فصل - بقي الكلام في الافعال الصادرة عن العباد فانها ايضا صادرة عنهم باختيار منهم ليسوا بمجبورين عليها مظلومين و ليسوا بمستقلين فيها مشرَكين و بيان ذلك ان العبد مخلوق من جهتين جهة من ربه و جهة من نفسه و هما النور و الظلمة اللذان خلق العبد منهما فجهته الي ربه هي حيث اثريته لفعل الله سبحانه و وصفيته له فهي علي هيئة فعل الله سبحانه بل هي هيئة فعل الله المحبوبة لله تعالي بل هي كونه حبا لله عز و جل فهي الحبيبة و المحبوبة و المحبة لله تعالي شأنه و لها مقتضيات كلها محبوبة لله سبحانه و قد امر الله تعالي خلقه بالاتصاف بها و ذلك قوله ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و ذلك لانه حبيب الله و احبه الله بما هو عليه و احب الله بما هو عليه في كل رتبة فان كنتم تحبون الله فاتصفوا بصفات حبيب الله فانها آثار محبة العبد لله سبحانه و اما جهة العبد الي نفسه فهي حيث هي هي بفقره و فاقته و عجزه و هذه الجهة هي هيئة عداوة الله سبحانه و نسيانه و عصيانه لانها ضد الوجود من كل جهة و هي هيئة مبغوضة لله سبحانه و هيئة بغض الله و الكفر به و كل منكر [ص 269] و فحشاء و بغي و الانسان مركب من هاتين الجهتين و لكن سرّ هاتين الجهتين خفي علي كثير من اهل العلم و لا بد من شرحه و هو ان هاتين ليستا بالمادة و الصورة المعبر عنهما بالوجود و الماهية فان الوجود و الماهية كليهما مخلوقان لله سبحانه خلقا بمشيته و هما ممتثلان امره و نهيه دعاهما فاجابا و امرهما فامتثلا فهما ساجدان مسبحان له كل قد علم صلوته و تسبيحه و ليس الا الله سبحانه و نوره و ظهوره فاني تكون هيئة الماهية هيئة الكفر و البغض و المنكر و امثال ذلك و انما هاتان الجهتان جهتان الي شئ آخر و الا فليس الله سبحانه باقرب الي الوجود من الماهية حتي يكون الوجود جهته دون الماهية بل الماهية ايضا تشير اليه و تدعو الي مولاها كما يدعو الوجود بلا تفاوت و ليس الوجود اولي بالله و لااحكي له من الماهية و ليس الله في جهة الوجود دون الماهية و ليس في جهة حتي يكون الوجود في جهته دون الماهية فسر هذا العلم ان الله سبحانه بعد ان عمر ديار الامكان بالاكوان و الاعيان حصل لبعضها نسبة الي البعض فكان بعضها اعلي من بعض اذ كان الطف منه و بعضها ادني من بعض اذ كان اكثف منه فحصل فيها مبدؤ و منتهي و وسائط و درج و مراتب فاضاء بعضها لبعض و اشرق بعضها ببعض فاضاء منيرها لمظلمها و اشرق مظلمها بمنيرها و فعل قويها في ضعيفها و انفعل ضعيفها من قويها و علم عالمها جاهلها و تعلم جاهلها من عالمها و هكذا فمن هذا التفاعل حصل لكل شئ خاصة للانسان جهتان جهة الي نفسه التي هي دونه و يقع عليه ظلها و يصعد اليه نتنها و جهة الي ربه الذي هو فوقه و يقع عليه ظله و ينزل اليه نوره و شعاعه فيحصل له من ذلك جهتان اخريان و لكل واحدة منهما دعوة له و تكميل و هو قوله سبحانه [ص 270] الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا و قوله ان الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فاخلفتكم و قوله الم‌اعهد اليكم يا بني آدم ان لاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم و قال انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير و انما ذلك لاجل ان العالي الطف منه و ارق و ابسط و يدعو الانسان الي مقتضاه و الداني اكثف منه و اغلظ و اشد تكثرا و يدعو الانسان الي مقتضاه و الانسان الواقع بين هذين الداعيين مركب من وجود ثان هو اشبه بالعالي و انسب اليه و من ماهية ثانية هي اشبه بالداني و انسب اليه فان مال الي العالي فبوجوده الثاني يميل و ان مال الي الداني فبماهيته الثانية يميل و هو مركب منهما صالح للميل اليهما و الميل الي كل من الجهتين فيه بالقوة لايفضل احدهما علي الآخر و كل منهما يخرج من القوة الي الفعل بمكمل خارجي و لما كان الشئ مركبا من الوجود و الماهية بالمعني الاول من حيث الكينونة لايفارق احد منهما صاحبه حتي يبلغ الكتاب اجله فان سعي الي العالي باقدام وجوده شايعته الماهية و لم‌تقدر علي مفارقته و ان سعي الي الداني باقدام ماهيته شايعها الوجود و لم‌يقدر علي مفارقتها فان انفعل عن العالي و اشرق بنوره و امتثل امره صدر عنه الطاعات و الحسنات و ان انفعل عن الداني و اظطلم عن ظلمته و امتثل امره و اجاب دعوته صدر عنه المعاصي و السيئات و هو في جميع الحالات مختار مركب من الجهتين صالح لاجابة الدعوتين قابل لامتثال الامرين فلا جبر كما بان لذي عينين و لما كان الشئ خلقه سبحانه و اثره بجهتيه و لا قوام للاثر الا باقامة مؤثره بل لا شئ الا بايجاد موجده المستمر فلا تفويض [ص 271] و انما يصدر عنه ما يصدر بامر بين الامرين و منزلة بين المنزلتين و هو ان العبد المحفوظ بامر الله يفعل بقوة الله فعلا محفوظا بامر الله علي ما يختاره باختيار محفوظ بامر الله فهو تحت حفظه مختار و ان قلت عرفنا انه صالح للاختيارين و لكن نريد ان نعرف ماذا سبب اختياره احدي الدعوتين قلت لا شك ان كلا الاختيارين كان فيه بالقوة بحيث لايفضل احدهما علي صاحبه و لايخرج احدهما عن القوة الي الفعل الا بمكمل مقو لجهة من الجهتين و المقوي لجهة اختيار الخير هو العالي و هو مستمر الدعوة يدعو الي الله علي بصيرة و المقوي لجهة اختيار الشر هو الداني و هو ايضا مستمر الدعوة يدعو الي الجهل الاعظم فان اختار الخير فبنظره لنفسه بتوفيق الله سبحانه و ان اختار الشر فبسوء اختياره و خذلان الله سبحانه فله الحمد عليه ان اطاعه و لا حجة له علي الله ان عصي و لو كان له عذر في اختياره الشر كان يعذره الله و لكن لا عذر له و لاجل ذلك يعاقبه الله و اعلم ان الحكمة اقتضت ان يخرج ما في قوة الانسان من بدء كينونته الي الفعلية علي نهج الحكمة الكاملة و لولا ذلك لبطل النظام و فسد القوام و لم‌يعرف احد خالقه و رازقه و لدل الخلق علي الاهمال المنافي للكمال فاذا وجب ان يكون علي ترتيب الحكمة وجب ان يكون بدء الانسان في عالم الظهور من غاية البعد و يتدرج شيئا بعد شئ في مدارج الصعود و يستكمل شيئا بعد شئ الي ان يبلغ غاية الكمال المقصود من الخلق فاذا اول ما ينشأ الانسان ينشأ من النطفة الجمادية التي هي ادني الخلق بل من الكيلوس ثم يترقي شيئا بعد شئ الي ان يصلح و يستعد لان يلج فيه الروح النباتية ثم يصعد شيئا بعد شئ الي ان يلج فيه الروح الحيوانية ثم يصعد شيئا بعد شئ الي ان يصلح لان [ص 272] يلج فيه النفس الناطقة ثم يترقي شيئا بعد شئ الي ان يصلح لان يلج فيه العقل و هكذا فاول ما ينشأ الانسان ليس فيه عقل الا بالقوة فيتعلق به دعوة الشيطان و هو يمتثل امره لعدم خروج عقله من القوة الي الفعل و عدم استعداده للعقل فهو اهل ما هو فيه فيتمكن فيه الشياطين النباتية و الحيوانية و النفسانية و يسخرون البلاد و الانسان في هذه الاحوال منهم و لهم الي ان يأتي العقل و يستعد لخروج العقل من قوته الي فعله و كان دعوة الخروج و التكميل لخروجه دائما و انما يتم الصنع و التكميل الي اجله الاتري ان النجار اذا اخذ في صنع سرير يتمه مثلا في اسبوع و لايستعد الاخشاب في اول يوم لالقاء صورة السرير عليها فاذا استعدت في سابع يوم القاها عليها و اخرجها سريرا و ان كانت فيها بالقوة فكذلك ان الانسان صالح من اول حال نطفته للعقل و معالجة المدبر دائما و هي لاتقبل العلاج الا شيئا بعد شئ و لاتستعد لظهور العقل عليها الا بعد حين فحين يأتي العقل يأتي و البلاد مملكة و العباد مسخرة و هو وحيد غريب ضعيف طفل لا بد و ان يكبر شيئا بعد شئ الي ان يبلغ اشده و يستوي علي الملك و يخرج الشياطين فلاجل ذلك يكون الانسان مايلا الي الشهوات و الطبايع و العادات ما لم‌يستول عليه العقل فمنهم من لايستعد لظهور العقل الكامل الذي هو ظل العالي و نوره عليه فلايعبد الرحمن و لايكتسب الجنان و قد بدا عليه ظل الداني فيطيع الشيطان و يكتسب النيران كالكفار و منهم من يظهر عليه بعد حين كالمؤمنين و منهم من يظهر عليه من اول نَشْئه كالانبياء و المرسلين فمنهم من قضي نحبه و منهم من ينتظر و مابدلوا تبديلا ثم من الناس من قد يهيّأ له حينا اسباب فتعده لظهور النور عليه فيطيع و قد [ص 273] يهيأ له حينا اسباب اخر فتغطي ذلك النور عليه فهكذا يتردد دائما بين الطاعة و المعصية الي ان تري بما يختم له و منهم من يدوم له اسباب نوع فيدوم عليه و ان قلت فاذا كان اول نَشْء الانسان من منازل الشيطان فما جرم المسكين قلت ان ذلك من استعداده و ترتب بعض الحالات علي بعض فيدرجها في الظهور الاتري ان اقتضاء الحالات ان يكون انتضاج اللحم بعد غليانه و غليانه بعد سخونته و سخونته بعد تقطيعه و تقطيعه بعد سلخ الشاة و سلخها بعد ذبحها اتري يجوز في الحكمة انتضاجه قبل ذبحها و صيرورته مأكولا قبل تكونه في بدن الشاة و كونه في النبات فالحكمة تقتضي ترتب الحالات و الحالات بعضها مقدمة بعض و بعضها شرط بعض و بعضها سبب بعض و بعضها معد بعض و بعضها لسان داع لبعض و هكذا فالحكيم و ان كان قادرا الا ان الخلق لايظهر من الكيان الي العيان الا علي حسب مقتضي الحكمة و الاتقان فلاينبغي ان يتكون الانسان الا من نطفة ثم اذا صار نطفة استعد لان يكون علقة فاذا صار علقة استعد لان يصير مضغة و هكذا و لايجوز في الحكمة خروجه الا هكذا و ليس ذلك من نقص في صنع الحكيم بل هو من عدم استعداد المادة لافاضة الحالات و الصور عليها الا هكذا فجميع النقص منها و اليها و ليس من الحكيم نقص و جميع امداد الحكيم و افاضاته قائم عليها دائما الا انها لاتقبل الا شيئا بعد شئ فما اصابها من حسنة فمن الله و ما اصابها من سيئة فمن نفسها و قد بين هذه المطالب في اخبار آل الله عليهم السلام بوجوه نذكر شطرا منها مشيرا الي بعض وجوهها فقد روي في التوحيد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل خلق الخلق فعلم ما هم صائرون اليه و امرهم و نهاهم فما امرهم به من شئ [ص 274] فقد جعل لهم السبيل الي اخذه و ما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل الي تركه و لايكونون آخذين و لا تاركين الا باذن الله ، انتهي كلامه جعلني الله فداه بحقه فقد جمع في هذه الكلمات القليلة جميع هذا العلم انظر الي قوله فعلم ما هم صائرون اليه فانه لاينكر و علمه اولي بحقيقة التصديق و لايعقل ان لايكون عالما كما بينا في مسئلة العلم ثم انظر الي قوله فما امرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل الي اخذه و ما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل الي تركه كيف بين انه خلقه مختارا و الا لم‌يأمره و لم‌ينهه فوجود امره و نهيه و مدحه المؤتمر و ذمه التارك دليل علي وجود الاختيار ثم انظر كيف رفع وهم التفويض بقوله ثم لايكونون آخذين و لا تاركين الا باذنه فانهم في ذاتهم و صفاتهم و افعالهم قائمون بمشيته صلي الله عليه من امام ناطق بالحق كاشف عن حقيقته و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من زعم ان الله تبارك و تعالي يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب علي الله و من زعم ان الخير و الشر بغير مشية الله فقد اخرج الله من سلطانه و من زعم ان المعاصي بغير قوة الله فقد كذب علي الله و من كذب علي الله ادخله الله النار يعني بالخير و الشر الصحة و المرض و ذلك قوله عز و جل و يبلوكم بالشر و الخير فتنة انتهي ، فعلم ان الخير و الشر بمشيته لكن الخير بمشيته و رضاه و الشر بمشيته لا برضاه كما يدل عليه اخبار اخر و علم ان المعاصي بقوة الله و لا شك ان القوة بمشيته المصحوبة و اما قوله في آخر الخبر فهو صادر عنه بلفظ لايستوحش منه الجهال الضعفاء و اي صحة افضل من الطاعة و اي مرض اشد من المعصية و صحة الروح بالطاعة و مرضه بالمعصية و يحتمل ان يكون المعني من الصدوق اذ ليس هذه الزيادة في الكافي [ص 275] و عنه و عن ابيه عليهما السلام قالا ان الله عز و جل ارحم بخلقه من ان يجبر خلقه علي الذنوب ثم يعذبهم عليها و ان الله اعز من ان يريد امرا فلايكون قال الراوي فسئلا عليهما السلام هل بين الجبر و القدر منزلة ثالثة قالا نعم اوسع مما بين السماء و الارض انتهي ، فالجبر اخراج الله من رحمته و التفويض اخراجه من عزته و المنزلة اوسع مما بين السماء و الارض لانهما فيها و عنه عليه السلام ان الناس في القدر علي ثلثة اوجه رجل يزعم ان الله اجبر الناس علي المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر و رجل يزعم ان الامر مفوض اليهم فهذا قد اوهن الله في سلطانه فهو كافر و رجل يزعم ان الله كلف العباد ما يطيقون و لم‌يكلفهم ما لايطيقون و اذا احسن حمد الله و اذا اساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ و عن الرضا عليه السلام و قد ذكر عنده الجبر و التفويض فقال الااعطيكم في هذا اصلا لاتختلفون فيه و لاتخاصمون احدا الا كسرتموه قالوا ان رأيت ذلك فقال ان الله عز و جل لم‌يطع باكراه و لم‌يعص بغلبة و لم‌يهمل العباد في ملكه هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فان ائتمر العباد بطاعته لم‌يكن الله عنها صادا و لا منها مانعا و ان ائتمروا بمعصيته فشاء ان يحول بينهم و بين ذلك فعل و ان لم‌يحل و فعلوه فليس هو الذي ادخلهم فيه ثم قال عليه السلام من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه ، انتهي كلامه روحي له الفداء فقد جمع في هذا الكلام كل شئ يراد حيث قال لم‌يطع باكراه فابان انه لو اكره العباد علي الطاعة لم‌يكونوا مطيعين و لا شك انهم له مطيعون و مدحهم و وعدهم الجنة و لم‌يعص بغلبة اي لم‌يغلب مشية العاصين مشيته فمشيته و ارادته مصاحبة للعاصين و لعصيانهم و بقوته عصوه [ص 276] و لم‌يهمل العباد في ملكه فلم‌يفوض الامر اليهم و لم‌يخلهم من امره و نهيه و لم‌يرفع عنهم مشيته و شرح ذلك بقوله هو المالك لما ملكهم اي لم‌يخرجوا من تحت ملكه و هو المالك الخالق لميلهم و قوتهم و ذواتهم و صفاتهم و افعالهم ابدا و القادر علي ما اقدرهم عليه يعني قدرتهم باقداره ابدا فان شاء سلبها عنهم و ان شاء ابقاها عليهم ثم بين انه لايصد عن طاعة لطفا و ان شاء منعهم عن المعصية كرما و ان لم‌يمنع لم‌يكن جابرهم علي العصيان ثم يعذبهم عليه فقد ابطل الجبر و التفويض و اثبت المنزلة باوضح بيان و اشرح برهان انهاه الي المسلمات الاسلامية و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام اجبر الله العباد علي المعاصي قال الله اقهر لهم من ذلك قيل ففوض اليهم قال الله اقدر عليهم من ذلك قيل فاي شئ هذا اصلحك الله فقلب يده مرتين او ثلثا ثم قال لو اجبتك فيه لكفرت انتهي ، اراد ان اللازم علي الضعفاء ان يأخذوا بالبرهان النافي للجبر و التفويض و لايجوز لهم الغور في المنزلة فانهم يعجزون عن فهمها فيكفرون و قيل لعلي بن الحسين عليهما السلام جعلني الله فداك ابقدر يصيب الناس ما اصابهم ام بعمل فقال ان القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير جسد لايحس و الجسد بغير روح صورة لا حراك لها فاذا اجتمعا قويا و صلحا كذلك العمل و القدر فلو لم‌يكن القدر واقعا علي العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايحس و لو لم‌يكن العمل بموافقة القدر لم‌يمض و لم‌يتم و لكنهما باجتماعهما قويا و لله فيه العون لعباده الصالحين الخبر ، بابي هو و امي كيف بين ان قدر الله سبحانه روح عمل العبد و كيف بين ان الروح بغير جسد لايدرك بفتح الراء و الجسد بغير روح لايتحرك فحركة الكل من القدر الا انه [ص 277] يظهر علي حسب قابلية الجسد كما ان حركة الكاتب تظهر علي حسب استعداد اليد من استقامة و ارتعاش و لاتحتم الحركة علي اليد احدهما و لو لم‌يكن قدر لم‌يعرف الخالق لان العبد مهمل لايقدر علي الاستدلال علي خالقه بتصرفه تحت امره و لو لم‌يكن عمل لم‌يمض القدر فان امضاء الحركة في الوقوع بابي هم و امي من هادين الي الصراط المستقيم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام كما ان بادئ النعم من الله عز و جل و قد نحلكموه فكذلك الشر من انفسكم و ان جري به قدرة انتهي ، و يأتي شرحه مفصلا و عن النبي صلي الله عليه و آله قدر الله المقادير قبل ان يخلق السماوات و الارض بخمسين الف سنة انتهي ، و عن علي عليه السلام الاعمال علي ثلثة احوال فرايض و فضايل و معاصي فاما الفرائض فبامر الله عز و جل و برضاء الله و قضاء الله و تقديره و مشيته و علمه و اما الفضائل فليست بامر الله و لكن برضاء الله و بقضاء الله و بمشية الله و بعلم الله و اما المعاصي فليست بامر الله و لكن بقضاء الله و بقدر الله و بمشيته و بعلمه ثم يعاقب عليها ، انتهي روحي و جسمي له الفداء من مقسم للخلق لم‌يقسم احد مثله انظر كيف بين ان جميع الاعمال بقضائه و قدره و مشيته و علمه فقد علم الكل و لو لم‌يشأ و لم‌يقدر و لم‌يقض لم‌يصدر عمل عن عامل و اما الفرائض فهي بامره التشريعي الوجوبي علي وفق رضاه و اما الفضائل فهي علي حسب رضاه و اخبر بها و لم‌يأمر بها امر وجوب و اما المعاصي فليست بامره التشريعي و لا رضاه و لكن بمشيته الكونية و قدره و قضاه علي حسب استعداد العبد و يعاقب عليها لانه شاءها و قدرها و قضاها علي حسب اختيارهم كما قال بكفرهم لعناهم و لولا ذلك لم‌يغلب مشيتهم مشية الله و لم‌يعص بغلبة [ص 278] و روي ان في التورية مكتوب يا موسي اني خلقتك و اصطفيتك و قويتك و امرتك بطاعتي و نهيتك عن معصيتي فان اطعتني اعنتك علي طاعتي و ان عصيتني لم‌اعنك علي معصيتي يا موسي و لي المنة عليك في طاعتك لي و لي الحجة عليك في معصيتك لي و سئل ابوعبدالله عليه السلام من اين لحق الشقاء اهل المعصية حتي حكم لهم في علمه بالعذاب علي عملهم فقال ابوعبدالله عليه السلام ايها السائل علم الله عز و جل ان لايقوم احد من خلقه بحقه فلما علم بذلك وهب لاهل محبته القوة علي معرفته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله و وهب لاهل المعصية القوة علي معصيتهم لسبق علمه فيهم و لم‌يمنعهم اطاقة القبول منه لان علمه اولي بحقيقة التصديق فوافقوا ما سبق لهم في علمه و ان قدروا ان يأتوا خلالا تنجيهم عن معصيته و هو معني شاء ما شاء و هو سر انتهي ، انظر كيف بين ان الله كان يعلم خلقه و انهم الي ما صايرون و كيف بين انه كان يعلم المطيعين فلما علم منهم العجز اعانهم بالقوة و يعلم العاصين فلما علم انهم لايقدرون علي ما يحبون اعانهم بالقوة و لولا قوته مااطاع مطيع و لاعصاه عاص و علمه اولي بحقيقة التصديق فوافقوا ما سبق لهم في علمه و هم مع ذلك قادرون علي ترك المعصية و قيل لابي‌الحسن الرضا عليه السلام ان بعض اصحابنا يقول بالجبر و بعضهم يقول بالاستطاعة قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال علي بن الحسين قال الله عز و جل يا بن آدم بمشيتي كنت انت الذي تشاء و بقوتي اديت فرايضي و بنعمتي قويت علي معصيتي جعلتك سميعا بصيرا ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و ذلك اني اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني و ذلك اني [ص 279] لااسئل عما افعل و هم يسألون قد نظمت لك كل شئ تريد انتهي ، بابي آل‌محمد و امي صلوات الله عليهم اجمعين كلامهم نور و امرهم رشد انظر كيف اثبت ان كينونة العبد بمشية الله فافعاله تابعة لها البتة فكلها بمشية الله و ان العبد لايقدر علي طاعة و معصية الا بقوته و نعمته ثم بين ان الحسنات من الله و هو اولي بها لانها صفة مشيته علمها العبد و وفقه لها و السيئات من العبد و هو اولي بها لانها من صفاته و سيأتي شرحه مفصلا و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الاستطاعة فقال ابوعبدالله عليه السلام اتستطيع ان تعمل ما لم‌يكوّن قال لا قال فتستطيع ان تنتهي عما قد كون قال لا فقال له ابوعبدالله عليه السلام فمتي انت مستطيع قال لاادري فقال له ابوعبدالله عليه السلام ان الله خلق خلقا فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم‌يفوض اليهم فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل اذا فعلوا ذلك الفعل فاذ لم‌يفعلوه في ملكه لم‌يكونوا مستطيعين ان يفعلوا فعلا لم‌يفعلوه لان الله عز و جل اعز من ان يضاده في ملكه احد قال السائل فالناس مجبورون قال لو كانوا مجبورين كانوا معذورين قال ففوض اليهم قال لا قال فما هم قال علم منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل فاذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين فآمن السائل انتهي ، و سئل ايضا هل للعباد من الاستطاعة شئ فقال اذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم قيل و ما هي قال الآلة مثل الزِّنٰي اذا زَنٰي كان مستطيعاً لِلزِّنٰي حين زَنٰي و لو انه ترك الزِّنٰي و لم‌يزن كان مستطيعا لتركه اذا ترك ثم قال ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل و لا كثير و لكن مع الفعل و الترك كان مستطيعا قيل فعلي ماذا يعذبه قال بالحجة البالغة و الآلة التي ركب فيهم ان الله لم‌يجبر [ص 280] احدا علي معصيته و لااراد ارادة حتم الكفر من احد و لكن حين كفر كان في ارادة الله ان يكفر و هم في ارادة الله و في علمه ان لايصيروا الي شئ من الخير قيل اراد منهم ان يكفروا قال ليس هكذا اقول و لكني اقول علم انهم سيكفرون فاراد الكفر لعلمه فيهم و ليست ارادة حتم انما هي ارادة اختيار انتهي ، صلوات الله عليهم من خزاين العلم و معادنه و حاصل هذه الكلمات المباركات ان الله سبحانه علم بعلمه الازلي جميع خلقه و علم اعمال كل واحد واحد و ايمانهم و كفرهم و علم افتقارهم اليه في كل جهة بحيث انهم لايكونون و لايقدرون ان يعملوا من عمل الا بمشيته و ارادته و قدره و قضائه فاصحبهم اياه حين ينبغي ان يكونوا لا قبله و لا بعده و حين علم انهم يعملون لا قبله و لا بعده فهم قادرون باقدار الله سبحانه حين يعملون و مستطيعون لما يصدر عنهم حين هم يفعلون لا قبله و لا بعده و جعل فيهم آلة الاستطاعة و ليس انهم مستطيعون لكل فعل كل حين فان المشية بالفعل لم‌تصحبهم في كل حين و هم بغير مشيته لايستطيعون علي حركة و لا سكون و في ذلك الوقت الذي علم الله انهم يفعلون و اقدرهم علي الفعل لايستطيعون ان يتركوا و علمه اولي بحقيقة التصديق و في ذلك الوقت الذي علم الله انهم لايفعلون و لم‌يصحبهم مشيته لايستطيعون ان يفعلوا لان الاقدار غير واقع و لم‌يفوض اليهم و هذا الاقدار ليس يحتم عليهم العمل بل علم الله انهم يختارون في وقت كذا ذلك الفعل فاصحبهم في ذلك الوقت علي ما علم انهم يريدونه فهم مستطيعون حين الفعل مع الفعل و اما ما سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الاستطاعة فقال و قد فعلوا قيل نعم زعموا انها لاتكون الا عند الفعل و ارادة حال الفعل لا قبله فقال اشرك القوم و ما روي عنه انه قال [ص 281] لايكون العبد فاعلا الا و هو مستطيع و قد يكون مستطيعا غير فاعل و لايكون فاعلا ابدا حتي يكون معه الاستطاعة و ما روي عنه ايضا ماكلف الله العباد كلفة فعل و لانهاهم عن شئ حتي جعل لهم استطاعة ثم امرهم و نهاهم فلايكون العبد آخذا و لا تاركا الا باستطاعة متقدمة قبل الامر و النهي و قبل الاخذ و الترك و قبل القبض و البسط فالمراد بالتقدم تقدم مشيته و ارادته و قدره و قضائه علي العمل في وجه فانها التي بها يستطيع العبد علي ما يستطيع و في وجه آخر ان الاستطاعة استطاعتان امكانية و كونية فالاستطاعة الامكانية قبل العمل و حين العمل و بعد العمل يعني يمكن ان يصدر منه و هو صالح قابل و في قوته العمل بما اصحبه الله من المشية الامكانية و اما الاستطاعة الكونية العينية يعني للعمل الممضي فلايكون الا عند العمل اذا عمل و الاستطاعة المنفية في الاول استطاعة استقلالية و المثبتة في الثاني استطاعة باقدار الله كما روي انه قيل له عليه السلام ان لي اهل بيت قدرية يقولون نستطيع ان نعمل كذا و كذا و نستطيع ان لانعمل فقال ابوعبدالله عليه السلام قل له هل تستطيع ان لاتذكر ما تكره او تنسي ما تحب فان قال لا فقد ترك قوله و ان قال نعم فلاتكلمه ابدا فقد ادعي الربوبية و يشرح قسمي الاستطاعة قول اميرالمؤمنين عليه السلام لرجل ابالله تستطيع ام مع الله ام من دون الله تستطيع فلم‌يدر ما يرد عليه فقال عليه السلام ان زعمت انك بالله تستطيع فليس لك من الامر شئ و ان زعمت انك مع الله تستطيع فقد زعمت انك شريك معه في ملكه و ان زعمت انك من دون الله تستطيع فقد ادعيت الربوبية من دون الله عز و جل فقال يا اميرالمؤمنين بل بالله استطيع فقال اما انك لو قلت غير هذا [ص 282] فقد ضربت عنقك و فيما ذكرنا من الاخبار كفاية و بلاغ لاهل الاستبصار فلنعنون فصلا لملخص هذه الاخبار حتي يظهر بلا غبار .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قديم قائم بنفسه و جميع ما سواه حادث و الحادث ما لايخرج من القوة الي الفعل الا بمكمل و هو الخالق له اي المخرج لتلك القوة الي الفعل ، و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير ، خلق الانسان كالفخار ، و الله خلق كل دابة من ماء ، خلقه من تراب ، فكل ما هو من الامكان فانما هو مخلوق بهذا المعني و يحتاج الي من يخرجه من قوة الامكان الي الفعلية و ما بالقوة لايقدر علي ان يخرج نفسه الي الفعلية فان ما بالقوة لايقتضي الا ان يكون بالقوة و لا تعين له حين يكون بالقوة و ليس بعض ما بالقوة اولي بالخروج من بعض آخر فافهم و اما الامكان بما هو امكان فلم‌يخرج من قوة اخري منفصلة فوقه الي الفعلية الامكانية فهو موجود بما هو موجود بالفعل اي بالفعلية الامكانية فهو مخلوق بنفسه و جميع ما في قوته فعلية و جميع فعليته جميع ما في قوته فلايتوقف في كونه بالفعل الي شئ غيره فهو خلق بنفسه و هذا معني خلقت المشية بنفسها و قلنا بكونه مخلوقا و بنفسه لما عرفنا من وجود التركيب فيه و لو من اثبات و نفي و لو علي ابسط وجه فهو مخلوق و اما الوجود الحق فلما رأيناه غاية الغايات و نهاية النهايات و عرفنا بساطته و كونه هو هو بلا ترقب و قوة و استعداد عرفنا انه الحق القائم بنفسه غير المخلوق فعرفنا انه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فكل ما سوي الحق خلق و كل خلق من الامكان فان كان خالقه هو المبدء الاول فهو المطلوب و ان كان غيره يلزم الشرك و هو مذهب الثنوية و من يشاكلهم فجميع الذوات و الصفات [ص 283] و الافعال يكون الله سبحانه خالقه ، قل الله خالق كل شئ ، و الله خلقكم و ما تعملون ، فاذا كان ما سوي الله خلق الله يكون بمشيته لما قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و قال ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب سواء كان ذاتا او صفة او فعلا او اثرا بلا تفاوت فالله سبحانه علم بعلمه الازلي جميع الاشياء قبل ان يخرجها من القوة الي الفعلية بتفاصيلها علي نهج الوحدة كما عرفت و اما في الامكان فيكون مثلا يعلم في المداد و هو قوة الحروف الالف و الباء و الجيم و الدال الي آخر الحروف و كان يعلم تراكيبها و تكسيراتها اللانهاية و انها اذا ركبت كذا صارت اية كلمة و اية عبارة و اي نثر و اي نظم و اي كتاب و اي حق و اي باطل الي ما لا نهاية له من تراكيبها و معانيها و مصاديقها و مدلولاتها و مفاهيمها و آثارها و افعالها الي ما لا نهاية له و كان يعلم ان الالف المفتوحة المقدمة و الباء الساكنة و الجيم المفتوحة و الدال الساكنة تكون ابجد و ان عكست تكون دجبا و ان شوشت تكون باجد و جابد و داجب و دابج و هكذا و كل تركيب لايصلح ان يكون غيره فابجد هو ابجد لا غيره و دجبا هو دجبا لا غيره و لايسع ابجد ان يقول لم علمتني ابجد و لم‌تعلمني دجبا و لا العكس و لا غيرهما و لو علم ابجد دجبا لكان كذبا فعلم جميع الاشياء علي ما هي عليه و لايجوز غير ذلك في العقل و لايعترض علي ذلك عاقل و لايتوقع سواه فعلم الله سبحانه في علمه الامكاني قبل ان يوجد زيدا زيدا و علم انه شقي او سعيد فاعل او تارك و علم ذاته و صفاته و افعاله و آثاره كلا علي ما هو عليه و لايعقل غير ذلك فلما اراد ان يكتب بقلم [ص 284] الاختراع علي لوح الابداع ابجد كتبه ابجد علي ما كان يعلمه فكما كان ابجد في علمه ابجد كان في خلقه ايضا ابجد و لو كتب دجبا ليس انه كتب ما علمه ابجد دجبا بل كتب ما علمه دجبا دجبا افهم ما اقول لك و صحح اعتقادك بما اقول فانه وحي اوحي الي الحجج عليهم السلام و ليس نطقا عن الهوي فعلم ما علم في علمه الازلي كما علم و في علمه الامكاني بالقوة ثم خلق ما خلق علي ما علم لم‌يخالف علمه خلقه و لا خلقه علمه فان خلق زيدا فهو ما علمه زيدا و ان خلقه شقيا فهو ما علمه شقيا و ان خلقه سعيدا فهو ما علمه سعيدا بلا تخلف ● و هكذا ساير الخلق و ان قلت هب انه يعلم ابجد ابجد و دجبا دجبا لكن الحصة من المداد التي هي علي رأس القلم تصلح لان تصور علي صورة ابجد و علي صورة دجبا فلم صورت هذه الحصة علي صورة ابجد دون جدبا او علي صورة دجبا دون ابجد قلت ان هذا البحث يصدر من مثلك حيث يكون عندك مداد غير مكتوب ثم تكتبه شيئا بعد شئ علي حسب ميلك و هواك و اما الله الذي ليس يترقب شيئا و لاينتظر كتب شئ في لوح الايجاد و عنده يكون جميع الذرات في محله و وقته موجودا بالفعل و هي صور علمه الواجب بعينها كما قدمنا في العلم و ما يعلمه في الامكان مما يكون علي نهج حكمة الكون يعلمه في الكون و ما يكون من الحكمة كونه في الامكان لا في الكون يعلمه في الامكان كذلك و ما يعلمه في الكون يعلمه في الامكان ● [ص 285] و هي باعيانها هي ما لها من الامكان الفعلي و ما لها من الامكان الفعلي لايصلح لغيرها بذلك اللحاظ لانه هو هي بعينها فلايحتمل عنده ذلك و كل قوة عنده فعلية فعالم القوة عالم نسبي بالنسبة الي عالم الفعل و عالم الفعل عالم اضافي بالنسبة الي عالم القوة و اما عند الله سبحانه فجميعها بالفعل فالقوة النسبية امكان و الفعل الاضافي كون و علمه الازلي قبل الكون و الامكان محيط بهما كما عرفت بل كل ما سواه من جوهر و عرض من حيث الكمال علمه سبحانه فالامكان احد معلوماته كالكون كل في محله و لايتصور امكان عنده الي كون و ليس الكون عنده خارجا من الامكان و كل شئ عنده هو هو و هذا سر فخلق سبحانه الخلق اي اظهر من الامكان الي الكون في عالم النسبة و الاضافة علي ما علم في الازل و لهذا الخلق في عالم النسبة و التدرج مراتب فاول ما يوجد منه ذكره الاول و هو بالمشية ثم عينه الاولي و هي بالارادة ثم هندسته و مبدؤه و منتهاه و هي ذكره الثاني و هو بالقدر ثم تركيبه و هو عينه الثانية [ص 286] بالقضا فاذا تم القضاء يمضي شيئا معينا في مكانه و وقته و حده مشروح العلل مبين الاسباب سواء في ذلك الذوات و الصفات و الافعال و الآثار لانها كلها حادثة فالعبد المخلوق علي ما وصفت قائم بمشية الله و بارادته و بقدره و بقضائه و باذنه و اجله و كتابه محفوظ بها ابدا و قد علم الله سبحانه في علمه الازلي انه يفعل كذا في وقت كذا و كذا و في مكان كذا و حد كذا اذا امكن له الفعل و هيئ له آلاته و اسبابه و علله و هو قبل خلقه فجعل هذه الافعال علي حسب مقتضي حكمته في قوته و استعداده اذ لولا ذلك لماامكن صدوره عنه و هو احد اسباب الاستعداد فجعله صالحا لان يفعل و في قوته ذلك و ركب فيه الآلات و الادوات و الميول و الشهوات و الطبايع و انما هو بالمشية الامكانية للفعل ثم خلق ذكر الفعل الاول بمشيته الكونية ثم خلق عينه بارادته ثم ذكره الثاني بقدره ثم عينه الثانية بقضائه ثم امضاه علي يده حين علم انه يفعله في وقت الفعل و مكانه و حده و لو لم‌يخلق له ذلك الفعل لماقدر ان يفعله لانه ليس بنفسه شريكا لله يخلق ما يشاء و لا بد و ان يخلق الله سبحانه له جميع ذلك فعن ابي‌عبدالله عليه السلام في حديث له عن النبي صلي الله عليه و آله ان الله عز و جل عند لسان كل قائل و عند يد كل باسط فهذا القائل لايستطيع ان يقول الا ما شاء الله و لايستطيع ان يبسط يده الا بما شاء الله الخبر ، فهو محفوظا بفعل الله يفعل ما اجري الله علي يديه باختياره المحفوظ الفعل المحفوظ فهو مستطيع بالاستطاعة الصلوحية بما جعل الله فيه من تلك الاستطاعة قبل الفعل و بالاستطاعة الفعلية بما جعل الله فيه من تلك الاستطاعة حين الفعل لا قبله و لا بعده فلايستطيع ان يفعل ما لم‌يفعل حين لم‌يفعل و ان [ص 287] لايفعل ما فعل حين فعل ثم بعد ذلك ان احسن فله سبحانه المنة عليه لانه ليس له حق علي الله ان يخلق له الحسنة و يجريها علي يديه و ليس بموجب علي الله اقتضاؤه و هو بادئٌ بنعمه و ان اساء فليس له حجة علي الله سبحانه لانه اقتضاه و لم‌يشأ الله سبحانه له الاساءة علي سبيل الحتم و ان لم‌يقتضه فهو سبحانه اولي بحسناته منه و هو اولي بسيئاته من الله و قد اطاع مع ذلك بقوة الله و عصي بقدرة الله فان صده الله عن عصيانه فبمنه و فضله و ان خلي بينه و بين عصيانه فبعدله فحسناته من الله قد ظهرت به لانها هيئات محبته القاها عليه مبتدئا بالنعمة و سيئاته منه قد ظهرت بالله لانها هيئات نفسه و مقتضاها مثال ذلك الشمس و النور و الجدار و الظل فان النور من الشمس و هي اولي به و قد ظهر بالجدار و عليه و الظل من الجدار و هو اولي به و قد ظهر بالشمس و لولا الشمس لماكان نور و لولا الجدار لماظهر و لولا الجدار لماكان ظل و لولا الشمس لماظهر فما من الشمس كالروح و الجدار كالجسد فلولا الروح لماكان بالجسد حراك و لولا الجسد لماكان للروح ظهور فاذا اجتمعا كان ما كان فلا حول و لا قوة الا بالله ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ، و طوبي لمن اجري الله علي يديه الخير و ويل لمن اجري علي يديه الشر ، بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية ، و يهديهم ربهم بايمانهم ، و قد مر شواهد جميع ذلك من الاخبار و هكذا ينبغي ان يحقق هذه المراتب و اعرف صحة علومنا و لا قوة الا بالله بمطابقتها مع الكتاب و السنة و انهما لايشرحان الا بها فالحمد لله علي ما من علينا به من علوم آل‌محمد عليهم السلام ما يعجز [ص 288] عن وصفه الواصفون و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين .

فصل - اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان فكوّن ما كان لا من شئ علي مقتضي مشيته و حسب ارادته و طبق قدره و وفق قضائه و نسبة امضائه فلم‌يشأ الا ما كان و لم‌يكن الا ما شاء كما شاء فانه المخترع لا من شئ و المبتدع لا علي احتذاء شئ فالخلق كله بذواته و صفاته و افعاله و آثاره و حدوده و محدوده و وجوده و ماهيته و قابليته و مقبوله و كل ما له و منه و اليه و به و فيه و غير ذلك مخلوق له علي حسب محبته و مشيته فجميعهم مؤتمرون بما امر كما امر لايتقدم منهم شئ و لايتأخر كما قدمناه في مسئلة توحيد العبادة فبالنسبة اليه ليس طاعة و لا معصية و لا سعادة و لا شقاوة و لا كفر و لا ايمان و لا احسان و لا اساءة و لا ضر و لا نفع و لا قرب و لا بعد و لا نور و لا ظلمة بل الكل عنده عبيد مطيعون مسبحون كونا لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون كل قد علم صلوته و تسبيحه فليس هناك شئ من هذه الاضداد و الاحوال و جميع ذلك امور نسبية للخلق فيما بين الخلق اذا نسب بعضها الي بعض و قد امتحن الله سبحانه خلقه بعضهم ببعض كما قال و جعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون و كان ربك بصيرا فامر بعضهم بلسان بعض باطاعة بعض و جعل لهم آية الصدق فمن اطاع الذي امر الله بطاعته بلسانه او بلسان حجة آخر فقد اطاع الله و من عصاه فقد عصي الله و من آمن به فقد آمن بالله و من كفر به فقد كفر بالله و من وافقه سعد و من خالفه شقي و من اتبعه احسن و من تخلف عنه اساء و هكذا فهيهنا جاءت الاضداد و اي هذه فعلوا لم‌يخرجهم عن الطاعة الكونية الاولية و لايستحقون منه هنالك الا الجزاء الكوني بالطاعة المحضة المعصومية المَلَكية و قد منحهم [ص 289] ذلك فادامهم بالدوام الابدي في جنة الوجود منعمين و يزيدهم بالامداد و هم مخلدون منعمون ابدا بعطاء غير مجذوذ و انما يستحقون من الذين اطاعوهم اكراما ثانيا و من الذين عصوهم عقابا ثانيا لانهم آمنوا بهم و كفروا بهم و اطاعوا اياهم و خالفوا اياهم لا غيرهم فلايستحقون الا منهم و انما يجازيهم الله علي يد من فتنوا به كما فتنهم به و اقام عليهم الحجة به ارأيت اذا احسنت الي زيد و حييته بتحية الست تستحق منه الاحسان و التحية فاذا احسن اليك فالله هو المحسن علي يديه فعلي هذه فقس ما سواها فاذا لا سعادة لسعيد الا بطاعة من امره الله بطاعته و لا شقاوة لشقي الا بمخالفة من امره الله بطاعته فلا اختلاف في الكون و انما هو في الشرع بعد ما كونوا و هذا هو المراد من قولهم كل مولود يولد علي الفطرة و قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها و تدبر في قوله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و مااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و اعلم انهم كانوا امة واحدة في الكون فبعث اليهم الرسل في عالم النسبة و الاضافة فاختلفوا في الحق الملقي اليهم من الرسل و هو الولاية فحكم الله بينهم بالرسل فافهم فالسعادة و الشقاوة في الاعمال لا في الذوات و انما كانت الذوات مسلمة مطيعة لله لاتستكبر عن الانقياد له و انما استكبارها عن طاعة الانبياء فيؤمن بهم قوم و يكفر بهم قوم ثم يبلي المؤمنين بالانبياء بطاعة ولاة الامر بعدهم و القوام بامرهم اذ لايتحقق في الانبياء كمال الابتلاء و لايتبين كمال الانقياد لله [ص 290] سبحانه منهم فيبتليهم بطاعة الاوصياء فيؤمن بهم منهم طائفة و يكفر بهم اخري بغيا بينهم ثم لايكتفي بذلك لانهم لعلو مقامهم لايقدر احد علي عدم الانقياد لهم كما لم‌يقدروا علي عدم الانقياد للانبياء و لله سبحانه كما تقرء في الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم ، فلايحصل الافتتان التام الا في قوله و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا اهؤلاء من الله عليهم من بيننا اليس الله باعلم بالشاكرين و قال و جعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون و كان ربك بصيرا ، اوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم علي رجل منكم لينذركم و لتتقوا و لعلكم ترحمون ففتنهم بولاية الاولياء و عداوة الاعداء فهنالك زلت الاقدام و ضلت الاحلام و ادلهمّ الظلام و نجا الكرام و هوي الطغام و ليس ربك بظلام ، فتبين ان السعادة و الشقاوة صفتان فعليتان لا ذاتيتان و الخلق بعد ما خلقوا خلقوا مختارين مستطيعين لان يطيعوا و لان يعصوا لانهم كما عرفت خلقوا من وجود و ماهية يستطيعون ان يعملوا بمقتضي وجودهم و بمقتضي ماهيتهم و اصحبهم مشيته حتي يفعلوا بها ما شاؤا فمنهم من آمن و لله المن عليه بهدايته اياه اليه و منهم من كفر و لله الحجة عليه فتدبر .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قادر مختار يستطيع ان يفعل ما اراد و ان يدع ما اراد و ظهر اختياره لما يشاء في مشيته و خلق جميع الخلق بمشيته و كل اثر تابع لصفة مؤثره فجميع خلقه قادر مختار الا ان الاثر كلما قرب من مؤثره اشتد في شباهته بمؤثره و كلما بعد عن مبدئه ضعفت فيه تلك الشباهة فضعفت فيه القدرة و الاختيار فاشبه الخلق به في القدرة و الاختيار اول صادر [ص 291] صدر عن مشيته و هو محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته الطاهرون ثم دونهم الانبياء فالاوصياء ثم دونهم الاناسي ثم دونهم الجن ثم الملئكة ثم الحيوانات ثم النباتات ثم المعادن ثم الجمادات ثم الاعراض ثم الاشباح ثم اشباح الاشباح الي ما شاء الله فجميع ما خلق قادرون مختارون لايوجد فيهم مضطر ابدا و كيف يعقل الاضطرار فيهم و كلهم اثر المختار و قد خلقهم بهم في حدهم و مقامهم و اجري تكوينهم بهم عليهم كما مر فلاتذهب مذهب الذين يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون الي ان النار مثلا مضطرة علي الاحراق و الماء علي السيلان و امثالها فانهم كلهم مختارون الا انهم لبعدهم عن المبدء جمدوا علي ما اختاروه اولا و لايقدرون لضعف اختيارهم علي التحول عما اختاروه سريعا و لنعم ما قيل اذا اختار المختار الاخير اشتبه في فعله بالمضطر فهم لجمودهم و ضعفهم لايتحولون سريعا عما كانوا اختاروه بخلاف الارواح فانهم لشدة اختيارهم يتحركون حركات مختلفة و يتحولون سريعا عما اختاروه في حال و اشد اختيارا منهم الاناسي فهم تحولهم اسرع و اكثر اذا شاؤا و اما اوائل العلل فهم اعظم اختيارا و قدرة من الكل الا انهم لقربهم من المبدء لايختارون الا رضا المبدء و محبته و معصومون بعصمة الله و لم‌تبلغ عصمتهم الي الاضطرار فهم في حال عصمتهم اشد شئ اختيارا و قدرة علي التحول و بذلك يثابون علي حسناتهم لانها صادرة عن اشد الاختيار و هو قوله صلي الله عليه و آله لو عصيت لهويت و من ذلك اعرف سر تكليف الجمادات و النباتات و الحيوانات كما تواتر به الاخبار و لاتأول كلمات الائمة الابرار بما اولها الجهال فهم حقيقة مختارون قادرون ذووا شعور و ادراكات الا انها ضعيفة علي [ص 292] حسب رتبتها و ليس اختيارهم علي حسب اختيار الانسان كما عرفت و هذا وجه انك مختار و لاتقدر ان تكبر و تصغر و تسمن و تهزل و تنام و تستيقظ لان بدنك جمادي و اختياره اختيار ضعيف لايقدر علي التحول عما اختاره بالطبع فلايشتبهن عليك اختيارك بعدم قدرتك علي تغيير صفات من بدنك فانك في بدنك ضعيف الاختيار و في روحك اقواه و في نفسك اقوي منه و ذلك مزل الاقدام و اثبتتك عليه بحول الله و قوته ان عرفت و لنختم بذلك مسئلة الامر بين الامرين فان هذه العجالة لاتليق باكثر من ذلك و فيما كتبنا كفاية و الحمد لله و بلاغ .

المقام الثالث - في عدل الله سبحانه في الثواب و العقاب و الميزان و الحساب و الجنة و النار للاخيار و الاشرار و اسرار الحشر و النشر و المعاد و هي مسئلة صعبة قد تحير فيها قوم من الحكماء الذين كانوا يشقون الشعر في ساير المسائل الطبيعية و ضل فيها قوم آخرون لاجل عدم وقوعهم علي الحق الواقع فمنهم من انكر المعاد الجسماني و اثبته في الروح و منهم من اول جميع ما وصل اليهم من جزئيات المعاد عجزا منهم عن تعقلها علي الحقيقة و الحال ان المعاد الجسماني من ضروريات مذهب الاسلام و منكره كافر و كون ما وصل من الشارع في جزئياته علي الحقيقة ضروري لانه لايكذب و لايغري بالباطل و يكلم الناس علي قدر عقولهم و منهم من اقر به تصديقا لظواهر الاخبار و هم علي طريق نجاة الا انهم لم‌يفوزوا بحقيقة العلم و باطنه فان كلامهم عليهم السلام له ظاهر و باطن و تأويل و باطن تأويل و باطن باطن و انما الاطلاع علي [ص 293] بواطن كلامهم شأن الخصيصين الابرار الممتحنين الاخيار فاردنا ان نشرح في هذا المقام مما علمنا الله سبحانه من بركات سادتنا الكرام و لا قوة الا بالله العلي العظيم ففي هذا المقام مواقف :

الموقف الاول - في سر العود و حقيقته و حقيقة المعاد و تحقيق ذلك يقتضي رسم فصول :

فصل - اعلم ان حقيقة العود لاتعرف الا بعد معرفة البدء فانه كما بدأكم تعودون و لايعقل العود الا بالرجوع الي ما كان فيه فما لم‌يعرف المنازل الاولي لم‌يعقل كيفية العود فلا بد لنا ان نشرح علي نحو الاختصار كيفية البدء و النزول اولا ثم نتبعه ببيان حقيقة العود ، اعلم ان الله سبحانه احد بلا نهاية و لا غاية ليس فيه قوة و استعداد يظهر منه حالة بعد حالة و لا فعلية بعد فعلية و ليس فيه فعلية لانها ظهور بعد كمون و وجود بعد عدم بل هو هو ابدا ازلا بلا قوة و لا فعلية و لا نزول و لا صعود و لا تغير وجود و لا غاية له و لا نهاية كما شرحناه مكررا مرددا فهو كامل لاينتظر لنفسه حدوث كمال و جميل لايترقب لها زيادة جمال و اول كمالاته كينونته التي بها يقال له كان اذ لا كان و ذاته العليا المستجمعة لجميع الكمالات بالطي و الاتساع صاحبة الصفات الذاتية و الكمالات الازلية فكانت علما بكل معلوم اطلاقيها و مقيديها امكانيها و كونيها و عينيها كليها و جزئيها غيبيها و شهاديها ذاتيها و وصفيها و فعليها و اثريها جوهريها و عرضيها الي ما لا نهاية له و لايزيد في علمه ذلك شئ و لاينقص منه شئ و لايتغير و لايتبدل بوجه من الوجوه لا طولا و لا عرضا لا صعودا و لا هبوطا فللاشياء من حيث المعلومية هنا ليس بدء و لا عود [ص 294] و لا هبوط و لا صعود و لا انحلال و لا انعقاد يري آخرها كما يري اولها فلاجل ذلك يعبر جل جلاله في كتابه عما لم‌يأت بلفظ الماضي حين يخاطبنا و نحن في الرتبة الدنيا اذ كلها حاضرة لديه موضوعة عنده في حضرته في حدها و مكانها فهيهنا ليس بدء و لا عود كما عرفت ثم بعد ذلك كماله الوصفي الاطلاقي الشامل لجميع ما كان و ما يكون فانه القلم الذي كتب علي صفحة اللوح الذي هو محله و مظهره و هو النفس الكلية الالهية التي هي منه و اليه و تمامه و كماله جميع ما كان و ما يكون ثم ختم علي فمه فلم‌ينطق و لاينطق ابدا ففي هذا المقام بدء و لا عود بمعني ان الاشياء ابدا سرمديا و لا نهاية له واقفة موقف البدء و لم‌يتقض من اول الابداء شئ حتي يعلم ماذا يكون فهم ابدا في اول آن البدء و لا آن و هذه اليد ابدا في الصنع الاول من غير تجديد صنع فللاشياء في الوجود الاطلاقي و محله ايضا لا عود و ان كان لهم بدء فانهم لمايتجاوزوا حد البدء حتي يعودوا او لها بدء و عود و لكن عودها عين بدئها ثم بعد ذلك رتبة حقايق الكاينات الصادرة عن المشية اي النفس الناطقة القدسية و ما يليها في كل رتبة و مقام و هيهنا مقام البدء و العود لوجود الامتداد و القوة و الاستعداد و تدرج الامداد و ترتب الظهورات اما طولية كما في الدهر او عرضية كما في الزمان فمنها اي من النفس الناطقة في مراتبها و تجلياتها بدء الاشياء كل بحسبه و مقامه و اليها تعود بالكمال كما يأتي ان شاء الله .

فصل - العود اما يراد منه عود الارواح الي الاجساد بعد مفارقتها الاجساد كما يأتي و اما يراد منه عود الارواح الي مباديها كما عبر عنه اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل و كلاهما واقع حق اما عود الارواح الي الاجساد [ص 295] بعد مفارقتها فصفته علي الاجمال ان الانسان اذا بلغ اجله الذي قدر له يقبض ملك الموت نفسه اي روحه المثالي مع ما فيه من المادة و الطبيعة و النفس و الروح و العقل و الفؤاد فيبقي روحه في عالم الساهرة كما قال الصادق عليه السلام في تأويل قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة قال عليه السلام تبقي الارواح ساهرة لاتنام و ذلك ان النوم للبدن لا للروح فيبقي هناك الي ان ينفُخ اسرافيل نفخة الصعق فتنجذب الارواح فتدخل الصور و هو قرن من نور علي شكل القلب فيه ثقب بعدد الارواح و في كل ثقبة ستة منازل فاذا دخلت ثقبها القت مثالها في البيت الاول و مادتها في الثاني و طبيعتها في الثالث و نفسها في الرابع و روحها الملكوتية في الخامس و عقلها في البيت السادس فتبطل صورها و يضمحل تركيبها اربع‌مائة سنة من ذلك الوقت فاذا اراد الله اعادتها للجزاء امطر من بحر تحت العرش يقال له صاد مطرا فيكون وجه الارض بحرا واحدا فيتموج فيجتمع اجزاء كل انسان في قبره و تتركب و تنمو كما كان يوم اول ثم امر اسرافيل بعد احيائه ان ينفخ نفخة الدفع فدفع عقلها الي روحها و دفعهما الي نفسها و دفعها الي طبيعتها و دفعها الي مادتها و دفعها الي مثالها و دفعها الي بدنها و ولجت فيه و تنشق الارض فيخرج ينفض التراب من رأسه يشاهد عرصة المحشر و يحشر و اما صفة عودها الي مباديها علي نهج الاجمال فان الله سبحانه خلق اول ما خلق العقل ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر الي ان نزل الي غاية البعد و هو هذه الدنيا دار البلاء و الاختبار فنزل الي التراب فخمد نوره و انطفأ ضوؤه و مات بعد حيوته الاولي و هو قوله سبحانه كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم اتاه نداء اقبل الثاني [ص 296] و هو غير الاول فان الاول كوني انوجادي و الثاني شرعي امتثالي فعاد مقبلا الي مبدئه من غاية البعد الترابي الكيلوسي فكان كيموسا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما ثم حيا ثم مدركا ثم مفارقا بعد تخلل آلات البدن فيكون في عالم البرزخ فيكون فيه الي ان ينفخ في الصور فيكون مادة ثم يموت في الطبيعة ثم يكون مفارقا بعد تخلل آلات البرزخ فيكون في عالم النفوس ثم يبقي هناك و يصعد صاعدا الي ان يكون في رتبة الروح الملكوتي ثم يصعد صاعدا الي ان يكون في رتبة العقول ثم يصعد صاعدا الي ان يصل الي الفؤاد الذي منه بدؤه الكوني و يصعد فيه الي ان يصل الي رتبة الاسم ثم يصعد الي ان يصل الي رتبة المسمي ثم الي ما لا اذن لنا في بيانه و لكن اقول يصعد الي ما لا نهاية له و مع ذلك لايتحد بالازل كما يزعمه المتصوفة خذلهم الله فان الحادث لم‌يبدء من القديم فيعود اليه كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود كما يأتيك بيانه ان شاء الله و ان الجنة كما روي ادناها الطعام و اعلاها علم و في القدسي اذا تلذذ اهل الجنة بمآكلهم و مشاربهم تلذذوا اي اهل الجوع و الصمت بكلامي و بمناجاتي ، فهذا مجمل القول في معني العود و لا بد من بيان ذلك علي نهج الحكمة لئلايحرم ابناء الحكمة عن الوصول الي الحقايق .