مسئلة الدور جرت بيني و بين من احب لولا مشيبي ماجَفا لولا جفاه لماشب
و قال الصادق عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة بالجملة قلت في صدر العبارة تجريدا ما فان الاستحالة الكلية غير ممكنة بعد جمود البدن و تبعيتها له كونا و بذلك يختلف المؤمنون في درجاتهم و مع ذلك كله ليست النفس الناطقة من الاجسام العنصرية و الفلكية فانها اسم للاعراض المشهودة و لا من الاجسام البرزخية لانها اسم لاعراضه و انما هي من الملكوت و نفس الكرسي المشهود فاذا عرض هذا البدن تحلل في آلاته خرج عنه الروح اي المثال بما فيه من المادة و الطبيعة و النفس [ص 331] و الروح و العقل و الفؤاد و بما اكتسب من الصورة قائما بمؤثره و مات البدن بما فيه من الاجزاء الاصلية الهورقلياوية و الاخروية فان بدن هذه الدنيا اي صوافيه المسماة بالنباتية هو بدن البرزخ و بدن الآخرة و كما كان التيامه سبب التيام البدن الاصلي يكون تفرقه سبب تفرق البدن الاصلي يعني كما كان صورته سبب تعين البدن الاصلي الظاهر فيه يكون تفككه سبب زوال تعين البدن الاصلي الكوني و ان كان صورته الاكتسابية لازمة له فيبقي الاجزاء الاصلية في قبر طبعها حتي تحيي ثانيا و ذلك قوله تعالي من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي انشأها اول مرة فيبقي الروح اي المثال ساهرا في البرزخ لاينام الي ان ينفخ في الصور نفخة الصعق فتموت الامثلة بخروج المواد عنها فتبقي متفتتة كما تفتت الجسد و تتفتت الامثلة الاخروية التي كانت فيها كونا ثم تموت المواد بخروج الطبايع عنها و الطبايع بخروج النفوس عنها و النفوس بخروج الارواح عنها و الارواح بخروج العقول عنها و ذلك ان النفوس و الارواح و العقول كانت متعينة بتعين الارواح اي الامثلة و الاجساد كونا فاذا بطلت الامثلة و الاجساد بطل تعينها برمتها كما لميكن لها تعين قبل تركيب الاجساد فتبقي الامثلة و الاجساد متحللة مدة بين النفختين و هي اربعمائة سنة لا تعين لها و لا تعين للنفوس و الارواح و العقول المتعلقة بها طول تلك المدة فهنالك لا حاس و لا محسوس و هنالك الولاية لله الحق و تنحل الافلاك فهي يومئذ واهية و كانت وردة كالدهان و تَبُس الجبال بسا فكانت هباء منبثا و رجت الارض رجا و تبدل الارض غير الارض و السموات كما خلقتا اول مرة ثم بعد اربعمائة سنة ينفخ في الصور بعد ان [ص 332] امطر الله من بحر تحت العرش و هو الماء الذي كان عرشه عليه اول مرة و هو بحر صاد مطرا تشابه رايحته رايحة المني فيصير ارض الطبايع بحرا واحدا و قد اكلت الارض جميع اعراض الاجساد و الامثلة فتدانت الاجزاء الاصلية بعضها من بعض صافية خالصة متشاكلة في صورها الاكتسابية خالية عن الاعراض و هي ملكوتية اخروية فتتركب بتركيب الخلود و تركب امثلتها ايضا خالصة بتركيب الخلود ثم تتعلق باجسادها و تتعين بتعينها نفسها و بتعينها روحها و بتعينه عقله فتحيي الاجساد و تقوم حية من قبر طبعها تنفض اتربة الاعراض عنها و تقوم في ارض المحشر هذا في الظهور و اما من حيث الاعلي فيدفع بالنفخة الثانية العقول الي الارواح فتحيي و تدفع الي النفوس فتحيي و تدفع الي الطبايع فتحيي و تدفع الي المواد فتحيي و تدفع الي الامثلة فتحيي فتدفع الي الاجساد فتحيي كما انشأها اول مرة خالصة عن شوب الاكدار و عن كل ما ليس منها و لا اليها واجدة لكل ما هي به هي وحدانية قائمة بمؤثرها كما يأتي ان شاء الله فعند ذلك يتم امضاء النفوس الانسانية و مفارقتها للاجساد الزمانية العنصرية و البرزخية و اما قبل ذلك فهي مشوبة بالاعراض اللاحقة بها كونا المتخللة فيها الموجبة لموتها فالاستكمالات الحاصلة للنفوس في الدنيا استكمالات علمية ظلية لا كونية و الا لكانت نفوس الكاملين تشاهد القيمة و تمشي في عرصتها و تدخل الجنة و لو كانت كذلك لماخرجت عنها و لماعادت الي اجسادها فانها دار خلود ثم لميعرضها الموت فان الموت مذبوح بين الجنة و النار فافهم و لايلتبسن عليك الامر فمن مات علماً قامت قيامته العلمية و من مات كونا قامت قيامته الكونية اي الصغري الخاصة و اما [ص 333] العامة فانما ينتظر باولكم آخرُكم و لاتأتي الا بعد موت الكل بالموت الكلي البرزخي .
فصل - ما اسخف قول من زعم ان البدن لا شعور له و ان الشعور كله للروح ● و الروح لايموت و انما الموت للجسد الذي لا شعور له فلا الم للموت ابدا و انما هو تنقل من دار الي دار و ذلك لاجل ان الجسد له شعور بممازجة الروح الحيواني الفلكي المتعلق بالروح البخاري الممازج لجميع اجزاء البدن و انما هو ايضا جسماني الا انه فلكي المتسمع ما روي ان الروح جسم رقيق و الاتري الافلاك انها اجسام لها طول و عرض و عمق فالروح الحيواني ممازج بواسطة الروح البخاري جميع البدن و يحس البدن جميع الآلام و الاوجاع بالروح الممازج له و لو كان الامر كما يقولون لكان الانسان لايحس وجعا لو قطع منه عضو لان الجسد يقطع و لا حس له و الروح الحاس لايقطع فهو سفه من الرأي و مخالفة للشرع المعظم امر الموت كما روي ان للموت ثلثةآلاف سكرة كل سكرة منها اشد من الف ضربة بالسيف و روي ان الميت اذا حضره الموت اوثقه ملك الموت و لولا ذلك مااستقر و سر صعوبة الموت ان جميع الآلام من فراق ما يحبه الانسان لانه لايحب الا ما يشاكله و يتقوي بمقارنته لسر المشاكلة فاذا فارق ما يتقوي به ينقطع عنه المدد الذاتي فيضعف و الضعف من مبادي الفنا فيكره فناءه و عدمه فلا جرم كل موجود يبغض عدمه فالانسان يكره مفارقة الاحبة و كل احد يحب شيئا من الدنيا و كل روح يحب جسده حبا طبيعيا اقلا فبذلك يصعب علي الانسان الموت اصعب من كل [ص 334] فراق فانه لايطمع في الوصال الدنياوي بعده ابدا و هذا وجه ما قيل :
يقولون ان الموت صعب و انما مفارقة الاحباب والله اصعب
اراد به ان الموت اي مفارقة الروح البدن صعب و لكن مفارقة الاحباب الذين تعلُقُ الروح بهم اشد اصعب من الموت فالروح يتألم بمفارقة البدن و ساير ما يحبه و البدن يتألم بفضل شعور الروح المخالط له في جميع اجزائه كما يبصر و يسمع بفعل الروح الملقي فيه المخالط له لايقال ان المثل هو اول الكلام لان الكتاب و السنة و العرف و الطبايع المقهورة علي الواقع تكذبه بالبداهة نعم بعض النفوس الكاملة المتعلقةُ بالملأ الاعلي التي قهر حبها لمبادي العلل حبَهم ما في الدنيا بل يحبون ما سواها لها و بها لايتألمون من الموت لان الموت لهم وصال لا فراق و انما مثلهم كمن ينتقل من سجن الي قصور عالية و اين هم و كم اولئك هم الاقلون عددا الاعظمون خطرا و ما احسن ما قال الشاعر في مثلهم :
قوم فعلوا خيرا فعلَوا و علي درج العُليا درجوا
صحبوا الدنيا بجسومهم و اليك بانفسهم عرجوا
دخلوا فقراء الي الدنيا و كما دخلوا منها خرجوا
و لذا روي ان ابن ابيطالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه .
فصل - اذا جاء الانسانَ اجلُه و احتضر و انقطع عن الدنيا بالكلية شاهد اهلَ البرزخ و الملئكةَ و تمثل له ملك الموت بعون من اعوانه فانه بنفسه لايقبض الا روح الانسان الجامع و ذلك العون هو الملك الموكل بنفسه من حيث القطع و التفريق و اما الموكل بخزنها فهو اسرافيل فملك الموت يقطعها [ص 335] و يسلمها بيد اسرافيل كما كان ابداؤها بيد جبرائيل و امدادها بيد ميكائيل و هذه الملئكة الاربعة موكلون بكل ذرة ذرة كل ملك بحالة من حالاتها و هم نفوس رابطية بين الفعل و المفعول و مقامهم مقام المصدر الذي هو تأكيد الفعل و شبحه و ظله من حيث الاعلي و من حيث الاسفل مرتبط بالمفعول او بمنزلة نون الوقاية في قولك خلقني فافهم و لذلك تكون عرصتُهم عرصةَ مواد العالم و هم خلق مستقل كما ان الفعل و المفعول خلقان مستقلان و ليسوا كما زعم بعضهم انهم نفس طبيعة الاشياء او هم ارواح المؤمنين بعد ما انقطعت عن الدنيا بالجملة بين كل ذرة من المفاعيل و بين رأس الفعل المتعلق بها ملك واسطة هو اقرب الخلق الي الفعل و ان لميكن باكرمهم عليه فالله سبحانه يتوفي الانفس حين موتها و التي لمتمت في منامها و بين توفيه و بين المتوفي ملك واسطة هو ملك الموت به يتوفي الله تلك النفس فصح انه يتوفاكم ملك الموت و قوله تتوفاهم الملئكة و هم اعوان ملك الموت و رؤسه الي المتوفَين فيظهر للمحتضَر ذلك الملكَ و له ايضا اعوان بعدد كل ذرة ذرة من جسده التي يعتريها الموت و صورة ذلك الملك علي حسب صورة النفس المتوفاة فان كانت مؤمنة تراه علي احسن صورة و اطيب ريح و اهيأ هيئة و ارفق شئ به و ان كانت كافرة تراه بعكس ذلك فان كل نفس متهيأة بهيئة عملها فاما تنقطع الي عليين معدن كل حسن و الملك القاطع لها علي هيئتها و اما تنقطع الي سجين معدن كل قبح و الملك القاطع لها علي هيئتها فان المتوفي بالكسر علي هيئة المتوفي و تظهر له اولياء العالم محمد و آلمحمد عليهم السلام حيث يحب او حيث يبغض فانهم متجلون في عليين و لاهله بصورة باطنهم الرحمة [ص 336] للابرار و في سجين و لاهله بصورة ظاهرهم النقمة علي الفجار و حيث هم الآمرون لملك الموت بالتوفي و هو يدهم يأمرونه بالرفق لاوليائهم اصحاب الباطن و بالتشديد علي اعدائهم اصحاب الظاهر و يتلقيهم ارواح اخوانهم من المؤمنين او الكافرين و ملئكة الرحمة الموكلون باعمالهم الحسنة و جزائها و ملائكة العذاب الموكلون باعمالهم السيئة و جزائها و قرناؤهم فان لكل نفس عرصة و قرناؤه فيها و يظهر لهم مبادي الرحمة و البشارة او مبادي العذاب و الانذار فتنجذب روحهم الي عليين و احبائهم شوقا فيكونون مع من احبوا او الي سجين و قرنائهم فرقا فان الطبع اذا خاف شيئا اوقع نفسه عليه لكثرة توجهه اليه كما توقع الدجاج نفسها الي ثعالة من الشجرة اذا خافتها عند رؤيتها فتنتقل النفس الي عرصتها فاذا سل ملك الموت اياها يذهب بها الي تحت العرش فتخر ساجدة لله سبحانه فتفقد نفسها و لاتجدها كما تري آيته حين منامك فانه اذا انسلت الروح من الجسد لاتحس اول شئ شيئا و تفقد نفسك ثم بعد ساعة تشعر بعالم المثال و كما تنامون تموتون فانها حين سيرها الي عالمها تمر بعالم الطبع و تنحل لتتخلص عن الاعراض التعلقية ثم تأتي عالمها صافية اما حال المنام فلا بد و ان تصفي عن ذكر العالم و توجهها الي الاعراض و اما حين الموت فلا بد و ان تصفي عن الاعراض الدنياوية الجسدانية و كذلك تعتري هذه الحالة اهل البرزخ اذا ماتوا منه فينحلون في الطبايع و يفقدون انفسهم اربعمائة سنة ثم يجدونها في الآخرة و كذلك فقدوا انفسهم حين نزلوا في الطبايع ثم وجدوا انفسهم في عالم المثال و فقدوا انفسهم في بسايط هذا العالم ثم وجدوها في هذا العالم و كما بدأكم تعودون فاذا انسلت ارواحهم [ص 337] ذهبت تحت العرش و خرت ساجدة مغشية عليها ثم تفيق و تجد نفسها و تنزل بالتوجه الي اجسادها لتعلقها النفساني بها فاذا وضع في قبره اتاه رومان فتان القبور و هو ملك يذكر الانسان اعماله و يملي عليه الاعمال حتي يكتبها باصبع قدرته و مداد ريق فمه الذي عبر به عن باطنه في ظاهره علي كفن لباس صفاته فيكتب ما يملي عليه حتي لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا و يحصيها عليه ثم يلزم طائره في عنقه لاينفك عنه الي ان يخرج له يوم القيمة كتاب يلقاه منشورا ثم يدخل النكير و هو ملك موكل بما انكر عليه من الحق و المنكَر و هو الملك الموكل بقبايحه التي انكرها اهل الحق او البشير الموكل بما صدق به المؤمنين من الحق و المبشَر و هو الملك الموكل بما اتي به من المحاسن التي صدقها المؤمنون و بشره الاولياء بها فيسألانه عن عقائده و يطالبانه البرهان عليها فان البرهان شرط الصدق كما قال سبحانه قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و قال و من يدع مع الله الها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه انه لايفلح الكافرون فسمي الذين لا برهان لهم علي باطلهم كافرين و علم ان الباطل لا برهان له و الحق له برهان فيسألانه عن عقائده ببرهان فان كان مؤمنا اجاب او كافرا لميُحِرْ جوابا و المسؤل في القبر هو الروح في الجسد الاصلي الذي في الجسد العرضي الذي توجه الي جسده لشدة تعلقه به ثم يذهب بالروح الي مستقره من جنة مكسيا بحلة صفراء المثال او نار مسربلا بسربال من نار و يبقي جسده في القبر مستديرا ليتخلص عن شوائب الاعراض باكل ارض الطبايع اعراضه و يخد له خد الي الجنة فيفوح عليه روحها و ريحها لانه من طينة الجنان او الي النار فيدخل عليه [ص 338] فوحها لانه من طينة النيران ليربيه تلك الريح او الفوح و يقويه للتخليص ليلحق حيزه و يصير اخرويا شيئا بعد شئ و روحه في نعيم البرزخ او عذاب اليم و هذا في الماحضين الذين تصورت امثلتهم اي ارواحهم بالصور الشرعية و استقلت و اما المستضعفون فارواحهم غير متخلصة عن اجسادهم لعدم التلطيف بنار فلق الشرع فهي بعد متجسدة كالماس غير المتخلص عن الحجر و الاكسير غير المستخرج عن مادته يعني ليس لهم تعين شرعي يميزون بها عن غيرهم و يقومون بها فتبقي ارواحهم في اجسادهم في قبورهم كالمدرة لاتحس شيئا الي ان تأكل الارض اعراضهم و تتخلص ارواحهم و تستقل بالعناية العامة الي يوم التخليص الاعظم فهؤلاء يلهي عنهم فلايحسون بمنكر و نكير و لايسألون و لايجيبون الي يوم القيمة فيظهر لهم التكليف و يسمعونه فيكون علي هيئة نار و تسمي بالفلق فيكلفون الدخول فيها فهناك يتصورون بالصور الشرعية العليينية او السجينية فيدخلون الجنة او النار فالماحضون بالساهرة لاينامون الي ان ينفخ في الصور .
فصل - عالم البرزخ هو عالم اسفله متعلق بمحدب فلك الافلاك مرتبط به و اعلاه مرتبط بعالم النفوس الاخروية و الشبح الذي تراه في المرآة من اسفل ذلك العالم و ليس هو في المرآة و لا في الهواء كما زعموه بل هو اسفل عالم البرزخ المتعلق بالاجسام الاتري اتصاله و تشاكله و تجانسه بما يدرك بالحس المشترك في الشعلة الجوالة و كل ما يسرع حركته حتي ان الفرس في الجري السريع تري اطول من حالة وقوفها و ليس ذلك الا من مجانسة شبحها الذي عليها مع ما خلعته و اتصالهما و هو اي الشبح الملقي الطف من [ص 339] محدب العرش و هذا معني قولنا ان اسفله متعلق بمحدب العرش و الا فليس عالم المثال فوق جسم العرش كتفوقه علي الكرسي فعالم المثال في غيب هذا العالم سماؤه في سمائه و ارضه في ارضه فسماواته دائرة و ارضوه حائرة له شمس و قمر و طلوع و غروب و نهار و ليل مثل هذا العالم بعينه و هو ما تراه في منامك من هذه الاحوال حرفا بحرف و ليس هو محضر جميع الاشباح فانه صفة الآخرة فيمر عليهم الاوقات و يظهر لهم فعلية بعد اخري و لهم قوة و استعداد لمكان المادة الا انه اي ذلك العالم الطف من هذا العالم سبعين مرة و اهله اسرع حركة و اهله مركبون من تسع قبضات من سماواته منها قلبهم و صدرهم و عاقلتهم و عالمتهم و واهمتهم و مادتهم و خيالهم و فكرهم و روحهم و قبضة من ارضه منها جسدهم و المراد بالقلب العقل و الصدر النفس و الواهمة قوة باطن طبعهم و المتخيلة قوة ظاهره و العالمة و المتفكرة قوة باطن نفسهم و ظاهرها و العاقلة و الروح قوة باطن عقلهم و ظاهره و ما لهم من الفلك الرابع مادتهم فاذا نزع الروح من الجسد في الدنيا نزع الروح من الجسد في البرزخ ايضا و في الآخرة فكما يبقي الجسد هنا في الطبايع و يلحق الروح بالافلاك كذلك يبقي الجسد في البرزخ في الطبايع العنصرية البرزخية و يلحق الروح اي المثال بالافلاك و ذلك ان المثال غيب الحيوانية الدنياوية و في غيبه النفس الاخروية و الجسد البرزخي غيب الجسد الدنياوي و في غيبه الجسد الاخروي فان كان روحه من السعداء كان في الجنة و هي لها ارض و سماء ارضها ارض طيبة في غيب وادي السلام و كربلاء و كل ارض طيبة و سماؤها غيب هذه السماوات و مظهرها في هذه الدنيا ايضا المغرب الذي هو جهة خمود حر الشمس [ص 340] الذي هو من نار جهنم و ان كان من الاشقياء كان في النار و هي لها ارض و سماء ارضها ارض خبيثة في غيب برهوت و حضرموت و عيونبقر و كل ارض خبيثة و عين حَمِئة و سماؤها غيب هذه السماوات من اطباق الارضين و مظهرها في هذه الدنيا ايضا المشرق الذي هو مطلع حر الشمس الذي هو من نار جهنم و لذا يعذبون في عين الشمس و بحرها فهم جميعا في هذه الحال حتي ينفخ في الصور و تفاصيل احوالهم مذكورة في كتب الاخبار فمن شاء راجعها و تركناها خوف التطويل .
فصل - اذا انتهي اجل اهل البرزخ و اجل اهل الدنيا و صعد محمد و آلمحمد عليهم السلام الي السماء و بقوا في الهرج و المرج يأذن الجبار في اهلاك الخلق من كل ذي روح فينزل اسرافيل و هو الملك الموكل بخزن الارواح الواسطة بين امر الله سبحانه و بين ذوي الارواح الذي هو ظهور الامر بذلك و الحجاب بينه و بين الارواح و في فمه الصور و هو قرن من نور اصفر مخروطي علي هيئة ثمرة الصنوبر بكبر السماء و الارض له رأس و طرفان بين طرفيه بقدر ما بين السماء و الارض و شكله كما في الهامش
له ثقبتان من طرفيه و تنتهيان الي رأسه في ثقبة واحدة ثقبة منه تلي السماء و ثقبة منه تلي الارض و لكن ثقبته التي تلي الارض فيها منافذ بعدد كل روح في الارض و ثقبته التي تلي السماء فيها منافذ بعدد كل روح في السماء و في كل منفذ ستة مخازن فينزل اسرافيل بحظيرة بيتالمقدس التي هي صدر الارض و يستقبل الكعبة التي هي قلب الارض و روي ينفخ في الصور في مسجد السهلة و اليه المحشر و يحشر من جانبه سبعونالفا يدخلون الجنة و لا تنافي لان الكوفان [ص 341] باطن بيتالمقدس كما ان كربلا باطن الكعبة فينفخ فيه نفخة الجذب فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الارض فلايبقي في الارض ذو روح الا صَعِق و مات فيبقي الامثلة في المخزن الاول و يخرج عنها المواد و تبقي في المخزن الثاني و يخرج عنها الطبايع فتبقي في المخزن الثالث و يخرج عنها النفوس فتبقي في المخزن الرابع و يخرج عنها الارواح الملكوتية و تبقي في المخزن الخامس و يخرج عنها العقول و تبقي في المخزن السادس ثم يخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماوات فلايبقي في السماوات ذو روح الا صعق و مات و دخل ارواحهم في ثقبها و تفرقت مراتبهم كما مر و لما كان حيوة كل مرتبة دنيا و حفظها بحفظ وحدانية الرتبة العليا لما نزعت العليا عن الدنيا فسد كونها و تفرق اجزاؤها لفساد حرارتها الغريزية التي هي حافظة تركيبها كما تري من فساد البدن و تفرق اجزائه عند خروج الروح و خمود حرارتها فتتفرق جميع المتصلات و تتفكك التراكيب و تنحل في الطبيعة المطلقة العامة فان للمكونات في عالم المثال كل هذه المراتب المذكورة علي حسب عالم المثال و كل مرتبة اخروية في غيب ما يشاكله في البرزخية فالعقل الاخروي في العقل البرزخي و روحه في روحه و نفسه في نفسه و طبعه في طبعه و مادته في مادته و مثاله في مثاله و جسده في جسده فلما اضمحلت المراتب البرزخية اضمحلت المراتب الاخروية الممازجة لها لا كممازجة مصاقع لمصاقع و انما تحل تلك المراتب لتتخلص عنها المراتب الاخروية فانه لا تخليص الا بالحل فاذا اضمحل المثال اي المراتب البرزخية و تفكك رجع الي الطبيعة فان تحصص المواد في الامثلة فاذا تفككت عادت الي الطبيعة غير المتحصصة المطلقة العامة [ص 342] كما ان للانسان جميع هذه المراتب علي حسب مقتضي الدنيا فاذا تفكك اجزاؤه عادت الي الطبايع و امتزجت النيران و الاهوية و المياه و الاتربة و الارواح الفلكية و عادت الي الاطلاق فاذا تفككت المراتب البرزخية عادت الي اطلاق عالم البرزخ و هو الطبيعة و يرجع الي جوهره كل ما في عنصر من الاعراض و كل ما في فلك فلايبقي حاس و لا محسوس و هو معني فناء الاشياء و ليس فناؤها الي العدم المحض البات كما زعم من لميفهم ما يقول و لا ما يقال له اما والله مافهموا فهما و لاسلموا تسليما الا قليل منهم و لو فهمت ما ذكرت لك من الامر المتقن و النظم المحكم لعرفت اختلاف كلماتهم و انتشار اهوائهم و عود الاشياء الي الاطلاق هو معني الرواية تموت الخلائق كلهم عن آخرهم و اسرافيل لايقطع صيحته حتي تغور عيون الارض و انهارها و بناؤها و اشجارها و جبالها و بحارها و يدخل الكل بعضهم في البعض في بطن الارض الي ان قال و تنقطع السلاسل التي فيها قناديل النجوم فتستوي بالارض من شدة الزلزلة و تموت ملئكة السموات السبع و الحجب و السرادقات و الصافون و المسبحون و حملة العرش و الكرسي و اهل سرادقات المجد و الكروبيون الخبر ، بالجملة العود علي نهج البدء و من لميعرف البدء لايعرف العود كما بدأكم تعودون و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا فاذا عادت الاشياء الي الاطلاق البرزخي فنيت بموادها و صورها و يعود العرش علي ماء الاطلاق كما كان اول مرة و هو معني ما في الدعاء يا ذا الذي كان قبل كل شئ ثم خلق كل شئ ثم يبقي و يفني كل شئ و قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة هو المفني لها بعد وجودها [ص 343] حتي يصير موجودها كمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها باعجب من انشائها و اختراعها الي ان قال و انه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الآجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلا شئ الا الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الامور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها كان فناؤها الي ان قال ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه اليها و لا استعانة بشئ منها عليها الخطبة ، و معني الفناء رجوعها الي الاطلاق و ان قلت مقتضي كلام الامير عليه السلام فناء كل شئ فكيف يبقي الاطلاق قلت ان الاطلاق اذا انقطع نسبته مع المكونات لفنائها لميبق الا نور منير و قدرة قدير كمال مولاك القديم جل شأنه و ليس فناء الخلق بموجب لفناء كماله سبحانه و عظمته و جلاله و اسمائه و صفاته المتسمع قوله سبحانه كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام فلا فناء لوجهه سبحانه الذي هو كماله و قدرته و هو ملك العزة و القدرة و لذلك يقول بصوت جهوري بعد ما افني الاشياء لمن الملك اليوم فيجيب نفسه لله الواحد القهار فملك الكمال و القدرة باق بعد فناء الاشياء لا فناء له لخلوه عن اسباب الفناء التي هي الاعراض فاذا امات الله سبحانه الاشياء يبقي اسرافيل فيميته سبحانه بنفسه و في رواية آخِرُ مَنْ يموت عزرائيل فلايبقي حي غير وجهه الحي بذاته و ليس معني فناءها عودها الي الذات القديمة كما زعمه قوم فانها لمتخلق من اصول ازلية حتي تعود اليها و انما خلقها لا من شئ و مذهب آلمحمد عليهم السلام و الكتاب و السنة تشهد بذلك و انما هو مبني علي القول بوحدة الوجود [ص 344] المجمع علي كفر قائلها فانه يستلزم تغير الذات و تركيبها كما حققناه في محله بل اخترع الاشياء لا من شئ و تعود كما بدئت فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم بالجملة اذا مات كل ذي روح يأمر الله سبحانه السموات فتمور و يأمر الجبال فتسير و هو قوله يوم تمور السماء مورا و تطوي و طيها فناؤها كما عن تفسير القمي و تسير الجبال سيرا و هو فناء اعراضها و عودها الي جواهرها فتبسط الارض و تبدل الارض غير الارض يعني بارض لميكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها اول مرة مستقلا بعظمته و قدرته ثم ينادي الجبار جل جلاله بصوت له جهوري يسمع اقطار السماوات و الارضين لمن الملك اليوم فلايجيبه مجيب فعند ذلك يقول الجبار عز و جل مجيبا لنفسه لله الواحد القهار و الذي يفهم من الاخبار ان آلمحمد عليهم السلام لايصعقون و هم المستثنون في قوله تعالي و نفخ في الصور فصعق من في السماوات و الارض الا من شاء الله فهناك احد لايصعق البتة و روي ان النبي صلي الله عليه و آله سأل جبرئيل عن هؤلاء فقال هم الشهداء متقلدون اسيافهم حول العرش و لا شك انهم آلمحمد عليهم السلام فانهم الشهداء و هم وجه الله الذي لايهلك و دينه الذي يبقي كما روي في تفسير وجه ربك دين ربك و روي انما يهلك من ليس منه الاتري انه قال كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ففصل خلقه و وجهه و روي ان الوجه الذي لايهلك من اطاع الله بما امر به من طاعة محمد و روي انه من اخذ طريق الحق بالجملة آلمحمد عليهم السلام هم الذين لايصعقون بلا شك و لا احد اقرب الي الله منهم حتي يخص بالاستثناء و هم نور الله و كمال الله و وجه الله و جلال الله و اكرام الله [ص 345] و لما كانوا عليهم السلام السنة الله في الاداء عنه و الذات لاتباشر كلاما فهم المنادون و هم المجيبون فتثبت ثبتك الله بالقول الثابت و الذي نص به رواية ان جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت لايموتون بالنفخة و في رواية الباقي بعد النفخة اسرافيل و لكن كلهم يموتون و لا شك انهم المؤدون عنهم جهات ما وكلوا به و هم عليهم السلام مقدمون عليهم و اولي بان لايصعقوا بالجملة لايبقي الا الله سبحانه و وجهه المستثني و ما يفهم من بعض الاخبار ان السماوات و الارض تبقيان و النداء ينفذ في اقطارهما فهما المبدلتان فان فيهما اعراضا برزخية لا بد و ان تمور و تنشق سماواتها و تستوي ارضها و تصفي فالسموات العرضية تطوي و الارض العرضية تنقي و تسوي لا محالة و ذلك لايكون الا بالعود الي الاطلاق فانه لا تنقية الا بالحل و لا حل الا بالعود الي محل الطبيعة و الانحلال فيها و هو الحل الطبيعي الحقيقي ثم يخرج عنها الجوهر بحرارة جاذبة نداء اقبل الدائمة الناشئة من حرارة نار مشيته سبحانه و تمتد مدة التخليص اربعمائة سنة فان الاشياء قد اديرت من بدء كينونتها الي منتهي كمالها اربع دورات ثلثا لاستكمال القابل و واحدة لاستكمال المقبول و كل دورة قد ركبت من عشر قبضات علي حسب دورتها و في كل قبضة نسبة الي قبضة اخري من باب ان كل شئ فيه معني كل شئ فذلك اربعمائة مقام لكل مكون لا بد و ان يتخلص كلها حتي تليق بتركيب الخلود و يتخلص كل مقام في سنة يدور شمس المشية المتعلقة به في بروجه الاثنيعشر التي هي حدوده الشهادية و الغيبية و تمكث في كل برج ثلثين يوما لتربي كيانه الثلثة المركب كل كون منها من عشر مراتب و لكل مرتبة مادة هي نهارها و صورة هي ليلها [ص 346] فتمتد المدة اربعمائة سنة حتي يترقي الجوهر الاخروي من مائةالف و اربعة و اربعينالف مرتبة عرضية برزخية ● فهنالك تصفي الجواهر عن شوائب الاكدار نقية عن الغبار صالحة للدوام و الخلود كما يأتي ان شاء الله فاذا ترقوا في هذه المدة و اشفوا علي الدخول في رتبة المحشر تصفي السموات و الارضون اول شئ بحيث يليق بعرصة المحشر كما خلقتا اول مرة قبل جميع ما تولد بينهما ثم يمطر الله سبحانه من صلب الاب الاعظم الذي هو السماء مطرا غليظا له رايحة كرايحة المني و هو من السماء السابعة التي هي فلك الشمس من بحر يقال له حيوان و هو بحر صاد كما روي و اصله من ركن من اركان العرش و هو الايمن المقدم و قد توضأ منه النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج اذ تجاوز المقامات المذكورة و وصل اليه فصلي لربه بعد ما صلي ربه و قال سبوح قدوس انا رب الملئكة و الروح و ساير الناس يصلون اليه عند النفخة الثانية فينزل ذلك الماء اربعين عاما لاحياء القوابل و المقبولات فيشق ذلك الماء الارض شقا و هو الفتق الكوني الثاني بعد الرتق الاطلاقي الثاني كما صنع اول مرة فيدخل ذلك الماء رحم الارض فيصل الي العظام البالية النخرة فتنبت بذلك الماء كما ينبت الزرع بالمطر و هو قوله يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته الي قوله كذلك نخرج الموتي و هو قوله و الله انبتكم من الارض نباتا فيَرجع عضو كل احد الي مكانه فتلتئم الاجساد بقدرة الله و تبقي بلا ارواح كما كانت اول مرة ثم ينفخ الجبار من روحه في اسرافيل فيحيي فيقوم حيا و يلتقم الصور [ص 347] و الصور قرن من نور فيه ثقب علي عدد ارواح العباد كما عرفت فتجتمع الارواح ايضا في الصور و يأمر الجبار اسرافيل ان يقوم علي صخرة بيتالمقدس و الصخرة اقرب ما في الارض الي السماء لانها عرش الله الاسفل قد استوي عليها النبي صلي الله عليه و آله و صعد منها الي السماء و عندها يحشر الناس فيحشر اهل الجنة عن يمين الصخرة و يحشر اهل جهنم عن يسار الصخرة في تخوم الارض السابعة و فيها الفلق و سجين و لذا روي ان النبي قال لبنيالنضير اخرجوا قالوا الي اين قال الي ارض المحشر اي الشام و ذلك ان الصخرة نفس الارض و مكة عقلها فيقوم اسرافيل علي الصخرة و وجهه الي الكعبة فينفخ في الصور نفخة الدفع و ينادي فيه للاجساد بالاحياء و هو قوله و استمع يوم يناد المناد من مكان قريب فتخرج الارواح من ثقب الصور فتنتشر بين السماء و الارض كأنها النحل كل روح من ثقبة فارواح المؤمنين نيرة بنور الايمان و ارواح الكافرين مظلمة بظلمة الكفر فتدخل في اجسادها و تدب فيها كما يدب السم في الملسوع ثم تنشق الارض من قبل رؤسهم و يتولدون من بطن الارض الي فضاء القيمة و هو قوله و القت ما فيها و تخلت فعند ذلك تتركب الارواح النقية الثابتة مع الاجساد الخالصة تركب خلود لا تفكك لهما ابدا فيحيي اولا اهل السماء ثم اهل الارض بعكس نفخة الصعق كما تري ان الشمس اذا غربت يقبض نورها اول عن اسفل الجدار ثم عن اعلاه فاذا طلعت يشرق بنورها اول اعلاه ثم اسفله فافهم المثل و لايخرج الروح من الصور الا بعد ان ينزل نور الله في العقل الميت الملقي في الخزانة السادسة فينزل حيا الي الروح في الخزانة الخامسة فيحيي ثم ينزل الي النفس في الخزانة [ص 348] الرابعة فتحيي ثم تنزل الي الطبع الملكوتي في الخزانة الثالثة فيحيي ثم ينزل الي المادة الملكوتية في الخزانة الثانية فتحيي ثم تنزل الي المثال في الخزانة الاولي فيحيي ثم ينزل الي اجواف القبور في الارض فتحيي الاجساد باذن الله هذا في الصدور و يبدو المثال اول في الجسد ظهورا ثم المادة ثم الطبع ثم النفس ثم الروح ثم العقل ثم نور الله عز و جل كما بدأكم تعودون ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لكن يخرج من القبر اذا حيي بالمثال اي الروح الحيواني فاذا خرج يظهر فيه النفس الناطقة المتسمع انهم حين خرجوا من قبورهم يقفون علي قبورهم و قد طاش البابهم و الاتري في هذه الدنيا تعلق الناطقة بعد التولد و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فافهم فهذه جملة وافية في احوال عالم البرزخ و قد اشرنا الي رموزه لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فافهم راشدا موفقا و الحمد لله اولا و آخرا .
فصل - قد عرفت مما تقدم ان عرصة المحشر هي عرصة عالم الذر بعينها الا انها حين النزول تسمي بعرصة عالم الذر و حين الصعود تسمي بعرصة المحشر و هي هذه الدار بسمواتها و ارضها الا انها تصفي عن الاعراض و تنقي عن الاكدار فيكون ترابها ترابا ذاتيا و ماؤها و هواؤها و نارها ماءً و هواءً و ناراً ذاتية جوهرية لا عرضية فان هذه العناصر الدنياوية تعيناتها تعينات عرضية و لذلك تري ان كل واحد يستحيل الي كل واحد و يستخرج من كمونه الي [ص 349] ظهوره صفة كل واحد فيصير التراب ماء و الماء هواء و الهواء نارا و هكذا فالتراب تراب بالعرض و الماء ماء بالعرض لا بالذات و الا فماكان يستحيل الذاتي و اما في الآخرة فالتراب تراب بالذات لايستحيل الي الماء و كذلك غيره كما ان البرودة لاتكون حرارة ابدا و الرطوبة لاتكون يبوسة ابدا و كذلك العكس و جهة الشئ الي ربه لاتكون جهته الي نفسه و لا العكس و ذلك ان دار الآخرة هي دار الفعلية و الذاتية و ليس فيها قوة و استعداد عرضي و ان كان فيها قوة و استعداد طولي فكل ما يكون لشئ يكون حاصلا له بالفعل فكل ما للتراب مثلا حاصل له بالفعل و هو الترابية و البرد و اليبس و ليس فيه صلوح التحول الي غيره الا ان يعدم و ينتقل الي الامكان البحت ثم يصور ذلك الامكان بغيره و كلما قدم عرصة الوجود لايفني و لايرجع الي الامكان فكل شئ في عرصة الآخرة هو هو لايتحول الي غيره فهنالك لايجوز تحول عنصر الي عنصر آخر و لا العناصر الي الفلكية و لا العكس فهنالك لا تمانع و لا تصادم و لا ظلم و لا قسر و كل شئ هو هو قائم بمؤثره في جميع ما له و هو به هو فكل شئ هناك راجع الي ذاتيته و جوهريته و لايفعل شئ في شئ و لاينفعل شئ من شئ الا ان يكون احدهما عاليا مؤثرا و الآخر سافلا و اثرا و ليس مركبات ذلك العالم مركبة من اشياء مستقلة متقدمة عليها كتركب مركبات هذا العالم من عناصر مستقلة قبل التركيب فان هذا التركيب عرضي قد عرض الشيئين بل هنالك كل شئ مركب من اجزاء كل جزء منها من تمام ذلك الشئ لايقوم بعضها الا ببعض فكذلك كلية الآخرة جميع ما فيها من سماء و ارض يقوم بعضها ببعض لا استقلال لجزء منها بدون [ص 350] جزء آخر و لايستحيل الي شئ آخر و ساير الاشخاص الجزئية الذين خلقوا من حصص ذلك العالم ايضا يقوم بعض اجزائهم ببعض بحيث لا قوام لجزء منهم بدون جزء آخر و تمايزهم باعمالهم و عقايدهم و صفاتهم كما يأتي ان شاء الله و كل شخص منهم شخص واحدي ذاتي ملتئم من اجزاء ذاتية كل جزء منها تمام الآخر و شرط وجود الآخر لا قوام له الا به .
فصل - لعلك عرفت مما تقدم ان الله سبحانه اول ما خلق خلق العقل الكلي بنفسه و هو حقيقة الحقايق و ذات الذوات فامره بالادبار اي بالتجلي فتجلي بالنفس الكلية الالهية اولا فاحتجب بها عنها فمثاله المحتجب و هي حجابه فكان في عالمه عقلا بالفعل و في عالمها بالقوة يخرج عنها منه شئ بعد شئ علي حسب سيرها الي مبدئها عند الاقبال ثم تجلي بالنفس الكلية بالطبع الكلي فاحتجب ما خرج منه منها فيه فمثاله النافذ منها الواصل الي الطبع هو المحتجب و هو حجابه فهو في عالم النفس بالفعل بالنفسانية و في الطبع الكلي بالقوة المحضة ففيه العقل و النفس كلاهما بالقوة لا تعين لاحدهما فيه ثم تجلي بالنفس بالطبع الكلي بالمادة الكلية و القي في هويتها مثاله فهو اي ذلك المثال المحتجب و هي حجابه ثم تجلي بها اي بتلك المادة التي هي الذات الظاهرة للمثال به فصارت بما فيها فيه بالقوة و كانت في عالمها بالفعل بالمادية ثم تجلي بتلك الوسايط به بالجسم فصارت الفعليات المتقدمة فيه بالقوة كلها فيه متشاكلة لا تعين لشئ منها و هو غاية الادبار و لما كان الجسم المطلق دهريا متحصلا لجميع مظاهره خرج عنه الي الفعلية جميع ما كان فيه بالقوة عرضا و ان كان طولا لا نهاية لترقياته فيكون قد خرج فيه الي حد الامضاء و التعيين جميع [ص 351] ما كان فيه في حد المشية و الابهام الاطلاقي ثم يتدرج في الظهور في عالم الزمان العرضي تلك الفعليات شيئا من بعد شئ لانها قد احتجبت في الاطلاقات الزمانية التي هي السماوات و الارض فهي المحتجبة و تلك حجبها فهي فيها بالقوة و الابهام و تخرج الي الفعلية الزمانية شيئا بعد شئ و هيهنا غاية ادبار العقل ثم يدعي بالاقبال الي الله المتعال فيترقي شيئا بعد شئ الي ان يصل عودا الي عالم البرزخ الذي هو عالم المثال نزولا فيلقي عن نفسه الاعراض اللازمة لهذه الرتبة المبتدأة منها و عود كل شئ الي بدئه فيصعد الي عالم البرزخ ما نزل منه حين النزول و هو المثال و الجسد الهورقلياوي فان المثال هو حقيقة هذه الافلاك و الجسد الهورقلياوي هو حقيقة هذه العناصر و قد كانا نزلا الي هذا العالم بظلهما و نورهما فلما انكسر المرآة ارتفع تعلق ذلك النور عنها مكتسبا عن المرآة ما اكتسب من الصبغ و الشكل مستحيلا الي صفتها و ذلك النور هو عملهما اللازم لهما و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا فالجسد الهورقلياوي ملتزم بافعاله متهيئ بهيئتها في قبره يدخل عليه بها ريح من الجنة او فيح من النار و المثال متهيئ بهيئة افعاله ملتزم بها منعم بنعيم جنة في المغرب جهة البرد و الكرامة و الظل الممدود و الماء المسكوب او معذب بعذاب النار في المشرق جهة الحر و اليبس لا بارد و لا كريم و هم علي هذه الحالة الي ان ينفخ في الصور فينكسر مرآة المثال عنه و يبطل تعين المادة و خصوصيات المثال و يعود الي الطبيعة الكلية المتشاكلة الاجزاء و هو قوله تمور السماء مورا اي سماوات المثال و تسير الجبال سيرا اي جبلات هورقليا و يعود العرش علي الماء المسجور اي الطبع و هو قوله [ص 352] اذا البحار سجرت و يبقي ما يبقي و لا حاس و لا محسوس و لا عاقل و لا معقول و لا عالم و لا معلوم هنالك الولاية لله الحق و هو قوله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب و طيها فناؤها كما عن تفسير القمي فيبقي الامر كذلك الي ان يصعد الملك بنداء اقبل درجة اخري و يرفع النفس الكلية توجهها عن الطبع ايضا كما رفع المثال توجهه عن البدن بعد انحلاله في طبايع هذا العالم عند الموت و عند النوم الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لمتمت في منامها فعن النبي صلي الله عليه و آله يا بني عبدالمطلب ان الرايد لايكذب اهله و الذي بعثني بالحق لتموتن كما تنامون و لتبعثن كما تستيقظون و ما بعد الموت دار الا جنة او نار فاذا مات اهل البرزخ و دفنوا في الطبع رفع النفس توجهها عن الطبع لتحلل الآلات فاذا صعد العالم و القي اعراض البرزخ في محالها وصلوا الي عالم النفس المتعينة بالتعين الجوهري مكتسبة صورا مما كانت متوجهة اليها متعلقة بها لا تعين لها غير ذلك و لا صورة لها من غير ذلك الطريق و لذلك لمتمض و لمتتشخص الا بعد ايمانها او كفرها و اعمالها و اكتساباتها في هذه الدنيا و ماتجزون الا ما كنتم تعملون سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم فهنالك تتخلص النفوس المكتسبة للتعينات و كانت حال النزول لا تعين لها بوجه من الوجوه و كانت مطلقة فتعينها من نزولها و اكتسابها كونيتها و شرعيتها فكما ان النفس تكتسب تعين السعادة و الشقاوة من الايمان في الدنيا و الكفر فيها كذلك تكتسب الزيدية و العمروية من التعينات الكونية الدنياوية و قد اخطأ من زعم ان تعينات النفس منها من عالمها لا من الاسفل و الدنيا الاتري ان الاكمه لايفهم معني الحمرة و الاصم بالولادة لايدرك معني الصوت و لاتقدر [ص 353] نفسه علي انشاء معني الحمرة و الصوت في عالمها و كذلك لاتقدر علي انشاء صورة الايمان و الكفر و الاعمال لها من دون ما تكتسب من هيهنا و لو كان ذلك جايزا لاكتسب المتصورون صلوات و صيامات و زكوات كثيرة و ليس للانسان الا ما سعي و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فافهم ان كنت تفهم و قد جري ذكر ذلك استطرادا بالمناسبة بالجملة النفوس قد اكتسبت تعينات و صارت متعينة في ذاتها مستحيلة بمادتها الي طبع صورها الا انها كانت في المواد السافلة ممازجة لها و قد اكتسبت ما اكتسبت و هي ممازجة كونا و ان كانت مفارقة توجها و علما الاتري انه ماكان لنفس ان تموت الا باذن الله فامر الله العالم بالاقبال لان تتخلص النفوس كونا كما تخلصت علما و توجها الاتري انك حي حين منامك مع ان روحك متوجه الي عالم المثال و لماينقطع عن البدن لممازجته به و تعلقه فاذا مت انقطع بالكلية و ذهب متجردا عنه الي عالمه فكذلك تكون النفس الاخروية متعلقة بالمثال البرزخي الي ان يموت و يتحلل آلاته فعند ذلك تفارق النفس كونا عنها كما كانت مفارقة علما و توجها حين حيوتها في البرزخ و مدة بين النفختين مدة الانقطاع و هو كبطلان الشعور بين اليقظة و النوم فاذا تخلص النفس عن الاعراض البرزخية فتحت عينها في عرصة القيمة و رأت مجمع النفوس و تلك النفس لها جسد كان في الجسد الهورقلياوي و روح كان في المثال البرزخي كما كان الجسد الهورقلياوي في الجسد العنصري و المثال في الروح الفلكي اي البخاري القلبي و الدماغي فيتخلص يوم القيمة جسدها اولا عن شوب الاعراض لانها في الصعود فاذا تخلص التأم اجزاؤه علي صورة كان قد اكتسبها في البدن الدنياوي و قد مر كيفية [ص 354] التيامه انه يمطر من تحت العرش من بحر الصاد الذي هو بحر الحيوان ماء بغلظة المني و رايحته فيكون وجه الارض بحرا واحدا فيموج ذلك الماء و يؤلف اجزاء كل جسد و ذلك ان اول ما يتخلص من العالم كلياته من عرشه و كرسيه و افلاكه و عناصره فتبدل الارض غير الارض و السماوات لان الكليات اسرع تخلصا من الاعراض من الجزئيات لقلة اعراضها فاذا عمرت دار الآخرة و حصلت الكليات امطر الله من تحت العرش من بحر الحيوة فان العرش هو آية العقل و الروح تحته فامطر من ذلك البحر مطرا علي وجه الارض بعد نزوله الي الكرسي الي فلك الشمس الي فلك القمر الي السحاب الناشئ من لطائف تلك الارض و هبائها و رطوباتها فامطر ذلك المطر علي وجه الارض فتحقق مواد الاجساد فانها ماء و به احيي الله سبحانه الارض و تصور ذلك الماء بصورة تعينات الاجساد المدفونة في التراب و هو قوله سبحانه انزلنا من السماء ماء مباركا فانبتنا به جنات و حب الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد و احيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج و قال الله الذي ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الي بلد ميت فاحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور و قال هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون و قوله و الله انبتكم من الارض نباتا فاذا نزل ذلك الماء الي الارض صار مادة لاشجار الابدان و تعين و تصور بالصور المكتسبة من الدنيا و النزول فصارت الابدان مؤتلفة ملتئمة علي هيئتها في الدنيا بلا تفاوت فاذا تم الابدان خرج الروح من الصور و دخل جوف القبور و هو الروح الحيوانية الفلكية فحييت [ص 355] فانشقت القبور من قبل رأسها مما يلي السماء فخرجوا مدهوشين و تعلق بهم الناطقة القدسية الانسانية الكرسية ثم الروح الملكوتي ثم العقل العرشي فاذا نظر الي نفسه لاينكر من نفسه شيئا و تلك العرصة مقابلة لعالم الذر او هي عرصة عالم الذر و انما تسمي بالذر في قوس النزول و تسمي بالقيمة حال الصعود و قولنا ان هذه العرصة فوق عالم الطبايع و هي عرصة النفوس ليس معناه ان المعاد هو النفس لا جسد لها و المعاد نفساني روحاني لا جسداني بل مرادنا منه ان الانسان بمراتبه من فؤاده الي جسده بالنسبة الي الاجسام العرضية العنصرية و الامثلة و المواد و الطبايع البرزخية العرضية صورة مجردة عن تلك الاعراض و هي في هذه الاعراض بمنزلة النفس في الجسد لا ان المعاد نفس الانسان دون جسده نعوذ بالله و هو الكفر الصراح و خلاف ما جاء به الكتاب و السنة و اجمع عليه المسلمون بالضرورة التي اضطروا عليها و علي الاقرار و الديانة بها فالنفس الناطقة التي هي الانسان المعاد له فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسد فافهم ان كنت تفهم ان شاء الله .
فصل - ان يوم القيمة يوم الجمع يعني يجتمع فيه جميع النفوس من آدم الي يوم القيمة و يجتمع فيه جميع الاعمال و الاقوال و الصفات و العقايد و الاشباح و اشباح الاشباح الي ما لا نهاية له و جميع القرانات و النسب و الروابط و الاوضاع و الآجال و الكتب و الامكنة و الاوقات بايامها و لياليها و اسابيعها و شهورها و سنيها و جميع ما دخل عرصة الايجاد فكلها تجتمع يوم القيمة في محضر واحد فذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود و هو يوم الجمع لا ريب فيه و يحضر الجنة و النار و الصراط و الميزان و الحوض و الصحايف [ص 356] و جميع ما اخبر عنه في الكتاب و السنة و تفصيل هذه الجملة ان جميع هذه المذكورات فعليات كانت مستجنة في المادة الزمانية و كانت فيها بالقوة و انما اخرجتها يد التدبير بكمال التقدير من الكمون الي البروز شيئا بعد شئ و تلك الفعليات كانت حبة مقدمة نزولا علي تلك المادة و قد زرعت في ارض المادة و انحلت و ذابت فيها ثم تعينت و تقدرت و تركبت و امضيت بتقدير العزيز العليم كما تشاهد في حبة بالفعل تزرعها في ارض فتنحل في الارض و تتلاشي و تصير بالقوة ثم تدبرها يد التقدير بادارة الافلاك عليها و ادارة الشمس و القمر حتي تخرج عودا و ورقا ثم سنبلا ثم حبا فتصير ثانيا بالفعل متكثرة متفصلة علي حسب القوابل و كذلك هذه الحبات الفعلية المتكثرة في الدنيا كانت اولا قبل المواد حبة فعلية فنزلت الي ارض المواد فانحلت و ذابت فيها حتي لميبق لها تعين ثم خرجت بالتدبير الي الفعلية المتكثرة علي حسب القوابل فساوقت تلك الفعليات الفعلية الاولي و لكن هنا تحقيق دقيق و هو ان الفعلية المزروعة كانت فعلية اطلاقية مبهمة و لذا عبرنا عنها بالحبة الواحدة فزرعت تلك الفعلية الاطلاقية في ارض المادة فصارت مادة مطلقة مبهمة ثم لما دعا المدبر بالسنة الافلاك الكونية و الشرعية تلك المادة الي الاقبال اختلفت اجزاؤها في الاجابة و السير الي المبدء فاختلفت تلك الفعلية الكامنة فيها علي حسب اختلاف اجابتها لانها انصبغت بصبغها و تصورت علي حسبها فبدت فعليات مختلفة و عرصتها هي عرصة تلك الفعلية المبهمة الاولي الا انها نزولا كانت مبهمة و صعودا كانت متعينة متكثرة فهي مع تكثرها فوق عالم المادة لان الفعل فوق القوة و اشبه منها بالمبدء و لذلك تصل اليها بالصعود فتلك الفعليات [ص 357] المتكثرة هي عرصة الامضاء و عرصة القيمة لكن هنا شئ يجب التنبيه عليه و هو ان الفعليات المشار اليها هل هي اشباح المادة الصادرة عنها علي حسبها او هي فعليات مكتسبة عنها متصلة بالحقيقة المتقدمة عليها بل هي الثانية اذ اشباح المادة آثارها و افعالها الصادرة عنها لاتصل اليها فضلا ان تتقدم عليها و لكن تلحق الحقيقة الكامنة فيها من تلك الاعمال آثار و اصباغ و صفات هي المرادة من الفعليات المتقدمة علي المادة و ذلك انه قد تحقق عندنا و عند الفلاسفة ان للارواح انصباغات في بطون الاجساد و استحالات مناسبة لها و ان كانت حاصلة لها من جهة الاجساد مثال ذلك ان روح الكلب روح كافر نجس لانه انصبغ في بطن صورة الكلب و تعين بها و تخصص فاذا استحال ملحا صار روحه روحا طيبا مؤمنا لانه يلحقه من الصورة تعين و خصوصية كما قال الفقهاء ان الكلب لو نزا علي شاة و ولدت بصورة الكلب ولده نجس رجس حرام و ان ولدت بصورة الشاة هو طاهر حلال و لا شك ان الحكم يلحق مادتهما و صورتهما و كذلك الكافر كافر بروحه و جسده و ان مات و هو كافر يدخل النار بمادته و صورته و روحه و جسده فان آمن ذلك الكافر يدخل الجنة بروحه و جسده و قبل عرض التكليف عليه لميكن روحه كافرا و لا مؤمنا فللارواح تعينات و انصباغات روحانية في بطون الاجساد فالفعليات الجسدية تابعة للجسد راجعة اليه و ليست هي بنفسها راجعة الي الروح و لاتتجاوز مبدأها بل تلحق الروح انصباغات روحانية و فعليات روحانية في عرصته و هي باقية له سواء تفكك الجسد او بقي و هي الوصف المشار اليه في الآية سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و العمل المشار اليه في الاخري و ماتجزون الا ما كنتم تعملون [ص 358] فالمصلي مثلا في هذه الدنيا يصلي بجسده قائما و راكعا و ساجدا علي مقتضي حكم الجسد و هي اي صلوته شبح منفصل عن جسده و فعل له علي حسب كثافته و غلظته يعرف به انه مصل و يلحق نفسه من هذه الصلوة انصباغ و صورة علي حسب نفسه من اللطافة و التجرد من قيامه و ركوعه و سجوده فتصير قائمة بتلك الصورة و راكعة و ساجدة بتلك الصورة اللطيفة المناسبة لها و هي صورتها تعرف بها في عالم النفوس انها مصلية و تلك الصورة كانت كامنة فيها و هي صالحة لها و لغيرها قبل ان تعمل بجسدها ذلك العمل و جسدها ايضا كان صالحا لذلك العمل و لغيره فاذا عملت بجسدها ذلك العمل و تعين فعلها الاطلاقي في الجسد علي صورة ذلك العمل لحقتها خصوصية ذلك علي حسب مقتضي تعين الجسد فصارت مصلية بسبب تعين فعل الجسد و تلك الخصوصية تلزمها و تأتي معها يوم القيمة و هي متلبسة بها و هو قوله و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا و اما الصلوة الجسدية العرضية فهي مكتوبة في لوح مكانها و وقتها ثابتة فيها ابدا و ثوابها و عقابها يلحق الجسد العرضي في الدنيا لا في الآخرة و النفس تتهيأ بصورة الجسد اذا صارت ملكة و اَحَبَّتْها و الا فلا ، فكم من مصل في الدنيا صائم قائم ليس له في الآخرة من نصيب ، و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ، اولئك الذين خسروا انفسهم و خسروا في الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين ، الخبيثات للخبيثين و الطيبات للطيبين ، ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ، و كذلك كم من رجل صدر عنه معاص ليس عليه وزره يوم القيمة بالجملة الفعليات الصادرة [ص 359] عن الجسد تابعة له صادرة عنه راجعة اليه و اللاحقة بالنفس هي الفعليات اللطيفة المكتسبة عن الجسد بالركون اليه و الحب له و الميل اليه ، فاذا عرفت هذه الجملة عرفت ان يوم القيمة يحضر جميع ما ذكر من الاعمال و الاقوال و الصفات و العقايد و الاشباح و الايام و الليالي و الاسابيع و الشهور و السنين و جميع النسب و القرانات لان للنفوس اكتسابات من كلها و لكل ذلك حقيقة نفسانية اخروية و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم ، فجميع ذلك حاضرة بالنفسانية متمايزة بتمايز صالح مناسب لعالم الآخرة بصورة مناسبة له و لاجل ذلك قد تختلف الصور علي حسب العالمين فالقرآن هنا قرآن و يأتي يوم القيمة علي صورة رجل و مسجد الكوفة يأتي علي هيئة رجل محرم و الموت يأتي علي صورة كبش املح و الخلق الحسن يأتي علي صورة رجل جميل و الخلق السيئ يأتي علي صورة رجل قبيح و المتكبر يأتي علي صورة الذر له ناب كجبل احد و هكذا من الصور التي قد وردت في الشرع تتجاوز حد التواتر و لو كانت الفعليات الجسدانية بانفسها علي كثافتها و هيئاتها اللائقة بها تأتي يوم القيمة لمااختلفت صورها بل كانت عرصة القيمة هي الدنيا بعينها فعلي ذلك يكون يوم القيمة يوم الجمع لايبقي شئ من ذات و صفة و جوهر و عرض الا و يحضر و يكون الكل مشهود الكل لصفائها و عدم حجبها ما وراءها و كذلك يكون حال الارض و السماء و هو قوله يوم تبدل الارض غير الارض و السموات و تكون الارض خبزة نقية يأكل منها الناس الي ان يفرغوا من الحساب لان الله يقول و ماجعلناهم جسدا لايأكلون الطعام و لا شك ان الارض لاتصير علي هيئة خبز الدنيا لان هذه الصورة تابعة للمواد الكثيفة فهي تكون علي هيئة [ص 360] خبز اخروي يأكله الاجساد الاخروية و يصير مددا لهم و بدل ما يتحلل منهم فهي علي صفة الخبز فان البدن المخلوق من الارض يكون مدده من جنسه و يكون اكلهم ايضا علي حسب اجسادهم فيأكلون بكلهم و اكلة من الآخرة تساوي جميع اَكَلات الدنيا فتمد ابدانهم بالارض يعني ما يستحيل من بدنهم الارضي يؤخذ و يرد اليهم علي صفة الخبز فبذلك يصير جزء ابدانهم فكل احد يأكل من جزء من الارض يكون واقفا عليه و هو قبضة منها خلق منها فقد روي عن الصادق عليه السلام مثل الناس يوم القيمة اذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب ● ليس له من الارض الا موضع قدمه كالسهم في الكنانة لايقدر ان يزول هيهنا و لا هيهنا و لاينافي ذلك ما ورد ان ارض القيمة نار ما خلا ظل المؤمن فان صدقته تظله فان ظل المؤمن ماهيته و انيته و صدقته معروفه فقد روي كل معروف صدقة فمعروف المؤمن قد اظل بظل ظليل علي ماهيته و انيته و جعلها علي برد اليقين مطيعة منقادة لرب العالمين فالمؤمن يوم القيمة تحت ظل عرش الله سبحانه و صدقته ظل العرش فانها من فروع العقل و اما الارضون التي وقف عليها غير المؤمن و خلقوا منها فهي كلها نيران موقدة عليها و عن ابيجعفر صلوات الله عليه ان الله اذا بدا له ان يبين خلقه و يجمعهم لما لا بد منه امر مناديا فنادي فاجتمع الانس و الجن في اسرع من طرفة العين ثم اذن لسماء الدنيا فتنزل و كان من وراء الناس و اذن للسماء الثانية فتنزل و هي ضعف التي تليها فاذا رآها اهل السماء الدنيا قالوا جاء ربنا فيقال لا و هو آت حتي ينزل كل سماء يكون كل واحدة [ص 361] من وراء الاخري و هي ضعف التي تليها ثم ينزل ● الله في ظلل من الغمام و الملئكة و قضي الامر و الي الله ● ترجع الامور ثم يأمر الله منادياً ينادي يا معشر الجن و الانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات و الارض فانفذوا لاتنفذون الا بسلطان الخبر ، و سر نزول السماوات و احاطتها بالناس تشاكل السماوات و الارض و تناسبهما لحصول الايتلاف و التركيب الخالد علي طبق قول اميرالمؤمنين عليه السلام نار حائلة و ارض سائلة و هواء راكد و ماء جامد ، و معني نزول الله في ظلل من الغمام نزول العرش في الكرسي و الملئكة الحاملة للعرش و باطنه نزول امر الله الذي هو النبي صلي الله عليه و آله في الولي و هو الظلل من الغمام و ظهور النبي و حامله و موضع رسالته ، بالجملة تأتلف السماوات و الارض و تتصل بالتشاكل و شدة حكاية الارض للسماء لصفائها لا بالالتصاق الظاهري فان الآن ايضا متصلة لا خلاء بينها ، بالجملة تبدل السموات بسموات صافية لا تمانع فيها و لا تصادم و لا قصر و الارض بارض صافية نقية لميكتسب عليها من الذنوب يري ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها فلا ليل في ذلك اليوم بل جميع الفلك الاول قمر و جميع الثاني عطارد و جميع الثالث زهرة و جميع الرابع شمس و هكذا بل يصدر من كل فلك فعل الفلك الآخر و من كل كوكب فعل الكوكب الآخر و من الارض فعل السماء و من السماء فعل الارض و هي كلها متشاكلة متضامة متحدة بالاتحاد الواحدي و جميع تلك الكرات حاد بعضها لبعض و كلها ككرة واحدة في المنظر مصمتة يصدر من الكل ما يصدر من الكل و هيئتها علي [ص 362] الهيئة النفسانية لا الدنياوية فان كل صورة في اللطافة و الكثافة علي حسب لطافة المادة و كثافتها فهي كلها كشخص واحد و رجل واحد لانه هو الانسان الكلي و النفس الكلية الالهية المحيطة بجميع النفوس الجزئية لايستطيعون ان ينفذوا من اقطارها و هم اشعتها و انوارها و كل نفس يحكيها في مراتبها لانها شئونها و اطوارها فمنها ما هي شئون باطنها و سماويتها و غيبها التي فيها الرحمة و منها ما هي شئون ظاهرها و ارضيتها التي فيها العذاب و تلك النفس الكلية المحيطة الالهية هي نفس محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام فعرشها محمد صلي الله عليه و آله و كرسيها علي عليه السلام و شمسها الحسن عليه السلام و قمرها الحسين عليه السلام و مريخها القائم عليه السلام و ساير الافلاك مع فلك المنازل و فلك البروج و فلك الرأس و فلك الذنب ساير الائمة عليهم السلام و ارضها فاطمة عليها السلام و كلهم من نور واحد و طينة واحدة و روح واحد و نفس واحدة مؤتلفة متشاكلة متحدة حادة متداخلة محيطة بجميع الكاينات و لهم سلام الله عليهم ظهور في مقام القطبية في عرض الرعية يظهرون بالحكومة و السلطنة يحضرون الموقف و يحكمون بين العباد فاياب الخلق اليهم و حسابهم عليهم كما يأتي .