فصل - اعلم ان الله سبحانه هو القديم جل شأنه و جميع ما سواه حادث [ص 31] كما قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و قد تضافرت الاخبار بان اول ما خلق الله العقل و هو القلم الذي به كتب الله سبحانه علي لوح الامكان ما كان و ما يكون و القلم هو آلة الكاتب في الكتابة و مظهر حركته و محل مشيته به يكتب ما يشاء فلا حركة مستقرة بلا قلم و لا قلم جار الا بالحركة و الحركة في القلم كالروح في الجسد ثم خلق به ارواح الانبياء فانهم اول خلق من الروحانيين كما رواه في العوالم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم ثم قال ان موسي عليه السلام لما سأل ربه ما سأل امر واحدا من الكروبيين فتجلي للجبل فجعله دكا انتهي ، و الكروبيون هم الانبياء اي حقايقهم صلوات الله عليهم و هم من شعاع ذلك العقل جعلهم الله خلف العرش و خلفه مما يلي الخلق لان امامه مما يلي الرب جل شأنه و العرش هو ذلك العقل و القلم و الواحد المتجلي علي موسي عليه السلام هو حقيقته لان الادوات تحد انفسها و لايتجاوز شئ ما وراء مبدئه و هم المقربون ليس خلق اقرب الي الله سبحانه منهم و هم القطرات المقطرة من رشح نور نبيك صلي الله عليه و آله كما روي عنه صلي الله عليه و آله فاول كلمة كتب الله سبحانه بالقلم هو الخلق الاول و هم ارواح الانبياء عليهم السلام جعلهم الله سبحانه سفراء بينه و بين خلقه و لهم جهتان جهة الي ربهم و هي ابسط مراتبهم و ارقها و الطفها و جهة الي الخلق و هي اغلظ مراتبهم و اشبهها بالخلق و لذلك شبه مرتبتهم بورقة الآس حيث ان اعليها دقيق مستطيل و اسفلها غليظ مستدير فهم الوسائط و الرسل [ص 32] و المبلغون عن الله سبحانه يتلقون بلغة التوحيد عن ربهم و يبلغون بلغة التكثير الي خلقه فكانوا كذلك في الملكوت خلف عرش الله سبحانه مؤيدين بروح القدس كما قال اذ ايّدتك بروح القدس و نفخت فيه من روحي فكانوا يعبدونه و يوحدونه علي حسب ما ظهر الله سبحانه لهم بهم بذلك القلم فهم يوحدونه بفضل توحيد العقل و القلم و بتأييده و تسديده و تعليمه و ارشاده و ما ظهر لهم من فواضل انوار ذلك القلم و صفاته من الجهة الدنيا و في الجامعة من اراد الله بدأ بكم و من وحّده قبل عنكم و من قصده توجه بكم الزيارة ، و ان اردت مشاهدة ذلك فاعتبر من السراج حيث اشتعل دخانه بضوء النار فانصبغ ضوء النار في دخانه و استضاء الدخان به و حصل للنار الضياء فيه فانها قبله خفية عن درك الابصار فلا ضياء الا في الدخان فلما ظهرت النار بالدخان منصبغا ظهورها بصبغه و استضاء الدخان بها اشرق السراج علي الحيطان و الجدران فلا ضياء للجدران الا بصبغ ذلك الدخان المستضيء و اضواء الحيطان راجعة الي صبغ الدخان المستضيء و شكله اذ لا ضياء للنار الخفية و لا شكل فما عرفه الحيطان من الضياء فانما هو بشرح السراج و ترجمته و تفسيره و تعبيره و تجليه و ظهوره فهي مستضيئة منه و انوارها صادرة عنه راجعة اليه ناظرة اليه حاكية له فافهم فانه لايجوز ازيد من ذلك البيان و ليس وراءه الا العيان و للحيطان آذان فالانبياء سلام الله عليهم هم اول الخلق و هم السفراء بين الله و بين ساير خلقه يعبرون عنه فكانوا كذلك الي ان خلق الله هذا العالم و انزل انوارهم اليه كما قال و انزلنا اليكم ذكرا رسولا فانزلهم الله سبحانه الي غيب التراب و اودعهم اياه الي ان خلق آدم فاودعهم صلبه ايداع قوة لا ايداع فعلية فان الابن لا تعين له [ص 33] في صلب الاب قال سبحانه يصوّركم في الارحام كيف يشاء فكانوا في صلب آدم و خرجوا كذلك من صلب الي صلب حتي بلغ كل واحد اجله و وقته فخرج الي هذه الدنيا كما بينا سابقا و كلما تحقق في صلب و رحم مادة معتدلة صافية قابلة لروح من تلك الارواح المودعة في صلب ابينا آدم عليه السلام و تربت في رحم امها حتي تمكنت و تكملت اشتعلت فيها اي تلك الروح الكامنة فيها من غيبها و انصبغت بذلك الصبغ المعتدل و تصورت نبيا علي حسب استعدادها و قابليتها و درجتها في الصفاء و الكدورة فلم‌تحجب انيتها لطيفة روحانيتها السابقة فتكلم تلك الروح عنها و نطقت بها و اظهرت ما علمها الله سبحانه من العلم و الحكم في العالم الاول علي حسب درجتها تلك الرسل فضّلنا بعضهم علي بعض الآية ، فابتعثهم الله سبحانه لهداية النفوس الانسانية و تكميلها حتي يرقوها عن درجات الامارة و اللوّامة و الملهمة و المطمئنة و الراضية و المرضية و الداخلة في عباد الله و الجنة الي القدسية و هي غير تلك المراتب المذكورة قال الله سبحانه فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و اما النفس القدسية فمقامها عظيم و امرها جسيم و هي روح الايمان و هي شعاع سرج الانبياء المشرق علي مرايا قوابل المؤمنين كما روي الناس كلهم بهائم الا المؤمن ، فتلك مسحة من نور النبوة و سبحة من ضياء الرسالة اكرم الله بها المؤمنين من دون العالمين كما يأتي في محله ان شاء الله و لسنا بصدد بيانها الآن .

فصل - اختلف الناس في المؤمنين و الانبياء انه هل يمكن للمؤمنين الوصول الي درجة الانبياء ام لا و اختلافهم في ذلك ليس بهيّن بل هو عظيم [ص 34] عظيم فمنهم من زعم ان المؤمنين و الانبياء سلام الله عليهم من نور واحد و طينة واحدة فيمكنهم الوصول الي درجتهم و مقامهم و ان لم‌يبعثوا الي قوم لانه لا نبي بعد محمد صلي الله عليه و آله و ربما يستدلون علي ذلك بالحديث المروي عن النبي صلي الله عليه و آله علماء امتي كانبياء بني‌اسرائيل ، و اني لم‌ار هذا الخبر مسندا في كتاب نعم قد روي في فقه الرضا عليه السلام في باب حق النفوس روي انه اي العالم قال منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني‌اسرائيل ، و منهم من منع من ذلك و قال ان المؤمن و ان بلغ ما بلغ من الايمان فانه في مقام الرعية و الشعاع و لايبلغ حد الانبياء المنيرين و ظواهر الكتاب و السنة مع الاولين كقوله انا بشر مثلكم و رسول من انفسكم و رسولا منكم و رسولا منهم و امثال ذلك و كذلك اخبار الطين و اخبار عالم الذر و غير ذلك و هذا القول مشهور بين الناس حتي انه كأنه مجمع عليه لايوجد قائل بغيره و ذهب شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه الي عدم امكان وصول المؤمنين الي درجة الانبياء و عدم مشاركتهم في الطينة و له قراين من الاخبار و لمح من الآثار و صحيح الاعتبار و دقق النظر السيد الاستاد اجل الله شأنه فمنع وصول المؤمن الادني الي مقام المؤمن الاعلي فضلا عن وصول المؤمن الي مقام الانبياء و قد افردنا في السلسلة الطولية كتابا خاصا طويل الذيل فمن شاء تفصيل المقال فعليه بذلك الكتاب و لنذكر هنا علي ما يقتضيه الحال ،

اعلم ان الحدود الامكانية من حيث هي ليست الا هي و لايحتمل ان تكون غير هي فالبياض من حيث هو بياض لايكون سوادا و الطول من حيث هو طول [ص 35] لايكون عرضا و الكثافة من حيث هي كثافة لاتكون لطافة و هكذا و تلك القوابل لاتكون موجودة الا بوجود هي تعرض عليه فتقوم به لانها نهايات الوجود و اطرافه و اعراضه لاتظهر الا علي محل و جوهر و قد تبين في الحكمة ان الحدود الكثيفة هي نهايات وجود كثيف غليظ و الحدود اللطيفة هي نهايات وجود لطيف فالابعاد مثلا نهايات الجسم و المادة العقلانية مثلا لاتتناهي الي ابعاد من طول و عرض و عمق و كذا مادة الجسم لاتتناهي الي حدود المواد الملكوتية بالبداهة و لاتطيقها و انما ذلك لاجل ان الحدود كمالات ذي الحد و كانت فيه بالقوة فخرجت الي الفعلية و كمالات كل مادة تكون علي حسب المادة من كثافة و لطافة فكل قابلية من تلك القوابل التي هي لاتكون الا هي عارضة علي مادة مناسبة لها لازمة لرتبتها و درجتها من عرصة الايجاد لاتصعد عنها و لاتنزل عنها اذ لو صعدت لاتخلو اِمّا ان تصعد بما هي عليه من الكثافة الي درجة عليا او تنزل بما هي عليه من اللطافة الي درجة دنيا و ذلك غير ممكن لان تلك الكثافة لازمة تلك الدرجة و لايصير القريب من المبدء اكثف مما ينبغي و لا البعيد عنه الطف مما ينبغي و اما ان تصعد بعد خلع ما لها من الكثافة او تنزل بعد خلع ما لها من اللطافة فاذا ليست هي هي فانها ليست الا هي و هي علي ما هي عليه هي مادة تلك الحدود فلو خلعت عنها ماديتها لم‌تكن بمادة لها هذا و اني يصعد شئ او ينزل عن مقامه و ليس اعلاه و اسفله خلوا عن وجود خاص به شاغل له و لايصير شئ شيئا غيره و ما يري من ترقي الخلق فانما هو لصعودهم عن مراتبهم العرضية التي نزلوا اليها فيصعدون الي مقامهم الذي جبلوا فيه كما بدأكم تعودون و كل شئ يصعد [ص 36] الي حيث نزل منه و الا ففي الذوات كل شئ هو هو و لا صعود و لا نزول فاذا لايجوز ان يصير ناقص بالذات كاملا و دان عاليا و ولي ادني وليا اعلي و مؤمن نبيا و هكذا لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون ، فالمؤمن لايصير نبيا لان حدود المؤمن من حيث انه مؤمن حدود كثيفة بالنسبة الي حدود الانبياء البتة اذ هو المفروض و الوجود الذي عرضته تلك الحدود البتة اكثف من وجود الانبياء و الا لماعرضته تلك الحدود و لم‌تكن من نهاياته و لا من قواه و صلوحاته فالمؤمن وجوده و ماهيته كلاهما كثيفان دنيان بالنسبة الي وجود الانبياء و ماهيتهم فرتبة المؤمن من حيث انه مؤمن ادني من رتبة الانبياء من حيث انهم انبياء فالمؤمن اذا ترقي كيف يترقي هل هو باق علي كونه مؤمنا فهو مؤمن نبي او يستحيل نبيا فلايكون بعد مؤمنا فاذا استحال نبيا هل كان مبدء وجوده في علم الله نبيا و كان نزل الي رتبة المؤمنين بالعرض ثم خلع الاعراض فعاد علي ما بدئ فلم‌يصر مؤمن نبيا او لم‌يكن في علم الله نبيا ثم صار نبيا نعوذ بالله فاختر لنفسك ما يحلو و لاتخاطر بها فلايصعد الي النبوة من لم‌ينزل من النبوة و كل يعود الي ما بدئ منه فصح قول مشايخنا الفخام و لضالضنا العظام اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم و اعداد الانبياء محصورة في علم الله و الكتب السماوية و الاخبار النبوية و في ملك الله سبحانه فهم الذين بدءوا من مقام النبوة و نزلوا ثم صعدوا و لم‌يبدأ منه غيرهم من المؤمنين فلايصعدون اليه ابدا ابدا و لايمكن اليوم بلوغ احد مبلغ النبوة و عدم بعثته لوجود الخاتم فان من بلغ فقد صار نبيا كما ان من بلغ مقام النفس الناطقة فقد صار انسانا و لايحتاج الي ان يبعث فمن بلغ مبلغ [ص 37] النبوة فقد صار نبيا مبعوثا او غير مبعوث و قد قام الاجماع و دل الكتاب و السنة علي ان محمدا صلي الله عليه و آله خاتم الانبياء فلايبلغ احد بعده مبلغ النبوة و آل‌محمد صلي الله عليهم اجمعين نفسه و من روحه و من طينته و ليسوا بغيره قال كلنا محمد و قال انت مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي ، هذا من باب نظر السيد الاستاد اجل الله شأنه و اما وجه نظر الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه فهو ان المؤمن من حيث هو مؤمن شعاع النبي من حيث انه نبي و نوره فلو كان من نوع النبي و كان الاختلاف في الشخصية لكانوا انبياء كساير الانبياء و المفروض خلافه فاذ لم‌يكن من ذات ما منه النبي فليكن من نوره و شعاعه اذ لا واسطة و مراتب التشكيك من مادة نوعية واحدة و يصدق علي الكل اسم واحد و التفاوت في الشدة و الضعف و المؤمن لايصدق عليه النبي اذ المفروض خلافه فكل من يصدق عليه النبي فهو نبي و الكلام في من لايصدق عليه و يصدق عليه المؤمن و قد قام الاجماع علي مصاديق معينة محدودة فهم في عرض واحد و ما سويٰهم من نورهم لا من ذاتهم و اما الاتحاد في الجنس كالوجود و الحدوث و الامكان مثلا فلا مانع منه و لا شك في اشتراكهم و الاتحاد في الجنس لايصير سبب امكان وصول نوع الي نوع اعلي اذ الفصول ذاتيات و لا استحالة في الذاتيات و بها عدمها و الحادث بعد موجود آخر غيرها و انما الاستحالة تجوز في الانواع و الاجناس من حيث تقلبها في الشخصيات مع بقاء المادة اي النوع او الجنس علي حالها فيغير الالف و تزال صورتها و تعاد الي قوة المداد ثم تخرج قوة الباء الي الفعلية فتكون باء و انما ذلك لان المداد هنا مادة و صورة الالف شخصيتها فتخلع [ص 38] عنها اياها و تلبس غيرها و هي هي و اما صورة الالف فلاتصير صورة الباء ابدا فان صورة الالف ذاتيتها ان تكون صورة الف فان عادت الي الامكان و خلقت صورة باء فانها خلق جديد و لانمنع من الخلق و حينئذ ليست الالف صارت باء و اما المداد فليس ذاتيته ان يكون مقترنا بصورة الالف فيمكن فيه زوال هذا الاقتران فاذا زال و كتب باء فليس ان الالف صارت باء بل المداد كان الفا فصار باء و صورة الالف صورة الف ابدا و كذلك صورة فصلية لاتصير صورة اخري فصلية ابدا فانها ذاتيتها ان تكون هي هي فاذا ازيلت عن الجنس و صور باخري لم‌تصر تلك الصورة غيرها و انما حدث نوع آخر ابتداء و ليست الصورة الفصلية من ذاتيات الجنس بل كل شئ ذاتيته في نفسه ففصل المؤمن لايصير فصل النبي و لايخرج فصل المؤمن من عرصة الوجود بعد ما دخل في ملك الله و المؤمن مؤمن بمادته و صورته و المادة غير الجنس كما حقق في محله فالمؤمن لايستحيل الي النبي ابدا و ان كانا مشتركين في جنس الوجود و الحدوث و الامكان مثلا فاذ قد ظهر امتناع وصول المؤمن الي درجة الانبياء و ظهر عدم اشتراكهما في نوع النبوة و ظهر ان موادهما متفاوتة في اللطافة و الكثافة و ظهر علو الانبياء علي المؤمنين فالمؤمن ليس مادته من مادة الانبياء و لا صورته من صورتهم و هو ادني منهم درجة و هو معني كونهم من شعاعهم و نورهم اذ لم‌يصل فيض و مدد الي الابعد الا بواسطة الاقرب و ليس ادني من ذات شئ الا صفاته و افعاله و آثاره و ما خلق به فالمؤمن من شعاع النبي و نوره و هو اثره و شبحه و صفته قد احدثه الله سبحانه به و هذا غاية ما اردنا ايراده و ان اردت التفصيل فعليك بكتابنا المخصوص بالسلسلة الطولية [ص 39] ففيه كفاية لك و بلاغ و لعلنا نشير الي ذلك ايضا فيما يأتي من هذا الكتاب و يشير الي تأخر مراتب المؤمنين عن الانبياء ما رواه في العوالم عن جابر عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث طويل بعد ما ذكر ان اول شئ خلقه الله نور نبيك يا جابر الي ان قال ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق من كل قطرة روح نبي و رسول ثم تنفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسها ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين ، و معني الآيات التي مرت انهم سلام الله عليهم قد ظهروا في اللباس البشري و هم من حيث اللباس من المؤمنين و بشر مثلهم و اما الاخبار الناصة علي ان المؤمنين و الانبياء من طينة واحدة اِما يراد بها طينة الانبياء في مقام البشرية فانها حينئذ من نوع طينة المؤمنين بلا شك و اما يراد بها طينة الصفة فالمؤمنون من صفة طينة الانبياء و الانبياء في مقام الصفة مشاركون معهم في الطينة و اما قالوا كذلك تشريفا و تعظيما للمؤمنين و ترغيبا و هو الحق في مقامه و اما كون الفقيه في هذا الوقت كالانبياء في بني‌اسرائيل يعني في ايصال الشرايع و حفظ الكتاب و السنة و الهداية و امساك القلوب عن الزيغ و كونهم سبب الابقاء علي العباد و البلاد و في المقهورية في ايدي الاعداء و في الطرد و الشرد و السبي و المهانة و القتل و غير ذلك مما جري عليهم علي حسب اقتضاء هذا العالم بالجملة الحق ان الانبياء و المؤمنين ليسوا بمشاركين في المادة و النوع و مواد المؤمنين من نورهم و شعاعهم اذ مواد المؤمنين هي روح الايمان و هو يلقي الي الناس بالقائهم و من فضل صفاتهم و انوارهم و يحصل للناس بالتأسي بهم و الاقتداء باعمالهم و افعالهم [ص 40] و صفاتهم و عقايدهم فروح الايمان هو صفتهم و هدايتهم و تعليمهم يظهر في كل من قبل عنهم و طاوعهم و تأسي بهم و التأخر المذكور تشريعي كما حقق في محله .

المطلب الثالث - في جملة من صفات الانبياء التي يجب ان تكون فيهم و ما يتبع ذلك من البيان و في هذا المطلب ايضا فصول :

فصل - اعلم ان الصفات كمال الذات لانها فعليات القوي الكامنة في الذات و مرادي بفعليات القوة ليس انها كانت مستجنة في الذات فخرجت الي عرصة الظهور و انتقلت من الكمون الي البروز فليس بعد في الكمون شئ بل الفعلية تجل من الذات و هي ابدا علي ما كانت من القدرة و القوة علي التجلي و لاينقص التجلي من قوة الذات شيئا فان التجلي ليس ببعض الذات و لاينفصل عنها و انما هو نور منير به و قدرة قدير بها ظهور الذات المهيمنة به بلا اقتران و لا انفصال و لا تجز و لا تبعض و هي هي الذات وجودا و اثباتا و عيانا و صفة و تعبيرا و كمالا و ليست هي هي كلا و لا جمعا و لا احاطة فهي ذات ظاهرة و تلك الذات الخفية و لولا هذه الظاهرة لكانت الخفية ناقصة اذ النقصان عدم الكمال بل لولا هذه الظاهرة لكانت الخفية معدومة اذ الموجود هو الممثل بالكمال و الكون و الوجود صفتان للكاين الموجود و ما ليس له كون و صفة معدوم بالجملة الصفات كمال الذات و تكون علي حسب قدرة الذات و قوتها و كمالها الذاتي و صفة كل ذي صفة كاشفة عن كماله دالة عليه اذ هي كماله و فعليته و تمام الفخر و الكمال لكل فاخر و كامل في الفعليات و الا فكل شئ فيه [ص 41] معني كل شئ فيعتبر لكمال الاشياء بصفاتها و فعلياتها و هي مناط الحسن و القبح و الزيادة و النقصان و غير ذلك حتي الوجود و العدم و الا فالذوات كلها من الامكان و هو كل جزء منه صالح لكل شئ و من ذلك يعلم ان تمام الانكار في رد فضائل الابرار و الا فذواتهم غير منكورة و عند المخالف ايضا معروفة مشهورة فكل كامل كامل بصفاته و كل ناقص ناقص بصفاته و الصفات هي المعبرة عن الكمال و النقصان للذوات و الاثر الصادر من فعل مؤثره له مقامان مقام الذات و مقام الصفات كما عرفت فذاته متعلقة المشية الامكانية و بها تخلق و صفاتها متعلقة المشية الكونية و بها تخلق لان كونه كما عرفت في صفاته و الذات مقام الاطلاق اللهم الا ان يراد بالذات الذات الشخصية فهي حينئذ تلك الصفات من حيث الاعلي و هي حينئذ من مراتب الشخصية و مخلوقة بالمشية الكونية فالكون اي الصفة مخلوق بالمشية الكونية مادته من مادتها و صورته من صورتها لانه هو المخلوق بنفسه عند العالي و هو مشية من حيث الاضمحلال و مشاء من حيث الاستقلال كما حقق في محله فاذا هو مادته مخلوقة بمادة المشية المتعلقة به و صورته مخلوقة بصورة المشية فهو بمادته و صورته محبوب لله سبحانه مخلوق بمحبته الكونية و لا كلام في ذلك و لا فخر و انما الفخر و كل الفخر في متابعة الشئ للمشية الشرعية فان الشئ له وجودان وجود كوني و هو ما عرفت و وجود شرعي و الوجود الشرعي مقدم علي الكوني وجودا و مؤخر عنه ظهورا فيظهر في الظهور علي الكون علي نهج الصفة فنعبر عن الوجود الشرعي بالخلق الاول تارة و بالخلق الثاني اخري و هنا نعبر عنه بالخلق الثاني فالخلق الثاني له مادة و صورة مادته من [ص 42] نور العالي الكامل و صورته من صفة قبول الخلق الاول فالمادة كضوء النار و الخلق الاول كالدخان و الصورة كصفة الدخان المتصفة بها تلك المادة المنصبغة بها فذلك الضوء و تلك الصفة هما الوجود الشرعي العارض علي الدخان المتكمل بكمال النار فالعالي آية الرب جل شأنه و القائم مقامه في الاداء في عرصات التشريع و ذلك الضوء اثره و نوره الصادر منه بنفسه فالخلق الثاني هو المشية الشرعية و المشاء الشرعي قد خلق بنفسه فمادته من مادة المشية التشريعية و صورته من صورتها فهذه هي المشية المحبوبة المرضية لله سبحانه في التشريع كما ان المشية الاولي هي المشية المحبوبة المرضية في التكوين الا ان ذلك لاجل التطبيق و التبصير و الا فلايقال في الاولي حب و بغض و حسن و قبح و سعادة و شقاوة فانها محض كون و ايجاد و هو للخلق الثاني بمنزلة الامكان و الصلوح و القوة و ليس فيه شئ من ذلك حتي يخرج الي الفعلية و خروجه هو في الوجود الشرعي فالخلق الثاني ما لم‌يتغير و لم‌يتبدل و لم‌يخالف العالي القائم مقام الله سبحانه يكون علي حسب محبة الله سبحانه و يكون صورته صورة محبة الله و الاقتداء بها اقتداء بمحبة الله سبحانه و الاتصاف بمثلها اتصافا بمحبة الله فيكون الشخص به محبوبا لله سبحانه و لذا قال ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و اولئك الذين هدي الله فبهُديٰهم اقتده و لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة الي غير ذلك و من خالف ذلك القائم مقام الله و اتبع اعداء الله يحصل عليه الخلق الثاني الوصفي و مادته من مادة فعل اعداء الله و صورته من صورة فعلهم اذ هما فعلهم كما مرّ و هذا الفعل هو المبغوض لله سبحانه فيكون مادة الشخص الشرعي من مادة بغض الله سبحانه [ص 43] و صورته من صورة بغض الله سبحانه فيصير في غضب الله سبحانه و من اتبعه و اقتدي باعماله و صفاته يكون مبغوضا مصورا ببغض الله سبحانه و هما في كلتي هاتين الحالين كائنان مشاءان بالمشية الكونية و هذا معني ما يقال يشاء الله و لايحب و لايشاء و يحب بالجملة ان النبي هو من كان مصورا بصورة الله و متصفا بصفات الله المحبوبة و بذلك يكون نبيا و كاملا مفترض الطاعة فمن تنبأ و لم‌يكن متصفا بصفات الله المحبوبة مصورا بصورته علي طبق ما يروي خلق الله آدم علي صورته ، اي علي صفاته و ظهوراته و طبق وجهه علم انه ضل و غوي و كذب علي الله و افتري فان من لم‌يكن محبوبا لله سبحانه يكون مبغوضا له محبوبا لاعدائه و كذلك الرجل لايكون نبيا و لايرسله الله سبحانه و انما هو رسول الشيطان و صفات الله سبحانه معروفة لاتنكر و ان الله سبحانه جبل الخلق علي نهج لو عرض عليه الحق و الباطل عرفهما فانهم كونا علي طبق المشية الكونية المعتدلة الحاكمة بالحق و القسط الواقفة علي السواء فكل من عرض عليه الكذب و الصدق و لم‌يجر عرف ان الصدق هو الحسَن و الكذب هو القبيح و حكم به و كذلك ساير الخصال و لذلك اطلق الله القول و قال ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و قال اعدلوا هو اقرب للتقوي و قال و احسنوا و قال و اعملوا صالحا الي غير ذلك فان كل احد يعرف الحُسن من القبح و العدل من الجور نعم قد يخفي بعض الوجوه الدقيقة علي بعض دون بعض و يوضحه الادلة القويمة و العرض علي الطبايع المستقيمة ثم يبقي بعض خصال يختلف في تصاريف الايام فانه نسبي و لايوضحه الا حكمة الهية بتوقيف رباني فالنبي هو الموصوف [ص 44] بصفات الله سبحانه المحبوبة يعرف كل احد انه علي نهج محبة الله سبحانه و ان ظهر منه خصلة لايعرف وجهها الجاهل لايخفي علي العالم و علي اهل الطبايع المستقيمة و ان بقي وجه خفي يكشف عنه السؤال و استيضاحه الحال و الغرض من هذا الفصل ان المحبوب محبوب بصفاته و المبغوض مبغوض بصفاته و المبغوض لايكون مرسلا و نبيا و لا بد و ان يكون محبوبا لله سبحانه متصفا بمحاب الله سبحانه حتي يليق بذلك المقام و لعمري من عرف هذا التحقيق الانيق لحري ان لايقول كاَهل الاماني اني اعمل السوء و الله يحبني و يغفر لي و هو كريم فان محبته لك و مغفرته و كرمه هو عملك الحسن فان عملت فانت محبوب مغفور مكرم و الا فما تقول من تسويلات النفس الامارة و الشيطان و اعوذ بالله من الخسران سيجزيهم وصفهم و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و ليس للانسان الا ما سعي اللهم اني استعينك علي ما به ترضٰي عني و تحبني و اعوذ بك مما به تسخط علي و تبغضني فاستجب لي انك سميع الدعاء و الدعاء هو الاجابة الا انه منك الي الله دعاء و منه اليك استجابة فافهم .

فصل - اعلم انه لا بد للنبي بل لكل كامل من نوعين من الصفات صفات من حيث القابلية و صفات من حيث المقبول و لنقدم الآن صفاته من حيث القابلية فانها مقدمة من حيث و يجب تقديم مراعاتها في الاختبار و الاعتبار و هي كثيرة : منها ان يكون طيب المولد معروف النسب و ذلك لاجل ان النطفة الخبيثة تقع من دواعي النفس الامارة بالسوء علي خلاف محبة الله سبحانه و الذي يهيجها في جسد الاب النفس الامارة بالسوء و الاخلاط اجساد ارواحها من شعلات النفس و اشعتها و هي الحافظة لها عن الفساد المجرية اياها [ص 45] مجاريها فاذا كانت النفس الامارة بالسوء كانت الاخلاط حية باشعتها جارية بها في مشتهياتها مطاوعة لها بها فتكون اجسادا خبيثة ارواحها خبيثة فاذا وقعت في الرحم و تربت و تكملت شيئا بعد شئ تقوت تلك الروح الخبيثة فيها حتي صارت حية بالفعل بالحيوة الحيوانية رجسة نجسة طفسة قذرة متوجهة الي سجين فتركبها النفس الامارة بالسوء و تستعملها في حوائجها علي خلاف محبة الله سبحانه التي هي عين النفس القدسية فيتعلق بها الجهل الذي هي من مظاهره فيجري المولود بذلك علي خلاف مرضات الله ابدا و ان آمن احيانا لايتقدس و لايصعد الي السموات و الجنان و انما يدخل في ادني مراتب الحظاير التي هي بين السماء و الارض و هو من شعاع الجنة الدنيا و مثل ذلك لايليق بان يصير مظهر صفات الله سبحانه الكاملة الحسني المحبوبة لله و لايليق بان يصير مكمل النفوس الطيبة التي خلقت من طينة السماوات ، أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي ، فالخبيث المولد لايدخل عرصة المؤمنين فضلا عن الانبياء و المرسلين ، منها ان يكون سليم الاعضاء عن الزيادة و النقصان فان زيادة الاعضاء و نقصانها دليل كون الجسد و النفس مسخوطين معاقبين حتي ورد ان الزايد و الناقص بالخلقة ناصبان للحق و سر ذلك ان الهيئة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي انموذج صور العالمين و هي الجسر الممدود بين الجنة و النار و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي مخلوقة علي صورته فهي ان كانت علي الوضع الالهي تجذب روحا كاملة بالغة علي حسب محبة الله سبحانه و رضاه و تكون قابلة لتعلق اسماء الله سبحانه الثمانية و العشرين التي بها عمرت [ص 46] العوالم بحذافيرها فاذا زادت او نقصت خرجت عن الوضع الالهي الذي به كانت تتوجه الي عليين فتتوجه الي سجين ذلك بان الله لم‌يك مغيرا نعمة انعمها علي قوم حتي يغيروا ما بانفسهم و لايكون ذلك كذلك الا ان يكون الداعي لسقوط النطفة النفس الامارة فلآمرنهم فليغيرن خلق الله قال سبحانه لا تبديل لخلق الله اي لاتبدلوا باطاعة الشيطان فبعين الادلة السابقة لاينجب الزايد و الناقص و يكون معيوب الجسد معيوب الروح كما روي كلما كان في اصل الخلقة فزاد او نقص فهو عيب ، و مثله الحلكوك و الاقرع و الكوسج و الاعور باليمين للولادة و الغربيب و المفصص بالخضرة و الابرص و المجذوم فقد روي ذم هؤلاء كلهم و روي فيما سوي الكوسج من هؤلاء انهم لايحبون آل‌محمد عليهم السلام و هم اعداؤهم حقا لهم نار جهنم و لهم عذاب الحريق و روي في الكوسج انك لاتجد في اربعين كوسجا رجلا صالحا ، و علة كل ذلك تعرف مما بينا من البيان فلايجوز تلك الصفات في النفوس الكاملة و كلها عيوب يحرم بها صاحبها عن نيل السعادات فكيف بان تكون في الانبياء و المرسلين و هذه الامور في ظاهر الاعضاء و اما في باطنها فلايجوز ان يكون منحرف المزاج عن الاعتدال بحيث يوقعه في الامراض المذمومة كالصرع و الماليخوليا و المانيا و الامراض المنفرة للطباع و التي لها ارواح خبيثة حيوانية لها حركات غير منتظمة و اقوال غير متوافقة فانها كلها منافية للتوجه الي المبدأ و الاستمداد من عليين و الايصال الي الخلق و ما يحكيه العامة من امراض ايوب و تولد الديدان في جسده و عفونته فذلك بهتان و افتراء كما روي عن اهل العصمة و الطهارة عليهم السلام و الله سبحانه اجل من ان يبعث [ص 47] رسولا الي عباده للايصال و يأمر العباد بالاقتراب منه و الاخذ عنه ثم يبتليه بما يتنفر منه الطباع و يشنع عليه العدو حاشا ثم حاشا و كذلك يجب براءته من امراض منافية لفهم الوحي و حفظه و الايصال كما استحفظ كالنسيان و السهو و البلادة و الحماقة و البلاهة و امثالها فانها منافية للغرض من وضعه و اما ساير الامراض الطارية التي لاتنافي التبليغ و الاداء و الفهم و الحفظ فذلك حظهم في الدنيا و هم اشد الناس بلاءً و يعرضهم الآفات كثيرا و لا نقص فيه و بذلك يعرف اضمحلالهم في جنب الله سبحانه و مقهوريتهم لامره و حكمه و كونهم عبيدا غير ارباب فلايستفزنكم الشيطان برؤيتكم امثال ذلك في الاولياء الكاملين فيوسوس لكم انه لو كان لهم مقام عند الله سبحانه لماكان يطرأهم هذه الامراض او لماكان تطول بهم او لو كانوا مستجابي الدعوة لكان يستجاب دعاؤهم و يبرؤن من امراضهم فانهم مسلمون لامر الله راضون بقضائه و لايفعل الله بهم الا الاصلح و لايقضي لهم الا ما هو خير لهم .

فصل - و اما الصفات التي هي من حيث المقبول فهي علي قسمين قسم هو من حيث المقبول بالنسبة الي الرعية و هو بالنسبة اليهم من حيث القابلية ايضا و قسم هو من حيث المقبول بالنسبة اليهم و لنذكر في هذا الفصل ما هو بالنسبة اليهم من حيث القابلية و بالنسبة الي الخلق من حيث المقبول و ذلك ان القابلية في الاشياء تختلف بحسب مراتبها ففي النبات حيث القابلية هو حيث الجمادية الذي هو المبدأ فما لم‌يعتدل جماديته و ترق و تحكِ ما وراءها و تثبته بنفي نفسها لم‌تظهر النفس النباتية عليها و لم‌تبرز عنها افعالها و اما حيث المقبول فهو المنتهي و الغاية منه و فيه و اما الحيوان فحيث القابلية [ص 48] فيه اثنان الجمادية و النباتية فما لم‌تعتدلا و ترقا و تنفيا انفسهما لم‌تثبتا روح الحيوانية و لم‌يظهر عليهما و لم‌يبرز عنهما افعاله و اما الانسان فهو فيه الثلثة المذكورة فما لم‌تعتدل و ترق و تنفِ نفسها لم‌يظهر عليها النفس الناطقة و لم‌تبرز افعالها عنها فهي المقبولة و اما في الانبياء فهي من اركان القابلية فهي فيهم اربعة ما لم‌تعتدل بالاعتدال الكلي لم‌يظهر عليها روح النبوة و هو وجه من وجوه الروح الكلية الالهية و هو الروح من امر الله المشار اليه في قوله تعالي و نفخت فيه من روحي و قوله اولئك الذين كتب في قلوبهم الايمان و ايّدهم بروح منه و يسمي بروح القدس لان وجوه روح القدس كلها تسمي باسمه و هو ما رواه في الكافي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل قال في السابقين انهم انبياء مرسلون و غير مرسلين جعل الله فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و غير مرسلين و بها علموا الاشياء و بروح الايمان عبدوا الله و لم‌يشركوا به شيئا و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم و بروح الشهوة اصابوا لذيذ الطعام و نكحوا الحلال من شباب النساء و بروح البدن دبوا و درجوا الي ان ذكر اصحاب الميمنة و هم المؤمنون حقا باعيانهم جعل الله فيهم اربعة ارواح روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن الي ان ذكر الجاحدين و ذكر ان فيهم ثلثة ارواح روح القوة و روح الشهوة و روح البدن الخبر ، فروح البدن هي الحرارة الغريزية التي في البدن و بها قوامه و بقاؤه و بها يدب الانسان و يدرج و انما صارت الحرارة الغريزية دابة دارجة بفضل روح الحيوان الملقية عليها مثالها و روح الشهوة هي النفس النباتية [ص 49] الجاذبة الدافعة الهاضمة الماسكة المربية و خاصيتها الزيادة و النقصان و روح القوة هي روح الحيوان التي منها غضبه و رضاه و تدرك المحسوسات الظاهرة و روح الايمان هي النفس الناطقة القدسية التي تؤمن بالله و لاتكفر ابدا و هي روح الانسان و ليست في الكافر فانهم ان هم الا كالانعام و اما روح القدس فهي روح النبوة التي هي المعصومة المطهرة و هي المقبولة فيهم و الارواح الاربعة الاول هي القابلة فيهم فروح الايمان اي النفس الناطقة مقبولة في المؤمنين و قابلة فيهم و لهم من حيث روح الايمان اي الانسانية ايضا خصال و صفات يعرفون بها ليست في غيرهم فان القوابل ما لم‌تستكمل لم‌تستحق الامداد من الله سبحانه بروح اعلي و اقرب الي المبدء فوجب ان تكون انسانيتهم اكمل من انسانية ساير الرعية و صفاتها اكمل و اتم من جميع صفات الاناسي فيكونون كاملين في العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و النزاهة و الحكمة و يعتدل بروح انسانيتهم الروح الحيوانية و يعتدل صفاتها التي تدور علي قطبي الشهوة و الغضب فلايكون شئ منها في حد الافراط و التفريط فتكون شجاعةً كاملةً لا متهورةً و لا جبانة و تكون سخيةً جوادةً لا مسرفة مبذرةً و لا قتوراً بخيلة و تكون عزيزةً كريمةً لا متكبرةً و لا دنيةً لئيمةً و هكذا بمقتضي عليك بالحسنة بين السيئتين تكون في جميع الصفات ناشئة القطب لا شرقية مفْرطة و لا غربية مفرّطة و كذا يعتدل بها روح نباتيتهم فلاتشتهي ما يخالف محبة الله بالطبع بل ما يوافق في جميع الاحوال و كذا جماديتهم فاذا كملت اركان قابليتهم كذلك استعدت للاصطفاء و الاجتباء و صلحت لتعلق روح النبوة بها و ركوبها عليها فانها مطاوعة ذلول لها تقدر ان تظهر عنها افعالها [ص 50] و تبلغ عليها رسالاتها و تحمل اثقالها الي بلد لاتكون بالغته الا بشق الانفس و حاصل الفصل ان روح الانبياء سلام الله عليهم معتدلة في الصفات كاملة و هم فيها اكمل من جميع الرعية قاطبة فان جميعهم منحرفة عن حد الاستواء و لذلك لم‌تحك الروح العليا و لايحكي احد الاعلي الا و يكون واقفا علي القطب متوسطا في محل القلب فالانبياء اقطاب دائرة الاناسي و قلوبهم و جهتهم الي بارئهم و محل نظر الرب منهم و حبل الله الممدود بينه و بينهم و ظاهره و معانيه لهم و كعبته و وجهته فيهم و لسان دعوتهم اليه و لسان دعوته اليهم و ترجمان الطرفين و السفير بينهما و البرزخ و السُلّم و الدرجات و امثال ذلك و ان قلت ان الانبياء و المرسلين كانوا متعددين في الاعصار و كذا ساير الحجج و كيف يجوز ان يكون لدائرة اقطاب قلت اما اولا فانهم متعددون في الظهور متحدون في النور و اشهد ان ارواحهم و نورهم و طينتهم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم ، و اما ثانيا فآية ذلك التي ارانا الله سبحانه اياها القلوب المتعددة الحاكية للروح الحيوانية في الابدان النباتية الجمادية فان كل قلب قطب في دائرة الجمادات و النباتات معتدل يحكي الروح الاعلي و مع ذلك في كل بدن قطب و قلب و في العصر الواحد قلوب و اقطاب و هو مثل للانبياء سلام الله عليهم فانهم قلوب الاناسي و قد اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فشاركت بها السبع الشداد و كما ان كل حصة من الجماد فيها قوة الاعتدال فاذا اعتدلت ظهر عليها روح النبات و كل حصة من النبات فيها قوة الاعتدال فاذا اعتدلت صلحت لظهور [ص 51] الروح الحيوانية عليها كذلك الحصص الانسانية كل حصة منها صالحة للاعتدال فاذا اعتدلت ظهر عليها روح النبوة و اذا اعتدلت كانت قلبا لغير المعتدلين كساير القلوب و تعدد القطب لايجوز اذا كان قطب كل الملك و كان الملك له دائرة واحدة تدور حوله و اما اذا كان القطب جزئيا فلا امتناع من تعدده كتعدد قلوب الاناسي و عند التحقيق لايكون كل قلب من القلوب الجزئية معتدلا حقيقيا من كل جهة كما و كيفا و جهة و رتبة و وقتا و مكانا و وضعا و اجلا و غير ذلك من الجهات و الحدود فهم اقطاب معتدلة نسبية و يجوز تعددها و الواحد الفرد الذي تريده هو قطب الانبياء و خاتم الاصفياء و فاتح الاولياء فذلك هو الفرد البريء عن التشاكل و التماثل بساير اهل الدائرة و مع ذلك الغالب عليهم اي الانبياء عليهم السلام الوحدة بالجملة يجب ان يكون انسانية الانبياء عليهم السلام اكمل من جميع الرعية و اعدل و ان كانوا يتفاوتون فيما بينهم و يكون بعضهم اكمل من بعض و اي شئ ادل علي ان انسانيتهم اكمل من ساير الرعية من انه قد تعلق روح النبوة و لم‌يتعلق بساير الرعية كما انه لا شئ ادل من كون نباتية الحيوان اكمل من ساير النباتات من ان الروح الحيواني تعلق بالحيوان دون ساير النباتات فلو كان نباتية النباتات بصفاء نباتية الحيوان لحكت الروح الحيواني كما حكته نباتية الحيوان و كذلك لو كان انسانية ساير الاناسي بصفاء انسانية الانبياء لحكت روح النبوة كما حكته انسانية الانبياء فتدبر و انصف فما روي ان منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني‌اسرائيل فهو تشبيه في حفظ شريعة خاتم النبيين صلوات الله عليه و آله و ايصالها الي الخلق كما ان انبياء بني‌اسرائيل سلام الله عليهم [ص 52] كانوا حفظة شريعة موسي عليه السلام و موصليها الي الخلق كما قال الله سبحانه انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا و الربانيون و الاحبار بما استحفظوا من كتاب الله و كانوا عليه شهداء الآية ، و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ ان شاء الله .

فصل - و اما الصفات التي في الانبياء سلام الله عليهم من حيث المقبول فيهم اي تخص بروح النبوة فهي امور عديدة يجمعها قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفات النفس الكلية الالهية ان لها خمس قوي و خاصيتين اما القوٰي فهي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عز في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و اما الخاصيتان فالرضا و التسليم و لنشرن الي بعض تفاصيل هذه القوٰي اعلم ان المراد بالقوٰي افعال كلية صادرة عن كامل في معناه قد تعددت بحسب المتعلقات الكلية و هي من حيث الصدور من ذلك الكامل واحد فاذا فعله المطلق المتعلق بمحل مطلق بالنسبة الي ما دونه مقيد بالنسبة الي ما فوقه سمي قوة بالنسبة الي ما دونه لانه يصلح ان يتعين بجزئيات شخصية و يصير في بطنها فعلا شخصيا و انما مثل ذلك الادراك المطلق الصادر عن النفس قد تعلق بالعين فصار قوة باصرة يمكن ان تدرك بها جميع الاضواء و الالوان فاذا تعلقت بلون خاص ادركته فصارت ادراكا لذلك اللون بالفعل و كان في البصر بالقوة فالادراك المطلق قوة القوٰي و هو كالجنس من النوع و الباصرة قوة ابصار الالوان فهي كالنوع من الشخص فالنفس لكمالها لها قوي فان كانت نباتية فقويٰها الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و المربية و ان كانت حيوانية فقويٰها الباصرة و السامعة و الشامة و الذايقة و اللامسة و ان كانت ناطقة فقويٰها العلم و الحلم [ص 53] و الذكر و الفكر و النباهة و هي امور مطلقة لا تعين لها بشئ من الجزئيات الا في بطون متعلقاتها فهي قوة الافعال الجزئية فاذا تعلقت بالجزئيات تعينت و صارت جزئية و كذلك للنفس الكلية الالهية ظهور كلي و هو قوة القوي النوعية و ذلك الظهور هو الشبح المنفصل من الشبح المتصل بها المطابق لصورة مشية الله سبحانه المتعلقة بها المحبوبة له سبحانه فان مشيته سبحانه متهيأة علي هيئة محبته و اثرها مادته صفة مادتها و صورته صفة صورتها فصورة النفس علي حسب محبة الله سبحانه و رضاه لايخالف حد منها حدا لها قال الله سبحانه تعليما لنبيه صلي الله عليه و آله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و الشبح المنفصل منها الذي هو ظهورها الكلي ايضا علي حسب محبة الله سبحانه و هو اطلاق جميع شؤن المحبة و يتنوع في تلك القوي الخمس بحسب متعلقاته الكلية و هي البقاء و النعيم و العز و الفقر و الصبر علي نهج الكلية فمن كان فيه النفس الكلية الالهية حاصلة بالفعل لا بد و ان يكون له هذه القوٰي موجودة كما اذا حصل لمركب روح الحيوان لا بد و ان يكون له البصر و السمع و الشم و الذوق و اللمس موجودة ان لم‌يكن به علة فالبقاء لها قوة نوعية كلية لها متعلقات جزئية في الدنيا علي حسب مقتضاها في صاحب النفس من ثبات نوره بحيث لايستهلكه ظلمة باطل و قيام حجته بحيث لايدحضها مبطل و احقاق حقه بان يقرره الله سبحانه و يسدده و يصدقه و لايخرم امره و لايقبض عنه امداده و يجري علي يديه ما يوافق تحديه و علي لسانه ما يثبت به ادعاؤه فهو باق في نوره و حجته و حقيته بابقاء الله سبحانه لايفني ابدا اذ هو وجه الله الذي قال الله سبحانه فيه كل من عليها فان و يبقي وجه ربك [ص 54] ذو الجلال و الاكرام فهو باقٍ بابقاء الله سبحانه في فنائه في جنب الله سبحانه علي حذو قول الشاعر ، فكأنما خمر و لا قدح ، فلما افني حيث نفسه اظهر ربه القديم الباقي و هو عند الله سبحانه لانه لايضاف الا اليه و قال الله سبحانه و ما عند الله خير و ابقي و قال ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و هذا البقاء هو الذي يعرف منه في الدنيا و يمتحن به فكل فاني الامر غير آتٍ من عند الله و ليس له نفس اِلٰهية باقية و هو من النوافد التي عند الخلق البتة و اما البقاء الذي له في البرزخ بين النفختين و في القيمة فهو خارج عن محل البحث و ظاهر لمن نظر ان شاء الله و النعيم لها اي للنفس الكلية قوة اخري كلية و لها ايضا متعلقات جزئية في الدنيا علي حسب مقتضاها فصاحب النفس الكلية لايتعب و لايملّ و لايكسل من طاعة ربه و ذكره و امتثال اوامره و اجتناب نواهيه و ليس اعماله من تكلف كما يقال انه ليس في الجنة تكليف و انما ذلك لاجل كونهم في النعيم و لا شقاء لهم اي لا تعب كما نزل علي النبي صلي الله عليه و آله طٰهٰ ماانزلنا عليك القرآن لتشقي فالنبي دائما في النعيم يلتذ من طاعة ربه كما يلتذ النفس النامية من قويٰها و الحيوانية و الناطقة من قويٰهما كما قال الحسين عليه السلام في الدعاء غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني و قال السجاد في مناجاته يا نعيمي و جنتي و يا دنياي و آخرتي و في القدسي يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فانكم تتنعمون بها في الآخرة و عن النبي صلي الله عليه و آله افضل الناس من عشق العبادة فعانقها و احبها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو لايبالي علي ما اصبح من الدنيا علي عسر ام علي يسر بالجملة صاحب النفس الكلية ابدا في نعيم و دعة و خفض بعبادة ربه [ص 55] مسرور به و ان كان في شقاء و شدة و عسر من دنياه او تعب و عطب و محنة من طاعة ربه و شدة انقطاعه و تفرغه للعبادة و رياضة نفسه و جشوبة الملبس و خشونة المطعم فهو دائم التلذذ مسرور بالعبادة غير سئم و لا مالّ و لا كسل ابدا و العز لها قوة اخري اذ لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و ان كان في ذل بحسب اسباب الدنيا فهو عزيز القدرة عزيز الحجة غالب علي كل من يجادله او يغالبه او يقابله لايقهر و لايغلب اذ كل عزيز غالب الله مغلوب ، فعلامة النبي المتصل بالله العزيز جل شأنه ان لايغلب عليه عدو الله و لا الشيطان فلايستولي عليه عدو انسي بان يستفزه او يغره او يدحض حجته او يبطل امره او يخدعه او يشبه عليه امرا و لا شيطان جني بان يحمله علي خطيئة او يصيبه بغضاضة في دينه بسهو او نسيان او خطاء او عمد او غير ذلك فان العز في طاعة الله و الذل في معصية الله كما روي عن الصادق عليه السلام مانقل الله عز و جل عبدا من ذل المعاصي الي عز التقوي الا اغناه من غير مال و اعزه من غير عشيرة و آنسه من غير بشر و النبي معصوم عن جميع الخطيئات و الدناءات و المكاره و النقائص فهو عزيز غالب علي جميع الرعية و ان كان ذليلا في الدنيا او عند نفسه علي معني قول السجاد عليه السلام لاترفعني عند الناس درجة الا و حططتني عند نفسي مثلها ، و هو عزيز في تذلله عند ربه و تبصبصه لديه و خضوعه و خشوعه و تسليمه في ارتكابه جميع ما امر به و ان كان في الظاهر فيه ذلة و مهانة عند الناس كما روي في زيارة الحسين عليه السلام لا ذليل و الله معزك و لا مغلوب و الله ناصرك و الفقر لها قوة اخري و لها جزئيات بحسب المتعلقات فهو فقير الي الله سبحانه و ان كان غنيا في دنياه و بالله سبحانه لايري لنفسه استقلالا و لايري فيه [ص 56] و لايسمع منه دعوي استقلال في شئ من اقواله و اعماله و احواله و لايستند في شئ من ذلك الي نفسه و هو حاكٍ جميع ذلك عن ربه لايطغي بما يري في نفسه من القوة و القدرة و الورع و التقوي و المال و العز و السلطنة و الرياسة العامة و يظهر منه آثار الفقر و الفاقة الي ربه في جميع ذلك و هو دائم المسئلة الي الله سبحانه يفتخر به كما روي الفقر فخري و به افتخر ، مستشعر في جميع الحالات لقوله سبحانه يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني و قد استغني بشدة فقره و سؤاله الي الله سبحانه امداده و فيوضه عن كل ما سوي الله سبحانه لايحتاج معه الي غيره و لايتكل الي سواه و لايستعين بغيره ابدا فذلك احدي علامات هذه النفس لاتوجد في احد الا و قد حدثت فيه و الصبر لها قوة اخري كلية و لها شؤن متعلقة بانواع المصائب و المحن فيكون كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف ، في الهزاهز وقور و في البلايا صبور مع انه قد روي عن الصادق عليه السلام ان في كتاب علي عليه السلام ان اشد الناس بلاء النبيون ثم الوصيون ثم الامثل فالامثل و انما يبتلي المؤمن علي قدر اعماله الحسنة الخبر ، فهم مع ذلك صابرون مع الرضا بقضاء الله و قدره و سرور بما اجري الله عليهم من المصائب و المحن عالمون بانها هدية الله اليهم و حمية لهم عن لذات الدنيا و محنة و ابتلاء حتي يبلغوا بالصبر عليها درجات الصابرين و يوجروا بغير حساب كما قال الله سبحانه انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب و قال و بشّر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة و اولئك هم المهتدون فلايري عليهم جزع و شكوي ابدا مع شدّة ابتلاهم باذي قومهم و في ابدانهم و اموالهم [ص 57] و اهليهم و يرون في جميع الاحوال حامدين شاكرين مسرورين صابرين صبرا جميلا بلا شكوي لاينطقون بما يوهم عدم الرضا بالقضاء و لايصبرون مع ذلك صبر من لايجد حيلة بل مع شدة قدرتهم و استيلائهم بالله علي دفع البليات عن انفسهم يسلمون لامر الله سبحانه و رضاه و يتلقون البلايا كتلقي الرجل محبوبه و هدية محبوبه و ذلك امر عظيم و شأن جليل لهم لايقدر عليه دائما غيرهم صلوات الله عليهم و الصبر هو رأس الجميع و الجامع لطبايع جميع القوي كما ان المربية حاصلة جميع القوي النباتية و المركبة من طبايعها و اللامسة مركبة من طبايع ساير القوٰي و ظاهرة في جميعها و النباهة حاصلة جميع القوي الانسانية و سارية في جميعها و لذلك روي عن الصادق عليه السلام الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان انتهي ، و ذلك ان الصبر له مراتب اوليٰها الصبر علي البقاء في الفناء تحت ظهور نور المحبوب و حصر النظر اليه دائما و ثانيتها الصبر علي طاعة الله بادامتها و عدم حبطها بما ينافيها و الثبات عليها في السراء و الضراء و الشدة و الرخاء و ثالثتها الصبر علي التذلل و التبصبص و عدم الطغيان بما يري في نفسه من العزة و الغلبة و الاستيلاء و رابعتها الصبر علي الغني عن الخلق و الفقر الي الله سبحانه و الفقر في الدنيا و الاعراض عمّا سواه سبحانه و وجدان الفاقة منه الي امداده سبحانه و فيضه في كل حال و خامستها الصبر علي البلايا و المحن الطارية في نفسه و ماله و اهله و علي ما ابتلاه الله سبحانه به من اوامره و نواهيه بالجملة الصبر مقام جامع نافذ في جميع القوي و حاصله كون العبد عند ربه كالميت بين يدي الغسال يتقلب كيف يقلّبه [ص 58] و يبقي علي الحال التي قضي عليه مسلما حتي يقلّبه الي حالة اخري و لايكون له ارادة و لا مشية مع ارادته و مشيته و لايستنكف و لايستكبر عما قضي عليه و لايكون في طبعه ما ينافي قضاء ربه و مشيته و محبته و ذلك ان الجزع من منافاة الطبع مع ما يرد عليه و النبي طبعه ملايم لمشية الله سبحانه مشتاق لما يشاء له فهو يقول كما قال الشيخ الاوحد شعرا :