فصل - في الصراط و هو لغة الطريق و في اصطلاح الشرع له معان : احدها الامام و ثانيها الجسر الممدود علي جهنم ادق من الشعر و احد من [ص 395] السيف و ثالثها الطريق الي معرفة الله سبحانه و رابعها ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و خامسها عبادة الله وحده و سادسها الصورة الانسانية و سابعها كتاب الله فعن المفضل بن عمر قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الصراط فقال هو الطريق الي معرفة الله عز و جل و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة فاما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفروض طاعته من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مر علي الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة و من لميعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردي في نار جهنم و عن العسكري عليه السلام و الصراط المستقيم هو صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة فاما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقام فلميعدل الي شئ من الباطل و الطريق الآخر طريق المؤمنين الي الجنة الذي هو مستقيم لايعدلون عن الجنة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنة و قال تعالي الماعهد اليكم يا بني آدم ان لاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم ، و عن علي عليه السلام في الصورة الانسانية هي الجسر الممدود بين الجنة و النار و عن الصادق عليه السلام الصورة الانسانية هي الطريق المستقيم الي كل خير و الجسر الممدود بين الجنة و النار و عن النبي و الولي عليهما السلام انه كتاب الله و يستنبط من هذه الاخبار ايضا معان اخر للصراط منها انه القيام باوامر الله و اجتناب نواهيه علي ما بينه السنته الناطقة و منها محبتهم و البراءة من عدوهم و منها انه ولاية اوليائهم و البراءة من اعدائهم و منها الايمان بما آمنوا و الكفر بما كفروا و منها انه معرفتهم و معرفة اعدائهم و منها انه معرفة اوليائهم [ص 396] و اعدائهم و القبول منهم و التسليم لهم و امثال ذلك و جميع ذلك راجع الي شئ واحد و هو الامام عليه السلام كما روي بقول مطلق ان الصراط المستقيم هو اميرالمؤمنين عليه السلام و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و زاد في رواية و معرفته و شرح حقيقة الامر ان الصراط هو الطريق الي الله سبحانه اي الي دار قربه و جواره لا الي ذاته فان هناك الطريق مسدود و الطلب مردود لا سبيل للممكن الحادث الذي خلقه لا من شئ الي ذاته الاحدية التي يمتنع ما سواها فيها نفيا و اثباتا ذكرا و امكانا و كونا و عينا و اثرا فليس للحادث طريق اليها بوجه من الوجوه و اعتبار من الاعتبارات و فرض من الفروض فالطريق اليه طريق الي قربه و جواره و لا شئ اقرب اليه من آياته و مقاماته و علاماته و ليس له آية اكبر من محمد و آلمحمد عليهم السلام و هم المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه و بينها الا انهم عباده و خلقه فتقها و رتقها بيده بدؤها منه اي من تجليه و عودها اليه انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله فالطريق اليهم هو الطريق الي الله سبحانه و الرجوع اليهم هو الرجوع الي الله سبحانه لانهم هم اسم الله الرضي و وجهه المضيء و في الزيارة اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم و في الخبر ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم فالطريق الي معرفة الله هو الطريق الي معرفتهم قال عليه السلام بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و انما يعرف الله بسبيل معرفتنا قال عليه السلام ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل هي معرفتي فالصراط المستقيم هو الطريق الي معرفتهم سلام الله عليهم و طريق الخلق الي معرفتهم هو درجات تجلياتهم و انوارهم التي [ص 397] اضاءوا بها كل شئ و ملأوا بها اركان كل شئ بحيث لا تعطيل لها في كل مكان يعرف الله بها من عرفه فقد اشرقت بانوارهم جميع القوابل الامكانية و القوا امثلتهم في جميع الهويات الكونية حتي عرفوها ربها من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم فجميع الخلق يمشون الي كمال التوحيد في درجات تلك الانوار التي لا تعطيل لها في كل مكان و هو ادق من الشعر لانه الطريق الي الاحد و احد من السيف لانه يشق اقدام تنقلاتهم و تركيبهم و يفرق بين ماهياتهم و وجوداتهم و تلك الانوار مقاماتهم تسمي باسمائهم بل هي هم في تلك الرتبة و لذا تقول بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت فهم هذا الصراط لا غيرهم و كذلك ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير فانهم النمرقة الوسطي اليهم يرد الغالي و بهم يلحق التالي و هم الامة الوسط فمن عرفهم كما عرّفوا انفسهم و لميغل في حقهم و لميقصر فهو الساير علي الصراط المستقيم قد يصل اليهم و من وصل اليهم فقد وصل الي الله سبحانه و هي المعرفة النورانية التي خلاصتها قولهم نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لنتبلغوا فمن عرفهم كذا فهو علي صراط مستقيم و تلك المعرفة هي امثلتهم الملقاة في هويات الاشياء و انهم لميعرفوا انفسهم الا بانهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و يجمع شئون معرفتهم البيان و المعاني و الابواب و الامامة كما يأتي و تلك الامثلة مقاماتهم القائمة مقامهم في كل رتبة و مقام بل هي هم في تلك المقامات فالطريق بهذا المعني ايضا هو هم و كذلك عبادة الله سبحانه فانهم قالوا بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و لايعبد الله سبحانه الا [ص 398] بالاخذ بما امروا و الترك لما نهوا عنه و العلم بما علموا و اليقين بما شرحوا و اوضحوا و المعرفة كما عرفوا و التوجه بما امروا به و ذلك كله شئون تجلياتهم و اطوار ظهوراتهم قال عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر بل في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و قال عليه السلام انا صلوة المؤمنين و صيامهم و كذلك الصورة الانسانية فان الناس كلهم بهائم الا المؤمن و الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته صبغة الله و من احسن من الله صبغة فابوه النور و امه الرحمة و محمد و علي عليهما السلام ابوا هذه الامة النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و انفسهم آلمحمد عليهم السلام فالنبي اولي بالمؤمنين من الاوصياء و ازواجه امهاتهم و خلق لكم من انفسكم ازواجا و ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله و لايرغبوا بانفسهم عن نفسه و قال الله سبحانه و انفسنا و انفسكم فعلي عليه السلام نفس الله و كتب علي نفسه الرحمة ثم صبغ المؤمنين في رحمته فهو عليه السلام العلة الصورية و جميع صور الاناسي من شعاع صورته بل هي مقاماته و آياته و لذا قال الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه اي الصورة العلوية التي لبست علي المؤمنين هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي المختصر من اللوح المحفوظ و آية له صلي الله عليه و آله و هي الجسر الممدود بين الجنة و النار لان الشخص ما دام متوجها اليه سالكا مسلكه آخذا بامره الذي هو حكاية وصفه و صورته تاركا لنهيه الذي هو حكاية صفة اعدائه و صورتهم يكون علي الصورة الانسانية و سايرا فيها اليه فهو اي الصراط الصورة الانسانية حقيقة و هي مقامه [ص 399] و نوره و علامته و ظهوره و هو صلي الله عليه و آله علتها و اصلها و معدنها و مأواها و منتهاها فيكون بهذا المعني ايضا هو الصراط المستقيم و كذلك اذا اخذ بمعني القيام باوامر الله و اجتناب نواهيه فانه كما بينا منه صدر و عليه دل كما بينا آنفا و كذلك اذا اخذ بمعني محبتهم و البراءة من عدوهم فان المحبة للعالي لاتكون الا بمثاله و نوره المشاكل لصفته كما حقق في محله ان المحبة لاتتحقق الا بالمجانسة و لايجانس صفة المؤثر الا مثاله و نوره قال يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و ذلك المثال هو مقامه في العبد و عنده و نوره و ظهوره و اما البراءة فهي من تمام المحبة و انيتها و هويتها فلا ولاية الا بالبراءة و لا براءة الا بالولاية و كذلك ولاية اوليائهم و البراءة من اعدائهم و هما خالصتين لاتتحققان الا بالمشاكلة الذاتية و الميل الذاتي لان الارواح جنود مجندة فما تناكر منها اختلف و ما تعارف منها ايتلف فلايوالي وليهم الا من كان منهم و من طينتهم قال سبحانه و من يتولهم منكم فانه منهم فمن كان منهم فهو نورهم شيعتنا منا كشعاع الشمس من الشمس و الشعاع مقام المنير و ظهوره منه بدئ و اليه يعود و كذلك الايمان بما آمنوا و الكفر بما كفروا و كذا معرفتهم و معرفة اوليائهم و اعدائهم فان جميع ذلك لايمكن للعبد الا بمثاله الملقي فيه فبه يهتدي بهداهم و يعرف فضلهم سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العزيز الحكيم و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و كذا معرفة اوليائهم و اعدائهم كل ذلك منهم و بهم و اليهم ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و كذلك كتاب الله المجيد فانه ظهور عقلهم و علمهم بل هو آيات بينات [ص 400] في صدور الذين اوتوا العلم و هم كتاب الله الناطق و الكتاب كتاب الله الصامت كما حققناه في محله فبجميع هذه المعاني يكون الصراط المستقيم هو اميرالمؤمنين عليه السلام و هو الصراط في الدنيا و هو الصراط في الآخرة الا انه عليه السلام حقيقة واحدة و نور واحد قد اشرق به عرصة الامكان و الاكوان و الاعيان فنوره المشرق و شعاعه المتألق من حيث صدوره منه واحد علي صفته الا انه من حيث الظهور يختلف بحسب اختلاف القوابل و ينصبغ في بطونها فيظهر في بطون القوابل الدنياوية ذات الجهات العديدة و الاعراض الشديدة علي حسبها فاذا صفيت تلك القوابل عن الاعراض و ظهرت الاغراض التي هي علي طبق هيئات ارادة المريد الشرعية من حيث نفسها اي نفس الارادة او علي عكسها خالصة ظهر ذلك الشعاع المتألق علي حسبها فتقتضي صورة ذاتية حقيقية علي غير هذه الصور التابعة للاعراض و الامراض فلاجل ذلك يكون جملة صور الآخرة علي خلاف صور الدنيا مع انها هي هي بلا تفاوت الا في التصفية فلاجل ذلك يظهر التكليف في الدنيا علي هيئة الامر و النهي و في الآخرة علي هيئة نار الفلق و غير ذلك من الصور المختلفة التي ورد بها الشرع فمن جملة تلك الصور صورة الصراط علي صفة الجسر و هو الجسر و الصراط و الطريق في الدنيا الا انه كان في الدنيا علي تلك الصور التي ذكرنا و يظهر يوم القيمة علي صفة الجسر و لاتزعمن انه علي هيئة جسور الدنيا و قناطرها الممدودة علي الانهار و الاودية فان هذه الصور لاتناسب الا هذه المواد بل الصراط علي صفة الجسر يسار عليه باقدام الامتثالات و التوجهات الي خالق البريات و كذلك كل ما اخبرت به عن الآخرة فانه علي صفة [ص 401] ما في الدنيا لا علي هيئته و هندسته فتبين و ظهر ان الصراط هو اميرالمؤمنين في الدنيا و الآخرة اللهم ثبتني علي ولايتهم بالقول الثابت في الدنيا و الآخرة بحقهم صلواتك عليهم و اما ساير ما اخبرنا به في الشرع من ان عليه قناطر و علي كل قنطرة فرض يعني عليه ثلث قناطر علي واحدة منها الصلوة و علي الاخري الرحم و اما الاخري فان ربك لبالمرصاد فالصلوة عمود الدين و الشريعة الظاهرة ان قبلت قبل ما سواها منها و ان ردت رد ما سواها منها و الرحم هو رحم آلمحمد عليهم السلام و هو قطب الطريقة من وصله جازها و قبل عنه ما سواه و من قطعه رد عليه ما سواه و زل عن الصراط و اما الثالثة فهي قنطرة الحقيقة و المعرفة من وحده جازها و الا فلا و هو اظلم من الليل الدامس للعيون العمشة عن الحق و ينوره الله لاهل البصيرة كالنهار المبصر كما روي انه مظلم يسعي الناس عليه علي قدر انوارهم و روي ان جبرئيل قال لرسول الله صلي الله عليه و آله ابشرك يا محمد بما تجوز علي الصراط قال قلت بلي قال تجوز بنور الله و يجوز علي بنورك و نورك من نور الله و تجوز امتك بنور علي و نور علي من نورك و من لميجعل الله له نورا فما له من نور و ادق من الشعر لانه الي الاحد و احد من السيف يقطع اقدام الانظار المتكثرة .
فصل - ان الصراط ممدود علي جهنم فانها في مقام الطبايع و الارض الاخروية و الصراط هو الصورة الانسانية التي هي مقام النفس الناطقة القدسية و ان اهل جهنم علي صورة البهايم و الحيوانات و النفس علي الطبيعة و فوقها و مراتبها ممدودة الي مبدئها الذي هو العقل فان موادها من تأييدات العقل [ص 402] بواسطة النفس الكلية الالهية و لما كانت من فروعها نسب الفرع و الاصل الي مبدء الاصل فهي الصراط الممدود علي متن الطبيعة البعير الاحمر و لذا يأتي جهنم علي صورة بعير و الصراط علي متنه و هو يحيط بعنقه عرصة المحشر لان الارض محيطة بمن فيها و جميع الاناسي يؤمرون بالجواز عليه فمن كان من اهل الطبيعة و الارض يقع منه اول قدم في نار جهنم و منهم من يجوز شيئا ثم يقع و ذلك ان الآخرة باطن الدنيا من اولها الي آخرها و الدنيا كانت دار الامضاء ختما و دار المحو و الاثبات تدرجا فمن ختم له بالحسني امضي و كتب محسنا و جاز الصراط صراط المحو و الاثبات فمن محي وقع و من ثبت اثبت فكل من لميكتب ولي علي عليه السلام و لميكن له منه براءة من النار لايجوز عليه البتة فالناس يؤمرون بالجواز هناك كما امروا هنا فمنهم من يقع عند اول توجه اليه و اول نظرة منه اليه فيقع فمنهم من يمشي شيئا و يمحي عن ديوان السعداء كتاب الابرار في عليين و هو اعلي الصراط و يثبت في ديوان الاشقياء كتاب الفجار في سجين و هو اسفل الصراط و منهم من يمشي متعلقا به بيده و هو متدل في جهنم باسافله فتأخذ منه شيئا و تترك شيئا الي ان يختم له بالحسني و يثبت في عليين و يدركه الرحمة و منهم من يمشي حبوا و لا محالة يصيبه وهج النار لانه يمشي مع الالتفات الي الاسفل و لو كان ممتثلا قوله سبحانه و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون و يسرع عند التسابق لماكان يصيبه شئ من وهج النار و منهم من يمشي ماشيا علي القدم علي بطءٍ و سكون فكذلك يصيبه الوهج لتوجهه الي الاسفل المورث للثقل المورث للبطء و منهم من يمشي عدوا و منهم من يمشي كالجواد و منهم من يمشي كالريح العاصفة [ص 403] و منهم من يمشي كالبرق الخاطف و ما بين هؤلاء درجات لايحصيها الا الله و لكل درجات مما عملوا و قل من يسلم من وهج النار و ان منكم الا واردها كان علي ربك حتما مقضيا و الوارد علي الماء غير المغتمس فمن الناس من يرد و يغتمس و منهم من لايغتمس فلاينجو منه الا من سبق له من الله الحسني ، اللهم اني اعوذ بك من وعثاء ذلك السفر و سوء المنقلب و استغفرك و اتوب اليك من توجهي الي غيرك فسلمني برحمتك يا ارحم الراحمين و ليس لي بعد التقصير و التفريط الا الاستغفار و الاعتصام بعروة الابرار ثم لايهلكني الا عدلك و لاينجيني الا فضلك اللهم ثبت قدمي علي الصراط يوم تزل فيه الاقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عني يا ارحم الراحمين و اعلم انه روي ان علي الصراط عقبة الف سنة صعودا و الف سنة حدالا و الف سنة هبوطا و في رواية ان فوق الصراط عقبة كؤدا طولها ثلثةآلاف عام الف عام هبوط و الف عام شوك و حسك و عقارب و حيات و الف عام صعود انا اول من يقطع تلك العقبة و ثاني من يقطع تلك العقبة علي بن ابيطالب و قال بعد كلام لايقطعها في غير مشقة الا محمد و اهل بيته انتهي ، و في الحديث الثاني و ان قدم الهبوط الا ان تسميتها بالعقبة تدل علي ان ذلك محض ذكر المراتب اذ لو كان الهبوط مقدما لكان وهدة او واديا فتسميتها بالعقبة قرينة تقدم الصعود فلاينافي الحديث الاول و الذي يظهر لي من معني هذا الصعود و الحدال و الهبوط ان الكمال لايحصل للانسان الا بان يصعد من اودية هلاك منازل البعد و الاراضي الي منازل القرب و السماوات التي هي جهة المبدء و هو سيره الي الله سبحانه و اقباله اليه عند نداء اقبل فيصعد الي منازل القرب و هو السفر الاول ثم يسير في شئون الاسماء [ص 404] و الصفات و الافعال و يكتسب من انوار نجومها الكمال و الحيوة و النور و القوة و القدرة و هو سيره في الحق ثم يؤمر بالاداء و الابلاغ و الايصال و الهداية لاستكمال نوره و زيادة لطيفته و بلوغه رتبة الاشراق و القيام مقام العالي في الاداء و هو السير من الحق الي الخلق و لايكمل احد الا بذلك و قد امر جميع الخلق بذلك كل بالنسبة الي حده و مقامه و ادني ما امروا به هو الايصال الي جوارحهم و اعضائهم كما هو تأويل قوله سبحانه فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة الآية ، فهذه العقبة في طريق الصورة الانسانية و درجات النفس صعودا و هبوطا و كون حداله كثير الشوك و الحسك و الحيات و العقارب لشدة امر السلوك في الحق و صعوبة مسالكه كما روي في القدر بحر زاخر خالص لله عز و جل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري الخبر ، فاثبت فيه الظلمة و الحيات و الحيتان مع انه مشية الله سبحانه و مبدأ الانوار و قد يوصف الشئ بشئ و هو وصف ما فيه كليل قائم و نهار صائم و نهار مبصر و انما يقوم الانسان و يصوم و يبصر فتسمية البحر بالاسود كالليل الدامس لاجل عدم ابصار الناس فيه شيئا و عماهم عن دركه و الا فهو مبدأ الانوار و كذلك الحيات و الحيتان لانه يهلك الانسان سريعا في ذلك البحر بلذع حيات حيوته الحيوانية التي هي مركب النفس الامارة فان مقتضاها يمنعه عن درك معناه فنسب البحر الي الحيات و ليس له من نفسه حيات كذلك مسلك الانسان في الحق ليس فيه من نفس المسلك شوك و حسك و عقارب و حيات و انما هو من الجهات المتكثرة النباتية و الحيوانية الضارة المانعة التي في الانسان المتعلقة [ص 405] به كالعاقول فنسبت الي الصراط لكون ذلك في الساير عليه فافهم و فيما ذكرنا في معني الصراط كفاية و بلاغ .
فصل - في منبر الوسيلة و المقام المحمود و لواء الحمد و الكوثر . اعلم انه قد روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقول اذا سألتم الله فاسألوا لي الوسيلة فسألوا النبي عن الوسيلة فقال هي درجتي في الجنة و هي الف مرقاة ما بين المرقاة الي مرقاة حضر الفرس الجواد شهر و هي ما بين مرقاة جوهر الي مرقاة زبرجد الي مرقاة لؤلؤ الي مرقاة ذهب الي مرقاة فضة فيؤتي بها يوم القيمة حتي ينصب مع درجة النبيين فهي بين درجة النبيين كالقمر بين الكواكب فلايبقي يومئذ نبي و لا شهيد و لا صديق الا قال طوبي لمن كانت هذه درجته فينادي المنادي و يسمع النداء جميع النبيين و الصديقين و الشهداء و المؤمنين هذه درجة محمد صلي الله عليه و آله فقال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم فاقبل يومئذ متزرا بريطة من نور عليّ تاج الملك و اكليل الكرامة و علي بن ابيطالب امامي و بيده لوائي و هو لواء الحمد مكتوب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله المفلحون هم الفائزون بالله الي ان قال فبينا انا كذلك اذا ملكان قد اقبلا الي اما احدهما فرضوان خازن الجنة و اما الآخر فمالك خازن النار فيدنو رضوان و يسلم علي و يقول السلام عليك يا رسول الله فارد عليه و اقول ايها الملك الطيب الريح الحسن الوجه الكريم علي ربه من انت فيقول انا رضوان خازن الجنة امرني ربي ان آتيك بمفاتيح الجنة فخذها يا محمد فاقول قد قبلت ذلك من ربي فله الحمد علي ما انعم به علي ادفعها الي اخي علي بن ابيطالب فيدفعها [ص 406] الي علي و يرجع رضوان ثم يدنو مالك خازن النار فيسلم و يقول السلام عليك يا حبيب الله فاقول له و عليك السلام ايها الملك ما انكر رؤيتك و اقبح وجهك من انت فيقول انا مالك خازن النار امرني ربي ان آتيك بمفاتيح النار فاقول قد قبلت ذلك من ربي فله الحمد علي ما انعم به علي و فضلني به ادفعها الي اخي علي بن ابيطالب فيدفعها اليه ثم يرجع مالك فيقبل علي و معه مفاتيح الجنة و مقاليد النار حتي يقعد علي عجزة جهنم و يأخذ زمامها بيده و قد علا زفيرها و اشتد حرها و كثر شررها فينادي جهنم يا علي جزني قد اطفأ نورك لهبي فيقول علي لها ذري هذا وليي و خذي هذا عدوي الخبر ، و في حديث آخر انه منبر من ياقوتة حمراء مكلل بزبرجدة خضراء له سبعونالف مرقاة بين المرقاة الي المرقاة حضر الفرس القادح ( القارح ظ ) ثلثة ايام و روي ان ذلك المنبر هو المقام المحمود و علي عليه السلام عليه اسفل من النبي صلي الله عليه و آله و سلم بدرجة و روي حلتهما و حلة الائمة ورديّة و روي ان عليهما حلتان خضراوان و روي انهما يكسيان الوردية و الخضراء معا فاعلم ان لكل درجات مما عملوا فنفس الاعمال درجات العباد يصعدون باقدام الامتثال في درجات الاعمال كما يأتيك ان شاء الله فدرجات محمد و آلمحمد عليهم السلام ارفع الدرجات قد عبدوا الله عز و جل قبل جميع الخلايق بالفالف دهر و مع جميع الخلق و بجميع عبادة العابدين و هو احد معاني بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و احد معاني اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر و اطعت الله و رسوله حتي اتاك اليقين و ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و انا الآمل و المأمول و امثال [ص 407] ذلك و بعد جميع الخلق حيث فنوا و بقي وجه الله سبحانه فجميع درجات الخير لهم بل هم درجات عند الله لانهم اصل كل خير و فرعه و انا صلوة المؤمنين و صيامهم فدرجة النبي صلي الله عليه و آله ارفع جميع الدرجات و هي محيطة بالكل من جميع جهاتها و جميع الدرجات ظهور درجته و نورها بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و تظهر تلك الدرجة علي صفة المنبر لان المنبر هو مقام استعلاء العالي علي الرعية حين رجوعه الي الخلق و سيره من الحق الي الخلق و لذا يستدبر القبلة و يتوجه الي الخلق و الخلق يجعلونه في قبلتهم يستمعون منه كلام الله كما ان المحراب مقام السير من الخلق الي الحق و لذلك يستدبر الخلق و يتوجه الي القبلة و الصلوة معراج المؤمن و هذا السير يقتضي الخضوع و الخشوع و لذلك يساوي مقامه الرعية او يكون انزل منهم فاذا انتهي سيره الي الحق يسير في الحق و هو حين سجوده و غاية خضوعه و تسويه مع التراب اقرب ما يكون العبد الي الله و هو ساجد قال الله سبحانه و اسجد و اقترب فاذا سار في الحق و استنار امر بالادبار و التوجه الي هذه الديار للامر و النهي و الحكم فيصعد المنبر و يستولي علي جميع الرعية و ينطق بالحق بالجملة هذه صفة المنبر و معناه و ارتفاع المنبر علي قدر سير الساير حال سيره الي الحق فكل احد ينزل من حيث وصل اليه في الصعود فلما كان سير النبي و الوصي صلي الله عليهما و آلهما حين السجود و تقلبهما في الساجدين بلا نهاية و وصلا الي غاية القرب و مقام قاب قوسين او ادني و هما اي القوسان قوس السرمد و قوس حجاب الزبرجدة الخضراء المتلألأ بخفق فلما امر بالرجوع كان مطلعه علي ساير الخلق من [ص 408] الافق الاعلي ليس فوقه مقام لذي مقام و درجة اعلي منه لذي درجة فتوجه صلي الله عليه و آله من المنظر الاعلي و الافق المبين علي الخلايق فكان صلي الله عليه و آله و سلم في اعلاه و علي عليه السلام ادني منه بدرجة لانه نفسه و صورته و ذلك المنبر العظيم له الف مرقاة و في رواية سبعونالف مرقاة فان من مطلعه الي عرصة المحشر خمسة مقامات مقامه و مقام الانبياء حال القطبية و مقام الاناسي و مقام الجن و مقام الملئكة المحشورين يوم القيمة ذوي النفوس الناطقة و لكل مقام من هذه المقامات الخمسة عشر مراتب من مرتبة المسمي الي الجسم كل بحسبه و كل مرتبة من هذه المراتب خلقت في ثلث دورات تتم بها قابليتها و دورة يتم بها مقبولها و يظهر في كل دورة اسرار التوحيد و مقاماته الخمسة فذلك الف مرقاة كل مرقاة منها من جوهرة من الجواهر علي حسب مزاجه و طبعه و مقامه و لذا روي ان المنبر من نور رب العزة و قد عبر في الحديث الآخر عنها بسبعينالفا نظرا الي مؤثرية تلك المراتب لما دونها و كون المؤثر سبعين بالنسبة الي الاثر لانه في مقام المؤثرية يظهر بالفعل المعبر عنه بكن و قواه سبعون لان له رتبتين مادة و صورة فالكاف اشارة الي مادته و النون الي عينه و صورته نظرا الي ان المادة لها اربع مراتب من الظاهر و الفعل اي ظَهَرَ و الظهور و المظهر و يتجلي المؤثر العالي في كل رتبة منها بما انطوي عليه من التذوت و الموصوفية و صفات القدس و الاضافة و الخلق فيكون مراتب المادة عشرين و لما ظهر هذه المراتب في العين ايضا بمراتبها العشر التي هي المعنوية الكلية و الصورة الاجمالية الكلية و المعنوية الجزئية و ست مراتب الصور التفصيلية الجزئية و الجامعة الحاملة للكل ظهور [ص 409] النون فذلك سبعونالفا من مقامات المؤثر التي هي مراقي ذلك المنبر الرفيع و المقام المنيع و يظهر من بعض الاخبار ان له اربعا و عشرين مرقاة يركبه علي عليه السلام فاذا له خمس و عشرون درجة فان درجة علي عليه السلام ادني من درجة رسول الله صلي الله عليه و آله بدرجة و هو من حيث الكليات و ملاحظة المقامات الخمسة الاُولٰي و ظهور اسرار التوحيد الخمسة في كلها فالدرجة العليا لرسول الله صلي الله عليه و آله و احتجب بشعاع نوره عن نواظر الخلق و الاربع و العشرون ظاهرة للخلق و بين كل درجتين شهر بسير الفرس الجواد القادح الذي هو عقل المتفرس الكامل فان العقل الواقف في كل درجة ما لميتجاوز مراتب كينونته العشر و في كل مرتبة من كيانه الثلثة لميبلغ الدرجة العليا و في بعض الاخبار سير ثلثة ايام و هو من حيث النظر الي الكيان مع قطع النظر عن الجزئيات و يمكن فيها غير ذلك من الوجوه و اعلم انه لايتفاوت في المراد اذا قلت اربعون و اردت منه اربعين واحدا او عشرون و اردت عشرين اثنين او عشر و اردت عشر اربعات او خمس و اردت خمسة ثمانيات او ثمانٍ و اردت ثماني خمسات كلها واحد و تعبير عن كم واحد الا انه يختلف التعبير بحسب الانظار و المراد واحد و يمكن ان يراد بهذه الاعداد محض الكثرة علي ما هو المتعارف في العرف فعلي اي حال هذه الدرجات مخصوصة بمقامهم عليهم السلام و كل درجة تقصر عن درجتهم و هذا المنبر يعم عرضا و طولا جميع عرصة المحشر في العظمة و الكبرياء و جميع من دونهم جاثون تحت هذا المنبر لايرتفع لاحدهم صوت و هو قوله و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها و قوله و خشعت الاصوات للرحمن فلاتسمع الا همسا [ص 410] و كلهم ينتظرون حكمهم صلوات الله عليهم فيهم و هم من خشيتهم مشفقون فيؤتي اليهم مفاتيح الجنة و مقاليد النار و يدعون من قبل الجبار القيا في جهنم كل كفار عنيد و يعطي رسول الله صلي الله عليه و آله المفاتيح و المقاليد عليا عليه السلام لانه يده المعطية كل ذي حق حقه و السائقة الي كل مخلوق رزقه و بيده عليه السلام يومئذ لواء الحمد له اربعون شقة ملأت ما بين السماء و الارض و في رواية له سبعون شقة الشقة منها اوسع من الشمس و القمر و في رواية له شقتان شقة من سندس و شقة من استبرق و في رواية له ثلث ذوائب من نور ذؤابة في المشرق و ذؤابة في المغرب و ذؤابة في وسط الدنيا و طول اللواء مسيرة الف سنة و في الاخبار جزئيات اخر تركناها خوف الاطالة و لا تنافي في الاخبار و الحمد لله و الاشارة الي ذلك ان اللواء هو عبارة عن قيومية الملك و تظليله علي رؤس الرعية و لذلك قيام اللواء يدل علي قيام الملك و وقوعه علي وقوعه و لواء الحمد يوم القيمة علي صفة اللواء كما ذكرنا سابقا سر امثاله و سمي ذلك اللواء بالحمد لانه صفة قيومية النبي الظاهر بالولي ولي النعم المعطي كل ذي حق حقه و السائق الي كل مخلوق رزقه فلاجل ذلك سمي صاحب اللواء بمحمد لانه يقع عليه حمد كل حامد و هو محمود كل حامد و سمي ذلك المقام بالمقام المحمود اذ لايتجاوزه حمد حامد و لايستحقه سواه اذ لا منعم غيره و لما كان هو صلي الله عليه و آله ينعم علي البرية بيده العالية العلية و انما يظهر الانعام علي يده العالية فيكون مرجع الحمد علي نعمائه ذلك اليد فيكون لواء الحمد بيده و هو يعم جميع الالفالف عالم و له ثلثة ذوائب ذؤابة في مشرق الجبروت و ذؤابة في مغرب الملك [ص 411] و ذؤابة في وسط الدنيا اي الملكوت و هو وسطها و اشرفها و في نظر آخر له شقتان شقة من سندس و هي الشقة التي منشورة في عالم الغيب الذي هو اللطيف و شقة من استبرق و هو اغلظ من السندس و هي منشورة في عالم الشهادة و في نظر آخر له اربعون فان كليات العوالم عشرة من المسمي الي الجسم و في كل عالم اربع مقام من الباطن و البطون و الظاهر و الظهور و في نظر آخر له سبعون شقة لان كل عالم من تلك العوالم العشرة مثلث الكيان مربع الكيفية كل شقة منها اوسع من شمس المواد و قمر الصور لان ظل العالي و نوره و مثاله ابدا اوسع من الهوية التي القي فيها بالجملة لو شئنا ان نشرح جميع الحقائق في كل مسئلة لفني العمر قبل ان تفني فلنكتف بما ذكرنا و انما الغرض في هذا الكتاب بيان الكليات لا الجزئيات .
و اما الكوثر و هو الحوض الذي نحله الله سبحانه النبي و اعطاه اياه و نوه باسمه حتي قال انا اعطيناك الكوثر فهو مقام عظيم لميفز به غيره و هو نهر عظيم يجري تحت عرش المشية له شعبان ينصبان فيه احدهما تسنيم و الآخر المعين و هما خليجان يجريان احدهما من اعلي المشية و هو التسنيم من سنام المشية و الآخر من معين عينها عرض هذا النهر ما بين مشرق المشية و ارض الامكان و مجراه في جنة عدن عليه منازل محمد و آلمحمد عليهم السلام خاصة دون النبيين و غيرهم و هو الحوض المعروف المتواتر المسمي بالكوثر و لا شك ان الاسماء الزمانية الجسمانية التي عبر بها عما في الآخرة لايراد بها نحو معانيها الزمانية الجسمانية من كل جهة فان الآخرة الطف من الدنيا باربعةآلاف و تسعمائة مرة و هي دار الخلود و تلك المعاني الزمانية بتلك الكثافة [ص 412] من عرصة الفناء فالمعاني الاخروية يعبر عنها بالفاظ دنياوية و يراد منها انها علي صفة هذه لا هيئته فان هذه الهيئات مخصوصة بهذا الصقع لان الصور الكثيفة لاتلبس الا علي مواد كثيفة و الصور اللطيفة لاتلبس الا علي مواد لطيفة و الصور الدنياوية لاتلبس الا علي مواد دنياوية و اما المواد الاخروية فلايمكن ان تتصور بالهيئات الدنياوية اماتري انك لاتقدر ان تصبغ الهواء المشهود اخضر او اصفر و الهواء جسم دنياوي فكيف المواد الاخروية فهي تكون علي صفة ما في الدنيا اذا لطفتها و نعمتها و خلصتها عن الاعراض و كذلك صفة جميع ما تسمع من امور الآخرة فمن ذلك حوض الكوثر فهو امر علي صفة الحوض يعني هو مجمع ماء و ماؤه سبب الحيوة يحيي به ارض القوابل و تنبت به نباتا فلو قدرت ان تصف ما في الدنيا باوصاف مطلقة و تترك عنها ما يخص الرتبة لفزت بمعرفة الحقايق البتة فاقول لذلك النهر و ذلك الحوض معان كلها واقعية حقية منها ان ذلك النهر هو الماء النازل من سحاب المشية و به حيوة كل شئ من شرب منه لميظمأ و لايشقي ابدا فيشربه المؤمنون و يحرم عنه الجاحدون للحق و النهر لرسول الله صلي الله عليه و آله و اما الساقي المغترف فهو علي عليه السلام يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه اذ هو مقام التفصيل و لكن هذا الحوض صرفه لمحمد و آلمحمد عليهم السلام و غيرهم لايقدر علي شربه صرفا و يمزج بغير لكل علي حسبه كما روي في التسنيم فالذي منه يخصهم صرفه و الذي ينال غيرهم شوبه و منها ماء العلم الذي خصهم الله به يحيطون بكل شئ علما علم احاطة و عيان فذلك النهر هو نفسهم العلامة الكلية الالهية الجارية من تحت عرش العقل الكلي لها مادة من تسنيم مادة العقل [ص 413] و صورة من معين صورته و هو نهر كثير الخير قد عم البريات و حقيقته الاحاطية لمحمد و آلمحمد عليهم السلام و يسقي علي عليه السلام غيرهم و يشوبه ليتحملوه و يذود عنه اعداءه كما يذاد الابل فان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و مستقي العلم بيتهم الرفيع فليس لاحد من اهل الباطل علم ابدا بباطلهم و اما بالحق فان علموا فهو من لطخ يزول يوم القيمة و من هذا الباب ان اُوّل الكوثر بالقرآن فهو ايضا ماء جار من تحت عرش العقل كثير الخير من شرب منه لميظمأ و فيه علم كل شئ له شعبان شعب تسنيم باطن و معين ظاهر صرفه و حقيقته لمحمد و آلمحمد عليهم السلام ثم كل واحد ممن سواهم علي حسب مقامه يشربه مشوبا لعدم تحمله و منها ان يأوّل بشرعه و سنته فهو ايضا حوضه و مشرعة عرضها ما بين المشرق و المغرب لانه ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و فيه حد كل محدود يجري من تحت عرش الله الذي هو المشية فان الشرع صفة المشية فيه تسنيم تدبير النفوس و معين تدبير الاجسام او تسنيم الباطن و معين الظاهر او تسنيم العقايد و معين الاعمال صرفه المطابق مع المشية من كل جهة من خواص المعصوم المطهر و مشوبه لساير الناس و ساقيه علي عليه السلام المعلّم للامة الكاشف للغمة فمن شرب منه لميظمأ و ان المستبدين بآرائهم محرومون من شرب ذلك الماء يذادون كما يذاد الابل الغريب عن المشرعة و منها ان الكوثر هو الشفاعة و المقام المحمود فان الشفاعة كما يأتي من فضل نور الكامل المتعلق بالناقص المكمل له المبلغ اياه درجة لايستحقها و لا مخلوق اكمل نورا و افضل ظهورا من محمد صلي الله عليه و آله و عترته الانجبين فنوره الذي اشرقت به السماوات و الارضون من تحت [ص 414] مشية الله سبحانه فانه صفة المشية عرضه المشرق و المغرب لعمومه و شموله كل شئ صرف ذلك النور لمحمد و آلمحمد ثم كل من يشرب منه يشرب مشوبا كما مر فهم يشفعون لمن دونهم و من دونهم لمن دونهم و هكذا و نور كل شفيع مشوب عدا نورهم فانه صرف نور الله سبحانه لايشوبه صبغ و روي انه عرضه ما بين ايلة و صنعاء و في رواية بصري و صنعاء و يمكن ان يكون المراد بايلة جهة الرب لانها من ايل بمعني الله و بصنعاء جهة الصنع لانه من الصنع و كذلك البصري من البصيرة و هي جهة ايل بالجملة عرض ذلك الحوض كما روي من مشرق المشية الي مغرب القوابل و الامكان و هذه الحقايق و امثالها تظهر يوم القيمة بصفة الماء و الحوض لان به حيوة كل شئ و يشرب منه الاولياء استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم فمن دخل في ولاية آلمحمد عليهم السلام في الدنيا يأتي يوم القيمة واردا علي حوضهم و يشرب من ذلك الماء و من لميدخل في ولايتهم يأتي يوم القيمة مطرودا عن ذلك الحوض ظمآنا فتدبر و قد روي في البحار عن النبي صلي الله عليه و آله الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تعالي ماؤه اشد بياضا من اللبن و احلي من العسل و الين من الزبد حصاه الزبرجد و الياقوت و المرجان حشيشه الزعفران ترابه المسك الاذفر قواعده تحت عرش الله عز و جل ثم ضرب رسول الله صلي الله عليه و آله يده في جنب علي اميرالمؤمنين عليه السلام و قال يا علي ان هذا النهر لي و لك و لمحبيك من بعدي و عنه صلي الله عليه و آله ان الله عز و جل اعطاني نهرا في السماء مجراه تحت العرش عليه الفالف قصر لبنة من ذهب و لبنة من فضة حشيشها الزعفران و رضراضها الدر و الياقوت و ارضها [ص 415] المسك الاذفر فذلك خير لي و لامتي و ذلك قوله تعالي انا اعطيناك الكوثر الخبر ، و عنه صلي الله عليه و آله من لميؤمن بحوضي فلااورده الله حوضي و عنه صلي الله عليه و آله اني فرطكم و انتم واردون علي الحوض عرضه ما بين بصري و صنعاء فيه قدحان من فضة عدد النجوم و في حديث عن علي عليه السلام تنافسوا في لقائنا علي الحوض فانا نذود عنه اعداءنا و نسقي منه احباءنا و اولياءنا و من شرب منه شربة لميظمأ بعدها ابدا حوضنا مترع فيه شعبان ينصبان من الجنة احدهما من تسنيم و الآخر من معين و روي عنه صلي الله عليه و آله في حديث انه ما بين ايلة و صنعاء و عنه صلي الله عليه و آله في حديث انه نهر في الجنة عرضه و طوله ما بين المشرق و المغرب و الاخبار في الحوض كثيرة تشرفنا بذكر بعضها لئلايخلو كتابنا من بركاتها و انت اذا تدبرت في وجوه ذكرناها عرفت معاني هذه الاخبار بلا غبار و عرفت انه لا اختلاف فيها و عرفت ان سعة هذا الحوض سعة المشرق و المغرب كما ان حميم جهنم سعته ما بين المشرق و المغرب و هو ايضا ماء في جهنم حاو لجميع انحاء الشرور يرده اعداء آلمحمد عليهم السلام و مُوردهم عليه هو ايضا علي عليه السلام فانه رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو قسيم الجنة و النار كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاؤ ربك محظورا الا ان الكوثر يجري من باطن باب الله سبحانه الذي فيه الرحمة و هو عرشه سبحانه الذي استوي عليه و الحميم الآن يجري من ظاهره الذي من قبله العذاب فمن تمسك بولايته و اتبع امره و نهيه ورد حوض الرحمة و سقي منه و من تخلف عنها ورد حوض النقمة و هذان الماءان هو الماء العذب الفرات الذي عجن منه طينة المؤمن و الماء الاجاج الذي [ص 416] عجن منه طينة الكافر في الدعاء اللهم ان شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا فمن عجن طينته في عالم الذر من ماء الكوثر و سقي طينته منه يرده يوم القيمة و يسقي منه فان العود علي البدء و من عجن طينته في عالم الذر من الحميم الملح الاجاج و سقي طينته منه يرده يوم القيمة و يسقي منه كما بدأكم تعودون فهذا هو الكوثر الكثير الخير اصله لآلمحمد عليهم السلام و عليه منازلهم و فاضله لشيعتهم فتدبر راشدا موفقا فقد اسقيتك ماء غدقا لو استقمت .
فصل - في طول مدة يوم القيمة و يقول الله سبحانه في يوم كان مقداره خمسينالف سنة و في موضع آخر في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون و يقول في موضع آخر ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون ، اعلم ان اليوم قد يطلق و يراد به في الظاهر ما يضاد الليل كقوله سبع ليال و ثمانية ايام و قد يطلق و يراد به مجموع الليل و النهار كقولهم من بصرة الي كوفة مثلا مسيرة عشرة ايام و يراد بها مجموع الليل و النهار و قد يطلق و يراد به مدة الملك و ان طالت كقوله سبحانه و ذكرهم بايام الله و كقوله و تلك الايام نداولها بين الناس و منه ما فسر به قوله يوم كان مقداره خمسينالف سنة و هي كرة رسول الله صلي الله عليه و آله فيكون ملكه في كرته خمسينالف سنة و قد يطلق اليوم و يراد به الوقت المطلق طال ام قصر و منه قوله سبحانه كل يوم هو في شأن و قد يطلق و يراد به المراتب كقوله خلق السموات و الارض في ستة ايام اي في ست مراتب لانه لميكن حين خلق السموات و الارض وقت فلا بد اولا ان تفهم معني يوم القيمة ثم تعرف طوله ، اعلم بقول مطلق ان الشئ [ص 417] له جهتان جهة الي مبدئه و هي الطف جهتيه و ابسطهما و ارقهما و احكاهما لما وراءها و جهة الي نفسه و هي اغلظ جهتيه و اشدهما تركيبا و كثافة و حجبا لما وراءها و ذلك سر سار في جميع مراتب الوجود من الدرة الي الذرة و لما كان النور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره بغلبة روحانيته علي انيته فجميع النور و الظهور هو للمبدء لانه الروح المحض بالنسبة الي المنتهي و تمام النور و الظهور له فلما كانت الجهة العليا للاثر شافّة حاكية لما وراءها تحكي ذلك النور و ذلك الظهور فتكون نورا ظاهرا مظهرا و لما كانت الجهة الدنيا كثيفة حاجبة لما وراءها صارت ظلمة و هذا الامر هو سر حدوث النهار و الليل في المبدء و المنتهي فكل نهار من جهة المبدء و كل ليل من جهة المنتهي و منه ما تري ان النهار ظل السماء و الليل ظل الارض في هذه الدنيا فاذا قد يدقق الحكيم نظره فاذا رأي اوقاتا عديدة فيها يغلب انوار الرب و حكمه و علمه يسميها نهارا و ان تعددت و اذا رأي اوقاتا فيها ظلمة الشياطين و حكمهم و علمهم غالبة يسميها ليلا و ان تعددت كما روي في قوله و النهار اذا جليها هو قيام القائم و في قوله و الليل اذا يغشيها هو دولة حبتر و لاجل هذه العلة يسمي العقل مثلا بالنهار و النفس بالليل و منه ما روي ان ليلة القدر فاطمة و الفجر قيام القائم و هكذا و جميع ذلك من باب ما ذكرناه لك و من هذا الباب ايضا تسمية الغيب باليوم و تسمية الشهادة بالليل للطافة الغيب بالنسبة و حكايته المبدء و كثافة الشهادة الحاجبة له و بهذا اللحاظ يسمي عالم النفس يوم الذر بدءا و يوم القيمة عودا فهذه الدنيا ليلة بين شطري النهار كما سنفسره لك ثم ان للنهار و الليل ثلث حالات بل اربع في تعاقبها الاولي حال استواء عمود مخروط النور علي عمود الليل فيصير [ص 418] اليوم منطبقا علي الليل حادا معه فحينئذ يغشي الليل النهار و الثانية عكسه و هي غشيان النهار الليل و هما حالتا زوال النهار و زوال الليل ، الثالثة حال امتزاج الليل بالنهار و النهار بالليل و هي حالة الايلاج و هو قوله سبحانه يولج الليل في النهار يعني به الشفق و يولج النهار في الليل يعني به بين الطلوعين فتكون هذه الحالات في كل يوم و ليلة علي حسبهما فعلي معني ان يكون الغيب يوما و الشهادة ليلا يكون حال غشيان النهار الليل مبدأ عالم النفوس حين كون شمس العقل علي قمة الرؤس و غاية ظهورها و هو الظهر و قد انطبق النهار علي الليل فلايري فيه شائبة ظلمة ثم اذا انحدرت النفس عن مبدئها تظهر مبادي ظلمة الشهادة الي ان تغرب الشمس في عالم المثال و تستتر في افق الانية و لكن شفقها باق و كلما ينحدر يشتد الظلمة و يضعف النور الي ان يدخل في عالم الاجسام فيغيب الشفق ايضا و هكذا ينزل الامر نازلا الي الارض فاذا بلغ الارض التي هي المنتهي انطبق الليل علي النهار و صار زوال الليل ثم اذا اخذ في الاقبال يميل الي جهة الفجر ما هو في الجمادية و النباتية فاذا انشئ خلقا آخر و نفخ فيه روح الحيوان حدث الفجر ثم يصعد صاعدا الي ان ينفخ فيه النفس الناطقة القدسية فيطلع الشمس و كلما يصعد في درجات النفس يقرب من الزوال فاذا بلغ المنتهي و رأي الشمس شمس المشية او العقل علي قمة رأسه يكون زوالا و يقوم القيمة و الشمس فوق رؤس الخلق فتمام عالم الشهادة و هو الدنيا و عمرها مائةالف سنة كل الليل و شطر من النهار قبله و هو عالم النفس حال النزول و هو عالم الذر و شطر منه بعده و هو عالم القيمة فتبين من ذلك ان النهار خلق قبل الليل و الكواكب [ص 419] في اشرافها و غاية قوتها و الشمس في التاسعةعشر من حمل فهي علي قمة الرؤس فبدء الايجاد من الظهر و ختمه الي الظهر و اليوم مطابق مع الليل فشطره المقدم خمسونالف سنة و شطره المؤخر ايضا خمسونالف سنة و تمام اليوم مائةالف سنة كليله علي حد الاعتدال و سر كون الشطر خمسينالف سنة ان للقيمة خمسين مقاما يلبث الناس في كل مقام الف سنة و ذلك ان لعرصة القيمة خمسة مقامات جسمها و مثالها و مادتها و طبيعتها و نفسها و كل واحد من هذه المقامات خلقت من عشر قبضات تسع من افلاكها و واحدة من الارض فتلك خمسون مقاما و يلبث الساير في كل مقام الف سنة و هو قول ابيعبدالله عليه السلام حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا عليها فان للقيمة خمسين موقفا كل موقف مقداره الف سنة ثم تلا في يوم كان مقداره خمسينالف سنة انتهي ، و سر الوقوف في كل موقف الف سنة لانه ينبغي لهم ان يتنصّلوا في كل موقف عن الوف الجمادية و مآت النباتية و عشرات الحيوانية التي هي جهات الانية و القابلية الي آحاد الانسانية و يتصلوا بالواحد الذي هو مبدؤهم فهم يصعدون في كل موقف من منتهاه الي مبدئه في الف سنة فالانسانية مقام الآحاد لغلبة سر المبدء عليها و الحيوان ادون من الانسان بدرجة فاذا قيس بالاعداد عبر عنه بالنسبة بالعشرات و النبات ادون منه بدرجة ففي القياس بالاعداد يعبر عنه بالمآت فانها ادون من العشرات و الجماد ادون منه بدرجة ففي القياس يعبر عنه بالالوف هذا و تكثر كل دان اشد من تكثر العالي عليه كما هو مشاهد فان واحدا و هو الانسان المقبول عند ربك كالف عندكم في منتهي القابلية و التعبير عن كل مرتبة بسنة لاجل ان شمس رأس المشية المتعلقة [ص 420] بها مستكملة دورة تامة عليها قد رتبها في فصول طبايعها في اشهر كيان تلك الطبايع و ايام قوابلها في قبضاتها فبذلك صار يوم القيمة خمسينالف سنة و انما هذا الطول يمر علي الاشخاص في استخراج جواهرهم من اعراضهم و اما بالنسبة الي الله سبحانه فهو طرفة عين و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و عبر عن ذلك فيما روي عن ابيعبدالله عليه السلام بقوله لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسينالف سنة من قبل ان يفرغوا و الله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة انتهي ، و الساعة قطعة من الوقت الساعي و هي لمح البصر فالفعل من الله سبحانه في اخراج جواهرهم من الاعراض كلمح بالبصر و الانفعال منهم في خمسينالف سنة و لما عرفت ان هذه المدة رتبية كما يقال ان من الارض الي السماء خمسمائة عام و قطر كل سماء خمسمائة عام فالخلق يختلفون في سيرهم من اسفل العرصات الي اعلاها فمنهم من يطير صاعدا و يبلغ المنتهي في طرفة عين و منهم من يصعد كالبرق الخاطف و منهم من يصعد كالريح العاصفة و منهم من يصعد كالجواد العادي و منهم يمشي و منهم من يحبُو و هكذا فمدة السير غير مدة المسافة فافهم و تدبر فيما ذكرنا و قد كتبنا نحن في ذلك رسالة منفردة و بسطنا فيها القول بساير الوجوه فراجعها ان شئت .
الموقف الرابع - في معرفة الثواب و العقاب و الجنة و النار و المجازاة و ما يتعلق بها و في هذا الموقف ايضا فصول نذكرها علي ترتيب الحكمة و التعليم ان شاء الله لنرقيك من حضيض الجهل بها الي سماء العلم بها و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
[ص 421] فصل - اعلم ان الحادث يحتاج الي محدث فان كان ذاتا يحتاج الي مذوت و ان كان وصفا يحتاج الي مغير فالمذوت هو المكون يكون الذوات و يجعلها هي هي بامره الكوني الذي هو كن فيحدث عن قوله كن نور يصير هو مادة تلك الذات و يحدث من انفعالها صورة ذاتية لها و هما مطابقتان في الوصف لرأس من رؤس المشية الكونية المتعلق بهما و ذلك الرأس هو تلك المادة و الصورة من حيث اضمحلالهما عند سطوع نور العالي و كونهما وصفا له فهما من حيث هما مطابقتان لهما من حيث انهما وصف العالي و هذا هو الذي نقول ان الاثر يطابق صفة المؤثر و هو صفة المؤثر لا غير و الا فلا مطابقة بين الاثر المركب مع ذات المؤثر الاحدية و المغير هو الشارع المكمل المظهر علي الكائن الثابت صفة كانت كامنة فيه فرباها المغير حتي قويها و ابرزها من الكمون الي العيون فالمغير ايضا يغير بامر له شرعي و هو في الجملة قول اقبل و في التفصيل قول صل و صم و زك و حج و امثالها فيحدث عن امره نور شعشعاني يملأ الاقطار و ذلك النور هو الشبح المنفصل عن شبح متصل بالامر فانه لميأمر الا بصفاته كما انك تأمر ما في المرايا من امثلتك بالقيام بقيامك في نفسك فاذا قمت انفصل عنك شبح و انطبع في المرايا فتقوم تلك الامثلة علي ما امرتها ان لمتكن المرايا معوجة او مصبوغة و الا فتغيره علي حسبها و لما كان الشارع اصل كل خير و نور و كمال و اعتدال و كان موصوفا بها جميعها في ذاته علي نهج الوحدة الجامعة و في افعاله و احواله و اقواله و اخلاقه في نفسه علي نهج التفصيل الكلي انفصل عنه امثلة في اقطار الآفاق علي حسب ما فيها ففعل و قال و قرر و تلك الامثلة في نفسها مطابقة لذيها لصدورها بنفسها [ص 422] فمن انفعل من تلك الاكوان لتلك الامثلة و امتثل بها حدث لها من امتثال تلك الاكوان صورة كما يحدث لمثالك صورة من المرآة فالبادية في المرآة هي المخصوصة بها لها مادة من ظهور الشاخص و صورة من استعداد المرآة فذلك المثال و تلك الصورة وجود وصفي قد حدث في الكاين لميكن له قبل ذلك و ان كان صالحا لظهور ذلك الوصف منه و هذا الوجود الوصفي هو الخلق الثاني في عالم الذر عند الدعوة و الاجابة و ذلك المثال هو الماء المتخذ لهم و ذلك الامتثال هو الطين و من هذا الماء و الطين يخلق لباس و وصف و يلبس علي الكائن فاذا نظر الناظر اليه لمير منه الا ذلك اللباس فان خلعه و لبس لباسا آخر ظهر به فالمُلك مُلكان مُلك تكوين لكل شئ و ملك تشريع علي كل شئ فقد البس في الخلق الثاني علي جميع الذرات لباس قد سترها عن الابصار و صارت الالبسة هي المشهودة بالفعل و الكينونة هي الغايبة و بالقوة ففي ملك التشريع مؤمن و كافر و جنة و نار و عليون و سجين و سعيد و شقي و قرب و بعد و لطيف و كثيف و عال و دان و حَسَنٌ و قبيح و واجب و حرام و محمود و معاف و طاعة و معصية و حسنة و سيئة و هكذا ما سمعت من الاضداد و لما كان الناس من بدء امرهم رأوا انفسهم في ملك التشريع زعموه ملك التكوين اذ لميعقلوا غيره و لو افني الله سبحانه هذا الملك لبقيت الاكوان لا ايمان لها و لا كفر و لا طاعة و لا عصيان و لا و لا الي آخر ما ذكر فاذا كانت الطاعة و العصيان في ملك التشريع فقد اطاع ملك التشريع او عصاه فيستحق منه المدح او الذم او القرب او البعد او غير ذلك و ليس يستحق من ملك الملك الآخر شيئا لانه لميطعه و لميعصه افهم ما اقوله لك هذا و ان كان طاعة ملك التشريع [ص 423] طاعة ملك التكوين و عصيانه عصيانه الا ان المطيع يستحق من ملك اطاعه المدح و من ملك عصاه الذم فيمدحه او يذمه ملك التشريع و مدحه مدح الملك الكوني و ذمه ذمه افهم فان عرصة الاضداد هي عرصة التشريع لا التكوين بالجملة ملك التشريع ملك وصفي البس علي الملك الكوني ففرق بين الاكوان و ميز و لله سبحانه في هذا الملك قائم مقامه في الاداء و هو الحق التشريعي الذي من عرفه عرف الله و من جهله جهل الله و من ادبر عنه فقد ادبر عن الله سبحانه و هكذا و له مشية تشريعية مطلقة و هي ظهور ذلك المبدء الحق المطلق بالامر المطلق و هو قول اقبل و لها رؤس بعدد الخيرات من قول صل و صم و زك و حج و جاهد و امثالها و كما ان في التكوين وجودا و نورا خارجيا يعبر عنه بقول كن اللفظي كذلك في ملك التشريع نور ساطع عن المبدء التشريعي و ضياء لامع يعبر عنه بصل و صم و زك و امثالها فهذه الالفاظ تعبيرات عن الايجادات الشرعية و في الخارج حقايق متأصلة و من وصل الي تلك الحقائق و سمع من الشارع باذن حقيقته استغني عن سماع الالفاظ كما انك اذا رأيت عكس زيد في المرآة قائما استغنيت عن ان تخبر عنه بانه قائم و انه احمر اللون و اسود الشعر و كذا و كذا و لاتزعم من قولنا انه وجود شرعي وصفي انه عرض غير قائم بل الشرع مقدم علي الكون رتبة و لذا يتأخر عنه ظهورا و الشرع روح الكون و الكون جسده و قابليته المتسمع ان المعرفة هي الغاية و الغاية و ان تأخرت ظهورا تقدمت وجودا و ان الاكوان تترقي شيئا بعد شئ في مدارج التشريع بلا غاية و لا نهاية و كلما تصعد في تلك المدارج تزداد تذوتا و تأصلا فكونه لباسا و وصفا [ص 424] من باب انتم لباس لهن فهو الخلق الثاني ظهورا و الاول وجودا و لذلك قلنا ان التشريع هو ابراز ما قد كمن و التكوين هو ايجاد ما لميكن فما اوجده الله سبحانه جعل فيه قوي التقرب و التذوت و التأصل الي ما لا نهاية له و تظهر بسبب التشريع شيئا بعد شئ و كل شئ منها الطف و اشرف و اعلي كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فافهم راشدا موفقا و كما ان في الكون مادة و هي ظل الامر الكوني الذي هو كن و صورة من انفعالها و انوجادها كذلك في الشرع مادة و هي النور الساطع من الامر التشريعي المعبر عنه بهذه الالفاظ و صورة من امتثال المكلفين و كما كان من تلك المادة و الصورة الكونيتين يحصل كائن من سماء و ارض و مواليد بينهما و فيهما يحصل من المادة و الصورة الشرعيتين عليون و سجين و مواليد بينهما و فيهما و المواليد هم المؤمنون و الكافرون و كما ان للكائنين خلقا و رزقا و حيوة و موتا و غيرها كذلك لهؤلاء علي ما سيأتي ان شاء الله بالجملة ملك التشريع منطبق علي ملك التكوين و مطابق معه يوجد فيه ما يوجد في ملك التكوين حرفا بحرف بلا تفاوت ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لو شئت ان ابين اسرار هذا الملك لاقشعرت منه جلود و اشمأزت منه نفوس و لايجوز البوح به حتي يأتي زمانه ان شاء الله و اعلم مجملا ان فيه علوما جمة و اسأل الله ان يرزقك اياها باصلاح نفسك و لزوم التسليم لآلمحمد عليهم السلام .