلمحمد عليهم السلام رؤساء الضلالة و الكفر ثم بعدهم رؤساء المنافقين ثم بعدهم الاتباع و الكفرة و المشركون من الانس ثم مثل هؤلاء من الجن ثم الشياطين و هكذا الي ان ينتهي الامر الي الجماد الخبيث فكلهم من شيعة تلك الرؤساء و كل داع الي الشر من رؤسهم و وجوههم و السنتهم و كل مدعو تابع لداع الي الشر من شيعته الي انه يرجع الي المبادي الظلمانية اخيرا و لجميع ذلك شواهد من الاخبار و الآثار ليس هيهنا موضع بيانها لانا لمنذكر هذه المسائل هنا الا [ص 274] بالعرض لغرض آخر و هذه الصور التشريعية هي العلة الغائية من خلق الاكوان فهي و ان تأخرت ظهورا عن الاكوان لكنها مقدمة وجودا عليها الاتري انها تصل اليها في القوس الصعودية و انها صور تحققت في عالم الذر و ستظهر في الآخرة و الدهر و ذلك انها فعليات و هي مقدمة علي القوة و الاستعداد فهذا مجمل ما اردنا ايراده علي سبيل الاختصار .
فصل - اعلم ان الموجود في كل مرتبة ذاتيته ما له في تلك الرتبة و ما هو به هو في تلك الرتبة فاذا اتخذ في الرتبة الدنيا مظهرا يكون ذلك المظهر بالنسبة الي ما هو به هو في العليا عرضيا لبسه نزولا و يخلعه صعودا اذا عاد الي مبدئه و ليس يصعد ذلك المظهر من رتبته الي الرتبة العلياء بل ليس منه و لا اليه فالفاتح صلي الله عليه و آله ذاتيته ما له في عرصة العقل الكلي له فيها فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم ففؤاده من العقل المطلق و عقله من عرش ذلك العالم و روحه من كرسيه و نفسه من فلك بروجه و طبعه من فلك منازله و مادته من شمسه و مثاله من افلاكه و جسمه من ارضه و هذه المراتب هي ذاتياته و لما خلق الله عرصة الانبياء اتخذ له اعدل قالب في عرصتهم هو قطب تلك العرصة و قلبها فالقي في هوية ذلك القالب مثاله فاظهر عنه افعاله و ذلك القالب بالنسبة اليه صلي الله عليه و آله عرضي و بالنسبة الي مرتبته و مقامه له تذوت و توحد و ليس اذا عاد صلي الله عليه و آله علي بدئه يتفكك و يعود الي البسايط عود ممازجة فان هذا القالب من عرصة الروح الملكوتية و من دار الخلد و البقاء لميسبقه عدم دهري فاذ لا بدء له دهرا لا تفكك له كما مر في المعاد و يأتي في الفصل الآتي ثم ان للانبياء سلام الله عليهم [ص 275] حقايق ذاتية في عالم الروح الملكوتية و لهم قوالب عرضية في عالم النفوس قد القوا في هويتها مثالهم فاظهروا عنها افعالهم و هي في عالمها لها تذوت و توحد لايسبقها عدم ملكوتي فليس لها تفكك و فناء ملكوتي و ليسوا يخلعونها في عودهم كما ان الفاتح ليس يخلع عرضيته في رتبة الانبياء اذا عاد نعم له صلي الله عليه و آله و لهم مقام مع الله تعالي في رتبتهم و درجات و نعيم و جنات يتنعمون فيها لايزاحمهم فيها غيرهم و ليس لغيرهم فيها نصيب انظر الي ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال اول من سبق الي بلي رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك انه كان اقرب الخلق الي الله و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما اسري به الي السماء تقدم يا محمد فقد وطئت موطئا لميطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل و لولا ان روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لماقدر ان يبلغه و كان من الله كما قال الله قاب قوسين او ادني اي بل ادني ، تدبر في هذا الحديث الشريف فان فيه اصولا علمية و المراد بالسبق فيه هو السبق الرتبي و اسراؤه هو عوده علي بدئه و الي مبدئه فروحه و نفسه كانتا من ذلك المكان و لذا بلغه عودا فافهم ، و عنه صلي الله عليه و آله في حديث بعد ما وصل السدرة المنتهي قال ثم صعد بي الي تحت العرش فدلي الي رفرف اخضر مااحسن اصفه فرفعني الرفرف باذن الله ربي فصرت عنده و انقطع عني اصوات الملئكة و دويهم و ذهبت المخاوف و الروعات و هدأت نفسي و استبشرت و جعلت امتد و انقبض و وقع علي السرور و الاستبشار و ظننت ان جميع الخلق قد ماتوا و لمار غيري احدا من خلقه فتركني ما شاء الله ثم رد علي روحي فافقت و كان توفيقا من ربي ان غطت عيني فكل بصري و غشي [ص 276] من النظر فجعلت ابصر بقلبي كما ابصر بعيني بل ابعد و ابلغ فذلك قوله مازاغ البصر و ماطغي لقد رأي من آيات ربه الكبري و انما كنت و ابصر مثل خط الابر نورا بيني و بين ربي لاتطيقه الابصار فناداني ربي فقال يا محمد قلت لبيك ربي و سيدي و الهي لبيك قال هل عرفت قدرك و موضعك و منزلتك قلت نعم يا سيدي الخبر ، تدبر في قوله صلي الله عليه و آله انقطع عني اصوات الملئكة و دويهم و قوله ظننت ان جميع الخلق قد ماتوا و لمار غيري احدا من خلقه ، فان هذا في عوده علي بدئه و هو كان قبل خلق الخلق بالفالف دهر و هناك كان مقام قاب قوسين او ادني كما يأتي ان شاء الله و كان هناك بذاتيته و جسمانيته فان معراجه صلي الله عليه و آله جسماني و في حديث عبدالله بن سنان عن ابيعبدالله عليه السلام في كيفية الذر و دخول النار قال فكان اول من دخلها محمد صلي الله عليه و آله ثم اتبعه اولوا العزم من الرسل و اوصياؤهم و اتباعهم الخبر ، فالنبي صلي الله عليه و آله له سبق رتبي علي الانبياء و لهم سبق رتبي علي المؤمنين و للمؤمنين سبق رتبي علي ساير الخلق و لا بد لكل طائفة ان يعود كما بدئ فللمؤمنين ايضا قوالب عرضية في رتبة الحيوان و لهم مراتب ذاتية في مقام النفوس الناطقة فاذا عادوا عادوا الي ما بدئوا منه و خلعوا تلك القوالب الحيوانية فتفككت و عادت الي ما بدئت منه فانها مسبوقة بعدم برزخي يسبقها بسايطها و كذلك لها اي للحيوانات حقايق ذاتية في عرصة المثال و قوالب عرضية في عالم النبات تلبسها نزولا و تخلعها عودا و تعود تلك القوالب الي ما بدئت منه عود ممازجة لانها مسبوقة بالبسايط سبقا زمانيا و كذلك النباتات لها حقايق ذاتية في رتبتها و قوالب [ص 277] عرضية في رتبة الجمادات تلبسها نزولا و تخلعها عودا فاذا عادت عادت الي ما بدئت منه عود ممازجة لا عود مجاورة و قد مر تحقيقات لهذه المطالب في المعاد فراجع و لي هنا تحقيق احب الاشارة اليه في فصل .
فصل - اعلم ان مرآة الانطباع ما لمتكن من عرض الشبح لايتحقق الانطباع و التفاعل بينهما و لايتولد بينهما ولد الظهور فلايظهر الشاخص فيها كما انه لاينطبع العقل في المرآة الجسمانية فلايطاوع المرآة الظاهرة تأثير الشاخص الباطن و لاتتنبه بامره و لا تحريكه فلاتمتثل امره و لاتتحرك بتحريكه البتة فلاجل ذلك لايطلع دان علي امر عال و ارادته و مشيته ابدا الا ان يتجلي العالي بتجل مصاقع للداني فيشعر به الداني و لما كان التجلي من العالي علي حسبه في القدس و النزاهة و الطهارة عن حدود الداني و كثراته و ان كان انزل منه بدرجة و كان الداني مقيدا بحدوده متكثرا بكثراته و لميكن لجميع مراتبه تناسب مع ذلك التجلي امتنع اطلاعه علي ذلك التجلي و مطاوعته له بجميع مراتبه اللهم الا قطب كرته و مركز دائرته و اعدل اجزائه و اوحدها و الطفها الذي ليس بشرقي و لا غربي بريء عن الاقطار مبعد عن الحدود فان ذلك في رتبة الداني اشبه جزء بتجلي العالي القدوس و الصقه به و اطوعه له و اشفّه عنه و احكاه و اما ما سوي ذلك الجزء فمحجوب بكثافته عنه حاجب له غير مطاوع له و متنبه به و مطلع عليه لان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و سر ذلك ان تجلي العالي لو كان في رتبة العالي و لايكون امتنع اطلاع الداني عليه بجميع اجزائه كثيفه و لطيفه بل التجلي انزل من المتجلي لانه فعله و الرتبة النازلة هي [ص 278] بعينها رتبة الداني فالتجلي من رتبة الداني لا محالة و لكنه اعلي درجات الداني و اشرفها و الطفها و مبدأها و اغيبها الذي هو حيث اثريته للعالي لا غير و الاثر يشابه صفة مؤثره لا محالة فذلك التجلي الذي هو مبدأ الداني الغيبي محجوب بكثرات انيته و حدوده و ظواهره و كثايفه مستجن في قوته و لايستخرج تلك اللطيفة الغيبية الي الفعلية الا بعد التصفية و التعديل التام و طرح الارمدة و الاوساخ و القشور فاذا صفي الداني و عدل و فصل عنه الارمدة و القشور الحاجبة لذلك التجلي المستجن فيه ظهر عليه آثاره قال اميرالمؤمنين عليه السلام في جواب اليهودي الذي اجتاز به عليه السلام و هو يتكلم مع جماعة فقال يا ابن ابيطالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن قال عليه السلام و ما تعني بالفلسفة أليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير فقال الله اكبر يا ابن ابيطالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات صلوات الله عليك انتهي ، تدبر في مطاوي هذه الكلمات الشريفة التي قد جمع جميع طروس الحكماء و علومهم و رسومهم و اعلم ان الداني ما لميعتدل و لميتصف لميحك تجلي النفس و لميظهر عليه اثرها و اما القشور و الارمدة فهي كثيفة غير شافة و لا مطاوعة بل و لا مطلعة و ذلك التجلي بعد فيها بالقوة و الامكان و معدوم و اما الصوافي المعتدلة فتلك هي الشافة الحاكية المطلعة المطاوعة السامية الي [ص 279] ما ترتقيه المتخلقة باخلاق ذلك التجلي فان ذلك التجلي حينئذ هو تلك الصافية الصايرة صافية رقيقة بالفعل الا انه هي من حيث الرب لا من حيث نفسه فهو هي وجودا في الخارج و ليس هو هي في النسبة فذلك الموجود الخارجي هو بنفسه تجلي العالي صدورا عن المبدأ و هو المرآة ظهوراً فصح ان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظايرها و الاشياء لاتتجاوز رتبتها و لاينطبع شبح في مرآة الا ان يكونا متصاقعين كما عرفت فذلك الصافي في الرتبة الدنيا هو اعلي مراتب الشئ و اصفاها و مبدأها و اول اذكارها فهو قلبها و عرشها و مستوي رحمانها و قطبها الذي هو محل عناية العالي من الداني و غوثها فلما اشرق ذلك القلب بنور العالي كما عرفت و اشتعل و حيي انار في اصقاع تلك الارمدة و القشور التي هي فضول ذلك الصافي و اعضاء ذلك القلب و فتيلة تلك الشعلة و قيده و وقايته فاستنارت منه الاقرب فالاقرب فبذلك انتشرت الانوار و عمرت الديار و ظهر الجبار و اشتهر الاخبار و ظهرت الآثار و بلغت الشرايع و الاوامر في الاقطار و ذلك حكمة الحكيم العليم القهار فامتنع ظهور الاحكام و الاوامر التشريعية من العالي في الداني الا من ذلك الباب قال ابوعبدالله عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا باسباب فجعل لكل شئ سببا و جعل لكل سبب شرحا و جعل لكل شرح علما و جعل لكل علم بابا ناطقا عرفه من عرفه و جهله من جهله ذاك رسول الله و نحن انتهي ، و قوله ذاك في الباطن المصرح به في الظاهر اشارة الي السبب فانهم سبب خلق الخلق كما روي و شرح السبب هو الاركان فانهم مقام تفصيل الغوث و شرح اجماله و علم الشرح هم النقباء الذين هم ظهور الاركان و باب العلم هم النجباء العلماء [ص 280] الذين يبعثهم الحجة الي الاطراف ليبثوا العلم في العباد و البلاد و اما في التأويل فالسبب هو التجلي الذي هو حيوة القلب و الشرح هو القلب من حيث الظاهر و العلم هو الصدر و الباب هو الآلات و الادوات الباثة لمرادات ذلك التجلي بما وصل اليها بواسطة الشرح و العلم فافهم ، بالجملة لايطلع في رتبة الداني علي مراد العالي الا القلب و القطب و لا بد في الوجود التشريعي منه فلا بد في كل رتبة من قلب حاك لساير الاعضاء عن الروح الباطن و لايدور رحاها الا علي ذلك القطب ابدا فلذا روي عن ابيجعفر عليه السلام لو ان الامام رفع عن الارض ساعة لماجت باهلها كما يموج البحر باهله و عن ابيعبدالله عليه السلام قال مازالت الارض الا و لله فيها حجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس الي سبيل الله و عنه عليه السلام لو بقيت الارض بغير امام لساخت و ان قلت فما بال العالم كان قائما قبل خلق آدم عليه السلام من غير حجة و ما بال الاعصار السابقة علي ظهور النبي صلي الله عليه و آله كانت دائرة من غير وجود النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام و هم المبدء الاول الاقرب الي الله سبحانه و الطفرة باطلة و ما بال عصر آدم علي نبينا و آله و عليه السلام كانت الدنيا قائمة و لميكن اركان اربعة و لا نقباء و لا نجباء و الطفرة في الايجاد كما تقول غير ممكنة قلت ان لي هيهنا تحقيقا غامضا لايفهمه الا الحكيم الرباني و هو ان للداني وجودين وجودا كونيا و وجودا شرعيا اما الوجود الكوني للاثر فهو كون الشئ كمال العالي و فعليته فهو بهذا اللحاظ ازلي لا بمعني القائم بنفسه لنفسه بل بمعني القائم بنفسه لغيره لان العالي لميكن الا كاملا و هذا كماله و لميكن الا عالما و هذا علمه و لذلك هو سبحانه لميزل عالما بالاشياء قبل كونها [ص 281] كما حقق في مسئلة العلم في التوحيد فراجع فالاشياء بهذا اللحاظ كلها ثابتة لديه سبحانه حاضرة في محضر واحد ليس فيها تجدد و حدوث فماضيها و غابرها كلها حاضرة لديه في حال واحدة ففي هذا اللحاظ لميكن العالم بغير قطب طرفة عين و هو اسبق اجزائه و الطفها و اولها و جميع الامداد يصل اليه و منه ينتشر في العالم ماضيه و غابره علي حد سواء و ان عرفت معني ذلك عرفت انهم سبب خلق الخلق كما روي و قال علي عليه السلام في صفة الامام هم رأس دائرة الايمان و قطب الوجود و قال ايضا و هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك شأن من هو نقطة الكاينات و قطب الدايرات و سر الممكنات و شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض و السماء ، الي غير ذلك من الاخبار التي لاتحصي كثرة و اما اذا لوحظ العوالم في رتبتها و بعض اجزائها بالنسبة الي بعض بالنظر التشريعي فللعالم درجات في اوقاته و حالات في نسبة بعض اجزائه الي بعض فانه بعد ما نزل الي غاية البعد عن المبدء و خمدت فيه الانوار و صارت فيه بالقوة بعد ما كانت بالفعل و اخذ في الصعود و التلطف و التصفي و الاعتدال فاخذ يعتدل شيئا بعد شئ و يتصفي شيئا بعد شئ و في كل درجة يظهر عليه آثار الغيب شيئا بعد شئ علي مقدار تصفيه و اعتداله الي ان يبلغ الكمال و يظهر عليه آثار الجلال فكما ان المولود في اول الدرجات كيلوس في المعدة متباين الاجزاء ثم يترقي كيموسا في الكبد يحصل لاجزائه تشاكل ما فيحدث فيه المزاج اي الطبيعة الخارجة ثم يصعد روحانيته بعد صيرورته دما الي الدماغ فيحدث فيه روحانية جسمانية زايدة لانقلابه فيه بخميرته ثم تنزل الي الكلية و الي اوعية المني فتستحيل [ص 282] منيا بالانقلاب فيها بخميرتها ثم تدفق في الرحم فتكون منيا مستعدا للتدبير و التعديل و التصفية ثم يتربي شيئا بعد شئ و يغذي بالدم الي ان يصير علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي لحما فيتم حلقة بدنه مفتوح المسالك مرتبط الاجزاء فيجري الدم الغذائي في معدته من سرته فيصير كيلوسا ثم يذهب صوافيه الي الكبد فتصير كيموسا ثم يفصل عنه طراطيره و يستخلص الجوهر الخالص الدموي فيذهب الي القلب فيعمل فيه الحرارة الغريزية فيتبخر فيكون بخارا لطيفا صاعدا فهنالك يشف عما وراءه من الحرارة الفلكية الحيوانية فيشتعل به فيأخذ في الحركة بالانقباض و الانبساط فينبسط بمقتضي الحرارة الفلكية و ينقبض بمقتضي طبيعيته فينشأ خلقا آخر و تبارك الله احسن الخالقين فهيهنا يحدث القلب و القطب و السفير بين الظاهر و الباطن و الشهادة و الغيب المتلقي عن الغيب المبلغ الي الشهادة القائم مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فهذا البخار الذي هو القطب و القلب هو اشرف من جميع الاعضاء و اقربها الي المبدء و اعليها و اولها وجودا و آخرها شهودا و فاتحها الذي منه البدء و خاتمها الذي اليه العود و جميع الامداد يصل اليه اول ثم ينزل منه و ينتشر في الاعضاء الكثيفة فهذا القطب كان باللحاظ التشريعي الزماني قبل في الاطوار السابقة بالقوة ثم صار بالفعل بعدها فهي سابقة عليه زمانا و لكن في اللحاظ الدهري هو مقدم عليها لانه اقرب الي المبدء و هي ابعد فلايصل فيض دهري اليها الا بعد وصوله اليه و خروجه عنه فينتشر فيها به و هو الواسطة و المؤدي عن المبدء اليها الا انه كان مع تلك الاطوار [ص 283] في الغيب و الخفاء و كان بعدها في الشهادة و العلانية و اما في اللحاظ الزماني و الامداد التشريعي فلميكن ذكر له معها و لا مدد يصل اليها به فان المدد الواصل في الشرع هو الروح و لمتكن الاطوار السابقة حية بالحيوة التشريعية فافهم هذا المثل ، ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، فكذلك امر الانسان الكبير في اطواره فقبل خلقة آدم علي نبينا و آله و عليه السلام كان العالم علي حد الكيلوس و الكيموس ليس فيه ذكر للاطوار فصار في عصر آدم عليه السلام علي حد طور النطفة و في عصر نوح عليه السلام علي حد العلقة و في عصر ابرهيم عليه السلام علي حد المضغة و في عصر موسي عليه السلام علي حد العظام و في عصر عيسي عليه السلام علي حد اكساء اللحم فلما تم جسد العالم و صلح لطور انشاء الخلق الآخر نفخ فيه الروح اي روح شرع محمد صلي الله عليه و آله لحصول الروح البخاري الذي هو وجود محمد صلي الله عليه و آله فلما اقتضي الاسباب الفاعلة و القابلة ظهوره صلي الله عليه و آله و ظهر شف وجوده بروح الوحي و الشرع المستدام عمر الدنيا فاشتعل بروح من الله سبحانه فسري منه في جميع اعضاء العالم و حيي ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و ينتشر دينه و شرعه في جميع الاقطار فهذا القطب الاكرم و الغوث الاعظم زمانا متأخر عن جميع الاطوار السابقة الا انه الطف من الكل و اشرف و اكرم علي الله تعالي قدره و اقدم بحيث لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع به فتح الله و به يختم فهو الخاتم لما سبق و الفاتح لما استقبل فلما كان اسبق الخلق دهرا و اقدمهم [ص 284] وجودا و اسرعهم اجابة كان هو واسطة جميع الفيوض النازلة دهرا علي الامم السابقة و اللاحقة لحضورهم جميعا في الدهر في محضر واحد و كونهم دونه في الرتبة و تقدمه عليهم فهو القائم مقام الله سبحانه فيهم في اداء جميع ما اراد الله سبحانه منهم و اما في الامداد التشريعية الزمانية فلمينتشر منه الا امداد ظهرت منه في الزمان الي اهل زمانه و ما بعده و كذلك امر خلفائه بعده و الاركان و النقباء و النجباء بعدهم فان النبي صلي الله عليه و آله اول انسان اجاب سؤاله سبحانه الست بربكم بالبداهة ثم اوصياؤه عليهم السلام ثم اولوا العزم من الرسل ثم الرسل ثم الانبياء ثم الاوصياء ثم النقباء ثم النجباء ثم الاكرم علي الله فالاكرم فكل واحدة من هذه الطوايف واقف في درجة اجابته البتة و لكل درجات مما عملوا ، فاذا لاحظت في العالم باللحاظ الدهري الذي يجمع الكل فكل في درجة سبقه لايضر متأخرا زمانا تأخره اذا كان سابقا في الايمان اقرب الي الله سبحانه و لاينفع سابقا سبقه اذا كان اقل ايمانا و ابعد عن الله سبحانه فكل من هو اقرب الي الله سبحانه اعلي درجة و كل من هو ابعد بدرجة ادني درجة و لا طفرة في درجات القرب الي الله سبحانه و لا شك ان الفيوض و الامداد الكونية الدهرية تصل اليه قبل ان تصل الي من هو ابعد منه البتة و ان كان الابعد اسبق زمانا و الاقرب متأخرا زمانا نعم لميكن المتأخر زمانا في الازمنة السابقة و الفيوض الزمانية التشريعية لمتكن تصل الي السابقين بواسطة اللاحقين و انما تصل بهم الي معاصريهم و من بعدهم فاذا لميكن الاعصار السابقة باللحاظ الدهري خالية من وجود الغوث الاعظم و خلفائه و اركانه و نقبائه و نجبائه و لميلزم طفرة و اي شئ ادل علي ذلك من دوران رحاهم [ص 285] و لايدور رحي بلا قطب ابدا و اما القطب الشرعي في الاعصار السابقة فهو الذي يصل منه روح شرعي يناسب اهل ذلك العصر و يكفيهم ذلك و يحيون به حيوة تليق بهم الاتري ان الجماد مثلا يحتاج الي حيوة تمسك تركيبه لا غير فلايحتاج الي قطب يؤدي اليه اكثر من ذلك و النبات يحتاج الي قطب يؤدي اليه حيوة تمسك عليه قواه و نماه و الحيوان يحتاج الي قطب يؤدي اليه حيوة دراكة مريدة متحركة و الانسان يحتاج الي قطب يؤدي اليه روح الايمان فكذلك كل عصر يحتاج الي قطب يؤدي اليه ما به قوامه و حيوته التي هو بها حي و تناسبه فان لميكن قطب عصر لاحق في العصر السابق لميكن دليلا علي عدم الحاجة الي القطب اللاحق في العصر اللاحق و ان قلت ان قطب الجماد مثلا بعيد عن المبدء يقينا و واقع في ادني مراتب الاقطاب فما باله لا واسطة شرعية بينه و بين المبدء في العصر السابق و الطفرة في كل مقام باطلة قلت انا قد قدمنا ان الاقطاب مترتبة في اللحاظ الدهري لا طفرة بينها و يمد كل مقدم من تأخر عنه فالقطب الاعلي اللاحق زمانا منتشر حيوته في سوالف الزمان و خوالفه من اول الزمان الي آخره الا ان اهل الزمان السابق لميكونوا قابلين للاستفادة منه لكثافة قوابلهم و اهل الزمان اللاحق كانوا قابلين فاستفادوا منه الحيوة الشرعية فلو فرض ان وجد في الزمان السابق واحد قابل للاستفادة من القطب لاستفاد و حيي بحيوته و استنار بنوره البتة و لذلك كان يؤخذ العهود بالايمان بخاتم النبيين و اوصيائه الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين فان قوابلهم كانت صالحة للاستفادة من القطب اللاحق و الاستحياء به فبهذا المعني كانوا معلمين للانبياء السالفين [ص 286] و معهم في الخفية قال العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و ان الكليم لما عهدنا منه الوفاء البسناه حلة الاصطفاء ، و في كتاب آخر له عليه السلام الانبياء كانوا يقتبسون من انوارنا و يقتفون آثارنا الكتاب ، و بذلك قد تواترت آثارهم معني و اما اممهم فلكثافة قابليتهم و عدم استعدادهم لميكونوا قابلين لذلك اللهم الا بالايمان الاجمالي الذي يخبرهم به حججهم فلو فرض فيهم واحد كان قابلا لذلك لكان يستفيد من الاقطاب الآتية البتة فافهم ذلك فانه دقيق و بالتوجه اليه بكلك حقيق .