فصل - اعلم ان هذه الذات المقدسة المحبوبة التي وصف الله بها نفسه كما عرفت هي اول تجليات الكينونة المجهولة لايسبقها سابق و لايلحقها لاحق و لايطمع في ادراكها طامع و هي معانيه سبحانه و ظاهره الذي اقامه مقامه في ساير عوالمه في اداء اسرار التوحيد و ابداء انوار التفريد في مقاماته الاربعة لانه لا ضد له و لا ند و لا مشاكل و لا مماثل فانتجبه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل فانتجبه آمرا و ناهيا عنه فالقي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله فبه امر ما امر بما امر و به نهي ما نهي عما نهي فجميع ما في عرصة الامكان بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة و به اجري الله سبحانه جميع نعم الايجادات و الامداد و الفيوض في الوجودات و شرعها و في الشرعيات و وجودها و به تحمد عند كل مخلوق و به الهمهم حمده حيث عرفهم اياه فحمدوه سبحانه به فهو سبحانه محمود عنده و به فهو محمد ضرورة كون كل مشتق في عرصة المبدء كما حقق في محله فهذه الذات هي المحمود من حيث الرب و محمد من حيث نفسها و هي المقام المحمود لله سبحانه اذ هي المقام الذي لا تعطيل له في كل مكان و خص المحمود بالرب و محمد به لان المحمود من حمد و شكر فالرب محمود حيث حمد نفسه و لم‌يحمده احد حق حمده و ليس للرب جل شأنه ذكر لغيره فيه و اما ذلك الظاهر فهو محمد اي حمد مرة بعد اخري و ذلك انه فيه ذكر الله سبحانه و مثاله فمرة [ص 146] يحمد بحمد الله سبحانه لانه سبحانه محمود به عنده لا في ذاته و مرة يحمد في نفسه لنفسه لانه مجري الايادي علي خلقه و هو معني قوله عليه السلام من لم‌يشكر العبد لم‌يشكر الرب ، فوجب حمده علي جميع الخلق قال علي عليه السلام لم‌يحمد حامد الا ربه و لم‌يلم لائم الا نفسه ، او هو محمد مرة في الغيب و مرة في الشهادة او هو محمد في الدنيا و الآخرة او هو محمد في السماء و الارض او هو محمد في التكوين و التشريع فلاجل هذه الوجوه و امثالها يكون تلك الذات المقدسة محمدا و هي في التكوين و الغيب و السموات و في الملأ الاعلي احمد لانها احمدت اي اتت بما يوجب الحمد و في التشريع و الشهادة و الارضين و عالم المواد محمد لانها حمدت مرة بعد اخري ففي احمد زيد في الحمد الالف الدالة علي المبدأ لان ذكر المبدء في تلك العوالم اكثر و سره فيها اظهر فاتي بالالف الدالة علي المبدأ و اما في العوالم الدنيا اتي فيه بالميم الدالة علي مراتب الظهور و الخلقية كما فصلنا و حذف عنه الالف الدالة علي الوحدة و شدد فيه الميم ليدل علي تكرار المحمودية و الحمد له معان يمكن ان يكون بجميع تلك المعاني تلك الذات المقدسة محمدا فمن معانيه الشكر و هو الثناء الجميل بحسب اللغة فهي حمد الله لانه ثناؤه و ذكره الجميل في الخلق و صفة كماله سبحانه و في الحقيقة الشكر هو صرف نعمة المنعم في رضاه و لما كانت تلك الذات متمحضة في الله سبحانه و له بذاتها و صفاتها ليس لغيره فيها ذكر حتي لنفسها كانت حقيقة الشكر فهي محمد اي مشكور مرة بعد مرة لم‌يخالف رضاه شئ من اشعته و آثاره اذ الاثر علي ما يشاء المؤثر و يريد ، قد اطاعه الكافر بكفره كما اطاعه المؤمن بايمانه ، سجد [ص 147] له سواد الليل و ضياء النهار ، يسبح الله باسمائه جميع خلقه و مشكور قد شكر الله سعيه فيه و له و اثني عليه و ذكره بالجميل حيث جعله اصل كل خير و بر و من معانيه الرضا فهي محمد حيث رضيت عن الله و رضي عنها و ارتضاها لنفسه لتمحضها في ذاته سبحانه و رضي عنها جميع آثارها في كينوناتهم و من معانيه الجزاء فهي محمد حيث جازاها الله باعظم الجزاء حيث اصطنعها لنفسه و استخلصها له و اوصلها اليه بان كانت كما احب و اراد و من معانيه القضاء الحق فهي محمد لان الله سبحانه قضي لها بالحق و بما تستحقه منه حيث جعلها آيته و نوره و صفته و معانيه و ظاهره و يمكن ان يكون مأخوذا من الحمادا و هو الغاية كما يقال حماداك و حماداي اي غايتك و غايتي نظرا الي ان الحمد غاية الصنيع المعروف فهي محمد اي جعلت غاية الغايات و نهاية النهايات كما قال الله سبحانه و تري الملئكة حافّين الي قوله و قيل الحمد لله رب العالمين و هو ● العلة الغائية بالجملة بهذه الوجوه و امثالها تسمي تلك الذات المقدسة بمحمد و لما كانت هي القائمة مقام الله في الاداء لجميع شؤن الربوبية في التكوين و التشريع وجب ان تكون هي النبي الكلي الاعظم و المسمي بمحمد و احمد الملقب بحبيب الله صلي الله عليه و آله و تكون هي الذي به فتح الله ما استقبل من الايجاد و به ختم ما سبق و المهيمن علي ذلك كله و تكون هي المبعوث في المقام المحمود و صاحب لواء الحمد الذي تحته جميع ما خلق الله سبحانه فافهم و تثبت .

فصل - و لما كان هو صلي الله عليه و آله مخلوقا مركبا من مادة هي [ص 148] اقوي ركني وجوده و اوحدهما و هي جهته الي ربه و كانت عالمة بالله لانها العلم بالله الذي افاده الله منه و عرف نفسه له بها باينة من الخلق ليس فيها ذكر لغيره سبحانه دانية من الخالق لانها واقفة في مقام او ادني كانت عبدا حقيقيا لله سبحانه الذي كنهه الرب اذ مربوب فهي عبد الله علي الحقيقة فمن اسمائه وجب ان يكون عبدالله و لما كانت المادة مقام الاب كما حقق في محله و الظاهر في الكليات علي طبق الباطن وجب ان يكون ابوه ايضا عبدالله و كان له صورة و لما كانت منغمرة في لجة بحر الوحدة سابقة علي جميع انحاء الكثرة و لايجري عليها شئ من الاحكام الجارية بها مصونة بصون الله عن التغير متحصنة بحصن الله عن عروض التبدل كانت آمنة مطمئنة بحفظ الله سبحانه داخلة في دار السلام المشار اليها بقوله لهم دار السلام عند ربهم كما قال سبحانه ادخلوها بسلام آمنين فهي آمنة من كل تغير و تبدل و زوال و تكثر و لما كان الظاهر علي طبق الباطن كان الواجب ان يكون امه آمنة و لما كان كل حادث مثلث الكيان و هي المادة و الصورة و الوحدة الظاهرة في تركيبهما كالخل و العسل و السكنجبين الحاصل من بينهما المتولد منهما و هو غيرهما و هو صلي الله عليه و آله ايضا حادث مركب له مادة هي منه الاب و صورة هي منه الام و قد اعرض عنهما و انقطع عنهما الي ربه لا توجه له الي احد غير الله سبحانه و قد افناهما عند سطوع نور ربه فاخفي نفسه و اظهر ربه بكله و ليس لاحد نعمة عليه وجب ان يكون في الظاهر ايضا يتيما لم‌يكن لاحد عنده من نعمة تجزي الا الله سبحانه و يكون منقطعا عما سواه هذا و لما كان هو اعظم الخلق طرا و لاينبغي ان يتذلل لاحد دون الله سبحانه و كان الواجب في عالم [ص 149] الظاهر التذلل و التخشع للوالدين و الطاعة لهما و التصغر لهما و كان ذلك لايناسب تمحضه لله سبحانه و عظم شأنه و جلالة مكانه وجب ان يكون يتيما لايكون لاحد عظمة عليه البتة و كذلك اليتم و الانقطاع ابلغ لحجته اذ خرج اعلم من الكل و احسن ادبا من الكل و اكثر حكمة و سياسة و رياسة و قودا للجيوش و تدبيرا للامور و غلبة علي العالم و اقل ناصرا و امثال ذلك لايمكن حصولها للايتام الذين لا مربي لهم و لا عناية كاملة من احد تشملهم بالجملة كان الواجب ان يكون يتيما و لما كان مكة قلب العالم و وسطه و دحيت الارض من تحت الكعبة و هي اول بيت وضع للناس و كان النبي الاعظم الذي به حيوة العالم هو المخبر عن عالم الغيب و الترجمان عنه لعالم الشهادة و هو الطف اجزاء العالم و خلاصته كان الواجب ان يكون مسقط رأسه و مولده الشريف هو مكة و يهاجر منها الي دماغ المدينة و ينتشر من هنالك نوره و ينبث منه في جميع بدن العالم امره و نهيه و حكمه و ظهوره و ان ساير الحجج بمنزلة الحواس الظاهرة و الباطنة و هو صلي الله عليه و آله حيوة العالم و روحه و قد فصلنا هذا البيان في ساير كتبنا ، فتبين انه كما لايليق ساير الاعضاء ان يصير كرسي استواء الروح سوي القلب فانه اللايق به و في القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن ، لايليق بمولده و مبعثه غير مكة و لايليق بمهاجره غير المدينة التي هي شمالية مكة و جهة الشمال جهة المرة السوداء و مابعث الله نبيا الا و هو ذو مرة سوداء صافية و هي اي المدينة بمنزلة الدماغ كما ان مكة بمنزلة القلب و مهاجر الروح من القلب الي الدماغ و منه ينتشر امره و حركته و شعوره في البدن فوجب ان [ص 150] يكون هذا النبي الكلي ابطحيا تهاميا بعث من مكة و هاجر الي المدينة و منها انتشر امره و حكمه في العالم كما عرفت .

فصل - و لما كان هو صلي الله عليه و آله مظهر اسم الله الحي و به حيوة كل حي و هو عقل الكل المدبر لجميع ما سواه و به شعور الكل و عرفانهم بربهم و به يؤدون جميع ما كلفهم الله سبحانه و يعملون بمقتضي محبته و يتصفون بصفاته و يتخلقون باخلاقه و به يعبدون الرحمن و يكتسبون الجنان و به يصعدون من مهاوي الكثرة الي شامخ مقام الوحدة و كان هو صلي الله عليه و آله اوحد الاشياء و احكاها لصفة احديته سبحانه و اول سراج اشتعل زيت قابليته من نار مشية الله سبحانه كان بعد ان بعث الي ادني المراتب و ابعد العوالم بخطاب قول ادبر و استجن نوره فيه لم‌يكن يتحمل بنية العالم ان يصير فيه بالفعل في مبدء الصعود و كان يحترق من شدة حرارته و لم‌يكن يبلغ رتبة الكمال الذي اريد منه و لم‌يكن يظهر منه الغاية فوجب ان يظهر امره فيه شيئا بعد شئ من وراء حجب ساير المظاهر حتي ينتضج بنية العالم شيئا بعد شئ و يحصل له طاقة لظهوره و امتثال اوامره شيئا بعد شئ كما ان روح الولد بعد ما نزل الي نطفته و استجن فيها و امر بالاقبال لم‌يظهر اولا بنفسه فيها و انما ظهر من وراء حجاب الجماد اولا فكان نطفة ثم من وراء حجاب المعدن فكان علقة ثم من وراء حجاب البرزخ بين النبات و المعدن فكان مضغة ثم من وراء حجاب النبات فكان عظاما ثم من وراء حجاب البرزخ بين الحيوان و النفس النباتية فكان لحما ثم ظهر الروح في المرتبة السادسة بعد استكمال القابلية و انتضاجها و لذا عبر عنه سبحانه بقوله ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله [ص 151] احسن الخالقين و انما عبر عنه بالخلق الآخر فانه خلق المقبول و هو غير خلق القابل و كذلك بعد ان خرج و قدر الله سبحانه ظهور نور العقل و لم‌يكن قابلا لظهوره و لايطيقه و كان يحترق و يذبل قبل ان يبلغ اجله و يصير بالفعل ما جعل فيه بالقوة من الكمالات التي هي مظاهر اسماء الله و صفاته حجب الله سبحانه انوار شمس عقله بسحايب مكفهرات رطوبات دماغه و ابخرتها حتي حالت بينه و بين العقل كما يحجب الله سبحانه بين الشمس و بين نجوم النباتات الحدثة من الارض لئلاتحترق و تبلغ غايتها ثم بتسخين تلك الشمس من وراء الحجب يجفف شيئا فشيئا تلك الرطوبات حتي يتقشع السحاب و يصحو الفضاء و يظهر وجه البيضاء علي ما هو عليه فاوايل التولد مقامه مقام النطفة للعقل لايميز شيئا فاذا بلغ حد تمييز الصور بعضها عن بعض يكون بمنزلة العلقة فاذا بلغ حد تمييز المعاني الجزئية من الكلمات و الاشارات يكون بمنزلة المضغة فاذا بلغ تمييز النسب و حسن بعض الاشياء و قبحها و نفعها من ضرها يكون بمنزلة العظام فاذا بلغ حد المراهقة و التمرين يكون بمنزلة اكساء اللحم فاذا بلغ الحلم ينشؤ خلقا آخر و يظهر وجه العقل كما ينبغي و يكلف و يجري عليه الحدود و يؤخذ و يطلب بالواجبات و المندوبات و المحرمات و المكروهات و لولا انه خلق خلقا آخر لماجري عليه القلم و لماكلف و لو ظهر هذا العقل في بدن الطفل من اول مرة لذبل و تلاشت بنيته و اضمحلت البتة فقدر الله العزيز الحكيم ان يكون عليه حجاب من اول مرة و يترقق ذلك الحجاب شيئا بعد شئ حتي تنتضج البنية و يتحلل ذلك الحجاب شيئا بعد شئ حتي يسفر العقل الخالص عن وجهه و يربيه بخالص ناره فلما نزل [ص 152] العقل الكل بامتثال امر ادبر عالما فعالما و وصل الي عالم الاجسام و الي العرش و نزل الي الكرسي ثم الي الافلاك ثم الي العناصر و استجن في التراب ثم نودي بخطاب اقبل كونا صار يظهر امره شيئا فشيئا لان اقبال الخلق الكوني ماكان يمكن الا بمشيته سبحانه الكونية و هو مشية الله الكونية المتعلقة باقبال الخلايق و لما كان الخلق لعدم نضجه و تهيئه ماكان يمكنه امتثال ذلك الامر بصرافته قدر الله تعالي شأنه ان يظهر علي التدرج و الترتب الحكمي فاول ذلك ظهر من وراء حجب عديدة آخرها الحجاب الجمادية و هو اول قدمه في مراقي الصعود و دبر العالم من وراء تلك الحجب و جعله ذا افعال جمادية ثم اذا كمل في هذا المقام القي عنه قناع الجماد و ظهر من وراء حجاب البرزخ بين الجماد و المعدن ثم من وراء حجاب المعدن ثم من وراء حجاب النفس البرزخية بين المعدن و النبات ثم من وراء حجاب النفس النباتية ثم من وراء حجاب النفس البرزخية بين النبات و الحيوان ثم ظهر في العالم من وراء حجاب النفس الحيوانية و دبر العالم بتدبير النفس الحيوانية و تم خلقه و تعلق بالعالم نفس من النفوس الغيبية فان النفس الحيوانية من غيب هذا العالم اذ هي من عالم البرزخ بين الدهر و الزمان و هي الخلق الآخر للعالم و تم جنين العالم فلما تعلق تقدير العزيز الحكيم بتوليد العالم و بدا زمان تعلق النفس الناطقة بالعالم اظهر الله سبحانه آدم علي نبينا و آله و عليه السلام و ذلك ان صورة النفس الناطقة القدسية ليست الا الوجود التشريعي المفاض من المشية التشريعية كما ان الوجود السابق لم‌يكن يتحقق الا بالمشية الكونية و ذلك ان الصورة الانسانية في احسن تقويم و هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي [ص 153] الكتاب المبين الذي كتبه بيده و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الجسر الممدود بين الجنة و النار و هي الحجة علي كل جاحد و هي هيكل التوحيد و مظهر التفريد فالناس كلهم بهايم الا المؤمن ان هم الا كالانعام بل هم اضل ، فالصورة الانسانية هي صورة الايمان المطابقة لمشية الله التشريعية المحبوبة الحبيبة لله سبحانه ، ان كنتم تحبون الله فاتبعوني و لكم في رسول الله اسوة حسنة ، فكان الواجب في احداث صورة النفس الناطقة القدسية تعليق المشية التشريعية بالعالم حتي يحدث من ظلها و شعاعها في العالم صورة النفس الانسانية الناطقة و لكن علي ترتيب الحكمة و الصواب و التدريج الحكمي كما بينا فاول ذلك اظهر تلك المشية التي هي الانسان الجامع من وراء حجاب آدم علي نبينا و آله و عليه السلام فكان حرارة مشيته اي تربيته للعالم كالحرارة المتعلقة بالنطفة فاذا انتضج العالم قليلا اظهرها من وراء حجاب شريعة نوح علي نبينا و آله و عليه السلام فكانت بمنزلة الحرارة المتعلقة بالعلقة و هكذا كان شريعة ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلام بمنزلة الحرارة المتعلقة بالمضغة و شريعة موسي علي نبينا و آله و عليه السلام بمنزلة الحرارة المتعلقة بالعظام و شريعة عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام بمنزلة اكساء اللحم و كل ذلك لعلل يطول بيانها فاذا تم مراتب قابليته و تم نضجه انشأه الله خلقا آخر و اظهر الروح الغيبية التي هي فوق عوالم القوابل و هي المقبولة بالنسبة اليها فكمل امر احداث صورة النفس الناطقة في العالم في هذه الاطوار الستة علي وفق احداث ساير الاطوار و كما ان حكم كل مرتبة من تلك المراتب يزول باتيان الرتبة اللاحقة و يرفع فاذا تعلق الروح يبقي حكمه الي الممات كذلك وجب في الحكمة ان [ص 154] ينسخ جميع تلك الشرايع و يزول احكامها و يبقي حكم الشريعة الروحانية الي ممات العالم و هنا حرف آخر احب ان اذكره استطرادا و ان لم‌يكن في محله و هو اذا قست الشرايع بما بعدها و عرفت ان الشريعة بالنسبة الي الطريقة بمنزلة الجسد و كما ان الولد بعد تمام صورته و روحه الحيوانية التي بها تمامه و قوامه يتعلق به النفس الناطقة بعد تولده و يتدرج في المراتب كما بينا عرفت ان الشريعة جاءت لاصلاح صورة العالم و الغاية تعلق روح الولاية بها و ان العالم تولد يوم غدير خم و تعلق به سر الولاية و لكن من وراء حجب عديدة علي حذو ما سمعت فكان الواجب ان يظهر سر الولاية اولا بقدر ظهور شريعة آدم و بقدر حرارة النطفة كما بينا و يتدرج الامر شيئا بعد شئ الي ان يتجلي الولي من غير حجاب و كما ان النبي محل المشية التشريعية كذلك الولي محل المشية الطريقية و بها يحدث حقيقة النفس الناطقة القدسية و يصير العالم بها انسانا حقيقيا كما صار بالمشية التشريعية انسانا صوريا و لذلك تري اسرار الولاية تشتد ظهورا و بروزا يوما بعد يوم الي ان يسفر الولي صلي الله عليه و علي آبائه عن وجهه و ينشأ العالم خلقا آخر بالقاء شرع جديد و كتاب جديد هو علي العرب شديد فلما تعلق شمس الولاية ببدن طفل العالم اثارت ابخرة الاحقاد و الخصومات حتي انشأت سحائب مكفهرات حالت بين شعور النفس الناطقة اي الولاية و بين بدن الطفل و كانت كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج ذلك الشعور يده لم‌يكد يريٰها و كانت تلك الشمس ترقق تلك السحائب من ورائها بحرارتها شيئا بعد شئ و تلك السحائب دائمة مستمرة الي زمان صحو العالم [ص 155] و ظهور شمس الولاية قال عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي كانتفاع الناس بالشمس اذا جللها السحاب ، و لكنها ترق شيئا بعد شئ كما تترقق رطوبات دماغ الولد شيئا بعد شئ و هي الحجاب الذي علي وجه رأس من رؤس العقل المتعلق بذلك الولد فلم‌يكن ما ظهر في اعصار الاولياء سلام الله عليهم الا كنور شمس ظاهر من وراء سحاب مكفهر متراكم غليظ و كان العالم الي زمان الصادقين عليهما السلام بمنزلة النطفة و الطفل الذي لايعرف شيئا فان الشيعة كانوا الي زمانهما لايعرفون شيئا من شرايع دينهم و كانوا محتاجين الي العامة العمياء و في زمانهما تبصروا حتي احتاجت العامة اليهم فيها فصاروا في زمانهما بمنزلة العلقة و الطفل المميز للصور ثم ترقي شيئا بعد شئ فازداد تبصرهم في معالم دينهم الي منتهي زمان الغيبة الكبري و زمان المحمدين رضوان الله عليهم و اجتمعت الاخبار المتشتتة و حصل عند كل مختبر ما كان متشتتا عند الكل فتبصروا و اطلعوا علي الاسرار المتفرقة و الفضائل المتشتتة التي كانت بايدي اشخاص متعددة فازداد تبصرهم و كان الزمان تغير حكمه و صار بمنزلة المضغة و الطفل المميز للمعاني الجزئية و كذلك ترقي شيئا بعد شئ الي ان احكم العلماء امر الولاية و صنفوا التصانيف في رد العامة العمياء و صرفوا هممهم ليلا و نهارا في ابطال امر خلفاء الجور و اثبات ولاية الائمة عليهم السلام و رفع الاستبعاد عن طول الغيبة و كأنه لم‌يكن للعلماء شكر الله مساعيهم الجميلة همّ الا ذلك و صنفوا في ذلك تصانيف لاتحصي و اثبتوا ابطال امر الخلفاء و حقية الائمة من كتب العامة و الادلة العقلية و احكموا امر الولاية في ازمنة فصار الزمان في تلك الاوقات بمنزلة العظام و الطفل الذي [ص 156] عرف حسن بعض الاشياء و قبحها و عرف بعض النسب و التصديقات كما مر و كان كذلك الي ان احكم العلماء بعد فراغهم عن ظواهر الاصول ظواهر الاحكام و تؤامروا في تصنيف الكتب المختصرة و المطولة و المهذبة و المفصلة في الفقه و احكموا امره بما لا فوق له و لم‌يدعوا نوعا من الكتب الا و صنفوه و اجتمع عندهم شوارد الاخبار التي شذت عن الاولين و اقوال العلماء الخيرين و اطلعوا علي مواضع الشهرة و الاجماعات و صنفت الجوامع الثلثة بحار الانوار و العوالم و الوسائل بل و الوافي فهي اربعة و انضبط امر ظاهر الدين بما لا فوق له فترقي الزمان الي ان كسي لحما و بلغ المراهقة و التمييز فبدأ الله سبحانه بعد ذلك في تمكين قابلية الزمان و تمرينه علي حقايق الدين و انضاجه شيئا بعد شئ حتي يصلح لانشاء الخلق الآخر و بلوغ الحلم و لذلك تراه يكلف بامور باطن الولاية و انتشر و الحمد لله اسرار الولاية و بواطن الفضائل و المقامات و كتب فيها الكتب و الحمد لله رب العالمين حتي انه كتب من مبدء المائة الثالثة‌عشرة الي سنتنا هذه و هي التسع و الستون من المائة الثالثة‌عشرة من مشايخنا و منا قريب ثمانمائة كتاب في الفضائل و احكام امر الولاية و بواطن التوحيد و النبوة و الامامة ما لم‌يكن مكتوبا في شئ من الازمنة السابقة و نادت علماؤنا رضوان الله عليهم علي رؤس المنابر و علي رؤس الاشهاد في المجالس و الانادي و المدارس و المكاتب بفضائل عجيبة و اسرار غريبة من بواطن اركان الدين و تبصر الناس و زال عنهم الجهالات و الضلالات التي كانت من لوازم موتهم في الاطوار السابقة و حدثت فيهم الحرارة الغريزية و ان ضاقت بذلك صدور قوم و ثارت ابخرة احقادهم و حسدهم و بغيهم كما ثارت يوم [ص 157] ظهر عليهم ظاهر الولاية يوم اول و حدثت من ابخرة احقادهم ثانيا سحايب مكفهرة قد حجبت بين اعين الناس و شمس الحقيقة و خفي في الجملة امرها و هم غافلون عن ان شمس الحقيقة تحلل شيئا بعد شئ تلك الابخرة و تفنيها و تمحوها و تظهر صاحية كما حللت شمس ظاهر الولاية تلك الابخرة الحادثة اولا ، سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و لن‌تجد لسنة الله تحويلا هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و لقد احسن الشاعر و اجاد و لله دره حيث قال و نعم ما قال :

لزين الدين احمد نور فضل تضاء به القلوب المدلهمة

يريد الحاسدون ليطفؤه و يأبي الله الا ان يتمه

و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله بالجملة ،

الناس من حسب التمثال اكفاء ابوهم آدم و الام حواء

و كم ترك الاول للآخر و ليست حرارة شمس الحقيقة باقل من الشمس الظاهرة و يثور الابخرة كما ثارت اعاذنا الله من شر الاشرار و كيد الفجار و الحقنا بالابرار ربنا افرغ علينا صبرا و ثبت اقدامنا و انصرنا علي القوم الكافرين و ان شئت معرفة تفصيل احوال الايام فعليك بكتابنا الكبير ارشادالعوام فلنقبض العنان فان للحيطان آذانا بالجملة اذا تمكن الزمان بنور ولي الملك المنان يستعد لنفخ الروح و بلوغ الحلم و ظهور شمس الحقيقة و وقوع التكليف و هو ما اشار اليه الصادق عليه السلام في حديث مفضل قال عليه السلام كأني انظر الي القائم علي منبر الكوفة و حوله اصحابه ثلثمائة و ثلاثة‌عشر رجلا عدة اصحاب بدر و هم اصحاب الالوية و هم حكام الله في ارضه علي خلقه [ص 158] حتي يستخرج من قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول الله صلي الله عليه و آله فيجفلون عنه اجفال الغنم فلايبقي معه الا الوزير و احدعشر نقيبا كما بقوا مع موسي بن عمران فيجولون الارض فلايجدون عنه مذهبا فيرجعون فوالله اني لاعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به انتهي ، و هو باطن ما ذكره اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد حين سأله عن الحقيقة و الحديث صعب مستصعب و لعلنا نشير الي باطنه هنا و في الباب الثالث و باطن باطنه في الباب الرابع اذ التصريح به حرام في هذه الازمان و بالله المستعان .

فصل - اعلم ان الظاهر يوافق الباطن و الشهادة توافق الغيب لان الله سبحانه واحد و امره واحد و الصادر عنه واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الظاهر ظهور الباطن و كماله و الشهادة تنزل الغيب و تفصيله فالظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة فلايعلم الاستدلال علي الغيب الا بالشهادة و علي البطون الا بالظهور و الذين يزعمون الاختلاف بين البطون و الظهور هم بعيدون عن الصواب متوحلون في الارتياب و ليسوا من اولي الالباب فاذا نظرنا الي هذا العالم رأيناه ذا مقامين مقام الافلاك الذي هو مقام المتحركات و الفواعل و الممدات و مقام العناصر الذي هو مقام السواكن و المفاعيل و المستمدات و لما كان كل اثر عند مؤثره مخلوقا بنفسه يعني نفسه من حيث الاعلي فعل العالي في ايجاد نفسه من حيث الاسفل كانت الافلاك حيث تأثير المؤثر و العناصر حيث اثريته مع ان الحيثين ساريان في الكل الا ان حيث الاثرية خفي في الاعالي و الغالب عليها الفعلية و حيث التأثير خفي في الاسافل و الغالب عليها الاثرية و المفعولية فالافلاك جهات الرب جل شأنه و مترجمات اراداته [ص 159] الملكوتية الغيبية في الملك و الشهادة و منبئات عن محابّه تعالي شأنه و مشياته و مراضيه و مطالبه من عباده للعناصر و حججه علي العناصر الظاهرة لها بلباس الجسمانية القائلة لها انا بشر مثلكم يوحي الينا انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو منكم مثلنا لقاء ربه بالقاء نفسه و النظر الي آيته الظاهرة فيه بنا فليعمل عملا صالحا و ليتخفف ليلحق بنا و لينتزع عن الميل الي الكثرات و الشركاء المتشاكسين و لايشرك بعبادة ربه باطاعتنا احدا لانه بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله فان كنتم تحبون الله فاتبعونا يحببكم الله بالجملة الافلاك حجج الله علي العناصر بها احتج عليها و اتم و ابلغ و اكمل فاذا نظرنا الي الافلاك رأينا ان لها مقامين مقام كلية و غيب الذي به انفردت عن مشاكلة العناصر من ابناء جنسها و مقام جزئية و شهادة به ارتبطت بالعناصر و لبست لباسها فالمقام الاول منهما مقام العرش و الكرسي و هما اخوان بابان من ابواب الغيب لا فرق بينهما الا ان باب العرش اغيب من باب الكرسي و العرش مقام الاجمال و البساطة و الوساطة بين الغيب المعرّي عن التعينات و الحدود و الجبروت و الكرسي مقام التفصيل و التركيب و الارتباط بالشهادة و الملكوت و كما ان العرش هو المؤدي عن الغيب و مستودع سره و خزانة علمه كان الكرسي هو المؤدي عن العرش و مستودع سره و خزانة علمه فلم‌يستفد قلم العرش شيئا من الغيب الا و قد رسمه في صدر لوح الكرسي و لا فرق بينهما الا بالاجمال و التفصيل فالكرسي نفس العرش و خليفته و المؤدي عنه الي كل ذي حق حقه و الي كل مخلوق رزقه و العرش هو المنبئ عن الغيب و نبيه و رسوله الي عالم الاجسام فالعرش مقام النبي و الكرسي مقام الولي و هما في عالم الغيب اخوان [ص 160] و ان كان الكرسي يستفيد كلما يعلمه من العرش و لما تجليا في عالم الجزئية و التعلق و الارتباط و ظهرا بالامامة ظهرا بالشمس و القمر فكان الشمس ظهور العرش و القمر ظهور الكرسي و لما كان مادة الشمس و القمر في الظاهر من تأييد العرش و الكرسي و المادة مقام الاب كما حققناه في محله كان الشمس و القمر في الظاهر بمنزلة الابن للعرش و الكرسي و هما بمنزلة الاب لهما فالعرش ابو الشمس و الكرسي ابو القمر و قد عرفت ان العرش و الكرسي اخوان فالشمس و القمر في الظاهر ابنا عمّ و في الباطن اخوان و لما كان العرش مقام العقل و العقل ما عبد به الرحمن و هو العالم بالله البائن من الخلق الداني من الخالق كان عبد الله فوجب ان يكون ابو النبي الظاهر عبدالله و لما كان القمر مقام نفس الشمس و مقام القابل و الطالب و الشمس هي مطلوبته و مقبولته و كان الكرسي اباه كان الكرسي اباطالب و باعتبار ان القمر نفس الشمس و الشمس مقام العقل له و العقل الغالب عليه المادة و النفس الغالب عليها الصورة فالعقل له ابوّة بالنسبة الي النفس و هو مربيها و هي و ما لها لابيها و القمر هو مقسم فيوضات الشمس في السفليات و النير الاصغر المقارن لها المعطي كل ذي حق حقه و السايق الي كل مخلوق رزقه و هو قاسم الامداد كلا يمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء الشمس و به يسعد السعداء و يشقي الاشقياء فالشمس بهذا اللحاظ ابوالقاسم و قد عرفت وجه تسمية النبي الذي مقامه مقام العرش بمحمد و احمد و محمود كما مر فلنذكر استطرادا سمات الكرسي و القمر و ما ظهر فيهما من آيات الله سبحانه فاقول لما كان الكرسي مقام ارتباط العرش بالجزئيات و السفليات كان يده و وليه و خليفته و نفسه و تفصيله كما مر [ص 161] فلما كان الكرسي تفصيل العرش و جميع امداد العرش و فيوضه و علومه تتفصل في عالم الكرسي وجب ان يكون جهات الولاية متفصلة متعددة فيه ليناسب ● السفليات و يعلم كل اناس منه مشربهم و يتوجه بكل وجه الي قوم و يناطقهم بلسانهم و يؤدي اليهم ما يوافق حالهم و شأنهم و الواحد لايناسب المتكثرات فوجب ان يكون للولي و الخليفة جهات ليتوجه الي كل قوم بوجه مناسب و قد عرفت ان مقام الآثار كلياتها البسيطة اربعة النار و الهواء و الماء و التراب و كلياتها المركبة ثلثة الجماد و النبات و الحيوان و كل واحد من الانواع الثلثة اربعة اصناف منها الغالب عليها النار و منها الغالب عليها الهواء و منها الغالب عليها الماء و منها الغالب عليها التراب كما تري من اختلاف طبايع هذه الانواع و لايخفي امرها فالمواليد كلية اثناعشر صنفا و لايخفي ذلك علي العالم بالطبايع كعلماء الطب و الفلسفة و لانطيل الكلام بذكرها و لاننكر ان يكون بين هذه الاصناف برازخ الا ان البرازخ من الجزئيات و كل برزخ يلحق بجانب و لا غاية للبرازخ و البرزخ بنفسه تابع للطرفين فالكليات اثنتاعشرة فوجب ان يكون ظهور الولي علي اثني‌عشر وجها يتوجه بكل وجه الي قوم و ينفجر من عين كل وجه ماء مدد و فيض مناسب لقوم و يتكلم بلغة كل قوم و يؤدي الي كل قوم عن العرش ما اودع من سره لهم فلاجل ذلك ظهر الكرسي في منطقته باثني‌عشر برجا كليات دوراتها ثلثة و كل دورة له اربع طبايع علي وفق العالم الاسفل فدل ذلك علي ان اولياء النبي و خلفاءه يجب ان تكون اثني‌عشر كلهم من طينة واحدة و نور واحد [ص 162] و روح واحد و رتبة واحدة الا انهم اثناعشر شخصا و كما ان البروج الاثني‌عشر لا بد لها من حامل يحملها و هو فلك البروج علي الاصح و هو احد افلاك الكرسي الجزئية كذلك الواجب ان يكون للاثني‌عشر سلام الله عليهم حامل و هو فاطمة صلوات الله عليها الحجر الذي انبجست منه اثنتاعشرة عينا بواسطة العصا التي هي الكرسي و هي بيمين موسي العرش ليعلم كل اناس مشربهم و لولا ان مقام تفصيله ليس هنا لبسطت القول فيه و فيما ذكرت كفاية و بلاغ .

فصل - اعلم ان الاشخاص الكلية الذين لم‌يلحقهم اعراض لقوة توحد ذواتهم يقع جميع ما لهم و بهم و عنهم و منهم علي نهج الحكمة و الصواب و مطابقة الواقع الاولي و كليات الحكمة فيمكن الاستدلال علي جميع ذلك بالعقل و يطابق الواقع و اما الاشخاص الجزئية الذين لحقهم الاعراض و مازجهم الامراض فلايمكن توافق ما ظهروا به مع كليات الحكمة التي يستدل عليها بالعقل فلاجل ذلك يمكن الاستدلال علي احوال الخاتم صلوات الله عليه و آله و اوصيائه بالعقل المستنير بانوارهم دون غيرهم فنقول اما وجه بعثته بعد اربعين و حين وصل الولي الي عشر سنين و طول ايام نبوته ثلثا و عشرين و بقاء الولي بعده ثلثين و كون عمرهما ثلثا و ستين فاعلم ان للنبي و كذا الولي مقامين مقام باطن و مقام ظاهر و للباطن مطلقا مقبولية بالنسبة الي الظاهر و للظاهر مطلقا قابلية بالنسبة الي الباطن فلظاهر النبي قابلية لباطن الولي كما ان الشمس قابلة لانوار الكرسي مستمدة منه و مما ثبت في محله ان حدود القابلية تدور علي ثلثة اقطاب الي ان ينشأ الشئ خلقا آخر جماد و معدن [ص 163] و نبات و كل واحد من هذه المراتب من باب ان كل شئ فيه معني كل شئ مركب من تسع قبضات فلكية و واحدة عنصرية ارضية فيكون تمام حدود القابل الكلية ثلثين فلما كان النبي الظاهر له قابلية عند الولي الباطن وجب ان يكون حصوله في عالم الظاهر قبل الولي لان القابل ظهورا قبل المقبول و وجب ان يكون بثلثين سنة ليستكمل دورات القابلية حتي يستعد لاشراق نور الولاية عليه فتولد النبي صلي الله عليه و آله قبل الولي بثلثين سنة فلما استكمل الثلثين تولد الولي و هو بمنزلة قوله سبحانه ثم انشأناه خلقا آخر و لما كان المقبول ايضا يستكمل في عشر مراتب و هي القبضات العشر بعث النبي صلي الله عليه و آله تام المراتب كامل المقامات مقبولا و قابلا حين بلغ الولي عشرا و بلغ هو اربعين الذي فيه استكمال كل كامل ثم بقي الولي بعد رفع النبي ثلثين لبيان انه لما ظهر يكون ظهورا قابلية بالنسبة الي النبي الظاهر فبقي ثلثين لاظهار تبعية ظاهره لظاهر النبي و باطنه لباطنه و اما سر لبثه بعد النبوة ثلثا و عشرين الا شهرا او اقل فانه رسول الي جميع الناس كافة و هم نوعا ثلثة اصناف اصحاب الافئدة و اصحاب القلوب و اصحاب الصدور كما امره الله سبحانه بثلثة انواع دعوة في قوله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و هؤلاء الانواع مراتبهم ثلث و عشرون اهل الافئدة طائفة واحدة متحدة و اهل القلوب طائفتان اصحاب العقول و اصحاب الارواح و اهل الصدور فلهم المراتب العشرون المعروفة فلبث في قومه لكل قوم سنة يدعوهم الي سبيل ربه و يربيهم حتي يهديهم الي ربهم و لبث في مكة ثلث‌عشرة فانها مقدمة ظهورا علي المدينة فلها مقام الظاهر و المراتب الظاهرة من [ص 164] تلك العشرين و هي العناصر و السيارة و فلك المنازل و فلك البروج و لبث في المدينة عشرا فان العرش و الكرسي بابان من ابواب الغيب مضافان الي الملكوت و هما مع الثمانية العليا الدهرية الغيبية عشرة و ذلك ان المدينة مؤخرة ظهورا و هو صلي الله عليه و آله و من معه ترقوا بهجرته فانتشر امره و انبسط نوره و علت كلمته فلما بلغ الولي ثلثا و ثلثين و كمل قابليته و طعن في مراتب المقبول و تحصل الكلية الجامعة من كل دورة من دوراته قبض النبي صلي الله عليه و آله و انتقل الامر اليه فلبث بعده ثلثين لما مر آنفا و كان عمره صلي الله عليه و آله ثلثا و ستين لان الدنيا دار تمحيص و افتتان و استخلاص و يعمر الشخص لاستخلاص الجوهر الذي كان فيه بالقوة و فعليته و الشخص له جسد و نفس و روح لما حقق في محله ان كل شئ مثلث الكيان و استخلاص جوهر كل واحد في ثلثة اسابيع اذ فيها غاية الانحلال و التخليص لان كل شئ من هذه الاركان له جمادية و معدنية و حيوانية و كل واحد من هذه الثلثة مثلث الكيان مربع الكيفية كما حقق في محله و صار كمال التعفين و الحل في ثلثة اسابيع و فيها تستكمل القابلية لاستخراج الاعراض و الغرايب و تمييز الجوهر المستجن فيها منها فعمر صلي الله عليه و آله ثلثا و ستين حتي يستكمل انحلاله بجميع مراتبه في محل حرارة الاقبال و رطوبة الامتثال و يسهل عليه مفارقة الاعراض و الامراض اذا دعي الي نحو ذي الجلال و اليه الاشارة بقول علي عليه السلام هتك الستر لغلبة السر و محو الموهوم و صحو المعلوم و جذب الاحدية لصفة التوحيد فاذا كمل نعامته تحت فهر المشية علي صلاية القابلية و تم انحلاله جسدا و نفسا و روحا في ثلثة و ستين [ص 165] انجذب الجوهر الخالص منه القديم الازلي منه الي اللاهوت و هو قوله عليه السلام في صفة النبي صلي الله عليه و آله استخلصه في القدم علي ساير الامم الخطبة ، و لما كان الولي نفسه و علي حده كان عمره ايضا ثلثا و ستين فلبث مع النبي للاستكمال ثلثا و ثلثين و هو عمر اهل الجنة في الجنة علي طبق عمر عيسي عليه السلام و اما حمله فكان عشرة اشهر لان الولد يخلق في خمسة اطوار طبيعية الي ان يخلق خلقا آخر فلكيا فمتي تم اطواره الطبيعية ثم جاء علي المجموع مثل ايامها كان ابان الخلق الآخر ثم اذا جاء عليه مثل المدتين ضعفهما كان ابان تعلق النفس الناطقة و الخلق النفساني فخرج فايام خلق الطبيعية نصف خلق الحيوانية و ايام خلقهما نصف خلق النفسانية و الاعتدال العام في كون خلق الطبيعية في خمسة و اربعين كل طور في تسعة ايام يستكمل في كل يوم احدي مراتبه الثمان مبتدأة من جسده و في التاسع يستكمل حقيقته و النبي يستكمل المراتب التسع في تسعة ايام و في العاشر يبلغ مبلغ الآئية و الخلافة لله سبحانه فان الله سبحانه اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء فيستكمل طبيعيته في خمسين و ينشؤ خلقا آخر في مائة و يخرج في ثلثمائة يوم و هو خليفة الله في ارضه و القائم مقامه في عوالمه و لو بنينا علي اظهار هذه الحكم مما يتعلق به صلوات الله عليه و آله لفني العمر قبل ان يفني الكتاب لاسيما و هذه الحكم لغير الحكيم قليلة الجدوٰي و ربما يزعمها استحسانات و تطبيقات لا حقيقة لها فلنبدء بالخوض في ساير فضائله صلي الله عليه و آله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

[ص 166] المقام الاول - في معرفته صلي الله عليه و آله و سلم علي نحو البيان و ذلك حظ اهل العيان لا العميان و لايعاين كل من له عينان بل يعاين من نظر بعين الله التي اعاره اياها و ينظر الله سبحانه اليه بها و ينظر اليه سبحانه بها و هي نور الله سبحانه المشار اليه في قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و قد عبر الله سبحانه عنه بالفؤاد في قوله ماكذب الفؤاد ما رأي فانت يا هذا ان كنت من اهل العيان فخض في بحار هذه الفصول و الا فلاتفسدنه و اعط القوس باريها و لكل بحر سباح و لنجعل لهذا المقام فصولا :

فصل - اعلم ان تسميتنا هذا المقام بالبيان مأخوذة من رواية جابر بن عبدالله عن ابي‌جعفر عليه السلام انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلت و ما البيان و المعاني قال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف ان الله سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه الخبر ، و قد عبر عنه بالتوحيد في حديث جابر حيث قال المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا الي ان قال عليه السلام يا جابر تدري ما اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة الله القديم العامة الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن لاتستدركه كما سنذكره كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الخبر ، و قد اشير اليه في بعض الاخبار بالسر المقنع بالسر و بالسر المستسر فلنرخ عنان القلم في هذا الميدان ليجول [ص 167] جولة و لا قوة الا بالله و لا اعتصام الا به ، اعلم انه مما منح الله علي المسلمين ظاهره و علينا و له الحمد باطنه ان الله سبحانه احد يعني انه لايجزّي و لايثنّي و ليس بمركب من ذاتين و لا من صفتين و لا من ذات و صفة و ليس فيه ذكر شئ سواه لا عينا و لا كونا بل و لا امكانا و صلوحا بل و لا فرضا و اعتبارا بل و لا عدما و نفيا بل علي معني الامتناع البحت فهو هو و لااقول ليس الا هو الا بيانا و هو سبحانه لايتغير و لايتبدل و لايستحيل و لاينقلب و لايعرضه شئ من العوارض علي معني امتناع العروض فانه لا قوة له يخرج من قوته الي الفعلية حالات و بداوات بل هو فعلية محضة غير متناهية و الذي له قوة موصوف و كل موصوف مخلوق مفعول و الله سبحانه قد سبق الوصف وجوده فيستحيل عليه التنزل و الترقي و التغير و التبدل عما هو عليه و هو سبحانه لايتناهي فان المتناهي محدود قابل للزيادة و النقصان و هو ممكن حادث فاذا لايتناهي الي شئ من ذات او صفة من جوهر او عرض من منير او نور او شبح و اثر او اثر اثر و هكذا و اني له التناهي و النهاية صفة و هو قد سبق الصفة و للمتناهي وراء اذا كان معه غيره و هو غير مقترن بغيره ليس معه ذكر غيره فسبق النهايات كونه و الغايات وجوده تعالي شأنه فليس اذ هو ذاك الا هو و لا شئ سواه تقدست ذاته و كم من مسلّم لهذا الاجمال اذا جاء التفصيل انكر لوازمه بالاحتمال و العصمة من الله المتعال فهذا معرفته سبحانه علي نحو الاجمال و قد مر التفصيل في مباحث التوحيد و اما قوله عليه السلام ليس كمثله شئ فان ما له مماثل موصوف و الموصوف مثني و المثني غير الاحد و ما له مماثل معه غيره و هو سبحانه لا نهاية له و ليس معه ذكر سواه فاني يكون له مماثل و لايعقل ذاتان [ص 168] حقان و اما قوله عليه السلام فتعبده و لاتشرك به شيئا فانه الرب القاهر فوق عباده و قد خضعت له رقاب كل حادث متكثر و لانه مستحق للعبادة بربوبيته لما سواه و تقليبهم من حال الي حال و مراقبته لهم بالاحسان مع عظمته و جلاله و هو الاحد الذي اذا توجه اليه العبد انقطع عن كل كثرة فتوحد و بقي البقاء الابدي فهو مستحق للعبادة و الدنو منه بعد المعرفة و البون عما سواه فمن عرف ربه كذلك فقد فاز بمعرفة البيان و مشاهدة ظهوره في كل شئ بلا نهاية ثم من عرفه لم‌يعرفه من حيث ذاته فانها مما لاتناله اوهام الحوادث اذ لا ذكر لهم هناك و انما يعرفه من حيث ما وصف به نفسه كما مر في حديث علي بن الحسين عليهما السلام فراجع و هذا مجمل القول في معرفة البيان و هو المستعان .

فصل - من البين ان المعرفة تمييز المعروف عما سواه فلايعرف شئ الا بميزه و ميزه وصفه فكل معروف بنفسه موصوف و كل موصوف مصنوع و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام كل معروف بنفسه مصنوع و كل قائم في سواه معلول و قوله عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، فاذا كان هذا حال المعرفة يمتنع ان يعرف الاحد جل شأنه و قد سبق الاوصاف كنهه فالسبيل مسدود و الطلب مردود فانحصرت المعرفة في ظهوره باوصافه و كذلك حال كل معروف و لا معني للمعرفة الا ذلك فلاتطلق و لاتتعلق المعرفة الا بظاهره سبحانه بوصفه اي الوصف الظاهر و هو الذات الظاهرة و لا ارتباط لها بالذات القديمة بوجه فالذات الظاهرة هي التي تقع عليها المعرفة و هي التي اخبرنا عنها في كتابنا هذا و غيره و اخبر عنها المخبرون و هي الاحد الذي لايثني لانها خالق الوحدة [ص 169] و الكثرة فلايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته و هي التي ليس كمثلها شئ لانها ليس معها غيرها و لا صفة لها غير ذاتها و هي الذات و الذات في الذوات للذات و هي التي لا غاية لها و لا نهاية لانه ليس معها غيرها و لا صفة و لا حدّ لها و هي المشار اليها في قول اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود ، و ان قال قائل لي ان كنت تعرفه ● بالحدوث فكيف تصفه بصفة الواجب و ان كنت تعرفه بالقدم فكيف تثبت فوقه قديما آخر قلت ان هذا سؤال لايوجد جوابه عند غيرنا و جوابه ان هذه الصفة هكذا وجدانا حين كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و هتك الستر لا وجودا و ليس انها لا سبحة لها و لا موهوم و لا ستر وجودا مثل ذلك انك تنظر الي سرير و تغفل عن هيئته و عرضه و طوله و سمكه بحيث لاتجد في نفسك ذكرا للسرير و انت ملتفت الي الخشب فيه غافلا عنه فلاتري الا الخشب فتجده معرّي عن الطول و العرض و السمك و هيئات السرير و الباب و الصنم و الضريح و غيرها و تصفه بالتعرّي عن جميع ذلك و الحال في الوجود الخارجي ليس الا السرير المشخص المعين مع سبحات هيئاته و موهوماته و استاره فانا اذا التفتت الي السرير وصفته بالتركيب و المصنوعية للنجار و اذا التفتت الي الخشب كما وصفت انزهه عن المصنوعية للنجار و عن التركيب البتة فكذلك سبحانه وصف نفسه لعباده بانفسهم و قال و في انفسكم افلاتبصرون و روي من عرف نفسه فقد عرف ربّه و ليس نفوس العباد معرّاة عن حدودهم و لكنهم عند الغفلة عن تلك الحدود [ص 170] و النظر الي تلك النفس يجدونها ذاتا مستقلة وحدانية ليس كمثلها شئ و غير ذلك و امثل لك مثالا انا اذا كتبت لك لفظة الذات القديمة فان انت نظرت الي ما كتبت من غير التفات الي غيره تقرأه الذات القديمة لاتجد في نفسك غيرها و اذا التفتت الي انه مداد قد طورته انا و احدثته علي القرطاس تقول هو حادث و تقرأه حادثا البتة فالنفس هي كتب الله سبحانه علي لوح الهوية الذات الاحدية القديمة التي لا نهاية لها و لا غاية و ليس معها غيرها و ليس كمثلها شئ و هي السميعة البصيرة فانت اذا نظرت الي تلك الكتابة من غير توجه الي اللوح و الي انه من مادة و صورة و مكتوب كاتب و قصّرت النظر الي نفس الكتابة كما اخبر عنه المخبر الحق عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، فاخبر انه هناك سبحات و لكن تكشف فاذا فعلت ذلك وصلت الي وصفه سبحانه لا بل عرفت الذات الظاهرة اذ هي الذات الظاهرة و كما ان فيك نقشا فحوانيا كذلك للعالم ايضا نقش فحواني و هو نفس الكل و الذات الظاهرة الكلية المطلقة و هي الذات المذوتة للذوات فمن قطع النظر عن جميع سبحات الف‌الف عالم و محا موهوماتها و هتك استارها بلا اشارة و استدبر الكل و بان عنه و توجه الي تلك الذات بلا كيف و لا اشارة بحيث استدبر عن التوجه و المعرفة و كل شئ سويٰها وحدها وجدها ذاتا قائمة مستقلة وحدانية لا شبيه لها و لا مثيل و لا اقتران و لا وصف و لا غاية و لا و لا لانها كتبت هكذا و لايقرأ ما كتب هكذا الا هكذا اذا لم‌يلتفت الي غيره الاتري انك اذا كتبت علي بياض القديم و اريته طفلا لايلتفت الي غير الكتابة و سألته عنه قال القديم و لو حلفت له بانه حادث لايعقل ما تقول و يحلف انه القديم [ص 171] كذلك من لايلتفت الي غير الكتابة لايجد الا الكتابة و تلك النفس المطلقة هي وصف الله الحق نفسه لخلقه فلا حظّ لاحد منه سبحانه ازيد مما وصف نفسه و اخبر عن نفسه فاذا التفتت الي ذلك المعبر عنه بالوصف متمحضا تجد ذاتا قديمة ليس فوقها شئ البتة و اذا نظرت اليها باعتبار الوصفية او الآئية او اليها من حيث هي تجدها حادثة و فوقها قديم و لكن لايتجاوز قولي فوقها قديم النظر الاول فانه الفوق الذي اعرفه و القديم الذي اشير اليه فكلما قلناه من تقديسه و تنزيهه سبحانه او قاله القائلون بل ما تكلّم به الانبياء و المرسلون بل وصف الله به محمد و آله الطاهرون بل وصف الله به نفسه و اخبر عنها عباده كلها شأن هذا الوصف في ذاته او في انواره او انوار انواره و هكذا و لا بيان فوق ذلك و لا تعبير و لا تقرير و لا معرفة و لا معلمة رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة افهم ما اوضحته لك و بيّنته فانه كنز من كنوز الله مملو من العلم الالهي النبوي العلوي .

فصل - مثل ذلك الوصف في الآفاق و لله المثل الاعلي ما انطبع في المرآة من عكس واقف وراءك فانك لاتجده من حيث ذاته و انما تجده من حيث شبحه في المرآة و ظهوره لك به بل لاتجد الا الظاهر في المرآة و هو الشخص الظاهر و لاتحيط علما الا به و لاتري الا اياه و لاتعرف سواه و الذي تعرفه من مطابقته مع الشاخص فانما هو من باب التجربة منه او من امثاله و الا فلم‌تك تعرف الا ما تجده في المرآة اذ لم‌تك تري سواه و هو الكتابة التي كتبها الشاخص من اوصاف نفسه فيها فانت اذا قرأت تلك الكتابة مع [ص 172] غفلة عن جميع ما سوي ذلك اللون و تلك الهيئة لاتجد الا الشخص الظاهر علي ما ظهر غنيا عما سواه فاذا توجهت الي المرآة و الي قوامها بها و انها شبح احد فتحس بافتقاره الي سواه و قيامه بغيره كما انك لو لم‌تر السراج ابدا و تري نوره فانك لست تري الا اياه و لاتجد غيره و تحسبه مستقلا بنفسه فحينئذ انت تري النور الظاهر لا غير و لاتحيط علما بالسراج و لاتعرف السراج بالنور بل لاتعرف الا النور و هو سراجك و مثل آخر فيه بيان لذلك و هو ان النار غيب بذاتها و لا لون لها و لا بريق و لا شعاع لانها فوق هذه المراتب فاذا تعلقت بالدهن سخنته بالمجانسة و جففته بتبديد رطوباته حتي كلسته و قوت ما فيه من النار لانه مركب من العناصر بكمالها و قوتها فاشتعل الدهن بنار كانت جزء تركيبه و تقوت بالنار الخارجية حتي غلبت اخواتها فاضاء و كان شعلة مضيئة فالمضيئة هي الشعلة لا غير و هي الدهن المشتعل بالنار لا النار المتعلقة بالدهن و لذا يقول الله سبحانه يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار اي لكنه لم‌يضئ الا بعد مس النار فالمضيء هو الدهن لان الضوء شبحه و لا شبح للنار اللطيفة الغيبية فهي اعلي من ان تنسب الي الاضاءة و طرح الشبح و كذلك الامر في الانفس فان القائم هو القيام من حيث مبدئه و اعلي اذكاره الذي هو بمنزلة النار التي كانت جزء الدهن فتقوي بتوجهه الي ذات زيد لانه زيد في هذه الرتبة اي مثال زيد فاشتعل القيام بذلك المثال اي بزيد الادني فحصل القائم فالقائم هو القيام المشتعل لا زيد الظاهر بالقيام افهم فانه دقيق و ان كان الحكيم اذا قال هذه الكلمة عني بزيد اعلي القائم اي جهة فاعلية القيام التي هي بمنزلة نار الدهن فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة اعلم ان المعروف منه تعالي [ص 173] شأنه وصفه الظاهر اي الذات الظاهرة التي هي ظاهر الذات و لايعقل المعروفية في غيره و لاجل ذلك قال عليه السلام اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال من عرف نفسه فقد عرف ربه و من الانجيل اعرف نفسك تعرف ربك و معني هذه و اشباهها ان معرفة النفس بعينها هي معرفة الرب لا انها يستهدي بها الي معرفة الله فيعرف الله بعدها بل هي هي معرفة الله فان الذات المعروفة هي اذا كشفت السبحات و هتكت الاستار و تركت الاغيار و كذلك من تغلب عليه تلك النفس حتي قهرت ما سويٰها و اضمحل و تلاشٰي فيها حتي لم‌يبق له اقتضاء و لا اثر فانه الذي معرفته بعينها هي معرفة الله و معرفة الله معرفته و لايعقل في هؤلاء التعدد في هذا النظر فانك ان لاحظت فيهم الخصوصيات لم‌تنظر الي الحقيقة و اذا نظرت الي الحقيقة غفلت عن الخصوصية فلا تعدد و لذا روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و في الزيارة السلام علي الذين من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و روي بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و روي نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، الي غير ذلك من الاخبار فمن عرفهم فامامه يقين و من جهلهم فامامه سجين .