فصل - اعلم ان الواجب هو الاحد جل شأنه و جميع ما سواه ممكن و الامكان له مقامان مقام اطلاق و مقام تقييد و ذلك انك اذا لاحظت الجميع يعني من الذوات و الصفات و الاعراض و الاشباح و جميع ما دخل عرصة الوجود بنظر واحدي تجدها جميعا تجتمع تحت معني واحد من الامكان و عدم الاستقلال و الحدوث و تنحل و تذوب في ذلك البحر بحيث لاتجد لها تمايزا فيه كما ينحل و يذوب جميع الاجسام من السموات و الارض في الجسم المطلق فلايبقي لها فصول و مشخصات تميز بعضها عن بعض و لو وجدتها متميزة فلمتكسرها و لمتحلها و لمتبلغ ذلك المقام و ذلك مما لاينكر في جميع الاشخاص المجتمعة تحت نوعها و الانواع المجتمعة تحت جنسها و هكذا فذلك المطلق الذي يعم الجميع و يعطي الكل اسمه و حده فذلك هو الامكان المطلق الراجح غير المقيد بشئ دون نفسه و هو الوجود الراجح و هو الامر و المشية و له مادة محققة و صورة مقومة بما يكون هو هو و لما كان الظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة و القادر الكامل لا انتظار له ظهر بما في قوته مما يكون الكمال فعليته بحيث لميغادر صغيرة و لا كبيرة من الكمالات التي لا نهاية لها الا و قد تجلٰي بها و ظهر و عمر الديار و اظهر بها الجبار و ما تجلٰي [ص 202] به هو كمالاته و فعلياته و اشعته و انواره و لاتجامعه في وقت و لا مكان و لا مادة و لا صورة و انما هي صفة محدثة له لا من شئ و لميؤخذ لها مادة من الامكان الراجح و لا صورة و انما مادتها صفة مادته و صورتها صفة صورته و لولا ذلك لميعط الكل اسمه و حده و لكان مميزا عنها بفصل و قائما في صقعها غير محيط بها و اول ما تجلٰي به من تلك الكمالات هو الكلية و الجمعية و هي معني غير معني الاطلاق بل هي كما ذكرنا تأكيده و آيته و اول آثاره و خليفته و بابه و ظله و جنابه و هي بمنزلة العرش لعالم الاجسام لكن من حيث آئيته للجسم المطلق فانه من ذلك الحيث باب الاطلاق المفتوح في عالم التقييد و اما من حيث كونه فلكا من الافلاك فهو بمنزلة قلب العالم و هو مقام الامامة فالابواب مقامها مقام المصدر من حيث التأكيد و القلب من حيث الآئية للروح و اما الامامة فهي مقامها المصدر من حيث المفعولية و مبدأ الاشتقاق للاسماء و القلب من حيث المركزية فالتجلي الاول للاطلاق هو العرش لعالم الجزئيات و هو كلي لانه بمنزلة القلب للعالم المختبر عن الغيب المنبأ عنه المؤدي الي ساير الاجزاء التي هي بمنزلة الاعضاء له فان من شئ في عالم الاجسام الا و علمه الشرعي الاجمالي الكلي عند العرش من حيث الاعلي لانه لميصل الي جزء من الاجزاء مدد الا بواسطته و ادائه و اما من حيث نسبة الكل الي الجسم المطلق فليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و ليس شئ عنده واسطة شئ فظهوره بالفرش في ذلك النظر كظهوره بالعرش و هو قوله الرحمن علي العرش استوي و انما يكون العرش في الفصل واسطة في الوجودات التكميلية التشريعية لا التكوينية الوجودية كما يأتي و عبرنا عنه بما عبرنا للملاحظات [ص 203] المختلفة في جهاته و خواصه و آثاره و اقرب تمثيل له لافادة معني البابية التمثيل بالشعلة فلنمثل بها و نقول ان الحرارة و اليبوسة الجوهريتين الدهريتين هنا مثل و آية للاحد المتعالي عن رتبة الحوادث و له المثل الاعلي و لكن ذلك لتقريب البعيد و تيسير العسير و تلك الجوهرية قد تجلت في القابل الزماني و هو الجسم الرقيق و القت في هويته باستعداده و مواجهته مثالها فاظهرت عنه افعالها فظهرت بالحرارة و اليبوسة الزمانيتين المحسوستين الملموستين و هذه الملموسة هي صفة الجوهرية الدهرية و فعلها و هذه هي آية للمشية الظاهرة في قابلية الامكان الراجح و لذلك عبر الله سبحانه عنها بالنار في قوله و لو لمتمسسه نار و نسمي هذه النار بالعرضية في مقابلة الجوهرية و لقيامها بها دون نفسها فالنار العرضية تقع علي الزيت فتبدد رطوباته و تشيط ناره و تكلس ارضه فيستحيل دخانا و تشيط فيه النار فيشتعل و معني الاشتعال ان النار التي هي كانت جزءه تقوت و تغلظت و انصبغت بالدخان و تلطف الدخان و ترقق و تشاكل تلك النار الحائلة فاتحدا علي حذو ما قال الشاعر :
رقّ الزجاج و رقّت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
فان شئت سمِّهٖ نارا مغلظة او دخانا ملطفا مشتعلا فهذه الشعلة صارت فينا خليفة النار الجوهرية و خليفة النار العرضية اللطيفة غير المرئية و صارت وجههما و بابهما و ظهورهما و سبيلهما بها تفيض النار جميع الاشعة و الانوار لاهل الدار و بها تنطق عن مرادها و هي ترجمان لها بلغة الاجسام المرئية و شارحة لمرادها و معبّرة عنها و ناشرة لحمدها و ثنائها و واصفة لها و داعية اليها و دليل [ص 204] عليها و برهان لها و يد منها و وسيلة اليها و آية لها و ذمام منها و حصن و درع و ملاذ و ملجأ منسوب اليها فمن ارادها فليأتها من بابها فالسراج هو الذي من توجه اليه فقد توجه الي النار و من ادبر عنه فقد ادبر عنها و من اطاعه اطاعها و من عصاه عصاها و من احبه احبها و من ابغضه ابغضها بالجملة هو الحبل الممدود بين النار و بين الديار و الباب المفتوح منها اليها فمن اراد الدخول عليها فليدخله و كلما ارادت اخراجه عنها اخرجته عنه فهو باب النار الاعظم و سبيلها الاقوم و وجهها الاكرم و هذه الشعلة هي بمنزلة العقل و نور محمد صلي الله عليه و آله السراج المنير و الشمس المضيئة كما بينا و اول شجرة نبتت في عرصة الظهور و القلم الذي كتب به اسطر النور علي لوح حيطان الدور و الماء الذي به حيوة الانوار و النذير البشير و السفير الخبير عن النار للانوار و روح القدس و مبدأ الانوار و فوارتها فان جميعها تفور منه و تنتشر في الفضاء و اما تطبيقها مع العرش و ساير الاجسام الجزئية فاعلم انا قد حققنا في علم المناظر و المرايا و اوضحنا و شرحنا بما لا مزيد عليه ان السراج هو الشعلة و الانوار معا و انهما نور واحد و الاختلاف بواسطة المحل و لما كان الدخان اكثف من الهواء و اشد صقالة صار اضوء و لما كان ارق و اخفي صار اقل حكاية و ليس هيٰهنا موضع تفصيله فالضوء الذي في الشعلة و في الهواء كلها من نوع واحد و مادتها واحدة و انما الاختلاف في الصور المكتسبة من القوابل نعم الفرق بينها و بين الشعلة ان الشعلة هي الفوارة التي تفور من منبع النار الغيبية و تجري منها الانوار الي ساحة الدار و جميع الانوار فائضة منها ناشئة عنها دحيت ارضها من تحتها و حييت بما جري [ص 205] اليها منها الحيوة و هي دائمة الحاجة الي المدد و لا مدد الا ما يفيض منها و كذلك العرش فما دونه الي الارض كلها من مادة واحدة و الاختلاف في القوابل كما رأيت و العرش هو فوارة نور الوجود الشرعي تفور من منبع المشية اي الجسم المطلق او محلها و هو الباب الذي منه جري جميع ما له و ما لمن دونه من الفيوض و الامداد و معلوم انه كلما يكون القابلية اصفي و الطف يكون النور اقوي و قابلية تلك الفوارة التي هي بمنزلة القلب الفوار بالحيوة اقوي فاثر نور الوجود فيه اشد و منه ابين كذلك العقل الذي هو اول ما خلق و اصفيٰها و الطفها و انورها و فوارتها و قلبها و هو وسط الكل و جميع ما سواه فائض منه مع انها ادون قابلية و اخس استعدادا فتبين و ظهر ان العقل هو باب الغيب المفتوح الي الشهادة و هو السفير و الخبير و النذير و البشير و منه يجري جميع الامداد التكميلية الي جميع الكاينات من رب البريات و اليه يصعد جميع الحاجات من الكاينات و هو الذي به فتح الله و به يختم و هو كعبة الطاعات و قبلة الصلوات و جاه العابدين و مراد المريدين و لايتجاوزه مدرك تشريعي ابدا ابدا كما هو بين و اما باب الوجودات الكونية و هي الحادثة لا من شئ ففي كل كاين هو جهة مصدريته الحادثة بنفسه من حيث الفعلية من مبدئه و تلك الجهة كما بينا هي خليفة الفعل في عالم المفاعيل و الاسماء و هي الماء الذي منه حيوة كل مفعول و هي اول ما خلق من المفاعيل و مادتها و المعبر عن الفعل لها و المترجم لغته للمفاعيل فهي عرش عالم الاسماء و مبدؤه الذي به فتح الله و به ختم و ذلك ايضا مقامهم صلوات الله عليهم لانهم هم الاصل الذي ينصرف الي الصيغ المختلفة لاداء معان مختلفة [ص 206] و ليثنوا بكل لسان علي الله سبحانه و يحمدوه بكل لغة و يعبدوه في كل صورة قال علي عليه السلام في حديث انتقل في الصور كيف اشاء من رآني فقد رآهم و من رآهم فقد رآني و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك فيَّ الناس و قالوا هو لايزول و لايتغير و انما انا عبد من عباد الله ، و من هذا الباب نسب الجميع الي نفسه و لنعم ما قيل :
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمٰي و الحي و الفلوات
و احسن منه قول الشاعر :
لو جئته لرأيت الناس في رجل و الدهر في ساعة و الارض في دار
و الاشارة الي ذلك انه حق و خلق اما الحق فهو الذات الاحدية التي لا كلام عنها و لاتؤدي عبارة اليها و اما الخلق اي ما سوي الذات كائنا ما كان بالغا ما بلغ فهم اوله لانهم اول ما خلق الله كما تدل عليه الاخبار و صحيح الاعتبار ثم في عبارات اخر جاء ان اول ما خلق الله الماء و هو الماء الذي قال الله سبحانه و جعلنا من الماء كل شئ حيّ فهم العلة المادية لكل شئ بذواتهم و صفاتهم فان لوحظ الرجحان حيث لا شئ سواهم فهم نفس ذلك الماء و هم الحي لا حي سواهم و ان لوحظ الجواز فهم مبدؤه و اوله و جميع ما سواهم صفتهم و من نور وجودهم يعني ان مادة ما سواهم من شعاع مادتهم و صورة ما سواهم من شعاع صورتهم و الشعاع شعاع ما يلاحظ المنير فيه و يري منه و هو صفته و هيئته لا غير و الذات غيّبت الصفات فهم ملأوا صقع الرجحان بذواتهم و صقع الجواز بصفاتهم و هو قوله في الدعاء بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، بل جميع ما يحكم عليهم و ينسب اليهم و يضاف فانما هو باعتبار [ص 207] الاوصاف قال علي عليه السلام انا المعني الذي لايقع عليه اسم و لا شبه و قال ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، فلا كلام عنهم من حيث ذواتهم فان ذواتهم آية ان لا كلام في الله و منها عرفنا ان لا كلام في الله سبحانه فجميع ما يضاف اليهم و يحكم او يشار و يعقل منهم يضاف و يحكم و يشار و يعقل من صفاتهم فهم العلة المادية لجميع الكاينات و العلة الصورية لجميع البريات لان الكل صفتهم و شعاعهم و علي هيئة مثلهم و مثلهم من نفسهم او هم العلة المادية من حيث مادتهم و الصورية من حيث صورتهم و العلة الغائية لجميع الغايات لان الكل خلقوا لاجل التعريف و هم آية التعريف و العلة الفاعلية في جميع البدايات لان الكل من شعاعهم فاذا مقام المصدر و الاصل المتصرف الي الوجوه مقامهم لا غير و هم الذين تقلبوا في الصور كيف شاؤا قال الله سبحانه و تقلبك في الساجدين ، و لله يسجد ما في السموات و ما في الارض من دابة و الملئكة و هم لايستكبرون فهو العابد بكل عابد و بكل عبادة و المثني علي الله بكل ثناء و بكل لسان قال عليه السلام انا الآمل و المأمول و انا العابد و انا المعبود ، فهم ابواب الله في التشريع و في التكوين و كعبة المراد و قبلة العباد و الجاه الذي يتوجه اليه الاولياء و المقصد الذي يقصده الانبياء اذ لايتجاوز شئ وراء مبدئه و لايدرك شئ ما ليس من جنسه و لاينتهي احد الا الي شكله .
فصل - اعلم ان هذا المقام هو نفس المقام الثاني اي انيته و حيث مخلوقيته كما ان المقام الثاني نفس المقام الاول و انيته و درك ذلك عسير عسير و علي من لميصل الي مقام الفؤاد غير يسير و لا بد من التلويح اليه لئلايخلو [ص 208] كتابنا هذا من اسرار آلمحمد عليهم السلام ، اعلم ان ذات الاحد جل شأنه غيب ممتنع عن الادراك و مقدس عن التعبير فلا كلام عنها و سبحان الله عما يصفون ،
فمنتهي الحظ ما تزود منه اللحظ و المدركون ذاك قليل
و هو سواه و هو خلقه و كل ما سواه حادث و كل حادث غير احد فهو مثني كاينا ما كان بالغا ما بلغ قولا فصلا و اول ما خلق الله سبحانه هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و ليس بينها و بين الله شئ فاصل لانه لو كان لكان هو الاول و الثابت المعلوم غيره كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله عليٌّ لايحجبه عن الله حجاب و هو السر و الحجاب و روي ان الله احتجب بنا عن خلقه و روي و هو المحتجب و نحن حجبه ، فليس بين الحجاب و المحتجب به حجاب آخر و قال النبي صلي الله عليه و آله انا من الله و الكل مني ، فتلك الحقيقة الالهية لها مقامات اولها مقام الذات كما قال علي عليه السلام انا ذات الذوات انا الذات في الذوات للذات ، و هذه هي الذات الواحدة لا الاحدية و هذه اعلي مقامات الخلق ليس له مقام اعلي منه و هي فيه آية الذات الاحد جل شأنه و لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و الافعال افعالها و الصفات صفاتها و الاسماء اسماؤها و هي السبوح القدوس قال ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك و قال انا المعني الذي لايقع عليه اسم و لا شبه ، و لكن ذلك في الوجدان حين التوجه الي الاحد السبحان و اما في الوجود العلمي فهي حادثة لها جهة اخري تقترن بها و تقوم بها وجودا اذ هو خلق كلما كان فالمقام الثاني له مقام الفعل و الامر لان ما سوي الله سبحانه مخلوق و المخلوق مخلوق بالفعل فالفعل مقدم علي [ص 209] كل مخلوق فهو يلي الذات لايتقدمه شئ كما قال الصادق عليه السلام خلقت المشية بنفسها ثم خلقت الاشياء بالمشية ، فالفعل هو اول خلق الله سبحانه خلق بنفسه و هو اول مقام للحادث لايتقدمه حادث فهو اول مقام الواحدية و ليس فوقه الا الاحدية المعروفة ثم لتلك الحقيقة مقام ثالث و هو حيث اثريته لنفسه حيث هي مخلوقة بنفسها و حيث تأكيديتها لها من حيث فعليتها و هو مقام الابواب و الحضرة و الجناب و ما سواه كلها آثاره و شعاعه ، له اخذت عهودها و اليه برزت شهودها و بمرآه قسمت حدودها و منه نزلت امدادها و اليه صعدت حاجاتها و هذا المخلوق و ان كان مخلوقا الا انه خلق له سبحانه بكله لا لنفسه و لا لغيره حتي اسمه و صفته في القدسي خلقت الاشياء لاجلك و خلقتك لاجلي قال علي عليه السلام نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا من الله و الكل مني قال و اصطنعتك لنفسي و موسي الاول اولي به اذ هو النفس فهو صلي الله عليه و آله له بكله لا لغيره فكل ما له له لايري غيره و لايشير الي سواه فذاته ذاته و روحه روحه و نفسه نفسه و الصادر منه صادر منه و الوارد عليه وارد عليه سبحانه و لايعقل له سبحانه و لا منه و لا اليه و لا عليه الا هكذا لانها راجعة الي جهة الاضافة و لاتعقل في الاحد فهي هو اذ لا سابق عليه فهذه الحقيقة من حيث الاحدية احديته و من حيث الواحدية المستعلية واحديته و من حيث الواحدية التأكيدية بابه و صراطه و وجهه و من حيث الواحدية المقترنة واحديته المقترنة ، فتبين و ظهر ان مقام الامامة نفس مقام البابية و مقام البابية نفس مقام المعاني و حيث كونه اول مخلوق و مقام المعاني نفس مقام البيان [ص 210] و حيث ظهوره في العيان فان في الوجود العلمي هم الخلق و ان لميكونوا في الوجدان قال عليه السلام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو و هو هو و نحن نحن ، فافهم فان ما ذكرناه هو النمرقة الوسطي التي اليها يدل الكتاب و السنة و اليها يرجع الغالي و بها يلحق التالي قال عليه السلام نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لنتبلغوا ، و هي الربوبية اذ لا مربوب علي سبيل الامتناع الوجودي و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
فصل - اريد ان انبه علي معني نزول الامداد من ذلك الباب و صعود الحاجات الي ذلك الجناب و لا قوة الا بالله علي سبيل الايجاز فانا لو بنينا علي تفصيل المسائل لفني العمر قبل ان يفني الكتاب فاقول ان الله سبحانه هو احد لايتناهي و لايحد فلايخلو منه مكان مع انه لايحويه مكان فاذا هو ممكن المكان و لاجل عدم تناهيه و تحديده ليس غيره حيث هو و هو فوق النهاية بما ليس له نهاية ففاق الجلال و الجمال و علا علي الكمال فعمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط فلمنقدر الا علي نفي ما ليس له بحق اذ كمال التوحيد نفي الصفات عنه فان قطعت النظر عنه تعالي قدره من حيث هو هو تجد مرتبة الكمال و مقام الجمال و عرصة الجلال و هي عرصة لا غاية لها و لا نهاية ليس لها حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود فنقول عند ذلك لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و نقول أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك و ذلك هو مقام الحقيقة المحمدية التي ليست بشئ الا له و لها مقامات كما ذكرنا فمرة تنظر اليها من حيث البيان و مرة تنظر اليها من حيث المعاني و مرة تنظر اليها من حيث [ص 211] الابواب و لا غرو بالحيوث هنا اذ هذه العرصة عرصة ما سوي الذات و لا منع من الصفات اذ هي الصفات ثم اذا نظرت الي جزئيات الصفات و شعبها و شؤنها و نسبها و قراناتها و خواصها تجدها كلها اشعة و انوارا للصفات الكلية و فعليات لما فيها بالقوة و تفاصيل لما فيها علي الجملة و تلك الصفات الجزئية التي هي فعليات تلك الصفات الكلية و وجوداتها و شهوداتها و شؤنها و اطوارها و شخصياتها و مكملاتها و متمماتها كلها فائضة من تلك الكليات ظاهرة منها خارجة عنها كما تخرج الشخصيات من موادها الي الفعلية الخارجية و تقوم بها و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة منه بدئنا و اليه نعود الا ان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا اخذت عهوده و الينا برزت شهوده ، فنسبة تلك الصفات الجزئية الي تلك الصفات الكلية كنسبة جزئيات الاجسام بالنسبة الي الجسم المطلق او القيام و القعود و الاكل و الشرب الي فعل زيد حرفا بحرف فلايخرج شئ منها الي الفعلية الا من مكمن قوة المطلق العالي و الكل فعله و ظهوره و اثره و شعاعه و نوره اعطي الكل اسمه و حده و اسعد لكل بتجليه به جده فلا شئ الا هو ان نظرت اليه من حيث الاطلاق فان الذات غيبت الصفات و تري كثرات الكمالات اذا نظرت اليها من حيث كثرتها و لكن جميعها قائم به صادر عنه راجع اليه خارج عن قوته الي الفعلية فهي كلها بقوته و قدرته و هي كلها انوار جلاله و جماله لا قوام لها الا به فكذلك لاينزل مدد الي شئ من الاشياء الا بواسطتهم و بهم و منهم فكل ما لها و منها و اليها و فيها و بها و عنها و لديها و بينها منهم صلوات الله عليهم و كلها فعلياتهم قائمة بهم مستمدة عنهم و كلها كمالاتهم و فضائلهم و اشعتهم و انوارهم و تفاصيل مجملات كليات قواهم [ص 212] قد خلعوا علي الكل اسمهم و حدهم فصح قول علي عليه السلام الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان فعن النبي صلي الله عليه و آله ليلة اسري بي الي السماء لماجد بابا و لا حجابا و لا شجرة و لا ورقة و لا نمرقة الا و عليها مكتوب علّي علّي و ان اسم علي مكتوب علي كل شئ فكذلك اعطوا كل شئ اسمهم و رسمهم يجده من يجده و يفقده من يفقده و اما رجوع الكل اليهم فان المبدء هو المعاد كما بدأكم تعودون و كما ان الاشياء بدئت من شعاعهم و نورهم و منهم و نزلت نازلة الي غاية البعد فاذا صعدت صاعدة صعدت الي ذلك المبدء و دنت منه و حضرت في حضرته و برزت في مرآه و مسمعه في دار القرب و ذلك ان الاشياء لما نزلت الي غاية البعد لعمارة جميع منازل الامكان و مناقل الاكوان بمقتضي ظهور كمال الكامل الي ما لا نهاية له ثم دعيت صعدت متمسكة بحبل تلك الدعوة ملقية عنها لوازم مراتبها متخلصة عن شوائبها صادقة مع ربها مخلصة نصيحتها و سرها فلما صعد كل واحد منها كذلك و صفت هويته بالتمسك بذلك الحبل اصطفاه الله علي حسب صفائه و افاض اليه من انور ما كان له و اصفي و الطف و اقرب اليه و هكذا كلما رفع قدما اليه سبحانه دنا منه و صار انور و اقرب و الطف و الدنو من الله هو الدنو منهم و الدعاء دعاؤهم و الاجابة اجابتهم و السير سير اليهم فهم يتوجهون اليهم و يتقربون منهم و يصعدون اليهم بالتهيؤ بهيئتهم و التلطف بلطافتهم و التكيف بكيفيتهم و التحيّز الي حيّزهم فجميع الاعمال و الحاجات هكذا تصعد اليهم و الذوات تسير اليهم و لما كان اولئك الصاعدون اشعتهم و انوارهم و افعالهم و اعمالهم و هم سلام الله عليهم بتلك [ص 213] الاعمال يعملون و يعبدون و يسيرون الي الله سبحانه و يمتثلون امره و يجتنبون نهيه و يتقربون اليه و باشراقهم بتلك الذوات و الصفات و الاعمال و الاقوال و الاشباح و اشباح الاشباح يعبدون الله تعالي قدره فيصعد حقايقهم بتلك الاقدام و تتقرب الي الله سبحانه فان كل عامل بعمله يتقرب فتلك الحاجات بهم صعدت الي الله سبحانه و من بابهم دخلت و بواسطتهم عرضت الا ان اعمالهم صلوات الله عليهم نوعان اعمال كونية فهي علي وفق رضاء الله سبحانه و سيرهم بتلك الاقدام حثيث لايحد سرعته و اعمال شرعية و هو اعمال شيعتهم و هو قوله اعينونا بورع و اجتهاد و لذلك يستغفرون من سيئاتهم و يضيفونها اليهم .
المقام الرابع - في مقام الامامة و هو رابع مقاماتهم و قيامهم مقام الله في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار و هو مقام انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد و مقام القطبية بين دائرة الرعية المشار اليها بقوله و هو يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحي ينحدر عني السيل و لايرقي الي الطير ، و المشار اليها في حديث طارق هم رأس دائرة الايمان و قطب الوجود و شرف الموجود و فيه هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك شأن من هو نقطة الكائنات و قطب الدايرات و سر الممكنات ، و اليه الاشارة في حديث جابر المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا الخبر ، و هو الحق و هو الظاهر و هو السر كما في بعض الاخبار و هو مقام خلافة الله الكبري بين اهل الارض و السماء و مفزع العباد في الدواهي و مقام [ص 214] الآمر و الناهي و مقام جاه العباد و كعبة الوفاد و مقام يكتسب به الجنان و يعبد به الرحمن و عنده عرف العابد و المعبود و ميّز الساجد و المسجود و مقام القلب بالنسبة الي الاعضاء و العرش بالنسبة الي العالم و القطب بالنسبة الي الرحا و هكذا ساير الامور الاقترانية مما يقاس علي ذلك .
فصل - هذا المقام هو الذي يعرف بعض ظواهره العلماء الظاهريون و يزعمون انهم عرفوهم و عرفوا فضلهم و مقامهم و هيهات ليست المعرفة الاطلاع علي بعض الخصال المكتوبة في الكتب فان ذلك هو مما يتأتي من اعدائهم ايضا بل تأتي علي اكمل وجه ما لو برز الي هؤلاء لزعموهم غلاة مع انهم انصب النواصب و لكن اعترفوا به لان الامر بلغ مبلغا لايمكنهم الانكار و انما المعرفة الاستنارة بانوارهم و الاطلاع علي مظاهر تلك الفضائل رأي العين و محبتهم لان ذا الفطرة المستقيمة اذا صدق في اخباره من اطلاعه علي جمال الجميل فقد اخبر بحبه فان جمال الجميل مقناطيس القلوب المنصوبة فان صدق الاقتران حصل الانجذاب لا محالة و لات حين مناص له فالمعرفة هي العلم بمحاسن خصالهم و مظاهرها رأي العين و الولاية لهم و للولاية و المحبة ايضا علامات و قد شرح الكل الامام الصادق عليه السلام اذا اشرق نور المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه فمعرفة آلمحمد عليهم السلام بالبيان و بواطن المعاني هي حظهم لايسع غيرهم ان يعرفهم به قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي ماعرف الله الا انا و انت و ماعرفني الا الله و انت و ماعرفك الا الله و انا و قال علي عليه السلام ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع [ص 215] لايدرك ، فذلك حظهم لا غير و اما ظواهر المقام الثاني و بواطن المقام الثالث فيعرفها الخصيصون و هي المشار اليها بقوله لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفّره و المشار اليها بقوله اذ قيل له عليه السلام فمن يحتمله قال من شئنا و اما ظواهر المقام الثالث و بواطن الرابع فمعرفتها شأن الخواص من شيعتهم و شأن العارفين منهم و يحرم عنها اعداؤهم و لايصدقون بها و انما يعرف ذلك من عرف بواطن الكتاب و السنة و اخلص في محبتهم و هو المؤمن الممتحن و اذا لميكن ممتحنا لميحتمله كما روي و اما بعض ظواهر المقام الرابع و المقام الخامس فهو شأن العلماء الظاهريين من الشيعة و يشاركون اعداءهم في هذه المعرفة و الفرق ان الاعداء جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و عتوا و قد ينطقون بحكم الفطرة الاولية و يعترفون بتلك الفضائل و العلماء الظاهريون عرفوا و اعترفوا و احبوا و امتثلوا و سلموا لها و لو لمينكروا ما فوقها و لمايأتهم تأويله كان سبيلهم سبيل نجاة لقوله سبحانه لايكلف الله نفسا الا ما آتيٰها و قوله معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و لكن انكار بعض الجهلة يفسد عليهم امرهم لما روي لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا و لميجحدوا لميكفروا و في رواية اخري الانكار لفضائلهم هو الكفر ، بالجملة هذا المقام مقام ظاهر امرهم بين العباد بعبودية ليس اكمل منها و لا بد و ان نشرح ذلك المقام ايضا في فصول .
فصل - اعلم ان العالي مبرأ عن حدود الداني خارج عن اقطاره منزه عن صفاته مستعل علي اعلي اذكاره فالداني لايدركه باحد مشاعره اذ الآلات الي مثلها تشير و الادوات انفسها تحد فلاينتفع الداني المحدود بحدوده من العالي [ص 216] بمرأي و لا مسمع بل و لايمكن تعقل انفعال الداني بالعالي و الانفعال من نفس الفعل و ليس ذات العالي بفعل و لا الداني نفسه اللهم الا ان ينفعل بفعل العالي الذي هو في رتبة الداني و هو البغية فمحال للداني ان يصل الي شئ من العالي و ان الله سبحانه من بديع حكمته خلق في كل دايرة من دواير الوجود قطبا و مركزا هو مبرأ عن جميع حدود تلك الدائرة و اقطارها و جهتها و نسبته الي الكل علي السواء فهو اشبه اجزاء الدايرة بالمبدء العالي حيث تقدس عن حدودها و اقطارها و جهتها كالعالي فليس بشرقي و لا غربي و لا جنوبي و لا شمالي و لا حار و لا بارد و لا رطب و لا يابس و لا عال و لا دان و نسبته الي جميع الدائرة علي السواء فهو اشبه الاشياء بالعالي و ابعدها عن خصال اجزاء الدايرة فصلح لان يصطفيه العالي و يرتضيه و يجتبيه و يصطنعه لنفسه و يجعله مستودع سره و مخزن علمه و مهبط امره و نهيه و عرش استوائه و كرسي ولايته و مظهر صفاته و مرآة جماله و حجاب جلاله و باب نواله و يد عطائه و وجه بهائه و لسان ادائه فبه يتوجه الي اهل الدايرة و به يناطقهم و به يباشرهم و به يساورهم و به يعطيهم و يمنعهم و به يحييهم و به يميتهم و به يأمرهم و به ينهاهم و به يؤاخذهم و يعدل بينهم كما اتخذ الروح الملكوتي الروح البخاري الذي في القلب عرش استوائه و قال ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن ، و اتخذه كرسي ولايته فاستقر عليه للحكومة بين الاعضاء و به امرهم و نهاهم و اخذ عنهم و اعطاهم و به ناطقهم و ادي اليهم و اصطفاه من بينهم و اجتباه فهو يكلم الاعضاء بقوله انا جسم مثلكم يوحي الي من الروح الملكوتي كذا و كذا و لمينزله قوله انا جسم [ص 217] مثلكم الي ان يجعله كالعظم و بصلابته و كثافته و احتجابه عن المبدء بل هو جسم و لكن اشرف الاجسام و ارقها و الطفها و اعدلها و اكملها بحيث يكون قائما مقام الروح قد خلع عليه الروح خلعة اسمه و شرفه بان جعله خليفته في بلاده و القائم مقامه في الاداء فلاينقص عن مقامه اعترافه بانه جسم مثل ساير الاجسام كما اتخذ ذلك بعض المتنقصين في آلمحمد عليهم السلام و ارادوا سلب فضائلهم عليهم السلام بذلك فالسماء جسم كالارض يعني في الجنس لا في الشخصية و الا لكانت مثلها في الكثافة و لماكانت تليق بان تكون محل الاقدار كالارض بالجملة فذلك المركز و القطب يكون خليفة العالي من رآه فقد رآه و من عمي عنه فقد عمي عنه قد جعله اماما و قلبا و قطبا و كعبة و قبلة للاعضاء و وجها له يتوجه اليه الاولياء و الفرق بين هذا المقام و مقام الابواب ان الابواب مقام المصدر من حيث التأكيد و الامام مقام المصدر من حيث انه مبدأ الاشتقاق و من حيث انه مفعول و الابواب كاعلي اذكار القلب و المركز و الامام كادني اذكاره و اسفل مقاماته فالامام في مبدء سفره من الحق الي الخلق ابواب و في منتهي سفره ذلك حين سيره في الخلق امام و صفة اتخاذه اياه خليفة و تجليه فيه ان العالي نسبته الي جميع اجزاء الدائرة علي السواء قد تجلي لها بها و بها احتجب عنها و جميعها كماله و فعليته و نوره و شعاعه و صفته قائمة به موجودة له حاكية عنه بلا تفاوت اللطيف في لطافته و بها و الكثيف في كثافته و بها اذ له كمال في الكثافة و تعمير حدها كماله و كمال في اللطافة و تعمير حدها كماله ، لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته و ذلك هو الفطرة الاولية التي فطر الله الخلق عليها و اتم عليهم [ص 218] الحجة بها و قال لهم الست بربكم قالوا بلي باجمعهم فكان الناس امة واحدة و لما نظرت الي انفسهم و اختلاف صفاتهم و نسبهم بان منهم اللطيف و منهم الكثيف و منهم العالي و منهم الداني و منهم الغالب و منهم المغلوب و منهم المسخِّر - بالكسر - و منهم المسخَّر - بالفتح - و منهم المحرك و منهم المتحرك و منهم المالك و منهم المملوك و منهم الحاكم و منهم المحكوم و هكذا علي ان جميع ذلك من انتظام الخلق و كون الاثر اثرا و النور نورا و تعمير نور الكمال جميع اقطار القوابل علي نهج الحكمة و النظم الطبيعي و الا لميكن الاثر اثر الواحد جل شأنه و لمادل عليه كما هو معلوم عند اهل الافئدة وجدت بعضها الطف و اشرف و اجمع و اكمل و اوحد و ادوم و انور و اقوم و اقوي و اشد و بعضها بخلاف ذلك كما هو بين فهؤلاء الافضلون يحكون من صفات العالي اكثر و اجمع فهم انسب بالعالي و اشبه به بل اعلي الاعالي منها هو الحاكي لجميع خصال العالي و صفاته الكاملة و له جمعيته و كليته لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه فتقه و رتقه بيده بدؤه منه و عوده اليه ففي عالم النسب اوجب الله سبحانه طاعة الاداني للاعالي لقهارية صفات يحكيها الاعالي و جامعيتها علي النظم الطبيعي و جعلهم حجة عليهم كما هو الواقع فان اسم الله حجة علي الرحمن و اسم الرحمن حجة علي الرحيم و النور الاقرب الاشبه حجة علي النور الابعد و العشرة اجمع من التسعة و هكذا العالم حجة علي الجاهل و القوي علي الضعيف و الحكيم علي السفيه و الرجل علي المرأة و امثال ذلك ففرض الله طاعة اعاليهم علي ادانيهم و اتخذ الاعالي خلفاءه اذ كانوا حاكين لصفته الكلية العامة [ص 219] الجامعة و كذلك كل واحد ممن دونه خليفة بالنسبة الي من دونه قال عليه السلام كلكم راع و كلكم مسؤل عن رعيته ، و لكن علي حسب حكايته العالي و بقدرها و الحجة المطلقة الكلية علي الجميع هو اعلي الاعالي الذي هو جمع العالي و كله فيجري من ذلك العالي بقوة لطيفته نور علي الاداني فمن توجه اليه استنار من ذلك النور و من تولي عنه حرم و اظطلم فهيهنا جاءت الاحكام المتضادة السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح و المؤمن و الكافر و الجنة و النار و عليون و سجين و امثال ذلك فمن توجه اليه صار مؤمنا و حسنا و سعيدا و من اهل الجنة و من عليين و من ادبر عنه صار بخلاف ذلك و هذه العرصة عرصة التشريع و هي عرصة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب و الحكمة ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و عرصة فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله مااقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد و عرصة و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم ، فهذا العالي الذي في رتبة هذه الدائرة هو الامام و هو الحجة و هو الغاية و المفزع و وجهه المتقلب بين ظهراني العباد و خليفته و القائم مقامه في الاداء فافهم .
فصل - ان القلب و القطب مما يجب وجوده في كل دائرة و تكثر حتي يمكن صدورها عن مؤثرها فان الطفرة في الوجود باطلة و صدور الكثرة من الوحدة بدون ترتب حكمي محال كما تري من انه محال ان يوجد الاثنان قبل الواحد و الثلثة قبل الاثنين و الاكثر قبل الاقل و يستنير الابعد من السراج قبل الاقرب منه و ينفعل الاكثف قبل الالطف و هكذا و ذلك ان الله سبحانه احد غير متخصص بخصوصية و قدرته غير محدودة و غير [ص 220] مخصوصة فخلق امكانا فيه صلوح جميع مراتب الكثرة من القرب الاقرب الي البعد الابعد لانه محل قدرته و مظهر مشيته و ممكن ارادته و استوي علي عرش ذلك الامكان فلميكن اقرب الي شئ من شئ آخر و لميكن بالتجلي في حد اقوي من تجليه في حد آخر و هو احد نافذ باحديته في جميع تلك الحدود فتجلي بجميع ما كان قادرا علي التجلي به و كان من الحكمة التجلي به فانه كمال له و جمال و لاينتظر لنفسه حدوث كمال و لا طروء جمال فتجلي في جميع تلك الحدود المستجنة في ذلك الامكان و اظهر قدرته علي جميعها و لميكن لاحدها رجحان علي الآخر من حيث انفسها لتساويها و لميكن هو باقدر علي احدها و لا اقرب من احدها فتجلي بكلها فوقع علي نهج الحكمة و الصواب و صدر التجلي منه بالكل دفعة و ظهر في الكل علي الترتب الحكمي و امثل لك في ذلك مثالا و هو ان الشمس خلق من خلق الله و كذا نورها و كذا نور نورها و كذا نور نور نورها و هكذا و جميعها كانت ممكنة في الامكان مقدورة لله سبحانه و ليس الله سبحانه اقدر علي نور الشمس من قدرته علي الشمس او علي العكس و انما نسبته و لا نسبة مع الكل علي السواء و قدرته علي الكل سواء و الامكان الذي هو محل تلك القدرة و مظهرها ايضا صالح لكلها علي السواء كما ان جميع الحروف في المداد علي السواء و مرادي بالامكان الامكان الراجح الذي نسبة المنير و النور اليه علي السواء لا الامكان الجايز الذي ان كان للمنير لايصلح للنور و ان كان للنور لايصلح للمنير فتجلي الله سبحانه بما كان في الامكان مستجنا و بالقوة مرة واحدة لانه لا انتظار مما عنده و منه و نسبته الي امكان الشمس و امكان [ص 221] انوارها علي السواء فتجلي بكلها بلا ترقب و لكن ظهر التجلي في القوٰي اي انفعلت القوي علي تدرجها و ترتبها فانفعلت الشمس اول ثم انفعل نورها ثم نور نورها ثم نور نور نورها و هكذا فان الله سبحانه يخلق كل شئ علي ما هو عليه و الا لميكن هو هو و كان غيره فنور الشمس هويته الترتب علي الشمس و الصدور عنها و افتقاره اليها و استفاضته منها و استمداده منها و الاستدارة علي قطبها و لو كان غير ذلك لميكن نور الشمس و كان شيئا برأسه فلما كان الواجب خلق كل شئ علي ما يقتضيه و لايقتضي الا علي ما هو عليه خلق نور الشمس بالشمس و نور نور الشمس بنور الشمس و هكذا ، فتبين من هذا البيان الشافي الكافي الوافي ان الطفرة في الخلق باطلة لترتب الابعد علي الاقرب و توقفه عليه و ظهور الخلق علي الترتب الحكمي من الكمال و لا مانع منه في قدرة المتعال فلا بد في كل دائرة متكثرة الاجزاء من قطب متوحد في تلك الدائرة معتدل كامل نسبته الي جميع الجهات و الحدود و الاقطار علي نهج سواء و يكون اشبه الاشياء بالمبدء فيكون هو في تلك الدايرة الفاتح الخاتم و اول من يحيي بفيض العالي و آخر من ينتهي اليه الحيوة كالقلب في البدن و يكون هو المترجم عن مرادات المبدء للذين لايعرفون لحنه و لايطلعون علي امره لعدم المناسبة و لايشعرون بحكمه ليتلقي هو امر العالي و يغلظه في حجاب نفسه بحيث يشعر به حواس ساير الاعضاء فيترجم لهم بلغتهم و قد مر انه بنفسه امر العالي و كماله في هذه الرتبة و صفته فراجع و تنبه و لولا هذا القلب لميشعر احد امر العالي و لا حكمه و لميحي بحيوته و لميتحرك بتحريكه و لمينفعل بفعله لترتب كينونتهم علي ذلك القلب [ص 222] فلميعرف احد منهم ربه و لميقدر علي شكره و لا علي الاعتذار اليه و لا علي التوجه اليه فالقلب هو ظاهر العالي في دائرة الداني و هو جاهه لديه و كعبته في عرصته و قبلته و خليفته في بلاده و القائم مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار و هو الذي يجب استدارة الاعضاء عليه و استمدادها منه و استفاضتها عنه و توجهها اليه و الرجوع الي امره و حكمه و تسليمها له و اخذها عنه و افتراضها طاعته و يجب عليها التوسل اليه و به و التفويض اليه و التوكل عليه و الاتصال به و الانقطاع اليه و الا فتصير ميتة رجسة نجسة منقطعة عن المبدأ و هذا القطب مما لا بد منه في الشرع الكوني و الكون الشرعي معا كما رأيت في المثال و فهمت من نظم المقال و هو غير مقام الابواب الذي تقدم في الخطاب فان مقام الابواب مقامه مقام الرحمن المستوي علي عرش القطب و القلب قال ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن و مقام الابواب مقام المنير و مقام القطب اقرب اجزاء النور من المنير و اول صادر من اجزاء النور من المنير فاقول متمثلا ان الحرارة و اليبوسة الجوهريتين المعبر عنهما بالنار هما مثل الذات البريئة عن مشعر البريات و الحرارة و اليبوسة العرضيتان هما المعبر عنهما بفعل النار و هما اول تجل للنار الغيبية و اول وصف به وصفت نفسها فهو اي ذلك الفعل اي تلك الحرارة الظاهرة التي هي ظاهر النار او النار الظاهرة هو من حيث المثال الملقي في هويته المعبر عنه بنفس الفعل مقام البيان و الحقيقة الباقية بعد كشف سبحات الجلال من غير اشارة و هو من حيث كونه ظهور النار الغيبية و تجليها مقام [ص 223] المعاني و من حيث انه مخلوق بنفسه و انه اول مخلوق و اول حادث و لو كان بنفسه و هو المعبر عنه بمحل المشية و اول متعلقها مقام الابواب فلما مس الدهن الذي هو في عرصة المقيدات و احاله دخانا حتي اشتعل به و استضاء البيت حدث القلب الذي هو الشعلة و البدن الذي هو الانوار فالشعلة قلب الانوار و اول ما استضاء منها و آخر ما تنتهي اليه الانوار و هو فوارة النور و الحيوة و المترجم عن الغيب للشهادة و السفير نعم هو الباب الادني و يمثل به للباب الاعلي و انما ذلك لاجل ان الامكان الراجح الذي هو انية الفعل هو له دهن يحيله حيث فعليته دخانا حتي يشتعل بالفعل و يحدث الشعلة التي هي الوجود الراجح فيضيء عرصات الامكان فاذا مثلنا سابقا للابواب بالشعلة فانما هو للتفهيم و كل شئ فيه معني كل شئ و لكن الآن اذا شئنا ان نريك المراتب الاربع في شئ واحد اريناك ان الشعلة مقام القلب فدخانها كالروح البخاري و زيتها كالعلقة الصفراء المتصاعد منها البخار و الحرارة المشتعلة فيها كالحيوة المشتعلة في البخار و النور المنبث منها كالحيوة المنبثة من القلب في البدن الا ان القلب هو فوارة الحيوة يخرج من غيبه الي ظاهره الحيوة دائما و يرشح علي الاعضاء ما يطفح منه فلو قبض علي القلب طرفة عين انقلص الحيوة الي القلب من جميع الاطراف بل انطفأ ضوؤها و بقيت في ظلمات الموت فالشعلة هي وجه النار و كعبتها و قبلتها و لسانها و يدها و ترجمانها و خليفتها و حجابها و نقابها و ظاهرها و غمامها و قبتها و امثال ذلك و الشاهد علي ذلك قوله تعالي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و هو في مقام الرسالة شاهد و مبشر و نذير و داع [ص 224] فهو في مقام الرسالة سراج منير فافهم و لما كان السراج خليفة النار الغيبية خلعت عليه باسمها و حدها و اقامته مقامها في الاداء و امرت ساير الانوار بالاستدارة عليه في الاهتداء و ذلك سر سار في الاكوان كما تري من الامثال و في الشرايع كما تري من عدم امكان اهتداء احد من الخلق الي خيره و شره الا بنبي و امام يتأسي به و يهتدي بهداه و يقتدي به و يأخذ عنه .
فصل - اعلم ان الانوار مشاعرهم نورية لايدركون الا ما هو من جنسهم و لايفهمون الا ما هو من شكلهم و لايكلفون الا بما اوتوا و ذلك حكم العدل الربوبي فليس لهم التجاوز عن الشعلة التي هي كعبتهم التي دحيت ارض وجودهم من تحتها و انبثت منها فهم منها بدئوا و اليها يعودون و هي اول ما خلق من مراتبهم فهي عقلهم و هو وسط الكل و به يعبدون الرحمن و يكتسبون الجنان و اليه يتوجهون و اليه الايدي يمدون و اليه يشيرون و اياه يخاطبون لكن لا من حيث الدخان بل من حيث الحرارة الفعلية الظاهرة فيه و قد كشفوا سبحات الدخان بلا اشارة فلايشعرون به و ان توجهوا اليه و لا من حيث الحرارة الفعلية بل من حيث المثال الملقٰي في هويته من النار الغيبية لا من حيث المثالية بل من حيث النار الغيبية و ذلك منتهي سير الانوار و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و لما لميوجد النار حيث لاتظهر و لاتخفي حيث تظهر و جعلت الشعلة لها بكلها و ان كان لها دخان ظلماني و لكن استهلك و لميبق الا لخدمة النار و اظهار امرها و ترجمة سرها و ايصال امرها لميبق مجال لطالب النار الا من طريق هذه الشعلة فمن بايعها بايعها و من توجه اليها توجه اليها و من اعرض عنها اعرض عنها و من اطاعها اطاعها و من [ص 225] عصاها عصاها و من عامل معها بمعاملة خيرا او شرا فقد عامل معها و كذلك جميع ما عاملت الشعلة مع الانوار فهو معاملة النار فاحراقها احراقها و تكليسها تكليسها و تجفيفها تجفيفها و اضاءتها اضاءتها و جميع ما يصدر منها هو ما يصدر منها لان كل شئ يوجد علي ما هو عليه و ما هو عليه اول الخلق ان يكون للمبدء لا لغيره حتي نفسه فهو له فهو له فجميع ما له له و جميع ما له له فانه ليس لنفسه و انما هو له بحيث تري ان الشعلة افنت المملوكية عن نفسها حتي صدقتها النار لصدقها في دعويها فكستها اسمها و حدها و فوضت اليها امرها و فعلها فلاتشاء الا ما تشاء آه آه لولا خوفي ان يقولوا رحم الله قاتله لابديت اسرارا من مقام الامامة حتي يعلموا انهم لميعرفوا امامهم الا كما يعرفه عدوه اسماً و رسماً و حسباً و نسباً و انما الفرق في الجحود و التسليم ان لمينكروا فضائله فلنقبض العنان فللحيطان آذان و لولا خوفي من الاطالة لذكرت اخبارا عديدة و ساير كتبنا و كتب الاخبار بها مشحونة و حديث طارق بن شهاب مشتمل علي كثير من وصف مقام الامامة فان شئت فراجع و في ما ذكرت كفاية و بلاغ .
فصل - لاتزعم مما كتبنا ان مقام الامامة هو مقامهم المشهود الذي كان يري منهم فان ذلك هو مقامهم الخامس كما يأتي بل هو كما لوحنا عليه مقام قطبيتهم و مركزيتهم لدائرة الرعية و هم في ذلك كالقلب في البدن و القلب هو اعدل اجزاء البدن و الطفها و انعمها و اشبهها بالمبدأ و هو غير اللحم الصنوبري الذي هو اغلظ اللحوم و لا علقة الدم التي فيه بل اللحم الصنوبري بمنزلة المسرجة للسراج و علقة الدم التي فيه بمنزلة الدهن الذي في المسرجة [ص 226] و البخار المتصاعد منها هو بمنزلة الدخان المتصاعد بالنار و الحيوة التي في ذلك البخار بمنزلة النار المشتعلة في الدخان فالشعلة اي الروح البخاري هو قلب البدن و اعدل اجزائه و الطف و هو جسم عنصري الا انه في غاية النعومة مركب من العناصر كساير المركبات و انما اللحم الصنوبري وعاؤه و هو اغلظ اللحوم صونا علي الروح الذي في جوفه و انما يسمي باسم القلب تسمية باسم الحال كما يسمي الروح بالقلب تسمية باسم العقل الذي استوي عليه فان العقل هو القلب حقيقة ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب فقلب دائرة البدن و قطبها الذي ليس بشرقي و لا غربي و لا جنوبي و لا شمالي و مبعد عنه الحدود منزه عن الاقطار هو الروح البخاري و هو من شدة لطافته لايري فالامام الذي هو بمنزلة قطب العالم ينبغي ان يكون الطف من جميع اجزاء العالم و اعدل و انسب و اشبه بالمبدأ ليطلع علي مراده فيكون مقام امامتهم بلطافة محدب العرش المتسمع قوله قلب المؤمن عرش الرحمن ، فالامام الطف من جميع اجزاء العالم و يساوي في لطافته محدب العرش و في اعتداله اعدل منه بمرات و هذا هو الذي روي في حديث طارق الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي الخبر ، و عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث ما معناه ان جسد النبي في الدنيا بلطافة اجساد اهل الجنة في الجنة و لذلك تري انه لا ظل لهم و لايري لهم فضلة و يسيرون جميع العالم في طرفة عين باجسادهم فعن بصاير الدرجات ان رجلا من علماء اليمن حضر مجلس ابيعبدالله عليه السلام فقال له يا يمني أفي يمنكم علماء قال نعم قال فما بلغ عالمكم قال يسير في ليلة واحدة مسيرة [ص 227] شهرين و يزجر الطير فقال له ابوعبدالله عليه السلام ان عالم المدينة افضل فقال اليمني و ما يفعل قال يسير في ساعة من النهار مسيرة الف سنة حتي يقطع الف عالم مثل عالمكم هذا انتهي ، و روي عن علي عليه السلام ان من وراء قاف عالم لايصل اليه احد غيري و انا المحيط بما وراءه و علمي به كعلمي بدنياكم هذه و انا الحفيظ الشهيد عليها و لو اردت ان اجوب الدنيا باسرها و السموات السبع و الارضين في اقل من طرفة عين لفعلت لما عندي من الاسم الاعظم و انا الآية العظمٰي و المعجز الباهر ، و من هذه الجهة عروجهم بجسمهم الشريف في الحيوة و بعد الممات الي السماء فهم في مقام الامامة و القطبية و القلب لاينالهم الايدي و الابصار الا بوسائط و حجب و رواة و نقلة عنهم فان الطفرة كما علمت باطلة و كل شئ يدرك ما هو من جنسه فهم في ذلك المقام اعلي من ادراك اهل الارض و هذا هو معني ما روي انه لو نبش قبر الامام لايري في قبره و انه في العرش ينظر الي زواره فهم في هذا المقام من جنس الرعية لا من نوعهم و لا من صنفهم و لا كاشخاصهم فهم ايضا مثلا من جنس الاجسام و ليسوا من نوع العرش و لا من نوع الكرسي و لا من نوع الافلاك و لا من نوع العناصر و قوله انا بشر مثلكم يعني في الجنس لا في النوع و الصنف و لو كان يراد من المماثلة العموم لكان نعوذ بالله مثل كل واحد واحد فيجتمع فيه جميع النقايص و المذام فلا عموم فيها البتة و انما المراد هو الجنس من النوع فالامام بشر كما ان ساير البشر بشر ثم هل هو اعدل البشر و الطفهم و اقويٰهم و اقربهم من المبدء و هو معصوم مطهر مصفي حتي صار لايقا لان يوحي اليه انما الهكم اله واحد ام لا فان قلت لا كفرت و ان قلت نعم فلا عموم [ص 228] في المماثلة فهو اشرف الرعية و اصفيٰهم و من رعيته السموات و الارض فهو اصفي من الكل فهو اصفي من محدب العرش و اسرع حركة و اجلي انطباعا و احكي للمبدء منه بحيث انه حجة عليه و امام و هو متعلم منه و مكتسب للحيوة و العلم و الايمان منه فليس مقام قطبيتهم منال كل يد و بصر و ان السموات السبع و الارض و ما فيهما في يده في هذا المقام ككرة في يد احدكم يديرها كيف يشاء كما في حديث قنبر و كما تري من استيلاء قلبك علي بدنك و تقليبه و جعل اعلاه اسفله و اسفله اعلاه و تحريك اي عضو شاء و تسكين اي عضو شاء و هو المدرك بالعين السامع بالاذن الذائق باللسان الشام بالانف الناطق باللسان الباسط باليد الماشي بالرجل المتخيل بالخيال المتفكر بالفكر المتوهم بالوهم العالم بالعلم المتعقل بالتعقل بالجملة : ما في الديار سواه لابس مغفر ، في الزيارة بهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات ، و ايضا في الزيارة السلام علي مقلب الاحوال ، و كما لايغيب شئ من الاعضاء عن القلب و لايتحرك و لايسكن الا باشارته و لا حيوة لشئ منها الا ما فاض عليه منه كذلك الامام فهو الواقف علي الطتنجين و الناظر في المشرقين و المغربين و مطلع و شاهد علي السموات و الارضين و لولا ذلك لميكن لشهادته معني و هو رجل نائم بالمدينة كساير الناس و فيما ذكرت لك و نبهت كفاية و اصل يفتح منه ابواب لو تفكرت فيه و لو بنينا علي التفصيل لطال بنا المقال و لميتم الكتاب في المآل و الله هو المستعان في كل حال و لو عرفت ما ذكرت لعرفت ان القوم لميعرفوا من مقام الامامة الا بعض الظواهر التي يعرفها كل من كان له عين من عدو و ولي و ليس فيه كمال و اعجب من ذلك ان عدوهم يري [ص 229] ما لايرون و يعترف بما ينكرون فان عدوهم يقول في علي عليه السلام :