فصل - اعلم ان من البيّن ان القديم هو الاحد الحق جل شأنه و ليس سواه قديم و جميع ما سواه حادث و الحادث هو غير القائم بنفسه فجميع ما سواه محتاج الي الغير حتي يقوم به الا ان الاشياء بحسب قربها من الغني الاحد جل شأنه و بُعدها عنه تختلف فمنها ما يفتقر في قوامه الي اشياء غير عديدة و منها ما يفتقر الي اشياء عديدة الي ان من الاشياء ما لايفتقر الا الي علله الاربع اي [ص 174] مشية الله سبحانه و مادة حدثت له منها و صورة حدثت له بها و غاية يؤل اليها ثم هو غني عما سواها و ذلك كعقل الكل و من الاشياء ما تتحد فيه هذه الجهات فلايحتاج في قوامه الي غير نفسه لغيره المعرّف به فيجتمع فيه العلل الاربع فذلك اغني مراتب الخلق و اوحدها و هو غني عن جميع الكثرات و عن جميع النسب و الاضافات فان الكل به و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه قد تعالي عن الجهات و الحدود و المميّزات و النسب و الاشارات كلية فاذا ليس ذلك الخلق بكله الا لله سبحانه و جميع ما لله سبحانه له و جميع ما له لله ليس لله سبحانه شئ ليس له اذ ليس له شئ ليس لله فلايكون هو لنفسه و لايري بنفسه لنفسه و ليس له اعتبار من حيث نفسه اذ ليس له سبحات و لا موهومات و لا استار و لا حجب و لا هوية و لا انيّة ليس له سبحانه فمثل هذا الخلق غني عن كشف السبحات بريء عن قطع الاشارات اذ ليس له ما ليس لله و ليس من المعرفة كشف السبحات عن الله سبحانه الا حين التوجه الي الذات فيغفل عن الصفات فبهذا المعني يمكن اجراء كشف السبحات و علي معني كمال التوحيد نفي الصفات و جذب الاحدية لصفة التوحيد بالجملة هو في كل مقام لا تحقق له الا بما هو له اذ لايسبقه علة يؤل اليها و لا مضاف اليه يضاف اليه و لا تكثرات يتعدد الجهات فيها و هو نفس جهة الرب التي تقع للاشياء جهة اليها فتصير صاحب جهتين و هو نفس المثال الملقي في هوية جميع ما سوي الله سبحانه و هو نفس ما يضاف اليه الكل فلايعقل لذلك المثال جهات و كثرات و تعددات و اعتبارات فهو نفس لله كما افصح عنه في كتابه فقال الحمد لله اي مخصوص به لاينسب الي غيره و لايليق بغيره كما قال علي عليه السلام لم‌يحمد [ص 175] حامد الا ربه ، فلواء الحمد له تعالي اعطاه الله محمدا صلي الله عليه و آله و هو المحمد اي مَن حمده الخلق كثيرا و هو صاحب المقام المحمود فهو ذاته احد و صفته من حيث الاعلي احمد و من حيث الاسفل محمد و من حيث نفسه حمد و هذا الحيث بكله لله لم‌يتعلق و لم‌يقترن و لم‌يضف الي غيره حتي لم‌يبق له ما ليس لله و احدق بظهور الله به من كل جهة قال هو المحتجب و نحن حجبه ، فصار جميع ما لله ايضا له و قولي لله تعبير عما في نفسي و البيان الذي اوضح منه ان ذات الاحد مضروب دونها الحجب و ليس لاحد من الخلق ان ينالها او يعرفها هذا و المنال و المعروف من كل ما ينال او يعرف وصف له و ذلك الخلق هو الوصف فهو المنال المعروف لله سبحانه فهو معروفه و محبوبه و معبوده و مقصوده و ظاهره و صفته بل و ذاته و كنهه و غيبه و شهوده و قدسه و نزهه و ما لايسم و لايرسم منه و ما لا تعبير عنه منه قال عليه السلام ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك و قال انا المعني الذي لايقع عليه اسم و لا شبه ، و كل معروف بنفسه مصنوع ، من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ، انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فافهم ما ذكرته لك فانه فوق معرفة الخواص و انما هو حظ الخصيص الغواص و لا اشكال في معرفة ذلك اذ ليس لمسلم عنه مناص و انما الاشكال في العمل بمقتضاه و الدوام عليه بالاخلاص و في ذلك تفاضل الخصيصون و بلغوا مبلغ الخلاص نسأل الله العون و الحفظ عن المعاصي و لا قوة الا بالله .

فصل - هذه النفس المباركة لها مقامات و ليس جميع مقاماتها مقام [ص 176] التوحيد فادناها مقام المادة النوعية للشخص فانها اول اذكاره كونا و هي مقام المفعول ثم مقام اسم الفاعل ثم مقام المصدر و تأكيد الفعل ثم مقام الفعل ثم مقام نفس الفعل و هي العلم الاول ثم مقام العنوانية و الآئية و هي الاسمية و الوصفية ثم مقام المسمي و الموصوف ثم مقام الذات المعراة عن الصفات ثم مقام العماء المطلق و ما لا عبارة عنه و لا اشارة و الانسان لايتمحض في معرفة النفس ما لم‌يكشف جميع ما يمكن التعبير عنه و الاشارة اليه و من هتكها و محاها بالكلية فقد فاز بمعرفة نفسه فقد فاز بمعرفة ربه و كان حقيقا بان يلج عرصة الموحدين فمنهم من يعتريه هذا الكشف تارات فهي حالات و منهم من يتوطن في ذلك المقام قاطنا مهاجرا الي ربه فذلك الذي من عرفه فقد عرف الله و من جهله فقد جهل الله و لاتزعمن من مقالتنا هذه ان النفس احدي مراتبها الذات القديمة و انها كانت قديمة ازلية ثم تنزلت الي هذه المقامات كما تقوله الصوفية لعنهم الله بجميع لعناته فان القديم لايتغير و لايتبدل و لايصعد و لاينزل لا وجدانا و لا وجودا و هذه النفس علي ما نقول تصل الي ذلك المقام وجدانا و الا فهي وجودا حادثة متغيرة مقترنة بالحوادث فان قلت ان الوجدان ان كان مخالفا للواقع فلايفيد علما و لا عملا اذ هو كذب و ان كان موافقا للواقع فهو هو قلت ان الوجدان موافق للواقع و يفيد علما و عملا و ليس هو هو كما اعلمناك سابقا الاتري انك ربما تلتفت الي قاف في كلمة قال و لا تلتفت الي تقدمها علي الف و لا انها من كلمة قال و لا انها جيدة الكتابة او رديتها مع انها في الوجود مقدمة علي الف و هي من كلمة قال و جيدة او ردية فاذا نظرت اليها وحدها معراةً عن هذه الاوصاف فقد وجدتها هي هي مع انها [ص 177] في الوجود الخارجي مقترنة بغيرها كما عرفت فالوجدان مطابق للواقع نظرا الي حقيقة قاف فان لكل شئ مقامين مقام ذاته في ذاته حيث لايذكر فيها غيرها و مقام اقترانه بالغير فاي شئ من الاشياء نظرت اليه من حيث ذاته وجدتها وحدها و غفلت عما سويٰها حيث هي في ذواتها هكذا بل انت دائما هكذا فتجد ذات ما تنظر اليه من ذات او صفة او فعل او اثر او اقتران او غيرها و يفيد لك علما بالاشياء و عملا لها مع انها في الوجود الخارجي مقرونة بحدود و مشخصات و اعراض لاتوجد بغير ذلك فللاشياء مقام آخر و هو النفس و الآية التي من الله فيها فاذا قطعت النظر عن خصوصية ذاتيتها في نفسها و لم‌تنظر اليها من حيث هي بل من حيث الرب وجدتها صفة تعريفه سبحانه عرف نفسه بها فتكشف السبحات الي ان تغيب عن الكاشف و الكشف و المكشوف و المكشوف عنه و تجد حيث لا انت وجودا غنيا ثابتا بلا نهاية و لا اجل و لا نعت مع انه في الخارج مقرون بحدوده و مشخصاته و لكن له مقام هكذا و هو غيره سبحانه علما لانه مقرون بالحوادث و اما في الوجدان فانت غافل عن الغير بالكلية و لاتجد مخلوقا و غفلتك عن مخلوقيته لاتخرجه عن المخلوقية كما انك اذا نظرت الي الماهية غافلا عن الوجود او الي الوجود غافلا عن الماهية لايلزم من ذلك ان الله سبحانه خلق شيئا فردا قائما بذاته فان الله سبحانه لم‌يخلق حيثا منه في الخارج الا مع الحيث الآخر و انت تنظر الي احدهما غافلا عن الآخر و لا شك ان احدهما غير الآخر و ليس لك قلبان تتوجه بواحد الي شئ و بواحد الي الآخر فبالنظر الواحد لاتجد الا الواحد فاذا نظرت الي الحقيقة في الشئ و قطعت النظر عن جميع سبحاتها [ص 178] تجدها كما وصفنا فهي حينئذ آية الله سبحانه و اسمه و صفته التي عرف بها نفسه و هي من هذا الحيث هكذا مطابقة للواقع بلا شك و مع ذلك هي غيره سبحانه و تعرف غيريتها اذا نظرت الي اقترانها مع الحوادث و المضاف اليه حينئذ هو الحيث الاول فان هذا الحيث غير ذلك الحيث و انما ذلك لاجل انك لاتتجاوز ذلك و لايختلج في خلدك غيره و لو بالفرض و الاشارة فافهم راشدا موفقا .

فصل - اذا قلت ان الوصف علي ما نعرف يكون حقا اذا كان مطابقا للموصوف و الا فيكون باطلا كما انك لو وصفت الماء بانه سيّال قلت حقا و نطقت صدقا و ان قلت انه جامد كذبت و قلت باطلا و كذا اذا نقشت لنا صفته مطابقة لما هو عليه يكون صدقا و الا فكذبا و هذا الوصف الذي تقولون ان الله سبحانه وصف نفسه لعباده به هل هو صدق مطابق مع ذات الله سبحانه او مخالف فان كان مطابقا يلزم منه انه سبحانه يمكن معرفته و يقترن بالحوادث و هو حادث و ان كان كذبا فما الفائدة فيه و هو اغراء بباطل ، قلت ان الوصف يطابق صفة الموصوف ابدا و لا شك في ذلك كما ان شبحك في المرآة يطابق صبغ وجهك و هيئته و اما انه مطابق لمادة وجهك فلا كما ان شبح السرير في المرآة يطابق صورة السرير المتّصلة به و اما انه يطابق الخشب فلا فالوصف المنفصل يطابق ابدا الوصف المتصل و ذلك مستمرّ ما يستمر الاوصاف المتّصلة و المنفصلة حتي اذا انتهي الي الوصف الاول الذي لا وصف فوقه و لا شئ فوقه الا الذات الاحدية فلايعقل حينئذ مطابقة الوصف للذات فان الذات لا صفة لها غير الصفة الاولي حتي تطابقها كما انك لو اخذت مرآة مقابلة وجهك و اخري [ص 179] مقابلتها و اخري مقابلة هذه و هكذا فكل لاحقة تطابق سابقتها و الذي في الاولي يطابق شبح وجهك و اما شبح وجهك المتصل بك لايطابق مادة وجهك من لحمه و عظمه و دمه فهي اي الصفة الاولي مطابقة لها اي لنفس تلك الصفة فهي حق و صدق مطابقة للواقع و لايعقل مطابقتها للذات الاحدية و ليس انها اذا لم‌تطابق تخالف فان الذات احدية ليس لغيرها ذكر فيها فلايطابقها شئ و لايخالفها شئ فالصفة الاولي مطابقة للموصوف بها و هو نفسها كما حققناه في محله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته و الذات غير موصوفة بها و انت لاتطالبنا بمطابقة الصفة لغير الموصوف بل للموصوف و الصفة و الموصوف مقترنان و هما في الصفة الاولي متحدان فافهم و ان قلت فان كان و لا نسبة بينها و بين الذات حتي انها ليست بصفتها و لاتضاف اليها فكيف نعرف الذات بها و نقر بها و نوحدها و نعبدها و لاننال الا هذه الصفة و هي علي ما تقول منقطعة عن الله قلت ان الذي يقترن بشئ و يرتبط بشئ و يتصل بشئ او ينفصل عنه حادث و نحن اذا عرفنا الذات هكذا وحدناها منتهي ما نقدر عليه و عبدناها غاية ما امكننا و الذي يقول بغير ذلك فهو الذي يشرك به من حيث لايعلم و ذلك ان الله سبحانه وصف نفسه لنا بهذا القدس الذي تلوناه عليك بذاته الظاهرة فليس لنا ان نتجاوز وصفه لنفسه بالحق فقدسناه كما عرفنا من نفسه ثم وصف لنا هذه الذات المقدسة بوصف لايرتبط بها و لايقترن و لايتصل و لايذكر فيها و عرفنا ان الذات اذا اتصفت هكذا تتصف فوصفناها هكذا و عرفناها هكذا و معني قولنا تتصف اي تتجلي بصفة بلا كيف و لا اشارة و ان قلت اذا كان الوصف لم‌يرتبط بها و هي لم‌ترتبط به فمن اين عرفتم ان هذا الوصف وصفه [ص 180] و تجليه و لم نسبتموه اليه قلنا لانطوائه تحت احديته و فنائه لديها فبذلك قلنا انه تجليه سبحانه لكن بلا كيف و لا اشارة و لا ارتباط و لا اقتران و لا اتصال و لا انفصال فان جميع ذلك حالات ما يصدر من مركب موصوف ذي شبح و هو تعالي شأنه ذات احدية و لايصدر شئ من الذات الا هكذا فالصفة صفة موصوف اذا كشفت عنه السبحات وجدت الذات العرية عن الصفات الظاهرة فهي موصوفة بالصفة و لكن موصوفيتها في رتبة الصفة و قلت ذلك لان هذا الموصوف اذا هتك استاره و محي موهوماته و كشف سبحاته كان ذاتا ظاهرة عرف الله سبحانه بها نفسه و هي كما وصف به نفسه و اذا نظرت اليهما علما وجدتهما مرتبطين مقترنين تصف الاعلي بالادني لاقترانهما فبالعلم المكتسب عن الوجود تضيف الصفة اليه و بالوجدان تنفيها فانك لن‌تجد مع الذات غيرها بوجه و ما تجد لم‌تصل اليها فالتعريف و التوصيف امر وجداني لا وجودي فان الله سبحانه يقول و من كل شئ خلقنا زوجين و يقول الرضا عليه السلام ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، و قالت الحكماء كل ممكن زوج تركيبي و حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و ما سوي الواجب الغني ممكن فقير فالخلق الممكن الفقير الحادث المركب في الواقع كيف يكون صفة لله سبحانه و احديته الظاهرة و ذاته الظاهرة و قدسه الباهر و غناه و وجوبه و ازله الباهرة فالخلق في الوجود صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه دليله آياته و وجوده اثباته و اما في الوجدان فهو كما ذكرنا فعالم الوجود هو عالم التكوين و الكون الوجودي و عالم الوجدان هو عالم التشريع و الكون الشرعي و العالمان و ان كانا واحدا منظرا الا انهما [ص 181] اثنان مخبرا فعالم التكوين عالم الهياكل و عالم التشريع عالم نور الهياكل فالوجدان روح الوجود و حقيقته و غايته و سره فما لم‌تلطف هوية الوجود و تصعد و تستكمل لم‌يتحقق منه الوجدان و لم‌يصل رتبة العيان و ان كان له عينان فالوجدان وجود متروح و الوجود وجدان متجسد و هما مقرونان يقوم احدهما بالآخر فظهور الوجدان بالوجود كما ان تحقق الوجود بالوجدان و الوجدان هو العلة الغائية كما قال خلقكم و الذين من قبلكم لعلكم تتقون و قال ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فتحقق الوجود بالوجدان و قد اطلنا التبيان لانها مسائل معضلة و مطالب مشكلة و قد اشرنا الي حلها و الحمد لله .

فصل - اعلم ان هذا التجلي نور متألق منبسط في جميع اصقاع الامكان و طوي باحديته جميع ذواتها و صفاتها و افعالها و آثارها و نسبته الي الكل علي نهج سواء و لا نسبة الا ان الهياكل الوجودية تختلف في حكايته بحسب صفائها و كدورتها و لطافة موادها و كثافتها اختلافا لايحصي و كلياتها قد تجتمع تحت ثلاث : فمنها ما غلظت و كثفت حتي حجبت ذلك النور و اخفت ذلك الظهور فبقيت مرتمسة في الظلمات مرتبكة في الكثرات فلاتري و لاتُرٖي ذلك الظهور و لاتحس و لايحس منها ذلك النور و منها ما توسطت في الرقة و الغلظة و اللطافة و الكثافة فتري لمحا و تخفي الحقيقة و تحس بشئ مبهم و لاتحس منه الحقيقة علي حد قول الشاعر : علمت شيئا و غابت عنك اشياء ، فهي كالعين المرمودة تحس بشبح مبهم من المواجه و لاتحس بمعانيه و منها ما استعلت و لطفت و صعدت فرقت و دعيت فاجابت و امرت فاطاعت و نهيت فانزجرت [ص 182] و حرضت فحرصت و قومت فاعتدلت و صفيت فاضمحلت و تلاشت حتي عدمت من حيث نفسها و وجدت بذلك النور و اخفت هويتها و ابدت ذلك الظهور فرأت و اراءت بحيث اذا نظر اليها الناظر لم‌ير منها غير ذلك النور و ان بقي فيها باقية فلاظهار ذلك النور لا لنفسها فمثلها هو الذي به يعرف الله و به يوحد الله و به يعبد الله و به يوصف الله و به يتقرب الي الله فمن عرفه فقد عرف الله و من جهله فقد جهل الله و من احبه فقد احب الله و من ابغضه فقد ابغض الله و من اطاعه فقد اطاع الله و من عصاه فقد عصي الله و من اقبل اليه فقد اقبل الي الله و من ادبر عنه فقد ادبر عن الله و من توجه اليه فقد توجه الي الله و من تولي عنه فقد تولٰي عن الله و هكذا يضاف الي الله كلما يضاف اليه لانه جهة اضافته سبحانه و هو المضاف اليه في كل حال و الله سبحانه الازل لايضاف اليه شئ كما هو محقق في علمنا و لا سبيل للممكن غير ذلك فمن اراد الله بدء به و من وحده قبل عنه و من قصده توجه اليه و هكذا فهو الذي من ذاته يوحد في ذاته و من صفاته يوحد في صفاته و من افعاله يوحد في افعاله و من عبادته يوحد في عبادته من عرفه فاَمامه يقين و من جهله فاَمامه سجين و لايحسن اطلاق العنان في هذا الميدان و لايمكن الآن ابين مما بان فان للحيطان آذانا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

المقام الثاني - في مقام المعاني و هو ثاني مقاماتهم صلوات الله عليهم بلحاظ و اول مقاماتهم بلحاظ و هو المشار اليه في الخبر بباطن الباطن و سر السر و سر علي سر و حق الحق و قد مر التصريح بهذا المقام في اخبار مرت و في دعاء شهر رجب عن الحجة [ص 183] عليه السلام : اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرّك الدعاء ، و المعاني جمع معني و هو الظاهر و هو مأخوذ من عنتِ الارض بالنبات اذا اظهرته و يقال للنبات معني الارض لظهوره منها و يقال للمقصود من اللفظ المعني لانه يظهر من اللفظ و الي ذلك يشير كلام علي بن الحسين عليه السلام و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم ، و كذا يقال لقيام زيد و قعوده و كلامه المعاني لانها ظواهر ذاته بها قد ظهرت للناظرين و بها امتازت حتي عرفوها فالمعاني ليست شيئا الا بالذات و لا تذوّت لها عندها لانها ظهورها قائمة بها نعم لها تذوّت بالنسبة الي اعراضها الاتري ان حركة زيد معني من معانيه و ظهور من ظهوراته قائمة به قيام صدور عن امره و لها تذوت بالنسبة الي سرعتها و بطئها و استقامتها و استدارتها و هكذا و تلك الاعراض قائمة بها قيام المعني بالذات بالجملة كل اسم يعين الذات و تقصد به فهو اسم الذات و كل اسم يعين ظهورها و يقصد به صفة من صفاتها فهو اسم المعني و هذا المقام هو مقام الدوات الاولي المشار اليها في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و الماء الذي جعل منه كل شئ حي و استوي عليه عرش مشيته سبحانه و العمق الاكبر الذي انزجر باسمه الاعظم الاعظم الاعظم و الكتاب الاول الذي كل شئ مكتوب فيه بالصلوح و مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و الارض الجرز التي انبت الله جميع الكاينات منها و الزيت الذي يكاد يضيء و لو لم‌تمسسه نار و الرحمة التي وسعت كل شئ و القوّة التي قهرت كل شئ و النور الذي اضاء له كل شئ و العلم الذي احاط بكل شئ و لايحيطون به الا بما شاء منه و السلطان الذي علا علي كل شئ و العزّة التي [ص 184] لايقوم لها شئ و الحكم الذي انقاد له كل شئ و النعمة التي عمت كل شئ و الخير الذي منّ به علي كل شئ و الامر الذي قام به كل شئ و الجنب الذي لايضام من التجأ اليه و الذمام الذي لايطاول و الجوار الذي لايحاول و هكذا ، قال ابوجعفر عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا صلي الله عليه و آله و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه يقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و في حديث علي بن الحسين عليه السلام و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الحديث ، و في هذا المقام ايضا فصول .

فصل - اعلم ان القديم جل شأنه هو احد لايقبل التثنية و لا الشركة و لا التساوق و لا الاقتران و لا الارتباط و لا الانتساب كما ذكرناه مكررا و جميع ما سواه كائنا ما كان و بالغا ما بلغ خلقه كما قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، فليكن ما سواه كلما كان و ليبلغ من الفضل ما يبلغ فهو خلقه سبحانه ان كل من في السموات و الارض الا آتي الرحمن عبدا لقد احصيٰهم و عدهم عدا الا ان الخلق له مراتب فمنه ما هو مخلوق له سبحانه بغيره و منه ما هو مخلوق له سبحانه بنفسه و جميع ما سوي فعله و ايجاده سبحانه قائم بفعله و ايجاده بلا شك كما قال و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره ، و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك و قال الله سبحانه له [ص 185] الخلق و الامر و اما فعله و امره فلايصح ان يكون مخلوقا بالغير لا من دونه فانه مخلوق به و لا من فوقه فانه لا شئ فوقه و لايصح ارتباطه بالذات فهو مخلوق له سبحانه لكن بنفسه كما قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فالامر ايضا مخلوق الا انه مخلوق بنفسه و لايعقل ان يكون فوق الامر شئ لانه ان كان قديما تعددت القدماء و ان كان حادثا كان يلزم ان يكون مخلوقا بغير امره سبحانه و لا واسطة بين القديم و الحادث فكل شئ سواه قائم بامره و امره قائم بنفسه فالامر اول مخلوق لله سبحانه لا يسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و لكن له مراتب في التزييل الفؤادي و ان كان ابسط ما في الامكان و لايدرك المدارك المخلوقة به فيه تكثرا الا ان الذي يستنبط الفؤاد من آثاره يستدل به عليه من باب مطابقة الاثر لصفة مؤثره فاول مقاماته مقام الكينونة و الاحدية و الذات البريئة عن الحدود و الصفات و هذا المقام منه مقام البيان الذي به يعرف الله و به يوحد الله و به يعبد الله و قد مرت الاشارة اليه في المقام السابق و هو مقام نفس المشية التي بها تعرف ربها كما روي من عرف نفسه فقد عرف ربه و اليه يشير قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها و نفسها هي نفس الله القائمة فيه بالسنن و انما اضيفت اليها لظهورها منها قال علي عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلٰي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و قال عليه السلام تجلٰي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله ، و لايقال لهذا المقام مخلوق في الوجدان و لايعتبر فيه المخلوقية علما ايضا و اليه الاشارة بقول علي عليه السلام في الخطبة الحمد لله مدهّر الدهور [ص 186] و قاضي الامور و مالك نواصي حكم المقادير الذي كنا بكينونته قبل الخلق و التمكين و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود لان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا اخذت عهوده و الينا برزت شهوده الخطبة ، قال الله سبحانه و يحذّركم الله نفسه ، ثم مقام الامرية و هو اول ظهور لتلك النفس و اول معني من معانيها و كل شئ سويٰها قائم بها و ذلك هو مقام المعاني قال عليه السلام حق و خلق و الخلق هو معني الحق و ظهوره فالامر امر الحق و معناه و هو حكمه الذي انقاد له كل شئ و رحمته التي وسعت كل شئ و قدرته التي قهرت كل شئ و وجهه الذي اضاء بنوره كل شئ و جلاله و عظمته و كبريائه و اكرامه و رحمته و نعمته و رأفته و غير ذلك من معانيه سبحانه و لا نهاية لها و لا غاية و الذي يختص بهذا المقام منها ما يعم كل شئ و لايشذ من تحتها شاذ و تلك هي المعاني العليا له سبحانه فهذه المعاني هي حقيقة واحدة و امر واحد و يسمي باسماء مختلفة بحسب متعلقاته و الا فهو نور واحد بسيط ابسط الاشياء بعد الاحد جل شأنه و ليس فيه جهات و لا شؤن و لا حيوث و لا اعتبارات و لا فروض فان جميعها خلقت به و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه ، قال الله سبحانه و ما امرنا الا واحدة فذلك الامر البسيط الواحد هو جميع معاني الله سبحانه و لكن تختلف جهات ظهوراته في مرايا القوابل الامكانية و يسمّي باسماء مختلفة علي حسب انصباغ ظهوره في تلك المرايا و هذا المقام اول مقامات المخلوق لانه مخلوق بنفسه .

فصل - ان هذا المقام مقام الواحدية لله سبحانه و له اقل مراتب الكثرة [ص 187] و هو الثلثة فله جهة الي ربه و جهة الي نفسه و الجهة الثالثة الوحدانية الحاصلة بالجهتين القائمة بهما قياما ركنيا و لكن كل واحدة من هذه الجهات غير متناهية فهي متداخلة متمازجة متحدة لايعقل انفكاك احديٰها عن الاخري و لايمكن التوجه الي احديٰها بدون الاخري فان الكل هو المركب الاول و لو انفك بعض اجزائه عن الآخر لكان بسيطا و ان الله سبحانه لم‌يخلق خلقا بسيطا فلم‌يخلق اجزاءه متفككة لا في الخارج و لا في الذهن و البسيط القائم ببساطته هو الله سبحانه و هو لايتركب مع غيره فالمركب الاول يجب ان لايكون له اول تكوين يسبقه اجزاؤه و بسايطه و لايكون له آخر يتفكك اجزاؤه و تتفرق بل كان منذ خلقه الله سبحانه و يكون ما يبقيه الله و لايسبقه وقت لانه مخلوق به و لايعقبه وقت لانه قائم به و ليس له وقت اذ لايجري عليه ما هو اجراه فهو ازلي ابدي باق بابقاء الله سبحانه اياه بنفسه و هو قوله سبحانه ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و قوله و ما عند الله خير و ابقي فالمركب الاول لا بدء له و لا زوال و لا تحول و لا انتقال و لاجل ذلك سمّاه علي عليه السلام بالازلية الاولية في حديثه انا صاحب الازلية الاولية و بالقديم حيث قال في الخطبة استخلصه في القدم علي ساير الامم و في الزيارة الاصل القديم و الفرع الكريم ، فهو الملك القديم لله سبحانه باق بابقاء الله سبحانه اياه به بلا نهاية و هذا الواحد القديم آية تعريفه سبحانه و تعرفه به عرف نفسه و به تجلٰي له و لغيره و المقام الاول هو مقام ذي الآية و لايطلق عليه الآية و هيٰهنا موضع جميع معاني اسماء الله و صفاته و هو مقام الولاية المطلقة للعالي و الخلافة له و هو المشار اليه بقوله اني جاعل في الارض اي ارض [ص 188] القوابل خليفة و هو الذي اقامه العالي مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار و هو صاحب اللواء و الرحمة و الآلاء و هو الاسم الجامع الذي يحوي كل كمال اي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و لا فرق بين الواحد و الاحد الا الواو الدالة علي الحدود فهو واحد اذا وصف و احد اذا عرف و هو اسم الله سبحانه اذا قصد به الذات اي المقام الاول و رؤيت منه و صفة الله اذا قصد به المثال الملقي فيه من العالي المقترن به و معاني الله اذا قصد به نفس الظهور و الثلثة تجتمع في ذلك المقام فان الربوبية فيه لاتثني و العبودية لاتمني و كلتاهما غير متناهيتين فيمكن ملاحظة الكل منه فافهم و هذا الواحد معني واحد لا غاية له و لا نهاية ليس فيه تعين و لا خصوصية و التعين الذي فيه هو نفي التعين فلايطلق علي نفسه من حيث نفسه اسماء و صفات و معان عديدة و انما تطلق الاسماء علي ظهوراته في القوابل في اوقاتها و امكنتها و مراتبها و علي امثلتها الملقاة في هويات الاشياء و اطلاق الاسماء عليه نفسه مع كثرتها حظ الخصيصين لايعرفه غيرهم و الجادة المسلوكة ما ذكرناه و يسمي ذلك بالحمل الاشراقي و انما ذلك لاجل ان مادة الداني من نور العالي و صورته من هيئة نوره و هو بمادته و صورته ليس بشئ الا اذا لوحظ العالي فيه فان قطع النظر عن العالي يفني و يعدم كما تري من شبحك في المرآة فانه شبح ما دام هو لونك و هيئتك و انت مرئي ملحوظ منه فان قطع انتسابه اليك و كونه ظهورك عدم فالنور نور ما يري منه و فيه المنير و الا فهو ظلمة فالعالي قد طوي الداني بظهوره و الداني مقام من مقامات العالي فما يضاف الي الداني يضاف اليه و هذه هي الاضافة الاشراقية فعلي ذلك [ص 189] يطلق ساير المعاني و الاسماء و الصفات علي ذلك الواحد قال علي عليه السلام انا المعني الذي لايقع عليه اسم و لا شبه ، مع انه نسب الي نفسه جميع الاسماء و الصفات كما كان يقول انا آدم و انا نوح و انا ابرهيم و انا موسي و انا عيسي و انا محمد انتقل في الصور كيف اشاء من رآني فقد رآهم و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك فيَّ الناس الي ان قال انا نظهر في كل زمان و وقت و اوان في اي صورة شئنا باذن الله الخبر ، و اعلم ان الاصل في الاستعمال الحقيقة و انما يصار الي المجاز الاقرب اذا تعذرت الحقيقة اما اهل الظاهر فقد حزن عليهم المسلك حتي اخذوا بالمجاز و اقربه ما ذكرنا حقيقة و اما الخصيصون فلايعييهم الاخذ بالحقيقة فيحملون الكلام عليها من غير لزوم تنافٍ و لما كان بناء كتابنا علي التحقيق بقدر الامكان فلنشر اليه اشارة اعلم ان هذا المعني الاعظم هو الوجود المطلق و محله الامكان الراجح و هما غير متناهيين لا في نفسهما و لا بالوجودات المقيدة و لا بالامكان الجايز يعني لا شئ ابدا غير الوجود الراجح حين اذ هو و لا شئ غير الوجودات الجايزة حين اذ هي كما انك اذا نظرت الي الاجسام المقيدة من حيث الجسم المطلق لم‌تر الا الجسم المطلق ابدا ابدا و اذا نظرت اليها من حيث هي لم‌تر الا اياها و كذلك اذا نظرت الي الوجود المطلق لم‌تر الا اياه و ليس شئ في الحقيقة سواه و كلما يكون فهو مما به الوجود وجود فلا شئ سوي الوجود و هو مطلق لانه قد انحل فيه القيود و ما قيد بها فلا مقيد فهو مطلق فلا شئ سوي ذلك المعني و ذلك الظهور :

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمٰي و الحي و الفلوات [ص 190] 

قال الحسين عليه السلام في دعاء عرفة أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الدعاء ، و في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و عن علي عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه بالجملة لا شئ سوي ذلك المعني اي ذلك الظهور الواحدي حين اذ هو فلا ظاهر الا هو و لا شئ سواه حتي يظهر فطوي كل موضوع و محمول و نسبة تحت وحدته فاذا نظرت الي كل اثر من حيث ذلك المعني لاسيما اذا كان ممن لايحجبه في التشريع و كان لطيفا شفّافا كاشفا عما وراءه رأيت منه ذلك المعني فتنسب اليه جميع ما فيه و منه و له و به و اليه نسبة حقيقية لا مجاز فيها ارأيت لو رأيت شجرا و قلت رأيت جسما كذبت او قلعته و قلت قلعت جسما او دنوت منه و قلت دنوت من جسم لم‌تكذب في شئ من ذلك و ان كان يصدق عليك اضداد ذلك ايضا و لايلزم من صدق شئ هنا كذب ضده اذ كان الضدان تحت امر واحد و ذلك باب من العلم لو فتحه الله عليك انفتح عليك ابواب فاتقنه ان خلقت له و ليس ينبغي فوق ذلك بيان اذ للحيطان آذان بالجملة فعلي ذلك قلنا ان ذلك المقام مقام علمه الواسع و قدرته المستطيلة و مشيته النافذة و رحمته الواسعة و سلطانه العالي و ملكه الباقي و ولايته الجامعة و يده العلية و جنبه الذي لايضام و وجهه الذي لايهلك و نوره الذي لاينقطع و امره الذي لايخترم و حكمه الذي لايرد و قوله الذي لاينقض و حجته التي لاتدحض و هكذا و كل ذلك مقام محمد و آل‌محمد عليهم السلام و بذلك وردت [ص 191] اخبار لاتحصي و آثار لاتستقصي و نطقت به بواطن آيات الكتاب بمعونة فصل الخطاب اي اخبار الائمة الاطياب سلام الله عليهم و في الحقيقة هو اليوم محل اجماع الشيعة مجملا و ان كانوا لايحيطون بتفاصيله فانهم مجمعون علي انهم اشرف خلق الله و ما سوي الله خلق الله ثم يعرف المتدرب ان هذه المعاني غير الله فهي خلق الله و هم اشرف خلق الله و لا خلق اشرف من هذه المعاني فهم هذه المعاني صلوات الله و سلامه عليهم كما هو اهله .

فصل - اعلم انه لما كان كل اثر يشابه صفة مؤثره و يحكيها لما عبر له المؤثر عن نفسه و عن العالي و عرفه منهما وجب ان يكون في ساير الخلق ايضا بيان و معان اي مقام ذات و مقام معني و هو كذلك لان كل شئ عند العالي القريب منه مخلوق بنفسه لا واسطة بينهما فهو له عند العالي مقام نفس بها يخلق هو من حيث انه مخلوق له و مقام امرية و آئية للعالي و كونه ظهورا له و صفة في هذه الرتبة فمقام نفسه مقام بيان قد عرفه العالي من اعلي منه علي ما فيه و مقام كونه تجليا للعالي و ظهورا له مقام معان و ظواهر للعالي الا ان هذين يختلفان في الاشياء علي حسب سعة حدود قابليتها و ضيقها و لطافتها و كثافتها و عمومها و خصوصها و قربها و بعدها و صفائها و كدورتها و تقدمها و تأخرها و في كل حال بيانه البيان الاسفل و معانيه المعاني السفلي و هنا كلام احب الاشارة اليه فلعله يقف عليه من كان من اهله و هو ان الشيئين ان كانا علي نسبة الجوهر و العرض و الذات و الصفة فلا اشكال فيهما فان جميع ما للداني شعاع و ظل للعالي قائم به قيام صدور و ليس للداني مشعر من جنس العالي فلايكلف بما للعالي و انما هو مكلف بما آتاه الله و عرفه من العالي بالعالي [ص 192] و هو قوله سبحانه معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و المتاع ما كان من جنس العالي فمن كان له متاع اي مشعر من جنس العالي يؤخذ به و يكلف بما كلف به العالي و الا فلايكلف الله نفسا الا ما آتيها اي عرّفها و هذا لا اشكال فيه و انما الاشكال في الشيئين المتصاقعين اذا كان احدهما اعلي من الآخر فنقول لا شك ان الشيئين اذا كان احدهما الطف و اصفي و ارق و اوسع من الآخر كان الاكمل اقرب الي المبدء من الآخر لا شك في ذلك فما ظهر فيه من البيان و من المعاني اكمل و اشرف و اعلي البتة و لربما كانا في العالي برقّة هويته و غلبتهما منشأ آثار لايطيقها الداني و لاتصدر منه فهل الداني جميع ما له من العالي المبدء كالاقرب و نسبتهما اليه علي حد سواء او جميع ما له من الاقرب و انما الامداد كلها تصل الي ذلك الاقرب ثم ذلك الاقرب يمد الابعد بفواضل امداده اقول لا شك و لا ريب في ان الاقرب و الابعد ليس بينهما نسبة الجوهر و العرض و الذات و الصفة و الاثرية و المؤثرية فليسا واقعين في الطول و هما بالنسبة الي الذات العليا ايضا علي السواء فان الرحمن علي العرش استوي و ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر فالعالي نسبته اليهما علي حدّ سواء نعم بينهما في انفسهما ترتب فان احدهما احكي للعالي من حيث الظهور و احدهما استر له و قلنا من حيث الظهور فانهما في حكاية ذات العالي و الدلالة عليها علي حد سواء فالمثال الذي للعالي في هوية الاداني يختلف ظهوره بحسب اختلاف هويات الاداني فالاقرب يحكي ذلك المثال و هو العالي الظاهر و الابعد لايحكيه او يحكيه اقلّ و يمكن تصفية الداني الابعد حتي يصير كالاقرب في الحكاية و يمكن ان يتكثّف الاقرب حتي يستر [ص 193] المثال كالابعد فليس بينهما ترتب الاثرية و المؤثرية لامكان الاستحالة و لكل واحد ما لكل واحد و يختلف في القوة و الفعلية فلاجل ما ذكرنا من ان كل شئ عند العالي القريب مخلوق بنفسه ، هذه الاداني ايضا مخلوقة بنفسها عند العالي اذا نسبت الكل الي العالي فللكل من حيث الاطلاق حيث نفس و هو بيانه و حيث امر و هو معانيه و حيث مأمورية و هو حيث نفسه فلما تفصّلت الاداني و ظهرت بالتكثر و اختلاف الهويات اختلفت افرادها في حكاية تلك المراتب فمنها ما حكت حيث النفس لشدّة رقّتها و لطافتها و صار فيها بالفعل و صار باقي الجهات و الحيوث فيها بالقوة يعني يصلح ان تتنزل فتستر ذلك الحيث فظهرت بالنفس و سمّيت بها و منها ما حكت حيث الامر لتوسط رقتها و واحديتها النسبية و صار النفس و المأمورية فيها بالقوة فتصلح للترقي ان وفقت و للتنزل ان خذلت و منها ما حكي حيث المأمورية لغلظة انيته و صار البواقي فيه بالقوة و يصلح ان وفق للترقي و لكن النقص و الكمال من الامور الفعلية و المدح و الذم و الثواب و العقاب و القرب و البعد و الحسن و القبح منوطة بها و لا عبرة بما بالقوة ابدا ابدا فلاجل ذلك تري في عالم الاجسام مع تساوي نسبتها الي الجسم المطلق منها عرش يصدر منه آثار عرشية و منها كرسي و منها افلاك و منها عناصر و رزقكم في السماء و ما توعدون و جميع الافاعيل الجارية في الارض من التمكينات و التكميلات بواسطة الافلاك نعم لاتوجد الافلاك عنصرا لا من شئ و لكن جميع الحوادث التكميلية في الابعد بواسطة الاقرب فهو يصح و يمرض و يعلي و يسفل و يعطي و يمنع و يعمر و يخرب و يؤلّف و يفرق و يعزّ و يذلّ و يفعل و يفعل و هكذا جميع التغيّرات الوصفية [ص 194] تجري في الداني بواسطة العالي اي في الابعد بواسطة الاقرب فانه النفس العرضية و الامر العرضي اي الوصفي فيفعل الافعال الوصفية في الابعد اي المأمور العرضي اي الوصفي فالاقرب نفس تشريعي او امر تشريعي و الابعد مأمور تشريعي و ذلك معني قوله تعالي في التأويل او باطن التأويل و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع الآية ، فالاقرب مفزع وصفي كما ان العالي مفزع ذاتي كوني فهذه الاعالي اي الاقارب هي اعال نازلة في صقع الاداني و قائمون مقامهم في عوالمهم في الاداء بشر مثلهم يوحي اليهم و يأتي تفصيله في الباب الرابع و انما الكلام في البيان و المعاني الاسفلين و هما غير الامامة كما يأتيك فلا طريق للابعد الي ذلك المثال الذي يحكيه الاقرب من النفس و الامر الا الاقرب فانه فيه بالقوة فهو معدوم و كذا في من هو مثله فانحصر الامر في الاقرب الذي هو فيه ظاهر و هو مأمور بالتقرب اليه و التداني منه فلا طريق له اليه الا بالاقرب اذ لو لا نفس الاقرب كان في ممكن الخفاء بالكلية و لاتناله الايدي و لاتدركه الاعين و انما ظهر في الاقرب و اشتعل في زيته حتي رأيناه فمن اين يصطلي النار الا من مظهرها لايكلف الله نفسا الا ما آتيٰها ثم هل ذلك في الارض و السماء و السماء و العرش او يجري في الهواء و النار بل في اجزاء الهواء ايضا و لايكاد يخفي مما ذكرنا حقيقة المسئلة فيه و نزيد ذلك ايضاحا ان الاداني ان كانوا بحيث ان احدهم اقرب الي المبدء من جهة و الآخر من جهة لايصحّ الاستفادة الجامعة للابعد من الاقرب لانه كما ان الابعد محتاج الي الاقرب في شئ كذلك الاقرب محتاج الي الابعد في شئ نعم يصحّ الاستفادة في جهة الفعلية حسب و له حقّه بقدره و ليس [ص 195] احدهما الجامع لجميع جهات الافادة و ان كان احدهما في كل جهة محتاجا الي الآخر و الآخر غنيا من كل جهة كالسماء و الارض مثلا فهنالك يقع الاستفادة الجامعة بينهما و الافادة الجامعة و اعلم ان الاعراض الدنياوية للابدان الدنياوية و اجسامها و ليس ذلك محل عناية الحكيم و لا عبرة به فبالافادات الجسمانية لايعزل العالي من علوه و لا الاقرب من دار قربه و انما المناط النفوس و ما يخصها و ما يظهر منها و حاجتها و غناؤها فلايستفزنك الذين لايعقلون و لكل منا مقام معلوم و لكل حق موسوم و لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي الله الا الحق و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين .

فصل - ان الادنيين المتحاوجين اذا كان احدهما اوضح حكاية او اكثر رواية عن العالي من الآخر فكما مر في الفصل السابق لايصح الاستفادة الجامعة منه لانه ليس بجامع و قيمة كل امرء ما يحسنه و مطلب كل دان هو العالي فاينما يجده بجمعه و كله يستفيد منه بجمعه و كله و اينما يجده ببعضه يستفيد منه ببعضه و لايمكن الاستفادة الجامعة عن مظهر البعض و لو بكشف السبحات و الا لصلح كل دان لذلك و هنالك ينقلب التشريع الي التكوين و نحن قد بينا ان المنير هو الدهن المستضيء المشتعل بالنار لا النار المتعلقة بالدخان و لو كان المنير النار المتعلقة بالدخان لكنت بكشف الدخان تجدها و لكن الامر ليس كذلك و المنير هو الدخان المشتعل و بكشف السبحات لاتتجاوز اعلي اذكار الدخان و لايأتي منه فوق ما هو عليه فالجزئي الشرعي بكشف السبحات لايتجاوز الجزئية و لايأتي منه الا الجزئية و لولا ذلك لصارت الرؤس اسفل [ص 196] و الارجل اعلي و انقلبت الامور و لم‌يعرف الساجد من المسجود و العابد من المعبود و الصغير من الكبير و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و اعلم ان للاشياء ثلث مراتب كما نبه الله سبحانه عليه في كتابه السابقون و اصحاب اليمين و اصحاب الشمال اما السابقون فاولئك المقربون اي الذين هم اقرب الي المبدء و احكي له و اشبه به و اما اصحاب اليمين فاولئك اصحاب النفوس القدسية اهل التسليم فيعبدون الرحمن و يكتسبون الجنان و اما اصحاب الشمال فاولئك اصحاب النفوس الامارّة في سموم و حميم ، فالمقربون و ان عرفناهم بانهم من هم اقرب الي المبدء منك و لكن معرفة الاقرب و المراد منه لايخلو من اشكال فنقول ليس المراد بالاقرب و السابق الاكثر اجتهادا او الاكثر اكتسابا و علما او الاورع او الاتقي او الاعدل و امثال ذلك و ان كان لهؤلاء كرامة و اكرمكم عند الله اتقيكم فان ذلك حدود مميزة للافراد المتماثلة و لا بد في كل متعدد ان يكون لهم حدود مميزة و لا بد للحدود من الاختلاف و ليس نسبة شيئين الي شئ واحد علي السواء فلا بد و ان يكون احدهما اشبه بالمبدء الواحد و ذلك لايفيد سبقا كليا فان هذا الفرد اشبه الي المبدء من جهة و الآخر اشبه من جهة اخري فيتعادلان فلاتغتر بمحض الشباهة في امر بل السابق من يتقدم علي اللاحق برتبة كأن يكون احدهما من عالم الاجسام و الآخر من عالم المثال و كذا احدهما من عالم الطبايع مثلا و الآخر من عالم النفوس و هكذا فان الجسم بكله متنزل عن المثال لايعادله في شئ من حدوده و المثال اقرب الي المبدء بمادته و بجميع حدوده لايتحمل مادة الجسم حدود المثال و لا مادة المثال حدود الجسم كما حقّقناه في محله من الفلسفة [ص 197] و غيرها فالمثال سابق علي الجسم و مقرب و اقرب الي المبدأ منه و كذا العرش و الكرسي مثلا و اما البروج مثلا فحدودها حدود مميزة يمكن عود كل واحد الي الآخر و استحالته اليه و ليس السابق من يلحقه المسبوق و يتجاوزه و انما السابق سابق دائما و هو اسرع سيرا من اللاحق دائما فلايلحقه اللاحق و المتسارعون متصاقعون كما قال علي عليه السلام و ليسبقن سابقون كانوا قصروا و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا و هو قوله عليه السلام ايضا و لتبلبلن بلبلة و لتغربلن غربلة و لتساطن سوط القدر حتي يصير اعلاكم اسفلكم و اسفلكم اعلاكم ، و اما الجسم فلايصير مثالا ابدا و المثال لايستحيل مادة ابدا و الحدود التي تحتملها المادة لايحتملها المثال ابدا و الحدود التي يحتملها المثال لا يحتملها الجسم ابدا و كذا لايتحمل الكرسي حدود العرش ما دامت مادته بتلك الكثافة و الغلظة و لايصل الي العرش و العرش بكله و جمعه متقدم علي الكرسي و ليس شئ من حدود الكرسي اشرف و لا افضل و لا اكمل من حدود العرش فما دام العرش عرشا بالفعل و الكرسي كرسيا بالفعل يكون العرش اسبق من الكرسي فذلك هو السابق المصور بالسبق بكله و بجمعه و ذلك هو المتحمل لعلم لايتحمله من دونه قال عليه السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره او لقتله ، فالمثال هو الواسطة بين المبدء و الجسم لايصل الي الجسم مدد الا بواسطته فاذا نزل المدد الي المثال اخذ لنفسه لبابه و انزل القشور الي عالم الاجسام مدد مادته من قشور مدد مادته و مدد صورته من قشور مدد صورته و كذلك العرش و الكرسي فان مادة الكرسي من قشور مادة العرش و صورته من قشور صورة العرش ما داما علي ما هما عليه و لذلك تري ان العرش يقهر [ص 198] الكرسي بما فيه و جميع ما في الكرسي من العلوم ينزل من العرش و نور الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش و اما اصحاب اليمين فهم اخوة متصاقعون متسارعون فمنهم مثلا اتقي و منهم اعلم و منهم ازكي و منهم اوفي و منهم اعمل و منهم افضل و هكذا فلا عبرة بهذه الحدود و المميزات فان ذلك اسباب التعارف و لاجل انهم مدنيون يحتاجون الي فعليات كثيرة و لاتتأتي من واحد فكل واحد منهم قد صيغ علي فعلية حتي يتألف المدينة فتعالي العزيز الحكيم و يأتي ان شاء الله تمام الكلام في محله و لا قوة الا بالله .

المقام الثالث - في الابواب و هو المقام الثالث من مقامات محمد و آل‌محمد عليهم السلام و قد اشير اليه في اخبار كثيرة منها ما تقدم من حديث علي بن الحسين عليهما السلام و قد مر و منها حديث علي عليه السلام ان الله تعالي لو شاء لعرف العباد نفسه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و الوجه الذي يؤتي منه فمن عدل عن ولايتنا او فضل علينا غيرنا فانهم عن الصراط لناكبون الخبر ، و غير ذلك كثير في كتب الاخبار و هذا مقام باطن الظاهر و سر لايفيده الا سر و الوساطة العامة و السفارة الشاملة و مقام الترجمان و مقام البرزخية الكبري فينزل ما ينزل من الله سبحانه الي خلقه بواسطته بعد ان نزل اليه بمقتضي الربوبية فيغيره هذه الواسطة و تجعله مناسبا للعبودية فتؤديه اليهم و يصعد ما يصعد من العباد من الاعمال الصالحة و الكلمات الطيبة و الدعوات اليها فتغيرها و تجعلها قابلة للصعود الي عرصة الربوبية و العرض عليها و لولا ذلك الباب لم‌ينتفع احد من الخلق من العالي جل علاه و لم‌يتنبه بمراده و لم‌يتفهم امره و نهيه في الشرايع [ص 199] الكونية و الاكوان الشرعية فلم‌يلبس احد حلة الوجود و لم‌يتميز احد في عرصة الشهود و لا بد من ان نشرح هذا المقام لتذكر الاعلام و لا قوة الا بالله ففي هذا المقام ايضا فصول :

فصل - اعلم ان الله جل شأنه بعد ما خلق المشية بنفسها خلقها كاملة يعني انيتها فانية مضمحلة في جنب مثال الله الملقي في هويتها بحيث لم‌يبق لها اثر و لا مقتضي و انما تمام الاثر و كمال المقتضي لذلك المثال و ليس منها شئ الا محض امساك المثال للمثال حتي يظهر لانها لم‌تكن لنفسها و انما كانت بكلها لذلك المثال فلاجل ذلك لم‌تمنع نفوذ احدية ذلك المثال و انبساطه في جميع الامكنة الامكانية و طيه لما سواه فلما كانت كذلك انبسط منها نور و شعاع و اثر فاول ما صدر منها من الشعاع هو المخلوق الاول بالمشية و اول موجود بها و هو قد يعبر عنه بالعقل اذا اعتبر انه اشبه شئ بمشية الله فهو اعمل شئ بمحبة الله فهو اعبد شئ لله سبحانه و يعقل علي العبودية كل شئ دونه غلب عليه و قد يعبر عنه بالروح لان به حيوة كل شئ كونا و شرعا و اليه الاشارة بقوله سبحانه و جعلنا من الماء كل شئ حي و قد يعبر عنه بالقلم لانه اول سبب اخذه الله بيده و به سطر ما سواه في لوح القوابل و النفوس و قد يعبر عنه بالماء لانه مادة جميع الكاينات و نطفتها و مبدأها و هو اطوع جزء من اجزاء المفعول و جعل ماء ليطاوع امر الفاعل الي ان يبلغ به غاية تدبيره و تقديره و هو نور محمد صلي الله عليه و آله لانه اول ما خلق الله سبحانه بالاجماع و الكتاب و السنة و هو السراج المنير الذي اسرج في بيت الامكان كما قال سبحانه انا ارسلناك شاهدا و مبشّرا و نذيرا و داعيا [ص 200] الي الله باذنه و سراجا منيرا و هو الشمس المنيرة لما لوّح الله سبحانه به و جعلنا الشمس سراجا و هو اول شجرة نبتت في ارض جرز الامكان لانه القلم الذي به كتب ما سواه و هو اول باكورة اكل منها روح القدس كما يشير اليه حديث العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة ، و لما كان هذا الجوهر النفيس اول صادر من امر الله و اقرب اثر اليه و اشبه الاشياء به و انسب الاشياء اليه و احكي الاشياء عنه و ادل الاشياء عليه وجب ان يكون ظهوره و آيته و دليله في عالم الوجود المقيد و خليفته و القائم مقامه و وجهه و لسانه و يده و بابه و كعبته و قبلته و يكون هو الامر الثاني اي الامر المفعولي من حيث الاعلي و الحكاية و الخلافة للعالي و لايكون بينه و بين الامر فرق الا ان هذا من الوجود المقيد و ذلك من الوجود المطلق و الفرق بينهما كالفرق بين ضَرَبَ الفعلي و الضرْب المصدري التأكيدي من حيث التأكيد الاتري انه بشكله و يعمل عمله و يظهر عنه آثاره لما القي فيه من مثاله لا فرق بينه و بينه الا ان الضرب مفعول له صادر عنه فالضرب في عالم الاسماء اي المفاعيل من حيث الآئية و التأكيدية خليفة ضرب و القائم مقامه و هو تأكيده و معناه الظاهر في عالم الاسماء و الصفات و قد ظهر بالاسمية ليعرفوه بها و هو اول ما خلق من ضرب ثم جميع الاسماء من تنزلاته و فعلياته فالعقل عقل محمد صلي الله عليه و آله من حيث الآئية لمشيته سبحانه هو الامر الثاني و المشية الثانية فهو مشية ثانية بمادته النوعية و ارادة ثانية بصورته النوعية و قدر بمادته الشخصية و قضاء بصورته الشخصية و امضاء بتمام علله و تبين اسبابه و هو الاختراع الثاني لظهور المواد منه و الابداع الثاني لظهور الصور [ص 201] عنه و كما ان الامر الاول كان صلوح احداث كل شئ و احداث كل شئ في قوته و لمايخرج الي الفعلية هذا الامر ايضا فيه صلوح الظهور بجميع الكاينات و كلها فيه بالقوة و هذا معني ان صورة جميع الاشياء في العرش فهي فيه بالقوة و الاندماج و ساير الكاينات جميعا تنزلاته و ظهوراته و فعلياته و اشعته و انواره .