فان صفا و ان وفي و ان جفا هو الحبيب اي حال ارتضٰي
فذلك خلاصة تفصيل قوي النفس الكلية الالهية علي سبيل الاختصار و اما الخاصيتان فهما الرضا و التسليم اما الرضا فهو اعلي درجات الايمان فانه لايتحقق في امرء الا اذا كان علي طبق مشية الله و محبته لايكون لقابليته صبغ و لا شكل ينافي صفة المشية فيكون مادة كينونته علي طبق مادة المشية و صورته علي طبق صورة المشية و لميلحقه عرض ينافي الرأس المتعلق به من المشية فهو مسرور متبهج ابدا بما يسر الله سبحانه و بما يحب و لايشاء الله له شيئا الا ما يحب و ذلك لايكون الا في اشبه الخلق بمشية الله سبحانه و اوفقهم لها و لذلك يكون الرضا خاصة النفس الكلية التي لا نفس فوقها و هي اول اثر صدر عن المشية و احكي شئ لها و خاصة الشئ ما لايوجد في غيره و كذلك لايوجد الرضا في غير هذه النفس لان كل ما سواها متنزل عن مقام اول الصدور مشوب بما ينافي المشية من لوازم درجات البعد البتة كما روي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فاذا كان هذا حال غير اولي العزم فما ظنك بساير الخلق و بتلك المخالفة قد يصدر ترك الاولي عن بعض النبيين الا انها لاتبلغ بهم حد المعصية و بقدر تلك المخالفة [ص 59] يحدث في صاحبها عدم الرضا فمثل آدم عليه السلام بروحه و عقله يرضي لانه من روح الله الا انه بطبيعته ليس يرضي كل الرضا و انما يحملها عقله علي الرضا كرها كما يتركون المؤمنون المعاصي فالرضا المحض الخالص شأن اصحاب النفس الكلية و من خواصهم و لا درجة اعلي منه كما روي عن علي بن الحسين عليهما السلام الزهد عشرة اجزاء اعلي درجة الزهد ادني درجة الورع و اعلي درجة الورع ادني درجة اليقين و اعلي درجة اليقين ادني درجة الرضا و عنه عليه السلام الصبر و الرضا رأس طاعة الله و عن ابيعبدالله عليه السلام اعلم الناس بالله ارضاهم بقضاء الله بالجملة الرضاء بالطبع شأن اول صادر عن المشية المطابق لها بطبيعته و هو من خواص النفس الكلية لايشاركها غيرها و كذا التسليم الا ان التسليم ادني من الرضا بدرجة و هو اخوه الاصغر و شقيقه الادني و هما بمنزلة الايمان و الاسلام و القلب و الصدر و النبوة و الولاية و كمال التسليم ان لايجد الانسان في نفسه حرجا من قضاء الله سبحانه كما قال الله سبحانه فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلّموا تسليما و قال علي عليه السلام في حديث نسبة الايمان : الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء الخبر ، فالتسليم هو اليقين و اليقين ادني من الرضا بدرجة و قيل لابيعبدالله عليه السلام باي شئ يعلم المؤمن بانه مؤمن قال بالتسليم لله و الرضاء فيما ورد عليه من امر سرور او سخط بالجملة التسليم و الانقياد الحقيقي من خواص اول صادر من المشية فانه اطوع الخلق له و اشدهم انقيادا لامره سبحانه [ص 60] فمن سلم و انقاد لامر الله سبحانه و انفعل عند فعله كما شاء و اراد وجد علي حسب ما اوجده ففاز بدرجة الرضاء و السرور و المحبة لما يحب الله سبحانه له فلايحب الله سبحانه الا ما يحب و لايحب الا ما يحب الله سبحانه علي حذو ما قال الشاعر :
لي حبيب حبه حشو الحشا ان يشأ مشيا علي جفني مشٰي
روحه روحي و روحي روحه ان يشأ شئت و ان شئت يشا
فالتسليم من خواص جهة النفس الكلية الالهية الي نفسها و الرضا من خواص جهتها الي ربها و ما يري من تلك القوي و الخاصيتين في ساير المؤمنين فانما هو اظلال و انوار وقعت منها في بعض قوابلهم المستعدّة البرزخية كما يوجد صفة بعض خواص النما في المعادن البرزخية و صفة بعض خواص الحيوان في النباتات البرزخية و صفة بعض خواص الانسان في الحيوانات البرزخية و كذلك يوجد بعض صفات هذه القوي و الخاصيتين في بعض الاناسي البرزخية و وجودها علامة برزخية الانسان بين النبوة و الانسانية بالجملة لقد طال الكلام ازيد مما يليق بهذا الكتاب فالنبي يعرف من غير النبي بالبقاء و النعيم و العز و الفقر و الصبر و الرضا و التسليم كما يعرف الحيوان بالبصر و السمع و الذوق و الشم و اللمس و الرضا و الغضب بلا تفاوت فانها قوي كلية لها آثار جزئية في الموارد و الوقايع لاتشتبه بغيره كعدم اشتباه الظل بالحرور و الظلمات بالنور فالبقاء لايشتبه بالفناء و النعيم بالشقا و العز بالذل و الفقر بالغنا و الصبر بالجزع و الرضا بالسخط و التسليم بالرد و
ثوب الريا يشف عما تحته و ان التحفت به فانك عاري [ص 61]
فاني يشتبه امر المتنبي بالنبي و المدعي بالواقعي و من اين يأتي المتنبي بخصال النبوة و هل يقدر المعدن ان يظهر من نفسه قوي النبات و هل يقدر النبات ان يظهر من نفسه قوي الحيوان و هل يقدر الحيوان ان يظهر من نفسه قوي الانسان فالمدعون لاشتباه الامر و الاضطراب في معرفة الواقع كاذبون و تاركون للجهاد و النظر و لله الحجة البالغة قال الله سبحانه هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب و قال لايستوي اصحاب النار و اصحاب الجنة اصحاب الجنة هم الفائزون و قال للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء و لله المثل الاعلي و المثل هو الصفة و قال ضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لايقدر علي شئ و هو كَلٌّ علي مولاه اينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و هو علي صراط مستقيم و قال أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون و قال مايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و مايستوي الاحياء و لا الاموات الآية ، و قال هل يستوي الاعمي و البصير أفلاتتفكرون و قال ام نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار الي غير ذلك من الشواهد الآفاقية و الانفسية فلا اشتباه و الحمد لله .
فصل - ان الخصال السبع التي ذكرناها في الفصل السابق هي الكليات التي لايقدر كل احد علي استخراج الجزئيات منها فلا بد و ان نذكر بعض الجزئيات تنبيها .
فمنها العصمة و هي في اللغة المنع و المعصوم هو الممنوع و في الاصطلاح ملكة ربانية يمتنع بها صاحبها عمّا يكرهه الله مع القدرة علي فعله فمن خصال الانبياء سلام الله عليهم انهم معصومون بعصمة الله و لا شك ان الله [ص 62] سبحانه لايعصم احدا بذاته و انما يعصمه بفعله و فعله هو عصمته التي بها يعصم من يشاء عما يشاء كيف يشاء هذا من جهة الفاعل و امّا من جهة القابل فالمعصوم هو كل قابل كائن علي الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها و هي اي تلك الفطرة فطرة الله و هي مطابقة الاثر مع صفة مؤثره و ذلك ان الله سبحانه لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان و كون ما كوّن بمشيته علي حسب ما شاء و اراد لا راد لحكمه و لا مانع من قضائه فكان جميع ما كونه علي حسب ارادته و صفة مشيته و طبق محبته لميوجد ما لميحب و لميحب الا ما اوجد لا شريك له في خلقه و لا ممتنع عن امره فكان جميع ما كان محبوبا له مطابقا لمحبته و ذلك ما كان يقال ان الاثر علي حسب صفة مؤثره و هذا الخلق بهذا اللحاظ هو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها و هي فطرة التوحيد و هيكل التفريد و ذلك قوله و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله و قوله كان الناس امة واحدة و بهذه الفطرة ثبتت الدعوة و قامت الحجة و قال لهم الست بربكم قالوا بلي و هذه الفطرة مادتها صفة المشية و صورتها صفة الارادة و تخطيطاتها صفة اطراف الارادة التي هي نهايات المحبة محفوظة بحفظ الله معصومة بعصمة اللّه قائمة بمشية اللّه ممسكة بارادة اللّه و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم ان الله يمسك السموات و الارض ان تزولا و هذا حين دوران فلك الخلق علي القطب و استواء الآفاق فاذا دار علي المحور و جاءت الاضافات و النسب و القرانات تغيرت البلاد و من عليها و حصلت الآفاق المائلة و جاء الواعدان و قام الداعيان و جري علي اقوام حكم التغيير و سر التبديل بمقتضي قوله لآمرنهم [ص 63] فليغيرن خلق الله و بقي اقوام علي الفطرة بمقتضي الا عبادك منهم المخلصين و اخذت العهود و اقيمت الشهود فحصل للخلق وجود ثان وصفي فعلي بعد ما كانوا موجودين بالوجود الكوني الوصفي و جاء حكم لايزالون مختلفين و حكم و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله مااختلفوا و نسخ حكم ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فتغيرت ذوات في بطون اوصاف مخالفة و استحالت و بقيت ذوات علي حالها الاول في بطون اوصاف موافقة بل استكملت و تلطفت و رقت و صعدت لما كسرت و نعمت و خرجت قويها الي الفعلية و ظهرت بواطنها الكامنة و اسرارها الخافية المستجنة فهيٰهنا جاء الاختلاف في درجات الخلق فمنهم من اتبع داعي الرب الذي لميدع الا الي جهة الفطرة المطابقة لمحبة الله سبحانه بجميع مراتبه و مقاماته و لميخالف رضا الله سبحانه في حرف واحد و كسرت ذاته و نعمت و لطفت و خرج ما استجن فيها من القوة الي الفعلية و من الاجمال الي التفصيل و من الجمود الي الذوبان فلطف و صعد بحرارة الداعي بما لا نهاية له الي ما لا نهاية له باقدام الامتثالات فانبسط و سري و جري و حوي و نفذ و توحد و هذا هو الكمال المطلوب من الخلق اذ لا كمال في الاكوان العامة المشتركة و انما الكمال في الفعليات الخارجة من القوة و هي الوجود التشريعي و منهم من خالف الداعي بجميع مراتبه و مقاماته و غير و بدل بجميع انحاء التغيير و التبديل و تسربل بسرابيل بغض الله سبحانه و سخطه فاحال في صورته الشرعية مادته الكونية فتكثف و تغلظ و تثقل و هوي و هبط الي اسفل سافلين كما قال سبحانه خلقنا الانسان في احسن تقويم اي علي صورته المحبوبة له ثم رددناه اسفل سافلين [ص 64] فهبط بما لا نهاية له الي ما لا نهاية له باقدام المخالفات فانقبض و انجمد و تيبس فتفرق و تقطع و تكثر نعوذ بالله و ما بين هذين بين بين كلما يقرب من ذلك العالي يكون اقل مخالفة و اكثر مطابقة و كلما يقرب من الداني يكون اكثر مخالفة و اقل مطابقة للفطرة التي هي هيكل التوحيد و سبب الدوام و الثبات و النعيم و التوافق و البقاء فاختلفت درجات العصمة هيهنا فالعالي المذكور اي الفاتح الخاتم هو المعصوم بحقيقة العصمة و حقها كما سنذكره ان شاء الله و اما من دونه من الانبياء و الاوصياء فعلي حسب درجاتهم و كل من يحفظ عما يخالف الفطرة المطابقة لمحبة الله من قول او فعل او صفة فبحفظ الله سبحانه و منعه و عصمته ، ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك ذلك بان الله اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك من الله سبحانه و انما ذلك ان الحسنة كل عمل يؤدي الي الاتحاد و التفرد و التوحد و الانتظام و الارتباط الذي هو من مظاهر الوحدة و الثبات و الدوام اللذين هما من مظاهر القدم و التنزه و التصفي عن شوائب الكثرة و الفقر و امثال ذلك و جميع ذلك من الواحد المنان و بارشاده و توفيقه و ذكره للعبد و نوره و هدايته و هو اولي به و اضداد ذلك سيئات و هي ليست من الواحد و لا اليه لكن منك و اليك فجميع حسنات الملك من الله و كل من لميصدر منه ما يخالف الواحد فبعصمة الواحد القهار فالخلق في عالم التشريع علي درجات فاولها مقام الفاتح الخاتم و المبدأ المنتهي و هو مقام محمد و آلمحمد عليهم السلام كما يأتي مفصلا ان شاء الله فهم لقوة سر الاحدية فيهم و كمال فطرتهم و كونهم اول الكاينات دفعوا عن انفسهم بالله شوائب الكثرات و لمينفعلوا من تعاكس ساير [ص 65] الخلق و لميميلوا الي غيره سبحانه في شئ من مراتب وجودهم فلميغيروا و لميبدلوا فطرتهم التي هي فطرة التوحيد و اعظم آية من آيات التفريد فجروا في جميع اقوالهم و افعالهم و عقايدهم و صفاتهم و توجهاتهم علي مقتضي تلك الفطرة المطابقة لمحبة الله سبحانه فصاروا احباء الله و محبوبيه ، قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، فهم عليهم السلام معصومون في افعالهم و اقوالهم لايفعلون شيئا الا ما يوافق رضا الله سبحانه لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لايقولون الا ما يطابق قول الله سبحانه و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ، ماقلت لهم الا ما امرتني به و يصدر عنهم ذلك بمقتضي سجيتهم و فطرتهم من غير كلفة كما يصدر الافعال النباتية عن النبات و الحيوانية عن الحيوان بمقتضي طبعهما الذي جبلا عليه فانهم اصحاب النفس الكلية التي مقتضاها مطابقة امر الله سبحانه و لاينافي ذلك اختيارهم فان فيهم ما يمكن ان يخالفوا ذلك به و لكنهم قهروه حتي اطمأن تحت النفس الكلية الالهية قيل يا رسول الله الك شيطان قال نعم و لكنه اسلم ، فلايشاؤن الا ان يشاء الله و لايعملون بمقتضي عادة و لا طبيعة و لا شهوة و لا غضب الا ما يوافق منها رضا الله و محبته و امره لانقهار هذه المراتب منهم تحت تلك النفس الكلية الالهية و هم معصومون عن السهو و النسيان و الخطاء و الغفلة و الزلل فانهم مؤيدون بروح القدس و هو عقلهم و هو الغالب القاهر علي ما فيهم من الانسانية و الحيوانية و النباتية و الجمادية و الحكم حكمه و الامر امره و هو لايسهو و لايلهو و لاينسي و لايخطي و لايغفل و لايزلّ فانه امر الله سبحانه و حكمه و فعله و ارادته و الله سبحانه منزه عن ذلك كله [ص 66] و لايصدر من امره ذلك فكيف يجوز ان يظهر منهم ذلك حاشاهم و ما روي مما يوهم ذلك فانها روايات عامية او صادرة عن تقية مخالفة للكتاب و الاخبار النافية مخالفة للعامة موافقة للعقل المستنير مؤيدة باخبار متواترة معني توجب ذلك و تلزمه و موافقة للكتاب فان الله سبحانه امر باتباعهم و التأسي بهم و فرض طاعتهم علي الاطلاق و نفي عنهم مشية تخالف مشية الله علي الاطلاق و العموم و القول بان سهوهم بالاسهاء قول صدر عن غير حكمة فان الله خلقكم و ما تعملون و كل فعل يصدر من فاعل باِصحاب الله مشيته اياه و لا عمل الا بالله قال في القدسي خلقت الخير و الشر طوبي لمن اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر ، و كذلك القول بجواز السهو في الاعمال و نفيه في الامور التبليغية فان كليات الحكمة لاتقبل التخصيص فالذي يغلب عليه الانية و الشيطان في عمل لايؤمن عليه من ان يغلب عليه في كل شئ و هذه البداوات نقص او كمال ظلمة او نور شر او خير مبغوضة لله او محبوبة لا سبيل الي الثواني فهي نقص و ظلمة و شر و مبغوضة فهي من الشيطان فالذي يصدر منه ذلك يستحوذ عليه الشيطان البتة و مبغوض لله و ليس بحبيب لله و حين صدورها منه معرض عن ربه مقبل الي الشيطان فالروح الساكن فيه العامل به روح الشيطان لا روح الله و لذلك روي انه لايزني الزاني و هو مؤمن ، لانه يفارقه روح الايمان حين ادباره عن الله و الذي يتعاقب عليه الروحان ليس بقابل للتلقي من الله و لافتراض الطاعة علي الاطلاق و قال الشيطان لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين و هم مخلصون اجماعا فلا سبيل للشيطان عليهم فاني و اني فهؤلاء ادعوا علي حججهم ما لميجسر علي ادعائه [ص 67] الشيطان و ما ورد في القرآن مما يوهم ذلك فهو من الآيات المتشابهة و تأويلها عند الراسخين في العلم و قد روي ان القرآن نزل علي اياك اعني و اسمعي يا جارة ، و القرآن كتاب مصنف من الله سبحانه و كما يقع في ساير الكتب خطابات كاِعلم و تدبر و ان قلت كذا و امثال ذلك و لايقصد به شخص معين و انما يقصد به ناظر علي الابهام و من يناسبه ذلك كذلك القرآن يقصد بكل آية منه من يناسبه و يليق به لا النبي صلي الله عليه و آله بخصوصه فقوله و اذكر ربك اذا نسيت يعني به ايها الناظر المطلع علي كلامي الذي يقع منه مثل ذلك كقوله لئن اشركت ليحبطن عملك و قبيح ان يخاطب بذلك من لايحتمل فيه ذلك بالجملة هم سلام الله عليهم معصومون من هذه البداوات بالكتاب و السنة و دليل العقل المستنير و الاجماع الذي فيه المعصوم يقينا و قد تقرر عليه مذهب الاثنيعشرية في زماننا هذا و الحمد لله و المرتاب في ذلك خارج عن الاجماع قطعا و مخالف للاخبار المتواترة بلا شك و كذلك هم معصومون سلام الله عليهم من الاتصاف بغير صفات الله في نفوسهم فانهم مرايا صفات الله و اسمائه المنزهة عن كل صبغ و شكل يخالف ذلك بل هم صفات الله و اسماؤه فلايوجد في نفوسهم صفة غير صفات الله و هو معني ما روي ان الله خلق آدم علي صورته ، يعني عليما سميعا بصيرا قديرا حيا دائما باقيا جوادا كريما و امثال ذلك بل هم صورة الله و صفته و آدم خلق علي صفتهم فانه شعاعهم و نورهم و النور علي صفة المنير فهم معصومون من غير صفات الله فان نفوسهم من مشية الله سبحانه كالقيام المشتق من قام و القائم المشتق من القيام و هي اثرها المطابق لصفة مؤثره و ليس لحيث انيتهم حكم عند حيث اثريتهم علي حذو ما مثل به [ص 68] من قول الشاعر :
رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
بل انيتهم وصفية الصفة و اسمية الاسم فليسوا بشئ الا نفس الصفة في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و قال عليه السلام نحن والله الاسماء الحسني التي لايقبل الله العباد ( من العباد عملا . ظ ) الا بمعرفتنا و قال اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم و لان الصفة غير الذات و حادثة و هم اول الحوادث فهم الاسماء الحسني و الصفات النعمٰي و كذلك هم معصومون سلام الله عليهم في عقولهم من غير قصد الله سبحانه و التوجه اليه و العبادة له و الرجاء اليه و الطمع فيما عنده و من ان يكون لهم مشية و ارادة و رضاء و محبة غير مشية الله و ارادة الله و رضاء الله و من الريب و الشك و الظن و الوهم فهم اصحاب يقين بحيث لو كشف الغطاء لايزدادون يقينا ابدا ابدا و ذلك لانهم في هذا المقام اوكار مشية الله و محالها ، ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليهم و في بيوتهم الصادر عما فصل من احكام العباد و في دعاء للحسين عليه السلام اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من سرايرهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء ، و كذلك هم سلام الله عليهم معصومون في حقايقهم من ان يكونوا شيئا الا بالله و ان يروا شيئا الا الله و لايرون انفسهم بوجه من الوجوه فلا اعتبار لهم من حيث انفسهم الا ما لهم [ص 69] من اعتبار الله سبحانه و هو معني ما روي من رآني فقد رأي الحق و بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و من عرف نفسه فقد عرف ربه و هم انفس الخلق ، لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز ، سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، لاتقولوا علي الله الا الحق و يستنبئونك أحق هو قل اي و ربي انه لحق ، فهم معصومون مطهرون من حيث حقايقهم من ان يكونوا شيئا الا بالله قال كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و الاحلام تترقي و الافهام تتزايد و العلم لايتوقف كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و فوق كل ذي علم عليم فالخلق الاول معصوم في جميع مراتب وجوده من كل ما يخالف ما قدمنا فانهم اقرب كائن الي المكون لميغيرهم عما شاء لهم و بهم مغير و لميبدلهم مبدل اذ لميسبقهم سابق و لميلحقهم لاحق و لايطمع في ادراك مقامهم طامع بهم تحركت المتحركات و سكنت السواكن و هم مقلبوا الاحوال و ايدي ذي الحول و القوة في كل حال لايجري عليهم ما هم اجروه و لايعود فيهم ما هم ابدأوه و سيأتي في ذلك مزيد بيان ان شاء الله و قد ذكر شئ منه هنا استطرادا و اما الخلق الثاني فقد شابهم بقدر انحطاط مقامهم عن الدرجة الاولي شوب التعاكس قليلا فانحطوا عن مقام العصمة الكلية درجة فلاجل ذلك قد يصدر منهم هنات و فلتات يعبر عنها بترك الاولي و هي سيئات لمن دونهم هي حسنات و لكن هي سيئات بالنسبة الي الخلق الاول و قد يعبر عنها بالتأمل في الولاية [ص 70] و تأخر الاجابة نظرا الي انهم بحقايقهم آثار الخلق الاول و اشعتهم و جميع ما لهم و بهم و منهم و اليهم كلها نوره و شؤن ذلك النور و اطواره و كمالاته و فعلياته و ظهوراته و تفاصيله فاذا شاب شئ من ذلك برايحة من مقتضيات البعد حصل لهم التأخر في الاجابة لولاية اميرالمؤمنين عليه السلام قال عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و اعداؤنا اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة ، فجميع شوائب النقص و الظلمة التي تلزم ما يبعد عن المبدء هي سيئات بالنسبة الي مقام القرب و ان كانت حسنات بالنسبة الي من دونهم لتطبعها بطبع النور و استهلاكها فيه بالنسبة الي من دونهم فلاجل ذلك قد يصدر منهم ترك الاولي و التأمل في الولاية اي التأني في فعل خير هو شأن من شؤن الولاية فهم معصومون مما سوي التأني في خير لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فلاجل ذلك قال سبحانه بهديهم اقتده و فرض طاعتهم و الاقتداء بهم و يبتليهم بما يخالفون من ذلك كما يأتي ان شاء الله و كذلك الخلق الثالث فهو اشد تأخرا في الاجابة و اكثر تأملا و فيهم شوب الظلمة و النقص اكثر من الخلق الثاني البتة فلاجل ذلك قد يصدر منهم الصغاير او و بعض الكباير مع حفظ اصل الولاية و كليتها فهم معصومون من تضييع اصل الولاية و يبتلون بما يقارفون من الذنوب الصغاير او الكباير و يقل العصمة و يكثر الاقتراف كلما ينزل الخلق نازلا الي ان يصل الي ابعد الخلق الذي مااطاع الله سبحانه في شئ من مراتب وجوده و غير فطرته و صبغها بصبغ الانكار في جميع مراتبه و صدق عليه و جحدوا بها اي بفطرتهم المغيرة و استيقنتها انفسهم بفطرتهم الاولية حين غفلتهم عن عنادهم فهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها [ص 71] فبذلك صاروا عليهم لعاين الله اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و سيأتي ان شاء الله لذلك مزيد بيان فترقب .
فصل - اعلم ان المعصوم يجب ان يكون معصوما من بدء عمره الي منتهاه قبل البعثة و بعد البعثة و ان كانت العصمة تتقوي و تتأكد فيهم و تزداد بعد البعثة و قد تاه في واد سحيق من قال بغير ذلك لان الارواح تسكن في ابدان مناسبة لها و الابدان السنة داعية من الله سبحانه ارواحها و الارواح اجابات من الله سبحانه و كل نعمه ابتداء و احسانه تفضل لان استعداد القابل لايوجب علي المجيب الاجابة فما لميستعد العناصر و تصلح و تعتدل و تتلطف و تكن قابلة للمطاوعة للنفس النباتية لاتفاض عليها النفس النباتية و لاتلقي في هويتها مثالها و لاتظهر عنها افعالها و كذلك النفس النباتية ما لمتعتدل و تتلطف و تستعد لمطاوعة النفس الحيوانية و قبول امرها و نهيها في حركاتها و سكناتها و ادراكاتها و شهواتها و غضبها لمتفض عليها الروح الحيوانية و لمتلق فيها مثالها و لمتظهر عنها افعالها و كذلك النفس الحيوانية ما لمتتلطف و تترقق و تعتدل و تستعد لمطاوعة النفس الناطقة القدسية لمتلق فيها مثالها و لمتظهر عنها افعالها و علمها و حلمها و ذكرها و فكرها و نباهتها و نزاهتها و حكمتها و كذلك النفس الناطقة ما لمتعتدل في ذاتها و صفاتها و افعالها و تتباين خصال الجمادية و النباتية و الحيوانية و تستعد لمطاوعة النفس الكلية الالهية لمتفض عليها النفس الكلية الالهية و هو معني قوله تعالي الله اعلم حيث يجعل رسالته فليس كل نفس ناطقة قابلا لافاضة الكلية الالهية ما لميعتدل و يتلطف و يستعد لمطاوعة الكلية الالهية فلا بد و ان يكون نفس المعصوم قبل البعثة و بعدها [ص 72] صالحة لافاضة روح النبوة فلو كان يجوز عليه قبل البعثة و الامامة ما يجوز علي ساير البشر لماكان اولي بافاضة روح النبوة و الامامة من غيره البتة ، خذها اليك يا طالبا للحق من دليل الحكمة الالهية النبوية الامامية و اعرف الرجال بالمقال لا المقال بالرجال و لو كان بناء كتابنا علي ذكر الاقوال لسردت لك اقوال الناس حتي تعرف انها ترهات لمتحم حول الحق فضلا عن الاصابة له و انهم لميشموا حكمة حقايق الاشياء بالجملة المعصوم كامل النفس من بدء تولده الي آخر عمره بل هو علي خلاف ساير الناس من بدء سقوط نطفته الي نفخ الروح فيه فان الحكيم يأخذ لما يريد ان يصيغه مادة مناسبة له و لايصلح كل شئ لكل شئ بالقوة القريبة و ان كان صالحا بالامكان بان يرد الي الامكان و يصاغ صيغة اخري و ما كان يقال ان كل شئ فيه معني كل شئ فانما هو بالامكان البعيد و الحكيم لايرجح شيئا من غير مرجح البتة فتدبر فقد جمعت لك كل شئ تريد .
فصل - ان ما روي في القرآن من آيات ظواهرها صدور الذنوب من الانبياء سلام الله عليهم فهي من متشابهات الآيات لايجوز اتباعها بظواهرها فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و لايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم ، فهم يردونه الي المحكمات و يعملون بها فمن تلك الآيات آيات تدل علي عصيان آدم و غوايته و ظلمه و توبته منه و قد اشكلت علي القوم اشكالا عظيما و وردت في تأويلها اخبار علي متفاهم الناس الغافلين عن الحقايق و هي مذكورة في كتب التفاسير و المقصود في هذا الكتاب رسم حقايق الاشياء فنقول فلينظر ناظر ان دار التكليف اين هي الدنيا او الآخرة و لا شك ان [ص 73] دار التكليف هي الدنيا و الآخرة هي دار الجزاء و التكاليف الواقعة في عالم الذر قبل الدنيا زمانا او رتبة و كون آدم قبل نزوله الي الدنيا في الجنة رتبي او زماني و ما لميكن بدن آدم في الاجسام هل يكون روح آدم في الذر ام لا فمن عرف الحقايق و ذاق من رحيق حكمة آلمحمد عليهم السلام عرف ان الذر مقدم علي الزمان رتبة و من لميكن له بدن جسماني داعٍ في الزمان لميكن له روح اجابي في الدهر و آدم عليه السلام كان قبل نزوله الي الدنيا في الجنة رتبة يعني خلق روحه في الجنة و بدنه في الدنيا و لا شك انه في بدنه الدنياوي معصوم مطهر فانه بعد نزوله كان معصوما فان الله سبحانه تاب عليه و اجتباه قبل هبوطه و لميعص بعد نزوله في الدنيا فروحه في الجنة ايضا معصوم فلو اذنب روحه في الجنة لاذنب بدنه في الدنيا لان الروح قائم فوق البدن و هو تقدمه في الذر فآدم معصوم من بدء تكون روحه كما انه معصوم من بدء تكون جسده فعصيان آدم ليس بعصيان شرعي ظاهري بل هو عصيان كوني و هو ما صار سبب هبوطه في الدنيا و لو لميعص كونا لماهبط الي الدنيا و لمتعمر الدنيا به و بذريته و لمتتم مقادير الله عز و جل فمعني عصيانه و توبته و هبوطه ان آدم لما خلق جسده في الدنيا في الارض خلق روحه في الجنة في السماء قبله رتبة و نهي روحه في الجنة عن اكل شجرة الطبايع الدنياوية ذات الشعب و الاغصان و الاوراق و هي شجرة علم آلمحمد عليهم السلام فان العلم عين المعلوم و النهي متعلقه الادبار عن المبدء و النزول الي كثرات الماهية كما ان الامر متعلقه الاقبال الي المبدء و الصعود الي جانب الوحدة و الوجود فالتوجه الي الماهية و الكثرة منهي عنه شرعا و ان كان مأمورا به كونا و هذا معني انه نهي آدم [ص 74] عن اكل الشجرة و شاء ان يأكل و الا لماغلب مشية آدم مشية الله فنهي شرعا و شاء كونا فبالمشية الكونية شاء فاكل و نزل و لكنه بالمشية الشرعية نهي و ابغض النزول فكان العصيان شرعيا في الكون فلما نزل و اكل و عصي اهبطه الله من الجنة و ماتجزون الا ما كنتم تعملون ليس للانسان الا ما سعٰي و ان سعيه سوف يرٰي فعصي آدم بميله و اكله من شجرة الكثرة فغوي البتة فكان جزاؤه و عقوبته هبوطه الي الدنيا فهبط و تلك الشجرة شجرة علم آلمحمد عليهم السلام و هو قوله علمها عند ربي في كتاب و يحل اكل هذه الشجرة لمن هو محيط نافذ في جميع مراتب الوجود لايحتاج في شهوده لها الي هبوط و نزول ألايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و كل من هو دون الكلي يحتاج في الشهود الي الهبوط في عرصة الشهود فلما هبط من الجنة و تعلق روحه ببدنه قام منتدبا الي الله سبحانه باكيا مشتاقا الي دار القرب و الصعود باجابة نداء اقبل فسارع الي الاخذ بكلمات الله سبحانه و الدعاء و التضرع و الطواف بالبيت غير ضنين بنفسه فيما يرضي ربه عنه اذ به قد رضيه و اصطفاه و اجتباه فلما اقبل الي الله اجتباه ربه فتاب عليه و هدي ، ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض ، فكل احد غير الكلي يعصي هذا العصيان و بتوبته و انابته و توجهه الي الله سبحانه ان فعل يتوب الله عليه و لذا روي عن ابيجعفر الباقر عليه السلام لولا ان آدم اذنب مااذنب مؤمن ابدا و لولا ان الله عز و جل تاب علي آدم ماتاب علي مذنب ابدا انتهي ، و ذلك معلوم انه لو لمينزل آدم مانزلت ذريته و لولا جواز توبته بالصعود و الاقبال ماجازت التوبة علي احد ابدا فكل احد اكل من تلك الشجرة و يجب [ص 75] عليه التوبة منه و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله في علة الصوم ثلثين يوما ان آدم لما اكل من الشجرة بقي في بطنه ثلثين يوما و فرض الله علي ذريته ثلثين يوما الجوع و العطش و الذي يأكلونه تفضل من الله عز و جل عليهم و كذلك علي آدم الي ان قرء كتب عليكم الصيام الآية ، و معلوم انه لاتزر وازرة وزر اخري و لايكفر احد عن ذنب الآخر فهم قد اكلوا ايضا بنزولهم كما اكل آدم فلما تم خلقه في الدنيا و نزل اليه الروح في النزول قام عابدا تائبا مقبلا الي ربه فتاب في جسده في الدنيا كما في بعض الاخبار و تاب بروحه في الجنة قبل النزول فان شئت فقل انه تاب في الجنة ثم اهبط نبيا معصوما و ان شئت قل تاب في الدنيا فان توبة روحه روح توبته و هي مقدمة علي الدنيا رتبة فتوبته وجودا مقدمة علي الهبوط و ظهورا بعد الهبوط فتبين و ظهر لمن نظر و اعتبر ان آدم حين خلق خلق معصوما مطهرا بالعصمة التي تجب في الحجج و كان حجة علي حواء في الجنة و في الدنيا و الحجة المفترض الطاعة لايكون الا معصوما و ان ما ورد في الكتاب تعبير عن كيفية الخلقة و هذا معني اقارير نبينا و ائمتنا سلام الله عليهم علي انفسهم بالذنوب بجميع اعضائهم في بشريتهم و كونهم ولد آدم لانهم في البشرية هبطوا الي الطبايع و هي غير محبوبة في الشرع الكوني و ان كانت محبوبة في الايجاد الكوني فمعصية آدم شرعية لكن لا في الشرع المعروف فانه معصوم فيه بل هي معصية في الشرع الكوني الذي لا بد منه في كل موجود نازل و هو كوني بالنسبة الي الشرع المعروف فان عرفت حدود كلامي جمعت بين جميع الآيات و الاخبار بلا غبار و لاينافي هذا العصيان و الغواية العصمة و اما كون هذا العصيان بسبب الشيطان و الطاوس و الحية ان ابليس الذي [ص 76] مقابل روح القدس في الاعلي و هو روح الجهل الكلي تعلق بطاوس العناصر ذي الالوان و هو حاجب الجنة من الخارج فصعد بها الي الحية التي هي الحاجب من الداخل في فلك الحيوة الذي هو باب الجنان التي في الافلاك فالتقمته الحية و جلس في فيها لان انية الجهل مترامية من غاية البعد الي دوين القرب و هو جنة الرضوان فسار معها في الجنة و تعلق بالمناسبة بالحواء المخلوقة من الحي و هي ظهور نفس آدم ، خلق لكم من انفسكم ازواجا ، فتعلق به اي بآدم فاغواه و زين في عينه شجرة الطبايع و اغصانها و اوراقها و ازهارها و سول له انه شجرة الخلد و ملك لايبلي مع ان ملك الطبايع بالٍ و كون تلك الشجرة في الجنة لان اصلها نابت في الجنة و الدنيا اغصانها و اوراقها متدلية الي اسفل و اشجار الجنة علي خلاف اشجار الدنيا قال الله سبحانه قطوفها دانية و كذا روي عن علي عليه السلام و قاسمهما اني لكما لمن الناصحين ، فبغوايته و تزيينه مال روحهما الي شجرة كثرة الطبايع بالمناسبة لانيتهما التي هي ظل الجهل فاكلا منها فبدت لهما سوآتهما التي كانت مستورة فان الحيوانية كانت مستورة في الانسانية فطفقا يخصفان عليهما من نباتية ورق الجنة فلبسا النباتية علي الحيوانية فهبطا و لبسا الجمادية الغاسقة علي النباتية فلما تابا بالاقبال ابيض بدنهما بعد السواد و صارا الي الجنة و صارا من اهلها و ان فهمت حدود كلامي لعرفت فرق ما بين ما اوضحت و بينت من سر الحقيقة و بين كلمات القوم و لاتزعم انه تأويل و يخالف الظاهر فان الآيات و الاخبار قصة احوال الجنة و لايجب ان تكون علي متفاهم ظاهر اهل الدنيا فافهم .
فصل - و مما تمسك به اهل الضلال المنكرون للعصمة حكاية اقارير [ص 77] ابرهيم للكواكب بالربوبية و نظره في النجوم و قوله بل فعله كبيرهم و ليس في قصصه ما عسي ان يتمسك به العاقل فان قوله هذا ربي يمكن ان يكون علي الانكار و التهكم و يمكن ان يكون من باب ترديد المحتج ليحتج في ابطاله فيمهد الباطل اولا علي صورة الاثبات لئلايظن به الخصم انه لاينصف ثم يحتج علي ابطاله فكان قوله هذا ربي للتمهيد ليحتج بقوله لااحب الآفلين فكان ذلك منه للاحتجاج و يؤمي اليه قوله تعالي و تلك حجتنا آتيناها ابرهيم و اما نظره في النجوم فليس فيه انه اعتقد انها مؤثرة منقطعة عن الله سبحانه بل رأي المسبب و علم انها اسباب فاي بأس فيه و قوله اني سقيم اي كذب و لميقل اني سقيم البدن فلعله سقيم القلب حزنا من فعل جماعة حيث اتخذوها مؤثرة مستقلة و يعبدونها من دون الله او استدل بها علي حوادث تقع من فتن بعده و مصايب تجري علي ذريته لاجل انه عالم بالاسباب بالهام الله سبحانه فقال اني سقيم القلب حزين علي ما يقع او سقيم فيما يأتي كقوله سبحانه انك ميّت و انهم ميتون و قوله بل فعله كبيرهم تهكم او جزاء مقدم لقوله ان كانوا ينطقون او معناه انهم سبب فعلي حيث رضوا بعبادتكم لهم و ذلك ان الاصنام كساير الجمادات مكلفات و لها شعور لقوله سبحانه انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم و لولا شعورها لمااستحقت عذابا و لاتزر وازرة وزر اخري و قد نص الكتاب بشعور كل كائن .
فصل - و مما تمسك به اهل الضلال كتمان يوسف حريته عن السيارة و التقية دين الانبياء و لا عيب فيه و قوله تعالي همّ بها و ليس فيه انه هم بالزنا فلعله هم بقتلها او هو جزاء مقدم لقوله لولا ان رأي برهان ربه و لا شك ان [ص 78] كل احد لولا عصمة الله و تسديده يقع في المعاصي و لايتمسك بامثال هذه الشبهات الا من في قلبه مرض و كذا قوله ايتها العير انكم لسارقون و ليس فيه انكم سارقوا الصواع فلعله اراد سارقوا يوسف عن ابيه و ليس شئ في امثال هذه الشبهات .
فصل - و مما تمسكوا به قصة داود و اوريا و هي قصة اصلها افتراء علي الانبياء قد نقلتها القاصون المتخذون عن اليهود المحرفين للتورية و ليس عندهم التورية التي انزلت علي موسي كما اثبتناه في كتابنا نصرة الدين و ليس في القرآن الحق منه اثر و ليس في الكتاب الا ان الله سبحانه اراد فتنته بعد ما جعله خليفته و يعلمه ان علمه بتأييد الله سبحانه فاجاب المدعي عما سأل كما سأل فان سؤال ذي نعاج عديدة نعجة واحدة من اخيه استكثارا ظلم و كان الاولي ان لايجيب عن ذلك ايضا حتي يسأل المدعي عليه حتي يعلم الصدق من الكذب الاتري انه قال بعد تقرير المدعي لقد ظلمك بسؤال نعجتك الي نعاجه و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين آمنوا و المراد لقد ظلمك السائل نعجتك الي نعاجه لا خصوص اخيك ثم قال ان المؤمن لايبغي علي اخيه و الباغي غير مؤمن فكيف يحتمل ان يكون هو بنفسه باغيا علي اوريا و يخرج نفسه عن الايمان بنصه فتبين ان ما يروونه كذب و افتراء و لا اشكال في هذا و انما الاشكال في قول الملكين انهما صدقا في الدعوي و لا نعاج او كذبٰا و الملك لايكذب و الجواب عن ذلك ان الصدق هو جري اللسان علي الوضع الالهي و هو مطابقة الكلام لما في الفؤاد و الكذب هو جري اللسان علي خلاف الوضع الالهي و هو مخالفته لما في الفؤاد [ص 79] كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام و ليس لمطابقة الواقع و مخالفته مدخل في الصدق و الكذب و لذلك سمي الله شهادة المنافقين كذبا لان السنتهم جرت علي خلاف ما في فؤادهم مع انها كانت مطابقة للواقع و من الوضع الالهي الثانوي ان لايجري اللسان بما يكرهه الله و من خلاف الوضع الالهي الثانوي ان يجري بما يكرهه فلاجل ذلك سمي الرامي الذي لا شاهد له كاذبا عند الله و جعل الكلام الجاري في الاصلاح غير كذب و انما ذلك لان ما كرهه الشارع يكرهه العقل السليم و ما استحسنه الشارع يستحسنه العقل السليم و العقل السليم اذا كره شيئا يمنع الجوارح عن الجري به و يعقلها و اذا استحسن شيئا يأمرها به و يجريها بمقتضاه فجري اللسان بمقتضي ما استحسنه العقل هو الوضع الالهي و خلافه خلافه و لذا روي ان الكلام ثلثة صدق و كذب و اصلاح و الاصلاح هو المستحسن لقوله سبحانه اصلحوا بين اخويكم و الافساد هو المكروه لقوله ان الله لايحب المفسدين فمهما جري اللسان علي الاصلاح و الوضع الالهي الثانوي ليس بكذب و من ذلك الامثال التي يأتي بها الحكماء لاصلاح النفوس و ارشادها و لايجب ان يكون ذلك المثَل واقعا او يكون الحكيم معتقدا بكونه واقعا و انما يقصد الحكيم محض الاعتبار و تجسيم المسألة الروحانية او الغيبية ليصير المستمع كالمشاهد و يستصلح نفسه و من هذا تمثيل الملكين لداود لاصلاح نفسه و تفتينه بامر الله بشئ كان يعلم الله سبحانه انه يتعجل في جوابه لبداهة قبحه و ربما كان تمثيلهما لحال داود حيث ظن انه ماخلق الله خلقا اعلم منه كما روي فمثلا له ان الله اعطاك من العلم كثيرا و اعطي غيرك ما لميعطك و انت تظن انك كفلت جميع [ص 80] علم الخلق و تريد ان تكون عالما بكلها فحكم علي نفسه من حيث لايعلم ان ذلك ظلم فتنبه بعد الحكم فظن داود انما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا و اناب و كان ذلك منه ترك اولي فقال الله فغفرنا له ذلك و ان له عندنا لزلفي و حسن مآب و قاتل النفس المتهاون بالصلوة المتابع للشيطان ليس له عند الله زلفي و حسن مآب فافهم .
فصل - و كذلك قد تمسكوا بآي من القرآن قد وصل تأويلها عن الائمة عليهم السلام و لميتركوا لذي حجة مقالا كقوله سبحانه فلما آتاهما صالحا اي آدم و حواء جعلا له شركاء اي الذكران و الاناث الصالحين من الزمانة و العاهة و كذلك قوله بلي و لكن ليطمئن قلبي اي علي اني خليلك لان الله سبحانه عهد اليه اني متخذ خليلا ان سألني احياء الموتي احييت و كذلك قول موسي بعد القتل هذا من عمل الشيطان اي اقتتال القبطي و الاسرائيلي و قوله رب بما انعمت علي فلناكون ظهيرا للمجرمين شاهد علي انه لميندم من فعله فقوله رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي اي وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة فاسترني فستره و قوله فعلتها اذا و انا من الضالّين يعني من الطريق بوقوعي الي هذه المدينة و كذلك قوله تعالي و وجدك ضالّا فهدي اي ضالا عند قومك فهداهم الي معرفتك و كذلك رب ارني انظر اليك انه سأل بتمني القوم و اجازة الله له للسؤال علي حسب تمنيهم من غير مؤاخذة و كذلك ظن ان لننقدر عليه اي استيقن ان لننضيق عليه كما قال من قدر عليه رزقه و قوله لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين اي بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني له في بطن الحوت و كذلك قوله حتي اذا استيأس الرسل و ظنوا [ص 81] انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا اي استيأس الرسل من قومهم فظن قومهم ان الرسل كذبوا جاء الرسل نصرنا و كذلك قوله ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر اي عند اهل مكة لانه لميكن عند اهل مكة احد اعظم ذنبا من رسول الله صلي الله عليه و آله حيث كسر آلهتهم و جعل الآلهة الها واحدا و كذلك المخاطبات الموهمة للنبي صلي الله عليه و آله فانها من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة بالجملة اذا عرفنا بالبرهان السديد من محكمات الكتاب و السنة و اجماع الشيعة و العقل المستنير ان الانبياء معصومون من كل ذنب صغير او كبير و من النسيان و الخطاء و السهو قبل البعثة و بعدها و رأي ما يخالف ذلك من كتاب او سنة يجب تأويله اذا علم الواقع و الا يجب رده الي آلمحمد عليهم السلام و الي محكمات اقوالهم بتة .
فصل - اعلم ان الانبياء سلام الله عليهم كما عرفت جماديتهم و نباتيتهم و حيوانيتهم و انسانيتهم معتدلة مستقيمة بحيث تصلح لتعلق روح النبوة بها و هو قوله سبحانه الله اعلم حيث يجعل رسالته و معني كونهم بشرا مثلنا في نوع البشرية لا خصوصياتهم فهم بشر و لكن معتدلون مستقيمون صالحون لتعلق روح النبوة بهم فهم معصومون قبل التعلق ايضا الا انهم اذا تعلق بهم روح النبوة صاروا اعدل و اكمل و اقوي في العصمة بحيث لولا ذلك الروح صدر منهم بعض ترك الاولي و ان الله سبحانه اذا اراد ترقية نبيه عن درجة دنيا الي درجة عليا و قد ثبت في الفلسفة انه لايمكن الترقية من درجة الهيولي الي درجة الكمال الاكسيرية الا بحل و ترقيق و تصفية جديدة و اضافة روح حلهم و كسرهم فغيب عنهم طرفة عين روح النبوة و هذا معني ما روي ان الله [ص 82] يكلهم الي انفسهم فيصدر منهم ما يصدر فصدر منهم بمقتضي بشريتهم بعض ترك الاولي فحصل لهم اعتراف بانهم لو خذلوا و انفسهم لهووا فتابوا و خضعوا و خشعوا و رجعوا الي ربهم بالانابة و التوبة و صعدوا و ترقوا و ازدلفوا و استحقوا بذلك روحا اعلي و الطف و وسعوه فامدهم بروح اعلي و الطف و اشرف و هذا سر القبض و البسط للانبياء و المؤمنين و سر وقوع المؤمنين في بعض المعاصي بغيبة روح الايمان عنهم ليعلموا ان ما بهم من نعمة فمن الله و سر غلبة النوم علي المؤمنين و حرمانهم صلوة الليل ليصبحوا و هم ساخطون علي انفسهم كما روي و لحفظهم عن الوقوع في العجب بالجملة لا ترقية الا بالتطهير و لا تطهير الا بالتفصيل فاذا فصل الروح عن الجسد صدر من الجسد ما يقتضيه فيعذب الجسد لازالة الاوساخ بنار الحزن و السخط و يصعد بنار التوبة و الانابة و الندامة ثم يرد اليه الروح الطف و اصفي فيعتنقان اشد و هذا سر سار لايتخلف عادة و بذلك يصعد المؤمنون و الانبياء الي الدرجات و يتحقق معني حسنات الابرار سيئات المقربين اللهم الا الواصل الي درجة الكمال و المنعقد علي الاكسيرية الكاملة فانه لايحتاج الي تفصيل و لايوكل الي نفسه بسلخ الروح عنه فلايصدر منه ترك الاولي الا انه يضعف بالتساقي و محض الانحلال بالماء الالهي فيرق انيته في كل سقية و حل و يلطف من غير تفصيل روحه عن جسده فهو لايصدر منه ما يخالف الروح فانه لايخذل فهو في كل درجة عامل بما شاء الله له من فعل مناسب لتلك الدرجة و ترك الاولي ان يصدر منه ما يخالف تلك الدرجة و هو قبل الوصول الي الاكسيرية الكاملة فالولي المنعقد علي البياض و النبي المنعقد علي الحمرة يحلّان بالتساقي [ص 83] بالماء الالهي اي الكلية الالهية سقية بعد سقية فينعمان و يعقدان عليه فيتضاعف قدرتهما الي ما لا نهاية له في كل سقية و لايخاف عليهما عجب علي ما هما عليه و هما تائبان آئبان خاضعان خاشعان عارفان بفنائهما ابدا من غير تفصيل و تكلان الي انفسهما و خذلان و مستغفران تائبان ابدا من غير ذنب كما في الدعاء غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني و لو راجعت هذا الدعاء من اوله الي آخره و هو دعاء الحسين عليه السلام لعرفت صحة ما قلناه فراجع فهذا هو الفرق بين الكامل و الناقص فالناقص يحتاج الي التفصيل بخلاف الكامل فبذلك يجوز صدور ترك الاولي من ساير الانبياء و الاولياء و لايجوز صدوره من المؤيد بكلية روح القدس و هو الكلية الالهية و مع ذلك يترقون في كل آن الي ما لا نهاية له و ليس لمحبة الله غاية و لا نهاية فافهم راشدا موفقا فقد اسمعتك ما لمتسمعه من خطاب و الحمد لله .
فصل - هنا مسئلة مشكلة يعجز عن جوابها اهل الظاهر و لا جواب عنها الا عندنا و هي انه لو كانت الادلة التي تقيمونها علي وجوب وجود حجة معصوم عن الكباير و الصغاير و السهو و الخطاء و النسيان و كل منقصة حقا فما بال هذا الزمان الذي ليس فيه حجة معصوم ظاهر و الافلاك دايرة و الارض مستقرة و البلاد معمورة و العباد عايشون و نري الله قد اكتفي في اقامة دينه بالعلماء الذين ليسوا بمعصومين قطعا فان كان يجوز الاكتفاء بهؤلاء فلايجب وجود معصوم في كل عصر و ان كان لايجوز فكيف اكتفي الله سبحانه بغير المعصوم فالجواب عن هذه المسئلة المشكلة العويصة علي سبيل الاختصار الكاشف عن الواقع ان الخلق ظواهرها و بواطنها و نسبها و قراناتها و حالاتها و اوضاعها [ص 84] و تقلباتها لا نهاية لها و لايحيط بها اولا غير الله سبحانه و هي علمه الحادث المشار اليه بقوله سبحانه علمها عند ربي في كتاب فلايعلم صلاحهم و فسادهم علي ما هو عليه في الواقع غير الله سبحانه الله يعلم المفسد من المصلح و قد كتب سبحانه علمه هذا في اللوح المحفوظ اي ام الكتاب الذي عنده بقلم ابداعه فتمام هذا العلم في القلم علي نحو الاجمال و الوحدة و لا اختلاف في صلب القلم و يصور مواليد الكاينات في رحم ام الكتاب ، هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء و ذلك القلم هو الروح الموحي به المشار اليه بقوله سبحانه و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان فهذا الروح فيه جمل العلم و كليته و مأواه القلب و يفصل في الصدر ، بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و هذا الروح لايسكن كما بينا الا قلبا نقيا تقيا الله اعلم حيث يجعل رسالته و لايتفصل علي التفصيل الحق الذي لا عوج له الا في صدور نقية صافية خالية عما يكرهه الله سبحانه فيتفصل فيها علي ما شاء الله و اراد و ماتشاؤن الا ان يشاء الله ، لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء ، لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم ، ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي ، فاذا كان صاحبها كذلك صلح لان يقال في شأنه من يطع الرسول فقد اطاع الله و ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم ، فلايبلغ هذا المقام احد الا ان يكون معصوما مطهرا عن كل ما يكرهه الله حتي لايعوج الوحي و الروح في نفسه و صدره و لاينصبغ بصبغ علي خلاف الواقع فيخالف علمه الواقع و ما شاء الله [ص 85] و احب فالواسطة الاولي بين الله و بين خلقه الحامل للروح المؤدي الي العباد لايجوز الا ان يكون معصوما مطهرا عن كل ما يخالف محبة الله و رضاه البتة و الا لانصبغ الوحي في بطن نفسه و انعكس عنه و برز علي خلاف رضاء الله سبحانه فيأمر بالمنكر و ينهي عن المعروف و الله اجل من ان يصطفي من يغير ما اوحي اليه و يتقول عليه و يفتري فعن علي عليه السلام في صفة النبي صلي الله عليه و آله اشهد ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمرا و ناهيا اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته و اختصه من تكرمته بما لايلحقه احد من بريته فهو اهل ذلك بخاصته و خلته اذ لايختص من يشوبه التغيير و لايخالل من يلحقه التظنين الخطبة ، فهو كان اهل الاختصاص و المخاللة منفردا عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس فلذلك اختصه الله بتكرمته و خالله و انتجبه آمرا و ناهيا و اقامه مقامه كما قال في قوم يهديهم ربهم بايمانهم و قال في آخرين بكفرهم لعناهم فالله اعلم حيث يجعل رسالته فالمؤدي عن الله و الحافظ لامر الله يجب ان يكون معصوما مطهرا فاذا قام الواسطة بين الله و بين خلقه و ادي عن الله سبحانه قام الحجة من الله علي خلقه و لايجب ان يكون الخلق الآخذون عن الحجة معصومين فانهم بعيدون عن الله سبحانه و هم المرضي المحتاجون الي الاطباء و انما مست الحاجة الي الاطباء لازالة الامراض عنهم فالطبيب الالهي هو الذي يجب ان [ص 86] يكون عالما بالادواء و الادوية علي حسب ارادة الله و وضعه لا المرضي و من هذا الباب ما روي ما معناه انكم لو كنتم لاتذنبون لاذهبكم الله و اتي بخلق يذنبون ، فهذا الخلق لو كانوا معصومين قريبين من المبدء لخلق خلق في البعد فانه لا بد و ان يكون الفيض متراميا في جميع المراتب فاذ قد تبين ان الخلق الآخذين عن الحجة لايجب ان يكونوا معصومين فلا فرق بين الرواة و المروي اليهم و العلماء الحاملين للعلم و المحمول اليهم و ما يخاف ان يتغير حكم الله في نفوس الحملة فيدفع بحفظ الحافظ الحي القيوم للدين ان زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا اتمه لهم نعم لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و لميعرف الحق من الباطل و اما مع وجود الحافظ الشاهد العالم القادر علي الحفظ المأمور بذلك من الله المعصوم فلايخاف للدين من عوج ، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا ، فمع وجود الحافظ لايجب ان يكون الحملة معصومين و لو كان يجب ان يكون الحامل منه الي الرعية معصوما لكان يجب ان يكون الرعية كلهم معصومين في كل عصر لان الحامل المعصوم اذا ادي الي غير المعصوم و مشاعره و مداركه مختلة يحتمل ان يفهم علي خلاف مراد الحامل و يجيء المحذور فمن قال يجب ان يكون الحامل معصوما يجب ان يستوجب عصمة التابعين ايضا و كل دليل يدل علي جواز عدم عصمة الآخذ عن الحملة يدل علي جواز عدم عصمة الحملة ايضا فان الحجج هم العلماء و شيعتهم المتعلمون غاية الامر انه يحمل بعضهم العلم الي بعض كما يحمل مشاعر الآخذ الي قلبه حرفا بحرف فكما لايجب ان يكون المحمول [ص 87] اليه معصوما لايجب ان يكون الحامل معصوما و ان قلت ان الحامل يحفظ علي الآخذ عنه قلت ان الحجة يحفظ علي الحامل الآخذ عنه بلا تفاوت فوجود الحافظ الاصل يدفع غايلة عدم عصمة الحملة و يقوم حجة الله بحفظه كالطبيب الواصف للمريض دواءه فان اخطأ في فهم الدواء فعلي الطبيب ان يحفظ عليه و يفهمه بالترديد و التكرير بل عليه ان لميمكنه ذلك ان يطبخ دواءه و يسقيه حتي يبريه فالمريض لايجب ان يكون طبيبا صحيحا حافظا و لو كان صحيحا لماكان يحتاج الي طبيب فوجود الطبيب دليل مرض المريض و مرض المريض دليل صحة الطبيب و طبه و الجاهل دليل العالم و العالم دليل الجاهل و المخطي دليل المعصوم و المعصوم دليل المخطي فوجود الحجة المعصوم اليوم كافٍ في حفظ الدين و لميجب ان يكون العلماء معصومين نعم لو لميكن واحد حافظ معصوم لكان يجب ان يكون العلماء معصومين ليقوم الحجة و من انكر وجود معصوم بالكلية فهو علي خطاء محض فان الدين بعدم معصوم يخترم و يبور البتة فلا دليل ادل علي بطلان مذهب اليهود و النصاري و المجوس و العامة و ساير فرق الشيعة من عدم اقرارهم بوجود حجة معصوم في كل عصر مع اتفاقهم علي عدم عصمة ساير العلماء فهم ضالون تائهون متحيرون بالبداهة و اما الواقفية القائلون بان الحجة الحي القائم هو موسي بن جعفر عليهما السلام فيأتي القول فيهم مع انهم انقرضوا و الحمد لله و كذا يأتي القول في وجود الحجة المعصوم و تصرفه اليوم ان شاء الله فترقب .