الفطرة السليمة المجلد الثاني
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي سيدنا محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذا هو المجلد الثاني من كتاب الفطرة السليمة في المعارف الدينية في النبوة ففيه باب آخر من اربعة ابواب الكتاب و خاتمة و ارجو الله سبحانه ان يوفقني لاتمام هذا المجلد ايضا كما وفقني لاتمام مجلده الاول و ان يجعله خالصا لوجهه الكريم انه رؤف رحيم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين .
في النبوة و في هذا الباب مقصدان :
في اثبات مطلق النبوة و الحاجة الي نبي في كل زمان و معني النبي و الرسول و الفرق بينهما و بيان صفات النبي التي يجب ان يكون عليها و ما يتبع ذلك من البيان ففيه ثلثة مطالب :
المطلب الاول - في اثبات لزوم وجود نبي في كل عصر و عدم انتظام الخلق بدون وجوده و فيه فصول :
فصل - في الاستدلال بالحكم الظاهرة المنبئة عن الحكم الباطنة علي وجوب وجود نبي في كل زمان . اعلم انك بعد ما تدبرت في هذا العالم رأيته علي اكمل وجوه الحكمة بحيث قد حارت الالباب من الحكماء في ادراك جميع وجوه حكمته و تاهت العقول من العلماء في فهم جميع منافع خلقته و لميشك في ذلك جاهل فضلا عن عاقل اللهم الا منكر معاند للحق و اهله فيناقش في حكمة بعض الاشياء و لاينبغي للعاقل ان يناقش في جزء من اجزاء صنعة حكيم و لمايعرف وجهه مع وضوح الحكمة و الصواب في الفالف من اجزائها فانه لايعرف جميع حكم صنعة حكيم احد الا ان يكون مساويا لذلك الحكيم في حكمته و الا فكل من يقصر عنه يعمي عليه بعض وجوه حكمته لا محالة و ذلك بديهي فعدم عرفان بعض الجهلة حكمة بعض اجزاء العالم دليل [ص 4] جهلهم لا دليل كون العالم علي خلاف الحكمة و قد فصل الامام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام بعض وجوه حكم العالم في حديث رواه مفضل بن عمر و فيه كفاية و بلاغ مع ان الكتاب و السنة مشحونان بحكم العالم و لا حاجة بنا الي الاستقصاء في ذلك فاذا كان خلقة العالم باجزائه علي نهج الحكمة و الصواب و قد عرفت فنقول ان من اجزاء العالم بني آدم و قد خلقوا مدني الطبع لايقدرون علي ان يعيشوا و يبلغوا اجلهم الا و ان يكونوا متمدنين في مدينة مجتمعين في قرية لان لهم حاجات عديدة لايمكن لواحد واحد منهم القيام بجميعها و في استعداداتهم قوي كمالات عديدة لاتستخرج الي الفعلية الا بالتمدن و الاجتماع و تربية بعضهم بعضا و تكميل بعضهم بعضا فلاجل ذلك و غيره خلقوا متمدنيين لاينتظم امرهم الا بالتمدن و لما كانت الحاجات العديدة لاتتأدي من اشخاص الا بمناسبة الطبايع للصنايع و لا كل نفس يأتي منه كل حاجة و يقدر علي كل صنعة البتة فوجب في الحكمة اختلاف الطبايع لاحداث الصنايع فهم مختلفون بعدد اختلاف صورهم كما هو بين فاذا اجتمع قوم مختلفوا الطبع في بلدة لا بد و ان يقع فيهم التنازع و التشاجر لاختلاف الطبايع فكما انهم كانوا محتاجين الي من يقوم بساير حوايجهم يكونون حينئذ محتاجين الي من يقوم بجمعهم و يرفع التشاجر من بينهم البتة بل هذه الحاجة عمود خيمة تلك الحاجات لاتقوم الا بها و بصلاحها يصلح الكل و بفسادها يفسد الكل و ذلك الذي يقوم به الاجتماع يجب ان يكون عالما ماهرا بهذه الصنعة اي صنعة الجمع و حفظ المدينة و اقامة كل احد موضعه و حفظ الثغور و دفع الاعادي و الحكم بين العباد و العلم بالقضايا و صفة العدل و غير ذلك مما يأتي و يكون مصلحا للمدينة [ص 5] لا مفسدا كما انه يجب ان يكون النجار عالما باحوال الاخشاب و النجارة و آلاتها و ادواتها و هيئة الباب و السرير و الصندوق و غيرها و ما فيه صلاحها و قوامها و استحكامها و ما فيه فسادها فاذا كان عالما بذلك ماهرا فيه يصلح بان يقوم بامر نجارة المدينة و كذلك الصايغ يجب ان يكون عالما بالصياغة و متعلقاتها و الخياط عالما بالخياطة و متعلقاتها فكذلك قيم المدينة و حافظها و اهلها يجب ان يكون عالما بسياسة المدينة و اصلاحها و اصلاح اهلها البتة علي حذو ساير الصنايع حذو النعل بالنعل و كيف يجوز في الحكمة ان يكون الرقّاع عالما بالرقاعة ماهرا و قيم المدينة يكون جاهلا بما يصلح البلد و ما يفسده نعوذ بالله فوجب في الحكمة ان يكون في افراد بني آدم اناس طباعهم مناسب للقيمومة و هذه الصنعة فتكون سجيتهم سجية العلم و الحكم و العدل و الانصاف و العصمة كما يأتي ان شاء الله و يكونوا في كل عصر لان الحاجة الي وجوده ماسة في كل زمان و لايجوز الاخلال بالحكمة فماء الزمان السابق لايرفع عطش اهل الزمان اللاحق و بوجود قلب في زمان لاتقوم الاعضاء في زمان آخر و بوجود حاكم في زمان لايرتفع النزاع من بين اهل زمان آخر فوجب ان يكون نبي في كل عصر يقيم البلاد و العباد علي الاعتدال و النظم حتي يعيشوا الي ان يبلغ الكتاب اجله و يخرج الي الفعلية ما جعل في قوتهم من الكمالات و الترقيات التي ظهورها غاية الخلقة و علة الايجاد فتدبر في خلال هذه الحكمة تجد حكما جمة تفتح عين كل ضرير و تهدي كل بصير و لاينبؤك مثل خبير .
فصل - من الحكم الباطنة دلايل كثيرة تدل علي القطع و اليقين علي لزوم [ص 6] وجود نبي في كل حين لايمكننا احصاؤها في هذا الكتاب و لكن لا بد و ان نذكر بعضها لان لكل كلمة مع صاحبها مقاما و لكل درجة من درجات الحكمة اهل فنقول علي سبيل الاجمال و الاختصار ان الحكيم خلق هذا الخلق لغاية و هي المعرفة و هي في قوتهم لا فعليتهم و لاتستخرج الا بكامل في المعرفة الكافية ذي فعلية فيها و تلك المعرفة لها اصل و فروع كلها من لوازم المعرفة و ذلك الكامل في المعرفة هو النبي و يجب ان يكون في كل عصر لان اهل كل عصر خلقوا لاجل ذلك و لايكفي الكامل السابق لعدم الاقتران و الرواة عنه ان كانوا كاملين فهم ابداله و ان كانوا ناقصين فيحرفون الكلم عن مواضعه من غير حافظ كامل لهم كما هو بين و وجه آخر ان جميع الخلق ليسوا في غاية القرب الي المبدء بالبداهة و فيهم البعيد و بينهما بون بلا شك و المبدأ جل شأنه لايناسب احدا من الخلق و الخلق كلهم محتاجون الي المدد و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها لعدم تحمل الخلق غيره و عدم تمكن الاستدلال بغيره و عدم كون ظهور الاحد الا هكذا و الخلق لعدم مناسبتهم لايمكنهم تلقي المدد من الله سبحانه مع حاجتهم الدائمة في بقائهم الي ذلك فجرت الحكمة بان يكون في كل عصر اناس مخصوصون و هم اشرف الخلق و الطفهم و اقربهم اليه سبحانه و اشبه بمشيته و انسب بارادته بل يكونوا صفاته و اسماءه و محبوبيه المتصفين بصفة محبته يأخذون عن الله سبحانه الامداد الكونية و الشرعية و يبلغون الي ساير الخلق و لولا ذلك لفنوا عن آخرهم في طرفة عين لعدم وصول المدد اليهم و وجه آخر ان الحكيم جل شأنه خلق الخلق لغاية و الغاية لايجوز ان تصل الي الله سبحانه لغناه عن خلقه فيجب [ص 7] ان تصل اليهم فهي الجود و الكرم لانهم لميكونوا يستحقونه منه قبل ان يكونوا و لايعقل في الحكمة ان يسوي الحكيم جميع خلقه الصالح و الطالح و العالم و الجاهل و المعتدل و المنحرف و غير ذلك في تلك الفايدة مع تفاوت قوابلهم و كذا لايجوز في الحكمة ان يوصل اليهم الفائدة علي التفاوت مع عدم مميز قاطع للحجة و علمه بذلك لايقطع الحجة فاحتاج في الحكمة الي مميز و ميزان يفرق بينهم ثم يوصل اليهم من تلك الفائدة علي حسب رجحانهم في الميزان القاطع لاعذارهم و هو الابتلاء و الاختبار بالامر و النهي و المبلغ عن الله ذلك الامر و النهي هو الرسول الذي لولاه لميستعد ساير الخلق لان يتلقوا من الله الامر و النهي لتفاوت قوابلهم فبهذا الوجه ايضا يجب ان يكون في كل عصر نبي يؤدي عن الله سبحانه اوامره و نواهيه حتي يميز الله سبحانه بين الصالح و الطالح و يوصل الي كل مخلوق من تلك الفائدة بقدر استعداده و يقطع الحجج فافهم و وجه آخر ان الحكمة اقتضت ان ينشأ الخلق في هذه الدنيا من غاية البعد و هي الماء و التراب مع انه قد كمن فيه غاية القرب برب الارباب فكان يحتاج الانسان من اول نشوه الي بلوغ غايته الي اسباب لانه بنفسه لايكون سبب ترقية نفسه ضرورة ان الناقص فعله ايضا ناقص و لايرقي الذات الفعل و الفعل الذي يرقي الذوات هو الفعل الذاتي بالحركة الي مبدئها اي توجهها الي مبدئها و سيرها اليه و هو الحركة الانفعالية و يحتاج الي فاعل خارج و ذلك ان الحركة الذاتية لايعقل ان تكون ايجادية و انما هي انوجادية و الانوجاد يحتاج الي موجد فلما انشأ الله الانسان من الماء و التراب كفله بطن الارض و رباه بايدي النجوم و الليل و النهار و توارد [ص 8] الحر و البرد حتي جعله نباتا و تولد من بطن امه و خرج من الارض فرباه باسباب السموات و الارض حتي جعله غذاء للانسان فكفله بطن ابيه و امه و رباه باسباب السموات و الارض حتي جعله كيلوسا ثم كيموسا ثم دما صافيا ثم منيا و قذف المائين في رحم الام و كفله اياه و رباه و انماه جمادا ثم نباتا من نطفة و علقة و مضغة و عظام و اكساء لحم حتي اخرج من كمونه الخلق الآخر الذي هو الخلق الحيواني و لولا هذه الاسباب و التربية طورا بعد طور بسبب بعد سبب لمابلغ هذا المبلغ ابدا و كيف يعقل ان يجعل المني نفسه حيوانا و يجعل هو لنفسه اعضاء و جوارح و آلات و ادوات و ارواحا و كل ما هو فاقده حاشا و كذلك في كل درجة لايقدر شئ ان يجعل لنفسه ما ليس له ثم يربيه الله سبحانه الي ان يخرجه من بطن امه و يجعل فيه النفس الناطقة و هل يكون للحيوان ان يجعل لنفسه نفسا ناطقة و هو يفقدها و ادني منها بدرجات فاحدث الله سبحانه فيه النفس الناطقة بهذه الاسباب ثم كفله حضن امه فارضعته و غذته و ربته و كلأته و حفظته و راعته و علمته بالليل و النهار حتي جعله ناهضا ناطقا ماشيا بالاستقلال الي ان تكلم بكل شئ و ميز فرباه ابوه حتي ادبه و مرنه بالعقل الي ان بلغ فصار مدبرا في امره حازما حاذرا مخترعا صانعا و لولا شئ من هذه الاسباب لميخرج من قوته شئ من ذلك ابدا ابدا و هو حين كونه فاقدا ما كان يمكنه ان يحدث لنفسه في نفسه ما ليس له و ان كان يمكن له ان يحدث افعالا دونه لمتكن ظاهرة عليه و لايحدث بتلك الافعال في نفسه ما ليس له و ما يري من ترقي الشئ بعد صدور الافعال و يزعم منه انه من الافعال فذلك خطاء محض و انما هو باسباب يعدّها المسبب [ص 9] و يحركها الي حيث يشاء فيتحرك الي حيث يريد و ليس يرقي الاثر الذي هو الفعل الي المؤثر الذي هو الذات ابدا فلا نجاة لاحد الا بفضل الله سبحانه فلايتكلن عامل علي عمله بل هذه الاعمال تصدر بعد تحرك الذوات صعودا بامداد الله سبحانه الي حيث يريد فكلما يصعد درجة يصدر منه فعل من تلك الحالة الحادثة و ذلك الفعل ظله و نوره او نزولا بخذلان الله سبحانه الي حيث يريد فكلما يتغير الذات يتغير الافعال كما ان السراج نوره الاول من كينونة الشعلة الاولي و كلما يمد مددا من الدهن يحدث شعلة اخري و لها نور آخر فلما حمرت بالتدبير في الآن الثاني احدثت نورا احمر و لو خضرت احدثت نورا اخضر و هكذا فكل فعل لحالة للذات صاعدة او هابطة و حالات الذات انفعاليات و تحتاج الي تدبير مدبر خارجي فاني للشئ ان يغير نفسه من حال الي حال و لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا مؤثره الذي انشأه بما شاء كيف شاء فلما بلغ مبلغ الرجال و استعد للتعديل و التكون بالانسانية و الحكمة و النزاهة و العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة احتاج الي ان يكفل غير والديه حكيما منزها عالما حليما ذكورا فكورا نبيها و ينبغي ان يكون هذا السبب ايضا مثل ساير الاسباب كاملا فيما جعل له كما ان النار كاملة في التسخين و الماء كامل في التبريد و الشمس كاملة في الاضاءة و هكذا كل شئ من الاسباب يكون علي نهج الحكمة و الصواب و الكمال فوجب ان يكون هذا السبب ايضا كاملا فيما جعل لاجله و هذا السبب هو ابوا الانسانية و هما النبي و الولي كائنين من كانا فالحكيم و المتنزه و العليم الحليم الذكور الفكور النبيه بالحق علي حسب الواقع غير المخطئ هو النبي فانظر لنفسك هل [ص 10] يحتاج الناس الي من يكون سببا لاخراج هذه الامور منهم ام لا فان خطر ببالك لا فادفعه بان هذه الخصال قد جعلت في قوة الانسان و لمتجعل لغوا و لا بد من خروجها من القوة الي الفعلية و هو بنفسه لايقدر علي اخراجها و كذا من هو مثله فلا بد و ان يكون سبب لاخراج هذه القوي الي الفعلية و هو النبي لا غير و ان قلت هلايكفي في ذلك الاسباب السماوية الكونية قلت ان الاسباب السماوية لاترتبط بما لايناسبها من السفليات بل بما يناسبها و يطاوع فعلها كما تري ان شعاع الكواكب يحرك الرياح و لايحرك الصخور و ظهور الاثر موقوف بصلوح الفاعل و القابل و لايتأثر من فعل الفاعل اللطيف الا القابل اللطيف و القوابل السفلية مختلفة فالفاعل اذا اراد اعلام كثيف بامره يعلم اللطيف بامره اول ثم يعلم به من هو ادون منه بدرجة ثم بذلك الادون من هو ادون منه و هكذا كما انه اذا اراد تحريك صخر يحرك روحك اول ثم بروحك بدنك ثم ببدنك ذلك الصخر فالافعال النفسانية الصادرة عن الافلاك لاتتعلق اول الا بنفس كاملة ثم بها تتعلق بساير الانفس التي دونها و النفس الكاملة التي تتربي بالافلاك في جميع جهات العلوم المتعلقة باصلاح الخلق هي نفس النبي و بها تربي ساير النفوس فثبت لزوم وجوده كساير الاسباب فكما ان الافلاك ترضع الصبي بامه كذلك تربيه بالنشو و النما بوالديه و من يربيه و تعلمه بالنبي و لاتتعلم كل نفس من النفوس بالافلاك بلا سبب و كذلك تقدير العزيز العليم و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و ان قلت ألايكفي في ذلك وجود ساير العلماء و الحكماء قلت فاولا من يخرج العلم و الحكمة من العلماء و الحكماء الا الانبياء و ثانيا فان العلماء و الحكماء ان قالوا حقا فقد رووا عن الانبياء و ان قالوا باطلا فلايكون [ص 11] سبب اخراج الحق من قوة الناس الي الفعلية هذا و النبي ان كان سابقا فعلمه علي نهج التعليم المناسب لاهل زمانه و الذي اخذ منه اخذ ذلك النهج و لا علم له بنهج التعليم المناسب للزمان اللاحق فلا بد و ان يكون في كل عصر نبي ناطق بالحق او حجة معصوم آخر مثله و ان قلت ان العلماء الآخذين عن الانبياء السابقين يترقون شيئا بعد شئ و يزدادون العلم و يكفون اهل زمانهم قلت ان العالم اذا بلغ مبلغ مشاهدة جميع حقايق عصره و علم جميع ما لها و بها و فيها علم مشاهدة لا خطاء فيه فهو البالغ مبلغ النبوة و ان كان جاهلا بكثير منها غير مشاهد لها خاطئ في كثير منها فلايكفي وجوده لان السبب من الله يجب ان يكون كاملا و يبقي قوي كثيرة في الناس قد جعلت للخروج و لاتخرج لنقص السبب و الحكمة و القدرة و الاحدية تقتضي ان لايكون نقص في الاسباب من الله سبحانه بل يجب ان تكون الاسباب من الله كاملة ثم من شاء آمن و جوزي خيرا بايمانه و بخروج قوته الي فعليته و صار موجودا بما هو انسان و من شاء كفر و جوزي شرا بكفره و بعدم خروج ما في قوته و عدم صيرورته انسانا و بقائه مع الحيوانات بالجملة كما احتاجت كل قوة الي مرجح يخرجها الي الفعلية كذلك القوة الانسانية القدسية ايضا تحتاج الي سبب و عدم خلقته يوجب اللغو في جعلها و ذلك السبب هو النبي من الله سبحانه او من يقوم مقامه مثله فافهم راشدا موفقا فانه دليل حكيم و وجه آخر ان الله سبحانه خلق الخلق لغاية و ظهور فائدة و لا شك ان بعض الخصال و الاعمال يمنع من ظهور تلك الغاية و بعضها يعين و الخلق مع انهم خلقوا لتلك الغاية جاهلون بما يمنع ظهورها و يعين فوجب في الحكمة تعليمهم [ص 12] تلك الخصال و الاعمال التي تعين علي ظهور تلك الغاية و التي تمنع عنه و الحامل لذلك العلم و التعليم اليهم هو النبي في كل عصر ضرورة ان الكل لايقدرون علي التلقي من الله سبحانه بلا واسطة بالجملة بامثال هذه الاستدلالات يستدل علي وجوب وجود نبي في كل عصر و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .
فصل - ان بعض فرق الموحدين قد القوا شبهة علي الجهلة فزلزلوهم علي الصراط المستقيم و ازلوهم عن الطريق القويم فقالوا انا نقر بان لنا ربا واحدا حكيما عليما قديرا لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لكن نعلم قطعا انه غني عمّا سواه فلا حاجة له الي ان يعذب او يرحم او يأمر او ينهي او يدعو او يحذر او يعد او يوعد فلايحتاج الي ارسال الرسل و انزال الكتب و انما خلق الخلق جودا و كرما و خولهم هذه الدار و مكنهم من انحاء التصرف فيها و الانتفاع منها فيعيشون فيها و يأكلون و يشربون حتي يبلغ الكتاب اجله فيموت الانسان او يقتل ثم لا برزخ و لا حشر و لا جنة و لا نار و لقد صعب علي الجهلة ردها و تزلزلوا فيها هذا و ان كان قد تبين مما مر الجواب عن ذلك و من عرفه لايخفي عليه الجواب عن هذه الشبهات الا اني احببت ان اذكر جوابها بخصوصها فنقول لهم لا شك و لا ريب ان الله سبحانه غني و غناه لايقتضي ان يهمل الخلق بل يقتضي ان لايخلق الخلق الا لاجل فائدة تصل اليه و ان لايتصرف في خلقه تصرفا لاجل فائدة نفسه و اما ان يسأله خلقه جبر كسره فيجبر كسره او يرفع حاجته او يكسي عورته او يطعم جوعته اذا سأله فلاينافي ذلك الغني بل يكون مناسبا للكرم و الجود و هو كريم جواد قد خلق [ص 13] الخلق بجوده و كرمه فاذا كان العطاء بمقتضي سؤال السائلين لاينافي الغناء بل يكون من الجود فلا بأس بالعطاء اذا سئل كما يقرون بانه يخلق و يرزق و يحيي و يميت و يرفع و يضع و يصح و يمرض و هكذا ساير التصرفات الكونية و ان كانوا ينكرون ذلك اجمع و يقولون انه خلق ثم رفع يده عنهم فلميعرفوا معني الخلق فان الخلق اذا وجد بنظر الخالق يجب ان يفني اذا رفع نظره عنه و الله سبحانه خلق الخلق لا من مادة و المخلوق لا من مادة مخلوق بالذات و المخلوق بالذات لايعقل انقطاعه عن الخالق ابدا لعدم امتداد و حالات في الذات و كونها ابدا في اول الصدور عن الخالق فاحفظه مقدمة و كذلك لاينافي الغناء المطلق اجراء الخلق علي نهج الحكمة و الصواب بل هو من مقتضيات الحكمة و قد اقررتم بحكمته و الا يلزمكم بالاقرار خلقه المتقن و امره المحكم فاذا كان اجراء الخلق علي نهج الحكمة لاينافي الغناء بل يجب ان يكون لمقتضي الحكمة نقول لهم وجود حاكم جامع للشتات قاض بالحق حامل كل احد علي حده و مقامه ممدن للمدن مجند للجنود حافظ للثغور مانع للطغاة واجب في الحكمة و بدونه يكون الخلق ناقصا ام لا ، فان قلت لا فلا كلام مع جاهل مثلك فانك تعيش بفضل نظم الحكام و تزعم انه يمكن العيش بدونهم و من علم علم سياسة المدن علم ان الدنيا لاتقوم يوما واحدا بلا حاكم او كبير ابدا ابدا و من ذلك احتجتم بعد انكار الانبياء الي الحكام الجهلة فنصبتموهم و اطعتموهم و سكنتم في ظلهم و ذلك غير خفي لاهل الحل و العقد و ان قلت نعم يجب في الحكمة فاقول كيف يخل الله سبحانه بالحكمة و كل حكيم حكمته مأخوذة من بعض وجوه حكمته فلا بد و ان يجعل من [ص 14] حكمته في البلاد حاكما و ان قلت نعم يجب في الحكمة و لكن علم انا بانفسنا ننصب علي انفسنا حاكما و نستغني به عن نصب الله قلت انكم لو تدبرتم عرفتم ان الحاكم من يقطع اللص لا من يقطع الطريق و الحاكم هو الجامع لا المفرق و المصلح لا المفسد و العالم بالسياسة لا الجاهل و هكذا و هل انكم اذا تدبرتم او اجتمعتم و تراءيتم عرفتم من كان هكذا علي الحقيقة ام لا فان قلت نعم فقد ادعيت علم الغيب و هو ليس فيك و ان قلت لا فكيف يكتفي في حكمته ان يفوض اعظم امور الحكمة الذي يدور عليه الكل الي جهلة خلقه لينصبوا لانفسهم حاكما و الانفس تختلف حالاتها فاللصوص ينصبون علي انفسهم لصا كبيرا و الفسقة فاسقا كبيرا و الجهلة جاهلا كبيرا و هكذا فكل قوم ينصبوا عليهم كبيرا مشاكلا لهواهم فيقع بين الاقوام بذلك التعادي و التقاتل و التعاند و جميع فساد العالم من جهة ان القوم عدلوا عمن نصبه الله الي من نصبوه فوقع ما وقع و لما علم الله ان خلقه علي صنوف شتي و لهم آراء شتي و اختيارات متفاوتة وجب في حكمته ان ينصب هو بنفسه حاكما عدلا يجبر كسر المدن و التمدن و يقيم الخلق علي الصلاح و الصواب و هذا الحاكم هو النبي لا غير و سيأتي من صفاته ما يعرفكم ان الحاكم من لايحتاج الي ان يحكم عليه احد و كذلك نجيب اذا لبسوا علي الناس بالشوري بان شوري كل قوم علي حسب هواهم و ان كانوا يختارون قوما يقضون بالحق و به يعدلون ففروا عن الاقرار بنبي واحد و ادعوا وجوب انبياء عديدة لشوريهم هذا و طباع هذا الخلق المنكوس غير منكور و لايشتبه حالهم و ليس ملكهم الا علي التغلب علي حطام الدنيا و الظلم و الغشم و ان دبروا يوما تدبيرا فانما يدبرون لبقاء [ص 15] سلطانهم لا لحفظ الرعية و ان اصلحوا امر الرعية فرضا يوما فانما يصلحونه لئلايلحق الي انفسهم الفساد نعوذ بالله من شرور انفسنا بالجملة عدم الحاجة الي حاكم قول احمق لايعبؤ بقوله و مع وجوب وجوده لايجوز ان يكل الله امر نصبه الي الجهلة فيتخذ كل قوم حاكما و يتشاوروا علي التعادي و التنازع و الاستقلال بالملك و التفرد و يكون ذلك كراً علي ما فر فالواجب في الحكمة ان ينصب بنفسه حاكما عدلا حكيما سايسا ناظما مجاهدا علي ما يأتي و خلقه محتاجون سائلون مثل ذلك باَلسنة قوابلهم منه و هو الجواد الكريم و يتوقف انتظام الملك الي غاية اجله في كل حين بذلك فيجب في الحكمة ايجاد حاكم كذا و عدم تخلية الملك منه و ليس من الغني احداث ملك ناقص فانه دليل نقصان حكمة الحكيم و نقصان الحكمة دليل فقره الي ما ليس له فعدم خلقة الانبياء في الاعصار دليل فقر الحكيم لا غناه اذا عرفت فمقتضي الغني احداث ملك كامل البتة و من الغني ان يكون اثره غير متوقف الي استكمال من غيره فالغني لغناه خلق عالما كاملا و خولكموه لينظر كيف تعملون و امركم بما فيه صلاحكم و نجاتكم عما مقتضاه فسادكم و نهاكم عما فيه فسادكم و وقوعكم فيما مقتضاه هلاككم و ذلك كله من غناه المطلق فان نجوتم او هلكتم فلمينتفع هو به و لميتضرر و انما وصل النفع و الضر اليكم لما الزم المقتضيات مقتضياتها و ليس له رضاء و لا سخط الا هذا الالزام و هذا الالزام جود منه و كرم و استجابة لدعوة القوابل و انما هم ايضا عباد امثالكم فتدبر فيما ذكرت فان فيه جواب كل شئ تريد في ردهم و علي اهل الفهم السلام .
[ص 16] فصل - ان قال قائل ان كان الغرض من الخلق غاية و تلك الغاية لاتظهر من الكمون الي العيان الا بوجود نبي كما قلت سابقا و لاجل ذلك وجب ايجاد الانبياء و نحن نري عيانا ان الانبياء لميمكنوا من التصرف علي ما شاؤا و ارادوا و لميظهروا الغاية و الخلق باق علي ما كان فدليلكم منقوض ببقاء الخلق و عدم اصغائهم الي الانبياء قلنا له ان الغرض قد تحقق و انتم راقدون في مراقد الغفلة و الانبياء بلغوا ما امروا بتبليغه و ذهبوا بمن ارادوا الذهاب به و اهلكوا من ارادوا اهلاكه و انتم في غفلة لاهون ساهون لاتزعمون فوق تدبيراتكم الملكية علي زعمكم تدبيرا و ذلك ان صوافي كل كثير اقل اجزائه و الباقي نخالة و حثالة لا حاجة اليها الا لتتميم بعض الامور و الانبياء حين جاؤا خلصوا اولئك الصوافي و نبّهوهم و اوصلوهم الي الغاية و لمّاتتنبهوا و اهلكوا من ارادوا اهلاكه في الدنيا و الآخرة فاقول لكم :
ظفر الطالبون و اتصل الوصل و فاز الاحباب بالاحباب
و بقيتم مذبذبين حياري بين حد الوصال و الاجتناب
و الغرض من الخلق وصول الصوافي الي غاية الخلق و اما البواقي فهم متممات امورهم و نواظم حوائجهم في معاشهم علي مثال البدن حيث يكون الغرض من البدن تعلق الروح بالقلب الذي هو صافي البدن و اما الصدر فهو لحفظه و الارجل لنقله و الايدي لخدمته و الحواس لايصال الاخبار اليه و هكذا فالاعضاء و ان لمتصر قلبا و لميظهر منها الغاية لكنها بقت لانه ظهر من بينها الغاية و بقت لحفظ الغاية فبقاء هذا الخلق المنكوس لعيش الصفوة الذين لهم قامت السموات و الارض و لهم خلق الخلق و الانبياء جاؤا و صفوهم عن [ص 17] الاكدار و جعلوهم بلا غبار فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فاولئك الصفوة يعملون بمقتضي اوامرهم و نواهيهم و يستمعون اليهم و يحبونهم و يطيعونهم و يؤمنون بهم و لاجلهم جاؤا و لاجلهم تحملوا هذه الاذيات صلوات الله عليهم و جزاهم الله عنا خير الجزاء و لاجلهم عاشت البواقي كما تري و انما هذا القول ينقض علينا قولنا لو بقي الدنيا و ليس فيها مؤمن و لو ساعة و لمتكن كذلك ابدا هذا و هذا الخلق ايضا عاشوا بفضل تأدبهم بآداب الانبياء غاية الامر انهم كفروا بنبي و آمنوا بنبي و ان كفروا لفظا بالكل فقد بقي فيهم سنة سوالفهم الآخذين بقول الانبياء و هؤلاء يطيعونهم من حيث لايشعرون و بفضل طاعة الانبياء و وجود الصفوة عيشهم و بقاؤهم و هم يحسبون انهم لايحتاجون الي نبي هيهات هذا و وجود الانبياء ينفع الدنيا و تقوم به في الظاهر اطيعوا ام لميطاعوا فان وجودهم في الدنيا يحتاج الي الليل و النهار و السماوات و الشمس و القمر و الارض و المآكل و المشارب و لاينتظم له ذلك الا ان يبقي الدنيا كما تري و قد شرحنا امثال ذلك مفصلا في كتابنا ارشاد العوام فمحض وجود النبي في الدنيا ايضا سبب بقاء الدنيا في الظاهر فضلا عن الباطن و هذا معني ما نزل في القرآن و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و لو علم الناس سر الامر مافتروا عن الاتصال بالانبياء و الاولياء و الارتباط بهم و تحمل حاجة من حوائجهم فان لاجل بقاء وجودهم يحفظ الله كل من يرتبط بهم و يقترن كما انك باحترام قلب زيد تحترم جميع اعضائه و لاجل حفظه تحفظ جميع اعضائه و لاجل اكرامه تكرم جميع اعضائه فافهم راشدا موفقا و كذلك يدفع بذلك شبهة الذين ينقضون بزعمهم دليلنا باهل الارض الجديدة و الجزاير [ص 18] التي في اوساط البحار فانهم بزعمهم لميبعث اليهم نبي و بلادهم معمورة و خلقها باق و لا نبي لهم و نقول لهم ان الواجب علي الامم ان يأخذوا بسنة نبي بعث اليهم حتي يبلغهم نسخ ما بعث به و ان الامم التي زعمتم من ولد آدم و هو نبي و له شريعة و من ولد نوح او الثمانين الذين آمنوا به و شرعهم شرع نوح فكيف لميبعث اليهم نبي و تظاهرهم علي ترك سنة النبي غير مضر باصل الحكمة و ان الله سبحانه لميخل بالحكمة و ان احدا منكم لميحط بجميع اهل تلك البلاد فلعل فيهم اولياء لله سبحانه مؤمنين متشرعين بشرع نبي العصر او الانبياء السابقين كآدم و نوح و قد اختفوا خوفا من فراعنة بلادهم و لايسعكم ان تنكروا ذلك بتة فانكم في شك من ذلك و المشكوك لايصير سبب النقض فيما علم بالقطع و انا علمنا ان وجود الحاكم بالحق من الحكمة و لميخل الحكيم بالحكمة و بقاء اهل تلك البلاد مع تظاهرهم علي زعمكم علي ترك سنن الانبياء كبقاء الفسقة ببقاء المؤمنين و كما ذكرنا سابقا هذا و لايسع احدا منكم ان يقول ليس فيهم حجة و لو مختفيا فاذا دل الدليل علي لزوم وجود الحجة في كل عصر اما ظاهرا مشهورا او خائفا مغمورا و ببركات وجوده ظاهرا و باطنا تقوم الدنيا وجب اتباعه و المشكوكات لاتنقض عليه البتة و ان قلت و ما الحاجة الي وجود الحجة المخفي الذي لايتصرف و كيف ينتظم به امر العباد و البلاد و اذا جاز ان يكون خفيا و لايتصرف جاز ان لايكون قلت ان لوجود الحجة اثرين اثرا سياسيا في ظاهر الدنيا و اثرا كونيا فاذا اختفي لحكمة و لميظهر منه السياسة لحكمة ليس انه لميبق الي وجوده حاجة فانه في الاكوان كالقلب في الاعضاء و به حيوة الكل و حفظه و قوامه كما مر و يأتي ان شاء الله ، [ص 19] هذا و لما بلغ الكلام الي هيٰهنا احببنا ان نعنون فصلا نذكر فيه شطرا من تصرف الحجة الغايب و لو علي سبيل الاشارة فان موضع تفصيله باب الامامة و سيأتي ان شاء الله .
فصل - اعلم اولا انه ليس لاحد من الخلق ان يقول ان الحجة الغائب لايتصرف في العالم تصرف سياسة فانه ادعاء علم الغيب و مدعيه غير مصدق و ليس جميع انحاء التصرف هو ما يعرفون من انفسهم فان الملئكة و الجن و الشياطين يتصرفون في الدنيا تدبيرا سياسيا و ليس تصرفهم علي نحو تصرفنا في الظاهر و ليس من شرط هذا القسم من التصرف رؤية المتصرف فيه للمتصرف بل يكفي فيه رؤية المتصرف اياه و يقدر علي التصرف بالالهام و القذف و الصرف و الحجب و التزيين و التشويق و التقليل و التكثير و التخييل و امثال ذلك حتي يحصل مطلوبه من السياسة في الملك بواسطة او غير واسطة و من الذي يجسر او يقدر ان يقول انه لايصدر عنه مثل هذا التصرف ايضا و هو لايعلم الغيب و لمينزل به كتاب و لميرد به سنة و لميخبر به نفس الحجة فكل من يقول ذلك فانما يقوله من جهالة او سوء طوية يريد به اطفاء نور الحق و الا فالبت علي ذلك مما لايجوز للعاقل فاذ لميقدر عاقل ان يبت علي ذلك فهو في شك منه و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم و ليس الشك بناقض لليقين و نحن قد اثبتنا في رسالة منفردة تصرف الحجة في حال الغيبة بجميع الادلة العقلية و النقلية بما لاينكر و سنذكر ذلك ايضا ان شاء الله بما يليق هذا الكتاب و اذ قد قام الدليل علي ان الدنيا لاتقوم الا بنبي متصرف بتصرفه يقوم الدنيا و من فيها و نري الدنيا قائمة عرفنا ان في الدنيا حجة متصرفا و ان [ص 20] لمنشاهده كما نثبت كثيرا مما لمنشاهده فاذ تبين انه يمكن تصرف الحجة و قام الدليل علي وجوده عرفنا ان كلا الاثرين لوجود الحجة ثابتان و به يقوم الدنيا و ما فيها و لا مانع من تصرفه الغيبي و لا دليل عليه فمن الذي يقدر ان يقول ليس في الارض الجديدة و لميكن حجج ابدا فلعلهم كانوا مختفين فيها في تلك الايام التي انتم مطلعون عليها و مع خفائهم متصرفين في الملك و لهم عناية بمن آمن بهم منهم و اختفوا من شدة التقية و تظاهر اهل الزمان علي الباطل و من الذي يقدر ان ينكر ما اقول علي الجزم و انا اقول علي الجزم انهم لميخلو من حجة اما ظاهر مطاع او مختف للتقية عنهم متصرف فيهم من الغيب و بوجوده و تصرفه يعيشون حتي يبلغوا اجلهم و جزمي ذلك بما مر من الدليل علي لزوم وجود الحجة من الله سبحانه علي خلقه و لايكون الحكمة من الحكيم المطلق ناقصة و بما سيأتي ان شاء الله من الدليل في محله فتدبر . فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر مما مر من الادلة ان الدنيا لاتخلو من حجة حاكم بالحق لانها لاتخلو من اختلاف و شقاق كما ان الدنيا لاتخلو من ماء لانها لاتخلو من عطشان و لاتخلو من هواء لانها لاتخلو من محتاج اليه و هكذا لاتخلو من شئ يحتاج اليه شئ فكذلك لاتخلو من عالم لانها لاتخلو من جاهل و لاتخلو من حاكم لانها لاتخلو من اختلاف و لاتخلو من حق لانها لاتخلو من باطل و لو خلص الضد في الدنيا لافني الكل لانه يصير بلا نهاية و لايطيقه شئ متناه فماكان الله ليذر الجهل خالصا و لميجعل في مقابله علما حقا يعالجه و كل ما سوي العلم الحق باطل و لايعالج به الجهل و لا حق الا من عنده بلا واسطة او بواسطة و لايحفظ الحق بالحق [ص 21] الا الحق فماكان الله ليذر الدنيا بلا حجة و يجب ان يكون الحكمة من عنده كاملة ثم ان منع احد نفسه لاختياره من الانتفاع به لايضر بحكمة الحكيم فان عليه ان يخلق الخلق علي نهج الحكمة و الصواب و يخلق الماء لما خلق العطش ثم ان امتنع رجل باختياره منه حتي مات عطشا لايضر ذلك بحكمة الحكيم و لايسأل عنه فانه قد اتقن الصنع بوضع الماء عند العطشان و بجعل الاختيار فيه و عدم الانتفاع من قبل العطشان المختار فيلزمه عاقبة سوء اختياره و لا حرج فالواجب في حكمة الحكيم خلقة الحكام عند اختلاف الانام ثم اذا تعاونوا علي دفعه و اختاروا العطب و النصب و الشقاء لانفسهم فلايسأل عنه الحكيم فاذا تعاونوا علي دفعه و قتله فهرب منهم و اختفي منهم تقية لايضر ذلك بحكمة الحكيم فان النبي كما يمكن ان يقتل يمكن ان يتقي و يهرب و يخفي عن اعينهم حفظا علي نفسه التي في حفظها نظام العالم فهو في ايام خفائه يتصرف من الغيب في الرعية كما يري فيه صلاحهم و يدعو لهم و عليهم و يقرب و يبعد و يلهم و يخفي و يعلن و يقوي و يوهن و يقلل و يكثر حتي لايتخلخل بنيانهم و يفنوا عن آخرهم و هو مع ذلك ناظر فيهم و في صلاحهم و يعرفهم و يعرف الصالح و الطالح و يؤيد و يسدد الصالحين حتي يبلغهم منتهي مرادهم و يعرفهم نفسه و ما لهم و عليهم حتي يظهر منهم الغاية و يخذل الطالح و يدعو عليه و يتقيه فلايظهر امره له بسوء اختياره و لا باعث لانكار شئ من ذلك و لا امتناع فيه فاذا امكن كل ذلك و قام الدليل علي لزومه و هو اكمل البتة و الله سبحانه الفاعل علي حسب قابلية القابل و قابلية الشئ الاولي اسرع انفعالا و اولي بالوجود و اقرب الي الفعلية من غيره فالله سبحانه [ص 22] لايترك الاولي ● فلا مانع من الاقرار بل يجب الايمان به و الاذعان و التسليم له البتة ، اللهم و نعوذ بالله الا ان يكون احد فيه سوء سريرة و شقاوة يفر من الحق بنفسه و لايسعه التصديق به و لاتطاوعه نفسه فذلك ربه اولي به و هو يعالجه كيف يشاء و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و فيما ذكرنا في اثبات مطلق نبي حاكم عادل عالم كفاية لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .
المطلب الثاني - في معرفة معني النبي و الرسول و الفرق بين المقامين و فيه فصول :
فصل - اعلم ان النبي اِمّا مشتق من النَّبَأ محركة و هو الخبر و النبي فعيل بمعني الفاعل فهو المخبر عن الله سبحانه او هو مشتق من النَّبْوَة و هي ما ارتفع من الارض او النَّبْأ او النُّبُوء و هو الارتفاع فالنَّبِيّ بمعني المرتفع فانه قد ارتفع عن درجة ساير الخلق او بمعني الطلوع علي القوم فهو الطالع علي القوم من عند المبدء المشرف عليهم او بمعني الخروج من ارض الي ارض فهو الخارج [ص 23] من الغيب الي الشهادة و النازل من درجة عليا الي درجة دنيا او هو من النبي بمعني الطريق الواضح فانه الصراط المستقيم اللايح الي الله سبحانه او من النبي بمعني المكان المرتفع فهو مرتفع القدر و الانبياء هم درجات عند الله و اما الرسول فهو من الارسال و هو اِمّا بمعني التسليط فالرسول هو بمعني المفعول اي المرسل المسلط علي قوم قد جعل سلطانا عليهم و اما بمعني التوجيه فالرسول هو الموجه من عند الله سبحانه الي قوم هذا بحسب اللغة و اما في الاخبار فقد فرق بين النبي و الرسول بجهات اخر كما روي في الكافي باسناده عن زرارة قال سألت اباجعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل و كان رسولا نبيا ما الرسول و ما النبي قال النبي الذي يري في منامه و يسمع الصوت و لايعاين الملك و الرسول الذي يسمع الصوت و يري في المنام و يعاين الملك قلت الامام ما منزلته قال يسمع الصوت و لايري و لايعاين الملك ثم تلا هذه الآية و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدّث انتهي ، و الذي اعرف من معني الخبر ان النبي لايعاين الملك نازلا عليه بالوحي التأسيسي لانه تابع شرع الامام عليه السلام اي احد اولي العزم و الا فيمكن رؤيته للملك و كذا الامام فانه قد تضافرت الاخبار بانهم عليهم السلام يرون الملئكة و يأتونهم و يصدرون عن امرهم و نهيهم في صغير الامور و كبيرها و الذي يدل علي رؤية النبي الملك ما رواه في الكافي ايضا باسناده عن اسمعيل بن مرّار قال كتب الحسن بن العباس المعروفي الي الرضا عليه السلام جعلت فداك اخبرني ما الفرق بين الرسول و النبي و الامام قال فكتب او قال الفرق بين الرسول و النبي و الامام ان الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل عليه السلام فيراه و يسمع كلامه [ص 24] و ينزل عليه الوحي و ربما رأي في منامه نحو رؤيا ابرهيم و النبي ربما سمع الكلام و ربما رأي الشخص و لميسمع و الامام هو الذي يسمع الكلام و لايري الشخص انتهي ، فنص ان النبي يمكن ان يري الشخص و لكن لايسمع اي كالذي يسمعه الرسول فان الرسول يري الملك نازلا عليه بالوحي ناطقا به تأسيسا او تأكيدا و النبي ليس كذلك بل يقذف في قلبه قذفا الهاما و روي ايضا فيه باسناده عن الاحول قال سألت اباجعفر عليه السلام عن الرسول و النبي و المحدث قال الرسول هو الذي يأتيه جبرئيل قبلا فيراه فيكلمه فهذا الرسول و اما النبي فهو الذي يري في منامه نحو رؤيا ابرهيم و نحو ما كان رأي رسول الله صلي الله عليه و آله من اسباب النبوة قبل الوحي حتي اتاه جبرئيل عليه السلام من عند الله بالرسالة و كان محمد صلي الله عليه و آله حين جمع له النبوة و جاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل عليه السلام و يكلمه بها قبلا و من الانبياء من جمع له النبوة و يري في منامه و يأتيه الروح و يكلمه و يحدثه من غير ان يكون يري في اليقظة فاما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع و لايعاين و لايري في منامه انتهي ، و في هذا الخبر ايضا شاهد بين علي ان المراد برؤية الملك الرؤية بالوحي و الرسالة اليه فالرسول يراه هكذا و النبي لايراه هكذا كما بينا و يظهر من هذا الخبر انه يري النبي اذا جمع له النبوة و الرسالة الروح في المنام و يكلمه و لكن لايراه في اليقظة فذلك برزخ بين النبي الذي لايعاين بالوحي و الرسول الذي يعاين بالوحي و يدل ايضا علي وجود البرزخ ما رواه في البحار عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام الانبياء علي خمسة انواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت [ص 25] السلسلة فيعلم ما عني به و منهم من ينبأ في منامه مثل يوسف و ابرهيم عليهما السلام و منهم من يعاين و منهم من ينكت في قلبه و ينقر في اذنه و عن درست بن ابيمنصور الواسطي عنهما عليهما السلام قال الانبياء و المرسلون علي اربع طبقات فنبي نبأ في نفسه لايعدو غيرها و نبي يري في النوم و يسمع الصوت و لايعاين في اليقظة فلميبعث الي احد و عليه امام مثل ما كان ابرهيم علي لوط و نبي يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين الملك و قد ارسل الي طائفة قلوا او كثروا كما قال الله فارسلناه الي مائةالف او يزيدون ، قال يزيدون ثلثينالفا و نبي يري في نومه و يسمع الصوت و يعاين في اليقظة و هو امام مثل اولي العزم الخبر ، بالجملة يتبين من هذه الاخبار ان النبي نوعا ادني درجة من الرسول و ان لكل واحد منهما درجات و مراتب و لنبين الفرق بينهما و سر الدرجات و يقتضي ذلك رسم فصل خاص .
فصل - اعلم ان الله سبحانه هو العليم الذي لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و الارض و هو الشاهد المطلع ، الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير ، فيعلم جميع مقتضِياتها بالكسر و مقتضَياتها بالفتح فلما تجلي بالتجلي الاعظم و الظهور الاكرم الذي لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع الذي هو اول ما خلق الله اشهده خلق جميع ما دونه من السموات و الارض اي الآفاق و الانفس فاطلع علي جميع المقتضيات و المقتضيات بايقاف الله سبحانه اذ جعله اول خلقه و مخزن علمه و شاهده علي خلقه و منير ارضه و سمائه فلايخفي عليه خافية مما كان او يكون الي يوم القيمة بتعليم الله سبحانه اذ جعله عيبة علمه و صفة عالميته و شهيدا علي تمام ملكه و آية [ص 26] شهادته و هذا هو انبعاث الله سبحانه له و انباؤ الله سبحانه اياه عما كان و يكون الي يوم القيمة و علمه علم ذلك كله بتعليم واحد بكلمة واحدة في آن واحد كلمح البصر او هو اقرب ثم خلق بهذا التجلي الخلق الاول و هم الانبياء و المرسلون و هم من ذلك التجلي كالنور من المنير و الشعاع من الشمس و لهم من اول الصدور الي منتهي الظهور الّذَيْن بينهما مراتب كمالات ذلك التجلي الكامل الذي لايفقد كمالا مراتب و درجات عديدة فكل من كان منهم اقرب الي المبدء و اشبه بذلك التجلي كان اكبر شهادة و اكثر علما بالاشياء و كل من هو ابعد عنه و اقل شبها كان اقل شهادة و علما فلذلك اختلفت درجاتهم و كان اقربهم الي المبدء اولوا العزم علي هذا الترتيب نوح و ابرهيم و موسي و عيسي لقوله سبحانه في ترتيبهم و منك و من نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و هو ترتيب الاشرف فالاشرف لتقديم الخاتم الافضل بالاجماع و النقل و العقل ثم ابرهيم هو شيعة نوح بنص الكتاب كما قال و ان من شيعته لابرهيم ثم موسي صاحب الشريعة البهية ثم عيسي الذي لميغير شرع موسي الا قليلا و حلل بعض الذي حرم المبعوث لتكميل التورية لا رفعها كما نص في الانجيل بالجملة هؤلاء اشرف المرسلين و اصحاب الشرايع كما يأتي ثم بعدهم المرسلون الي الطوايف علي حسب درجاتهم ثم الانبياء علي حسب سبق مراتبهم فكلما كان النور ابعد من المنير يكون اقل نورا و كلما كان اقرب كان اكثر نورا و كذلك هم يزدادون علما و احاطة بالسبق الي ذلك التجلي و ينتقصون بالتأخر عنه و لنعم ما قال الشاعر :
و واقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم [ص 27]
و قوله من نقطة ، بيان للحد فادني الانبياء عليهم السلام و الله اعلم الذي يري في منامه بعد اعراضه عن هذه الدنيا بكله و توفي روحه الي الغيب فينبأ بما يراد منه في المنام و يقع جزء من ستة و اربعين جزءا منه للمؤمن فيري في منامه احيانا ما هو خير له و يراد منه و ارفع منه الذي ينكت في قلبه علي نحو الالهام في اليقظة و لميبلغ كماله مبلغا ينزل العلم الي حواسه الظاهرة و يصعد حواسه الظاهرة اليه حتي تشاهده عيانا ثم ارفع من ذلك من ينقر في اذنه كصوت السلسلة و لكن هذا ينكت في قلبه مفصلا مشروحا و ان لميفصل في اذنه لعدم خروج العلم في اذنه من القوة الي الفعل مشروحا فيقع في اذنه ذلك الصوت حين ينكت في قلبه فيعرف معني ذلك الصوت المجموعي الاجمالي ثم ارفع من ذلك الذي يفصل في اذنه فيسمع باذنه الظاهرة حين يناجيه الملك بانزال ما شرح في نفسه لها الي عالم الاجسام و اصعاد اذنه الجسمانية و جذبها الي المبدء فيفصل العلم في اذنه تفصيلا و لايعاين بعينه و لكن يقع في قلبه ايضا و يري في منامه ايضا كما رأي ابرهيم و ارفع من ذلك من يعاين مع ما مر بعينه الملك الذي يأتيه بالوحي من الله سبحانه قبلا و يكلمه و انما ذلك باصعاد عينه الجسمانية و تجنيسها مع المثال حتي تصير كاعين الارواح المثالية فتشاهد الملك كما تشاهد و لهم المثل الاعلي عين المصاب بالجِنّة الجِنّة مع انهم في عالم المثال و لا شك انه لاينطبع في عينه شبح جسماني و انما يري الجِنة بواسطة ميل عينه الي الحس المشترك الي المثال فينعكس من مشاعره الباطنة الي حسه المشترك و الي الروح الباصرة فيري بالجملة الذي يشاهد الملئكة اشد ارتباطا بالعالم الاعلي من الذي يسمع اصواتهم كما ان المشاهد للجِنّة اشد ارتباطا بهم من [ص 28] الذي يسمع اصواتهم و حاسة البصر الطف و مدركه اخفي المدركات و ادراكه يحتاج الي فضل لطافة من الروح و الحس و ما لميبلغ البدن منتهي الاعتدال و الروح نهاية القوة و القدرة و التجرد و الجذب لايتحقق ذلك له هذا و الملك الطف من الجن و اكثر تروحا فتفطن ما ذكرت لك فان فيه اشارات خفية .
فصل - اعلم ان النفس الكلية الالهية مقام الفعلية فانها الذات لكل ذي نفس و كانت واجدة لما لها و جميع ما هي به هي بلا ترقب فلما نزلت الي عالم الاجسام انحلت و تلاشت فيها كالحبة في الارض فعادت بالقوة بعد ان كانت بالفعل فاحتيج الي استخراجها الي الفعلية الي تدبير و تربية فربي الله سبحانه اول ناشئ من الاجسام و هو آدم علي نبينا و آله و عليه السلام بيد قدرته باسباب كاملة هيأها و هو مسبب الاسباب من غير سبب من اسباب السموات و الارض حتي ابدع فطرته و علمه من علمه ما شاء ثم جعله يد قدرته في اظهار ساير النفوس و ابداء ساير بريته و بث منه نسله و لما كان لتلك النفس الغيبية مقامان مقام تشريع و مقام تكوين جعله عليه السلام سببا للامرين يظهر به النفوس الكونية بكينونته و طبيعته و النفوس الشرعية بهدايته و ايصاله فدعا ذريته الي الله سبحانه و الي الاستقامة علي الطريقة و لما كان الحدث يحدث بين فاعل و قابل اختلفت احوال ذريته في القبول التشريعي كما اختلفت في القبول التكويني فمنهم من لميتكمل به اصلا و لميستضئ و لميستشرق و منهم من تكمل به بعد ان قد كان تكملا استشراقيا استضائيا و لمايبلغ التكميل حقيقة كينونته فاستشرق و استضاء به كاستشراق الحائط بالسراج [ص 29] و منهم من تكمل به حتي ادرك مقام الاستضاءة الذاتية و لكن لعدم صفاء قابليته لميبلغ مقام الاضاءة و الاشراق و الاستقلال و منهم من تكمل حتي استشرق و استضاء بالذات و بلغ حد الاضاءة لصفاء كينونته و اعتدال طبيعته و لهؤلاء في هذا المقام درجات من حدود الاضاءة و الاشراق و ربّما يبلغ باحدهم الصفاء و اللطافة مبلغا يتجاوز مقام المكمل الاول اذا كان اصفي منه و الطف فالاول مثل الذين لميهتدوا بنوره و لميؤمنوا به و الثاني مثل المؤمنين المتبعين من شيعته حيث استشرقوا به و اهتدوا بنوره و لكن ليس لهم استقلال و لمايبلغ التكميل بهم حد الاستغناء عن المكمل فهم في ذلك كالمفتاح في اليد فانه يتحرك ما تتحرك اليد و يسكن ما تسكن و كالميت بين يدي الغسال و كاستضاءة الحائط بنور الشمس فهم شيعة له و اتباع ليس لهم شئ الا بحفظ المكمل و الثالث مثل الانبياء الذين لميبعثوا الي احد و لميتجاوز نبوتهم انفسهم فهم مستشرقون مستضيئون بالذات قد ظهر فيهم ما ظهر في مكملهم الا ان كدورة طينتهم منعت نورهم عن النفوذ و الانتشار الي اهل الاستبصار فاهتدوا بانفسهم لانفسهم و لميبعثوا الي هداية قوم و معني عدم بعثة هؤلاء الي قوم عدم بعثتهم بشريعة جديدة تأسيسا و لا بالشرع السابق تأكيدا بالوحي الخاص و الا فلايقصرون في بث التوحيد و صفات الله سبحانه و العلوم و الحكم و شرح الشرع السابق عن العلماء و كذلك للناس بهم و باحوالهم و صفاتهم اسوة حسنة كما يتأسون بالعلماء الصلحاء و ذلك لاينافي عدم البعثة و الرسالة الي قوم كما في العلماء حرفا بحرف و لهؤلاء درجات في كدورة الانية و صفائها فكلما كانت انيتهم اصفي و الطف يكونون اقرب [ص 30] الي حد الرسالة علي نحو ما ذكرناه في الفصل السابق و كذلك الشيعة الاتباع لهم درجات في الاستشراق اذ ربما يقرب بهم التكميل الي ان يشفوا علي الاستضاءة الذاتية الاتري ان الحديد الذي يوضع في النار يتسخن شيئا بعد شئ الي ان يصير محميً كالجمرة و بين اول تسخنه الي ان يصير محمي درجات متدرجة فرب شيعي مشرف علي النبوة كلقمان و نظرائه و رب نبي مشرف علي الرسالة و الرابع مثل المرسلين الذين تكملوا حتي اشتعلوا بالهداية و العلم و الحكم فصاروا هداة لقوم آخرين و امروا بالاشراق و الاضاءة و الهداية و بعثوا الي طائفة قلوا او كثروا و لهم ايضا في ذلك درجات الي حد اولي العزم و الخامس هو مقام اولي العزم الذين بلغ صفاؤهم مبلغا صار كمالهم به اكثر من كمال المكمل و ليس بمتحتم ان يكون المتكمل ابدا ادون من المكمل الاتري انك تشعل بجمرة سراجا وهاجا و مشعلة عظيمة و انما ذلك لاجل ان المكمل يد للعالي جل شأنه و الفعل للعالي يجريه مما يشاء كيف يشاء ، فتبين و ظهر لك درجات الانبياء و المرسلين ببيان ظاهر خفي ان تفطنت و ذلك النور الذي في المكمل هو نور النبوة و الامانة و العهد و الميثاق و الروح و الصحيفة و العلم و الحكم و الاسم الاكبر الذي يودعه الانبياء الذين بعدهم من وصي او نبي و لايخلو زمان من مستشرق بذلك النور مشرق الي ساير القوابل و هو الحجة الذي لايخلو الارض منه و الحق الذي خلقت السموات و الارض به و العبادة و المعرفة التي خلقت الجن و الانس لها و الغاية و الفايدة و غير ذلك مما سمعت في الاخبار .