تقيلت افعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب
و يا علة الدنيا و من بدؤ خلقها اليه سيتلو البدأ في الحشر تعقيب
و هم ينكرون ذلك اشد الانكار ، و يقول عدوهم :
والله لولا حيدر ماكانت الدنيا و لا جمع البرية مجمع
و اليه في يوم المعاد حسابنا و هو الملاذ لنا غدا و المفزع
و هم ينكرون ذلك ، و عدوهم يقول :
علام اسرار الغيوب و من له خلق الزمان و دارت الافلاك
و يقول :
و ذو المعجزات الباهرات اقلها الظهور علي مستودعات السراير
و هم لايقولون بذلك ، و يقول عدوهم :
صفاتك اسماء و ذاتك جوهر بريء المعاني من صفات الجواهر
تجلّ عن الاعراض و الكيف و المتي و تكبر عن تشبيهها بالعناصر
و هم لايقولون بذلك بل ينكرونه اشد الانكار ، الي غير ذلك مما لايحصي و انا اقول :
اذا لمتكن للمرء عين صحيحة فلا غرو ان يرتاب و الصبح مسفر
و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
المقام الخامس - في مقامهم الخامس و هو مقامهم العرضي العنصري الذي ظهروا فيه بمشاركة الرعية و هذا المقام منهم هو الذي تفاضل في معرفته المداحون و الوعاظ [ص 230] و عامة الموالين و علماؤهم المنصفون غير الكاتمين و لميتجاوزه الي ظواهر المقام الرابع الا قليل منهم و منتهي معرفتهم ان عليا عليه السلام هو الضارب بسيفين و الطاعن برمحين قالع باب خيبر و قاتل عمرو و مرحب هازم الصفوف و لايكترث بالالوف هو مصلي القبلتين و بايع البيعتين و اول الناس اسلاما و آخرهم خروجا من عند النبي صلي الله عليه و آله و هو زوج البتول و سيف الله المسلول و ابو شبير و شبر و النور الانور و هكذا من امور لاتنكر و قد شهد بها كل ناصب ابتر و قد احتج باكثرها و ازيد منها علي عليه السلام علي المنافقين فاقروا له و لميقدروا علي انكارها و كتب العامة و الخاصة بها مشحونة و كأنهم لايزعمون فضيلة فوق ذلك و قد اخذ خلفهم بعد تماديهم في التشيع عن سلفهم الذين كانوا جديدي التشيع و لايتحملون ازيد من ذلك و قالوا انا وجدنا آباءنا علي امة و انا علي آثارهم مقتدون و لعل بعد ما بينا من هذا المقام ايضا بعض خفاياه تعرف انهم لميحوزوا علم هذا المقام ايضا و لا قوة الا بالله و في هذا المقام ايضا فصول :
فصل - اعلم انه لما خلق الله العقل خلقه وحده لايساويه غيره و لايصاقعه سواه و لميكن في ديار الامكان غيره فامره بالادبار و الانتشار في مراتب الامكان و اصقاعه فنزل رتبة بعد رتبة و هو في كل رتبة بالفعل بما هي عليه مما يخصها و بالقوة مما كان عليه فوقها فكان حيا في كل عليٰا و مات في كل دنيا الي ان وصل الي التراب و هو غاية بعده من رب الارباب و نهاية موته و اضمحلاله و تلاشيه و ضعفه فنودي بالاقبال و الصعود الي الله المتعال فصعد شيئا بعد شئ و ترقي جمادا ثم معدنا ثم نباتا ثم حيوانا ثم انسانا ثم وليّا ثم نبيّا [ص 231] و هو الفاتح لما استقبل بدءا و الخاتم لما سبق عودا و هو اول ما خلق الله و آخر ما خلق الله سمي في البدء بالعقل و في العود بالنبي و من البين انه كلما بعد عن المبدء نزولا ضعف قوته و رخوت بنيته و كان اقل دفعا للاعراض عن نفسه و كلما كان اقرب كان اقوي و اشد و كان اكثر دفعا للاعراض فكان حيث كان في غاية القرب خاليا عن الاعراض خالص الاغراض و كلما نزل درجة لحقه اعراض و صارت اكثر الي ان بلغ غاية البعد فكان اكثر اعراضا و اقل اغراضا من كل مرتبة حتي انه تحقق في غاية البعد عالم مستقل يسمي بعالم الاعراض له سموات عرضية و ارضون عرضية و مواليد منها عرضية ليس واحد منها علي صرافته الاولية و ذلك ما تري من عالمك المشهود فانه ليس سماؤه بسماء اصلية و لا ارضه بارض اصلية و لا مواليده بمواليد اصلية و لا عبرة بها في انظار الحكماء و لا في كتاب الله و سنة النبي و اخبار الاولياء فانها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب ، و هذه الاعراض زبد يذهب جفاء و اما ما ينفع الناس و هو الاغراض فيمكث في الارض و هي مراد الحكماء من الفاظهم اذا اطلقوا فلما نزل العباد جميعا الي دار الاعراض هذه و اراد الله سبحانه اعلاء كلمته و اظهار امره و اتمام حجته و ابلاغ دعوته اظهر الحجج سلام الله عليهم في هذه الدار ايضا و اصطفي لهم قوابل عرضية من هذه الاعراض لكن من اعدلها و اصفيٰها و اكرمها و اقويها و الطفها و انعمها و اظهر انوارهم فيها حتي نطقت بهم و تحركت و سكنت و نظرت و سمعت و فعلت ما فعلت بهم و قامت مقامهم في الاداء اذ كان لاتدركهم الابصار العرضية و لاتحويهم خواطر [ص 232] الافكار و لاتمثلهم غوامض الظنون في الاسرار فقامت بين ظهراني العباد تدعو الي مبدئها و تشير الي مولاها فهم في هذا المقام جزئيون و بشر من ولد آدم علي نبينا و آله و عليه السلام يأكلون الطعام و يمشون في الاسواق كباقي افراد نوعهم و يجري عليهم ما يجري علي السايرين و مع ذلك هم في هذا المقام اعلم الكل و احلم الكل و اشجع و اقوي و اسخي و اعبد و ازهد معصومين مطهرين عن كل رجس و لوث و نقص و عيب ائمة دعاة هداة قادة سادة ذادة يجري علي ايديهم ارادة الله و علي السنتهم مشية الله لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و هم مفزع الخائفين و ملجأ الهاربين و ملاذ المستجيرين و مقيلوا العاثرين اسوة المتأسين مقتدوا المقتدين و فتنة المفتونين و هم في هذا المقام يشاركون الرعية في ما لايخص بالامام اذ كل كبير له خواص في امارته لايشاركه فيها المأمورون و اما في عبادته سبحانه و التشرع بشرايعه فالكل عبيد له سبحانه مشاركون في العبادات و الطاعات فهم في هذا المقام يتأسي بهم في افعالهم و اقوالهم و احوالهم و يتعلمون منهم و يقتدون بهم و لكم في رسول الله اسوة حسنة اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده و اما قول الصادق عليه السلام لاتنظروا الي ما اصنع انا افعلوا ما تؤمرون فيعني ما يخصه من تقية فانه مطرح الانظار و يلزمه من السلوك ما ليس يلزم غيره فهو حكم ثانوي و اما في الحكم الاولي فهم اسوة و مقتدون يجب التأسي بهم كما يدل عليه اخبارهم صلوات الله عليهم و في هذا المقام يجري عليهم ظواهر جميع ما ابرزوه من فضائلهم صلوات الله عليهم اجمعين و عوام الشيعة و اكثر الخواص لايعرفون منهم الا هذا المقام و يظنون انه ليس لهم مقام الا هذا المقام [ص 233] فيصدقون ما ينطبق عليه من اخبارهم و يأولون ما لاينطبق و كثير منهم ينكرون الباقي و يكفرون من حيث لايعلمون و لعمري هذا المقام ليس لهم الا كثوب لبسوه للضرورة و خلعوه اذا رفعت الحاجة عنه و عادوا الي ما كانوا .
فصل - و هذا البدن منهم لا خصوصية له بهم بوجه من الوجوه فانه يمكن ان يتصل بغيرهم كما شرب ابوطيبة الحجام دم النبي صلي الله عليه و آله و صار جزء بدنه و شرب امايمن بوله و صار جزء بدنها و اكل ريقه مع اللقمة تلك العجوز و صار جزء بدنها فانه تألف من عناصر يمكن ان تصير بدنهم او بدن غيرهم أليس انهم يأكلون من النباتات و الحيوانات و يستحيل الي بدنهم و يصير جزء له و انما هو بدن يأتمر بامرهم و يتشرف بشرفهم ما دام متصلا بهم فاذا خلعوه رد كل جزء منه الي اصله من العناصر و جري عليه حكم اصله و اذ لميكن له خصوصية بهم اي لميكن تنزل عقلهم و نفسهم او ساير مراتبهم لايجب ان يكون واحدا و شخصا خاصا بل ان صاغوا مثله الف مرآة يتجلّون في كلها فتري الف علي عليه السلام في الف مكان و هو من حيث الذات واحد و لكنه اتّخذ الف بدن كلها في الاعتدال و الاستقامة و الطهارة سواء و كلها يحكي عليا معصوما طاهرا مطهرا ابن عم للنبي و اخا له و زوجا للبتول و ابا للحسنين و والدا للائمة عليهم السلام و ان شاء خلعها و ان شاء ظهر بصورة الحسن او بصورة الحسين او غيرهما من صور الائمة عليهم السلام او غير صور الائمة كانسان او اسد او غير ذلك فان هذا اللباس ليس الا كعباءة لبسوها و خلعوها و الموت و القتل يجري علي هذا اللباس منهم و لذا قالوا ان ميتنا اذا مات لميمت و ان قتيلنا اذا قتل لميقتل ، فاذا قتل قتيلهم و دفن خلع الاعراض [ص 234] عن نفسه لعدم الحاجة اليها و تعلق باعلي عرش ربه فانه مقامهم الرابع و هو لايصيبه حد سيوف هذه الدنيا و لا حرّ نارها و لا شئ من آلاتها و هذا معني ما روي انهم لايبقون في قبرهم اكثر من ثلثة ايام و انهم في العرش ينظرون الي زوارهم و مواضع قبورهم بالجملة هذا البدن منهم عرضي يتوحد لهم و يتكثر و يظهرون في كل عصر بايّ عرض و اي لباس شاؤا و في حديث المعرفة بالنورانية تفصيل لهذا المقام و اجمله في قوله انتقل في الصور كيف اشاء من رآني فقد رآهم و من رآهم فقد رآني و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك في الناس و قالوا هو لايزول و لايتغير و انما انا عبد من عباد الله لاتسمونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لنتبلغوا كنه ما جعله الله لنا و لا معشار العشر الي ان قال فانا نظهر في كل زمان و وقت و اوان في اي صورة شئنا باذن الله عز و جل ، الخبر .
فصل - ظهورهم في كل زمان باي صورة شاؤا له معنيان مرادان احدهما اسهل تحملا من الآخر احدهما انهم يظهرون في زمان محمد صلي الله عليه و آله بصورة محمد و هي مرآة مستقيمة معتدلة من كل جهة و لها توجه تام بهم فيظهر منها آثارهم و هي شاعرة بانها صورتهم و هم ينطقون بها و يسمعون و يبصرون و يعملون ما يعملون و كذلك في زمان علي عليه السلام بصورة علي و زمان الحسن بصورة الحسن عليه السلام و هكذا الآن هم بصورة القائم عليه السلام فهم كلهم نور واحد و روح واحد و طينة واحدة معصومون مطهرون عالمون قادرون حكام آمرون و هذا يحتمل و اما الذي يصعب حمله ظهورهم بغير هذه الصور الكاملة و قد اخبروا بظهورهم بها في احاديث عديدة [ص 235] كحديث النورانية و غيره من الخطب حتي انه صلي الله عليه قال في الطتنجية انا الآمل و المأمول ، و هو يعم الكل و قال الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان ، و هو يعم الكل و هكذا و لكن يزول الاشكال اذا عرفت ان العالي اذا نزل الي الداني لاينزل بذاته و انما ينزل بظهوره له فاما ان ينزل بظهوره الكلي الحاكي لجميع شؤن ذاته المهيمنة علي جميع صفاتها كالظهور الكلي المسمي بزيد المهيمن علي جميع صفاته من كاتب و نجار و صايغ و غيرها و هو الذي في جميع الحالات هو هو لايتغير و لايزول و له مقام الرجحان بالنسبة الي ذاته العليا و صفاته الدنيا المعبر عنه بالاصل القديم و الازلية الاولي و شمس الازل و غير ذلك و اما ان ينزل بظهوره الجزئي كالقائم و القاعد و الكاتب و الصايغ و غيرها فان هذه الصفات ايضا لو ظهرت لذي عينين لرؤيت علي هيئة زيد الا ان القائم زيد قائم و القاعد زيد قاعد و علي اي حال هو زيد و الزيد المطلق اعطي كل واحد اسمه و حده و لاينافي القيام الزيدية و لا القعود بل كلها من جملة ما به زيد زيد فالزيد الكلي تجلي مرة في القائم و مرة في القاعد و لو رأيتهما لرأيتهما علي هيئة زيد بدون تفاوت و رأيت الاسم دالا عليهما بالمطابقة فانهما ليسا بشئ غير زيد و ليس لهما شئ آخر مع زيد و انما هما زيد محض فصدق علي كل واحد انه زيد بالمطابقة فلو قال زيد انا القائم و انا القاعد و انا الكاتب و انا الصائغ لميكذب و لميحتج الي تأويل بوجه من الوجوه بل لو قال غير ذلك لاحتاج الي تأويل قطعا و لكن اكثر الناس لايعلمون و ان عرفت مما قدمنا و من ساير كتبنا ان جميع ما سوي حقيقتهم انما هو من شعاع نورهم و هو وصفهم [ص 236] نسبته اليهم نسبة القائم الي زيد فيزول الاشكال في قوله انا آدم انا نوح انا فلان انا فلان و لايحتاج الي تأويل ابدا فانهم بالنسبة اليه كالقاعد و القائم بالنسبة الي زيد قال علي عليه السلام يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انا الذي حملت نوحا في السفينة بامر ربي و انا الذي اخرجت يونس من بطن الحوت باذن ربي و انا الذي جاوزت موسي بن عمران البحر بامر ربي و انا الذي اخرجت ابرهيم من النار باذن ربي الي ان قال انا تكلمت علي لسان عيسي بن مريم في المهد و انا آدم و انا نوح و انا ابرهيم و انا موسي و انا عيسي و انا محمد الي ان قال من آمن بما قلت و صدق بما بينت و فسرت و شرحت و اوضحت و نورت و برهنت فهو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و هو عارف مستبصر قد انتهي و بلغ و كمل و من شك و عند و جحد و وقف و تحير و ارتاب فهو مقصر ناصب الخبر ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان هذه الاضافات كلها حقيقية كحمل القائم علي زيد بلا تفاوت و هو حمل شايع حقيقي لا نكير عليه هذا بقي شئ و هو ان هذا الحمل في المحسنين ظاهر و يتحمل فانهم صفاتهم و شعاعهم و نورهم و هل يجوز حمل غير المحسن عليهم ام لا و الجواب انه لا شك في عدم جواز حمل غير المحسن الخبيث علي المحسن الطيب فان الله يقول الخبيثات للخبيثين و الطيبات للطيبين اي الصفات الخبيثة للاشخاص الخبيثة و الصفات الطيبة للاشخاص الطيبة الا انه للخبث و الطيب مقامان مقام شرعي و مقام كوني اما الخبيث الشرعي فلايجوز حمله عليهم في الشرع فانه ليس منهم و لا اليهم بل من اعدائهم قال عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و اعداؤنا [ص 237] اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و اما في الكون فلا خبث لشئ و انما الكل قد اطاعت امر الله و آمنت به و اسلمت له لايوجد شئ غير مؤمن مسلم و لذا قيل بالنظر الاعلي ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و اخبر الله بايمان الكل فقال كل قد علم صلوته و تسبيحه و قال و ان من شئ الا يسبح بحمده و في الزيارة يسبح الله باسمائه جميع خلقه ، فاذا كل الخلق كونا طيبون و اذا كانوا طيبين كانوا من صفات الطيّب الظاهر بهم فاذا هم صفاته و اسماؤه قال الله سبحانه زيّن لهم الشيطان اعمالهم و قال في اخري مبهما زيّن لهم سوء اعمالهم و في اخري واضحا زيّنّا لهم اعمالهم و علي هذه فقس ما سويها ،
فما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمٰي و الحي و الفلوات
و لنقبض العنان فللحيطان آذان و هذه الحمول ليست لهذا البدن الشخصي العرضي حتي يتحير المقصرون و يأول المبطلون و انما هذا الشخص احد تلك المحمولات و هو اجمعها و احكاها لجهات الموضوع و هو بمنزلة زيد الجامع و ظهوره و القائم مقامه و اما ساير المحمولات فهي كالقائم و القاعد و الكاتب و الصايغ تحمل علي حقيقة هذا الناطق و هي غير مقيدة بشئ من هذه المحمولات و كلها بالنسبة اليه اعراض و لنعم ما قال الشاعر :
يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض
و انما موضوع هذه المحمولات هو المطلق الظاهر بالجزئيات ففي الاجسام الجسم المطلق و في النفوس النفس المطلقة و في العقول العقل المطلق و في الحقايق الحقيقة المطلقة و جميع المطلقات كونهم و شرعا مراتبهم و مقاماتهم و مقامات بابيتهم للامداد و الفيوض فان حيث ظهور المطلق في المقيدات هو حيث بابيته [ص 238] و اضافته الي من دونه و اما من حيث نفسه فهو مقام المعاني و اما من حيث ربه فهو مقام البيان و ظهوره الكلي مقام الامامة و القطبية و القلبية و ساير الظهورات الجزئية فهي اعضاء و جوارح و يصدق علي الكل اسم العالي فانه اعطي دونه اسمه و حده ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك و مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه ، لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك ، فارفع المصباح فقد لاح الصباح فتبين مما بينا ان العوام لميعرفوا ايضا مقام ظاهرهم كخواصهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون .
فصل - قد عرفت ان مقام قطبيتهم التي عليها يدور رحي العوالم و بها تقوم و تتماسك هو مقام كونهم اول ما خلق الله في كل رتبة بحسبه اذ اول كل رتبة عقله و العقل هو القلب كما قال الله سبحانه ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب و هو وسط الكل كما قال وليه عليه السلام و العقل وسط الكل و هو الطف الاعضاء و اشرفها و مبدؤها و اول ما يحيي منها بالعالي و آخر ما يرجع اليه الحيوة من الكل و هو الكعبة التي دحيت ارض الاعضاء من تحتها و هو اول بيت وضع للعالي و ظهوره لمنفعة الناس فمقام قطبيتهم التي عليها يدور الرحي هو مقام خفي عن الابصار اذ جسدهم في ذلك المقام الطف من محدب العرش و اعدل و اصفي و احكي للمبدء فهو لايري و لايدرك بهذه الاعين العرضية و ذلك المقام منهم مستمر علي مر الدهور و الاعوام ثابت دائم لميزل و لايزول فان به تقوم السموات و الارض و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و هو الامر المفعولي و في الزيارة بكم يمسك السماء ان تقع علي الارض [ص 239] و لولا ذلك المقام لمااستقر العالم طرفة عين و هو سواء كونه قبل ابينا آدم و معه و بعده فالعالم لو خلي منهم لساخ و تفتت و فسد و هو الذي يقول انا كذا انا كذا و لمايخلق هذا البدن العرضي و هو الذي كان في كل عصر و اوان يتحرك به كل عضو و يسكن به كل عضو و يفعل الافاعيل و اما هذا البدن العرضي فلا شك في تولده في وقت معين و لميتألف قبل ذلك الوقت و ليس ذلك بالذي لولاه لساخت الارض باهلها و الا لمابقي عالم قبل تولدهم و من هنا يؤتي الجهال بالاشكال فيتوقفون و يتحيرون بالجملة هذا البدن ليس عليه المدار و لايجب كونه متوحدا او متعددا في عصر و ليس بقطب العالم و لايزيد في تمكنهم وجوده و لاينقص من تمكنهم عدمه الاتري انهم اذا ارادوا ان يغيبوا يخلعونه و اذا ارادوا ان يظهروا يلبسونه او يلبسون غيره و اذا ارادوا ان يتوحدوا لبسوا واحدا و اذا ارادوا ان يتعددوا اتّخذوا البسة كثيرة و ليس هذا العرضي لهم الا كصورة دحية و الاعرابي لجبرئيل عليه السلام و هذه الالبسة بالنسبة الي جسدهم كمرايا تضعها علي الارض فيظهر فيها قرص الشمس و ترفعها و يغيب و مدار العالم علي القرص السماوي لا القرص الذي في المرآة نعم وجود القرص من كمال الحجة و تمام النعمة و غاية الرأفة و منتهي الرحمة و يتمكن من النظر اليه من في عينه ضعف عن ابصار القرص السماوي و يقدر علي مساورته و معاشرته و الاستماع منه و النظر اليه و الاهتداء به و هذه المرايا تختلف في الاعصار علي حسب قوابل الجزئيات في الاوقات ففي زمان ظهر بالجمادات الكاملة المعتدلة و في زمان ظهر بالنباتات الكاملة المعتدلة و في زمان ظهر بالحيوانات الكاملة المعتدلة و في [ص 240] زمان ظهر بالملئكة الكاملة المعتدلة و في زمان ظهر بجني كامل معتدل و في زمان ظهر بالآدمية و في زمان بالنوحية و في زمان بالابراهيمية و في زمان بالموسوية و في زمان بالعيسوية و في زمان بالمحمدية و في زمان بالعلوية و هكذا و انما ذلك كزيد يظهر لقوم انه نجار و لقوم انه نجار و صايغ و لقوم انه نجار و صايغ و كاتب و لقوم انه نجار و صايغ و كاتب و عالم علي حسب المصلحة و الضرورة و التحمل فافهم و تبصر و ظهورهم بتمام ما لهم من المقامات و العلامات و المعاني و الابواب و الامامة انما يتحقق في الرجعة علي ما يتحمله قوابل هذه الدنيا و كماله بلا مانع في الآخرة رزقنا الله الفوز بولايتهم و التسليم و الاخبات لهم في الدنيا و الآخرة بحقهم و حرمتهم صلوات الله عليهم و هذه المقامات الخمسة اصول مقاماتهم و مراتبهم علي ما وصل الينا و عرفونا من انفسهم و اما ما لهم مما يعلمون من انفسهم فذلك فوق مشاعرنا و مداركنا كيف و لميظهر لنا من كتب فضايلهم الا الف غير معطوفة و لنعم ما قال الشاعر :
ما عسي ان اقول في ذي معال علة الدهر كلّه احديٰها
فاذا كان لهم معال احديها علة جميع الدهر فجميع الدهر يرجع الي تلك الواحدة و يحكي شؤنها و اطوارها و لا علم له بما لميتعلق به منها و لميعرف من نفسه له و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين و فيما ذكرنا كفاية لمن كان من اهل التسليم و اما غيرهم فلايكتفون و لو جئتهم بجميع آيات الله و براهينه ،
فهذه من علاه احدي المعالي فعلي هذه فقس ما سويٰها [ص 241]
خاتمة - في بعض اسرار المعراج و لما كان هذه المسئلة من المسائل المشكلة التي لميعرف الي عصر مشايخنا حقيقتها كما ينبغي و لميأذن الله سبحانه لظهور اسرارها الي ان جاؤا فشرحوا الكتاب و السنة و كشفوا الاستار و اوضحوا مقدمات الاسرار علي حسب قابلية اهل الاعصار فاراد الله سبحانه ظهور بعض اسراره علي السنتهم فانطقهم بحوله و قوته و بفضل انوار ساداتهم بذكر بعض اسراره فجزع كثير منهم لعدم تحمله و خضع كثير فتحملوه بقلب سليم و لما رأوا اعلي الله مقامهم اختلاف اهل الزمان في تحمله و عدم تحمله اتوا ببيانات يعرفها الولي المسلم و يحرم عنها العدو الجاحد المعاند و مضي علي ذلك برهة من الزمان الي ان اراد الله سبحانه تصنيفي لكتاب ارشاد العوام لعوام العجم و بينت المطلب فيه و لكن مستورا بالحجب العديدة لعدم تحمل العوام معرفة ذلك كيف و لميتحمل علماؤهم ما بينه المشايخ اعلي الله مقامهم و لما قدر الله سبحانه تصنيفي هذا الكتاب المستطاب في فضائل آل الله الاطياب احببت و لا قوة الا بالله ان لايخلو ايضا من هذه الفضيلة العظيمة و ارجو الله سبحانه ان آتي فيها ببيان يفوز منه الولي المسلم بمعرفة فضايل منهم جمة هي بالكتمان حقيق و يحرم العدو الجاحد من فهمه و يقع كما اختار في واد سحيق فهي اي هذه الخاتمة تحتاج الي رسم فصول :
فصل - اعلم اولا ان العلوم لها درجات مترتبة بعضها علي بعض و ليس يدرك القصوي منها الا بعد فهم الدنيا و ذلك امر مسلم قد عرفه اصحاب العلوم فاذ لميعرف القصوي منها الا بعد معرفة الدنيا لايجوز لمن لمينل حظا من [ص 242] الدنيا ان يتعرض علي اهل القصوي و ذلك معلوم عند كل من انصف من المتحصلين و ذلك ديدنهم في ساير العلوم و معلوم ان ترتب العلوم علي حسب ترتب موضوعاتها و الموضوع الاعلي علمه اعلي من علم الموضوع الادني بالبداهة لان كل علم حضور اعراض الموضوع عند العالم به و الاعراض تابعة للجوهر بالبداهة و من البين الذي لايحتاج الي ازيد من تنبيه ان اعلي الموضوعات التي يبحث عن اعراضها و صفاتها في ملك الله سبحانه هو الموضوع الاول اي الجوهر الاول الذي به تجهر كل جوهر اي بفضل جوهريته تجهر كل جوهر لما دونه و الا فالكل بالقياس اليه اعراض قائمة فمعرفة الكل هي العلم بذلك الجوهر و من لميعرف جميع ما خلق الله سبحانه مما هو دون ذلك الجوهر لميحط علما بصفاته البتة كما ان من لميعرف جميع عوارض اواخر الكلمات لميحط علما بالنحو و لميظهر له الموضوع بظهوره الكلي و اسمه الاعظم الاعظم الاعظم و من عرف تمام اعراض الموضوع و لميَفُتْه ذرة منها فهو العارف الكامل بذلك الموضوع فلايعرف الموضوع الاول كما هو الا هو انت كما اثنيت علي نفسك لااحصي ثناء عليك فاذا كان جميع ما خلق الله سبحانه في ملكه من صفات ذلك الموضوع الاول و اعراضه فجميع الموضوعات و اعراضها مبادي العلم بذلك الموضوع الاول و ما لميحصل الانسان تلك المبادي لايجوز له التعرض لاهل ذلك العلم و الرد عليهم و جحود قولهم و القدح فيهم و من البين ان الجوهر الاول و الموضوع الاول هو اول ما خلق الله سبحانه اذ لايصح ان يكون الذات الاحدية موضوع العلوم اذ بتجهيره الجواهر علم ان لا جوهر له و كمال توحيده نفي الصفات عنه و ليس بمعرض [ص 243] للعوارض التي هي البتة غيرها و حادثة فليس الذات البحت الاحدية موضوع علم و لا تعلم و لا تعرف سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فمبدء العلوم و اعلاها و اسناها و اشرفها هو العلم المتعلق بالجوهر الاول و هو بالاجماع و الكتاب و السنة محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته الذين هم من جنسه و نوره و روحه و طينته و اعراضهم صفاتهم و فضائلهم فالعلم المتعلق بذلك الجوهر المقدس هو علم فضائلهم فعلم فضائلهم هو اشرف العلوم و اعلاها و اسناها و اقصاها و جميع العلوم مبادي ذلك العلم و مقدماته و يحتاج اليها للوصول الي هذا العلم و ليس شئ منها مقصودا بالذات فان تحصيل المبادي لحصول الغايات و انت تعلم لو انصفت ان العلوم لا غاية لها و لا نهاية فان الموضوعات في الدنيا لا غاية لها و لا نهاية و قد سردنا بعض كلياتها في بعض كتبنا فما لميعلم الانسان المبادي و لميحصل تلك العلوم كيف يجوز ان ينطق في هذا العلم فضلا عن ان يتعرض علي اهله او يرد فضلا عن ان يجحد و ينكر فضلا عن ان يكذب و يكفر نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و اراهم لايجسرون علي التنطق في علم الاصول عند المعلمين ما لميحصلوا مباديه و لايتعرضون لهم به و لايردون عليهم و يقولون نحن لمنبلغ هذا العلم و ليس لنا ان نتعرض لاهله بل اذا قرأوا عليهم يقرأون عليهم اول المتون تسليما من دون برهان ثم يعودون علي الشروح او القراءة عليهم بالاستدلال و اذا ذكر شئ عندهم من علم الفضائل الذي هو اقصي العلوم يخرج من كل ناحية منهم من لميعرف الهر من البر و يتعرض علي [ص 244] علمائه بالقدح و التكذيب و التكفير و قد بدت البغضاء من افواههم و ما تخفي صدورهم اكبر و ليس ذلك الا ان الولاية كبيرة الا علي الخاشعين و الا فما الباعث علي سكوتهم عن كل شئ في كل علم و خروجهم علي اوليائهم مجمعين علي قدحهم و ردهم مع انهم بمعزل عن هذا العلم بالكلية و قد عرفت بالبرهان ان هذا العلم اقصي العلوم و تري بالعيان انهم ماملكوا عشرا من معشار مباديه فكيف جاز لهم هذا الرد و القدح و هم لايعرفون ما يقولون و لا ما يردون و لعله شئ مما اجمعت العامة و الخاصة عليه و يريدون ان يعرفوا ذلك العلم باصولهم و فقههم لا بل بنحوهم و صرفهم لا بل بمخيطهم و مقصهم لما جسّرهم اشباه العلماء علي رد الازكياء و حرضوهم علي تكفير الاولياء و الي الله المشتكي و المستعان فمن فضائلهم العظيمة علم المعراج و هو من مشكلات العلوم و معضلات الرسوم و مبهمات المسائل في علم الفضائل و لميفز بحقيقته الا كل من له في هذا العلم قدم راسخة و ضرس قاطع ، و لا كل من حاز الجمال بيوسف ، و لا كل حمال بذي مال ، فمع ذلك ليس من الانصاف ان يتعرض كل علاف و يقوم بالخلاف علي اصحاب ذلك المصاف فليتقوا الله و لينظروا لانفسهم فان يريدوا فهم هذه المسئلة فليقوموا بحقها و الا فليذروها في سنبلها و لا قوة الا بالله .
فصل - اعلم ان هذه المسئلة بخصوصها مما ينطق فيها عن كيفية صعود النبي صلي الله عليه و آله بجسمه الشريف من الارض في ليلة الي السموات حتي بلغ عرش رب العالمين و نزوله الي الارض في تلك الليلة فالذي يتعلق بهذه المسئلة من كليات العلوم و جوامعها علوم اذ من حيث انه صلي الله [ص 245] عليه و آله مقامات الله جل جلاله و صعد اليها و بلغ منتهاها يتوقف علي علم البيان و من حيث ما ظهر له به و تجلي له به و دنا منه فتدلي يتوقف علي علم المعاني و من حيث انه نظر من مثل سم الابرة الي نور العظمة و ان لميتجاوز حجاب الزبرجدة الخضراء الذي كان يتلألأ بخفقان يتوقف علي علم الابواب و من حيث انه بقي وراء الحجاب يتوقف علي علم الامامة و الغوث و من حيث صعوده الي الله سبحانه يتوقف علي العلم الالهي بالمعني الاخص و من حيث صعوده الي مباديه بجذب النفوس التي هي وراء هذا العالم يتوقف علي العلم الالهي بالمعني الاعم و من حيث ان الكلام في جسمه ايضا يتوقف علي العلم الطبيعي و من حيث انه صعد الي السماء يتوقف علي علم الهيئة و علم الهندسة و علم الحساب و من حيث انه كان له جسم مركب من العناصر يحتاج الي علم الضم و الاستنتاج و من حيث انه روّحه و صعّده يتوقف علي علم الصناعة الفلسفية و من حيث انه صعد مسافة خمسينالف سنة في السموات يتوقف علي علم ابعاد الاجرام و من حيث انه فارق مقام العناصر و كل فلك فلك يتوقف علي علم صناعة التحليل و من حيث انه عاد الي مبدئه يتوقف علي علم المعاد و قوس الصعود و من حيث انه لايصل احد الي كنه العود الا بمعرفة البدء فانه كما بدأكم تعودون يتوقف علي علم البدء و قوس النزول و من حيث تعلق اشراق مباديه علي منتهاه و سلب الاشراق عند التوجه الي المبدء يتوقف علي العلوم الانطباعية و من حيث ان هذه المسائل لاتعرف بصرافة العقل فانه مشوب و لايحصل القطع بالاصابة الا بالوزن بالموازين و اعظمها كتاب الله سبحانه يتوقف علي علم التفسير ثم اخبار الائمة عليهم السلام لانهم الميزان القسط فيتوقف علي [ص 246] علم الاخبار و علم الاصول و علم الرجال و علم الكلام و علم المعاني و البيان و علم النحو و علم الصرف و علم اللغة و ساير ما يتوقف عليه علم الاخبار و لما كان هذه العلوم لاتعرف الا بمباديها بالبداهة يحتاج الانسان الي العلم بمبادي هذه العلوم اولا ثم الي تحصيل هذه العلوم بحقيقتها فاذا نال منها الحظ امكنه الخوض في هذه المسئلة ثم يجب عليه تحصيل الحكمة فيها بعد ذلك حتي يبلغ منتهاها و يعرف ساير المسائل الحكمية التي عليها مدار هذه المسئلة حتي يعرفها ان كتبت له و قدرت و الا فلا و ربك و انه محروم عن نيلها فانصف ايها المطلع علي كتابي هذا هل يجوز علي العلماء الظاهريين الذين منتهي حظهم الاصول و الفقه ان يتعرضوا لعلماء الحكمة في هذه المسائل او يزلقوهم باَلسنة حداد فضلا ان يردوا عليهم و يكذبوهم او يلعنوهم و يكفروهم و يغروا العوام الذين هم كالانعام علي قدحهم و لمايشموا رايحة هذا العلم و لميعرفوا مدخله و مخرجه فيا ايها الناظر ان حصلت هذه العلوم فخض في لجج تيارها و الا فلاتفسدنها و اعط القوس باريها ففي الحديث لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا و لميجحدوا لميكفروا .
فصل - احب ان اذكر في هذا المقام امر السلسلة العرضية التي هي اس من الاساس و اصل من الاصول في هذه المسئلة و غيرها و هي معرفتها من المهمات و ليس في هذا الكتاب موضع اليق بها من هذا الموضع فاقول اعلم ان الله سبحانه لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان و لميخلق ما خلق من اصول ازلية و مواد قديمة بل اخترعها لا من شئ اختراعا و ابتدعها لا لشئ ابتداعا و لميتحرك في خلقها بعد سكون و لمينطق بعد سكوت بل هي [ص 247] نور منه تعالي قدره مستطير و ظهور منه اثير لميترقب حدوث شئ منها عن عدم و لمينتظر وجود شئ بعد فقد و كل خلق من اجزاء خلقه دائر علي نفسه له عند ظهوره سبحانه به و قائم بنفسه له تعالي قدره عند تجليه به امسك الاشياء باظلتها و اقامها بها في حدها و ان كان كل عال منها علة من حيث الظهور للداني فكل شئ في حده و مقامه مخلوق بنفسه عند مؤثره القريب و ان كان بواسطة ذلك المؤثر عند المؤثر الاعلي فاذا كل شئ له جهتان جهة فعلية للعالي و جهة مفعولية فالاولي هي ارق مراتبه و الطفها و احكاها لمثال المؤثر الملقي فيه الذي هو حقيقته لا غير اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و الثانية هي اغلظ مراتبه و اكثفها و احجبها لذلك المثال فلاتري الا نفسها كما لاتري الاولي الا مثال مؤثرها فتسمي الاولي بالغيب لغيبوبتها من حيث نفسها عند ظهور ربها كما قيل الذات غيبت الصفات و تسمي الثانية بالشهادة لظهورها بنفسها و اليهما الاشارة بقوله سبحانه عالم الغيب و الشهادة فبذلك تحقق لكل اثر غيب و شهادة ثم مقام شهادته لبعده عن ربه و برده اللازم للبعد تكثر و تباين اجزاؤه فكان مقام تعدده و تفرقه و مقام غيبه لقربه من ربه و تشاكل اجزائه و شدة رقته كان مقام تفرده و توحده فبذلك صار مقام غيبه مقام تجرده عن كثرات الشهادة و مقتضياتها و اعراضها و صار ربوبية مقام شهادته و مقام شهادته صار مقام تكثره و عبوديته لتلك الربوبية الا انهما من مادة واحدة نوعية و صورة واحدة و انما الاختلاف بينهما في الشخصية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و لذلك قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب [ص 248] ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، ثم مقام الغيب و التجرد و الربوبية لا بد و ان يوجد في مراتب فادناها مقام الاقتران بالعبودية و التعلق بها فلا بد و ان يكون مصورا بصورة هي اصل العبودية كما ان حركة يدك مصورة بصورة من حيث الاسفل هي اصل الحرف المكتوب فان الحرف المكتوب اثر تلك الصورة صادر منها و قد عرفت ان مقام الغيب مقام الفعلية التي بها خلق حيث العبودية فاسفل مقام الفعلية مصور بصورة مجردة عن المواد المفعولية و مددها و هو مقام الكلمة التي ينزجر بها عمق المفعول و هو صورة كلية جامعة تجمع جميع صور الكثرات المفعولية من حيث نفسها و لكن لها رؤس و وجوه في عرصة المفعول بعدد صوره المتكثرة و كلها فعليات تلك الصورة و كمالاتها فافهم و اعلاها مقام الفعل من حيث نفسه مجردة عن شوائب التعلق فليس في ذلك المقام الا نفس الفعل التي خلق بها فان الله سبحانه في كل مقام خلق المشية بنفسها ثم خلق بها الشئ اي المفعول فاعلي مقام الفعل مقام نفسه و هو مقام النقطة و الرحمة و مثله في الكتابة الحركة المطلقة و هي الانتقال المحض من غير خصوصية ثم لما كانت مراتب الوجود تدريجية لا بد و ان يكون بين تلك الحركة المطلقة البسيطة بالنسبة و بين تصورها متعينة بالفعل برزخ لئلايلزم الطفرة و عدم تناسب المراتب و من شأن البرزخ ان يناسب الاسفل من حيث الاسفل و الاعلي من حيث الاعلي فهذا البرزخ ادناه مصور بصورة رقيقة تكاد ان تخفي و تستهلك في مادتها و يمثل لها بالحروف و اعلاه مصور بصورة مستهلكة في مادتها و يعبر عنها بالمعني و هي صورة غيبية كلية لاستهلاكها في المادة المتوحدة و يمثل لها بالالف اللينية فبذلك [ص 249] حصل لمقام فعليته اربعة مقامات : الاول الاعلي مقام الحقيقة و هناك قد اتحدت الصورة بالمادة بعد التشاكل و التمازج و التفاعل فكانتا شيئا واحدا و انما ذلك لاجل ان جميع ما هو بالفعل في الادني بالقوة في الاعلي و كذا العكس فليست الحقيقة مجردة واحدة حقيقة فان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قائما بذاته و هذا المقام يسمي بالفؤاد و نور الله و النفس و امثال ذلك الثاني مقام المعني الكلي و هناك قد تلاشت الصورة في المادة و اضمحلت و لكن لمتتحد بالمادة و هذا المقام يسمي بالعقل و الجوهر الدراك و القلم و امثال ذلك الثالث مقام الصورة الرقيقة و هناك كادت الصورة ان تتلاشي في المادة و ان لمتتلاش بالكلية فهي صورة برزخية بين المعني و الصورة و تسمي بالروح الملكوتية و الروح من امر الله و غير ذلك و هي كالمداد في رأس القلم و الفؤاد كالمداد في الدوات و مقام النون في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون ، الرابع مقام الصورة بالفعل المجردة الجامعة السارية في جميع صور مقامات المفعول و يسمي بالنفس و هو مقام ما يسطرون و اللوح الذي يستنسخ صور اعمال المفعول منه انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون اي من اللوح فكان يوافقه اعمالكم فاذا تم الفعل من مبدئه الي منتهاه خلق الله سبحانه به المفعول مقام العبودية و له ايضا اربع مراتب : الاولي مقام الرحمة اي الرطوبة و اليبوسة اللتان هما مقام المادة النوعية للمفعول و مقام عبودية حقيقة ربوبية الفعل و ان كانت بواسطة الكلمة التامة و هو حقيقة المفعول التي فيها اتحدت صورتها بمادتها بحسب رتبتها و هي مع ذلك اكثف و اشد تكثرا من النفس بسبعين مرة و اشد تعينا الا انها بالنسبة الي الادني و تكثراته متوحدة متفردة [ص 250] الثانية مقام الالف اللينية و الرياح و يسمي بالهباء و المادة ايضا و هو عبودية ربوبية مقام العقل و آيته في المفعول و فيه يكون الصور الشخصية متلاشية مضمحلة فهي موجودة فيه بالمعنوية الظاهرية الثالثة مقام الحروف و السحائب المزجاة و يسمي بالاظلة و المثال و هي صور رقيقة لطيفة كادت ان تستهلك في المادة و يغلب عليها حكم المادة و هي عبودية ربوبية الروح الملكوتية الرابعة مقام الكلمة و يسمي بالجسم و هي صورة غليظة بالفعل متكثرة منجمدة و هي عبودية مقام النفس و الاصل في الجميع ان المؤثر لما اراد صنع الاثر صنعه حيث يمكن لا حيث يمتنع و من الامكان لا من الامتناع و الامكان لا بد و ان يكون صلوح الكون و قوته و صلوح الكون صورة لا بد لها من مادة فهو مركب من مادة نوعية و صورة نوعية ثم اخذ منه الصانع حصة و كساها صورة الكون و تلك الحصة هي المادة الشخصية و تلك الصورة هي الصورة الشخصية فبذلك وجب في كل اثر من مادتين نوعية و شخصية و صورتين لهما و لما كان مخلوقا بنفسه كان لتلك المراتب حيث فعلية و حيث مفعولية و الحيوث الفعلية هي المسماة بالمشية و الارادة و القدر و القضاء كما اشار اليه الرضا عليه السلام في حديث يونس حيث قال يا يونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول فتعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء فتعلم ما القدر قال لا قال هي الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء قال ثم قال و القضاء هو الابرام و اقامة العين الخبر ، و هي المشار اليها في حديث زكريا بن عمران عن موسي بن جعفر عليه السلام قال لايكون شئ في السموات و لا في الارض الا بسبع بقضاء و قدر و ارادة و مشية و كتاب [ص 251] و اجل و اذن فمن زعم غير هذا فقد كذب علي الله او رد علي الله عز و جل فهذه السبعة اصولها تلك الاربعة اذ الكتاب تمام القضاء و الاجل من القدر و يجري ايضا في الكل و الاذن في الكل و قد اشار الي هذه المقامات الفعلية و المفعولية الصادق عليه السلام في حديث مفضل نسبحه و نمجده و نقدسه في ستة اكوان كل كون منها ما شاء الله من المدا قال المفضل يا سيدي فمتي هذه الاكوان قال يا مفضل اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و اما الكون الثالث فهوائي لا غير و اما الكون الرابع فمائي لا غير و اما الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فاظلة و ذر لا سماء مبنية و لا ارض مدحية فيه الذي قال الله تعالي خلق الجان من مارج من نار انتهي ، فالكون النوراني هو المشية المسماة بالفؤاد المشار اليه بقوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي و النفس المشار اليها بقوله و في انفسكم افلاتبصرون و نور الله المشار اليه بقوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و قال الصادق عليه السلام اي النور الذي خلق منه و اما الكون الجوهري فهو المشار اليه بقول علي عليه السلام العقل جوهر دراك محيط بالشئ قبل كونه ، و اما الكون الهوائي فهو الروح المشتقة من الريح كما روي و الريح هو الهواء المتحرك و اما الكون المائي فهو النفس سميت به لكثرة امواجها و كثراتها و هذه الاربعة مراتب الفعل بالنسبة الي مراتب المفعول و تسمي بالاسماء الفعلية بالنسبة الي المفعول و بالفؤاد و العقل و الروح و النفس بالنسبة الي انفسها و كونها حقايق مستقلة و اما الكون الناري فهو الطبيعة الياقوتة الحمراء نار الجحيم و النار المخلوقة من الشجر الاخضر و نار [ص 252] السموم التي خلق منها الجان فاخذ لهم حصة منها في الاظلة و صوروا بصورة الذر كما اشار اليه عليه السلام و اما الكون السادس فاظلة و ذر يمكن ان يؤخذ الاظلة المادة و هي الكون الهبائي كما روي ان الله يمسك الاشياء باظلتها ، اي بموادها فانها المستقلة و الصورة عارضة عليها محفوظة بها و يؤخذ الذر المثال و يمكن ان يؤخذا عبارتين عن المثال لان الاظلة وصفت في الاخبار بالخضرا و هي صفة المثال كما روي و يدخل المادة في الكون الناري فانها حصة منه و الاول اولي و الكون السابع او الثامن هو الكون الجسماني فانه عليه السلام اثبت الاكوان الستة قبل السماء و الارض فهذه ثمانية اكوان ثابتة لكل شئ و ان كان مورد الخبر خاصا اذ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و هذه الاكوان هي كلها من مادة نوعية واحدة و هي الوجود و الماء الذي منه كل شئ حي و كل واحد منها كامن في كل واحد و بالقوة و كل دان منها غليظ العالي و جموده بمادته و صورته و ليس انها كلها من مادة واحدة و الاختلاف في الصورة المحضة فان الصورة الكثيفة لاتكسي علي المادة اللطيفة و اللطيفة لاتكسي علي الكثيفة فان الصورة نهايات المادة و فعلياتها التي هي صالحة لها بالصلوح القريب المستعد الي الفعلية اذ القوي القريبة هي التي تترجح قبل كل شئ عند تأييد المؤيد فتدبر فيما اشرت اليه فانه دقيق فلا بد من المناسبة بين المواد و الصور فلايكون مادة النفس الملبسة بالصورة هي من مادة العقل الملبسة بالمعني بل النفس بمادتها و صورتها تحت مرتبة العقل بمادته و صورته فمرادي من كونهما من مادة واحدة كونهما من مادة واحدة نوعية لا شخصية فالمادة النوعية [ص 253] في الكل الماء الاول و الوجود الذي يخلق منه الشئ و لذلك الماء درجات في الرقة و الغلظة فيؤخذ من رقيقه حصة فتكسي صورة العقل و لاتقبل غيرها و من دوينه حصة و تكسي صورة الروح و من دونها حصة فتكسي صورة النفس و هكذا و تفاوت مراتبها بالتشكيك لانها كلها فعليات الوجود المطلق و قد اعطي كل مرتبة اسمه و حده علي السواء و آيتها الاجسام الظاهرة تحت الجسم المطلق مع تفاوت مراتبها في الرقة و الغلظة مادة و صورة و لكن هيهنا تفصيل لايعرفه الا من عرفه الله سبحانه اياه و هو ان كل مرتبة دنيا و ان كانت من نوع مادة العليا كما نبهناك عليه لكنها من حيث الشخصية مدبرة بتدبير صاحب المرتبة العليا مؤيدة بتأييده قائمة بحفظه قيام حركة المفتاح بحركة اليد و يشير الي ذلك ما روي ان الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش و العرش جزؤ من سبعين جزءا من نور الحجاب و الحجاب جزؤ من سبعين جزءا من نور الستر و ما روي في حديث الاعرابي في النفس الناطقة القدسية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية الخبر ، و ما روي في امر القلم انه كتب ما كان و ما يكون في اللوح و بيان ذلك علي ما يليق بهذا المقام ان العقل هو اول ما خلقه الله كما روي في اخبار متضافرة و الاول ما لا سابق قبله فهو في كل مرتبة مخلوق بنفسه غير متوقف علي غيره و العرش الكائن علي الماء من قبل ان يكون ارض او سماء و الماء هو الماء الذي منه كل شئ حي فخلق من صوافيه نفس العرش و دار علي البواقي فكان العرش هو الذكر الفاعل و الماء هو الانثي المفعول [ص 254] قال علي عليه السلام العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب انتهي ، فلما دار علي الماء و هو بحر الصاد الذي توضأ منه رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة المعراج حين رأي جميع ما سواه ميتا فاراد العروج المعنوي بالصلوة كما عرج بالصورة فلما دار علي ذلك الماء و طرح عليه انواره التي هي نطفته الملقاة في رحم ذلك الماء و تحرك قواه القريبة الي الفعلية التي هي نطفته فامتزجتا و اختلطتا و كملت نطفة العقل التي هي اشد روحانية و فعلية نطفة ذلك الماء و بلغتها مبلغ الفعلية فخرج من امكانه كون و لما كان اقوي القوي اقرب الي الفعلية و القوة المناسبة لفعل الفاعل اسرع انفعالا منه من غيرها حدث من اشراق العقل و دورانه علي الماء بعد ما شاء الله من المدا الروح الملكوتية فخرجت من القوة الي الفعلية و من الامكان الي الكون فكانت روحا مكونة موجودة بالفعل حية بالذات قائمة بتأييد العقل متولدة عن نطفته فهي جزؤه و ولده ثم دارت الروح علي الباقي من الماء فطرحت عليه شعاعها و استخرج منه قوة اخري فكانت النفس كما شرحنا و بينا و هكذا و آية ذلك آدم عليه السلام خلق من الارض التي هي امكان كل المواليد و كذا زوجته فلما خلقا من الارض و قاما اكلا مما علي الارض و دبراه و اصلحاه فاستخرجا ما في قوته الي الفعلية فاخرجا منه ولدا ثم قام ذلك الولد فاكل مما علي الارض و استخرج منه ولدا آخر و ان قلت ان هيهنا قد يكون الولد مثل الوالد او اكمل منه و هنالك الروح ادني من العقل و النفس ادني من الروح و هكذا قلت ان هذا النكاح جزئي و ذلك النكاح كلي فالعقل اذا دبر الماء بتدبيره يدبر جميع [ص 255] ما فيه من صلوح الروحية فلايدع قوة صالحة لها قريبة من الفعلية الا اخرجها الي الفعلية ثم اذا قامت الروح و دبر الماء بتدبير انقص و اضعف من تدبير العقل استخرج جميع ما في الماء من قوة صالحة قريبة من الفعلية للنفسانية و هكذا و اما القوي البعيدة عن الفعلية فتتوقف الي وقت وجود اسباب خروجها الاتري تولد ارواح بني آدم بعد خلقة السموات و الارض و ليست حصصا مأخوذة من نفسها بل امثالها مكملة مستخرجة فمن هنالك اعتبر عن ما هنالك و افهمه بالجملة فكل مرتبة دنيا قد خرجت الي الفعلية بتأييد الرتبة العليا و اشراقها فشخصيتها قائمة بشخصية العلياء قيام حركة المفتاح بحركة اليد توجد بوجودها و تعدم بعدمها لان الطفرة في الوجود باطلة و كل عليا علة كل دنيا و سبب وجودها و كل دنيا قائمة بشعاع العليا قيام الشعلة باشراق النار و اضاءتها و قيام استنارة الجدار بشعاع الشمس و نسبة كل دنيا الي العليا نسبة الواحد الي السبعين فهي صنعها و خلقها اي من حيث الشخصية و اما من حيث النوع فكلها اثر مشية الله سبحانه المطلقة قد خلقت بنفسها فكل صانع شئ فمن شئ صنع و الله سبحانه لا من شئ صنع فلايسأل عما يفعل و هم يسألون فهذا مجمل ما اردنا ايراده هنا من امر السلسلة العرضية و التفصيل موكول الي ساير كتبنا .