فصل - و مما يتبع الخصال الكلية في الانبياء سلام الله عليهم المعجز و هو عمل يصدر من النبي صلي الله عليه و آله متحديا مقرونا بدعوي النبوة يعجز [ص 88] عنه ساير ابناء جنس البشر و هو علي ثلثة اقسام : اِمّا يعرف الحاضر عجز جميع البشر عنه و ان لم‌يتصفح كما اذا مشي علي الهواء او الماء فان كل احد يعرف ان ذلك ليس من ما يسع البشر المخلوق من التراب الثقيل و اما يعرف عجز نفسه عنه و لايدري هل يسع احدا ذلك او لايسع و يحتاج في معرفة عجز الكل الي تصفح و فحص و استقراء كأن يبدي النبي نقشا او صنعة مثلا يعرف الحاضر عجز نفسه عنه و لايدري أيسع احدا ذلك الا بالاستقراء الكثير و اما لايفهم منه شيئا انه معجز ام لا حتي يتصفح و يستقرئ كأن يأتي بكلام لايفهمه الحاضر حتي يعلم وجه الاعجاز فيه فلايدري أيسع احدا ذلك ام لا فلا بد و ان يستدل علي اعجازه و الحجة البالغة التي يثبت النبي نبوته بها ما لايحتاج الحاضر الي تصفح و استقراء فانه حين يدعوه الي الايمان و يقيم عليه الحجة يجب عليه الايمان و التصفح و الاستقراء الي حد اليقين عسر و حرج و الاستدلال علي عجز الباقي ينقص عن درجة كمال اليقين و بلوغ الحجة مع ما يحتمل فيه من النقض و الابرام و سعة مجال التنازع و التشاجر فيه فلاينقص الله سبحانه حجته و لايترك الاولي مع القدرة نعم بعد ظهور امره و حصول اليقين ربما يصدر منه القسمان الاخيران و لا ضير و من ذلك علم ان اثبات نبوة نبينا محمد صلي الله عليه و آله ليس بمنحصر في القرآن حتي يتحير فيه العجم المحرم و يحتاج الي تصفح بل و يتحير فيه جهال العرب بل و اكثر علمائهم و يحتاجوا الي ازمان كثيرة حتي يعرفوا عجز الكل عن مثله و انما اعجاز القرآن فضل علي اثبات النبوة و لطف زايد مكمل فلايضر بثبوت نبوته جهلهم بوجه اعجازه كما نري العلماء المتبحرين من الاولين و الآخرين [ص 89] قد تحيروا في وجه اعجازه كما يأتيك القول فيه فلو لم‌يكن القرآن معجزا لكان في ساير معجزاته كفاية و بلاغ كما انه لم‌يكن التورية و الانجيل و ساير صحف الانبياء من حيث اللفظ معجزة و ثبت نبوتهم بساير المعجزات بلا ارتياب بل و بعد ثبوت نبوته بساير المعجزات يكفيك اخباره بانه لايقدر احد ان يأتي بمثل هذا الكتاب كما انك تصدقه في اخباره عن السماء و الارض و الدنيا و الآخرة فتثبت .

فصل - الفرق بين المعجز و الشعبذات و السحر و الكهانات يعرف من تصديق الله سبحانه الشاهد العالم القادر غير المغري بالباطل غير اللاعب بخلقه الحكيم المدبر و لنا في هذا المقام اصل اصيل قل من تنبه به و من لم‌يعرفه لايكاد يصل الي درجة اليقين بالاستدلال ابدا ابدا في شئ من المسائل و من فاز به قل ما يفوته حق لايفوز به و ذلك من فضل الله علينا و علي الناس و لكن اكثر الناس لايعلمون و قد ملأ الكتاب و السنة و كتبنا به و الحمد لله و خلا عنه ساير كتب العلماء الا من شئ بعد شئ و ذلك هو اصل التقرير فنستدل علي ذلك بالموعظة الحسنة انه لا شك ان الله سبحانه حكيم لا يلغو في صنعه و شاهد لايغيب عنه شئ من خلقه و قادر لايعجز عن شئ في ملكه و جواد قد خلق خلقه جودا و كرما و رحمن لايخلي احدا من الخلق من رحمته و خلق الخلق بالحق و للحق و لايكادون ينالون ما خلقوا لاجله الا بتعريفه و هدايته و قد ثبت ان اعظم اسباب التعريف الانبياء و قد خلق في خلقه اقواما مبطلين ضالين مضلين بسوء اختيارهم و علم انهم يقومون بازاء اهل الحق و يدعون الي انفسهم حبا للرياسة و طمعا في حطام الدنيا و لم‌يجعل هو سبحانه [ص 90] علامة للحق و الباطل في ظاهر الخلقة يميزون بها و اقدرهم من رحمته الواسعة علي اعمال و افعال تخالف عادة الطبايع البشرية بصرافتها ثم ارسل رسله الي عباده يدعونهم اليه و اظهر علي ايديهم من قوته و قدرته معجزات فخذل اولئك المبطلين حتي قاموا بازاء اولئك و نسبوا انفسهم اليه و اتوا بخوارق عادات فتحير العباد في المحق و المبطل و ليس في ظاهر خلقتهما ما يفرق به اهل الحق من الباطل فما تري حينئذ أيجب في الحكمة و اتمام الحجة ان يتكفل الله بايضاح الحق من الباطل و ما فيه رضاه و من عنده مما فيه سخطه و ليس من عنده او يدع العباد بجهلهم و تحيرهم ثم يؤاخذهم يوم القيمة بتركهم اياهما او الحق و يعذبهم او لايعذب احدا من العالمين فلماذا خلق الخلق و لماذا بعث اليهم الرسل ، احكم بعقلك يا من فاز بالحلم فتبين لكل ذي حجي انه يجب ان يتكفل الله اظهار الحق من الباطل بما يشاء كيف يشاء حتي لايدع لذي حجة حجة و لذي مقال مقالا البتة و عليه ابطال الباطل و احقاق الحق لكل ناظر غير مخاطر بنفسه منصف خال عن الغرض مرتاد للحق مجاهد في سبيله و بذلك انزل في كتابه آيات يصدقها العقول السليمة فقال جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و قال ليحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و قال ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و قال لايفلح الظالمون و الساحرون و الكافرون و الساحر حيث اتي الي غير ذلك من الآيات و طال ما استدل به الانبياء علي حقيتهم و وردت به اخبار و هل تجوز في عقلك ان يغلب داعي الشيطان داعي الحق او يعجز الله عن اظهار [ص 91] امره فلايكون ذلك ابدا و عليه ايضاح الحق و ابطال الباطل بما يشاء كيف يشاء فاما يظهر البطلان في عقايده او اعماله او اقواله او نسبه او خلقته او يبدي اسباب شعبذته او يمنعه عن اتيانه هذا و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و لاهل الحق نور و هداية و وقار و سمت و زهد و تقوي و اثر و توافق في الاقوال و الاعمال و صدق و صفاء و اخلاق كريمة و لاهل الباطل خرق و نزق و حرص و طمع و سخافة و فسوق و تخالف في الاقوال و الاعمال قل هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون ام نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون ، فمن زعم انه تحير بين الداعيين فقد كذب و افتري و ضل و غوي و خاطر بنفسه حيث لم‌ينصف ربه و الحق اوضح من نار علي علَم ،

علم المحجة واضح لمريده و اري القلوب عن المحجة في عمي

و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجا

و اما الاستدلال علي ذلك من طريق الحكمة فاعلم ان الله سبحانه هو الحق الدائم الاحدي القديم الثابت الغالب العزيز القاهر الحكيم و لايكون من الخلق منه و اليه الا ما غلب فيه جهة الرب جل شأنه فكل اهل الحق هم اهل الثبات و الدوام و الغلبة و العزة و القهر و التوافق في الاقوال و الافعال و الحكمة و النور و الخير و الشيطان هو الباطل المجتث الزايل الافاك الاثيم [ص 92] المختلف اللاغي و لايكون من الخلق منه و اليه الا و هو باطل مجتث زايل افاك اثيم مختلف الاقوال و الافعال لاغ ضال مضل ذو نزق و خرق و فسوق و رذالة فلايمكن ان يشتبها لناظر في امره هذا و اهل الحق يستمدون من الله سبحانه و من عليين بمقتضي عقايدهم الحقة و اعمالهم الصالحة و لا بد و ان يمدهم الله سبحانه كما يستمدون من ثواب الدنيا و الآخرة و النعيم و البقاء و الثبات و اهل الباطل يستمدون من سجين بمقتضي عقايدهم الباطلة و اعمالهم الفاسدة و لا بد و ان يمدهم الله سبحانه من حيث يستمدون و ينزل عليهم العذاب و القهر و الانقراض و الاخترام و يضربهم بالخزي و الافتضاح و بوار الامر و الزلل و غير ذلك ، كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و هذا العطاء هو العطاء من الرحمة الواسعة لايقال ان الله سبحانه غني يتركهم علي حالهم فانه خلق الجنة و النار و خلق في الدنيا نعيما و شقاء و راحة و تعبا و صحة و مرضا و خزيا و تعففا و افتضاحا و تسترا و يبتلي بكل كلا و لا بد و ان يكون ابتلاؤه لهم علي نهج الحكمة و الصواب في الدنيا و الآخرة و لايكون في ابتلائه ظلم و حيف و جور فالمستمد منه بجهته اليه لا بد و ان يمد بما يليق بها و المستمد منه بجهته الي نفسه لا بد و ان يمد بما يليق بها و ذلك حكم ليس يختلف في الدنيا و الآخرة ، خذه اليك اصلا اصيلا و صاحبا دليلا تهتدي به في ظلمات البر و البحر و هذا الاصل جار في كل شخص و كل قول و كل عمل و كل خبر و كل اثر و كل شئ فان كليات الحكمة ليست تتخصص ، ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فاذا ادعي مدعي النبوة و اتي بخارق عادة و عليه حقيقة و نور و تشابه بالمتقين و الانبياء [ص 93] و المرسلين فهو هو صدقه بلا اكتراث فانه من الله و الي الله و هو مصدق مسدد موفق يقينا و ما رأيته بخلاف ذلك فاعلم انه كذاب مفتر مشعبذ او ساحر او كاهن ضال مضل فتبصر و الحمد لله .

فصل - اعلم ان الله سبحانه هو الذي لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان فاول ما خلق خلق مشيته بنفسها ثم خلق بالمشية ما شاء كيف شاء فاول ما خلق بمشيته الماء الذي منه حيوة كل شئ و منه كل حي فاجراه بمشيته علي ارض قابليته التي خلقت منه و اخذ منه جزئين و منها جزءا و ركّب منهما جميع خلقه فاول ما خلق منهما القلم و هو اول شجرة نبتت في جنان الصاقورة و هي التي ذاق منها روح القدس الباكورة فاخذه الله سبحانه بيمين مشيته و جعله وكر ارادته و محل مشيته و مظهر حركته في ايجاد ما شاء كما شاء فكتب به ما كان و ما يكون في لوح نفسه اي نفس القلم و هو اللوح المحفوظ و ام الكتاب و ذلك القلم هو روح القدس كما حقق في محله و وردت به الاخبار و هو عقل الكل و في كل نبي و وصي منه رأس خاص و تلك الرؤس هي عقولهم صلوات الله عليهم فعقولهم هي اوكار مشية الله و محال ارادة الله فاذا شاء ما شاء حرك من سرايرهم كوامن ما ابطن فيهم و اجراهم حيث يشاء و يجري بهم ما يشاء بالكلي علي حسبه و بالجزئي علي حسبه و هم لما كان المستولي علي مراتب قوابلهم الروح روح النبوة و كانت قوابلهم صافية لطيفة كما مر و لم‌تحجب شيئا من صفات الروح و افعاله التي هي صفات الله و افعاله و كانت في عقولهم علي نهج الاجمال و الكلية بلا اختلاف فلما نزلت في الواح نفوسهم ظهرت مفصلة بتفاصيل مجردة دهرية فكانت صفاتهم النفسانية و افاعيلهم [ص 94] الدهرية تفاصيل اسماء الله و صفاته و افعاله علي حسب الدهر فلما برزت في عالم الشهود تفصلت بتفاصيل جزئية زمانية فظهرت من كل عضو من اعضائهم علي حسب قابليتهم فجرت علي حسب ارادة الله و محبته فنظرت اعينهم الي ما يحب الله و اصغت آذانهم الي ما يرضي الله و جرت السنتهم علي حسب مشية الله و تحركت ايديهم و ارجلهم علي هوي الله سبحانه فكانوا بذلك عاملين بمحاب الله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فاذا شاء الله سبحانه اظهار ابتعاثهم من عنده و كونهم سفراءه اجري جوارحهم بمشيته علي حسب قوابلهم و قوابل اهل الزمان و قوابل المكان و الزمان في امور كونية من احياء و اماتة و خلق و رزق او تغيير او تبديل فانه لايوجد الشئ من العدم الا الله و لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و اذا لم‌يشأ ذلك و شاء اظهار كونهم عبيدا مطيعين معصومين اجري جوارحهم في امور شرعية علي طبق رضاه و محبته فهم في كل حال عاملون بالله في احداث كون او عمل بما يحب و اذا اراد ابتلاءهم و تعريفهم قدرته و ان كل ما بهم من نعمة فمن الله غيب عنهم ذلك الروح حتي يجروا بمقتضي انيتهم العادلة و سجيتهم المستقيمة فجروا علي حسبه و بقدر كونها علي خلاف كينونة الله يحدث عنهم خلاف الاولي فيخضعون و يعترفون علي انفسهم بالقصور و لله سبحانه بالحول و القوة فيترقون كما مر و يستحقون بذلك تأييدا اعظم و اعلي فالمعجزات من ذلك هي افاعيل من الله سبحانه ظهرت بهم كحسناتهم الكاملة و ما يصدر منهم من خلاف الاولي هي افاعيلهم تظهر منهم بالله سبحانه فالمعجز هو فعل الله سبحانه ظهر بهم لانه اتخذ عقولهم محال مشيته فاذا شاء ما شاء حركها نحو ما شاء فتنزلت تلك الحركة [ص 95] حتي ظهرت علي جوارحهم بايجاد او اعدام او تغيير و يعجز عن ذلك ساير البشر لان عقولهم لاتجري علي وفق المشية كما هي اي كما عليه المشية و انما تجري بالمشية كما هي اي كما يكون العقول عليه فيخالف ما يظهر منها ما يحب الله سبحانه اللهم الا عقول بعض الاولياء المشايعين للسادة في كل شئ التاركين لما يريدون لما يريد الله سبحانه فانه يمكن ان يجري بعقولهم علي جوارحهم بعض ما يوافق المشية و يسمي بالكرامة لان الله سبحانه اكرمهم به و تكرم عليهم بذلك و لا مانع كما كان يظهر من سلمان و اضرابه و ذلك لان عقول هؤلاء محالّ مشية ساداتهم التابعة لمشية الله سبحانه فيظهر علي ايديهم ببركات سادتهم خوارق عادات و كرامات صلوات الله و سلامه علي ساداتهم و ذلك تكريم منهم لشيعتهم و ذلك لايكون الا من النقباء الغالب عليهم حكم العقل و خصاله و اما النجباء فهم مكرمون بالعلم و العمل و الصفات الحميدة و الخصال الكريمة لان الغالب عليهم سر النفس القدسية التي هي بنت العقل و اما اعداؤهم فالغالب عليهم الشيطان المقابل لروح القدس و الجهل فينصبغ مشية الله سبحانه فيهم بالكلية و يظهر عنهم ما يظهر بالله سبحانه و بمشيته لا منه فيتفصل في نفوسهم الامارة بالسوء التي هي مقام اللوح السجيني ثم يتنزل الي اعضائهم و جوارحهم فينظر اعينهم بالشيطان و يصغي آذانهم به و يتحرك السنتهم و جوارحهم به فيظهر عليها حركات سجينية متنافرة في الآثام و الخطيئات و الاباطيل و الاضاليل فعلي معجزات الانبياء نور و حقيقة و هي مستندة بالله الواحد و علي اباطيل هؤلاء ظلمة و اجتثاث و هي مستندة الي آلات و ادوات و استعانات بالكواكب و العقاقير و الارواح الخبيثة و الشياطين [ص 96] ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ، فلايشتبهان ابدا و اني و اني و متي وجد باطل عابد زاهد ورع متق عامل بمحاب الله سبحانه متوافق الاقوال متطابق الاعمال يصدق الحق و اهله و يكذب الباطل و اهله يدعو الي العقايد الصحيحة و الاعمال الصالحة لم‌يظهر بطلانه و لم‌يخترم امره و الله يقول هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم الآيات ، و يقول ام نجعل المتقين كالفجار و يقول ان الله لايصلح عمل المفسدين الي غير ذلك من الآيات التي هي حقيقة ادلة عقلية فان فرض فارض رجلا كذلك فنقول هو الحق الذي لا مرية فيه و هو محل مشية الله و وكر ارادة الله و لايريد الله من الانسان الا ان يكون هكذا و لا معني لبطلانه خذها اليك و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين .

فصل - و مما يتبع تلك الخصال الكلية استجابة الدعاء و هي شرط صدق النبوة و ذلك ان النبي ما لم‌يكن مرآة كاشفة عن التوحيد و فروعه للمتوجهين اليه المقبلين لم‌يكن نبيا و ان كان كاشفا فيكون حاملا و ان كان حاملا كان واصلا الي المثال الملقي في هويته منه سبحانه الذي هو غاية الغايات و مبدؤ المبادي و ذلك المثال هو مطابق لصفة ذي المثال فهو مثله فاذا كان مثله يصدر منه افعاله فهو السائل بافعاله المنصبغة في لسان العبودية بصبغ السؤال الذي هو ما منه و هو المجيب بافعاله النازلة منه علي نهج الربوبية في القدسي اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون و في الخبر القي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله ، فاذا كان هو صاحب مثال الواحد جل شأنه في ذاته و موضع مشيته الكلية في قلبه و معينها بعزيمات روحه و مقدرها [ص 97] بهندسات نفسه و مبرمها باحكام طبعه و مجريها باعضائه و جوارحه فلا مانع من استجابة دعائه البتة اذ هو السائل به و هو المجيب به و هو المستعلي بروح النبوة علي جميع ما دون الانبياء فيقدر علي التصرف في جميعها باذن الله بان يدعو الله سبحانه لتغيير ما يشاء فيغير الله به ما يشاء كما يشاء نعم للانبياء مراتب في حكاية تلك الامثلة باختلاف هيئاتهم و الوانهم فتتخصص تلك الامثلة فيهم و تتناهي علي حسبهم فتتقدر تصرفاتهم علي حسب مراتبهم فلايدعون الله سبحانه ما لايحبه الله لهم و لم‌يأمرهم به و اما ما دعوا الله سبحانه به فلاتحسبن الله مخلف وعده رسله و قد قال ادعوني استجب لكم و اوفوا بعهدي اوف بعهدكم و قد وفوا لله بالاطاعة فوفي الله سبحانه لهم بان جعلهم مثله علي حسب خلوص وفائهم له سبحانه فتبين ان القابلية التي قد وفت لله سبحانه بالاقبال المعدم لنفسها بلا نهاية قد وفي الله سبحانه لها بلا نهاية فكان ما هو عليه ما هي عليه و ما له ما لها و ما منه ما منها و ما اليه ما اليها و ما به ما بها من كل جهة فمثل ذلك الموفي يوفي له بجميع شؤن التوحيد و صفات الله سبحانه و اسمائه و افعاله و يتنزل الي جوارحه فتنصبغ بالعبودية كما مر فيعبد الله سبحانه حق عبادته و يتقيه حق تقاته و يشكره حق شكره لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ما بكم من نعمة فمن الله ، فمثله يستجاب دعاؤه في تقليب الدنيا و الآخرة و الجنة و النار و ما كان و ما يكون في عرصة الامكان فهو الشفيع المطاع صلوات الله عليه و آله و يأتي ان شاء الله فمن لايستجاب دعاؤه لم‌يكن دعاؤه بامر الله و مشيته و من لم‌يدع بامر الله و مشيته و محبته فهو عاص و ليس بنبي فتبين ان كل دعاء صدر من داع يحبه الله [ص 98] و يرتضيه فهو حسنة و ما اصابك من حسنة فمن الله فهو السائل به و موالوه الذين جرت تلك الحسنة بهم عليه و كانت من فروعهم فاذا كان الله سبحانه هو السائل من نفسه و احباؤه فيستجيب دعاءه و دعاءهم البتة فان الدعاء دعاء صاعدا و اجابة نازلا فظهور الدعاء المحبوب علي العبد دليل وجود الاستجابة فوقه و قبله البتة فما لم‌يذكر الله العبد بالرحمة لايسأله العبد الرحمة اللهم اجعلنا كما تحب و ترضي بمن تحبه و ترضاه برحمتك يا ارحم الراحمين و لما وصل الكلام الي هنا احببت ان اترجم لك الاسم الاعظم الذي من دعا الله به لايخيب استطرادا و هو هذه الحروف : اذكر انطواءك تحت الاحد و امتناعك حيث هو ثم توجه الي الله الواحد الصمد جل شأنه من بابه و ادعه باسمائه و صفاته فان استغرق حاجتك في بحر ثنائه فبها و نعمت و الا فاذكر حاجتك له و لاستكمال خدمته ثم دونك دونك فقد اجيبت دعوتك فاستقم و لاتتبعن سبيل المفسدين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و ساير الشروط المذكورة في كتب الاصحاب تفاصيل هذا الاجمال و الله المتعال بالجملة لا شك ان استجابة الدعاء من لوازم النبوة و من لايستجاب دعاؤه ليس بنبي و لايجب علي النبي ان يقترح علي الله سبحانه كلما يقترح عليه الامة مما فيه الفساد بل لايجوز و اما اقتراح موسي سؤال الرؤية فان بني‌اسرائيل قالوا لن‌نؤمن لك حتي نري الله جهرة فاخذتهم الصاعقة و هم ينظرون ثم بعثهم من بعد موتهم لعلهم يشكرون حين دعا موسي و قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل و اياي أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا فنسب ذلك القول الي السفهاء فلما احياهم الله تعالي كرروا القول و سألوا ان يسأله موسي الرؤية فيخبرهم فابي [ص 99] موسي فاوحي الله اليه ان اسأل ما سألوك و لااؤاخذك بجهلهم فقال موسي رب ارني انظر اليك قال لن‌تراني و تجلي له ملك من الكروبيين من الخلق الاول من شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و هو حقيقته المربية له و هي كنه عبوديته و كان دعاؤه ايضا لذلك فقال لن‌تراني ببصرك و اشرق نور ربه علي جبل جبلته فاندك و تضعضع و خر موسي صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك و انا اول المؤمنين بانك لاتري بالابصار و لاتحيط بك خواطر الافكار فلم‌يسأل موسي اقتراحا علي ربه و انما سأله ابتغاء قومه و قطعا لحجته كذا عن الرضا عليه السلام ذكرنا معني كلامه و اما استغفار ابرهيم لابيه حيث قال و اغفر لابي انه كان من الضالين فانما ذلك كان عن موعدة وعدها اياه و الوعد كان من ابرهيم حيث قال سأستغفر لك ربي انه كان به حفيا و هو كان بعد الوعد من ابي ابرهيم حيث وعده ان يسلم فاستغفر له ابرهيم و لايضر الاستغفار حين الضلالة و الشرك لان لازم طلب المغفرة طلب التوفيق له بالاسلام فكأنه طلب له من الله الاسلام و هو يجب ما سلف و يكفر الذنوب و يوجب المغفرة او لايفوز بالاسلام حتي يغفره الله و يقربه منه فان ما من الله مقدم علي ما من الخلق و نظير ذلك ما روي ان نصرانيا عطس بحضرة الصادق عليه السلام فقال له القوم هداك الله و قال له الصادق عليه السلام يرحمك الله فقالوا له انه نصراني فقال لايهديه الله حتي يرحمه انتهي ، فلما تبين لابرهيم انه عدو لله لاتنفعه شفاعة الشافعين تبرأ منه و ترك الاستغفار فلا بأس بمثل هذا الدعاء .

فصل - في قانون كلي يثبت به نبوة الانبياء . اعلم ان المطالب اربعة : احدها معرفة الحقايق و الذوات و ثانيها معرفة المعاني الكلية المجردة عن الاعراض [ص 100] و ثالثها معرفة الصور الجزئية و هذا القسم ينقسم علي قسمين معرفة صورة المادة الخارجية و معرفة حكمها فانحصرت كليات المطالب في اربعة و هذه المطالب هي من حيث ظهورها للطالب ادلة و من حيث هي مدلولات و ذلك ان الدليل لايؤدي الا الي ما فيه من مثال المستدل عليه و ذلك المثال هو المدلول عليه حقيقة فمن اجل ذلك وجب ان يكون الدليل من جنس المدلول عليه و الا لبطل الدلالة و من ذلك عرف ان ما لا مثال له لا دليل عليه و هو ما كان يقال ما لا حد له لا برهان له و حاد كل شئ مثاله و نهاياته التي بها يمتاز عما سواه فدليل الحقايق و الذوات حقيقي ذاتي و هو الحكمة المشار اليها في الكتاب بقوله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و حاصله المعرفة الانكشافية و لايقابله الا الانكار المحض كما قال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و لا ضدّ للوجود الا العدم و الواصل الي هذا المقام من اهل الكشف و دليل المعاني الكلية الموعظة الحسنة و هو المشار اليه في تلك الآية بقوله بالموعظة الحسنة و حاصله اليقين و هو البت و الجزم و عدم احتمال غيره كالبت علي ان الكمال خير من النقص و الخير احسن من الشر و القدرة احسن من العجز و امثال ذلك و منه قوله سبحانه هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون و قوله لايستوي الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و لا الاحياء و لا الاموات و قوله أذلك خير نزلا ام شجرة الزقوم و امثال ذلك و يقابل ذلك الظن و الشك و الوهم و قد يحصل اليقين و لمايحصل المعرفة بحقيقته و دليل المعاني الكلية معنوي كلي من جنسها البتة و الواصل الي هذا المقام فايز ببرد اليقين و السكون و الاطمينان و المدركون ذاك قليل و اما الصور الجزئية فدليلها المجادلة المشار [ص 101] اليها في تلك الآية بقوله و جادلهم بالتي هي احسن و هو صوري جزئي من جنس المدلول مستنبط من الالفاظ و مفاهيمها او من اقتران الصور الجزئية بعضها ببعض او من صورة واحدة و حاصله حضور المدلول في مشاعر الانسان النفسانية في مقاماتها العشرين المعبر عنه بالعلم و يقابله غياب المدلول عن المشاعر و عدم انطباعه فيها و قد يحصل ذلك في المشاعر و لمايحصل اليقين في القلب و المعرفة في الفؤاد فان عرصاتها مختلفة و لذلك يوجد عالم بشئ غير متيقن بمعناه بدليل عقلي و متيقن غير عارف و هذا المعلوم اما نفس الموضوع او حكمه فنعبر عن الاول بالعادي و عن الثاني بالشرعي و دليل العادي عادي و دليل الشرعي شرعي و قد يحصل العلم الشرعي و لمايحصل العلم للانسان باصل الموضوع الخارجي و ذلك كثير فاذا عرفت هذه القاعدة الحكيمة السديدة فاعلم ان معرفة مطلق وجود نبي معصوم مطهر كامل بالغ من المطالب العقلية و معرفة حقيقته من المطالب الفؤادية و قد بيناها و اقمنا الدلايل عليها سابقا من الحكمة و الموعظة الحسنة و اما معرفة خصوص شخص نبي نبي في البشرية الظاهرة فذلك مما يجب ان يكون الدليل عليه من المجادلة و الادلة الصورية اذ لاتقدر العقول الجزئية علي اقامة الدليل المعنوي علي الموضوعات الجزئية و من تحاولها في الاشخاص الجزئية يبقي في ريب التردد ابدا و لايفوز باليقين العقلي و اما اذا استدل عليه بدليله الصوري فاز بالعلم به و هو التكليف و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و لايسع الناس الا ذلك فاذا رمت الاستدلال علي الشخص فاعلم انك ان كنت مشاهدا للمبعوث فلا بد و ان تلاحظ الخصال المشهودة فيه مما ذكرنا من نسبه و حسبه [ص 102] و اخلاقه و صفاته و علمه و دعوته فان كان لا بأس بشئ منه علي ما ذكرنا و ليس ببدع من الرسل فان كان منصوصا عليه من النبي السابق بعينه فلايحتاج الي ازيد من ذلك بل و يكفي النص عليه من تتبع ما ذكرنا و ان لم‌تعلم بنص عليه فتتبع عما ذكرنا ثم سله المعجز و الحجة فان اتي بخارق عادة مقرونا بدعوته و ادعائه فاتبعه فهو البعيث الحق من عند الله سبحانه المقرر المسدد المصدق و ان لم‌تشهده فلا بد من تتبع الاخبار و الانسان مجبول علي ان يحصل العلم له من الاخبار المتواترة و اخبار الثقات المرضيين ذوي الخبرة و التنبه و الذكاوة و حصول العلم له منها امر قهري كالعلم بوجود الهند و الافرنج و الارض الجديدة مع انا لم‌نرها و كالعلم بوجود السلاطين و الامم السالفة و لايقدر الانسان علي دفع هذا العلم عن نفسه مع انه لا دليل له عقليا علي وجودها كالعلم بوجود الشمس و لا دليل له عقليا علي وجودها و لايعرف حقيقتها بدليل الحكمة و مثل هذا العلم كافٍ في وقوع التكليف و يحتج الله سبحانه به علي العباد البتة فاذا تتبعت الاخبار في موسي عليه السلام يحصل لك العلم العادي بان رجلا من بني‌اسرائيل اسمه موسي و ابوه عمران قد جاء في سالف الزمان و ادعي النبوة و اتي بخوارق عادات و بالتورية و شريعة و هذا العلم كاف في لزوم الحجة عليك في الاقرار به البتة و كذلك ساير الانبياء و الحجج فمن توقف في الاقرار بهم بعد هذا العلم لعدم حصول دليل عقلي علي وجودهم او دليل حكمة فؤادية عليهم لايعذر عند الله سبحانه و ان قلت انا نشاهد في زماننا هذا اتفاقا علي وقوع امر و ينكشف بعد زمان عدم وقوعه اصلا و نشاهد اتفاق امّة علي حسن الثناء في رجل و وقوع [ص 103] خوارق عادات منه ثم ينكشف لنا سوء حاله و عدم وقوع خارق عادة البتة و اتفاق جمع من النصاري علي بولس و جمع من المسلمين علي ابي‌بكر يزيد عددهم علي الاحصاء بحسن الثناء عليهما و كونهما علي الحق و نعلم قطعا انهما كانا علي الباطل فاذا شاهدنا امثال ذلك عيانا كيف يحصل العلم الذي به يقع الحجة من تواتر خبر صدور خارق عادة من رجل متنبئ اقول نعم ذلك كذلك لولا ضم التقرير به و شبهتك ترد علي ما يكتفي به غيرنا حقيقة نعم والله لولا ضم التقرير بامور الاديان لزال الوثوق بجميع الشرايع و الاحكام و الاديان فانا نري هذا الخلق المنكوس الجهلة الذين هم اضل من البهايم و همج رعاع كيف يتبعون كل ناعق و يميلون مع كل ريح و كيف يقنعون بالتوهمات و الخيالات و كيف يصدقون كل داعٍ و كيف يروون علي البت و اليقين كل مشكوك بل و مكذوب و مفتري و كيف ينقادون لكل حيال قلاب خداع و مشعبد و ملبس من غير حجة و لا بينة و لعمري اتعجب من الذين لايتمسكون بالتقرير كيف يدعون حصول الظن و يوجبون العمل به و لعمري لايحصل للنبيه غالبا الا الوهم المرجوح و ان تأكد فلايتجاوز الشك ابدا ابدا نعم لولا دليل التقرير الذي فيه شفاء الضرير و اطمينان الخبير لمابقي لشئ من الاديان اعتبار و لا اخضر لشرع عود و لا قام لملة عمود و قد نبهنا سابقا علي دليل التقرير هنا و في ساير كتبنا فاذا عرفنا ان الله العالم الحكيم القادر الغني الكامل الشاهد المطلع عالم بصحة امر كل متنبئ و بطلانه و بصدق كل خبر و كذبه و قد قام رجل بمحضره و ادعي عليه انه بعثه و اتي بخارق عادة في مشهده و محضره او انتشر خبر بمحضره و مشهده ان هذا الرب جل و علا قد بعث فلانا [ص 104] بالنبوة و اجري علي يديه خارق عادة و هو يسمع و يري و لايكذبه و لايفسد امره و لايبطله بل يقويه و يؤيده و يدفع عنه حجة كل ذي حجة و يدحض نقض كل ناقض عليه عرفنا انه حق صدق من عنده فنتبعه و نتقرب به اليه و ما ذكرت من حصول العلم لك ببطلان كثير مما اتفقوا عليه فذلك ايضا مؤيد لما ذكرنا فان الله سبحانه لما علم بطلان اولئك عرفك بطلانهم و كذب اخبارهم و فساد اجماعهم مع انهم اكثر اهل الدنيا عددا فماودعك تغتر بزخارف اقوالهم و تتيه في بوادي فريتهم و تغرق في لجج فتنتهم و كذلك يفعل الله بكل باطل و اما من لم‌يبطل امرهم و لم‌يظهر فسادهم و لم‌يدحض حجتهم مع انهم اقل عددا من غيرهم فهم علي الحق و لو علم بطلانهم لابطل امرهم مثل ابطال غيرهم و كان اهون عليه فلايستوحشنك في طريق الحق قلة اهله فان قوما يكون الله معهم هم اكثر كثير و لنعم ما قال الشاعر :

ان الكرام كثير في البلاد و ان قلوا كما غيرهم قلوا و ان كثروا

فاهل الحق قليل اذا عدوا كثير اذا شدوا بالحجج الواضحة و الادلة الباهرة فتوكل علي العزيز الرحيم الشاهد الحكيم غير اللاعب بالخلق غير المغري بالباطل هذا هو وجه اعتمادنا علي جميع الحق و الا و كما لا اعتبار باخبار هذه البهايم و الانعام لا اعتبار بادلة العقول السخيفة و الاحلام ايضا و بذلك نستثبت نحن ساير الفروع الجزئية ايضا التي لم‌تبلغ اخبارها حد التواتر و اعلم ان الامور امران امر يكون للعباد فيه صنع و امر ليس للعباد فيه صنع و قد اقتضت حكمة الحكيم ان يتكفل بما ليس للعباد فيه صنع لقبح تكليف العباد بما لايسعونه و ان يمتحن خلقه بما لهم فيه صنع فيكلفهم به و يمتحنهم بالعمل [ص 105] بمقتضاه فالانسان مثلا يكون من صنعه القاء الحَب فكلف به و ليس من صنعه الانبات فكفل عنه و كفي امره و من صنعه الاكل و الشرب فكلف به و ليس من صنعه الهضم و تغذية البدن و التنمية فكفل عنه و كفي امره و هكذا لو تدبرت في جميع الامور لوجدته كذلك و مما لا صنع للعباد فيه معرفة الخبر الصدق و الكذب بعد الف سنة و اكثر و لا شئ من القراين يفيد ذلك حقيقة فان جميعها قرائن خبرية و قد عرفت وهنها و لايخفي وهنها علي العاقل الخبير و الناقد البصير و من اجل ذلك ذهب علماؤنا الي الظن و بعد التدبر في اخبار العالم لايحصل في كثير منها الا الشك و الوهم فنحن نعتمد علي ربنا العالم الحكيم غير المغري بالباطل فاي خبر صدقه صدقناه و اي خبر كذبه كذبناه و نعلم تصديقه بعدم اظهار فساد فيه و كذب و ذلك يحتاج الي جهاد كما قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فاشترط في الهداية الجهاد الذي هو في وسعنا و هو الفحص و البحث عن حقيته و ذلك مقداره الوسع لقوله لايكلف الله نفسا الا وسعها فاذا جاهدنا بقدر الوسع فقد ادينا ما علينا و ما يكون في صنعنا و بقي ما عليه و من صنعه و هو الهداية و التعريف و الايصال كما قال ان علينا بيانه و قال و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديٰهم حتي يبين لهم ما يتقون و قال ان علينا للهدي و ليس هيٰهنا موضع بيان اكثر من ذلك و قد فصلناه في ساير كتبنا فبهذه القاعدة السديدة المحكمة نحن نعرف صدق كل متنبي صادق و حجة من الله سبحانه و صدق كل خبر و حكم صدر عنهم في الشرايع ، خذها اليك مصباحا تهتدي به في ظلمات البر و البحر و تفوز بالعلم و البصيرة ما لو ضربت آباط الابل دهرا لم‌تفز باحكم منه .

[ص 106] فصل - في عدد الانبياء و درجاتهم سلام الله عليهم . اعلم انه قد جاءت الروايات الكثيرة بانهم مائة‌الف نبي و اربعة و عشرون‌الف نبي منهم ثلاثمائة و ثلثة‌عشر مرسلون و منهم خمسة اولوا العزم و الشرايع و هم نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و محمد صلي الله عليه و آله و عليهم و واحد ذو شريعة و لم‌يكن من اولي العزم و هو آدم عليه السلام ففي البحار عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله خلق الله عز و جل مائة‌الف نبي و اربعة و عشرين‌الف نبي انا اكرمهم علي الله و لا فخر و خلق الله مائة‌الف وصي و اربعة و عشرين‌الف وصي فعليٌّ اكرمهم علي الله و افضلهم و عن علي بن الحسين عليهما السلام قال من احب ان يصافحه مائة‌الف نبي و اربعة و عشرون‌الف نبي فليزر قبر ابي‌عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام في النصف من شعبان فان ارواح النبيين يستأذنون الله في زيارته فيؤذن لهم منهم خمسة اولوا العزم من الرسل قالوا من هم قال نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و محمد صلوات الله عليهم قالوا ما معني اولي العزم قال بعثوا الي مشرق الارض و غربها جنها و انسها و عن الرضا عليه السلام قال انما سمي اولوا العزم اولي العزم لانهم كانوا اصحاب العزايم و الشرايع و ذلك ان كل نبي كان بعد نوح عليه السلام كان علي شريعته و منهاجه و تابعا لكتابه الي زمن ( ابرهيم عليه السلام و كل نبي كان في زمن ابرهيم و بعده كان علي شريعة ابرهيم و منهاجه و تابعا لكتابه الي ايام ظ ) موسي عليه السلام و كل نبي كان في زمن موسي عليه السلام و بعده كان علي شريعة موسي و منهاجه و تابعا لكتابه الي ايام عيسي عليه السلام و كل نبي كان في ايام عيسي عليه السلام و بعده كان علي منهاج عيسي و شريعته و تابعا [ص 107] لكتابه الي زمن نبينا محمد صلي الله عليه و آله فهؤلاء الخمسة اولوا العزم و هم افضل الانبياء و الرسل عليهم السلام و شريعة محمد صلي الله عليه و آله لاتنسخ الي يوم القيمة و لا نبي بعده الي يوم القيمة فمن ادعي نبوة او اتي بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه و عن فس في تلو قوله فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل و هم نوح و ابرهيم و موسي و عيسي بن مريم عليهم السلام و معني اولي العزم انهم سبقوا الانبياء الي الاقرار بالله و اقروا بكل نبي كان قبلهم و بعدهم و عزموا علي الصبر مع التكذيب لهم و الاذي و عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما قال عهد اليه في محمد و الائمة من بعده فترك و لم‌يكن له عزم فيهم انهم هكذا و انما سمي اولوا العزم لانهم عهد اليهم في محمد و الاوصياء من بعده و المهدي و سيرته فاجمع عزمهم ان ذلك كذلك و الاقرار به و روي عهد اليه ان لايقرب الشجرة فنسي فاكل منها و الاخبار بعددهم كذا و بعدد اولي العزم كما مر مستفيضة و عن عقايد الصدوق اعتقادنا في عدد الانبياء انهم مائة‌الف نبي و اربعة و عشرون‌الف نبي و مائة‌الف وصي و اربعة و عشرون‌الف وصي لكل نبي منهم وصي اوصي اليه بامر الله تعالي الي آخر كلامه مؤذنا بدعوي الاجماع و كذا قال ان سادة الانبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحا اصحاب الشرايع من اتي بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه و هم خمسة و سماهم و ما روي عن طريق انس بن مالك قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله بعثت علي اثر ثمانية‌آلاف نبي منهم اربعة‌آلاف من بني‌اسرائيل ، فلايعارض الاخبار المستفيضة و الشهرة بين [ص 108] الشيعة او يحمل علي افاضلهم هذا و ليس فيه ما يدل علي نفي الزايد و عن ابي‌ذر (ره) قال قلت يا رسول الله كم النبيون قال مائة‌الف نبي و اربعة و عشرون‌الف نبي قلت كم المرسلون منهم قال ثلثمائة و ثلثة‌عشر رجلا جما غفيرا قلت من كان اول الانبياء قال آدم قلت و ماكان من الانبياء مرسلا قال نعم خلقه الله بيده و نفخ فيه من روحه ثم قال يا باذر اربعة من الانبياء سريانيون آدم و شيث و اخنوخ و هو ادريس عليه السلام و هو اول من خط بالقلم و نوح و اربعة من العرب هود و صالح و شعيب و نبيك محمد صلي الله عليه و آله و اول نبي من بني‌اسرائيل موسي و آخرهم عيسي و ستمائة نبي قلت يا رسول الله كم انزل الله من كتاب قال مائة كتاب و اربعة كتب انزل الله تعالي علي شيث عليه السلام خمسين صحيفة و علي ادريس ثلثين صحيفة و علي ابرهيم عشرين صحيفة و انزل التورية و الانجيل و الزبور و الفرقان و عن علي عليه السلام في خمسة من الانبياء تكلموا بالعربية فقال هود و صالح و شعيب و اسمعيل و محمد صلوات الله عليه و آله و عليهم و به وردت رواية عن الصادق عليه السلام ايضا و يمكن الجمع بان اسمعيل لم‌يكن من العرب لكنه تكلم بالعربية و يؤيده ما روي عنه عليه السلام ايضا انه لم‌يبعث الله من العرب الا اربعة هودا و صالحا و شعيبا و محمدا صلوات الله عليهم بالجملة المستفاد من الاخبار و الشهرة بين الشيعة ان عددهم مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الفا و منهم ثلثمائة و ثلثة‌عشر نفسا مرسلون الي امة بوحي تأسيسي او تأكيدي منهم ستة مرسلون اوحي اليهم بتأسيس شرع و جعل لهم شرعة و منهاج منهم خمسة اولوا العزم بالمعاني المذكورة منهم واحد هو الفاتح الخاتم صلوات الله [ص 109] عليه و آله و لنا علي جميع ذلك ادلة حكمية عقلية ذكرناها في كتبنا و رسائلنا و مباحثاتنا و لااحب ان اذكرها هنا لان بناء هذا الكتاب علي ادلة لايشوبها ارتياب و تلك الادلة ان ذكرت بلا مقدماتها يحتمل الريب و ان ذكرت معها لطال بنا المقال فالاقتصار علي ما ذكرنا اولي و لايضر المسلم ان يعرف محض عددهم بعد معرفته بنبيه و امامه عليهم السلام و لايعرف الادلة العقلية عليه ان شاء الله .

المقصد الثاني

في اثبات نبوة سيد المرسلين و خاتم النبيين محمد بن عبدالله عليه و آله افضل صلوات المصلين و ذكر بعض فضائله و مقاماته و في هذا المقصد مقدمة و خمسة مقامات و خاتمة :

المقدمة - في اثبات نبوته صلي الله عليه و آله و ما يتعلق به و فيه فصول :

فصل - اعلم ان كل عاقل نشأ بين المسلمين او من حولهم من المليين او غيرهم و قد بلغهم صيت الاسلام يعلم علما عاديا كعلمه بالشمس في رابعة النهار ان رجلا اسمه الشريف محمد و ابوه عبدالله و امه آمنة من آل‌هاشم نشأ في العرب بمكة اربعين سنة معروف النسب شريف الحسب ادعي النبوة بعد اربعين سنة و دعا الناس الي الله الواحد القهار و الي نبوة نفسه و اتي بشريعة الاسلام المعروف و بهذا الكتاب المعروف المسمي بالقرآن و لبث في مكة زمانا طويلا يدعو اهلها الي دينه ثم هاجر الي المدينة و دعا اهلها الي دينه فاجابه جم غفير و لباه قوم كثير من اليهود و المشركين و الكفار بلا شك و لا ارتياب و اتي مجملا بخوارق عادات عجزوا عنها و اخبر بالغيوب و اتي [ص 110] بكتاب في غاية الفصاحة و البلاغة و تحدي العرب العرباء مع انهم افصح العرب و ابلغهم بكتابه و وضع سيفه علي خياشيمهم فعجزوا ان يأتوا بمثل كتابه بل بمثل سورة من سور كتابه و رضوا مع كثرة انفتهم و تعززهم و عصبيتهم بالقتل و الاسر و النهب و لم‌يقدروا علي معارضته حتي اذعنوا طوعا و كرها بنبوته او انكروا مع العجز عن معارضته كبرا و استسلموا للقتل و الاسر و النهب و هذه الامور مما لايشك فيه عاقل بوجه من الوجوه لاسيما اذا كان ناشئا في الاسلام و كذلك كونه ذا سياسة و حكمة و تدبير و علم و حلم و زهادة و عبادة و نزاهة و نباهة و علو شأن و سماحة و شجاعة و سخاوة و ذكر و فكر و امثال ذلك من المكارم ليس في شئ منها مغمض لعاقل و جميعها من الامور البديهية البينة الواضحة و قد عرفت مما تقدم انه لو قام رجل كذلك في محضر جبار السماء و الارض و هو حكيم عليم قدير شاهد غير لاعب بالخلق و غير مغرٍ بالاباطيل و صدقه الله سبحانه و لم‌يفسد امره و لم‌يبطل دعوته و لم‌يدحض حجته هو نبي صدق حق من عند الله سبحانه و في مرآك و مسمعك انه لم‌يبطل الله امره و لم‌يكذبه بل صدقه و قرره و قواه و لم‌يدع احد ادحاض حجته و ابطال امره الا انه انكره من انكره عنادا و لجاجا و ذلك غير ضاير بحقية حجة و لم‌يوصل الله سبحانه الي احد طالب فاحص عن حقيقة الامر ان احدا ابطل دعواه و ادحض حجته او افسد امره او اطلع علي سريرة فاسدة منه ابدا ابدا فهو النبي المبعوث الحق من عند الله الحق و جميع ما يوردونه علي هذه الامور التي ذكرناها من الشبهات و الاحتمالات يرد مع عدم ضم التقرير من الله سبحانه و اما مع التقرير فلا و ربك فان الله سبحانه عالم لايجهل [ص 111] و حكيم لايعبث و قادر لايعجز و شاهد لايغيب و لايرد عليه شئ منها فهو الرسول الحق حقا حقا آمنا به صدقا صدقا و انقدنا له تعبدا و رقا لا مستكبرين و لا مستنكفين صلي الله عليه و آله ابد الآبدين و دهر الداهرين و لو ضممت الي ذلك الحكم المذكورة في مطلق النبوة لاتكاد تشك و لا قوة الا بالله .

فصل - و مما يدل علي نبوته صلي الله عليه و آله باوضح دلالة القرآن المجيد و الكتاب العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و من عجايب امره اعتراف جميع المسلمين كافة بكونه معجزا و لم‌يعرف احد وجه اعجازه و لم‌يبينه احد حق بيانه و قالوا فيه اقوالا مجملة لم‌ينتفع بها انفسهم و لا غيرهم و لما كان كتابي هذا مبنيا علي بيان حقايق اصول المسائل الاسلامية احببت ان اشرح ذلك كما شاء الله و اراد و لا قوة الا به هذا و لاسيما انه قد ظهر في زماننا قوم من اشباه العلماء و اتباعهم ادعوا عدم اعجاز القرآن و امكان الاتيان بمثله و كفروا و ضلوا و اضلوا لعنهم الله و نحن قد كتبنا و الحمد لله في ردهم كتبا عديدة و فصلنا من امر الكتاب فيها تفصيلا الا ان وضع هذا الكتاب لما كان علي بيان الحكم و الحقايق اردنا ان لايخلو كتابنا هذا منها و بيان هذا الامر يستدعي رسم مطالب :

المطلب الاول - في ذكر الاقوال في وجه اعجاز القرآن : فقد نقل عن قوم من المتكلمين انه معجز لانه قديم او حكاية عن الكلام القديم و هذا قول يضحك الثكلٰي و ما علم العرب بقدم الكلام و ما عرفهم حدوث كلامهم و قدم القرآن و كلاهما [ص 112] مؤلفان من الحروف و عن المفيد رحمه الله انه معجز من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة و ذلك ادعاء لا تعريف لاعجازه و تبيين و لايعرف الانسان بذلك حقيقة امره و عن المرتضي ان وجه الاعجاز ان الله صرف العرب عن معارضته و لولا الصرف كانوا قادرين علي المعارضة و لعمري هو اخراج للقرآن عن حد الاعجاز و اثبات اعجاز آخر و عن قوم ان اعجازه من حيث كان معانيه صحيحة مستمرة علي النظر و موافقة للعقل و ذلك كأنه قول من لم‌يعض علي العلم أليس كتب جميع العلماء الكاملين معانيها صحيحة موافقة للعقل و اني شعورهم بصحة جميع معاني القرآن من غير سبيل التسليم و عن جماعة انه معجز حيث زال عنه الاختلال و التناقض علي وجه لم‌تجر العادة بمثله و هذا القول كسابقه و القرآن عند غير الراسخين اكثر الكتب تناقضا كما اعترضوا بها مرات و عن اقوام انه معجز لاخباره عن الغيوب و انت تعلم ان الاخبار بالغيب غير معني القرآن و علي هذا فالقرآن ليس بمعجز و عن آخرين انه معجز لانه مخصوص بنظم مخصوص مخالف للمعهود فان اراد انه لايقدر احد الي يوم القيمة علي اتيان كلام علي هذا النظم و ان لم‌يكن في فصاحته و بلاغته معجزا فهو خلاف البداهة و ان اراد ان سابقا لم‌يأت احد بنظمه فالقرآن مخبر بانهم لن‌يأتوا ابدا بمثله و عن اكثر المعتزلة ان تأليفه و نظمه معجزان و هو ايضا مدخول فان سوق الكلام بنظمه ممكن بداهة و اذا الّف عالم كلاما علي سبكه لايفرق العرب و لا الادباء بينهما لاسيما تفريقا يبلغ الاعجاز و قيل القرآن معجز لجميع هذه الوجوه و هو اذا كان جميع الوجوه مدخولة لايجدي نفعا و منهم من قال انه معجز بالفصاحة و النظم فلعمري انه [ص 113] و ان كان في الواقع كذلك الا انه ليس بمنحصر فيهما هذا و العرب الذين بعث اليهم النبي صلي الله عليه و آله و يعتبرون هؤلاء تصديقهم لايعرفون من القرآن عجز البشر عن الاتيان بمثله كما يفهمونه من شق القمر و انطاق الحصٰي غاية الامر ان كل واحد واحد منهم يعرف انه بنفسه لايقدر علي الاتيان بمثله كما ان خط العماد مثلا بلغ مرتبة لم‌يكتب احد من عصره الي الآن مثله و لم‌يدل ذلك علي عجز جنس البشر عن الاتيان بمثله و لو جاهدوا جهدهم و كل من رأي خطه يعرف عجز نفسه عن كتب مثله في الحال و لايعرف عجز البشر عن مثله و بالجملة ذكروا اعتراضات و ايرادات و جوابات ظنية و استحسانية و ادلة تخييلية شعرية لاتسمن و لاتغني من جوع و لاتصلح لان يبني عليها امر الدين و يثبت بها مثل هذا الكتاب المبين الذي خلفه النبي صلي الله عليه و آله بين امته ليكون برهان التوحيد و النبوة و الامامة و الشرايع الي يوم القيمة و لولا خوف الاطالة لذكرت ادلتهم لتعرف سخافتها و وهنها و اعلم ان الدليل اذا كان مبناه علي الروايات غير البالغة حد التواتر اللفظي او المعنوي فلايخرج المدلول عليه عن حد الظن اي والله و عن حد الوهم لما علم من سيرة الناس و العالم و اذا كان مبناه علي العقل القاطع او الروايات المتواترة يحصل القطع بالمدلول عليه و يصحح به ساير الروايات ثم يتأكد بتراكم القرائن و الظنون و ساير الادلة هذا و الا فلا في جميع امور الاديان .

المطلب الثاني - لنثبت اولا امورا يفهم منها معني الفصاحة و البلاغة علي ما هو الواقع و كيفية صيرورة الكلام معجزا اعلم انهم و ان خصوا الفصاحة باللفظ و البلاغة بالمعني [ص 114] و بينوا ذلك و شرحوا بنهاية الاتقان و الاحكام الا انهم لم‌يأتوا بما يمس الحاجة اليه هنا فاقول اعلم ان الكلام اثر يصدر عن الانسان بتحريك آلات الكلام و ضغط الهواء من الجوف علي حسبها ليخرج اصوات مناسبة للمعني الذي في نفس المتكلم و المعني الذي في نفس المتكلم هو شبح من مقصودها الذي توجهت اليه و ارادته انطبع فيها كالصورة في المرآة و لما كان جميع مميزات الاشياء ينتهي الي كيفياتها الاربع و يشيع فيها و النفس من حيث هي دراكة مطلقة و جميع اصناف المدركات يشيع فيها و في طبايعها و يتشاكل اذ اجتمع لديها فيها و ان كان فعلياتها مميزة خارجا اذا انطبع فيها مدرك تميز عن غيره في قواها و مشاعرها و شاع اذا بلغ حقيقتها و ماع في طبايعها فادركت في نفسها منه شيئا مشاركا مع خصلة اخري من ذلك الطبع كمشاركة الحمرة و السرعة في معني الحرارة و اليبوسة و البياض و اللين في البرودة و الرطوبة فاذا ادركت ذلك امكنها التعبير عن خصلة بمشاركها لاهل عرصة المشارك و صح التعبير ثم قدرته بساير تقاديره علي حسبه فصار دالا عليه علي الحقيقة مطابقا موافقا معه علي نهج الحكمة و لولا ذلك الباب لربما كان يعبر عن مقتضي النار باحدي مقتضيات الماء و بالعكس و كان غير موافق فلما عرفت ذلك فاعلم ان المعني في اللفظ كالروح في الجسد فاذا كان هيئة الجسد مطابقة لهيئة الروح من كل جهة صلح لاستقراره فيه و صلح لان يظهر الروح منه جميع افعاله و صفاته و صلح للاستدلال به عليه من جميع جهاته و حدوده و ان لم‌يكن مطابقا و كان فيه زيادة او نقيصة او تخالف او تضاد بالذات او بالعرض لم‌يصلح لاستقراره فيه و لان يظهر الروح منه جميع افعاله و صفاته و لم‌يمكن الاستدلال به عليه فالجسد الخاص المطابق لكل روح جسد [ص 115] واحد خاص في ملك الله لايوجد جسد آخر غيره يوافقه من كل جهة فان نسبة الشيئين الممتازين الي شئ واحد لاتكون علي السواء فان كان احد الجسدين مطابقا كان الآخر الممتاز عنه و هو غيره غير مطابق ، فتبين ان جسد كل روح جسد خاص واحد معين من تجاوز عنه لم‌يجد غيره يوافقه من كل جهة و للروح جهات شتي لايحيط بجميعها الا الذي خلقه فانه حادث له مادة و صورة و لمادته حدود نوعية بها امتازت عن ساير الانواع و فيها اذكار لعللها و مباديها و اسبابها و له مادة نوعية و صورة نوعية و لصورته حدود شخصية من انواع الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و المكان و الوقت و الآجال و الاوضاع و النسب و القرانات و خواص و احكام من حيث نفسه و من حيث القرانات و اذكار لما هو اعلي منه و ما يساوقه و ما يتأخر عنه ما لايحيط بجميعها الا الله سبحانه و الجسد الموافق له من كل جهة هو المخصوص به و هو غير متعدد في ملك الله سبحانه و لايعلم بموقعه الا الله سبحانه و هو الذي من اتي به له لايقدر احد علي الاتيان بمثله ابدا فكذلك المعني المراد هو بمنزلة الروح و اللفظ المعبر به عنه هو بمنزلة الجسد بل هما الروح و الجسد حقيقة فان المعني امر نفساني دهري و اللفظ امر جسماني زماني قد صيغ لظهوره و تمكنه فيه فكل معني ليس له لفظ حاكٍ لجميع جهاته التي لا نهاية لها كما بينا الا واحد و هو اوفق التعبيرات عنه و اصدقها عليه و اقربها منه و انسبها به و اشدها مطابقة و ابينها له و افصحها و ابلغها و لايعرف ذلك اللفظ لذلك المعني الا الذي خلقهما فاذا عبر الله سبحانه عن ذلك المعني بذلك اللفظ كان كتعبيره عن روح زيد بجسد زيد فلايقدر احد من الخلق علي ان يأتي لذلك المعني لفظا آخر مثله اذ كل [ص 116] لفظ سواه اما يزيد دلالته عليه او تنقص بالذات او بالعرض و اما تخالفه او تضاده و اما توافقه في بعض و تخالفه في بعض و هكذا ربما يخالفه في المادة او في الصورة كما او كيفا او جهة او رتبة او وقتا او مكانا او اجلا او كتابا او وضعا او نسبة او قرانا او من جهة الطبع او من جهة الكواكب المربية او البروج او ساير المنسوبات فاللفظ المطابق مع المعني من كل جهة ليس في ملك الله الا واحدا و لايعلم بموقعه الا الواحد جل شأنه و هو لا محالة افصح الالفاظ و ابلغها و اكملها و لما كانت الكاينات جمال الله الجميل و كمال الله سبحانه الكامل فلايطرؤ علي ذرة منها من حيث كونها في نفسها او اقترانها و انتظامها مع غيرها نقص بوجه من الوجوه حتي قيل ليس في الامكان احسن مما كان كانت الالفاظ الحقة التي يعبر بها عنها ايضا علي احسن نظم و ترتيب لايوجد احسن منها ابدا ابدا و يكون نظمه و ترتيبه دالا علي كمال الله سبحانه و جماله و بهائه و حكمته و اتقانه صنعه فما ظنك حينئذ بنظم كلامه و حسن مواقع الفاظه و ترتيبها و ترصيعها و جزالتها و سلاستها و وقعها في القلوب و عظمتها و حلاوتها و طلاوتها و بداعتها و غضاضتها و رشاقتها و مما بينا تبين ان القرآن من جميع جهاته يجب ان يكون بحيث لايوجد في ملكه غيره كاشفا عن مرادات الله سبحانه فصاحة و بلاغة و نظما و ترتيبا و جزالة و سلاسة و تيسيرا و وقعا و اثرا و خاصة و شفاء و استيلاءً علي الاشياء و هيمنة و قدرة و حكمة و هكذا ، هذا و لاسيما ان الله سبحانه عزم علي ان يجعله تعبيرا عن جميع شؤن علمه و قدرته و حكمته و اسمائه و صفاته و بهائه و سنائه و مجده و جلاله و عظمته و كبريائه و كتبه و الواحه و عوالمه و قال مافرطنا في الكتاب [ص 117] من شئ و قال تبيانا لكل شئ و قال و لقد جئناهم بكتاب فصلناه علي علم و جعله دليل توحيده و قال هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا انما هو اله واحد و ليذكر اولوا الالباب و جعله برهان الرب الحق و قال يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و انزلنا اليكم نورا مبينا و جعله برهان النبوة فقال أولم‌يكفهم انا انزلنا عليك الكتاب يتلي عليهم و جعل فيه صفة جميع ما خلق في ملكه و قال و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان القرآن واحد من عند الواحد ليس له في ملك الله نظير حتي يقدر احد علي ان يأتي بمثله و انه لعلم الله سبحانه كالجسد للروح و كما انه لايقدر احد ان يخلق انسانا كما بينا كذلك لايقدر احد علي ان يخلق قرآنا آخر مثله و كما انه لايقدر ان يكون حكيما عليما قديرا كاملا عظيما جليلا كبيرا سلطانا وليا مثله سبحانه كذلك لايقدر احد ان يأتي بكلام مثل كلامه و لذا روي عن النبي صلي الله عليه و آله فضل القرآن علي ساير الكلام كفضل الله علي خلقه ، فلايقدر مخلوق علي ان يتكلم بمثله كما لايقدر مخلوق علي ان يكون كربه و هذا من المحالات و ليس في ملك الله تعبير موافق من كل جهة عن مرادات الله سبحانه و هي جميع الكاينات غيره فاني لهم ان يأتوا بكتاب مثله او بعشر سور او بسورة او بحديث مثله بل اقول بكلمة مثله في موقعها بل حرف مثله في موقعه بل حركة و سكون و فصل و وصل و خصلة من خصال حروفه من جهر او همس او قلقلة او اطباق او غيرها في موضعها و ان كانت الكلمات و الحروف قبله و بعده متداولة بين العرب الاتري ان العناصر مبذولة في العالم و لايقدر احد ان [ص 118] يخلق منها كزيد و لا كعضو منه و لا كلحمه و دمه و عظمه و لا كعرق من عروقه و وتر من اوتاره و لا كلون عظمه و لحمه مثلا و لا كشئ من خصال اجزائه في موقعه مع ان العناصر التي هي اصولها موجودة في الدنيا مبذولة و كذلك القرآن من الحروف و الكلمات المبذولة و مع ذلك لايسع احدا ان يأتي بتلك الحروف في مواقعها و بتلك الكلمات في مواضعها ، فتبين ان من زعم امكان مثل القرآن لانه من الحروف المبذولة خبط خبط عشواء فالقرآن علي ذلك عالم مستقل له جسم و روح و شهادة و غيب و امر و خلق و خزاين و مراتب اذ هو تبيان كل شئ و كل من يقدر علي خلق العالم يقدر علي الاتيان بمثل القرآن و اني لهم ان يعرفوه او يعرفوا بعضه و لو حرفا منه حتي يأتوا بمثله فاعرف قدر الرجال بالمقال لا المقال بالرجال و هذا وجه اعجاز كلام الحق المتعال علي سبيل الاجمال .