فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق هذا الملك عالما مستقلا له سماوات و هي عليون و له ارضون و هي سجين و جعل الجنة في سمواته و النار في ارضيه [ص 425] و ذلك ان النور الساطع من المبدء انتشر علي قوابل الاكوان فكان كل ما يقرب من المبدء اشد نورا و بهاء و خيرا و كمالا و كل ما يبعد عنه اضعف نورا و بهاء و خيرا و كمالا و فاح في مقابله المنتهي بفوحه و اظلم بظلمته فانتشرت ظلمته علي جميع القوابل الكونية و تلك الظلمة كلما قربت من المنتهي كانت اشد ظلمة و كثافة و اعصي للمبدء و اقل مطاوعة و كلما بعدت عنه ضعفت في هذه الخصال فحصل منهما عند التمثيل بالسطوح المثلثان المتداخلان رأس كل واحد علي قاعدة الآخر فمثل عن القوة بالقاعدة و عن الضعف برأسها و في الحقيقة الامر في مثلث النور معكوس اذا لوحظ الوحدة و الكثرة و اللطافة و الكثافة فانما هما كالمثلثين المنطبقين باعتبار و قد يعبر عنهما بكرتين متداخلتين حادتين يغلب النور في المحدب و يغلب الظلمة في المقعر و يدفع بذلك توهم خروج بعض المثلثين عن بعض عند التداخل بالجملة هما معا منتشران علي قوابل الاكوان باجمعها فما يلي المبدء اقوي في النور و ما يلي المنتهي اقوي في الظلمة و الوسط بين بين استوت فيه الانوار و الظلمات لاتفضل احديهما علي الاخري فلما كان النصف الاعلي فيه سلطان النور و الخير و الكمال صار جهة المبدء فيه غالبة و احكي للمبدء و اشبه به و لما كان النصف الاسفل فيه سلطان الظلمة صار جهة المنتهي فيه غالبة و احكي للمنتهي و اشبه به و اعصي للمبدء و ذلك ان الشئ لايكون علي حسب ارادة شئ و صفته بكله الا ان لايكون من نفسه شيئا و هف فما دام الاثنينية باقية كانت المخالفة ثابتة و العصيان لازما فلايخلو احد من اهل الملك من ان يكون فيه عرق عصيان للمبدء و لذلك تري جميع الانبياء و الاولياء [ص 426] دائمي التضرع و الابتهال و الاستغفار و الاقرار بالذنوب و لايخلون منه في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و لنعم ما قال الشاعر :

اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب

غاية الامر ان هذه المخالفة تتدرج في الدرجات الي ان تبلغ المضادة التامة و الكفر المحض النسبي و قلت انه نسبي فانه لولا طاعة الكل لولي الامر لماخلقوا ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون ففيها نقطة مستهلكة من الطاعة كالعدم و بها تبقي و ان لم‌تعرف ، ربنا ماخلقت هذا باطلا ، و قال ماخلقناهما الا بالحق فقوام الملك بالطاعة و لولاها لفني لعدم وجود الغاية لخلقه و تعالي الحكيم عن اللعب قال و ماكنا لاعبين افهم و لما كان النصف الاعلي جهة المبدء فيه غالبة صار سموات ذلك الملك و دار بفضل حركة المبدء و عدم حجبه له بالامدادات و الافاضات و ظهر بالبقاء و الثبات و الخلود و النعيم و الخيرات و ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و ظهر بالقدرة و القوة و القبض و البسط و التغيير و التبديل و التصريف كما في القدسي اطعني اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون ، فصار عليين و ما ادريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فقد كتب فيه و عليه جميع ما ذكر و اضعافه و اضعاف اضعافه الي ما شاء الله و لما كان النصف الثاني الادني فيه جهة العصيان و عدم المطاوعة غالبة صار ارضين لذلك الملك و سكن لحجبه المبدء و احتاج و افتقر و تذلل و ظهر بالتغير و التبدل و الانقلاب و العذاب و المكاره و المساوي و التباغض و التحاسد و التخالف و العجز و الرجس و النجس و ما لا عين رأت و لا اذن [ص 427] سمعت من المنافرات فصار سجين و ما ادريك ما سجين كتاب مرقوم قد كتب عليه جميع ما سمعت و اضعافه و اضعاف اضعافه الي ما شاء الله فجعل الجنة في عليين و تلك السموات و النار في سجين و تلك الارضين و خلق المؤمنون حين آمنوا بما آمنوا من طينة الجنان و هي طينة الطاعة و الامتثال منها بُدِئُوا و اليها يعودون و هذا الخلق هو الخلق الشرعي بما اختاروا من الايمان و خلق الكافرون من طينة النيران حين كفروا بما كفروا و هي طينة العصيان و المخالفة منها بُدئوا في خلقهم الثاني و اليها يعودون فلا جبر و الحمد لله علي ما من علينا بفهم هذه الاسرار ببركات مبادينا محمد و آله الاطهار صلوات الله عليهم اجمعين و جعلنا من المسلمين لامرهم و الحمد لله فمن خلق من طينة الجنة و السماء رد اليها سالما غانما و من خلق من طينة النار و الارض رد اليها خائبا خاسرا فسماوات التشريع كامنة في هذه السماوات التكوينية و ارضوا التشريع كامنة في هذه الاراضي التكوينية كمون الزبد في اللبن فاذا مخض الكون مخض السقاء و صفي عن الاعراض ظهر عليه انوار التشريع و بدا منه افعاله و حكي عما وراءه من نور الشارع كما ان المؤمن اذا آمن في هذه الدنيا و عدل مزاجه بتصحيح منهاجه ظهر عليه نور الايمان و بدا منه افعاله و حكي عما وراءه من نور محمد و آل‌محمد عليهم السلام في افعاله و اقواله و احواله فالجنة و النار الآن موجودتان في غيب هذه السماء و الارض وجود الشجرة في النواة و تخرج عنها بالتربية و التنمية و التسقية و ان شئت قلت موجودتان مميزتان في اخروية هذه الدنيا و غيب غيبها و باطن باطنها بالفعل عند الله سبحانه يراها و يسمعها عيانا و قد رآها رسول الله [ص 428] صلي الله عليه و آله ليلة المعراج لانه مر في صعوده علي حقيقة كل شئ و رأي كل شئ حين يخلق قال الله سبحانه مااشهدتهم خلق السماوات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و هم الاعضاد و الاشهاد سلام الله عليهم لانهم العادلون الهادون فافهم فالجنة و النار موجودتان بالفعل في الدرجة الاخروية عند الله سبحانه و بالقوة في ظواهر هذه الاكوان المرئية فاذا صعدت في اقبالها الي ان بلغت غاياتها ظهرت عليها بالفعل ظاهرا محسوسا كما تشاهد الشمس و القمر و كذلك الاناسي ما لم‌يؤمنوا او يكفروا يكون فيهم الجنة و النار معا بالقوة فاذا آمنوا و سعدوا بايمانهم و صاروا من اهل الجنة صاروا سماويين في غيبهم الجنة بالقوة بالنسبة اليهم يعني لمايدخلوها و سيدخلونها و بالفعل بالنسبة الي الله سبحانه فان الله سبحانه يري المؤمن في الدنيا في الجنة متنعما بنعيمها شاربا من تسنيمها معانقا حورها راقيا قصورها يراها بالفعل من غير ترقب كما يري ساير حالاتها و اما المتدرج في الاوقات الصاعد الي مبدئه درجة بعد درجة ما دام هو في الدرجة الدنيا يكون وصوله الي الدرجة القصوي بالقوة و ان كان في علم الله سبحانه قد خرجت هذه القوة الي الفعلية يراها و يسمعها في حدها و مقامها و هذا معني قول النبي صلي الله عليه و آله علي ما روي عنه ان الجنة قاع صفصف فاكثروا فيها من الغراس فهي قاع صفصف قابلة لانواع الغرس حين هي بالقوة في غيب السماوات بالنسبة الينا صالحة للغراس علي ما يغرس فيها و ينبت فيها ما يغرس فيها و كلما غرس و نبت كان عند الله سبحانه مغروسا نابتا لم‌يخالف عملنا علمه سبحانه و تعالي عن ذلك علوا كبيرا افهم و بذلك حث الناس علي العمل و ليس [ص 429] للانسان الا ما سعي و لو كان الجنة التي لزيد مغروسة معمورة بالنسبة اليه لم‌يكن للحث علي العمل و التقوي فيه فائدة و الله سبحانه يقول سيجزيهم وصفهم و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فما تسعي و تعمل و تتصف به بعد فيك الآن بالقوة فاذا فعلت صارت بالفعل و غرسته و وصلت اليه و اكلت منه افهم ما اوضحته لك بافصح بيان و الله المستعان .

فصل - اعلم انا قد بينا سابقا ان الاجسام في هذه الدنيا هي الاجسام البرزخية و هي بعينها الاجسام الاخروية فهذه الارض ارض الآخرة و هذه السماء سماؤها و كلما لحق بهما اعراض متخللة في اجزائهما تطهران عنها في البرزخ و كلما لحق بهما اعراض متخللة في اركانهما تطهران عنها بين النفختين حتي يأتي يوم القيمة و كل شئ هو هو بسذاجته و صرافته لايشوبه غيره فيجري له ما له و عليه ما عليه فالجنة في هذه السموات بعينها و النار في هذه الارض بعينها لكن لاتحسان بهذه الحاسة المشوبة بالاعراض فهما في هذه المحسوسة بالقوة و في مكانهما بالفعل فاذا صفيتا عن اعراض الدنيا ظهر في السماء آثار الجنان و هي الجنتان المدهامتان المسمّاتان بجنة الدنيا و فيها بكرة و عشي و تغير و تبدل علي ما يناسب عالم البرزخ فاذا صفيتا عن الاعراض الطبيعية صارتا جنتي الآخرة بعينهما و انما مرادي ان الجنة موجودة الآن في غيب السماء و انما غطتها عن الابصار اعراض الدنيا و البرزخ و الله سبحانه يراها في مكانها فجنة الدنيا هي جنة الآخرة بل نعيم الدنيا هو نعيم الآخرة الا انه في الدنيا مشوب بالاكدار و في الآخرة يستخلص و جنة الدنيا الآن في المغرب و في الاقليم الثامن المسمي بهورقليا و هو ارض عالم المثال ادناها [ص 430] الطف من محدب العرش و ما روي انها في المغرب فمعناها غيب المغرب و خصص بالمغرب لوجوه اما لان الشمس اذا غربت عن افقنا طلعت علي افق آخرين فوراء مغربنا مشرق قوم آخرين فاريد به مغرب الدنيا الذي هو مشرق البرزخ فكونها في المغرب يعني به البرزخ او لان المغرب مغرب بحركة الفلك الثامن و مشرق لحركة نفس الشمس فاريد به ان الجنة في مطلع شمس المبدء و جهة شروقها او المراد مغرب شمس سجين لعنها الله التي هي مع قمرها بحسبان و مغربها مشرق شمس عليين لان رأس مخروط نور هذه علي قاعدة هذه او لاجل حرارة هذه الدنيا من الشمس و جهة المغرب جهة خمود تلك الحرارة و جهة المشرق جهة تشببها فناسب ان تظهر الجنة في جهة خمود الحرارة و النار فان اجزاء العالم الظاهر ابدان للحقايق الغيبية كل حقيقة تظهر فيما يشاكلها من اجزاء هذا العالم فمن حيث تظهر الجنة في المغرب و من حيث تظهر في وادي السلام و من حيث في حرم الحسين عليه السلام و كلها مظاهر الجنة و بعكس ذلك النار فهي تظهر في عين الشمس و في جهة المشرق و في حضرموت و في عيون بقر و كل عين حمئة و امثال ذلك بالجملة الجنة بحقيقتها في السماء و ان ظهرت في بعض الاراضي الطيبة و جنة الآخرة هي جنة الدنيا الا ان جنة الدنيا شيبت بالاعراض و جنة الآخرة صافيها و هي بعينها في السماء الدنيا الا ان اعراض الدنيا سترتها فصارت في الاعراض بالقوة و ستصير بالفعل اذا خلصت و عند الله بالفعل في مكانها و رتبتها موجودة كما قد روي في البحار عن الهروي قال قلت للرضا عليه السلام يا بن رسول الله اخبرني عن الجنة و النار اهما اليوم مخلوقتان فقال نعم و ان رسول الله صلي الله [ص 431] عليه و آله و سلم دخل الجنة و رأي النار لما عرج به الي السماء قال فقلت له فان قوما يقولون انهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين فقال عليه السلام ما اولئك منا و لا نحن منهم من انكر خلق الجنة و النار فقد كذب النبي صلي الله عليه و آله و سلم و كذبنا و ليس من ولايتنا علي شئ و خلد في نار جهنم قال الله عز و جل هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها و بين حميم آن و قال النبي صلي الله عليه و آله و سلم لما عرج بي الي السماء اخذ بيدي جبرئيل فادخلني الجنة فناولني من رطبها فاكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت الي الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ففاطمة حوراء انسية فكلما اشتقت الي رايحة الجنة شممت رايحة ابنتي فاطمة انتهي ، فتبين من هذا الحديث الشريف ان الجنة اليوم مخلوقة بالفعل عند الله سبحانه و لما صعد النبي صلي الله عليه و آله و سلم عن عالم الاعراض رآها و اي دليل ادل علي وجودها من كون آدم في الجنة يوم خلق و لكن لا شك ان الاعراض قد غطتها عن الابصار و هي من ورائها و ستظهر للعيون اذا صفيت عن الاعراض بالجملة جميع نعم الدنيا هي بعينها جنة البرزخ و جنة البرزخ هي بعينها جنة الآخرة فاذا صفيت نعم الدنيا سبعين مرة صارت جنة البرزخ و اذا صفيت اربعة‌آلاف و تسعمائة مرة صارت جنة الآخرة و كذلك جميع مكاره الدنيا و آلامها نيران البرزخ و هي نيران الآخرة لكن بعد ما صفيت كما سمعت كما ان جسم الانسان في الدنيا هو جسم البرزخ و هو جسم الآخرة و لكن بعد التصفية و انما تكسر و تصاغ لتكون خالدة باقية و لو بقيت علي اعراضها لَعَراها البوار و الزوال كما عراها في الدنيا فافهم .

[ص 432] فصل - اعلم ان للجنة و نعيمها مادة و صورة مادتها من ظل مبدأ الخير صلوات الله و سلامه عليه كما روي ان الجنة و الحور العين خلقت من نور الحسين عليه السلام و ذلك الظل امر وجودي مستقل لا عرضي زائل فان الناس اذا سمعوا بالظل و النور يحسبونهما كنور الشمس و ظل الانسان امرا صوريا عرضيا لا وجوديا ثابتا مستقلا و انما هو كظل مشية الله سبحانه الكونية التي خلقت بها حقايق الاكوان المستقلة فمادتها هي ظل مبدأ الخير الشارع الداعي الي الله سبحانه و صفته المطابقة لرضاء الله سبحانه و محبته و صورتها من نفس ذلك الظل و انيته كما ان نور الشمس مادته ظل هيئة الشمس و صورته من نفس ذلك الظل فهما معا نور مطابق لصفة الشمس و هو صفة الشمس التي وصفت نفسها لها بها و ليس لها منها الا نفسها و هي لاتطابق ذات الشمس و انما تطابق صفتها و هي صفتها بنفسها قد تجلت لها بها من حيث مادتها و بها امتنعت منها من حيث انيتها فما كان يقال ان الاثر يشاكل صفة المؤثر و يمثل له بان نور السراج كشعلته فانما هو مثل تقريب و جميع ما يري اثر النار و صفتها و هو يطابق صفتها و هو صفتها و كذلك حال كل اثر الاتري ان كتابتك التي هي حركة يدك هي اثرك و انت مؤثر لها بها و هي تطابق صفتك و هي صفتك و لاتشاكل شيئا فوقها لان ما فوقها معري عن حدودها فمادة الجنة ظل الولي تشاكل صفة الولي و هي صفة الولي و صورتها من نفس ذلك الظل و لما كانت ظل الولي و هو النفس الكلية الالهية التي خلقت الاشياء منها كما روي ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و هي مقام التفصيل كما ان العقل الكلي مقام الاجمال ظهرت بانواع الخيرات و النعم و الحور [ص 433] و القصور و الانوار و الازهار و الاشجار و الانهار و الخدم و الحشم و غيرها و هي كلها اعمال الولي و افعاله و اقواله و صفاته و احواله و لكن هذا الوجود هو الوجود النوعي للجنة بالنسبة الي الاشخاص و ليست مخصصة باحد من المجازين و انما تخصص بكل واحد بعمله فانية كل انسان كاناء يغترف به من بحر الجنة فيخصص به و تنصبغ تلك الحصة في انيته بصبغها فبذلك الصبغ تتخصص و تكون له كما ان في السوق جميع النعم موجودة مميزة و لكنها بالنسبة الي المشترين نوعية يعني غير مخصصة باحد منهم فمن اشتري شيئا منها اختص به و يحلف يمينا انه له و يحرم علي غيره غصبه اياه و كذلك الجنة بانواع نعيمها مميزة معروفة محدودة فمن اشتري شيئا اختص به كما روي في البحار عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله ان في الجنة سوقا ما فيها شراء و لا بيع الا الصور من الرجال و النساء من اشتهي صورة دخل فيها الخبر ، و لا شك عند اهل الحكمة ان تخطيطات الصور يوم القيمة و في الجنة من العقايد و الاعمال فالاعمال السيئة و العقايد الباطلة صور قبيحة و الاعمال الحسنة و العقايد الحقة صور حسنة انسانية ثم لكل درجات مما عملوا فامتثالات العباد ثمن تلك الصور يشترونها علي حسب الاثمان التي يؤدونها و تتخصص بهم فحينئذ يصير تلك الحصة المشتراة المادة الشخصية لثواب الشخص و امتثاله الصورة الشخصية و هذا معني ما روي ان الاعمال صور الثواب و العقاب يعني صورهما الشخصية فان اعمال العباد هي امتثالاتهم لا غير و الثواب و العقاب هما الجزاء من الله سبحانه لهم باعمالهم بقي اشكال في الجمع بين الآيات الواردة في هذا المقام فان منها دالة بان نفس العمل هي الجزاء [ص 434] كما قال سبحانه ماتجزون الا ما كنتم تعملون فجعل الجزاء نفس العمل و قال سيجزيهم وصفهم فجعل نفس الوصف جزاءهم و وصفهم عملهم و قال ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري فجعل ما له و ما يراه نفس سعيه و سعيه عمله و هكذا و قال في بعض الآيات ان العمل سبب الجزاء كقوله اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ، فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا و امثال ذلك فنقول ان الثواب هو نور ساطع عن عمل المبدء الشارع و كونه علي حسب هيئة مشية الله سبحانه المرضية التي هي نفس ذلك العمل المنتشر علي جميع عرصات القوابل و العقاب هو ظل عمل مبدء الشقاوة قد امتد في جميع تلك العرصات و قد صارا في تلك القوابل بالقوة كحبة زرعتها في الارض فصارت في الارض بالقوة ثم تنبت تلك الارض بالسقي بالماء الالهي الذي هو الشرع الظاهري المبلغ الي العباد و الحكم و المواعظ و التحريصات التي يجمعها نداء اقبل فاي حصة من الارض كانت مستعدة تكملت و استجابت و اقبلت و صعدت صاعدة علي حسب اعتدال مزاجها و استعدادها و القت عن نفسها الاعراض الحاجبة و تخلت و تصفت و ترققت و تلطفت حتي حكت ما وراءها من ذلك الثواب و العقاب منصبغين بصبغ خصوصيتها متشخصين بشخصيتها فيختصان بها فيكون اقبالها الي المبدء كالعود النابت من الارض بالتسقية حتي اذا بلغت و كملت اثمرت و ذلك الثمر هو ظهور تلك الحبة المزروعة اول علي حسب قابلية السنبلة الاتري انك ربما زرعت حبة و حصدت سبعمائة كما انك تقف وحدك في بيت فيه مرايا فيتعدد ظهورك علي حسب تعدد المرايا و يكون ظهورك ايضا علي حسب صبغ المرايا و هيئاتها فكذلك الحبة المزروعة في ارض [ص 435] القوابل هي مثال المبدء الشارع و نوره فكمنت في ارض القوابل ثم ظهرت منها بعد تصفيتها فان كانت متوجهة الي عليين كشفت عنه او الي سجين كشفت عنه فالثواب و العقاب هما ثمرات الاعمال فمن زرع خيرا حصده و من زرع شرا حصده و هما لباب الاعمال من حيث الصورة و خلاصتها لان الثمر لب العود و خلاصته من حيث الصورة و ان كانت مادته من مادة الحبة المزروعة اول فالجزاء هو الاعمال الصاعدة الملطفة المصفاة من حيث الصورة و هي التي بها يسمي الشئ و يخصص و يعين و هو غير الاعمال و ان يجز الانسان به بالاعمال لان العمل في مقام العود و الجزاء في مقام السنبلة و ان عرفت ذلك صدقت انهم عليهم السلام كما روي اصل كل خير و من فروعهم كل بر و اعداءهم اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و ان كل عمل خير عملهم و هم القائمون بها العاملون بها المستحقون بها الثواب من الله سبحانه و كذلك اعداؤهم فكل عمل شر عملهم و هم القائمون بها العاملون بها المستحقون بها العقاب من الله سبحانه و ساير القوابل كالادوات و الآلات و يعوض آل‌محمد عليهم السلام من كرمهم شيعتهم ببعض النعيم و كذلك يصل الي اتباع اعدائهم من شرار عذابهم كما انك لو وقفت في بيت المرايا تستحق كل مدح فيها و كل ثناء و كفي المرآة فخرا ان لاتحجب ظهورك كما تحب في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه الزيارة ، فارتفع التنافي الظاهري بين الآيات و الحمد لله بما ذكرنا فان العود و السنبلة و الحبات كلها نبات الارض الا ان العود اسفل و السنبلة اعلي و كذلك الجزاء و العمل كلاهما نابتان من ارض القابليات الا ان العمل اسفلهما و الجزاء اعليهما فان قلت [ص 436] بالعمل يجزون فحقا قلت و ان قلت ان الجزاء هو العمل فحقا قلت فان السنبلة هي اقبال الارض و نباتها و اجابتها نعم للجزاء مادة نوعية من شعاع المادة و هي من حيث النوعية لاتخص باحد و صورة شخصية هي قبول القابل و اقباله و الاشياء تسمي باسمائها في بطون صورها فجزاء زيد عمله و هو الذي يراه و يصل اليه و يؤثر فيه و يختص به دون غيره فارض الجنة قابلية المؤمن لانها حصة من طينة الجنة و حورها و قصورها و انهارها و اشجارها و ساير نعيمها هي ثمرات نابتة من تلك الارض و هي التي يدخلها الشخص و يسكن غرفاتها و يرتع في بساتينها و سعتها و ضيقها علي حسب سعة صدره و بعكس ذلك الكافر فقابليته حصة من ارض جهنم و كلابها و حياتها و شرارها و ساير عذابها هي ثمرات تلك الارض النابتة و الكافر يدخلها و يلج في دركاتها و يعذب بعذابها و عمقها و سعتها و ضيقها علي حسب استعداده فالمؤمن ابدا في الجنة و الكافر ابدا في النار الا انهما كما بينا في السماء و الارض في الدنيا علي ما تري قد شيب ابدانهم بالاعراض و ظهرت علي حسب مقتضيات هذه الدنيا و تصفي في البرزخ سبعين مرة فتكون ارض جنة البرزخ او ناره و تظهر بغير هذه الصورة بل بصورة النعيم و الجحيم و اذا صفيت اربعة‌آلاف و تسعمائة مرة كانت ارض جنة الآخرة او نارها و تظهر علي حسب مقتضي الآخرة من الخلود و الخلوص و ذلك معني ما روي في البحار عن ابي‌جعفر عليه السلام قال والله ماخلت الجنة من ارواح المؤمنين منذ خلقها و لاخلت النار من ارواح الكفار العصاة منذ خلقها عز و جل الخبر ، و قال الله سبحانه و ان جهنم لمحيطة بالكافرين و قال كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به [ص 437] متشابها و الاحاديث الواردة في ان طينة المؤمن من عليين و من الجنة و طينة الكافر من سجين و من النار متجاوزة حد اليقين فان شئت فراجع .

فصل - ربما يتعرض من لا درية له في العلم علينا بان المفهوم من الكتاب و السنة ان الجنة يدخلها المؤمن و المؤمن غير الجنة و الجنة بستان فيه قصور يدخله المؤمن كما يدخل احد منا في الدنيا بستانا و دارا و كذلك النار حفرة يدخلها الكافر و تحيط به و الذي قلته انهما طينة الانسان و ساير ما فيهما اعماله فاين يدخل و ماذا يحيط به و علي هذا الانسان بنفسه جنة او نار فنرده بانه لا تنافي فيما ذكرنا و ذكرت فانهما من الكتاب و السنة معا و لا تنافي فيهما لانا قد بسطنا القول سابقا ان الجنة و النار و الثواب و العقاب في التشريع و ان للانسان وجودين كونيا و شرعيا فالوجود الكوني هو زيد من حيث هو الذي يأكل و يشرب و ينكح و يلد و يمشي و هو غير المؤمن و الكافر و هما خلقان وصفيان يخلقان من ظل المبدء و المنتهي و من امتثاله فان امتثل امر مبدء الخير خلق له وجود ثان من ظله و ماهية ثانية من اجابته و هي الطينة التي خلق منها المؤمن لا زيد و ذلك الوجود هو الماء العذب الذي رش علي تلك الطينة و ان امتثل امر مبدء الشر خلق له وجود ثان من ظله و ماهية ثانية من اجابته و هي الطينة التي خلق منها الكافر و ذلك الوجود هو الماء الاجاج الذي رش علي تلك الطينة فهذا الخلق الثاني صورة يدخلها زيد و هذا الخلق حصة من الجنة او حصة من النار و هذا هو جنته الخاصة به و ناره الخاصة به و سعة هذه الجنة و النار و ضيقهما علي حسب سعة الايمان و الكفر و نعيمهما و عذابهما علي حسب اعماله و زيد هو الذي يدخل الجنة بايمانه و عمرو هو الذي يدخل النار [ص 438] بكفره فالجنة عرصة الايمان و النار عرصة الكفر قال سبحانه سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فان كانت الجنة و النار جزاء فهما وصف الانسان و عمله و هما داران تحيطان بالانسان بلا شك و الانسان يدخلهما كما مر من الخبر ان في الجنة سوقا تباع فيه الصور فيدخل المؤمن في اي صورة شاء و سبب كون الجنة فيها انهار و اشجار و حور و قصور و غير ذلك انها حقايق تلك الاعمال و صورها الاخروية علي حسب خصوصيات الاعمال و لكن الشأن في معرفة تلك الانهار و الاشجار و الحور و القصور هل هي علي ما يشاهد في هذه الدنيا او غير ذلك و لا شك ان الصور الاخروية هي حقايق هذه الصور المصفاة عن الاعراض التي اقتضي لحوقها بها في الدنيا هذه الصور المشهودة و في الآخرة هي مصفاة عنها فتقتضي صورا غيرها الم‌تسمع ان انهار الجنة تجري في غير اخدود و ان اشجارها علي عكس اشجار الدنيا سوقها اعلي و فروعها اسفل و هو قوله سبحانه قطوفها دانية و هيئات الحور و آلاتها و ادواتها و اعضاؤها علي حسب ما تحتاج اليه في الآخرة كما بينا سابقا من صورة الانسان في الآخرة بالجملة من راجع الاخبار نوعا عرف ان هيئاتها علي خلاف هيئات ما في الدنيا و انما هي علي صفة طباعها و حقيقتها و ذلك ان للانسان مقاما جماديا و مقاما نباتيا و مقاما حيوانيا و مقاما نفسانيا و جميعها متعلق التكليف و الامر و النهي و الانسان يمتثل بجميع مراتبه و لكل واحد من هذه المقامات نحو امتثال يليق به فلظل مبدء الخير في كل نوع من هذه الامتثالات انصباغ فيحصل له بذلك حقايق قصور و انهار و نباتات و اشجار و طيور و مطايا و حور و خدم و حشم و غير ذلك علي حسب درجات مراتب [ص 439] الامتثال و استعدادها و سعتها و ضيقها فقد روي ان الجنة اسفلها طعام و اعلاها علم فافهم و كذلك امتثالات المنافقين فثمراتها علي حسبها فمنها دركات و اودية و حميم و غسلين و منها زقوم نابت و منها حيات و عقارب و كلاب و منها قرناء سوء و ازواج سوء و اسفل الكل الحمق و الجهل الذي هو اشد العذاب فتدبر في هذه الكلمات المختصرة التي فيها كنوز العلم الذي من اعلي الجنة ان شاء الله .

فصل - اعلم ان الجنات ثمان بعضها فوق بعض و لها حظاير سبعة و دركات النار سبعة و حظايرها ايضا سبعة فالدور في الآخرة تسع و عشرون و السر في ذلك ان الجنات في السماوات و هي سبع في كل سماء جنة و الثامنة المحيطة بالكل في الكرسي و هي المخصوصة بآل‌محمد عليهم السلام لايسكنها غيرهم و هي لا حظيرة لها و اما السماوات السبع فلها حظاير و هي اظلال السموات و انوارها و امثلتها و النار في الارض و هي سبع في كل ارض درك بعضها تحت بعض و لها اظلال و امثلة هي حظايرها و تسمي بالضحضاح و هي فوقها و اقل شرا منها و ليست بدار خلود للكل بل يمكن الخروج منها لبعض و معرفة هذه الجملة لايمكن الا في فصول منفردة .

فصل - اذا عرفت ان الجنة في الخلق الثاني الشرعي و ان طينة كل امرئ قبضة من طينة الجنة فطينة جميع المؤمنين جميع الجنة و لكل درجات مما عملوا فكل جماعة منهم لهم درجة واحدة هم في جنة واحدة و طينهم من تلك الجنة و تلك الطين سماوية لانها عليون و فيها الجنة ففي الكافي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله جل و عز لما اراد ان يخلق آدم بعث جبرئيل في اول ساعة [ص 440] من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة بلغت قبضته من السماء السابعة الي السماء الدنيا و اخذ من كل سماء تربة و قبض قبضة اخري من الارض السابعة العليا الي الارض السابعة القصوي الي ان قال قال للذي بيمينه منك الرسل و الانبياء و الاوصياء و الصديقون و المؤمنون و السعداء و من اريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال و قال للذي بشماله منك الجبارون و المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هوانه و شقوته فوجب لهم ما قال كما قال الخبر ، و هو شريف طويل فالمؤمنون من طينة السماوات و كل جماعة منهم لهم رتبة واحدة في سماء خاصة بهم و فيها جنتهم و ذلك ان الله سبحانه خلق الانسان الكوني من تسع قبضات من الافلاك و قبضة من الارض ثم دعاهم الي الاقبال اليه فمنهم من اجاب و اقبل فصارت قبضاته جميعا طيبة و منهم من انكر و ادبر فصارت قبضاته جميعا خبيثة فالقبضات الطيبة هي السماوات الشرعية و الارض الطيبة حظيرتها و القبضات الخبيثة هي الاراضي الشرعية و الارض الخبيثة حظيرتها فمن كان الغالب عليه الظاهر فيه الامتثال بقبضته الارضية الشرعية و سماواته في القوة الشرعية و لماتخرج الي الفعلية فهو من اهل الحظاير و لهذه القبضة سبع مراتب لان فيها انوار السبع كما يأتي و من امتثل بقبضته الروحانية و الباقية فيه بالقوة الشرعية فهو من اهل الجنة الاولي و من امتثل بقبضته الفكرية و الباقية فيه بالقوة فهو من اهل الجنة الثانية و هكذا قبضته الخيالية و قبضته من المادة الثانية و الوهمية و العلمية و العقلية فكل من كان فيه قبضة بالفعل و ما فوقها فيه بالقوة يكون من اهل تلك الجنة و الطائفة الذين هم مشاركون في القبضة مشاركون في الجنة و الرتبة و لما كان [ص 441] هذه السماوات شؤن الكرسي و جهات افعاله و آثاره و كانت لها نفوس جزئية صارت هي مقامات المؤمنين علي حسب درجاتهم و اما صاحب النفس الكلية فجنته في الكرسي سقفها عرش الرحمن ليس لغيره فيها نصيب و جميع الجنات بالنسبة اليها كحلقة ملقاة في فلاة قي و استغفر الله من قلة التحديد بل لا نسبة فان النسبة بينهما كالنسبة بين الاثر و المؤثر و قد روي في البحار عن علي عليه السلام قال ان للجنة ثمانية ابواب باب يدخل منه النبيون و الصديقون و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون و خمسة ابواب يدخل منها شيعتنا و محبونا الي ان قال و باب يدخل منه ساير المسلمين ممن يشهد ان لا اله الا الله و لم‌يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا اهل البيت و قد ذكر بعضهم في اسماء الجنان ان اعلاها الفردوس ثم العالية ثم النعيم ثم العدن ثم المقام ثم الخلد ثم المأوي ثم دارالسلام و هذه الاسماء موجودة في الكتاب و السنة الا اني لم‌اجد علي هذا الترتيب الخاص دليلا و روي ان منزل محمد و آل‌محمد عليهم السلام جنة عدن و هي وسط الجنان و اقربها من عرش الرحمن و في رواية هي اعليها درجة و اشرفها مكانا و هو ينافي ما ذكروه من ان الفردوس اعلاها و في الكتاب ان جنة المأوي عند سدرة المنتهي و هي في الكرسي و لعلها تسمي بالعدن ايضا بالجملة لم‌اجد لهذا الترتيب دليلا فالمعول اليهم سلام الله عليهم و يكفي في صحة الاعتقاد وجودها و تعددها و اعلم انه قد نقول ان الجنة في الكرسي و نريد به انها في غيبه و ان كانت ثمانا و في كل فلك فان المراد بالافلاك نفوسها الدهرية القدسية و مظهرها في هذا العالم الكرسي و الافلاك مظهر عالم المثال و روي لما خلق الله عز و جل الجنة خلقها من نور عرشه و روي [ص 442] ان سقف الجنة عرش الرحمن فمحل الجنان اذا عبر عنه في الدنيا كان في الكرسي .

فصل - اعلم انك اذا عرفت ان الجنان في السموات الشرعية و ليس في الكون جنة و لا نار و السموات الشرعية هي الخلق الثاني لهذه السماوات اذا طاوعت و امتثلت امر الشارع اعني حصصها في المكلفين فالارض اذا طاوعت يكون فيها الحظاير التي هي ظل الجنان و هي ليست في السموات فهي في الارض و في ارض مطاوعة لا عاصية و المراد بالارض ارض عالم النفوس و جماديتها و نباتيتها و ذلك ان اهل النفوس الناطقة مختلفوا المراتب بحسب مراتب النفس و هي مثل مراتب هذه الاجسام المحسوسة و ان كان كلها جسما لكن منها عرش و منها كرسي و منها سموات و منها عناصر و هي الارض و كذلك عالم النفوس عالم مستقل تامّ المراتب كامل المقامات له عرش و كرسي و افلاك و ارض و من له نفس ناطقة يكون في ذلك العالم الا ان منهم في رتبة العرش و منهم في رتبة الكرسي و منهم في رتبة الافلاك و منهم في ارضه فالمؤمنون لما طاوعوا بما فيهم من الافلاك صارت افلاكهم سماوات شرعية و تنورت بنور الشارع و صارت عليين و اراضي الجنان و سكنها المؤمنون و اما الكرسي فهو مقام آل‌محمد عليهم السلام في القطبية يسكنونه في ظل عرش الرحمن ليس لاحد فيه معهم نصيب الا الانبياء و الاوصياء و لمحمد و آل‌محمد عليهم السلام اشرف درجاته لان درجات الجنة الواحدة متفاوتة و اما العرش فهو مقام الرضوان المخصوص بمحمد و آل‌محمد عليهم السلام في مقام التفرد لايشاركهم فيه احد و هو غير الجنان و اما ارض عالم النفوس فهي مقام النفوس [ص 443] الدانية الخسيسة كنفوس اولاد الزني ان آمنوا و نفوس المجانين الذين لم‌يشعروا ايام الدنيا و نفوس الجن فان هؤلاء الطوائف يسكنون ارض عالم النفوس و اما الاطفال و المستضعفون فبعد عرض التكليف اما يصعدون الي عليين او يهوون الي سجين و الله اعلم بما كانوا عاملين و قلنا بكون اولئك الثلث في الارض لخساسة نفوسهم و عدم قابليتها لان تصير سماوية فطينهم في الخلق الثاني الشرعي مقبوضة من ارض عالم النفوس كالجمادات و النباتات التي مبدؤها الطبايع و ليس لها ذكر في السماوات و كل شئ يصعد الي حيث قبض منه له و خلق روحه و نفسه منه فاولئك مسكنهم الارض الا انها طيبة و فيها نعيم نسبته الي نعيم جنان السماء نسبة كثافة الارض الي لطافة السماء و تلك لها سبع مراتب لكل سماء ارض هي من ظلها بعضها فوق بعض في الرتبة فارض مماتهم ارض النفوس و ارض عادتهم عادة حسنة علي حسب رضاء الله سبحانه و كذلك ارض طبعهم و ارض شهوتهم و ارض غضبهم كلها لله سبحانه و ارض الحادهم ارض ميل الي الحق و عن الباطل و ارض شقاوتهم ارض قسوة عن قبول الباطل بالجملة هذه الاراضي اذا طاوعت الشارع صارت طيبة لطيفة و مع ذلك هي غير السماوات و اعليها ادني من ادني السماوات و نفوسها نفوس ظلية كما ان نفس النبات ظل نفس الحيوان و نورها و اما الكرسي و العرش فلا ارض في مقابلهما نعم في مقابلهما حملة الارض من الملك و الصخرة و الثور و الحوت و فيهما جهة الرب غالبة و هي مطاوعة لربها كساير المبادي السماوية و لان الكرسي و العرش لغلبة نورانيتهما و كليتهما لا انية لهما و لا عكس فانحصرت الحظاير بالسبع و هي الاراضي السبع التي هي اظلال السماوات [ص 444] السبع لكل سماء ظل خاص به يسمي باسمه و يسكنه قوم خاص كما سميناهم .

فصل - اعلم ان لكل نفس سكن الجنة ترقيات الي ما شاء الله و ليس ان كل مؤمن اذا سكن درجة و رزق نعيما لايزاد عليه بل العبد في اقباله الي مبدئه ليس يسكن ابدا و هو دائم السير بل سيره في الآخرة اسرع من سيره في الدنيا لتجرده عن الاعراض الثقيلة المانعة لسرعته و هو في كل طرفة عين يسير باكثر من تمام عمر الدنيا و يزداد ملكا و نعمة و في كل جمعة يزور ربه يزداد فيه نورا و بهاء و لكن مع سيرهم الدائم ليس يلحق الداني العالي فان العالي ايضا يسير فابدا صاحب الدرجة الاولي في الاولي و صاحب الثانية في الثانية فكل ذي درجة يسير في درجته بالسير الذاتي و يتسع عليه درجته و تزداد و ليس انه ينتقل من درجته الي درجة الآخر و لم‌يعمل عمله و ليس سيرهم في امكنة عرضية بل ذاتية نعم يظهر له في درجته آية بعد آية من العالي و نور بعد نور و لا غاية لذلك و لا نهاية و اعلم ان العبد ما دام هو عبدا عامل بعبوديته و بعمله بها يسير الي مبدئه و اعماله اقدام سيره الي مبدئه و لكن الاعمال تختلف بحسب العوالم لاختلاف الكينونات فاذا كان للانسان اعراض كانت الاعمال الذاتية عليه كلفة و اذا خلص عن الاعراض كان نشاطه و تلذذه و تنعمه و غاية حبوره و سروره بتلك الاعمال لانها من مقتضي شهواته الذاتية و ليست عرضا يصعب عليه فلا تكليف في الدار الآخرة و انما هي شهوات ذاتية و بها يسير الي مبدئه و تلك الشهوات في الآخرة هي ثمرات هذه الاعمال و ارواحها و اخرويتها و هذه الاعمال هي اجسادها و دنياويتها و تختلف شهوات اهل الجنة في الجنة كما كانت اعمالهم مختلفة في الدنيا فكما [ص 445] ان من المؤمنين من يكون غاية لذته في الدنيا التفكر في الله و في قدرته و التوجه اليه و يقول في دعائه يا نعيمي و جنتي و يا دنياي و آخرتي كذلك اهل الجنة يكون فيهم من غاية لذته في زيارة الله سبحانه و النظر الي نور وجهه كما روي في القدسي في حق اصحاب الجوع و الصمت اذا تلذذ اهل الجنة بمأكلهم و مشربهم تلذذوا بكلامي و مناجاتي و كما ان من المؤمنين في الدنيا من غاية لذته في العلوم و لايكاد يلتذ من طعام و لا شراب و لا نكاح كذلك روي ان الجنة اسفلها طعام و اعلاها علم فسكنة اعلي الجنان لذتهم في العلم و كما يكون في الدنيا بعض المؤمنين لذتهم بالمأكل و المشرب و المنكح الحلال كذلك يكون بعض اهل الجنة يتلذذ بتلك اللذات الموصوفة فاذا كان في الجنة ينال كل لذته فكل رجل يلتذ بما يشتهيه و لا كل احد يشتهي ما يشتهيه الآخر و لكل درجات مما عملوا و جميع تلك اللذات خزائن الاعمال في الدنيا الا ان العمل له في الآخرة صورة و في الدنيا صورة فالعبد دائما في عمله بمقتضي العبودية و به يترقي في درجته فما روي ان الجنة ليست بدار عمل فمعناه عمل فيه كلفة و مشقة و الا فلهم اعمال و دعوات و مناجاة الم‌تسمع قوله سبحانه دعويهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين و وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة و اي عبادة اعظم من ذلك و في القدسي الذي مر تلذذوا بكلامي و مناجاتي و هي عبادة و في كل جمعة يزورون الله و هي عبادة و فيما بينهم يتزاورون و يزورون النبي و الائمة عليهم السلام و هي عبادة و غاية كل لذة ان تكون بمقتضي شهوة النفس فاذا كانت شهواتهم فيما يرضي الله فاي كلفة لهم و لايبتغون [ص 446] عنه بدلا و لا حولا ابدا اوليس اهل الجنة راضين عن الله متكلين عليه مسلمين له موقنين به عارفين بحقه و بنبيه و اوليائه و شيعتهم عاملين بما يرضي الله كائنا ما كان و هل العبادة الا هذه فالعبد ما دام هو عبدا عبد بعبادته و بها يترقي و يزداد درجة بعد درجة و هي اقدام سيره الي ربه و في كل قدم يزداد خلوده و ثباته و توحده و تشاكل اجزائه و قوته و قدرته علي احداث ما يشاء من النعيم في ملكه بمحض ارادته و يتضاعف في هذه الامور في كل درجة بما لايحصي فكلما اسقوا من الماء الالهي الذي هو نور المبدء الشارع و الذي منه حيوتهم الايمانية انحلوا من عقودهم المحددة لهم فانبسطوا و ازدادوا وحدة و انبساطا و نفوذا ثم عقدوا عليه و تعينوا به فاسقوا مرة اخري فحلوا من ذلك العقد مرة اخري فانبسطوا مرة اخري و اتسعوا اكثر و وسعوا من ذلك الماء اكثر و هكذا فليس لذلك المزيد غاية و لا نهاية قال الله تبارك و تعالي عطاء غير مجذوذ و قال لدينا مزيد و قال لا مقطوعة و لا ممنوعة افهم راشدا موفقا .

فصل - اعلم ان النار بعكس الجنة من كل جهة و هي في الارض كما ان الجنة في السماء كما سئل علي عليه السلام اين تكون الجنة و اين تكون النار قال اما الجنة ففي السماء و اما النار ففي الارض قيل فما السبعة قال سبعة ابواب النار متطابقات قيل فما الثمانية قال ثمانية ابواب الجنة و قد عرفت ان الاراضي سبع في مقابلة السماوات السبع و هي ارض الموت في مقابلة سماء الحيوة و ارض العادة في مقابلة سماء الفكر و ارض الطبع في مقابلة سماء الخيال و ارض الشهوة في مقابلة سماء المادة و ارض الغضب في مقابلة سماء الوهم و ارض الالحاد في مقابلة سماء العلم و ارض الشقاوة في مقابلة سماء العقل فهذه [ص 447] هي الاراضي السبع التي في كل واحدة منها طبقة من طبقات جهنم و هي علي ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام بعضها فوق بعض و درجات الجنان علي العرض فعنه عليه السلام ان جهنم لها سبعة ابواب اطباق بعضها فوق بعض و وضع احدي يديه علي الاخري فقال هكذا و ان الله وضع الجنان علي العرض و وضع النيران بعضها فوق بعض فاسفلها جهنم و فوقها لظي و فوقها الحطمة و فوقها الجحيم و فوقها السعير و فوقها الهاوية و من رواية اسفلها الهاوية و اعلاها جهنم و لعل المراد و الله اعلم من كون النار اطباقا و الجنة بالعرض ان اهل النار قد تكبروا في الارض و استعلي بعضهم علي بعض فظهروا يوم القيمة في اطباق و ان اهل الجنة متواخون متواضعون لايستعلي العالي منهم علي الداني بل يخضع له و يخشع فظهروا بالعرض عند الاجتماع اخوانا علي سرر متقابلين و ان كان لكل واحد فيما يخصه درجة لايلحقها الداني فقد قال الله سبحانه هم درجات عند الله و قال لهم درجات عند ربهم بالجملة صارت الجنة ثماني و النار سبعا فان جنة عدن لا مقابل لها في سجين لغلبة نورانيتها و اضمحلال الانية فيها و مظاهر تلك الابواب في الانسان حواسه الخمس و نفسه النباتية و جسده من حيث انفسها اذا استعملها في مساخط الله سبحانه و بواطن هذه الابواب و هي حواسه الخمس الباطنة و روحه و نفسه الامارة بالسوء من حيث انفسها فانه اذا عصي الله بها لادت الانسان الي جهنم التي هي في الارض فظواهر تلك الابواب تؤدي الانسان الي ضحضاح جهنم اذ له ايضا سبعة ابواب علي طبق النيران الاصلية و بواطنها تؤدي الي ساير الطبقات الاصلية فانها تنفتح عليها و ذلك ان كل سماء من هذه السموات التي في [ص 448] الانسان صالحة لان تجري في طاعة الله فتكون مصورة بصورة الامتثال فتكون سماء شرعية و ان تجري في معصية الله فتكون مصورة بصورة الاعراض فتكون ارضا شرعية و اما هذه الارض فهي ان اطاعت تكون حظاير الجنان او عصت فتكون ضحضاح النيران فاذا كانت سماء مصورة بصور رضاء الله سبحانه كانت باب جنة من الجنان و اذا كانت ارضا مصورة بصورة سخط الله كانت باب طبقة من طبقات النار فسبع نيران تقابل سبع جنان و اما الكرسي فهو مقام النفس الناطقة القدسية الانسانية الكلية فهي لاتعصي و لايعصي بها ابدا فان الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الطريق الي كل خير و هي الصراط المؤدي الي الجنان و لايقع في النيران الا من زل عنه فهي باب جنة و ليست بباب نار فلاجل ذلك صارت الجنان ثماني و النيران سبعا و حظاير كل واحدة ايضا سبعا و لا حظيرة للثامنة لانها كلية و لا آية لها في الجزئيات الارضية فتدبر .

فصل - ان لجهنم تسعة‌عشر زبانية يزبنون الناس في جهنم نعوذ بالله و هم ملئكة غلاظ شداد لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فانك قد عرفت ان جهنم في جهة الاراضي السبع التي هي انيات السموات المقابلة لوجوداتها الشرعية و ضحضاح النار في هذه الارض من حيث انيتها فتمام هذه السماوات و الارض اسباب تأدية الانسان الي النار اذا مال الي العصيان و جميعها اسباب تأدية الانسان الي الجنان اذا مال الي الطاعة و الامتثال و انت اذا نظرت رأيت كليات هذا العالم المتعلقة بالعصاة تسعة‌عشر منها الافلاك السبعة من حيث انيتها و ماهيتها و منها البروج الاثناعشر فهذه تسعة‌عشر المدبرات [ص 449] السماوية التي يزبنون العصاة اذا مالوا الي المعصية فيمددهم الملئكة الكلية التسعة‌عشر الموكلة بهذه التسعة‌عشر امداد خذلان و زبن و دفع الي جهة الاسفل فيزبنونهم الي النار و كليات الارض التي هي من ظلها و ضحضاحها ايضا تسعة‌عشر و هي العناصر الاربعة الظاهرة في مواليدها الثلثة فهي اثناعشر عنصرا و اشعة الكواكب السبعة الممازجة لهذه العناصر المكملة المدبرة لها فهي تسعة‌عشر سفلية يزبنون الانسان في الضحضاح اذا مال الي المعصية عن ظاهر جسده و آية هؤلاء الزبانية السفلية في الانسان اخلاطه الاربعة في مراتبه الثلث ثم طحاله و كبده مع معدته و مرارته و قلبه و آلات تناسله و ريته و دماغه المتحركة في مقتضيات تلك الاخلاط فهم الذين يزبنون الانسان في ضحضاح جهنم اذا مال الي العصيان و اما الزبانية العلوية الاصلية في الانسان فروحه و فكره و خياله و وجوده الحسي و وهمه و علمه و تعقله الذي ان عصي يكون جهلا السارية في مجاريها في شهور استكمال نفسه من مبدء تكونه الي غاية عمره في فصوله الاربعة الصبا و الشباب و الكهولة و الهرم فالصبا فصله الربيع و هو من اول عمره الي اربع‌عشرة سنة و الشباب فصله الصيف من خمس‌عشرة سنة الي ثلث و ثلثين و الخريف من اربع و ثلثين الي ستين و الشتاء من واحدة و ستين الي آخر عمره و بلحاظ آخر ربيعه الي ثلثين و صيفه منه الي ستين و خريفه منه الي تسعين و شتاؤه منه الي آخر العمر و لكل وجه و لكل فصل طرفان و وسط فالمجموع اثناعشر شهرا هو مدة استكمال النفس و بلوغ الكتاب اجله و لكل واحد ملك يزبن الانسان الي جهنم ان كان مائلا الي المعصية نعوذ بالله بالجملة هؤلاء التسعة‌عشر ملئكة كلية مدبرة لامر العالم [ص 450] الكبير و الصغير يدبرون جميع ما يجري في هذا العالم كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقته الي النجوم فجرت به و تحت هؤلاء من الاعوان و الانصار ما لايحصيهم الا الله و مايعلم جنود ربك الا هو فكل من اختار المعصية يمدده ربه بامداده الخذلانية بواسطة هؤلاء الملئكة فيدفعه الي نار جهنم قال تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و من اختار الطاعة فهؤلاء الملئكة مع الملئكة الموكلين بالكرسي و العرش جميعا يمدونه امداد توفيق و تأييد و تسديد و ترقية و يسلكون به سبيل الجنة فافهم راشدا موفقا .

فصل - اعلم انا قد اسلفنا هنا و حققنا في ساير كتبنا ان للاشياء وجودين وجودا كونيّاً و هو كونهم مخلوقين بمشية الله سبحانه من مادة و هي الماء النازل من سحاب المشية و صورة و هي التربة المخلوقة من نفس ذلك الماء فهم في هذا الوجود عباد مطيعون لامره سبحانه لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فيسجد له سواد الليل و ضياء النهار و يعبده الكافر بكفره كما يعبده المؤمن بايمانه لا مزية لاحدهم علي الآخر في العبادة و ليس احدهم باطوع له من الآخر و لا باقرب اليه و الرحمن علي العرش استوي يعني ليس شئ اقرب اليه من الآخر فذلك طاعة كونية اذ تكونوا علي ما كونهم و وجودا شرعيا و هو كونهم مطيعين او عاصين للشارع لهم مادة و هي الماء النازل من سحاب المشية الشرعية المطابق لمحبته و هو الماء العذب في بطن امتثالهم الذي هو الصورة او المخالف لمحبته و هو الماء الاجاج في بطن اعراضهم [ص 451] الذي هو الصورة فهذه المادة و الصورة هما حقيقة الوجود الشرعي كما ان تلك المادة و الصورة هما حقيقة الوجود الكوني و لا شئ في ملك الله سبحانه الا و له هذان الخلقان و لايمحي هذا الخلق الثاني و لاينسخ بعد استقراره عليهم هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و ما ثبت في ملك الله لايخرج من ملكه كيف و الشرع غاية الكون و في محوه بقاء الخلق بلا غاية و هو لايصدر من الحكيم قال سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و روي اي ليعرفون كما في القدسي خلقت الخلق لكي اعرف فالشرع غاية الكون الا ان العبادة و المعرفة هي الغاية المنظورة بالذات و انما مكنوا من المخالفة لتكون العبادة عبادة و لو كانوا غير متمكنين من المخالفة و المعصية لم‌تكن العبادة عبادة و لكانوا مجبورين عليها فبعد ما مكنوا من المخالفة اختارها بعضهم فاستقرت عليهم و خلقوا في الثاني منهما علي خلاف رضاء الله سبحانه و محبته خذلانا فلما ظهرت الحالتان عليهم و ثبتتا في ملك الله لم‌يجز محوهما عن ملكه هذا و هما كوناً من حكمته البالغة الكونية و كماله و جماله فهم بعد استقرار الوجود الشرعي منه بُدِئوا و اليه يعودون و لايعودون الي الكون بمحو الشرع فانه لايمحي بعد ثبته فالمؤمن بدئ من الايمان و اليه يعود و الكافر بدئ من الكفر و اليه يعود كما بدأكم تعودون فريقا هدي و فريقا حق عليهم الضلالة فروي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية خلقهم من طينتهم مؤمنا و كافرا و شقيا و سعيدا و كذلك يعودون يوم القيمة مهتد و ضال فالمؤمن خلق بعد عرض التكليف عليه من طينة الجنة و عليين و اليها يعود و الكافر خلق من طينة النار و سجين [ص 452] و اليها يعود و قد مر عن الباقر عليه السلام والله ماخلت الجنة من ارواح المؤمنين منذ خلقها و لاخلت النار من ارواح الكافرين العصاة منذ خلقها انتهي ، و لو تجاوزوا عن المبدء الشرعي لبطلت الجنة و النار و هو خلاف اجماع المسلمين و الكتاب و السنة فاهل الجنة مخلدون في الجنة و اهل النار مخلدون في النار و اما اهل الجنة فيتنعمون ابدا بورود الامداد المشاكلة لذواتهم المناسبة لهم المقوية لوجوداتهم و ذلك مما لا اشكال فيه و اما اهل النار فيتألمون ابدا بورود الامداد المنافرة لفطرتهم التي فطر الله الخلق عليها بحكم المقابلة و في ذلك اضطربت آراء منتحلي الحكمة فمنهم من قال انهم يأنسون بعد حين بتلك المنافرات شيئا بعد شئ الي ان يلتذوا بتلك الامداد و هم مخلدون فيها بحيث لو امدوا بنعيم الجنة تنافروا عنه و تأذوا به و منهم من قال بخروجهم عنها و دخولهم الجنان و لهم في ذلك ترهات واهية سموها ادلة عقلية و زخرفوها ببعض المتشابهات من الكتاب و السنة و كتبهم بها مشحونة و نحن بعد ما بينا وجه دوام التألم تستغني به عن ذكرها و ردها فنقول انك بعد ما عرفت ان الاشياء لهم وجود كوني و هو بمنزلة الامكان للوجود الشرعي و ان الوجود الشرعي كان فيهم بالقوة و صار بالفعل بتكميل الداعي الي الخير و الداعي الي الشر فجميع الخيرات و التنعمات و الشرور و التألمات كانت في الاكوان بالقوة كالصحة و المرض و الراحة و التعب و اللذة و الالم فانها في الابدان بالقوة و انما تستخرج منها بتكميل المكملات و هي كلها فيها ممكنة الي ما لا نهاية له يعني يمكن ان يستخرج منها ما يلتذ به دائما و ما يتألم به دائما و انواع اللذات و الآلام [ص 453] غير متناهية و كما انه يمكن ان يتألم الانسان مرة يمكن ان يتألم مرات الي ما لا نهاية له و سبب تألمه بما يستخرج من قوته الي الفعلية انه كاين علي صفة خاصة هي كونه هو هو و ما يمكن فيه من ضد تلك الصفة الذي به فساد كونه او ضعفه ينافر كونه كما تري ان البدن كونه باتصال اجزائه و يمكن في حقه تفرق اوصاله فاذا خرج تفرق اوصاله من القوة الي الفعلية تألم منه كونه الذي هو الاتصال فاذا فرق و تألم ثم اعيد الي حالته الاولي ثم فرق مرة اخري تألم مرة اخري كما قال سبحانه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فتبين و ظهر ان دوام التألم امر ممكن لايخالف العقل المستنير فاذا قام برهان علي دوام وجود التألم لا يأباه العقل لانه ممكن عنده فاذا ثبت امكانه نقول ان الشارع لم‌يأمر المكلفين الا بما فيه الخير و الراحة و النعمة و اللذة الدائمة و الصلاح و لم‌ينه الا عما فيه الشر و التعب و العذاب و الالم الدائم و الفساد ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و ذلك بديهي فاذا امتثل المكلف امره و انزجر عن نهيه خرج من قوته ما فيه اللذة فان امتثل مرة التذ مرة و ان امتثل مرات يلتذ مرات و ان خالف امره و نهيه خرج من قوته ما فيه الالم فان خالف مرة تألم مرة و ان خالف مرات تألم مرات بالبداهة و ليس اذا خالف مرة طاب تلك الآلام و صار المنهي عنه مأمورا به و الفساد صلاحا و لو كان الامر كذلك لكان المخالفة مرة قبيحة و مرات حسنة و فيها الصلاح و لايقول به جاهل فضلا عن العاقل ثم لا شك ان المؤمن الممتثل يؤمن بنفسه الدهرية و يفصل امتثاله في بدنه في الازمان [ص 454] طال عمره ام قصر و الكافر المخالف يكفر بنفسه الدهرية و يفصل مخالفته في بدنه الزماني طال عمره ام قصر فامتثال المؤمن دهري و ان ظهر في زمان محدود و مخالفة الكافر دهرية و ان ظهرت في زمان محدود فلو عاشا ابد الابد لظهر امتثال ممتثلهما و مخالفة مخالفهما كما يظهر شعورهما و نطقهما بلا تفاوت فالمؤمن الممتثل يخلد فيما فيه لذته ابدا دهريا و الكافر المخالف يخلد فيما فيه المه ابدا دهريا باختيارهما ما اختارا و هذا معني ما روي بنياتهم خلدوا و ليس ان الله سبحانه يثيب المؤمن لقرابة بينه و بينه او لمناسبة بينهما او لرقة منه عليه و يعذب الكافر لمعاندة بينه و بينه او منافرة او شفاء غيظ حتي يقال انه ارحم الراحمين و كيف يرضي ان يعذب عبدا ضعيفا ابد الابد بل العبد بنفسه اذا اختار لنفسه ملازمة ما فيه تألمه ليس في حكم العدل ان يمده بغير ما يختار و لايشملهم الفضل لانهم لايستحقون منه الفضل و لايريدونه منه باختيارهم فكيف يشملهم الفضل و ليس من ذات الله سبحانه و لا من ذاتهم اقتضاء و انما يشمل الفضل الذين يرتكبون السيئات بجهالة او عادة او طبيعة او شهوة او غضب او غير ذلك و قلوبهم منكرة لها وجلة منها يجدون في انفسهم ان الله سبحانه ان عذبهم فبعدله و ان غفر لهم فبفضله فاولئك يتوب الله عليهم من فضله و رحمته فسمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة قيل يدخله الله بالذنب الجنة قال نعم انه يذنب فلايزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه الله فيدخله الجنة و سمع يقول من اذنب ذنبا فعلم ان الله مطلع عليه ان شاء عذبه و ان شاء غفر له غفر له و ان لم‌يستغفر و سمع يقول ما من عبد يذنب ذنبا فندم عليه الا غفر الله له قبل [ص 455] ان يستغفر الخبر ، فمن بقي فيه باقية يقر لله سبحانه انه مستحق لعقوبته و هو مؤمن بالله سبحانه يدركه الفضل و الشفاعة و الا فلا قال سبحانه ان الله لايغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمن لم‌يقر له بالوحدانية لايغفر له و ثمرة عدم المغفرة ان يؤخذ بشركه و اذا كان شركه ذاتيا في الشرع و لايتجاوزه و الذاتي لايزول يستحق العذاب ابدا و لا مقتضي فيه للفضل بسوء اختياره فبذلك يدوم عليه العذاب و التألم و لايستأنس التألم لتجدد ما ينافر كونه الباقي علي ما هو عليه و لايستحيل الي النار لانه لايموت فيها و لايحيي و كل شئ هو هو و انما الاستحالة تجري في الصفات العرضية لا الذاتية فان استحالة الذات عدمها و لايعدم ما دخل الوجود لانه كمال كوني لله سبحانه و اسم من اسمائه القديمة و ما قيل ان العذاب للتأديب و ليرجع العاصي عن غيه و الا لا فائدة فيه و العذاب الابدي لا فائدة له و لايصدر من الحكيم فهو كلام قشري صادر عن غير حكمة فان العذاب التأديبي لمن يؤل الي الخير لصلاح ذاته و فساد اعراضه و ذلك ايضا ممن له غرض في التأديب و اين هذا الكلام من مقام العرفاء الاعلام و اما العذاب الذاتي فليس للتأديب و انما هو بسوء اختيار المعذب بالفتح بنفسه و ليس الله سبحانه يعذب احدا من الكفار لشفاء غيظ او لغاية تحصل منهم و انما الزم المسببات الاسباب بحكمته فمن قارن سببا لحقه المسبب لا محالة كمن رمي بنفسه في النار و احترق فمن رمي بنفسه في النار و الله سبحانه نهاه عنه احترق و ليس الله سبحانه احرقه لشفاء غيظه او ليرجع عن غيه فمن لم‌يستحسن العذاب الابدي فلايخترنّ الكفر الذاتي حتي يأمنه فان الاوقات تحد و لها اول و آخر ما دامت في الاوصاف و اذا صار الوقت [ص 456] للذات فلا غاية له و لا نهاية فالآلام التي تصل الانسان لصفاته العرضية فان لها انقضاء كما كان لاسبابها انقضاء و الآلام التي تصل الانسان لذاته فليس لها انقضاء اذ ليس لسببها انقضاء و لو راجعت الي جهات كلامي و فهمت مرامي لاتكاد تشك في خلود العذاب الاليم و دوام التأذي بشدايد الجحيم و لاتكاد تقول بقول اليهود الذين قالوا لن‌تمسنا النار الا اياما معدودة و لاتكاد تتزلزل بشبهات الصوفية لعنهم الله سبحانه المخربين للدين المعاندين لشريعة سيد المرسلين عليه و آله صلوات المصلين .