فصل - في بيان المحشورين يوم القيمة و درجات المحشر . اعلم ان كل شئ دخل عرصة الوجود فلا بد و ان يكون لوجوده غاية و قد تبين في محله ان العبادة هي غاية الايجاد لقوله سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و منها المعرفة اذ هي عبادة فؤاده او الغاية المعرفة و منها العبادة فانها معرفة الاجساد و العبادة او المعرفة هي الامتثال للاوامر الشرعية التي هي ظل صفات [ص 363] الشارع و التهيؤ بهيئاتها و الانجذاب اليها فانها بحرارتها التي بها تظهر بصفة الفلق جذابة نادية بنداء اقبل و الموجودات بالامتثال مقبلة منجذبة الي المبدء ان اطاعوا و امتثلوا و الا فيبعدون عن المبدء و يدبرون و ينزلون و انما مكّنوا من ذلك لتمام الاختيار الموجب للسعادة فليس البعد او الادبار هو الغاية و انما هو لصحة الاختيار و الاختبار و الغاية هي الامتثال بالجملة غاية الايجاد العبادة التي هي الامتثال و الانجذاب الي المبدء كائنا ما كان بالغا ما بلغ و بحكم ان الشئ لايتجاوز عن مبدئه و لايصعد الي درجة لم‌ينزل عنها كما قال سبحانه كما بدأكم تعودون لا بد و ان يكون الغاية مقدمة وجودا و ان تأخرت ظهورا و يكون الشئ اولا مخلوقا في تلك الرتبة ثم ينزل الي منتهي شهوده ثم يصعد الي تلك الدرجات التي نزل منها فكل نازل صاعد البتة و ان تفاوتت المبادي و يصعد الي حيث نزل منه البتة لحصول الغاية التي لولاها لكانت الخلقة لغوا عبثا و تعالي الحكيم عن ذلك فكل من بدء من مبدء و نزل عايد اليه لا محالة و هو معاده و محشره فبذلك تتفاوت درجات المعادين و محاشرهم البتة فمعاد محمد و آل‌محمد عليهم السلام اعلي المعادات لايحشر فيه احد و لايلحقه لاحق و لايصل اليه واصل و لايعود اليه عايد ثم عرصة معاد الانبياء فلايساوقهم فيها مساوق و لايلحقهم فيها لاحق و لايعود اليها عايد غيرهم صلوات الله عليهم ثم عرصة معاد الاناسي فلايساوقهم فيها مساوق و لايقوم معهم قائم ثم عرصة معاد الجن ثم الملئكة ثم الحيوانات ثم النباتات و لكل منهم مقام معلوم لايتجاوزه عودا كما لم‌يكن عاليا عليه بدءا نعم لكل عال ظهور في رتبة الداني و لباس من سنخه و ذلك اللباس يكون بدؤه من مبدء الداني و عوده اليه [ص 364] و هو الذي يشاهده الداني من العالي و يوم القيمة الموعود يوم نفساني دهري يجمع كل من دخل عرصة النفوس و بدئ منها فيعود اليها و لايغادر منهم احدا نعم من كان مبدؤه دونها يكون معاده دونها البتة فمعاد الجن تحت معاد الانس و معاد الحيوانات دون معاد الجن و معاد النبات دون معاد الحيوان و لا بد لكل امة من العود و الحشر في محشرهم لا محالة فمعاد النباتات الي اصفي مراتب العناصر لان نفس النبات من صوافيها كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام فمحشره في هذه الدنيا و ثوابه و عقابه في هذه الدنيا و لما كان بدء ايجاده من شيئين فلا بد و ان يفني و لايبقي مخلدا و يعود الي ما منه بدئ عود ممازجة ليجزي كل جزء منه بجزائه في معاده و معاد الحيوانات الي صوافي الافلاك لان نفسها منها بُدئت و اليها تعود كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام فهي تعود الي الافلاك اي الي بواطنها و غيبها الذي هو عالم البرزخ و المثال لانها منها بُدئت و اليها تعود و محشرها قبل ان تصل اليها عند وجود تمايزها اذ هي اذا وصلت اليها تعود عود ممازجة و ليس لها تنبه بعد الموت الدنياوي لانها من صوافي صوافي الطبايع الدنياوية و جواهرها فاذا تفككت الطبايع و الآلات البدنية عادت الي ما منه بُدئت عود ممازجة ليُجزي كل جزء منه بجزائه في معاده فمحشرهم للثواب و العقاب في الدنيا فاذا ماتوا عادوا بالممازجة و البطلان و معاد الملئكة الي باطن المادة و غيبها و صافيها الاخروية فهم اذا ماتوا بين النفختين و ردوا الي طبايع الغيب عادوا يوم القيمة و تنبهوا بعد النفخة الثانية و حشروا في غيب غيب الفلك الرابع و ليس لهم تفكك لانهم طرف الموجودات الاعلي و هم بين الفعل الذي هو من عالم القدس و الاطلاق [ص 365] و المفعول الذي في عالم التقيد بمنزلة نون الوقاية في ضربني فيبقون ببقاء المفاعيل و لا ذكر لهم في مقام النفوس التي هي محال الفعل و انيته فافهم الم‌تسمع ان ذكر الرجل ربه في نفسه لايطلع عليه الملئكة و لايكتب الملك الا ما سمع و المراد بهذه الملئكة غير الموكلة بالجمادات و النباتات و الحيوانات فانها لازمة لمراتبها حافظة لامثلتها الملقاة في اماكنها و حدودها ابدا و انما المراد بها الملئكة الموكلون بالاناسي اي المدبرات و المقسمات و المعقبات و الحفظة و الكتبة و امثالهم و معاد الجن الي غيب الطبايع و صوافيها الاخروية و المراد بغيب الطبايع هو ظل افلاك الآخرة و انوارها و اشعتها التي هي النار المخلوقة من الشجرة و هي نفوس الافلاك فهم خلقوا منها و هي المارج من النار و النار التي لا دخان لها اي لا جسم لها فهم امثلة ظلية لنفوس الاناسي و اشباح محضة لهم لهم نفوس ناطقة ناقصة ظلية كالشبح في المرآة و لهم امثلة ظلية عرضية في عالم المثال تبطل بنفخ الصور و يحشر حقايقها يوم القيمة و سعداؤهم امثلة السعداء و اشقياؤهم امثلة الاشقياء و ما من دابة في الارض و لا طاير يطير بجناحيه الا امم امثالكم فاذا ماتوا و حلوا في الطبايع لم‌يكن لهم تنبه الي ان ينفخ في الصور فيصاغوا صيغة اخري فيقفون في ارض المحشر اي باطن الكرسي في مقعره تحت موقف الاناسي و هم مركبون من اجزاء اخروية هي تمام الشئ فيحشرون و يثابون بجزاء واحد لان كل واحد منهم شئ واحد قائم بمؤثره قد خلقوا من اظلال الاناسي و وجودهم وجود ناقص كالملئكة لم‌يستوعبوا جميع جهات الكون و لذلك بقوا ارواحا لم‌يولدوا في الاجسام الدنياوية فافهم و اما الاناسي فاذا ماتوا فالمستضعفون منهم لا تنبه لهم الي ان [ص 366] ينفخ في الصور و اما الماحضون فلهم تنبه فاذا هم بالساهرة و يبقون الي نفخ الصور فيموتون و يحلون في ارض الطبايع ثم يعادون بالنفخ الثاني و يعودون الي عرصة النفوس غيب الكرسي مما يلي اعلاه و عودهم عود مجاورة لانعقادهم في صور اكتساباتهم و لانهم كل شخص منهم شئ واحد قائم بمؤثره علي حسب امتثاله للامر فيثاب بثواب واحد علي حسب مقتضي عمله و معاد الانبياء و اوصيائهم الي غيب الروح الذي هو من امر الله فهم ايضا يموتون في البرزخ بالنفخ الاول ثم يعادون بالنفخ الثاني و هم اول من يعود علي ترتيب من اولي العزمية و الرسالة و النبوة و الوصاية و محشرهم غيب الروح بين العرش و الكرسي لانهم مؤيدون بروح من الله و يعودون بالمجاورة لا الممازجة لتوحدهم و اما الائمة الهداة و النبي صلوات الله عليهم اجمعين فمعادهم و محشرهم غيب العقول و ميتهم اذا مات اعراضه لم‌يمت جوهره لعدم الممازجة و قتيلهم اذا قتل اعراضه لم‌يقتل نفسه و حقيقته و هم وجه الله الذي لايهلك و يهلك كل شئ سواه فهم احياء بين النفختين لايموتون و هم السائلون المجيبون و لما كان يوم القيمة يوم الجمع يجمع فيه كل ذي نفس كما قال سبحانه و حشرناهم فلم‌نغادر منهم احدا و يحشرون و يقف كل امة في موقفهم لايتجاوزونه فالمعصومون و الانبياء عليهم السلام و الماحضون من الانس يقفون في مواقفهم النفسانية الشرعية الامتثالية و المستضعفون يقفون في طبايع تلك العرصة الكونية الي ان يكلفوا فان امتثلوا يصعدون الي عليين الي دوين مقام الماحضين لابطائهم عن الاجابة الا ان يلحقهم شفاعة الشفعاء فيلحقون بالماحضين و ان تخلفوا ينزلون الي سجين الي فويق الماحضين لابطائهم في التخلف و اما الجن [ص 367] فيقفون في الطبايع الكونية الظلية فمؤمنوهم يدخلون ظل جنان الاناسي لان امتثالهم ظل امتثال الاناسي و ان تخلفوا يدخلون الضحضاح لان تخلفهم ظل تخلف الاناسي و سيأتي شرح مراتب الدور الاخروية و حقيقتها ان شاء الله و اما الحيوانات فيحشرون تحت عرصة القيمة المخصوصة بذوي النفوس الناطقة في ظل القيمة و هو الدنيا و لم‌اجد في اخبارنا ما يدل علي انها تحشر يوم القيمة الكبري نعم للعامة فيه اقوال و روايات و ما روي في اخبارنا من الركبان يوم القيمة و دخول بعض الدواب الجنة و غيرها فليس بنص في حشر هذه الوحوش يوم القيمة و قوله سبحانه و اذا الوحوش حشرت ليس بنص في حشر هذه الوحوش في المحشر الاكبر هذا و الوحوش اسم للبهائم البرية و مقتضي ظاهر الآية ان البهائم الاهلية ليست تحشر و لايقول به القائلون بحشرها و يحتمل فيها انه يكون المراد حشر الكفار علي صورة الوحوش لقوله تعالي ان هم الا كالانعام و قوله عليه السلام الناس كلهم بهائم و لان الصورة الانسانية لاتدخل النار و سموا بالوحوش بازاء الانس المأنوس الآنس بالحق و اهله و حديث الامير عليه السلام نص علي ان عودها عود ممازجة فلا بد من التأويل فيما يدل علي حشرها كتأويل عود الاكفان هذا و الادلة العقلية المستنيرة بنور الهداية دالة علي عدم عودها مع الاناسي في القيمة الكبري فالوحوش المحشورة يوم القيمة اصول هذه الوحوش لقوله سبحانه و ما من دابة في الارض و لا طاير يطير بجناحيه الا امم امثالكم اي خلقت من ظلكم و هي علي صفتكم فالكفار بانفسهم علي صورة الوحوش و جميع اعمالهم و صفاتهم علي صورة الوحوش لان الاثر علي صفة مؤثره و هذه الوحوش في الدنيا قوالب [ص 368] دنياوية عرضية تحكي تلك الاعمال و الصفات كما ان التقوي اصل اللباس و لباس التقوي ذلك خير و من اتقي الله بالامتثال في استجادة كفنه يحشر بذلك اللباس المصبوغ بصبغ الكفن للتعلق به فافهم فكذلك من استفره اضحيته يركب مطية امتثاله المتعلق بها المصبوغ بصورتها للتعلق بها فيكون ذلك الامتثال مطيته علي الصراط و البعير الذي حج عليه ثلثا او سبعا يكون من نعم الجنة اي جنة الدنيا اي الامتثال لانه يسار عليه الي طاعة الله و يبارك عليها في الدنيا و حسنات الدنيا ظل حسنات الآخرة و هي من حظاير الحظاير او كما عرفت في الاضحية فافهم و اما ما روي من اقتصاص الجماء من القرناء ثم صيرورتها ترابا فليس من طرقنا بالجملة محشر الحيوانات قبل يوم القيمة و دونها و في ايام الدنيا و يصل اليهم من النعيم و العذاب علي حسب اعمالهم في الدنيا فحشرهم في الدنيا و جنتهم و نارهم في الدنيا لا غير و كذلك حشر النبات و الجماد و ما قال الله سبحانه انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم فالماء مصدرية يعني انكم و عبادتكم غير الله حصب جهنم و ان كانت موصولة ايضا يراد بها اصل الاصنام و حقيقتها و عبادتهم المصبوغة بها للتعلق بها فيحشر حقيقة صورة تلك الاصنام مقترنة بعباداتهم و انما كل ذلك لنص اميرالمؤمنين عليه السلام بان عودها عود مجاورة و لانها مركبة من اشياء و هي اشياء عرضية لا ذاتية فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الاناسي من هذه البسايط المطلقة كما تشاهد و تخصص بكل انسان حصة من النفس الناطقة المطلقة و كما ان بدنه حصة من هذه المطلقات نفسه ايضا حصة من نفسها و اول تعلقها بها اي ظهورها [ص 369] فيها مسقط رأسه و تولده الدنياوي الا انها ناقص الظهور لوجود الرطوبات الحاجبة المانعة من الظهور و قليل التخصص لعدم صدور اعمال مخصصة لها و انما يتعين تخصصها و يشتد شيئا بعد شئ و يظهر آثارها و افعالها من جسده شيئا بعد شئ علي حسب زوال الموانع الي ان تكمل نفسا متميزة متعينة ظاهرة الآثار باهرة الافعال و لما كانت تلك النفس حصة من النفس المطلقة و جسدها حصة من الجسد المطلق و انما تميزا تميزا كونيا لا غير بقوا في الاطلاق التشريعي يعني يمكن في حق كل واحد كل صورة من الصور الشرعية و هو قوله سبحانه كان الناس امة واحدة اي علي الاطلاق و الصلوح و الفطرة و لاجل ذلك صلح امرهم و نهيهم و تكليفهم و ارسال الرسل اليهم و انزال الكتب عليهم حتي يؤمن من يؤمن و يكفر من يكفر فجعل فيهم ما اذا سألهم اجابوا و هو الصلوح للاجابة و حين كانوا في الدنيا كذلك كانوا في جميع العوالم و عالم الذر كذلك ثم ارسل الرسل و انزل الكتب و دعا الي نفسه فمنهم من بلغ مبلغا يسمع الدعوة و يفهمها لصفاء قابليته و ظهور آثار نفسه و افعالها و منهم من لم‌يبلغ لعدم انتضاج قوابله او وجود اعراض اخر مانعة عن وصول الدعوة اليه و فهمه اياها فهؤلاء بقيت نفوسهم علي اطلاقها من صلوح الايمان و الكفر فهم موقوفون الي ان تزول موانعهم و تصل اليهم الدعوة فاما ان يمتثلوا دعوة الداعي فيخلق لهم طينة من الجنان او يخالفوا فيخلق لهم طينة من النيران و تلك الطينة هي الصورة و لها مادة من دعوة الداعي و تلك الدعوة و الطينة معا المؤمن او الكافر و هما وصفان للانسان الكوني المطلق و لاجل ذلك كان قبل ان يكون مؤمنا فتصور بصورة الايمان و قد يخلعها و يلبس صورة الكفر [ص 370] فيكون كافرا و الجنان و النيران في عرصة الوجودات الشرعية لا الكونية فالذين لهم موانع عن تعلق وجود الدعوة بهم و عن الامتثال و المخالفة هم المستضعفون لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا الي ان يزول موانعهم في الدنيا او البرزخ او الآخرة فتخلص نفوسهم عن الاعراض فيسمعون دعوة الداعي فيمتثلون او يخالفون و يخلقون في التشريع فيكونون حينئذ اما من شعاع الداعي الي الحق لان وجودهم الشرعي من دعوته و دعوته ظله و شعاعه كشعاع الشمس من الشمس و اما من شعاع الداعي الي الباطل لان وجودهم الشرعي من دعوته فيدخلون الجنة او النار فهؤلاء اي المستضعفون اذا ماتوا لم‌يدخلوا جنة و لا نارا لعدم الاجابة و المخالفة فنفوسهم تبقي مع اجسادهم في قبر اكوانهم لاتحس بنعيم و لا عذاب مذبذبين بين ذلك لا الي هؤلاء و لا الي هؤلاء و لكن شاعرون علي حسب قوة شعورهم و ضعفه للكون لايحسون بشئ من الخير و لا باحد من اهله و لا بشئ من الشر و لا باحد من اهله فهم من هذا الحيث كالمدر من جهة عدم الشعور و الجاهل ميت بين الاحياء قال سبحانه انك لاتسمع من في القبور و قال اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و قال اومن كان ميتا فاحييناه و قال استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم فالمستضعفون اذا ماتوا بقيت ارواحهم مع ابدانهم في قبورهم و يلهي عنهم فاذا نفخ في الصور نفخة الصعق تفككوا و حلوا في الطبايع الدهرية و خلصوا و صفوا ثم اذا نفخ فيه نفخة اخري فاذا هم قيام ينظرون لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد اسمع بهم و ابصر يوم يأتوننا فهنالك يحشرون صافي الحواس يسمعون الدعوة التي كانت و تكون ممتدة [ص 371] فاما يقبلون فيصورون بصورة الايمان و اما ينكرون فيصورون بصورة الكفر فيدخلون الجنة او النار فريق في الجنة و فريق في السعير هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن نعم يبقي فريق يستوي امتثالهم و مخالفتهم لوجود البرزخ بين كل رتبتين ابدا فهم اهل الاعراف بين الجنة و النار ثم يشملهم الرحمة لغلبة الرحمة الغضب و تأصلها فيدخلون الجنة و ان كان رتبتهم ادني من اهل الرحمة المحضة و اما ولد الزنا فلخساسة كينونته لايمتثل اذا امتثل و لايستنير بنور الدعوة اذا استنار كالذين كينونتهم طيبة فلايصل الي درجة الطيبين فيبقي في رتبة الاظلال كالجن و كذا المجنون المطبق جنونه الذي كانت نفسه مشاكلة لنفوس الجان و لذا تعلقوا به فهو ايضا لخساسة نفسه و كثافتها لايستنير كالنفوس العلية العليينية فاذا امتثل في الآخرة يكون امتثاله ظل امتثال العالين فهؤلاء الطوائف الثلث اي ولد الزنا و المجنون و الجن يدخلون الحظاير و في رواية فساق الشيعة ايضا يدخلون الحظاير و هو ما روي عن القمي انه سئل العالم عليه السلام عن مؤمني الجن يدخلون الجنة فقال لا و لكن لله حظاير بين الجنة و النار يكون فيها مؤمنوا الجن و فساق الشيعة ، و الذي يتلجلج في قلبي من معني هذا الخبر ان المراد من الحظائر مطلق ظلهما الذي هو دونهما رتبة فظل الجنة اسفل منها و ظل النار اعلي منها و هو ايضا بين الجنة و النار فقال عليه السلام لله حظاير بين الجنة و النار و هي بعضها حظاير الجنان و بعضها حظاير النيران و يسكن هذه الحظاير مؤمنوا الجن و فساق الشيعة لكن يسكن مؤمنوا الجن في حظاير الجنان و فساق الشيعة في حظاير النيران الي ان يطهروا عن دنس اعمالهم الخبيثة فيليقوا بمجاورة [ص 372] محمد و آله الطاهرين و معانقة الحور العين و ذلك لاجل ان فساق الشيعة و ان كانوا فاسقي العمل باعمالهم يكونون صالحي الذات بذاتيتهم و الا لماكانوا من موالي آل‌محمد عليهم السلام و ليس الذات الطيبة الا موالاتهم عليهم السلام فان الوجود الشرعي الذي به يتنافسون في درجات الجنان هو محبتهم و مثالهم الملقي في هوية المطيع لهم و هو حاصل لهم غاية الامر انه غطاها بعض الاعراض و ستزول و هذا معني الحديث المستفيض حب علي حسنة لاتضر معها سيئة و بغضه سيئة لاتنفع معها حسنة و انما المراد بالنفع و الضر الذاتيان و اما النفع و الضر العرضيان فلايزال المؤمن و الكافر مصابين بهما بداهة و لاجل ذلك خص شيخنا الاجل بالحظاير ولد الزني الي سبعة ابطن و الجن و المجنون عملا بالاخبار و ولد الزني و ان والي آل‌محمد عليهم السلام فليس يواليهم الا كموالات الجن لخساسة نطفته و قد مر .

فصل - ان الاشخاص في الآخرة اشخاص واحدية كل شخص منهم شخص واحد ذاتي حقيقي لم‌يتألف من اجزاء متعددة مستقلة كما عرفت و انما هو من اجزاء لا قوام لبعضها بدون بعض فانه اثر واحد لرأس من رؤس المشية المتعلق به قائم به من مبدئه الي منتهاه راجع اليه غير مفتقر الي غيره و قد احدثه بمادته و صورته و اجزاؤه ايضا اجزاء ذاتية لايتخللها عرض ليس منها و لا اليها و تركيبها تركيب بقاء و خلود فلا بد فيها من المشاكلة التامة و الا فلاتأتلف ايتلافا تاما لاختلاف احيازها الاتري ان النار حيزها الفوق و التراب حيزه التحت فلو اجتمعا من غير تشكيل لمال كل واحد الي حيزه و حصل التفكك له و بذلك يكون المركب في الدنيا و البرزخ معرضا للفناء و الدثور [ص 373] و لو بعد حين و لو بعارض فالمركبات الاخروية لا بد و ان يكون اجزاؤها متشاكلة فيكون نارها حايلة و ارضها سائلة و هواؤها راكدا و ماؤها جامدا ليكون حيز الكل واحدا و ميل الكل الي جهة واحدة ليدوم بقاؤ بعضها مع بعض ابديا كما شرحنا ذلك مفصلا في ساير رسائلنا لاسيما مرآة الحكمة و مركبات الآخرة حيز جميع اجزائها واحد و هو وجه المؤثر المتعلق بها فهي بجميع اجزائها دائرة عليه مائلة اليه فعقلها روحاني نفساني طبعاني مادي مثالي جسدي و كذلك كل واحد منها منسوب الي كل واحد منها فلاجل ذلك يصدر عن روحها ما يصدر عن نفسها و جسدها و يصدر عن نفسها ما يصدر عن روحها و جسدها و عن جسدها ما يصدر عن نفسها و روحها و كذلك ساير اجزائها و كذلك في هيئتها يصدر عن كل عضو منها ما يصدر عن كل عضو و اعضاؤها كلها متشاكلة فهي رأس بكلها و عين بكلها و سمع بكلها و لسان بكلها و هكذا و عقل بكلها و روح بكلها و نفس بكلها و جسد بكلها و هي مع ذلك بلطافة المجردات و الملكوتيات و الروحانيات شئ واحد في المنظر يصدر عنها جميع الافاعيل في المخبر و آيتها في الدنيا الروح البخاري فانه سميع بكله بصير بكله شام بكله ذائق بكله لامس بكله متخيل متفكر متوهم عالم عاقل بكله فمن ذلك تبصر امرك و هي مع ذلك روحانية لا تصادم بينها يسكن واحد منها في مكان و يسكن الآخر فيه و في مكانه و الآخر فيهما و هكذا يسكن الف الف منهم بعضهم في بعض من دون خرق و تدافع و تصادم و آية ذلك في الدنيا ان نور سراج واحد يملأ البيت فاذا جئت بسراج آخر يسكن نوره ايضا في كل ذلك البيت و هكذا سراج آخر الي الف الف و لايصادم واحد [ص 374] منها الآخر و لايمازج و لايتركب واحد منها مع الآخر و اذا ذهبت بسراج منها ذهب نوره معه و لايخرق الباقي لانها كلها لطيفة روحانية فكذلك اجسام الآخرة و مركباتها و هذا هو المراد من مد الارض مد الاديم لا انها تتسع بحسب الكم الدنياوي و كذلك يكون حال كلياتها و بسايطها لانها كلها متشاكلة فعرشها كرسي سماوي ارضي و كرسيها عرشي سماوي ارضي و سماواتها عرشية كرسية ارضية و ارضها عرشية كرسية سماوية و هي كلها كرة واحدة في المنظر متعددة الآثار في المخبر يصدر عن الكل ما يصدر عن الكل و جميع الاشخاص الجزئية ايضا فيها من غير تمازج و تصادم و كذلك جميع الايام و الامكنة و الاعمال و الاقوال و الصفات و العقايد و النسب و الروابط فانها كلها انوار تلك النفوس كانوار السرج للسرج لايتمانع شئ منها و لايتمازج و بذلك تكون تلك العرصة عرصة الجمع و يكون الكل في مشهد الكل اللهم عفوك عفوك و سترك سترك فذلك يوم تبلي السرائر فما له من قوة و لا ناصر و كذلك يكون امر الجنة و النار فالجنة في جميع تلك العرصة و النار في جميع تلك العرصة و هو قوله ازلفت الجنة للمتقين و برزت الجحيم للغاوين و قوله تعالي و ازلفت الجنة للمتقين غير بعيد فمع كونهما في كل مكان يكون المؤمن في الجنة و الكافر في النار فلايتنعم هذا بالجنة و لايتعذب ذاك بالنار كما اذا اشعلت سراجا اخضر و سراجا اصفر و كان نورهما في بيت واحد فلايصفر هذا بهذا و لايخضر هذا بهذا فان كل نور قائم بمنيره لايغيره من جوهريته الا هو و ليس وجوده من غيره حتي يغيره غيره فافهم فكل نفس بما كسبت رهينة و سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و كذلك حال الصراط [ص 375] و الميزان فهما في جميع العرصة كل احد يمشي علي الصراط في موضعه و كل احد يحاسب بعمله و يوزن اعماله و هو في موضعه لايحتاج الي تنقل من مكان الي مكان بل ليس لكل احد الا موضع قدميه و هم في امكنتهم كالسهم في القرن و كالرمح في زجه و يقدر كل احد ان يري كل احد و يخاطب كل احد فيطالبه او يلومه او يستشفع منه او غير ذلك من غير تنقل من مكان و هيئة كل نفس هيئة عمله و اعتقاده مصبوغ بصفته علي حسب مقتضي الآخرة لا الدنيا كما بينا سابقا و يأتي كل نفس متصفا بجميع صفاته و اعماله من غير تمانع فيها فيأتي ذاكرا بكل ذكر ذكره و عاملا بكل عمل عمله و قائلا بكل قول قاله و متصفا بكل صفة اتصف بها متخلقا بكل خلق تخلق به مدي عمره في الدنيا و كلها لازمة له من غير تمانع فهو صادق كاذب مصلح ناطق ساكت متحرك ساكن فاعل تارك مسافر حاضر نائم يقظان في آن واحد دهري و هكذا ساير صفاته فان النفس منبسطة بل بسيطة اضافية احدية نسبية يسعها التجلي بتجليات عديدة في آن واحد كظهور الجسم المطلق في العرش حين ظهوره في الكرسي و فيهما حين ظهوره في الافلاك و فيها حين ظهوره في العناصر من غير تمانع فيأتي كل نفس و معه آلاف الوف صورة و تجلي كلها علي هيئته و صفته من رأي واحدا منها كمن رآه لايقدر ان ينكر شيئا منها فيأتي جالسا للزني مادا يده للسرقة رافعا سيفه للقتل فاغرا فاه للكذب و هكذا يا من اظهر الجميل و ستر القبيح استر علي بشعاع نورك و ستر عفوك بحق محمد و آل‌محمد عليهم السلام و هكذا يشهد الجوارح بشهادة فعلية لايقدر علي التحشي عنها و الانكار لها و جميع هذه الصور في مشهد الجمع يطلع عليه الكل و هو قوله [ص 376] هاؤم اقرأوا كتابيه الا ان يستر الستار بستر رحمته علي احد و تلك الاشباح ايضا منبسطة للطافتها كانبساط النفس و الكل في مكان الكل بل يأتي حقايق الامكنة و الاوقات و تلك الاشباح قائمة فيها و عليها و هي ايضا منبسطة بعضها في بعض من غير تمازج و تصادم و الذي يشهد بهذه الجملة ما رواه في البحار عن العياشي عن خالد بن نجيح عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة دفع الي الانسان كتابه ثم قيل له اقرأ قلت فيعرف ما فيه فقال ان الله يذكره فما من لحظة و لا كلمة و لا نقل قدم و لا شئ فعله الا ذكره كأنه فعله تلك الساعة فلذلك قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و عن تفسير الامام قال رسول الله صلي الله عليه و آله اما ان الله عز و جل كما امركم ان تحتاطوا لانفسكم و اديانكم و اموالكم باستشهاد الشهود العدول عليكم فكذلك قد احتاط علي عباده و لكم في استشهاد الشهود عليهم فلله عز و جل علي كل عبد رقباء من كل خلقه و معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و يحفظون عليه ما يكون منه من اعماله و اقواله و الفاظه و الحاظه و البقاع التي تشتمل عليه شهود ربه له او عليه و الليالي و الايام و الشهور شهوده عليه او له و ساير عباد الله المؤمنين شهود عليه او له و حفظته الكاتبون اعماله شهود له او عليه فكم يكون يوم القيمة من سعيد بشهادتها له و كم يكون يوم القيمة من شقي بشهادتها عليه ان الله عز و جل يبعث يوم القيمة عباده اجمعين فيجمعهم في صعيد واحد فينفذهم البصر و يسمعهم الداعي و يحشر الليالي و الايام و ليستشهد البقاع و الشهور علي اعمال العباد فمن عمل صالحا شهدت له جوارحه و بقاعه و شهوره و اعوامه و ساعاته و ايامه [ص 377] و ليالي الجمع و ساعاتها و ايامها فيسعد بذلك سعادة الابد و من عمل سوء شهدت عليه جوارحه و بقاعه و شهوره و اعوامه و ساعاته و ليالي الجمع و ساعاتها و ايامها فيشقي بذلك شقاء الابد الخبر ، و عن الكافي بسنده الي ابي‌جعفر عليه السلام في حديث و ليست تشهد الجوارح علي مؤمن انما تشهد علي من حقت عليه كلمة العذاب فاما المؤمن فيعطي كتابه بيمينه ، اقول و السر في ذلك ان معاصي المؤمن عرضية و نفسه متبرّأة منها لم‌تتصور بها فاذا فني دار الاعراض اي انقضت و ظهرت القيمة جاءت نفس المؤمن مطهرة عن تلك الاعراض و قد بقيت تلك الاشباح في لوح الاعراض تحت ارض القيمة قد سترها الله عليه بخلاف التي حقت عليها كلمة العذاب و تصورت نفسها بصورة المعاصي و حبها لها و ميلها اليها فتشهد عليه جوارحه بما تصورت بها و قد عرفت ان ما يحضر يوم القيمة ليست نفس الاشباح و الامكنة و الاوقات الزمانية فانها منها بُدئت و اليها تعود و ان ما تعود الي يوم القيمة ما بُدئت منها من عالم الذر و هي حقيقتها و لذا تأتي علي صورة تناسب القيمة كما عرفت مما تقدم و تلك الحقايق هي صافية هذه اللواحق و قد صفيت كما صفيت الابدان و صارت مناسبة لعرصة القيمة و كلها دهرية فافهم راشدا موفقا .

فصل - في الكتب و تطايرها . اعلم ان كل ما سوي الاحد القديم سبحانه حادث ممكن مركب ، له مكان ذاتي هو من مشخصاته الذاتية لايسع احدا غيره و لايحل فيه سواه و هو تلك الحصة الامكانية من حيث نفسها قد حل فيها كونها الذي هو تلك الحصة من حيث مؤثرها و وقت ذاتي هو نسبة فعلياته الخارجة من القوة الي عرصة الفعلية فكل مكون مرهون في مكانه و وقته [ص 378] لايسعان غيره البتة و الشئ اذا بدأ المؤثر في ايجاده فذكره بمشيته و عزم عليه بارادته و عين هندساته بقدره و ركبها بقضائه فاتمه و اخرجه في حدوده مشروح العلل مبين الاسباب يكتبه بقلم الامضاء بمداد كونه و وجوده في لوح مكانه فما لم‌يمض الشئ لم‌يكتب و ما لم‌يخرج الشئ من القوة التي هي المداد الي الفعلية لم‌يكتبه قلم الاختراع في لوح الابداع الفعلي و قد كتب القلم الكلي الاعظم الذي هو العقل الكلي علي لوح النفس الكلية من مداد الوجود الذي هو النهر الجاري من جنان الصاقورة متسنما و قد جمد حين نزوله و صلح لكتابة جميع ما كان و ما يكون الي يوم القيمة لان ذلك القلم قد تعالي علي جميع الامكنة و الاوقات بحذافيرها بتمحضه في الذاتية و عدم التعين و كونه آية الاحد جل شأنه المتعالي علي خلقه و هو قول علي عليه السلام في صفة العقل جوهر دراك محيط بالاشياء عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و ذلك اللوح قد حوي جميع ما كان و ما يكون بجميع امكنتها و حدودها و اوقاتها و هو اللوح المحفوظ المشار اليه بقوله مااصاب من مصيبة في الارض و لا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك علي الله يسير و قوله و كل شئ احصيناه في امام مبين و قوله و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و قوله مافرطنا في الكتاب من شئ فذلك الكتاب هو الكتاب الحفيظ الذي منه النسخ كلها و لما خلق الله الاشياء التي هي من اشعة تلك النفس الكلية و ظهوراتها جعل ذلك الكتاب محجوبا عنهم بحجاب موادهم و استعداداتهم و يظهر عنها من تلك المعلومات المسماة بسيوجد شئ بعد شئ و يظهر في عوالمهم و يكتب في الواح امكنتهم و اوقاتهم [ص 379] و هي النسخ التي انتسخت من الكتاب الاول فاذا كتبت لم‌يخالف منها حرف حرفا و هي البرء المشار اليه في الآية السابقة في كتاب و هو اللوح المحفوظ من قبل ان نبرأها يعني في الواح النسخ و هي المسماة بعلم وجود و هي اللوح الذي يمحي منه شئ و يثبت ما لم‌يتم خلق الشئ فاذا تم و كتب في تلك الالواح فقد ثبت و لايحتمل بعد المحو و الاثبات اللهم الا ان يمحي دوامه في اقتراناته و الا فقد ثبت في نفسه لايحتمل المحو من لوح نفسه فاذا امضي و كتب وافق الواقع الذي هو اللوح المحفوظ بلا تفاوت و قد اشار الي هذين اللوحين بقوله يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب فما محي كان في علمه انه يمحي و ما اثبت كان في علمه انه يثبت و المحو امر اضافي اقتراني و الا فكل حالة في نفسها امضائية اثباتية لايحتمل المحو و قد ذكرنا سابقا تفصيل ذلك مع احاديثه في مسئلة البداء فراجع و من تلك المراتب اي مراتب الالواح الالواح الاخروية التي يكتب فيها حقايق الاعمال و الالواح البرزخية التي يكتب فيها رقايقها و الالواح الزمانية التي يكتب فيها لواحقها فالالواح الزمانية هي الواح الامكنة العرضية و الاوقات العرضية التي هي الساعات و الايام و الليالي و الشهور و الاعوام و قد نزلت مواد الزمانيات الي عالم الزمان و احتجب من ورائها اللوح المحفوظ و الاخروي و البرزخي و يظهر منها شئ بعد شئ فيتدرج في مراتب الذكر و العزم النوعيين الي الهندسة و القضاء الشخصيين فاذا وقع القضاء التام بالامضاء كتب في لوح الامكنة العرضية و الاوقات العرضية و هو الذي اذا توجهت بذهنك اليه تجده ابدا مكتوبا هناك الاتري انك كلما توجهت الي زيد المصلي في المسجد الجامع [ص 380] يوم السبت وقت الزوال من الشهر الفلاني من السنة الفلانية تجده مكتوبا ثابتا هناك في مكانه و وقته ابدا فتلك الكتابة من حيث نفسها دهرية و من حيث الاقتران زمانية و اما الالواح البرزخية فهي الواح الامكنة المثالية الروحانية العرضية و اوقاتها التي نزلت المواد البرزخية اليها و قد احتجب اللوح المحفوظ و اللوح الاخروي من ورائها و يظهر منها شئ بعد شئ من تلك المعلومات فيعلمها الله سبحانه علم وجود بعد ما كان يعلمها بانها ستوجد اي ستظهر في عالم المثال و تلك الفعليات من حيث الاعلي طولية اي يظهر فعلية فوق فعلية بعدها فهي صاعدة و من حيث الاسفل لها حالات اقترانية من اقتران مثال بمثال ففيها من حيث الاسفل امكنة شبيهة بامكنة الدنيا عرضية و لذلك يقال ان جنة البرزخ في المغرب و الارواح السعيدة تجتمع في وادي السلام و ناره في المشرق و الارواح الشقية تجتمع في بئر برهوت و وادي حضرموت و فيه بكرة و عشي و اهل الجنة يأتيهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و قال في اهل النار النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و هم مع ذلك صاعدون الي الاعلي ترقيا الي القيمة شيئا بعد شئ فآية ذلك ما تراه في منامك و تري فيه اوقاتا و امكنة عرضية انتقالية و هي مع ذلك روحانية فكل ما يخرج من قوة المواد البرزخية من الفعليات البرزخية من الصور المثالية و تجاوز حد الذكر و العزم النوعيين و الهندسة و القضاء التام الشخصيين و وقع بالامضاء كتب في ذلك اللوح و تلك الكتابة من حيث الاقتران برزخية و من حيث نفسها في ذاتها اخروية فهذه الاعمال التي يعملها الانسان بتلك الصفة الجسمانية الدنياوية مكتوبة في الواح الزمان و تلك الانصباغات الروحانية التي حصلت للروح [ص 381] اي المثال و ما اكتسب منها تكتب في الواح البرزخ و تلك الالواح علي هيئة المخروط و ورقة الآس اعلاها رقيق صاعد و اسفلها غليظ عريض و هي ورقة العهد التي كتب عليها العهود و وضعت في ركن من اركان العرش بخلاف لوح الزمان فانه ذو زوايا عديدة و محيطه متضرس و اما اللوح الاخروي فهو لوح المكان الذاتي و الوقت الذاتي للشئ فلما نزلت المادة الاخروية اليهما احتجب اللوح المحفوظ من ورائها و اخذ يظهر منها شئ بعد شئ و كلما خرج و تجاوز حد النوعية و الشخصية و وقع بالامضاء كتب في لوح ذاته و وقتها علي طبق علم الله السابق اي علم سيوجد فصار علم وجود و تلك الفعليات هي الاكتسابات الحاصلة لها من الاعمال الجسمانية و المثالية و انصباغات نفسانية و لذلك قال سبحانه ليس للانسان الا ما سعي و قال و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و قال سيجزيهم وصفهم و قد عرفت ان التي كتبت في الواح الدنيا من حيث الاقتران العرضي دنياوية و هي علي هيئة ما شاهدته في الدنيا و الانصباغات التي تحصل منها للمثال هي صورة الكتابة في الالواح المثالية و لذلك يكون ما رأيته في المنام يعبر فيتغير صور الجسمانيات في عالم المثال الاتري انك اذا رأيت في المنام ان اشتريت نعلا تتزوج في الدنيا او شربت لبنا تحصل علما او تلوثت بعذرة تجد مالا و هكذا و انما ذلك لاجل ان الانصباغات المثالية للمثال علي حسب استعداد مادة المثال و علي ما يناسب عالمه و كذلك استعدادات مواد الآخرة مغايرة للمواد المثالية و الجسمانية و انصباغاتها علي حسب استعداداتها فصورة الكبر في الدنيا تأتي في الآخرة علي هيئة النملة لها ناب كجبل احد و شهوة اللواط تأتي علي هيئة القردة و شهوة الزني بالمفعولية تأتي علي هيئة [ص 382] الفرس و قول سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر علي هيئة الشجرة و الصلوة علي هيئة لقاء الله و زيارته و هكذا يأتي الخلق الحسن علي صورة رجل جميل و الخلق السيئ علي صورة رجل قبيح و القرآن علي صورة انسان و هكذا و انما ذلك ان المواد اللطيفة تلبس صورا لطيفة و المواد الكثيفة تلبس صورا كثيفة و المواد الصرفة تتصور علي حسب الصرافة فتأتي علي ما هي عليه في ذاتها و المواد المشوبة تتصور علي حسب الشوب فلاتأتي علي ما هي عليه في ذاتها فيحصل لها حدود و زوايا و زوايد و اصباغ و اوضاع زايدة علي ذاتها الاتري ان الماء اذا خلص و رمي به في الهواء وقف بالطبع علي الاستدارة و اذا شيب بالتراب فصار طينا تصور علي حسب المقتضي العرضي و القوالب العرضية فالصور الاخروية خالصة صافية يتلبس بها مواد صافية خالصة فتقف علي حسب الصرافة و الخلوص و اما الصور الدنياوية و البرزخية فمشوبة بالاعراض تتصور بها مواد مشوبة بالاعراض فتأتي علي حسب المقتضيات و القوالب المكانية و الوقتية الدنياوية و البرزخية و علي حسب مقتضي القرانات و المكملات فالفعليات الزمانية علي هيئتها الزمانية تبقي مكتوبة في لوحها و الفعليات البرزخية علي هيئتها تبقي مكتوبة في لوحها فاذا نفخ في الصور و انحلت الموجودات في الطبايع ثم صيغت صيغة اخروية خالصة تصورت بصور صافية خالصة عن الاعراض فوقفت علي هيئتها الذاتية الاولية و هي التي تحضر عرصة القيمة و كتبت في الواح و كتب و دواوين و صحف تحضر يوم القيمة و تنشر و هي اما عليينية للابرار و اما سجينية للفجار و قد بقيت كتب الدنيا في الرتبة الدنيا و كتب البرزخ في رتبة البرزخ دون مقام الطبايع و هما قد نشرتا و حوسبتا [ص 383] و وزنتا و جوزيتا في رتبتيهما لا دخل لهما بالقيمة و عرصة الآخرة و النفوس و هما ابدا في تلك الالواح ثابتتان سرمدا و هما علم الله سبحانه العلم الوجودي قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب و ان قلت فما معني حضور الامكنة و الساعات و الليالي و الايام و الشهور و الاعوام قلت كذلك تحضر الامكنة علي هيئة تناسب الآخرة الم‌تسمع ان مسجد الكوفة يحضر علي هيئة رجل محرم و ارض كربلا قطعة من الجنة و الارض تصير خبزة نقية للابرار و نارا للفجار و تحضر الاوقات علي حسبها الم‌تسمع ان شهر رمضان يأتي في احسن صورة فيقيمه الله علي تلعة لايخفي علي احد ممن ضمه ذلك المحشر ثم يأمر و يخلع عليه من كسوة الجنة و يزف يوم القيمة اربعة ايام الي العرش متزينة كالعروس التي تزف الي زوجها و هي الاضحي و الفطر و الجمعة و الغدير و الغدير بينها كالقمر بين النجوم فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الامكنة و الاوقات تأتي ايضا علي غير صورها التي كتبت عليها في لوح الدنيا و البرزخ و انها صور كثيفة تليق بمواد كثيفة و المواد الاخروية مواد لطيفة لها صور لطيفة بل تكون الاوقات يوم القيمة علي صورة كلية جميع الصور الجزئية البرزخية و الدنياوية من تجلياتها في مراتبها و لها اكتسابات اخروية منها فيأتي شهر رمضان كلي واحد و شهر رجب واحد و شعبان واحد و هكذا غدير واحد و جمعة واحدة و اضحي واحد و فطر واحد لكل واحد فعليات مكتسبة من التعددات البرزخية و الدنياوية و كذلك كل مكان علي هيئة واحدة كلية له صور مكتسبة بحسب تنقله في الاوقات كما يأتي كل نفس علي هيئة كلية له اكتسابات من ايام عمره و قراناته و اعماله و افعاله و تلك الاكتسابات للكل [ص 384] تأتي علي صورة مناسبة للقيمة و صرافتها تابعة لتلك النفس الكلية لا فرق بين هيئاتها و بين تلك النفس الا ان تلك النفس تكلم عن نفسها و تلك الاكتسابات تكلم رواية عن تلك النفس كما انك تكلم عن نفسك و اشباحك في المرايا تروي عنك و لا فرق بينك و بينها الا انها اشباحك و امثالك من فعلك بُدئت و اليه تعود فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان الانسان اذا عمل في الدنيا عملا تكتب صورة عمله الدنياوية في لوح المكان الدنياوي و الوقت الدنياوي لانه فعلية منه امضيت و خرجت مبينة العلل مشروحة الاسباب و كتبت بقلم الاختراع في لوح الابداع بواسطة العامل بالوسايط المتقدمة و يكتب ما يكتسبه الروح منها في لوح الامكنة البرزخية و اوقاتها ثم يكتب ما تكتسبه النفس في لوح الامكنة الاخروية و اوقاتها و هي الامكنة الذاتية و اوقاتها لها و الموكل بهذه الكتابة ملكان عن يمين الرجل اي جانب وجوده و عقله يكتب ما يعمله من الطاعات في الالواح العليينية كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و ما ادريٰك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون و عليون باطن الكرسي و تكتب الطاعات هناك لانها تصدر من عقله اي من حصته التي من العرش اجمالا و تفصل في حصته التي من الكرسي ثم منها تتشعب في افلاكه و تظهر في حصته الارضية فهي اي الحسنات افعال ما فيه من الكرسي اي نفسه و هي العاملة حقيقة و ساير الشعب و الظهورات من تنزلاتها في مجاليها فاصلها هناك و تكتب هناك و عن يساره اي جانب ماهيته و نفسه الامارة يكتب ما يعمله من المعاصي في الالواح السجينية كلا ان كتاب الفجار لفي سجين و ما ادريٰك ما سجين كتاب مرقوم و سجين باطن الصخرة و هو قوله تعالي انها ان تك مثقال [ص 385] حبة من خردل فتكن في صخرة او في السموات او في الارض يأت بها الله و تكتب المعاصي هناك لانها تصدر من جهله اجمالا و تتفصل في النفس الامارة ثم تتشعب في ارضي مشاعره و تظهر في حصته الارضية ارض الموت التي منها ظاهر جسده فلما كان اصل سيئاته من النفس الامارة تكتب هناك فيكتبان هذان الملكان ما يظهر من اعماله الي عرصة الوجود حين هو في الدنيا فاذا مات الانسان و الحد في قبره يأتيه رومان فتان القبور و يقول له اكتب فيقول له ما عندي قلم فيقول لسانك و هو ظاهره المعبر عن باطنه و يقول ما عندي مداد فيقول ريقك و هو امداده التي كانت بها رطب اللسان و تجري بالمطاوعة لما يريد و يقول ما عندي رق يقول كفنك الذي هو لباسك لباس التقوي و حلة من الجنة او لباس الاقتحام و سروال من النار و هو وصفه فيملي عليه كل صغيرة و كبيرة عملها و هو قد املي سابقا و كتب الا انه يوقفه عليها شيئا بعد شئ و علي كتابته و يلبسه اياها فبالايقاف كأنه يملي عليه تلك الاعمال فالاعمال التي يكتبها هناك هي اكتساباته المثالية ثم يعلقه علي رقبته بالالتزام و هو قوله سبحانه و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا و الكتاب المخرج يوم القيمة روحانية ذلك الكتاب المستخرج من الكتاب البرزخي استخراج الروح من النفس فيأتي ذلك الكتاب الروحاني اما من امامه و يقع علي يمينه و اما يأتي من وراء ظهره اي انيته و ماهيته و يشق ظهره صعودا الي صدره و يلقي علي يساره اي شماله الذي هو جهته من نفسه فيقول ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا فاذا اوتي كل نفس كتابه يقرأ عليهم الولي كتابهم و منه يصدر حرف [ص 386] واحد لانه من جانب الواحد و يقع في آذانهم بلغتهم تفاصيل اعمالهم حرفا بحرف فيسمعون بلغتهم قراءته عليهم جميع كتبهم و هو قوله سبحانه هذا اي الولي كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون يعني كنا نستنسخ كتبكم من نسخة الاصل الذي هو الولي لا ان ما عند الولي نسخة كتبكم فتفهم فكتاب الابرار مستنسخ من باطن الولي و كتاب الفجار مستنسخ من ظاهر الولي اذ هو رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و ان شئت آيات هذه المعاني و اخبارها فراجع الكتاب و السنة تجدها مفصلة لايخالف حرف منها حرفا ان شاء الله و انما تركناها خوف التطويل .

فصل - في الميزان و حساب الاعمال . اعلم ان الميزان هو الذي يوزن به الشئ و يعرف به كمه و يستعلم به الراجح من المرجوح سواء كان شخصيا او صنفيا او نوعيا او جنسيا و كذا ماديا او وصفيا جوهريا او عرضيا محدودا او حدا و لما كان للشئ جهات عديدة لايعلم رجحانه في تلك الجهات الا بموازين عديدة كل ميزان يناسب تلك الجهة المقصود استعلام حالها الاتري ان الميزان الذي يستعلم به كمية وزن المادة لا بد و ان يكون ذا كفتين كما هو المعروف و ميزان الطول و القصر بشئ له امتداد و ميزان السطوح المستديرة آلة الفرجار و السطوح الكرية فرجار الخرجال و ميزان تقوم الاعمدة الشاقول و ميزان تعديل السطوح الشاقول و جسم مثلث علي ما هو المعروف و ميزان حركات الشمس الاسطرلاب و الرخائم و ميزان الشعر البحور العروضية و ميزان اعراب الكلمات النحو و ميزان الفكر المنطق و ميزان الاعمال حدود الله [ص 387] الموضوعة و ميزان الموازين العقل اذ هو مميز الكل و هكذا كل ميزان ينبغي ان يكون مناسبا لما يوزن به فالشئ الواحد يحتاج الي موازين عديدة ليعلم كم مادته انه كم مثقالا مثلا و جوهره انه ذهب او فضة و ميزان درجته في جنسه انه ذهب عال او دان مثلا و ميزان صفائه و كدورته و ميزان قيمته و ميزان مدة بقائه و ميزان رتبته انه زماني او دهري و ميزان وصفه انه صوري او معنوي مجرد او مادي و ميزان لونه و ميزان طعمه و ميزان نعامته و خشونته و ميزان حرارته و برودته و ميزان رطوبته و يبوسته و ميزان درجات ذلك و ميزان ساير هندستها و حدودها و امثال ذلك فلذلك افرد الله سبحانه العامل و جمع الموازين فقال من ثقلت موازينه و من خفت موازينه و كذلك يجب المناسبة بين الميزان و الموزون في الدنياوية و البرزخية و الاخروية فموازين الآخرة تناسب موزونات الآخرة و الوزن يومئذ للاعمال لاستعلام مقادير جزائها فيوزن عددها لاستعلام عدد جزائها و قيمتها لاستعلام مقدار ما يستحق من الجزاء و رتبها لاستعلام رتب الجزاء من الدرجات و الدركات و جهتها لاستعلام انه يستحق الجزاء عن يمينه بفعل الطاعة مثلا او عن يساره بفعل المعصية مثلا في الدعاء اللهم اعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و وقتها لاستعلام وقت الجزاء هل هو الدنيا او البرزخ او الآخرة و مدة بقائها لاستعلام مدة جزائه هل هي يوم او شهر مثلا و مكانها لاستعلام مكان الجزاء هل هو يده ام وجهه ام قلبه مثلا و كيفها و كمها و امثال ذلك و ميزان كل جهة من هذه الجهات له كفتان لكن بحسبها كفة من جانب الثقل و كفة من جانب الخفة و له صنج يوزن معه العمل و هو الامر المتعلق به فيوزن جهات [ص 388] الامتثال بجهات الامر المتعلق به فان وازنه فهو الحسنة و ان نقص عنه بالتفريط او زاد عليه بالافراط فهو المعصية و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه و عليك بالحسنة بين السيئتين و الاصل في الميزان هو العمود المسمي بالشاهين و الكفتان حقيقة طرفا العمود و ميزان ذلك الميزان هو حقيقة العقل فانه الذي يعرف خفة الخفيف و ثقل الثقيل و الميزان آلة له يحتاج اليه عند قلة المميزة الاتري انه قد يوزن الشئ باليدين اذا كان المميز بالغا في التمييز و بالعين و الاذن و اللسان و اللمس و يصيب بلا تفاوت و اذا كانت المميزة ناقصة يستعان بالآلات و يستعان بهذه الجوارح ايضا اذا كان العقل غير محيط بالشئ و يكون مكتسبا لفعلياته بالجسم و جوارحه فاذا كان محيطا بالشئ لايحتاج الي الاكتساب من الجوارح فاذا كان محيطا عرف مطابقة الاعمال مع ما امر و مخالفتها معه بلا استعمال جارحة فالعقل هو الميزان الحق و ما امر به هو صفات ذلك العقل اذا كان هو العقل الاول الكلي فالعقل هو الميزان و هو الوازن و هو الصنج الموزون معه و ما احسن الخبر ان احسن الميزان ما كان له لسان و لما كان العقل الكلي هو حقيقة الولي فالميزان هو الولي كما روي في قوله تعالي و نضع الموازين القسط فلاتظلم نفس شيئا هم الانبياء و الاوصياء عليهم السلام و سأل زنديق اباعبدالله عليه السلام فقال اوليس توزن الاعمال قال لا لان الاعمال ليست باجسام و انما هي صفة ما عملوا و انما يحتاج الي وزن الشئ من جهل عدد الاشياء و لايعرف ثقلها و خفتها و ان الله لايخفي عليه شئ قال فما معني الميزان قال العدل قال فما معناه في كتابه فمن ثقلت موازينه قال فمن رجح عمله الخبر ، و روي اخبار يفهم منها انه ميزان ذو كفتين و لا تنافي بين ما ذكرنا [ص 389] بوجه فهو آلة ذات كفتين بلا شك اما انه كالاجسام الدنيوية فلايدل عليه كتاب و لا سنة و لا عقل و لكنه علي حسب ما يوزن به البتة و قد ذكرنا انه يوزن الشئ حقيقة بالعقل الكامل بلا واسطة و بالعقل الناقص بواسطة و عقل الوزان يوم القيمة كامل و هو آلة الوزن و له كفتان بحسبه من نظريه الي العمل و الي صفته اي صفة نفسه التي هي امره و نهيه فكفة فيها امره و نهيه و كفة فيها عمل العبد و بينهما شاهين العدل و الانصاف و علاقته بيد الولي لانهما قائمان به قيام صدور ، الطاعات قائمة بباطنه و السيئات قائمة بظاهره كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و الطاعات فروع باطنه قال نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و اعداؤنا اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و هو باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فالميزان آلة ذات كفتين و شاهين و علاقة و هو العدل و هو النبي و الوصي فلا اختلاف و الحمد لله في الاخبار و اجتمعت بلا غبار و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و تعدد الميزان لتعدد جهات الامر و الامتثال و قد يفهم من بعض الاخبار انه يوضع الطاعات في كفة و السيئات في اخري لاستعلام نسبتهما و ذلك ايضا احد تلك الموازين لا كلها كذا فكفة الطاعات حينئذ الموافقة للامر و كفة السيئات المخالفة و لا بد ايضا من استعلام نسبتهما ليعلم انه من اهل الاعراف الذين استوت حسناتهم و سيئاتهم فيكون مقامهم بين الجنة و النار او ترجح حسناتهم ليميلوا الي الجنة او سيئاتهم فيميلوا الي جهة النار فهذا ايضا احد الموازين فلا اختلاف و الحمد لله بقي شئ و هو انه نزل في الكتاب اولئك الذين كفروا بآيات ربهم و لقائه فحبطت اعمالهم فلانقيم لهم [ص 390] يوم القيمة وزنا مع انه في آية اخري و من خفت موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون و في اخري و اما من خفت موازينه فامه هاوية الدالتين علي ان الكافر يوزن اعماله فتخف و الاولي تدل علي ان للكافر لايقام وزن و روي في حديث عن علي بن الحسين عليه السلام اعلموا عباد الله ان اهل الشرك لاتنصب لهم الموازين و لاتنشر لهم الدواوين و انما يحشرون الي جهنم زمرا و انما نصب الموازين و نشر الدواوين لاهل الاسلام الخبر ، فالمراد ان الميزان و الحساب لمعرفة المقادير و انما يقدر بالمقادير الاوصاف فاذا كفر الانسان بذاتيته و استحالت الي ظلمة الكفر و احاطت به خطيئته يخرج جزاؤه عن حد المقدار نعوذ بالله كما خرج كفره عن حد الاوصاف المقدارية و بلغ الي ذاته و اشرب في قلبه الكفر فمثل ذلك لاينصب له الموازين الموضوعة لاستعلام المقادير كما لايحتاج الي الميزان اذا بلغ الايمان ذاته و قلبه فاولئك يدخلون الجنة بغير حساب لانهم باتصالهم بالوزان المحاسب صاروا وزانين محاسبين و الوزان المحاسب لايوزن و لايحاسب بالفتح فافهم فالميزان للذين يقدر اعمالهم بقدر و يجازون بقدر و هؤلاء قوم من اهل الاسلام و التوحيد الظاهري و الاقرار بالنبوة الظاهرة و لم‌يعرفوا الولي بباطن قلوبهم فاولئك يحاسبون و يوزن اعمالهم فقد روي عن النبي صلي الله عليه و آله كل محاسب معذب فالذي لايعذب و هو المؤمن لايحاسب و قد قال الله سبحانه انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب و هم الذين صبروا علي الولاية و قال سبحانه فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جان فقد روي انه في الشيعة خاصة و كان نزوله انس منكم و لا جان و اول من غيره ابن‌اروي و عنه [ص 391] صلي الله عليه و آله ان الله يحاسب كل خلق الا من اشرك بالله عز و جل فانه لايحاسب و يؤمر به الي النار ، بالجملة لاينصب الموازين علي الواقعين في قاعدة النور و الظلمة و انما الميزان و الحساب علي الواقعين بينهما الذين يتقدر اعمالهم بقدر فتدبر و اما الحساب فهو جمع المتفرقات و استخراج نسبة القضاء مع الحق هل يساويه او يزيد عليه او ينقص عنه فيحاسب اعمال العباد فيجمع عليهم ما اريد منهم و كلفوا به ثم يطالبون بما قضوا و يحاسبون بجمع العدد مساحة و وزنا و كيلا و عددا و يلاحظ كمها و كيفها و اجلها و رتبتها و جهتها و امكنتها و اوقاتها و اوضاعها و ارواحها و اجسادها و نسبها و اضافاتها و يقابلونها مع ما امر به ، اللهم اني اعوذ بك من سوء الحساب و لااخاف الا عدلك و لاارجو الا فضلك فلا شك ان من حوسب عذب اذ حكم الله انه لايقوم بحقه احد من خلقه و من استمع دعاء علي بن الحسين عليهما السلام في السجود عرف حقيقة ذلك فهذا هو حقيقة الحساب فالجمع الذي يجمع علي العباد هو اوامر الولي و نواهيه و هو الذي من اطاعه فقد اطاع الله و من عصاه فقد عصي الله و هو المطالب منهم اداء ما امرهم به فهو المتولي للحساب و ذلك قوله في الزيارة اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم ، و هم عليهم السلام يد الله و لسان الله و عين الله و قلب الله و روح الله و نفسه و حكام الله علي العباد و البلاد و قضاة عنه فهم متولون الحساب يوم القيمة يحاسبون الاعمال و ينسبونها مع اوامرهم و نواهيهم و يصدر الحساب عنهم عليهم السلام في اقل من طرفة عين و يقع علي العباد و يقفون علي شئ بعد شئ منها في مدة خمسين‌الف سنة و هو المنتهي او اقل و الدليل علي ان طول اللبث من مرورهم و وقوفهم [ص 392] علي شئ بعد شئ من اعمالهم ما روي في العبدين المؤمنين الواقفين للحساب فقير و غني فيدخل الفقير الجنة و يبقي الغني للحساب فاذا حوسب و دخل الجنة يقول له الفقير ما حبسك عني قال طول الحساب مازال الشئ يجيئني بعد الشئ يغفر لي ثم اسأل عن شئ آخر حتي تغمدني الله عز و جل منه برحمة و الحقني بالتائبين فمن انت فيقول انا الفقير الذي كنت معك آنفا فيقول لقد غيرك النعم بعدي انتهي ، و اما الولي فهو محيط بالكل يري الكل بنظر واحد و يعلم عددها و مقاديرها فالله سريع الحساب و لكن يطول الحساب علي العباد و السر في طول الحساب علي العباد مع ان اعمالهم و آثارهم قائمة بهم و لاينبغي ان يخفي علي المؤثر اثره و مع انهم دهريون و القيمة يوم الجمع ان الناس مختلفون في مراتبهم من غلبة جهة المبدء عليهم و ضعفها فيهم فكلما كانوا اقرب الي مبدء الوحدة كان نظرهم اوحد و اجمع و كان اعرف بالحقايق و اشد احاطة و جمعا و نفوذا و كلما كانوا ابعد كان جهة الكثرة فيهم اكثر و كان فيهم شركاء متشاكسون و كانوا اكثر تعلقا بالجهات العرضية و اكثر غباوة و اقل تفطنا علي حسب هذه الدنيا حرفا بحرف الاتري ان من الناس من يقدر علي النظر بسر سار في الكثرات و منهم من لايمكنه حتي ان منهم في الجهة العليا يري وحدة سارية في الكل و منهم في الجهة الدنيا لايري الا نفس الاعداد و الكثرات فكذلك في الآخرة فانها باطن باطن الدنيا و صفات النفوس مكتسبة من الاعمال الامضائية في الدنيا فتختلف بذلك مدد تفطنهم باعمالهم مع انها آثارهم الاتري انك في الدنيا ربما لاتقدر علي النظر الي اعمالك و التوجه اليها الا في مدد طويلة مع انك تتوجه اليها بنفسك لا جسدك و يكون [ص 393] من يلتفت الي اعماله اسرع منك و اسرع و هكذا حتي انه يكون من له جامعية يتفطن الكل بنظر واحد و اوضح من ذلك ان العالم يتفطن الي مسائل علمية كثيرة في طرفة عين و لايقدر علي المرور عليها غيره في سنة بل في سنين فكذلك حساب الخلايق يوم القيمة فالله سبحانه اسرع الحاسبين يحاسب الكل بحساب رجل واحد فما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و ما امر الساعة الا كلمح البصر او هو اقرب و يحاسب تلك النفس الواحدة اسرع من طرفة عين كما روي ان الله يحاسب الخلايق كلهم في مقدار لمح البصر و روي بقدر حلب شاة و روي يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة و روي لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين‌الف سنة من قبل ان يفرغوا و الله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة انتهي ، و لكن للحساب طرفان طرف الي الله سبحانه في القاء الحساب و طرف الي العبد في تفطنه و هو قوله اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا فالطرف الذي يليه العبد من الحساب يطول بقدر تفطنه لما ذكرنا فكل من كان فيه جهة الرب اقوي يكون اوحد نظرا و اجمع تفطنا و كلما كان فيه جهة النفس اقوي يكون اكثر نظرا و ابطأ تفطنا فيختلف مدد طول الحساب علي حسب قربهم من المبدء و بعدهم عنه فتمام خمسين‌الف سنة لرؤساء الجهالة و العداوة لآل‌محمد عليهم السلام ان حوسبوا لاسيما و هم يحاسبون بحساب سيئات جميع الخلايق فيطول عليهم بقدر طول الكل لانه يجب ان يتفطنوا بجهات سيئات الكل واحدة بعد واحدة و نهاية السرعة لاكمل المؤمنين ايمانا بعد الذين يدخلون الجنة بغير حساب و لذا روي انه قيل للنبي صلي الله عليه و آله ما اطول هذا اليوم فقال و الذي نفس محمد بيده انه [ص 394] ليخفف علي المؤمن حتي يكون اخف عليه من صلوة مكتوبة يصليها في الدنيا و اما ما روي انه لاينتصف ذلك اليوم حتي يقيل اهل الجنة في الجنة و اهل النار في النار فيأتي وجهه ان شاء الله فعلي ذلك يكون طول لبث الحساب و قصره و لكن قد عرفت سابقا انه لا حساب للمشركين و المؤمنين الكاملين الواقعين في القاعدتين و قد بلغ الايمان و الكفر حقايقهم من دون شوب فاولئك لاينصب لهم ميزان و لاينشر لهم ديوان و كذلك من حاسب نفسه في الدنيا و استدرك ما فرط و افرط بالتوبة و الاستغفار و لم‌يحاسب نفسه في الدنيا ايضا حقيقة الا بايقاف الله سبحانه اياه علي اعماله فالله سبحانه قد اوقفه و هو ايضا وقف عليها و استدرك ما يجب عليه استدراكه و حساب يوم القيمة ايضا كذلك قال سبحانه كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا فلا حساب عليه في الآخرة و الله سبحانه اجل من ان يحاسب عبده مرتين ثم من العباد من يحاسب حسابا يسيرا و هو العرض و التصفح فيوقفه الله علي ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر له و لايطلع الله عليه ملكا و لا انسيا و ما روي من ان الشيعة يدخلون الجنة بغير حساب يعني بغير حساب يكون عليهم و اما حساب العرض فلا بد منه لغير الكاملين و منهم من يحاسب بحساب سيئ و هو الاستقصاء و ان لايقبل لهم حسنة لعدم حصول شروط قبولها و لايعفي لهم عن سيئة لعدم وجود مكفر في اعمالهم و عقايدهم كما قال اولئك لهم سوء الحساب و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .