فصل - اعلم ان الله سبحانه واحد احدي المعني كما بيناه مكررا و اول ما تجلي تجلي بصفة كينونته المشار اليها بقوله ماكذب الفؤاد ما رأي و ذلك التجلي اي صفة الكينونة هو اول ما خلق الله خلقه بنفسه و هو ما اشار اليه [ص 297] الصادق عليه السلام خلقت المشية بنفسها و هو الربوبية اذ مربوب و اما الكينونة فهي الربوبية اذ لا مربوب و اما الذات القديمة فهي المعراة عن الاسم و الرسم و هو اي ذلك التجلي جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه اذ به شئ الشئ فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و هو القلم الذي كتب الله به جميع ما كان و ما يكون التي هي الآيات البينات في صدر اللوح اي الكلية الالهية التي اوتيت العلم و هو النابت في جنان الصاقورة علي شفير بحر نون اي الدواة الاولي علي احد المعاني و انكشاف ذلك ميسور لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد اذ قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا انظر فيما تري من هذا العالم فانك تجد جميع الكثرات الجسمانية في جميع الامكنة و الاوقات منطوية تحت الجسم بحيث لايشذ عنها شاذ فلا شئ الا الجسم حين اذ ذاك جسم و اذا نظرت الي الكثرات و الآثار تجد اول موجود منها العرش منه بدئت الاجسام و اليه تعود بالكمال و هو اول ما خلق الله لا جسم فوقه و هو القلم الذي به كتب الله جميع العلوم الجسمانية في صدر اللوح المحفوظ الجسماني اي الكلية الالهية و هي الكرسي و هما اخوان في الله و بابان من ابواب الغيب و العرش هو ملك الكيفوفة في الاشياء و هو منفرد عن الكرسي لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البَدْع و منه الاشياء كلها لانه باء بسم الله الرحمن الرحيم و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف اي كيفية الخلق و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء و فيه تمثال كل شئ [ص 298] ثم دونه الكرسي و هو النفس الكلية الالهية و هو اللوح المحفوظ و خليفة العرش في عالم الظاهر و فيه العلم التفصيلي العيني علي نهج الكلية و ساير الافلاك و الارواح و القوي و المشاعر تفاصيله و امواج بحره و لهما مقامان في الوصل و الفصل فمقام العرش في الوصل هو كل الاجسام برمتها بموادها و صورها و حدودها فهو اطلس حينئذ عن جميع الكثرات و الحدود و يدرك اذا نظر الي الكل من حيث انه جسم ذو طول و عرض و عمق علي نهج الاجمال و الاطلاق و هو من باب الجسم التعليمي و هو غير الجسم اللابشرط المستوي عليه فانه جوهر قابل للابعاد و اما الكرسي في الوصل فهو الجسم الجامع للاطوال و العروض و الاعماق علي نهج التفصيل الجمعي العلمي و قد ظهر الجسم الاول في الفلك التاسع الاطلس و هو يحكيه و الثاني في الفلك الثامن المكوكب و هو يحكيه و هما في عالم الفصل فدون ذلك التجلي الاول مقام النفس الكلية الالهية التي منها خلقت الموجودات و مقام الباء و اللوح كما ان التجلي الاول مقام الالف و القلم و المشية و الارادة فهذه النفس هي اول صادر عن المشية و هي حقيقة العالم و هي المشار اليها في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام قوة لاهوتية و جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بُدئت و عنه وعت و اليه دلت و اشارت و عودتها اليه اذا كملت و شابهته و منها بُدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل سعيه و غوي و في الحديث الآخر هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال الله تعالي و نفخت فيه من روحي و قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية [ص 299] مرضية و العقل وسط الكل انتهي ، فهذه النفس هي حقيقة الكل من عرفها عرف ربه و هي اول صادر من التجلي الاول اي المشية و هي مبدء الوجود المقيد لا شئ فوقه و هي جوهرة لاهوتية لانها وصف الله جل شأنه و جوهرة بسيطة عن الكثرات التي دونها و ان كانت بالنسبة الي العقل مركبة حية بالذات لا بحيوة مستعارة اصلها العقل لانها ظله و شعاعه و نوره صدرت عنه كنور الشمس من الشمس و عودتها اليه من حيث الظهور لا من حيث الذات لانها نوره منها بُدئت الموجودات كما بُدئت هي من العقل فالموجودات ظلها و نورها و اليها تعود بالكمال من حيث الظهور لا الذات فهي ذات الله العليا لانها ذات الذوات مضافة الي الله اضافة تشريف و شجرة طوبي فان في دار كل موجود منه غصن نور و سدرة المنتهي لانها منتهي الموجودات و هي شجرة العلم علم الله سبحانه و جنة المأوي سقفها العرش و هي ارض الجنة لايسكنها احد من الخلق الا محمد و آل‌محمد عليهم السلام من عرفها لم‌يشق فانه عرف ربه و من جهلها ضل سعيه و غوي لانه جاهل بربه و مثالها في نحو المثال الاول البحر مجمع الماء و جميع الامواج شؤنه و اطواره و اغصانه و اوراقه منه بُدئت و اليه تعود و ليس كل موج ببحر كما انه ليس بماء مطلق و مع ذلك لا شئ سوي البحر في البحر فان الامواج كمال البحر و فعلياته و شؤنه كما انه لا شئ سوي الماء المطلق في الماء المطلق اذ البحر كماله و شأنه و فعليته و مرادي بالماء ما يعم الاجتماع و الافتراق فالاجتماع ايضا حرف من حروف الماء عظيم كما ان الامواج حروف له صغار فلايشتبهن عليك فتضل فتفطن ثم دون هذه الحقيقة الالهية الكلية الحقايق الجزئية و هي ظلها و نورها كاشعة الشمس من الشمس [ص 300] و تلك الحقائق هي النفوس الجزئية الناطقة القدسية المشار اليها في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية فراقها عند تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة و في حديث آخر ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية الخبر ، فهذه النفوس هي النفوس الانسانية و الخلق الثاني و هي لاهوتية فانها ما وصف الله نفسه لها بها بواسطة النفس الكلية فهي لاهوتية سفلي ثانية و النفس الكلية هي اللاهوت الاعلي بدء ايجادها عند الولادة الدنيوية يعني اذا تولد الولد الجسماني في الدنيا انطبع في هويته من النفس الكلية شعاع كما انه اذا وجدت مرآة في الارض انطبع فيها شبح من الشمس و قبلها لايكون فاذا ولد هنا المرآة وجدت هناك النفس و تتقوي كلما يتقوي الولد و تتشخص و تتميز باشتداد شيئا بعد شئ فهي في اول الامر ضعيفة جدا فانها علي حسب دعوته و مسئلته فكلما يتمحض في الدعاء تمحض الاجابة مقرها العلوم الحقيقية الدينية اذ هي ليست في البدن و لا من صوافيه لا من ارضه و لا من افلاكه و انما مقرها العلوم الدينية التي هي لها بمنزلة الصورة للمادة فكلما يحصل العلم و يزداد تحصل و تزداد موادها التأييدات العقلية النازلة اليها بواسطة النفس الكلية فعلها المعارف الربانية لان العقل القي في هويتها مثاله بواسطة النفس الكلية و اظهر عنها افعاله كما ان النفس الكلية اصلها العقل منه بدئت فراقها عند تحلل الآلات الجسمانية فانه ان انكسرت المرآة ذهب الشبح الي مقره في العلوم الدينية و قامت بصورها العلمية مستقلة و فراقها فراق تدبير بعد [ص 301] تحلل الآلات و الا فهي بنفسها كانت مفارقة لانها لا انبعاث لها من البدن و ليست من اجزائه فعودها رفع تدبيرها عن البدن لا شئ آخر و لاتمازج اخواتها لامتيازها بما كسبت من المعارف و العلوم فهي تختص بما لها مميزة عن غيرها كامتياز الملئكة بعضهم عن بعض بما لهم من الكمالات و المراد بالنفوس الملكية هنا نفوس الملئكة الكروبيين الذين هم وسائط بين النفس الكلية الالهية و النفوس الناطقة القدسية و برزخ بين المقامين و لذلك صارت اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و هو قول ابي‌عبدالله عليه السلام خلقنا الله من نور عظمته ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقا و بشرا نورانيين لم‌يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا و خلق ارواح شيعتنا من ابداننا و ابدانهم من طينة مخزونة مكنونة اسفل من ذلك الطينة و لم‌يجعل الله لاحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا الا الانبياء و المرسلين فلذلك صرنا نحن و هم الناس و ساير الناس همجا في النار و الي النار ، و لعلنا ذكرنا بعد ذلك سر قول مشايخنا اعلي الله مقامهم ان مؤمني الانس من شعاع الانبياء و ان ذلك كوني ام شرعي ثم بين النفوس القدسية و بين النفس الحيوانية الفلكية برزخ و هو النفوس الجنية فلهم نفوس اضعف من الناطقة الانسانية و اقوي من النفوس الحيوانية كما يأتي ان شاء الله تعالي ثم بعد مرتبة النفوس الناطقة النفس الحيوانية الفلكية و هي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدء ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف [ص 302] المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يبطل تركيبها و في حديث آخر انبعاثها من القلب الخبر ، فهذه النفس هي النفس المقارنة لاجسام الافلاك الممازجة لها لانها من الطبايع الجوهرية التي هي خلاصة الافلاك كما ان النفس النباتية خلاصة العناصر فاذا طرحت انوارها علي الطبايع العرضية قارنتها و كملتها و قوت ما فيها من جنس الحيوة المستجنة فيها فاخرجته من القوة الي الفعلية كما اذا القت النار حرارتها علي الدهن و قارنته و كملته و قوت ما فيه من جنس النار المستجنة فيه اخرجته من القوة الي الفعلية فاشتعل به و مقرها القلب و انبعاثها منه فان الدم الذي فيه بمنزلة الدهن فاذا قارنته الحرارة الفلكية بواسطة حيوة الام كلسته دخانا و هو قوله سبحانه ثم استوي الي السماء و هي دخان فاخرجت ما فيه من جنسها من القوة الي الفعل فاشتعل بنار الحيوة و هي الحرارة الغريزية الفلكية بدء ايجادها عند تمام البدن في الرحم و حصول الدم الصالح و اوعيتها و مجاريها و صلوح تولد المدد فمادتها تلك الحرارة المستجنة الخارجة بتكميل الافلاك و صورتها من ذلك الدخان فانبعاثها من القلب لاجل ذلك و تكتسب الاخلاق الطبيعية و تنهمك فيها بحيث يعسر عليها التخلف عنها و فعل هذه النفس الحيوة و الحركة الانبساطية و الانقباضية و الظلم و الغشم و الغلبة كفعل الطبايع بعضها في بعض من غير روية فاذا تحللت الآلات الجسمانية و جمد الدم و لم‌يتكلس انقطع مواد الدخان فبرد الدخان الموجود و تحلل فبطلت كسراج نفد دهنه فانطفأ فعادت الي ما منه بُدئت عود الماء الي البحر فامتزجت بما في الطبايع اي في غيبها من الفلكية بالقوة و الصلوح [ص 303] فتنعدم صورتها الخاصة التي كانت لها من الدخان و يبطل فعلها لبطلان ذاتها و وجودها و يبطل تركيبها الكائن من تلك المادة و الصورة فصارت بالقوة بلا تميز و تعين كما كانت اول مرة اذ لم‌يكن تمييزها الا من الدخان اذ لم‌تكن الا ما في قوة الدخان فاذا بطل الدخان لم‌تستقل بنفسها ثم دون ذلك النفس النباتية و هي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام قوة اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطائف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة و في حديث آخر انبعاثها من الكبد الخبر ، فهذه النفس هي صوافي الاغذية التي صارت في المعدة كيلوسا و ميزت المميزة بين طراطيرها و صوافيها و ارسلت صوافيها الي الكبد فصارت كيموسا و ميزت مميزتها بين طراطيرها و صوافيها و اخرجتها الي اوعيتها و بقي الجوهر الياقوتي فبَخَرَ فذلك البخار هو النفس النباتية مادتها من صوافي الاغذية اي ذلك البخار الناشئ عن ذلك الجوهر و صورتها علي حسب طبايع ذلك الجوهر و بدؤ ايجاد تلك النفس عند مسقط النطفة و جريان الدم اليها من كبد امها مصحوبا بذلك البخار فينتشر ذلك الدم فيها و يحيلها الي جنسه شيئا بعد شئ و تستكمل بعد خلقة الكبد فيها و هي اول ما يوجد فيها علي الاصح كما بيناه في ساير رسائلنا و فعل هذه النفس النمو و الزيادة لانها تتحرك بلطافتها الي الاعلي من كل جهة و تجذب بناريتها و تهضم بهوائيتها و تمسك بترابيتها و تدفع العرض بمائيتها فتزيد و تربو و تشايعها الغلائظ المطاوعة و سبب فراقها اختلاف المتولدات اي الاخلاط فاذا عادت عادت الي الطبايع [ص 304] اي العناصر و هذا البخار هو مركب النفس الحيوانية يفيدها الصورة لانها غيبه فالروح البخاري برمته نباتي لا حيواني و لا نفساني اصله من الكبد الا ان الحاصل في القلب الطفه و احسنه كما ان الصاعد الي الدماغ اكمله و اشرفه و الا فالكل من جنس البخار و صوافي الاغذية و نباتي الا انه يركبه اي يشتعل فيه الحرارة الجوهرية الفلكية في القلب فيصعد بذلك الي سمائه اي الدماغ فهنالك يشتعل فيه اشعة ساير الافلاك بتكميل ما فيه من جنسها و لم‌يقل عليه السلام ان الناطقة مقرها الدماغ و لا انبعاثها منه لان النفس الناطقة من الملكوت و ظل الكلية الالهية و انما تظهر بفعلها في الحيوانية و ليست تقترن بها و لاتتصور بصورها و النفس المقترنة بهذه المشاعر التي في الدماغ المسماة بالنفسانية ليست بالناطقة القدسية و انما هي النفس الناطقة الكونية الملكية و هي صالحة لان يشرق عليها العقل و الجهل فاشراق العقل عليها هي النفس القدسية و اشراق الجهل عليها هي الامارة فتلك الكونية ان طاوعت العقل صارت مادة متصورة بصورة العقل و صارت سماوية عليينية و ان طاوعت الجهل صارت مادة متصورة بصورة الجهل و ارضية سجينية و لاتصير سماوية الا بما فيها من الوجود و لا ارضية الا بما فيها من الماهية فاذا صارت ارضية صارت مركب النفس الامارة بالسوء لانها متصورة بالحيوانية المتصورة بالنباتية المتصورة بالطبايع و صورتها من الاسفل فلاجل ذلك تدعو الي تربية البدن و الظلم و الغشم و تتعلق بها الشياطين الطبيعية الساكنة في الكبد و الحيوانية الفلكية الساكنة في القلب و هي ممتثلة لامرهم منقادة لحكمهم و تتعلق بها شياطين الجن ايضا و هم اشدها تعلقا بها و هم ساكنون في عرصة الحس المشترك [ص 305] فيوسوسون لها المكر و الكيد و النكراء و الغل و الغش بفضل ما فيهم من المشاعر لانهم ظل النفس الامارة و هذه النفس اي الامارة بالسوء ايضا محلها العلوم الباطلة و العقايد الفاسدة و الشبهات المضلة و الاهواء المردية و اقترانها بما دونها اقتران مطاوعة و اكتساب صورة و الا فهي مقرها في الملكوت و ليست من مواد جسمانية فلكية او عنصرية و هي تصير اخت الناطقة القدسية اذا تعلمت من العقل و امتثلت اوامره فتصورت بصورها اي صور اوامر العقل فتكون مقرها حينئذ العلوم الحقيقية الدينية المفاضة عليها من العقل فتكون حينئذ اخت بنت العقل التي هي الناطقة القدسية كما قال سبحانه فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين فتستحيل مادتها و تتكمل بتكميل العقل و يشتعل فيها نوره لما فيها يكون مستجنا من جنس العقل فتكون مادتها حينئذ مستمدة بالعرض من تأييدات العقل كما كان مادة الحيوانية من تأييدات الافلاك و صورتها تكون صورة العلم الحق و العمل به فيكون فعلها حينئذ المعارف الربانية لان العقل القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و اما الناطقة القدسية فهي ظل الكلية الالهية و هي بنت العقل كما عرفت و لاتتصور بالصور الحيوانية و لايصدر عنها المآثم الا اللمم و هي من عليين كما ان النفس الامارة من باطن الصخرة و سجين و هي المقترنة بالحيوانية و هي ضد الناطقة القدسية كما ان الجهل ضد العقل و كلتاهما من عالم الملكوت فحري لمن عرف هذا التحقيق الانيق ان يجتنب خصال الشياطين و يكتسب العلوم الحقة و يعمل بها ليكون من الفايزين ثم دون هذه النفوس مقام غلائظ الطبايع و هي المسماة بالجماد و هي ميتة لا حراك لها الا بتلك الانفس فهي تتركب تركيبا علي حسب [ص 306] التقدير بايدي التدبير و فيها قوي منفعلة و هي الرطوبة و اليبوسة و قوي فاعلة و هي الحرارة و البرودة فاذا اجتمعتا بميزان الاعتدال اي نحو كان و عملت فيهما الحرارة و البرودة مزجتاهما مزجا فاما ان يبلغ بهما التدبير الي خروج صوافيهما فتكون نباتا او تكون اصفي فتتعلق بها الحرارة الفلكية او تكون الطف فتتعلق بها النفس فان امتثلت اوامر العقل تكن محل تعلق القدسية و ذلك ليس بتدبير الطبايع و انما هو فوقها بتأييدات الهية و ليس كل من طلب وجد .

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق كل شئ من هذه المراتب التي ذكرنا في مقامه و حده فلا شئ منها يصعد صاعدا عن حده و مقامه و لا شئ منها ينزل نازلا فمعني نزول الاشياء هو اشراقها في العالم الادني و اشراق العالي ابدا ثابت في الرتبة الدانية في محله و حده و لو كان العالي بنفسه ينزل لكان يخلو منه الرتبة العليا و كان يلزم تحول الشئ عن حده الذي به هو هو ثم لايكون الا الدنيا و يلزم الطفرة و المحال فالعالي ابدا في محله ثابت و نوره و شعاعه المسمي باسمه بل الذي هو اسمه في رتبة ادني منه و هو نزوله الي الادني بل لا نزول الا في التعبير فاذ لا نزول لا صعود فان الشئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لكن هذا بالنسبة الي كون الاشياء حاضرة عند الله سبحانه و اما اذا لاحظت الاشياء من حيث انفسها و نظرت الي مادتها التي فيها الفعليات بالقوة و الي صورها التي هي فعلياتها و نسبت بعضها الي بعض تجدها مترتبة يظهر منها شئ بعد شئ من قوة المادة الي فعلية الصورة و هذه الفعليات علي قسمين فاما هي فعليات طولية صعودية يظهر منها شئ بعد شئ فتظهر فعلية ثانية الطف من الفعلية الاولي فهي الفعليات الدهرية و اما هي فعليات عرضية متشاكلة [ص 307] بالنسبة الي العليا فيظهر منها شئ بعد شئ و هي الفعليات الزمانية و الشئ في فعلية موجودة فاقد لفعلية غيرها سابقة او لاحقة و مجمع فعليات الرتبة الدنيا هو كون الرتبة العليا و هي موجودة في العليا لا الدنيا و الدنيا هي رتبة لوح المادة لا غير و هي اذا كتبت عليها فعلية لايمكن كتب اخري عليها الا بعد محوها عنها و اما العليا فهي رتبة لوح الصور كل صورة منها مكتوبة في مقامها و حدها فالمادة الزمانية لاتتحمل فعلين متشاكلين الا بالترتب و اما المادة الدهرية فلسعتها تتحملهما و لكن لاتتحمل فعلين طوليين لضيقها عنهما و اما المادة السرمدية اي الوجود المطلق فتتحمل جميع الفعليات فهي لوح كتب عليه جميعها و هي تمثال الكل و من لم‌يحفظ المراتب يضل في المطالب ففي رتبة كل مادة يكون جميع فعلياتها بالقوة و لايظهر شئ منها الا بالكسر و الصوغ ابدا فاذا كسرت المادة المصورة بصورة و صيغت صيغة اخري الطف يظهر فيها و عليها الصعود فيقال صعد و لما كان الالطف اقرب الي المبدء من الاكثف علم ان الالطف اسبق وجودا من الاكثف و علم ان المادة المصاغة ثانيا بالالطف كانت سابقا وجودا في رتبة الالطف و قد كانت نزلت حتي صعدت الآن فعادت الي ما منه بدئت و لولا انها كانت اول في رتبة الالطف لماعادت اليها ثانيا البتة و لكن لم‌يكن تقدم الالطف علي الاكثف بمدة عرضية بل بمدة طولية رتبية و لم‌يكن الالطف ممضي قبل ان تصعد المادة اليها فان عالم الامضاء عالم الصعود بل كان مشاء فان الوجود مخلوق بالمشية و الظهور بالامضاء فكان الالطف في غيب المادة مبهما قبل الصعود لا تعين له و تعين بعد الامضاء اي بعد الصعود و هذا معني قولنا قوس الوجود و قوس الظهور و قل من يعرف ذلك فاعرف [ص 308] انت انه لو كان الالطف قبل الاكثف متعينا ممضي لكان ظاهرا لا موجودا و فعلا لا قوة و المشية مقام القوة و الامضاء مقام الفعل و هذا معني ما روي ان الجنة قاع صفصف فاكثروا فيها الغراس فالوجود قبل الظهور قاع صفصف لا تعين له لشئ دون شئ فاذا صعدت المادة تعين ذلك الوجود بالامضاء فاختص بها و بينهما مراتب الارادة و القدر و القضاء و لولا ذلك لكان لمن لم‌يعمل اعمال كثيرة و لمن لم‌يصعد درجات عديدة رفيعة و ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري سيجزيهم وصفهم و ماتجزون الا ما كنتم تعملون كما بدءكم تعودون اي كبدئكم عودكم و المشبه عين المشبه به فافهم ففي عالم المواد يكون هبوط و صعود فالهبوط كان بالاهمال و الصعود يكون بالتعيين الاتري ان المطر ينزل من السماء بلا تعيين و يصعد من الارض بالتعيين و النور ينزل بلا تعيين و ينعكس من المرايا بالتعيين و لا ظهور للنور قبل الانعكاس و يظهر عند الانعكاس فافهم فقد والله اسقيتك ماء غدقا فالبدء و العود للاشياء عند الاشياء لا عند الله سبحانه و قوله عليه السلام في النفس الكلية و هي التي مبدؤها من الله و اليه تعود فالمراد الاسم الظاهر فيها لا ذات الله سبحانه و لا كينونته و لا صفة كينونته فانه لم‌يبدء منه شئ حتي يعود اليه فعرصة المعاد عرصات درجات المواد و كل ذي مادة زمانية او دهرية له معاد البتة لان المادة دائمة الجريان من بطونها الي ظهورها الفعليات ابدا و لا بد لها في كل ظهور فعلية من كسر و صوغ و كلما تصاغ صيغة جديدة تكون الطف لان دعاء اقبال جذب الفاعل دائم و الامتثال ابدي فتترقي ابدا شيئا بعد شئ فتكون في رتبة عليا بعد ان كانت في رتبة دنيا و بذلك يثبت المعاد للاجسام ● كما يثبت للارواح [ص 309] بلا تفاوت فكل شئ دخل عرصة المواد من ابدان و ارواح لا بد و ان يكون لها معاد كما سيأتيك ان شاء الله فمعاد كل شئ الي مبدئه و لا نهاية لذلك و لا غاية .

فصل - اعلم ان الشئ الواحد القائم في شيئيته بمؤثره المشيء له لايعقل ان يكون من شيئين مستقلين قائمين بمشيئهما الا بحسب الظاهر و اما في الحقيقة فالشيئان شيئان قائمان بمؤثرهما لكل واحد ما له و علي كل واحد ما عليه و هما عبدان مسؤلان مثابان او معاقبان مكلفان علي حسب رتبتهما و مقامهما اجتمعا او افترقا لايزر احدهما وزر آخر و لايحمد احدهما علي عمل الآخر بالبداهة فانهما كزيد و عمرو عبدان مكلفان ماجوران او مازوران اجتمعا او افترقا فالشئ الواحد المركب من شيئين واحد ظاهري و اثنان حقيقي لكل واحد بدؤ و عود و يكون اجتماعهما بالعرض و سيفترقان عن وشيك و يكشف عن كون المركب من شيئين تقدم وجود الاجزاء في الخارج مدة مميزة معروفة و اما الواحد الحقيقي فلايعقل تقدم اجزائه عليه في الخارج بل وجدت معا اذا وجدت و وجود احدها شرط وجود الآخر في الخارج لايكون احدها بدون الآخر و ذلك كنور الشمس مثلا فانه شئ واحد لم‌يتألف من اجزاء سابقة خارجية موجودة قبله بالبداهة و انما هو شئ واحد اخترعه المخترع كما هو و له مادة مع ذلك و صورة و هما قائمتان بالشمس لاتفترقان فيما هما به هما الي غيرهما و للمجموع تكليف واحد و ثواب و عقاب واحد يجزي جميع اجزائه بجزاء واحد لان العمل الواحد صادر عنهما و احديهما شرط وجود الاخري لاتقوم احديهما الا بالاخري فجميع ما تراه قد تركب من جزئين مستقلين قبل التركيب في هذا العالم ليس بشئ واحد بل [ص 310] انما هو اشياء عديدة اقترنت بالعرض و ستفترق و يصير كل جزء منها مستقلا بما هو عليه كما كان اول كجماعة اجتمعوا في مسجد ثم تفرقوا و دخل كل واحد بيته بلا تفاوت فهذه الوحدة العرضية الاجتماعية بدؤها في عالم الزمان او البرزخ و عودها الي بدئها فاذا عادت الاجزاء عادت الي احيازها و هي الطبايع البسيطة المتشاكلة فعادت عود ممازجة كما كانت اول مرة لا عود مجاورة فالجمادات كما تري مؤلفة من العناصر و ستتفكك و يرجع نارها الي كرتها و كذا هواؤها و ماؤها و ترابها و تصير مستقلة كما كانت و تسئل عن صلوتها و تسبيحها اذ كل قد علم صلوته و تسبيحه و ان من شئ الا يسبح بحمده و كذا النباتات فانها من صوافي هذه الطبايع ليست بشئ غيرها قد التأمت من نار و هواء و ماء و تراب صافية فاذا تفرقت رجع كل واحد الي معبده يعبد الله سبحانه كما كان يعبد و انما سخرت اياما بتسخير المسخر ثم اطلق عنها و رجعت الي مواطنها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و ما تري من صدور عمل واحد من مركب فانما هو كاجتماع قوم علي انقاذ غريق او صيد في الحرم و يجزي كل رجل رجل منهم بعمله بالاستقلال و ان كان الجزاء متشاكلا لتشاكل الاعمال و ليس من باب انهم شخص واحد بالضرورة و كذا الحيوان فانه حيوته التي بها الحيوان حيوان من حرارة غريزية و اجزاء جوهرية الا انها فلكية و الافلاك كما تري اجزاء متعددة غاية الامر انها متشاكلة كاجزاء البحر او سيال غيره كخل و خل فهي ايضا مركبة من اجزاء مستقلة ممتازة فاذا اطلق عن تلك الاجزاء عادت الي مبدئها عود ممازجة كالطبيعيات السفلية بلا تفاوت الا انها الطف و اشد تشاكلا لانها صوافي الصوافي و لعلك تنبهت مما بينا ان نفس الطبايع [ص 311] و الافلاك ايضا كذلك فانها جميعها ملتئمة من اجزاء الا انها كلما تصعد تكون اشد تشاكلا و كلما تتنزل تكون اكثر اختلافا و كل ذرة ذرة منها عبد مستقل مكلف مجزي اجتمعت او افترقت و الصورة الاجتماعية لها صورة عرضية و لاجل ذلك تتبدل كما قال سبحانه يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات و تتفكك كما قال و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و قال اذا رجت الارض رجا و بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا و يقول اذا السماء فرجت و كشطت و انشقت و انفطرت و امثال ذلك من الآيات الباهرات الكاشفات عن حقيقة الامر باوضح بيان فهذه المركبات العرضية الاجتماعية التي مبدؤ اجتماعها في عالم الاعراض يكون تفرقها ايضا في عالم الاعراض و ليس اجتماعها شيئا نازلا من عالم اعلي حتي يعود اليه و انما هذا الاجتماع عرض و صفة للمجتمعين تحت رتبتهم فالحيوانات و النباتات و الجمادات و بسايطها كلها تعود اذا عادت عود ممازجة لا مجاورة كما عرفت و اما الانسان اي النفس الناطقة الملكوتية فهي واحدة حقيقة قائمة بوحدتها بمؤثرها لم‌تتألف من اجزاء متقدمة عليها مستقلة و انما هي نور منير و قدرة قدير ظهور النفس الكلية الالهية و ظلها و شعاعها تليق بان تجزي بجزاء واحد و تعمل عملا واحدا و تخاطب بخطاب واحد اذ هي آية الله الواحد و صفته و عنوانه او عكس ذلك اذا كانت امارة فتلك اذا عادت اي بطلت المرايا الحاكية لها في عالم الاعراض و لحقت اجزاؤها بمراكزها و عادت بالامضاء و تعينت بعد الابهام في الوجود و تميزت عادت عود مجاورة و امتياز لا ممازجة و ابهام فانها قد خرجت بالذات عن حد المشية و الارادة و القدر و القضاء الي حد الامضاء و عن حد القوة الي حد الفعلية [ص 312] و كتبت مميزة فلاتمحي صورتها و لاتبطل و اما الحيوانية و ان ميزت و امضيت متعينة و تصورت الا انها كانت من اشياء عديدة و تعلق بها الامضاء من باب الحكم الوضعي لا الاقتضائي الحتمي كالناطقة و كذا النباتية و الجمادات فالناطقة بعد ما خرجت من حد القدر الي حد الامضاء و كتبت في اللوح لاتمحي ابدا و هي وجه الله الذي لا فناء له قال تعالي كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و كل شئ هالك الا وجهه و انك لاتكاد تدرك حقيقة مرادي حتي تطلع علي جميع ما اذكره في هذا المقام فلاتبت علي المرام حتي تقف علي جميع الكلام و ميزان فهمك المراد ان يطابق فهمك جميع ما عليه عامة المسلمين فانه الميزان القويم فان خالفه لم‌تفهم ما اقول و الله علي ما اقول كفيل ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون فاذا صار حكم الناطقة علي ما ذكرت فالكلية الالهية علي طريق اولي من الاستقلال و التوحد و التفرد و عودها الي العقل لا انها تصير عقلا و تتحد به بل بمعني انها تسير سيرا الي جانب العقل و يمضي فيها ما شئ فيها علي نحو الاتحاد فانها الفعلية الكلية المحضة الممضاة بل ممضاة الكل لاتزيد و لاتنقص و جف القلم الممضي فيها فلم‌ينطق بعد الا انها لاتزيد و لاتنقص عرضا و لكن يجري اليها الامداد الطولية اللانهاية الشئ بعد الشئ و الامر بعد الامر فهي عالمة بما كان و ما يكون و متعلمة ما علمت ابدا و لو لم‌تعلم طرفة عين لم‌تعلم ما كان و ما يكون فهي قائلة رب زدني علما و رب زدني فيك تحيرا فلاتحيط بشئ من علمه الا بما شاء فافهم ان كنت تفهم و اما العقل فهو وسط الكل عليه يدور الرحي و معاد الكل اليه كما كان بدؤ الكل منه و هو [ص 313] في نفسه معاده في بدئه و بدؤه في معاده فهو نفس الامضاء لايترقب شيئا و هو علة الموجودات يمضي ما يمضي بفضل امضائه و الكل آية امضائه و ليس فوق ما ذكرت لك بيان و الحمد لله الواهب المنان .

فصل - اعلم ان هذا العالم بسمواته و ارضيه هو عالم البرزخ و هو بعينه عالم الآخرة و هو بعينه عالم السرمد فهذه السماوات هي سماوات الدنيا و البرزخ و الآخرة و السرمد و هذه الارضون هي ارضوا البرزخ و الآخرة و السرمد بعينها و جمادها و نباتها و حيوانها و انسانها ايضا كذلك لما قامت الضرورة علي ان المعاد هذه الاجسام و ان هذه الارض هي ارض المحشر و هذه السماء هي سماؤه و قد شهد العقل المستنير بذلك كما سيأتي فهذه الاجسام هي اجسام الدنيا و البرزخ و الآخرة و هي السرمد الا ان الدنيا اسم لقراناتها العرضية و البرزخ اسم لقراناتها البرزخية و الآخرة اسم لحقايقها الاخروية و السرمد اسم لكينونتها الامرية و امثل لك مثلا لتقريب الذهن في قميص تلبسه انه قميص في هيئته المفصلة المخيْطة و هو خام منسوج في مادته الخامية و الشخصية و قطن في حقيقته النوعية و انت لابس للقميص حقا و للخام حقا و للقطن حقا و ليس عليك شئ غير القميص و لا شئ غير الخام و لا شئ غير القطن فمن ذلك تبصر امرك و اعتبر فهذا الموجود الخارجي هو الدنيا و هو البرزخ و هو الآخرة و هو السرمد الا ان الدنيا يقع علي صورته و البرزخ علي مثاله و الآخرة علي حقيقته و السرمد علي امريته فالدنيا اسم لصورة القرانات العرضية التي منها بدئت و اليها تعود فاذا عاد كل شئ الي جوهره فني الدنيا و خربت و محيت و صحا البرزخ كماءٍ ضربت بعضه ببعض حتي رغا و ازبد و حجب ما وراءه [ص 314] ثم تركته حتي صفا و صار حاكيا لما وراءه و فنيت الرغوة و الزبد و لم‌يكن في الكأس اولا و آخرا غير هذا الماء بعينه فالبرزخ اسم لذلك الماء الصافي و في البرزخ ايضا قرانات برزخية فانه ايضا فيه طلوع و غروب و بكرة و عشي الا انه الطف من الدنيا بسبعين مرة فاذا سكن تلك الامواج و عاد كل شئ منها الي جوهره و سكن البحر و استقر صحا عن الآخرة فيكون السماء سماء صافية و الارض ارضا صافية و هو قوله سبحانه يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات فتلك الارض غير هذه الارض باعتبار الصفاء و الكدورة و هي هي باعتبار الحقيقة و كذلك السماوات و مثلهما المولدات فيرجع ما كان فيها من الاجزاء العرضية الي اصولها و يبقي اجسامهم الصافية القائمة بوحدتها بمؤثرها الممضاة بامضائه و قد فنيت اعراضها الصورية و المثالية و ردت الي اصولها فاذا صفت الارض و السماء صارت ارضَ القيمة و سماءَها و قامت الناس لرب العالمين باجسامهم الطويلة العريضة العميقة مركبة من عشر قبضات تسع من افلاكها و واحدة من ارضها الا ان السماوات و الارض لكثرة صفائهما متشاكلة مقترنة واحدة في المنظر متعددة في المخبر و كذلك اجسام الاناسي المخلوقة منها لانها حينئذ بوحدتها قائمة بمؤثرها يجري علي كل جزء ما يجري علي كل جزء و يصدر عن كل جزء ما يصدر عن كل جزء فبذلك تتركب الاجزاء تركب خلود و وحدة و يكون كل جزء شرط وجود كل جزء في الخارج فتكون الارض قابلية السماء و صورتها و السماء مقبولة الارض و مادتها لايقوم واحدة منها بدون الاخري فتكون حقيقتها الكلية الالهية الجوهرة البسيطة الحية بالذات و هي شجرة اصلها تلك الحقيقة و اغصانها البسائط و اوراقها النفوس [ص 315] فهذه الشجرة من حيث السماء شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و المؤمنون الغالب عليهم جهة السماء اوراقها و في دار هوية كل واحد غصن منها و من حيث الارض شجرة تخرج في اصل الجحيم طلعها كأنه رؤس الشياطين اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و الكفار الغالب عليهم جهة الارض اوراقها و في درك هاوية هوية كل واحد منهم منها غصن و انهم لآكلون منها فمالئون منها البطون فالمؤمنون نفوس ناطقة قدسية لاهوتية و الكفار نفوس امارة بالسوء ذات هوية فالارض الطائعة الطيبة ارض عليين و ارض الجنة و السماء المشرفة عليها سماؤها و الارض العاصية الخبيثة ارض سجين و ارض جهنم و السماء المظلة عليها سماؤها الا ان ارض الجنة لمطاوعتها السماء سماوية مستحيلة الي السماء فكلها تسمي بالسماء و سماء جهنم لمطاوعتها الارض ارضية مستحيلة الي الارض فكلها تسمي بالارض فالجنة في السماء و جهنم في الارض و ليس في السماء خبث و ليس في الارض طيب و كذا ليس في كلية الآخرة الالهية خبث لانها مطيعة لله سبحانه معصومة مطهرة و الظلمة عنده ضياء و انما الخبث و الطيب في ساير النفوس الجزئية فافهم ● ان كنت تفهم و الا فَاَسْلِم تَسْلم فهي باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و هي الباب المبتلي به [ص 316] الناس من اتاه فقد نجا و من لم‌يأته فقد هلك و هي رحمة الله علي الابرار و نقمتُه علي الفجار بالجملة دار الآخرة دار مكنوسة الاعراض مرفوعة الامراض ارضها مشاكلة لسمائها و سماؤها مشاكلة لارضها و حيز كلتيهما واحد و هي مع ذلك من حيث العرض صورة عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و هي فعلية خالصة و امضاء محض و اما من حيث الطول فلها صعود و ترق الي ما شاء الله و هي مع ذلك جسم بحقيقة الجسمانية سماؤها صافية هذه السماء و ارضها صافية هذه الارض لها طول و عرض و عمق الا انها من غاية الصفاء وحدانية كالاكاسير يفعل ارواحها ما يفعل اجسادها و اجسادها ما يفعل ارواحها و بعضها ما يفعل كلها و يجري علي كل جزء جزء منها طولي او عرضي ما يجري علي الجزء الآخر فهي بكلها ثابتة ذائبة غائصة نافذة صابغة و ليس هذا الاتحاد في الاكسير مانعا من جسمانيته و طوله و عرضه و عمقه فكيف يمنع في الاكسير الاعظم بالتقدير الاقدم و التدبير الاقوم و هذه الوحدانية هي سبب خلوده و دوامه و عدم تفكك اجزائه ابدا و من اراد فهم حقيقة هذه المطالب فليراجع كتابنا مرآة الحكمة و ما لم‌يراجعه لايكاد يفهم حقيقتها ابدا بالجملة قد تبين بابين من الامس و اوضح من الشمس ان المعاد جسماني و هذا الجسم في الدنيا هو الجسم في الآخرة بل اقول هذه السماء هي سماء الآخرة و هذه الارض هي ارض الآخرة و هذه المواليد هي مواليد الآخرة في الجنة و النار فمن جمادها حصي الجنان كاللؤلؤ و المرجان و منه حجارة النيران كالكبريت و من نباتها نبات الجنان و منه نبات النيران كما هو ظاهر و من حيوانها دواب الجنة و طيورها و منه حشرات جهنم و كلابها و موذياتها و من اناسيها سكنة الجنان و منهم سكنة النيران بل من براريها رياض الجنة [ص 317] كواد السلام و الحاير و منها اودية جهنم كبرهوت و حضرموت و عيون‌بقر و كذا جميع ما في هذه الدنيا هي ما في الآخرة الا ان الآخرة اذا لحقها الاعراض بدت الدنيا و خفي الاخري و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و انما كررت العبارة و رددت الاشارة لتفوز مع الفائزين .

فصل - اعلم انه قد يعبر عن الجسم الاخروي بالاجزاء الاصلية و انها في هذه الاعراض كسحالة الذهب في تراب دكان الصائغ فيحار في ذلك افهام المستمعين و يحسبون ان المثال مطابق من كل وجه و ليس كذلك فان الذهب من جنس التراب و هو ايضا عرضي و قد يمثل بالزجاج في الحجر و البلور في الزجاج و الماس في البلور و جميع ذلك امثال تقريبية لتقريب الاذهان فان هذه الصوافي و الاعراض كلها من دار الاعراض و لاتطابق الواقع حقيقة بل لا مثال له حقيقة في هذه الدنيا فنبين ذلك بالشرح و الترديد لعلك تفهم حقيقة الامر فنقول اعلم ان كل اثر قائم بمؤثره بمادته و صورته قيام صدور اخترعه لا من شئ و ابتدعه لا لشئ و لا علي احتذاء شئ فلايحتاج فيما هو به هو الي غير مؤثره و هو كما عرفت شئ واحد وحداني و ان كان مركبا من مادة و صورة يعني انه لم‌يلتئم وجوده من شيئين مستقلين قائمين بمؤثرهما علي انفرادهما قبل التركيب كما عرفت لان ما هو كذلك تركيبه عرضي و وحدته وحدة اجتماعية لا ذاتية و هما اثران مستقلان اجتمعا بالعرض و سيفترقان و يعودان الي بدئهما يسئل كل واحد منهما عن تكليفه و يجزي بعمله فالاثر الواحد اجزائه غير مستقلة لا قوام لواحد منها بدون الآخر فالعبد [ص 318] المعاد المحشور المجزي شخص واحد و اثر واحد كما بُدئ اول مرة لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و هو في وحدته له مراتب بها تمامه و بها هو هو فلو فرض نقص مرتبة من مراتبه لم‌يكن هو هو كالعشرة مثلا فانه لو نقص عنها واحد كانت تسعة لا عشرة فللشخص التام الواحد غيب و شهادة و لكل واحد منهما اربع مراتب فمراتب غيبه فؤاده و عقله و روحه و نفسه و مراتب شهادته طبعه و مادته و مثاله و جسمه و جميع هذه المراتب لها مادة و صورة و غيبه جهته الي ربه و شهادته جهته الي نفسه و شهادته هويته و غيبه المثال الملقي فيها و بجميع هذه المراتب يتم وجود الشخص الواحد لا قوام لواحدة منها بدون الاخري ابدا و ليست متقدمة عليه قبل التركيب فكل واحدة منها بعض الشئ اي بعض الاثر الواحد المستقل فذلك الجسم الذي هو اسفل مراتب الشئ هو جسمه الاصلي الذي به بُدئ و به يعود و يجزي بنعيم ابدي او عذاب سرمدي و قد عرض الانسان في نزوله الي دار الاعراض اعراض ليست منه و لا اليه و هي اشياء مستقلة قائمة بمؤثرها مسؤلة عن عملها و لها مرتبتان زمانية و برزخية اما الزمانية فهي الاجزاء التي تأتي و تذهب و الانسان في جميع حالاته هو هو لايزيد بمجيئها و لاينقص بذهابها الاتري ان الانسان يَسْمَن فيكون عشرين منا ثم يَهْزِل فيكون خمسة‌عشر منا و هو في كلا الحالين هو لم‌يتفاوت تكليفه بما كان مكلفا به و هو هو رضيعا و فطيما و صبيا و شابا و كهلا و هَرِماً و لايكاد يشك عاقل بزيادة اجزاء و نقصانها في تلك الحالات و اتحاد التكليف و ثبوت المحمدة و اللوم عليه في كلها علي شرع واحد فهذه الاعراض اعراض زمانية قد لحقته حينما نزل الي هذه الدار دار الاقترانات [ص 319] العرضية و هذه الاعراض تلتئم كاملة الاجزاء تامة الاعضاء و تربو بوصول الامداد العرضية و تنقص بنقصانها و لها قوي عرضية من جاذبة و هاضمة و دافعة و ماسكة و مربية و زيادة و نقصان و حواس و رضا و غضب و لاتفعل تلك القوي العرضية فعلا الا في مثلها و لاتحد الا نفسها و لاتشير الا الي نظائرها فتبين للحكيم باوضح من الشمس سخافة شبهة الآكل و المأكول و الحمد لله و اما البرزخية فهي الاجزاء الهورقلياوية و المثالية التي تأتي و تذهب و تلحق بالمثال و الجسد الهورقلياوي و هي ايضا علي طبق ما سمعت ليست من الانسان و لا الي الانسان و انما هي آثار مستقلة برزخية قد لحقت بروح الانسان الفلكي و جسده العنصري الاخروي و لاتزعمن من قشور كلمات مشايخنا ان الجسد الاصلي هو الجسد الهورقلياوي فان الجسد الهورقلياوي له اعراض برزخية و قولهم انه الجسد الاصلي كقولهم ان الجسد المعاد هو هذا الجسد المحسوس و لايعنون بذلك ما فيه من الاعراض و كذلك يقولون ان الجسد الاصلي هو الجسد الهورقلياوي و لايعنون به الاعراض اللاحقة به و لو كان هو الجسد الاصلي لماكان يتفكك فانه خلق للبقاء و انما يتفكك من جهة ما فيه من الاعراض و يكسر ليطهر و يصاغ صيغة لاتقبل الفناء فلاجل ذلك يتفكك فيما بين النفختين ليطهر و لا تطهير الا بالحل و لا حل الا بنقض الصورة و لاينقض الا بالموت فيموت الانسان في الدنيا بالنفخ الدنياوي ليعود جسده الي الطبايع و يعود كل عرض فيه الي شكله و يموت في البرزخ بالنفخ البرزخي ليعود جسده الي الطبايع البرزخية فيعود كل عرض فيه الي شكله فاذا عاد كل عرض فيه دنياوي او برزخي الي جوهره و شكله بقي خالصا عن [ص 320] شوائب غير ما هو منه فامطر الله علي الارض مطرا له رايحة النطفة حتي يكون وجه الارض بحرا واحدا فيتموج حتي يجتمع كل جزء طاهر من بدن الي شكله الطاهر فيتركب معه تركيبا لا تفكك له ابدا و ذلك المطر من بحر الصاد الذي هو تحت العرش و منه يقطر النطف علي شجرة المزن و تقطر منها علي نبات الارض و يحصل منه نطفة كل مولود فكما كان بدؤ الانسان في الدنيا من تلك النطفة يكون بدؤه في الاخري ايضا من تلك النطفة الله خلق كل دابة من ماء و ينماث في تلك النطفة الاجزاء الترابية التي في غيب ارض الطبايع فيخلق منها الابدان فاذا تم البدن تعلق به روحه الحيواني بعد روحه النباتي ثم تعلق به نفسه الانسانية حين خروجه من قبره فيقوم من قبره و ينفض التراب من رأسه و يقوم من عند رأس القبر مما يلي ارض المحشر و هذا هو المشار اليه في الخبر عن الصادق عليه السلام ان الروح مقيمة في مكانها روح المحسنين في ضياء و فسحة و روح المسيء في ضيق و ظلمة و البدن يصير ترابا منه خلق و ما تقذف به السباع و الهوام من اجوافها فما اكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض و يعلم عدد الاشياء و وزنها و ان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فان كان حين البعث مطرت الارض فتربو الارض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء و الزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينتقل باذن الله الي حيث الروح فتعود الصور باذن المصور كهيئتها و تلج الروح فيها فاذا قد استوي لاينكر من نفسه شيئا فتدبر في الخبر بقي شئ و هو ان الاعراض المثالية هل تمازج الاجزاء [ص 321] الاصلية الاخروية بظواهرها كتمازج النحاس بالذهب او تمازجها بآثارها اللاحقة بها نازلة بل لايعقل تمازجها بظواهرها لعدم اتحاد الصقع و انما تمازجها بآثارها النازلة اليها فان الاجزاء الاصلية قد القت في الاعراض مثالها لكي تظهر عنها افعالها فهي تمازج تلك الآثار و للاعراض ايضا آثار صاعدة الي الاجزاء الاصلية تمازجها و تتخللها و بذلك تعظم ابدان الاناسي يوم القيمة حتي انها تعظم انياب المتكبر حتي انها كجبل احد و بذلك يعظم عذابهم لتخلل المنافي بين اجزاء كينونتهم فانها مكتسبة من نفس الاعراض اما المؤمنون فلايتخللهم المنافي لان ما لحقهم من آثار الطاعات العرضية هي منهم بدئت و اليهم تعود فلاتنافي فلاتعذب لهم من عظمة ابدانهم فهم متشاكلوا الاجزاء عظيموا الابدان ● فافهم ان كنت تفهم فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و امعن الفكر فيما ذكرنا سابقا و هنا ان الاجزاء الاصلية في هذا البدن المحسوس الملموس موجودة لا كوجود الماء في الكوز و لا كالذهب في التراب و لا كالماس في الحجر فانها متداخلة بتداخل مشاكل في مشاكل و مصاقع في مصاقع و الاجزاء الاصلية اصفي من الروح الذي في البدن اربعة‌آلاف مرة نعم هذه الامثلة تطابق الروح الساري في البدن في جميع اجزائه و هو آية دخول الاجزاء الاصلية في هذا البدن اذ هي لبه و حقيقته الاخروية و خالصته من شوب الاعراض و اصله فهذا البدن الاصلي الذي في الدنيا هو البدن الاصلي الذي في البرزخ و البدن الاصلي الذي في الآخرة و قد ظهر في الدنيا [ص 322] علي ما يقتضيه اعراض الدنيا و يحتاج اليه في المآرب الدنياوية من الآلات و الادوات و يظهر في البرزخ علي حسب ما يقتضيه اعراضه فيه و في الآخرة علي حسب ما يقتضيه فيها بصرافته فان الزايد و الناقص في صنع الحكيم القادر محال الاتري ان الانسان في الدنيا اذا كان و لم‌يكن له حاجة الي التنقل كان الرجل له لغوا و اذا كان و لم‌يكن له مدفوع كان المدفع له لغوا و اذا كان يبصر بكل جسده كان العين الخاصة له لغوا او كان يسمع بكله كان ثقبة الاذن في رأسه لغوا و علي هذه فقس ما سواها و الانسان الوحداني المركب بتركيب الخلود المتشاكل الاجزاء يفعل بكل جزء منه ما يفعل بكل جزء لوجود التشاكل الباعث للخلود في جميع اجزائه فيري و يسمع و يشم و يذوق و يلمس و يتفكر و يتخيل و يتوهم و يعلم و يعقل كل ذلك بكله بلا تفاوت و هيئته علي هيئة الايمان او الكفر و يتفاوت كمهم و كيفهم و رتبتهم و جهتهم و مكانهم و وقتهم و وضعهم و تقاديرهم علي حسب ايمانهم و كفرهم و هما الطينة التي صوروا فيها و الاجابة لدعوة الداعي فان الله سبحانه خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته صبغة الله و من احسن من الله صبغة و خلق الكافر من الظلمة و صبغه في نقمته فامه هاوية و ما ادريك ما هيه نار حامية و لآمرنهم فليغيرن خلق الله و يشير الي ذلك التشاكل و التماثل ما روي انه سئل عن الميت هل يبلي جسده قال نعم حتي لايبقي لحم و لا عظم الا طينته التي خلق منها فانها لاتبلي في القبر مستديرة حتي يخلق منها كما خلق اول مرة انتهي ، و المراد بالاستدارة ما اشرنا اليه من تشاكل الاجزاء و زوال الاعراض و تصوره بصورة يقتضيها عالمه فتدبر و اما ما روي في قطعة بقرة بني‌اسرائيل [ص 323] فاخذوا قطعة و هي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم و عليه يركب اذا اريد خلقا جديدا فضربوه بها فالذي افهم من هذا الخبر انه ليس المراد به الاجزاء الاصلية الباقية بل المراد ان بناء بدن الانسان كالسفينة فكما ان السفينة تبني علي عمود و تنصب عليه اضلاعها ثم يسد بينها بالالواح و المسامير كذلك بدن الانسان علي عمود فقرات ظهره و ركب عليها الاضلاع و سدت خللها بالاغشية و الرباطات و الاعصاب و اللحم و الجلد و عجب الذنب منتهي الفقرات و اصلها و يشير الي ذلك قوله عليه السلام عليه يركب اذا اريد خلق جديد يعني اول ما ينشأ يبتدأ في انشائه بعجب الذنب لانه اصل عمود الجسد الذي هو الفقرات و عليه يركب باقي الاعضاء فقد اصاب الخطاء من زعم ان عجب الذنب يبقي في القبر و لايبلي و لا دخل له في الاجزاء الاصلية فتدبر .

الموقف الثاني - في بعض مسائل البرزخ و كليات اموره و فيه فصول :

فصل - اعلم ان هذا البدن المحسوس مركب من الكيان الثلثة و الكيفيات الاربع و فيه قوة نامية و نفس نباتية حقيقتها من صوافي الاغذية الواردة عليه فهي فرع ورود الاغذية و صلاح الآلات و القوي المصفية لها و قوة فلكية و نفس حيوانية حقيقتها من الطبايع الجوهرية الفلكية و حرارة غريزية اشتعلت في دهن الروح البخاري الذي هو النفس النباتية لان البخار من صوافي الدم الذي هو من صوافي الاغذية و ان كانت النباتية اول ظهورها في الدم المتولد في الكبد لتجسم نفسها و الحيوانية تظهر عليه بعد ما بخر في القلب الا ان الحيوانية حرارة فلكية في غيب النباتية مقارنة لها مشتعلة فيها [ص 324] اشتعال النار في الدخان و ذلك ان العناصر السفلية بالبخر لاتخرج عن حدها و الفلك بالنسبة الي العناصر غيب و ملكوت و ان كان جسمانيا كما روي في الروح هو الذي في الدواب و الناس و هو من الملكوت و الذي في الدواب فلكي بالبداهة و سماه ملكوتيا فالروح الحيواني من صوافي الافلاك و كلها صافية اللهم الا ان لها عرضا رقيقا جدا جدا لايُعْبَأُ به كما ان الروح النباتي من صوافي العناصر فهو اي الروح الحيواني ايضا جسماني من صوافي صوافي العناصر و ملكوتها و محله القلب في الروح البخاري و يسري في كل البدن و جعل القمر فيهن نورا فاذا تحللت الآلات و الاسباب و الامداد لم‌يصل المدد الي ذلك البخار فانحلّ في الهواء و بَرُد فذهبت الحرارة المشتعلة فيه الي حيزها و ذهب الروح البخاري الي عناصره و تفرق البدن لفساد الحرارة الحيوانية و النباتية الجامعة لاجزائه الحافظة لها الدافعة عنها ففسد و استحال الي العناصر ثانيا كما بُدئ منها اول مرة فانقطع الروح الانساني الذي كان راكبا علي ذلك الروح الحيواني عن البدن لفساد المظهر و ليس انقطاعه لانه من صوافي الجماد او النبات او الحيوان بل لاجل انكسار المرآة التي كانت تحكي ظهوره و كان قد القي فيها مثاله و اظهر عنها افعاله و هذا هو معني موت الانسان و موت ساير الحيوانات بل النباتات و لاينافي ذلك كونه ايضا من اختلاف النجوم عليه فان الله سبحانه اذا اراد اجراء امر اوحي الي روح القدس فالقي الي النجوم فاجرته في السفليات و لا شك ان جميع ما يحدث في السفليات من كون او فساد فانما هو بالاسباب الفلكية و آثارها علي حسب ما ادارها الله سبحانه بالملئكة الموكلين بها فيسرع بها متي شاء و يبطئ بها متي شاء و يقدم [ص 325] منها ما يشاء و يؤخر منها ما يشاء و انما هي لله سبحانه كاليد للكاتب و لاتصغ الي اقوال المتقشفة الذين يَتَحَشَّوْن من تأثير الشمس و لايَتَحَشَّوْن من تأثير الفلفل و تسخينه فانهم لايعلمون و نحن لانؤمن بالنجوم و لانشرك بربنا شيئا كما لانؤمن بالفلفل و لانشركه بربنا تعالي قدره و نقول يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء فبذلك يموت الانسان و يفسد المكون و الله يتوفي الانفس حين موتها بملك الموت باعوانه و ليس الموت من شدة تجوهر النفس و انقطاعها عن الجسد كما زعمه قوم فان المؤمن الكامل يبقي و المستضعف يموت و نفس الكامل اشد تجوهرا من نفس المستضعف بالبداهة تدبر في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام كيف شرح كيفية الفراق في النفس الناطقة و قال فراقها عند تحلل الآلات الجسمانية و في النفس الفلكية سبب فراقها اختلاف المتولدات و كذا في النفس النباتية قال سبب فراقها اختلاف المتولدات كيف بين ان الجسم آلة للناطقة و قال فراقها عند تحلل الآلات و لم‌يقل سبب فراقها لانها لم‌تتولد من الجسم و اما في الفلكية و النباتية قال سبب فراقها اختلاف المتولدات لانهما منها و اليها و لم‌يقل ان فراق الناطقة لشدة تجوهرها فافهم و تدبر و هنا مسئلة صعبة و هي ان الناطقة ان لم‌تكن متولدة من الطبايع البدنية فاي اختصاص لكل نفس ببدنه و لم لم‌تظهر نفس زيد في بدن عمرو و لم لاتظهر عن غير بدنها افعالها و اي تعلق لها به و هذه المسئلة بتفصيلها تليق بالمفصلات و لكن نشير هنا ببعض الاشارات و لا قوة الا بالله ، اعلم ان النفس الكلية الالهية الكونية التي هي حقيقة هذا العالم و ذاته سارية في كله داخلة فيه لا كدخول جسم في جسم و خارجة [ص 326] عنه لا كخروج جسم عن جسم بل هي في جميع امكنته و لاتحويها و في جميع حدوده و لاتحدها و ليس لها في نفسها ايضا تحصص و لا تحديد فاذا قبضت يد التقدير اجزاء من هذه العناصر و ادارت عليها الافلاك و طرحت عليها شعلاتها و نعمتها و لطفتها جعلتها نباتا ناميا و تحصصت نفسه النباتية بصورة تلك الاجزاء لانها صوافيها فتكون علي حسبها و هي جسمانية مثلها ثم اذا ادارتها عليها دورة اخري و طرحت عليها شعلاتها نعمتها تنعيما آخر و لطفتها تلطيفا آخر جعلتها حيوانا و ذلك بتقوية ما فيها من الفلكية الكامنة و ذلك ان جميع هذه الافلاك و العناصر كلها من الجسم و فيه صلوح الكل و يجوز استحالة الكل الي الكل ففي الارض فلكية كامنة و في الافلاك ارضية و ذلك قول الفلاسفة ماء من طبيعتين و ارض من جسدين فالارض تأتلف بالفلك لما فيها من الفلكية و الفلك يأتلف بالارض لما فيه من الارضية و لولا ذلك لماائتلفا ابدا كما ان الروح لو لم‌يكن فيه جسدانية لمامازج الجسد و الجسد لو لم‌يكن فيه روحانية لمامازج الروح فاذا دار الفلك علي الارض كمل ما فيها من الفلكية و اخرجه من القوة الي الفعلية و طاوعه الاجزاء الصالحة الناعمة المتناسبة فصارت حيوانا لما يظهر عليها من الحيوانية الفلكية الكلية فالمختصة بها مثال الكلية المتعين بتعينها كتعين نور الشمس في المرآة و اذا ادارت الافلاك عليها مرة اخري و طرحت عليها شعلاتها نعمتها تنعيما آخر و لطفتها تلطيفا آخر و كملت تلك الشعلات الحاملة للنفس الكرسية بقوتها ما فيها من الجسم الكرسي فان الكل كما عرفت في الكل فجعلتها انسانا ناطقا كونيا فهذه الناطقة الكونية الخاصة لها مادة هي حصة من ظهور النفس الكرسية الكلية [ص 327] و صورة من تعين الحيوانية المتعينة بالنباتية المتعينة بالجمادية العنصرية و هما معا الناطقة الكونية الخاصة و اما ما فيها من جسم الكرسي فانه من المراتب النباتية الدنياوية يشاكلها في الطبيعة العنصرية و ان كان الطف و لكن فيه نفس ناطقة غيبية ظهرت عليه و ان شئت ان تسمي ما فيه من جنس جسم الكرسي بالناطقة علي حسب مقتضي هذا العالم فلك فانه صالح لظهور نطق النفس منه و ناطق ظاهري و بذلك نسمي جسم الفلك حيوانا و الا فالنفس الحيوانية من عالم المثال و انما جسم الافلاك صالح للحيوانية فافهم و لولا ذلك التكميل لماخرج ما في تلك الاجزاء من الناطقة من القوة الي الفعلية فتكون اول علي حسب صلوح القابل و اصلاح الفاعل و لذلك تري الانسان الصفراوي ذا حدة و الدموي نبيلا و البلغمي بليدا و السوداوي ان كانت فيه صافية حديد الذهن حافظا عاقلا و ان كانت غير صافية جُربزاً وسواسا الي غير ذلك من الخصال و يصدر منه افعال علي حسب استعداد تلك الاخلاط فان كان معتدلا صالحا و عملت فيه يد التقدير جعلته كاملا و الا يكن مستضعفا بالجملة يكون نفسه الخاصة التي هي مثال النفس الكونية في نفسها علي حسب استعداد القابل و عمل الفاعل و هو الانسان الكوني في هذه الدنيا فالناطقة الكامنة في هذه الاجزاء مبهمة لا تعين لها الا من حيث الظهور في هذه الاجزاء علي حسب القابل و فعل الفاعل فاذا تعين حصة منها في اجزاء علي حسب استعدادها تختص بها البتة اختصاصا كونيا فالانسان الخاص هو ظهور النفس الكلية في النفس الحيوانية الظاهرة في النفس النباتية التي هي صوافي اجزاء هذا العالم و هو لايوجد الا بتركيب هذه الاجزاء فاذا تفتت هذه الاجزاء تفتت النباتية و زال تعينها فزال تعين [ص 328] الحيوانية الكوني الاكتسابي فزال تعين الانسانية الكوني الاكتسابي و يبقي لها الصور الشرعية التي هي من صلوحاتها الذاتية المستخرجة بتكميل الشارع فهي بعد تفتت الصور الكونية العرضية تتعين بما لها من الصور الشرعية فكانت الصور الكونية حافظة لها حتي تستخرج ما فيها من الصور الشرعية فاذا خرجت زالت و قامت النفوس متعينة بمؤثرها و ليس هذا الانسان حينئذ قبل التعين الشرعي بمؤمن و لا كافر الا انه علي الفطرة يعني اذا القي عليه الحق عرفه و لولا ذلك لم‌يكن لله سبحانه علي احد حجة و كذلك تكمل تلك الشعلات بما فيها من نفس العرش التي هي العقل ما في تلك الاجزاء من جسم العرش فيظهر عليه جوهر دراك للمعاني صالح لان يكون عقلا عابدا او شيطانا جاحدا و تكون تلك الحصة فيه ايضا علي حسب قابلية الاجزاء و فعل الفاعل فتختص بها دون غيرها و لذلك تري العقول مختلفة علي حسب اختلاف القوابل و فعل الفواعل و تختلف ايضا يوم القيمة و كذلك تكمل تلك الشعلات ما فيها من جنس الجسم الاطلاقي فيصير بالفعل و يفعل افعاله فيظهر عليه بذلك حقيقة يدرك بها الحقايق و يصلح لان يكون عارفا بالله سبحانه و بنبيه و وليه او جاحدا و لولا ذلك لم‌يكن له علي احد حجة فيكون الانسان البالغ الكامل صاحب جميع هذه المراتب و هذه النفوس الا ان النفس النباتية تظهر عليها عند مسقط النطفة و الحيوانية عند تمام البدن بظاهره و باطنه و النفس الناطقة عند الولادة الدنياوية و ان كانت في اول ظهورها ضعيفة و العقل عند التمييز و البلوغ حد الاعتدال النوعي في السياسة الكلية و الا فقد يتقدم و جبر بالتمرين و قد يتأخر و قد لايلحق و اعذر بالسفاهة و الحقيقة عند الحكمة و ادراك الحقايق و حد الاعتدال النوعي [ص 329] الاربعون و قد يتقدم و قد يتأخر و قد لايلحق و كل هذه النفوس كانت كامنة في البسايط الطبيعية منحلة مذابة مبهمة لا تعين لها فاذا اخذت منها حصة و ربيت ظهر عليها واحدة بعد واحدة علي حسب استعدادها و صفائها و كدورتها و قبولها للتدبير و عدم قبولها و حصول عايق او لاحصوله و هذا هو الانسان الكوني المجيب لقوله سبحانه الست بربكم بلسان الدعاة الكونية الفلكية و بهذه الاجابة صوروا علي هيئة الانسان فكانوا امة واحدة علي الفطرة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين ليكملوا ما في تلك الحصص من الصور المحمودة المطابقة لصفاته سبحانه بالقوة فقاموا بين ظهرانيهم و دعوهم الي الله سبحانه و الي قبول اوامره و نواهيه فاشرقت عليهم انوار اوامرهم و نواهيهم فساع سريع نجا و متأخر بطييء رجا و مولّ مدبر هوي فكمل اولئك الانبياء بما فيهم من النفس الالهية الشرعية ما كانت كامنة في المؤمنين من الصور المحمودة المحبوبة و جحد الكافرون و اعرضوا فتكمل ما فيهم من قوة التصور بالصور المبغوضة الشيطانية و تصوروا بتلك الصور فمنهم من آمن و منهم من كفر فحصلت لهم نفوس شرعية لها مواد و صور موادها من اشراق اوامر الشارعين و صورها من امتثالهم و عدمه و هي روح الايمان و روح الكفر تظهر عليهم بالوصفية فلبست نفوس المؤمنين صورة الايمان و هي طينة عليين و لبس نفوس الكافرين صورة الكفر و هي طينة سجين فالحقيقة العارفة صارت فؤادا و نور الله و الجاحدة صارت ظلمة الشيطان و الجوهر الدراك المتيقن الراجي العابد صار عقلا و ضده جهلا و شيطنة و نَكراء ● و النفس الخائفة العالمة العاملة صارت ناطقة قدسية عليينية و ضدها النفس الامارة و كذا الحيوانية و النباتية فالمطيعة [ص 330] صارت طيبة و ضدها الخبيثة بالجملة جري هذه الكلمات استطرادا و الغرض سر تخصص النفس بهذا البدن و قد تبين و الحمد لله ان النفوس المطلقة العامة لا تخصص لها بشئ من هذه المركبات و انما تظهر اشعتها عليها فتنصبغ فيها و تكتسب صورا منها كانت كامنة فيها و استكملت بالاقتران بها فلكل شخص منها ما ظهر منها عليه و تعين بتعينه نعم قد يغلب التأدب بآداب الشرع علي النفس بحيث يجردها عن خصال البدن علما و تخلقا و عملا تجريدا ما فتكون في الاوائل عاملة علي خلافه علي كلفة و لكن ربما يتحول البدن بذلك شيئا بعد شئ الي ان يناسب النفس و خصالها و احوالها فان الخصال النفسية تنعكس في البدن اشعتها و اشراقها فاذا اعتدلت بتعديل الشرع و انعكس آثارها معتدلة في البدن و جري افعالها فيه بالاعتدال غيرته و جعلته مناسبا لها شيئا بعد شئ البتة فجري عليها نحو ما قال الشاعر :