فصل - اعلم ان للانسان ثلث مراتب : الاولي مرتبة ذاته و حقيقته ما هو به انسان غير حيوان و لا نبات و لا جماد و هي مرتبة نفسه الناطقة التي بها الانسان انسان و هي تمام ما هو به هو و الثانية مرتبة حيوانيته و تنزله في مرتبة الحيوانات البرزخية في عالم الامثلة و هي اعراضه البرزخية و ما هو له منها حيوان ناطق نطق بفضل نور النفس الناطقة و الثالثة مرتبته النباتية و تنزله في رتبة النباتات و هي بدنه الدنياوي النامي الذابل الذي يحيي و يموت علي ما تري و قد لحقه اعراض جمادية لا كلام فيها اذ لا حركة لها و لا نفس بالفعل فالانسان يصدر عنه افعاله بمقتضي بدنه الدنياوي النباتي الطبيعي بفضل شعور النفس الناطقة و حركاتها و افعالها النازلة اليه المنصبغة فيه فتبرز علي حسب تلك الاصباغ و لعل تلك الاصباغ من نفس ذلك البدن النباتي و نفسه الناطقة عنها بريئة و لها منكرة و عنها مستوحشة كارتعاش يد صاحب الرعشة و ظهور الكتابة عنه علي خلاف هواه فهذه الكتابة المرتعشة ترجع الي يده لا الي نفسه الناطقة و قد يصدر عنه افعال بمقتضي نفسه الحيوانية البرزخية و ان كانت بفضل [ص 457] شعور النفس الناطقة و اراداتها و افعالها فلربما يصدر عنها فعل لم‌يكن علي مقتضي محبته و ميله و انما هو بمقتضي صبغ حيوانيته و هو يشنأه و يتبرأ منه فذلك ايضا لايؤل اليه اذ لم‌يبدأ منه و ربما ينصبغ ثانيا هذا الفعل الحيواني المنصبغ في طبيعته الدنياوية فيكتسب فسادا علي فساد و هي اي النفس الناطقة بريئة عنهما جميعا و اما ما صدر عنه من نفسه الناطقة التي هي ذاته فهو منه و اليه و يلحقه حسنه و قبحه فتبين ان اراضي الزرع ثلث و كذلك ايام الحصاد ينبغي ان تكون ثلثة فان حصاد كل زرع عند البلوغ و بلوغه غايته و غايته في عرصة بدئه فكل عمل زرع في الدنيا بمقتضي الطبيعة الدنياوية يحصد في الدنيا ثمرته و يناله جزاؤه خيرا او شرا فهذه الاعمال متقضية و لا بد و ان يكون جزاؤها ايضا متقضيا و الله سبحانه ارحم و اكرم ان يعذب العبد بعصيان ساعة الف سنة مثلا و الله يقول من جاء بالسيئة فلايجزي الا مثلها ، فمن عمل عملا بمقتضي طبيعته الدنياوية يناله نصيبه من الكتاب بقدره فاذا كان ذاته و برزخيته بريئتين منه مات و ورد العالم البرزخ و قد تخلص عن شوب اصباغ نباتية كان فيها و يرد علي نعم تليق به و يحمد الله سبحانه الذي اذهب عنه الحزن ان ربنا لغفور شكور و قد ناله في الدنيا مسببات الزمت تلك الاسباب من غير شفاء غيظ لله سبحانه و لا ارادة تأديب فمن رمي بنفسه في النار احترق و من القي نفسه عن الجبل انكسر عظامه و ذلك حكم ملازمة الاسباب و المسببات التي هي من مقتضي العدل في الحكم و عطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و من عمل عملا بمقتضي برزخيته و حيوانيته و نفسه البرزخية فذلك ارض زرعها في عالم المثال و يدرك ثمره في عالم المثال [ص 458] فيحصده هناك و جميع نعيم الدنيا و عذاب الدنيا لايصيران ثمرة عمل من تلك الاعمال و يقصران عنه فان غاية نعيم الدنيا الي زوال عند انقضاء الزمان و ذلك العمل دهري برزخي يقتضي نعيما دائما بدوام دهري برزخي و عذابا دائما بعذاب دهري برزخي و لايكافيه جزاء الدنيا فينعم في البرزخ او يعذب كفاء عمله فاذا نفخ في الصور و مات و انشر جاء خالصا من ذلك الشوب و ليس عليه شئ من ذلك الذنب و لا من تلك الحسنة و من عمل عملا بمقتضي نفسه الناطقة التي هو هي و هي هو يكون ذلك الزرع في اعلي الدهر و يدرك ثمره ايضا هناك و يحصده هناك و يناله جزاؤه هناك علي حسب زرعه و لما كان عمله دهريا يكون جزاؤه دهريا و قد عرفت ان الدهر عرصة الثبات و الاستقرار و الدوام لانه عرصة الذات فيكون جزاؤه ثابتا دائما علي حسب عمله بملازمة المسببات و الاسباب و لعمري ماادري اين اولئك المنتحلون و اين الحكمة و كيف استبدوا بآرائهم و استغنوا عن آل‌محمد عليهم السلام نعم هذا جزاء من يتخلف عن النور و يفزع الي الظلمات ، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ، فخذ هذه الحكم الالهية النبوية العلوية و قل الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فتدبر و اغتنم و اشكر الله .

فصل - اعلم ان الشفاعة ثابتة بالكتاب و السنة و الاجماع و لكن معرفتها مشكلة فاحببنا ان نورد فصلا في هذا الكتاب يكشف عن حقيقتها . اعلم ان الشفاعة فضل نور من الكامل يقع علي الناقص فيتكمل بذلك النور استعداده [ص 459] لتعلق فضل به ماكان يستحقه قبل وقوع ذلك النور عليه فيمد بما لم‌يكن يستحقه او يترك حق عليه كان ينبغي اخذه به لولا ذلك النور الواقع فعرصة الشفاعة عرصة تحت عرصة التشريع و انما هو حكم اقتراني بين المتصاقعين بعد نزول العالي الي عرصة الداني و تلبسه بلباسه فالنسب التي تقع بينهما من التواصل و التراحم و التعاطف و التعارف هي الشفاعة لان الشفع بمعني الزوج و هما المقترنان و اما العالي المؤثر فهو من يشفع اليه و يحكم بين الخلق و ذلك فيما سوي الله سبحانه مقامات مرة ينظر الي الجميع بالنسبة الي الله سبحانه و لا نسبة فيري الكل نورا وحدانيا احديا كاينا دائما ثابتا فهو حينئذ كمال الله سبحانه و كينونته الدائمة الثابتة الكائنة غير المكونة فلا تعدد هناك و لا تكثر ابدا ابدا و مرة ينظر الي الكل بنظر الاطلاق بشرط لا فيري نورٌ قائم بتلك الكينونة بنفس ذلك النور و ليس فيه شئ من الكثرات و التعددات علي معني نفيها الذي هو فرع الاثبات الذكري فهو حينئذ مركب من النفي و الاثبات اثبات نفسه و نفي ما سواه فهو واحد لا احد و هو مبدأ المبادي و غاية الغايات و نهاية النهايات و اول المعاني و التعينات لكن علي نهج الكلية التي هي نفي الجزئيات و مرة ينظر الي الكل و يري فيه الكثرات و التعددات و المبادي و الغايات فيري فيه عرش و كرسي و سموات و عناصر يدرك بعضها بعضا و يقترن بعضها ببعض و فيه الاقوي و الاضعف و الاشرف و الاخس و الاكمل و الانقص و الانور و الاظلم و هنا مقام الامكان الجايز و الماء النازل من سحاب المشية و فيه كثرات فعلية كلية و هو الوجود بشرط شئ و الامر المفعولي و الكلية الالهية و مرة ينظر الي الوجودات الجزئية المولدة [ص 460] من تلك النفس الكلية التي هي برتبتيها اَبَوٰا هذه الوجودات و تلك الوجودات موادها من سماوات النفس الكلية و صورها من ارضيها و كلها مصورة في بطن تلك الام هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء خلقكم من نفس واحدة و هي السماء و جعل منها زوجها و هي الارض و بث منهما رجالا كثيرا و نساء فالمقام الاول مقام التوحيد و دار التفريد و المقام الثاني مقام معرفة فعل الله سبحانه و دار واحديته سبحانه و اسمائه و صفاته و المقام الثالث هو مقام الخلق الاول الذي لايشاركه فيه احد و دار التشريع و المنير الذي من شعاعه الكل و المقام الرابع هو مقام ساير الخلق و هنا دار الشفاعة و الاقتران فهي دار معمورة ثابتة قد خلقها الله سبحانه و عمرها بالدعاة و الهداة و السادة الولاة و المؤمنين الرعاة و الاخوان الكفاة ففي هذه الدار يشفع كل من له فضل نور مشرق لمن يقترن به نحو اقتران او يتصل به نحو اتصال و فضل نوره يكمل قابلية الناقص حتي يمد بما لم‌يكن يمد لولاه و يترك له حق عليه ماكان يترك لولا ذلك النور فيشفعون كذلك و يشفعون فيشفع اول الشافعين و انور النيرين محمد صلي الله عليه و آله لذريته الانجبين عليهم صلوات المصلين فبفضل نوره المشرق عليهم باتصالهم به و باتحاد طينتهم معه يستكملون ما لم‌يكن لهم لولا ذلك النور فيتقوون به و يستكملون بحيث يتلألأ نورهم و يشرق علي صفحات العوالم حتي انه لو كان كلها كفارا و التجاؤا اليهم للحقهم الشفاعة و انجوهم و كملوهم و لكن لايشفعون الا لمن ارتضي فان من لايتوجه اليهم او لايتصل بهم نحو اتصال لايرتضيه الله ثم هم يشفعون لانبياء الله سلام الله عليهم لاتصالهم بهم اتصال النور بالمنير فيستكملون دوين الاستكمال [ص 461] الاول فيشفعون للمؤمنين الموالين لآل‌محمد عليهم السلام فيستكملون دوين الاستكمال السابق فيشفعون للمسلمين الذين دونهم بالجملة تنتشر الشفاعة انتشارا علي حسب الاتصال و الاقتران فعن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث ما احد من الاولين و الآخرين الا و هو محتاج الي شفاعة محمد صلي الله عليه و آله و سلم يوم القيمة ثم قال ان لرسول الله الشفاعة في امته و لنا شفاعة في شيعتنا و لشيعتنا شفاعة في اهاليهم ثم قال و ان المؤمن ليشفع في مثل ربيعة و مضر و ان المؤمن ليشفع حتي لخادمه و يقول يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر و البرد و عن علي عليه السلام في حديث يشفع كل رجل من شيعتي و من تولاني و نصرني و حارب من حاربني بفعل او قول سبعين‌الفا من جيرانه و اقربائه و في رواية هل يشفع اي النبي صلي الله عليه و آله الا لمن وجبت له النار و عن النبي صلي الله عليه و آله انما شفاعتي لاهل الكباير من امتي فاما المحسنون فما عليهم من سبيل ، اقول الشفاعة المخصوصة باهل الكباير هو شفاعة ترك الحق لا شفاعة الامداد كما مر انه ما احد من الاولين و الآخرين الا و هو محتاج الي شفاعة محمد صلي الله عليه و آله و روي شيعتنا من نور الله خلقوا و اليه يعودون والله انكم لملحقون بنا يوم القيمة و انا لنشفع فنشفع و والله انكم لتشفعون فتشفعون و ما من رجل منكم الا و سترفع له نار عن شماله و جنة عن يمينه فيدخل احباءه الجنة و اعداءه النار و روي عن الصادق عليه السلام اصحاب الحدود مسلمون لا مؤمنون و لا كافرون فان الله تبارك و تعالي لايدخل النار مؤمنا و قد وعده الجنة و لايخرج من النار كافرا و قد وعده النار و الخلود فيها و يغفر ما دون ذلك لمن [ص 462] يشاء فاصحاب الحدود فساق لا مؤمنون و لا كافرون و لايخلدون في النار و يخرجون منها يوما و الشفاعة جايزة لهم و المستضعفين اذا ارتضي الله عز و جل دينهم و عن الرضا عليه السلام مذنبوا اهل التوحيد يدخلون النار و يخرجون منها و الشفاعة جايزة لهم و عنه عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كان يوم القيمة ولينا حساب شيعتنا فمن كان مظلمته فيما بينه و بين الله عز و جل حكمنا فيها فاجابنا و من كان مظلمته فيما بينه و بين الناس استوهبناها فوهب لنا و من كان مظلمته فيما بينه و بيننا كنا احق من عفا و صفح و عن ابي‌جعفر عليه السلام يا جابر لاتستعن بعدونا في حاجة و لاتستعطه و لاتسأله شربة ماء انه ليمر به المؤمن في النار فيقول يا مؤمن الست فعلت بك كذا و كذا فيستحيي منه فيستنقذه من النار و انما سمي المؤمن مؤمنا لانه يؤمن علي الله فيؤمن امانه و عن تفسير الامام عليه السلام ان الواحد ليجيء الي مؤمن الشيعة فيقول اشفع لي فيقول و اي حق لك علي فيقول سقيتك يوما ماء فيذكر ذلك فيشفع فيه و يجيئه آخر فيقول ان لي عليك حقا فاشفع لي فيقول و ما حقك علي فيقول استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار فيشفع له فيشفع فيه و لايزال يشفع حتي يشفع في جيرانه و خلطائه و معارفه فان المؤمن اكرم علي الله مما تظنون و عن ابي‌جعفر عليه السلام لاتسألوهم فتكلفونا قضاء حوائجهم و عنه عليه السلام لاتسألوهم الحوائج فتكونوا لهم الوسيلة الي رسول الله صلي الله عليه و آله يوم القيمة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما من اهل بيت فيدخل واحد منهم الجنة الا دخلوا اجمعين الجنة قيل [ص 463] و كيف ذلك قال يشفع فيهم فيشفع حتي يبقي الخادم فيقول يا رب خويدمتي قد كانت تقيني الحر و البرد فيشفع فيها ، الي غير ذلك من الاخبار الشريفة التي ماتركناها الا خوف الاطالة و كتب الاخبار بها مشحونة بالجملة الحقوق وسائل و روابط و المؤمنون كرماء رحماء و كل من كان له عليهم حق لايضيع ذلك الحق و هو آخذ بحجزتهم بذلك الحق و لا بد و ان ينجذب بجذبهم بعد اتصاله الي الجنة و لو بعد حين فان جذب القوي مقتض للجذب ان لم‌يعوق عنه عائق من جاذب الي جهة المخالف و اذا تعارضا يكون العاقبة الي الخير ان شاء الله لان الحسنات متأصلة و السيئات مجتثة ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و اما ما لم‌يكن متصلا بالله سبحانه و برسوله بوجه من الوجوه فهو المحروم عن الشفاعة لاتناله ابدا ابدا و هو مغلول باعماله مسجون في جهنم مأيوس من لحوق الشفاعة و اولئك الذين يقولون فما لنا من شافعين و لا صديق حميم نعوذ بالله و لعمري من اطلع علي هذا الفصل من كتابي هذا و عرف سر الشفاعة لاينبغي له التغافل عن اداء حقوق اخوانه و التوسل اليهم و الخدمة لهم و الاحسان اليهم و الاكرام لهم باي وجه يمكنه و ايم الله ان هذا المقام ارجي مقام للنفوس الناقصة و لا وسيلة لها غير ذلك و لولا ذلك لايكاد يرقي الانسان هذه الاعمال المشوبة غير الخالصة ابدا ابدا فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان قوما انكروا الشفاعة بعد هذه النصوص ليس لهم فيها نصيب و هم غافلون عن سر الامر و مقامه و روي من لم‌يؤمن بشفاعتي فلااناله الله شفاعتي .

فصل - اعلم ان لكل احد منزلين منزلا في الجنة و منزلا في النار فاذا احسن و دخل الجنة ورثه اهل النار في منزله في النار و اذا اساء و دخل النار [ص 464] ورث منزله في الجنة اهل الجنة و ذلك قوله سبحانه و نودوا ان تلكموا الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون و روي ما من احد الا و له منزل في الجنة و منزل في النار فاما الكافر فيرث المؤمن منزله في النار و المؤمن يرث الكافر منزله في الجنة فذلك قوله اورثتموها بما كنتم تعملون و سر ذلك ان الصور تابعة للمواد فالمواد اللطيفة تلبس صورا لطيفة و المواد الكثيفة تلبس صورا كثيفة فلو رمت ان تلبس صورة الياقوت مثلا علي مادة الصخر الغاسقة لم‌تلبسها او تلبس صورة الصخر الغاسق علي مادة الياقوت لم‌تلبسها البتة و قد عرفت ان الصور الشرعية علي حسب امتثال الاكوان فالكون النير الصافي اللطيف يمتثل امر الشارع ما لايمتثله الكون الظلماني الغاسق الكثيف البتة و لذلك يستنير المرآة من الشمس ما لايستنيره الحايط الكثيف و النطفة الطيبة تمتثل ما لايمتثله النطفة الخبيثة فالعبد الكوني له صورة كونية علي حسبه و معلوم في علم الله سبحانه ان هذا الكون في هذه الدرجة اذا امتثل امر الشارع اي مقدار من الثواب له و اي درجة من الجنة تليق به و في اي جنة يسكن و تلك الاجور مقدرة له لا مقضية ممضاة فانه لايمضي الاجر لعامل قبل ان يعمل العمل و يؤدي الثمن و اما قبل العمل فذلك في عرصة القدر كالمتاع في السوق و لكن معلوم في علم الله وُسع كل نفس و اذا خالف امر الشارع اي مقدار من العقاب له فان العقاب و الثواب علي حسب الشعور و درجة الكون و اي درك له في جهنم و في اي طبقة يسكن و جميع ذلك بالنسبة اليه في عرصة التقدير غير ممضي قبل صدور المخالفة فكذلك منزلا كل نفس في الجنة و النار فاذا اختار احدهما يرث منزله في الدار الاخري غيره و هو من اشتراه بعمله و كان [ص 465] في صقعه كوناً مشاكلا له في الصفة او كان اقوي منه و اجمع فان القوي يحوز ما للضعيف و اكثر و اما الضعيف فلايحوز ما للقوي و لذلك يرث المشاكل المشاكل و العالي الداني و لايرث الداني العالي علي حذو ما في الدنيا من الفريضة العادلة فاذا دخل المؤمن الجنة يكشف له عن النار و يقال يا فلان لو كنت تعصي الله لكان هنالك مسكنك فيشتد سروره بنجاته عن ذلك الدرك و يكشف عن الجنة لاهل النار و يقال لكل واحد يا فلان لو كنت تطيع الله لكان هنالك درجتك في الجنة فيشتد تأسفه و تلهفه و لاينفعه بل يضره كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال ماخلق الله خلقا الا جعل له في الجنة منزلا و في النار منزلا فاذا سكن اهل الجنة الجنة و اهل النار النار نادي مناد يا اهل الجنة اشرفوا فيشرفون علي النار و ترفع لهم منازلهم في النار ثم يقال لهم هذه منازلكم التي لو عصيتم ربكم دخلتموها قال فلو ان احدا مات فرحا لمات اهل الجنة في ذلك اليوم فرحا لما صرف عنهم من العذاب ثم ينادون يا معشر اهل النار ارفعوا رؤسكم فانظروا الي منازلكم في الجنة فيرفعون رؤسهم فينظرون الي منازلهم في الجنة و ما فيها من النعيم فيقال لهم هذه منازلكم التي لو اطعتم ربكم دخلتموها قال فلو ان احدا مات حزنا لمات اهل النار ذلك اليوم حزنا فيورث هؤلاء منازل هؤلاء و هؤلاء منازل هؤلاء و ذلك قول الله عز و جل اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون .

فصل - اعلم ان شيئا مخلوقا مستقلا في نفسه بذاتيته لايصير شيئا آخر و لايستحيل اليه فانه بنفسه قائم بمؤثره و قد اثبت في كتاب الله سبحانه تاما كاملا [ص 466] فلايمحي ، نعم يمكن تبدل اعراض الشئ مع بقاء ذاته كالكلب يصير ملحا و انما هو زوال عرض الكلب و حصول عرض آخر و الا فنفس الكلب لاتستحيل الي الملحية و هي ما دامت الاعراض صالحة تتعلق بها فاذا فسدت فارقت كانسان يأكله الذئب مثلا فعرض الانسان يصير عرض الذئب اما نفس الانسان فلاتصير ذئبا و كذلك حكم جميع الذوات لاتستحيل و لاتنقلب عما هي عليه قائمة بمؤثرها محفوظة بها ابدا و تغيير الذات اعدامها و ما دخل في ملك الله لايخرج فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة فنقول ان هذا الغذاء الذي يأكله الانسان في هذه الدنيا فانما هو اعراض تلحقه و لايصير النبات انسانا و لا الحيوان بل نفس النبات في محلها محفوظة و نفس الحيوان محفوظة قائمة بمؤثرها و انما تنقلب و تستحيل اعراضها فكانت عرضها زمانا اذ صارت اعراض شئ آخر و الصفات المختلفة التي تظهر لشئ واحد بالاستكمال و الاستحالة فانما هي ظهورات ذلك الشئ و تجلياته و ليست عنه بباينة فعرض الكلب له جوهر احد ظهوراته صورة الكلبية و احد ظهوراته صورة الملحية و ليس صورته الكلبية بكلب ذاتي و ليس صورته الملحية بملح ذاتي و ذلك الجوهر له ظهوران وصفيان كقيام الرجل و قعوده و هو هو قائما و قاعدا فليس ان شيئا صار شيئا آخر بل الشئ تجلي بتجليات متعددة فالنعيم الذي يأكله الانسان في الجنة و الطعام الذي يأكله في النار هل هما مباينان مع الشخص تباين الجماد و النبات و الحيوان معه في الدنيا فلايستحيلان انسانا بل يصيران عرضا له و لا عرض في الآخرة و دار الاعراض دار الفناء و البوار او هما مجانسان له مماثلان فيكونان ايضا عرضين او متحدان معه فكيف يكونان نعيما و طعاما يؤكل و الانسان لايأكل نفسه و يرجع ذلك الي [ص 467] مسئلة ان المدد غير المستمد فيصير غير الشئ ذلك الشئ و هو محال او عينه فيكون تحصيل الحاصل و تلك مسئلة معضلة ليس هيهنا موضع شرحها مفصلا و لكن نشير اليها بقدر الحاجة اعلم ان الجزاء كما عرفت ثمرات الاعمال النابتة في ارض الهوية و حبتها مثال العالي و ظله و هي المزروعة المكفورة في الارض و ذلك المثال هو حقيقة الشخص الشرعية فاذا نزلت الي ارض الكون ماتت و دفنت في الارض و انحلت في طبايعها ثم دعيت فاجابت فنزل من سماء التشريع ماء الشرع الذي منه حيوة كل شئ فانشر تلك الاموات و احياها فقامت باذن الله و ظهر نورها من جهات قوابل تلك الارض علي حسبها و تلك الانوار و الظهورات هي افعال ذلك المثال المحيي باذن الله منه بُدئت و اليه تعود كما اذا كمل الزرع سنبل و انعقد فيها الحب كالحب الذي زرعته اول مرة فالجزاء هو ثمرة العمل و العمل هو النبات النابت في ارض الكون من حبة المثال الملقي في هوية ذلك الكون و لاجل ذلك تنبت الاعمال السيئة من المثال السيء و تثمر سيئة و الاعمال الحسنة من المثال الحسن و تثمر حسنة فالثمر هو من درجة الحب و هو الحب لا غير الا انه كان مجملا حين زرع و تفصل اذا حصد سبعمائة حبة مثلا فالجزاء من ذاتيات المجزي فيمد بذلك الجزاء مددا ذاتيا و قد اكتسب من تنزلاته صورا حسنة علي حسب قابلية الكون و انبسط و اتسع و انتشر و لذلك يكون جزاؤه منه و اليه و ما ربك بظلام للعبيد و يطلع علي جميع جنته و نعيمه او عذابه في كل حين كاطلاعه بنفسه دائما بالتفات واحد و لم‌يصر شئ شيئا آخر و يكون الجزاء انسب شئ بذاته و اتوا به متشابها لايقدر ان ينكر منه شيئا و المجزي بالجزاء حينئذ هو الحقيقة [ص 468] الكلية الظاهرة بتلك الصفات التي هي ذاتية لها اما ملائمة او منافرة فان كانت الصفات الذاتية ملائمة تنعمت بها ابدا و ان كانت منافرة تعذبت ابدا لانها ذاتية فجزاؤ كل امرئ من ذاتياته و لو كان خارجا عن ذاته مباينا معها لكان لصوقه به بالعرض و يجتمع عليه الاعراض و يصير الي الفناء اقرب منه الي البقاء و لكانت الآخرة كالاولي و لكانت الاغذية تحتاج الي كيلوس و كيموس و مدفوع لتشاكل المغتذي و نعوذ بالله من هذه الاقوال و ما روي ان غذاء اهل الجنة رقيق لا ثفل له بل يخرج من اجسادهم بالعرق فالمراد من العرق هو الرشح بمعني الفاضل و هو كثير الاستعمال في الاخبار و اهل الجنة صاعدون الي الله سبحانه و يتركون في كل درجة مثالا فاضلا عنهم و هو رشح وجودهم كما روي الورد الاحمر من عرق جبرئيل و كذلك ما يأكله اهل جهنم من الزقوم و يشربونه من الحميم و الغسلين و غيرهما فتدبر و الامداد التي ترد علي الشئ هي من سنخ ذاته تخرج من كيانه الي العيان كما حققناه في محله و لما عبر عن الحقايق الغيبية بالالفاظ الشهادية ليسمعها اهل الشهادة اشكلت عليهم و حملها الجهال علي الحقايق الشهادية فتناقضت و اما اهل العلم فاذا سمعوا اللفظ كشفوا عنه السبحات التي هي من لوازم رتبة الشهادة و نظروا الي حقايقه بعين الحقيقة ففازوا بالمراد و الله الموفق للسداد .

فصل - و اما اهل الاعراف فاولئك قوم ليس لهم حسنات يبلغون بها درجة اهل الجنة و لا سيئات يبلغون بها درك اهل النار و استوت حسناتهم و سيئاتهم فهم واقفون بين الجنة و النار حتي يقضي عليهم ما يقضي و ذلك ان [ص 469] نور الوجود التشريعي لما سطع من المنير و انتشر كان ما يقرب منه من المنير انور و اشبه بالمنير و فيه من الظلمة بقدر استمساك وجوده و كلما يبعد يكون اضعف نورا و انما يضعف النور بممازجة الظلمة فيضعف كلما يبعد الي ان يصل غاية البعد فيكون فيه النور بقدر استمساك وجوده و الغلبة للظلمة و ما بين هذين المقامين مقام فيه النور و الظلمة علي السواء و يمثلان بالمخروطين المتداخلين رأس كل واحد علي قاعدة الآخر فالنصف الاعلي فيه سلطان النور و يغلب حكم النور الظلمة سبقت رحمتي غضبي و فيه عليون و الجنة و اهل التقوي و المغفرة و النصف الاسفل فيه سلطان الظلمة و يغلب حكم الظلمة النور و فيه سجين و النار و الفجار و اهل العذاب فمن اخذ مادته من النصف الاعلي فهو من الجنة و الي الجنة و من اخذ طينته من النصف الادني فهو من النار و الي النار فالجنة العليا عند قاعدة النور ثم التي تليها بعدها ثم التي تليها و هكذا الي فويق الوسط و الدرك الاسفل عند قاعدة الظلمة و الذي فوقه فوقه و الذي فوقه فوقه الي دوين الوسط فكل من اخذ طينته من جنة او نار يرجع اليها في العود و اما الذين استوت حسناتهم و سيئاتهم فقد اخذت طينتهم من الحد الاوسط فليسوا هؤلاء بمؤمنين و الا لدخلوا الجنة مع المؤمنين و ليسوا بكافرين و الا لدخلوا النار مع الكافرين و لكن درجتهم درجة بين الكفر و الايمان فلم‌يقروا اقرار المؤمنين و لم‌يجحدوا جحود الكافرين و لم‌يشكوا شك الشاكين بل غفلوا غفلة الغافلين و مضوا علي ما هم عليه مع غفلة و لهو عما يقوله الفريقان و عملوا بما علموا و لم‌يستوفوا شرط القبول الذي هو الولاية و لا شرط الرد الذي هو العداوة فهم مقامهم بين [ص 470] المؤمنين و الكافرين مع الغافلين و ليس لهم مشعر يميزون به الايمان و الكفر فيكلفون و لو كان لهم مشعر لم‌يتركوا بلا تكليف و لو كلفوا فان امتثلوا آمنوا و كانوا مع المؤمنين او خالفوا كفروا و كانوا مع الكافرين فظهر انهم كانوا مستضعفين لم‌يكن لهم مشعر يكلفون به فهم مرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم فكما كانوا في الدنيا بين المؤمنين و الكافرين ظهروا في الآخرة بين المؤمنين و الكافرين و هو مقام الاعراف و الاعراف جمع عرف بالضم و هو الرمل و المكان المرتفعان و قد روي عن الصادق عليه السلام ان الاعراف كثبان بين الجنة و النار او هو اسم علي وزن الجمع كما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام انه سئل فما الاعراف قال صراط بين الجنة و النار او هو السور الذي يضرب بين الجنة و النار باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فان ذلك السور بين الرحمة و العذاب كما يظهر من خبر آخر و الكل واحد و اذا عرفت ان الجنة في السماء و النار في الارض فالاعراف بين السماء و الارض فهو مقام الطبيعة ليس لها تمييز نفساني فتكون من الجنة و السماء و لا تمييز جسماني ارضي فتكون من النار و انما هي مقام الانحلال و الغفلة و عدم الشعور فيحتاج اهلها الي تجديد تكليف حتي ينعقدوا علي الايمان او علي الكفر و هي الكثبان بين الجنة و النار و هي حمر هذا اذا اخذ الاعراف بمعني المكان الذي بين الجنة و النار و قد يؤخذ بمعني الرجال كما روي في البحار عن ابي‌جعفر عليه السلام انها اعراف لايدخل الجنة الا من عرفهم و عرفوه و اعراف لايدخل النار الا من انكرهم و انكروه و اعراف لايعرف الله الا بسبيل معرفتهم فلا سواء ما اعتصمت به المعتصمة و من ذهب مذهب الناس ذهب [ص 471] الناس الي عين كدرة يفرغ بعضها في بعض و من اتي آل‌محمد اتي عينا صافية تجري بعلم الله ليس لها نفاد و لا انقطاع ذلك بان الله لو شاء لاراهم شخصه حتي يأتوه من بابه لكن الله جعل محمدا و آل‌محمد الابواب التي يؤتي منها و ذلك قوله و ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و عن اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف نعرف انصارنا باسمائهم و نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و نحن الاعراف نوقف يوم القيمة بين الجنة و النار فلايدخل الجنة الا من عرفنا و عرفناه و لايدخل النار الا من انكرنا و انكرناه و عنه عليه السلام نحن الاعراف يعرفنا الله عز و جل يوم القيمة علي الصراط الخبر ، فالاعراف بهذا المعني جمع العرف بمعني المعروف او مأخوذ من العريف او العرفة بمعني الحاجز بين الشيئين فمعروفيتهم عليهم السلام لها مقامات فهم المعروفون علي ان الله سبحانه احتجب بهم عن خلقه فهو المحتجب و هم حجبه فلايعرف الله سبحانه الا بهم فهم معروفية الله سبحانه كما قال لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و روي بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و هم المعروفون بانهم حجج الله سبحانه المفترضة طاعتهم فمن عرفهم بهذا المعني و عرفوه بالتصديق يدخل الجنة و من انكر حجيتهم علي الخلق و افتراض طاعتهم دخل النار و هم المعروفون عرف الله الخلق شأنهم و نوه باسمهم و اقامهم علي الصراط لايجوز عليه الا من كان بيده جائزة منهم او من العريف و هو الذي يعرف اصحابه فهم الاعراف يعرفون اصحابهم و انصارهم او من العرفة بمعني الحاجز بين الشيئين فهم الاعراف اي وسايط بين الحق و الخلق و هم الاعراف اي النمرقة الوسطي اليهم [ص 472] يرجع الغالي و بهم يلحق التالي و هم الباب الحاجز بين الجو و الخارج فمن دخله نجا و من تخلف عنه هوي او هو من العرف بمعني اول ما يطعم فهم باكورة الوجود و اول ظهور الرب الودود كما قال عليه السلام روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و هم اول الخلق و روح القدس عقلهم و قد يأول الاعراف بالدنيا فانها مقام بين الجنة و النار و عليه رجال كملون صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلي فلهم عينان عين الرجا الي الجنة و عين الخوف من النار فلم‌يدخلوا الجنة و هم يطمعون و اذا صرفت ابصارهم بالكلفة تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين و هؤلاء كملون يعرفون كلا بسيماهم فيمكن ان يراد بهذا المعني محمد و آل‌محمد عليهم السلام و شيعتهم الكملون العارفون بالله سبحانه المعروفون بالكمال فللاعراف معان و ان للقرآن معاني عديدة لاتنحصر بمعني و اما الظاهر من الآية فهو ان الاعراف هو الموضع كما في اخبار و عليه رجال و هم الائمة العارفون المعروفون يعرفون كلا من المؤمنين و الكافرين بسيماهم فانهم المتوسمون ينظرون بنور الله و نادوا يعني المذنبون الواقفون مع اولئك الرجال ينتظرون حكمهم اصحاب الجنة اي المحسنين الذين سبقوا الي الجنة بحكم الرجال سلام عليكم لم‌يدخلوها قبل الاذن و هم يطمعون ان يؤذن لهم و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين و نادي اصحاب الاعراف و هم الرجال رجالا من اهل النار يعرفونهم بسيماهم في النار قالوا مااغني عنكم جمعكم في الدنيا اموال آل‌محمد عليهم السلام غصبا و جموعكم استيثارا للملك علي آل‌محمد عليهم السلام و ما كنتم تستكبرون [ص 473] عن قبول الحق و ولاية آل‌محمد عليهم السلام اهؤلاء اي مذنبوا شيعتنا الذين هم في الاعراف معنا اقسمتم في الدنيا لاينالهم الله برحمة ادخلوا يخاطبون مذنبي الشيعة الجنة لا خوف عليكم من النار و لا انتم تحزنون علي ما فرطتم فانه مغفور لكم .

و لما وصل الكتاب الي هنا رأينا ان نجعله جلدا مستقلا بما فيه لحفظ الكراريس عن التفرق و الاندراس فان شاء الله نشرع في جلد آخر في النبوة بحوله و قوته و اسأل الله سبحانه ان يجعله وسيلة للتقرب الي سادتي عليهم السلام و يجعلني من المتبعين لآثارهم و المتمسكين باخبارهم و المتأسين بافعالهم و المقتدين باعمالهم و يحشرني في زمرتهم مع خيار اوليائهم بفضله و كرمه انه غفور رحيم فقارن الوصول الي هنا قريب العصر من يوم الثلثاء لخمسة مضت من شهر شعبان من شهور سنة ثمان و ستين بعد المأتين و الالف فختم علي يد مصنفه حامدا مصليا مستغفرا . تمت .