فصل - في عدل الله سبحانه المتعلق بالاطفال و المجانين و المستضعفين الذين لميشعروا بالتكليف و البُلْه ● و الضلال و المرجين لامر الله و اصحاب الاعراف ، اما الاربعة الاولون فاعلم ان الله سبحانه بعد ما خلق العقل الكلي [ص 240] امره بالنزول في كل عالم عالم حتي نزل الي هذا العالم الي عرشه و كرسيه و افلاكه الي ارضه كما مر و يأتيك فلما وصل الي هذا العالم تصور بصورة غيب التراب لغلظته الحادثة له من النزول و انحل فيه حتي صار فيه بالقوة لا تعين فيه بوجه من الوجوه و لما امره الله بالاقبال اختلفت اجزاء العقل في الاجابة لاختلاف اجزائه الحاصلة من مقارنة التراب و تجسمه فساع سريع سَبَقَ و مقصر بطيء لَحِقَ و نائم في رقدة الغفلة لايَرْمُق فمن اجزائه ما سبق الي الاجابة و لبي دعوة الداعي فصار يترقي شيئا بعد شئ الي ان ظهر عليه آثار العقل بالفعل فتيقظ من رَقْدة الغفلة الجمادية و النباتية و الحيوانية و صار ناطقا علي حسب ما فيه من العقل كما و كيفا و منها ما تأخر و سيلحق الانسانية كالنطفة و العلقة و المضغة و امثالها فانها في السلوك و الصعود فان لميمنعها مانع تصل الي رتبة الادراك و النطق و منها راقد لميَرْمُقْ و هو بعد بعيد عن الفعل بعدا كثيرا و لميأخذ في الصعود كساير الجمادات المعروفة ففي السير الكوني يتحقق الانسان الناطق الكوني المدرك و لو بادراك ضعيف فان النفس الناطقة تتعلق بالمولود مسقط رأسه و يبتدئ من ذلك الحين بالشعور و يستزيد شيئا بعد شئ الي ان تشتد فيه النفس و تتقوي و تتعين تعينا فاحشا و الا فهو انسان كوني من يوم ولدته امه البتة فاذا ولد خرج عن حد القدر و القضاء الي حد الامضاء و صار انسانا بالفعل و كتب له في اللوح المحفوظ انه انسان و يقدر له حصة من الانسانية ضعيف التعين او قويه لمكان الامضاء الكوني البديهي ثم اما ان يصله نداء اقبل الشرعي بسبب ترقيه عن عرصة الكون الذي هو شعاع الشرع و امكانه الاصغاء له و لا مانع من فهمه له لا من نفسه و لا من [ص 241] الخارج فيوجد حينئذ بالوجود الشرعي الذي هو مناط الصور الشرعية فيكون انسانا شرعيا و يصير نفسه الناطقة قدسية ان اخذ به او غير انسان ان تركه فيصير نفسه الناطقة امارة كما قال سبحانه انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و قليل من عبادي الشكور فحينئذ يستحق الثواب او العقاب الشرعيين او لميصله لمانع من نفسه من عدم انتضاجه و قلة تمييزه او من خارج كوقوعه في محل لمتبلغه الدعوة فحينئذ ليس له صورة شرعية فهو بعد ارض الكون التي هي حد المشية او الارادة او القدر او القضاء للشرع و لميمض عليه استحقاق الثواب و لا العقاب فلله فيه المشية فينتظر به الي ان يبلغه الدعوة عند رفع المانع في هذه الدنيا او في البرزخ او في الآخرة فان نداء دعوة الشارع صوت ممتد من عالم الذر الاول الي هذه الدنيا و البرزخ و الي الآخرة التي هي ذلك العالم اي عالم الذر فمتي ما وصل اليه الدعوة و فهم بصعوده و امكانه الاصغاء و اخذ بها يكون انسانا او تركها فيكون غير انسان و ان قلت يظهر مما اسلفت ان هذه الدنيا دار الامضاء فما لميمض هنا لميمض في عالم من العوالم و يبقي تحت القدر و تقول هنا ربما يمضي عليهم الحكم الشرعي في البرزخ او في الآخرة اقول ان دار الآخرة هي دار البرزخ بعينها الا انها صعدت و دار البرزخ هي دار الدنيا الا انها ترقت و لطفت و دار الامضاء هي منتهي وجود الشئ فان كان المنتهي في اول مقام الترقي يكون هو دار الامضاء و ان ترقي فيكون هو دار الامضاء اين ما كان فالجسم هو دار الامضاء سواء كان هنا او في البرزخ او في الآخرة و لا اختصاص له بغاية النزول و لذلك نجوز خروج قُويً كثيرة في البرزخ و في الآخرة كما يأتي ان شاء الله بالجملة ما لميبلغ [ص 242] الدعوة انسانا قد امضي كونا يكون في حيز المشية او الارادة او القدر او القضاء الشرعية حتي يقوم عليه الحجة البالغة و يصل الي فهمها فان اخذ بها يخرج السعادة التي كانت في قوته من القوة الي الفعل و يصير انسانا و يخلق له باجابته طينة من عليين و يدخل الجنة و ان خالف يخرج الشقاوة التي كانت في قوته من القوة الي الفعل و يكون غير انسان اما شيطانا او حيوانا او نباتا او جمادا شرعيا و يخلق له بمخالفته صورة و طينة من سجين و يدخل النار كما بدأكم تعودون فريقا هدي و فريقا حق عليهم الضلالة و اما الدعوة الشرعية فهي تظهر في كل عالم بحسبه فتظهر في عالم الحقايق بحقيقتها و في عالم الظاهر بحسبه فهي هنا كما تري و الدخول فيها بامتثالها و اما في الآخرة فلما كانت الدعوة اثر فعل الداعي و الفعل هو حركة المسمي و الحركة تحدث الحرارة تكون علي صفة النار هذا و الداعي هو المحبوب و الحبيب لله سبحانه و انما صار محبوبا لتصوره بصورة محبة الله التي هي النار المشار اليها في قوله و لو لمتمسسه نار و قد روي في تفسير المحبة نار تطلع علي الافئدة فتحرق غير المحبوب فاثر النار نار فحقيقة الدعوة علي صفة النار لا علي هيئة النار الكثيفة العرضية فالمراد بصفة النار احراقها كل رطب مايل الي غير الحق و تكليسها له و اشراقها و اضاءتها لمن توجه اليها فهي نار لكن يهاب منها البرانيون و يستأنس بها الجوانيون فتظهر الدعوة يوم القيمة علي صفة النار و تسمي بالفلق فانها نور صبح الازل فيؤمر هؤلاء بالدخول فيها فمن دخل فيها كانت عليه بردا و سلاما و من هابها و امتنع يلقي فيها كرها و يحرق بها و له اسلم من في السماوات و الارض طوعا و كرها و اما حين موتهم فيلهي عنهم كما كانوا في الدنيا [ص 243] لاهين الي ان يبلغوا و يدل علي هذه الجملة قول ابيعبدالله عليه السلام لايسئل في القبر الا من محض الايمان محضا او محض الكفر محضا و الآخرون يلهون عنهم انتهي ، و معني الالهاء عنهم ان ارواحهم تبقي في قبورهم مع ابدانهم علي حد مقارنتهما و مفارقتهما اذ ليس لهم ايمان شرعي يدخل ارواحهم به الجنة و لا كفر شرعي تدخل به النار فهم في كونهم موقوفون تبقي ارواحهم في حفرهم لان الكون شعاع الشرع و ظله و هم منحطون عن الشرع فيبقون في ظاهر ارض النفوس التي هي كينونتها و هويتها التي هي قابلة لان يلقي فيها مثال الشرع و يظهر عنها افعاله و لايصعدون الي سماواتها التي هي الجنان الشرعية و لاينزلون الي ساير الاراضي التي هي دركات النيران الشرعية و تلك الارض هي حفرتهم الي ان يكلفوا فيصعدوا او ينزلوا و يدل علي ذلك ما قال ابوجعفر عليه السلام اذ قيل له جعلت فداك ما حال الموحدين المقرين بنبوة رسول الله صلي الله عليه و آله من المسلمين المذنبين الذين يموتون و ليس لهم امام و لايعرفون ولايتكم فقال اما هؤلاء فانهم في حفرهم لايخرجون منها فمن كان له عمل صالح و لميظهر منه عداوة فانه يخدّ له خد الي الجنة التي خلقها الله بالمغرب فيدخل عليه الروح في حفرته الي يوم القيمة حتي يلقي الله فيحاسبه بحسناته و سيئاته فاما الي الجنة و اما الي النار فهؤلاء من الموقوفين لامر الله قال و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الاطفال و اولاد المسلمين الذين لميبلغوا الحلم و اما النصاب فانه يخد لهم خد الي النار التي خلقها الله بالمشرق و يدخل عليهم منها الشرر و الدخان و فورة الجحيم الي يوم القيمة ثم قيل لهم اين ما كنتم تشركون من دون الله اي اين امامكم [ص 244] الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله الله للناس اماما انتهي ، و اما سر انه يخد لهؤلاء المذكورين خد الي الجنة انه اذا كان لهم اعمال صالحة في الدنيا عرضية فلا بد و ان يثابوا به فيثابون في القبر و اما في الآخرة فيعرض عليهم الشرع و بعد اخذهم او تركهم يحاسبون عليه و روي عن النبي صلي الله عليه و آله في اولاد المشركين اذا كان يوم القيمة جمع الله عز و جل الخلايق لفصل القضاء يأتي باولاد المشركين فيقول لهم عبيدي و امائي من ربكم و ما دينكم و ما اعمالكم قال فيقولون اللهم انت ربنا انت خلقتنا و لمنخلق شيئا و انت امتنا و لمنمت شيئا و لمتجعل لنا السنة ننطق بها و لا اسماعا نسمع و لا كتابا نقرؤه و لا رسولا فنتبعه و لا علم لنا الا ما علمتنا قال فيقول لهم عز و جل عبيدي و امائي ان امرتكم بامر اتفعلونه فيقولون السمع و الطاعة لك ربنا قال فيأمر الله عز و جل نارا يقال لها الفلق اشد شئ في جهنم عذابا فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسلاسل و الاغلال فيأمرها الله عز و جل ان تنفخ في وجوه الخلايق نفخة فتنفخ فمن شدة نفختها تنقطع السماء و تنطمس النجوم و تجمد البحار و تزول الجبال و تظلم الابصار و تضع الحوامل حملها و يشيب الولدان من هولها يوم القيمة ثم يأمر الله تبارك و تعالي اطفال المشركين ان يلقوا انفسهم في تلك النار فمن سبق له في علم الله ان يكون سعيدا القي نفسه فيها فكانت عليه بردا و سلاما كما كانت علي ابرهيم عليه السلام و من سبق له في علم الله عز و جل ان يكون شقيا امتنع فلميلق نفسه في النار فيأمر الله عز و جل النار فتلقطه لتركه امر الله و امتناعه من الدخول فيه فيكون تبعا لآبائه في جهنم و ذلك قوله عز و جل فمنهم شقي و سعيد فاما الذين شقوا الي غير مجذوذ ، [ص 245] و عن ابيجعفر عليه السلام اذا كان يوم القيمة احتج الله عز و جل علي سبعة علي الطفل و الذي مات بين النبيين و الشيخ الكبير الذي ادرك النبي و هو لايعقل و الابله و المجنون الذي لايعقل و الاصم و الابكم و كل واحد يحتج علي الله عز و جل قال فيبعث الله عز و جل اليهم رسولا فيأجج لهم نارا فيقول ان ربكم يأمركم ان تثبوا فيها فمن وثب فيها كانت عليه بردا و سلاما و من عصي سيق الي النار انتهي ، و هذا هو حكم العدل في هؤلاء كما عرفت و اما ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي كفل ابرهيم و سارة اطفال المؤمنين يغذوانهم من شجرة في الجنة لها اخلاف كاخلاف البقر في قصور من در فاذا كان يوم القيمة البسوا و طيبوا و اهدوا الي آبائهم فهم مع آبائهم ملوك في الجنة و في اخري ان كان قد مات والداه او احدهما او بعض اهل بيته من المؤمنين دفع اليه يغذوه و الا دفع الي فاطمة صلوات الله عليها تغذوه حتي يقدم ابواه او احدهما او بعض اهل بيته من المؤمنين فتدفعه اليه و في اخري ان السقط يجيء محبنطئا علي باب الجنة فيقول الله عز و جل ادخل الجنة فيقول لا حتي يدخل ابواي قبلي فيقول الله عز و جل لملك من الملئكة ايتوني بابويه فيأمر بهما الي الجنة فيقول الله هذا بفضل رحمتي لك و في اخري ان اولاد المسلمين هم موسومون عند الله عز و جل شافع مشفع الخبر ، فالمراد بهذه الاخبار الاولاد الذاتية للمؤمنين و المسلمين لا الاولاد العرضية فانهم يمكن ان يكونوا في علم الله مؤمنين و يمكن ان يكونوا كافرين فان هذه الاخبار مقيدة و ساير الاخبار الواردة في التكليف مطلقة فاولاد المؤمنين الذاتية يكونون مؤمنين البتة فان الولد الحقيقي جزء الوالد [ص 246] و جزء المؤمنين لايكون الا مؤمنا و جزء المشركين لايكون الا مشركا و يعلم الله سبحانه في علمه السابق من هو من اولاد المؤمنين الذاتية و من هو من اولاد المشركين الذاتية فيعامل الله سبحانه باولاد المؤمنين ذلك بفضل نور آبائهم اكراما لهم و هو من باب الفضل لا العدل و من هذا الباب ما روي ان اطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم و اولاد المشركين يلحقون بآبائهم و هو قول الله عز و جل بايمان الحقنا بهم ذريتهم انتهي ، اذ لو تدبرت في الآية لوجدت شاهد ما اقول اذ يقول سبحانه الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ماالتناهم من عملهم من شئ اذ يقول و اتبعتهم ذريتهم بايمان يعني انهم مؤمنون و يقول ماالتناهم من عملهم من شئ فلهم ايضا اعمال و من اعمالهم وُثوبُهم في النار يوم القيمة و يشهد بذلك ايضا ما روي في تفسير الآية قصرت الابناء عن عمل الآباء فالحق الله عز و جل الابناء بالآباء ليقر بذلك اعينهم ، فتبين ان لهم ايمانا و عملا قاصرا عن عمل الآباء بالجملة لا تنافي بين الاخبار فمن سبق في علم الله انه مؤمن يثب في النار و هو شافع من باب كونه محل الترحم و لمصاب ابويه بموته مع شدة حبهما له و صبرهما علي مصابه و يلحقون بالآباء كرامة لآبائهم و المؤمن اعظم عند الله من ذلك و من لميكن في علم الله السابق مؤمنا فابواه يوم القيمة يبرءان منه و لايثب في النار و لايلحق بالمؤمنين و كذا ما روي ان اولاد المشركين خدم اهل الجنة فانهم الذين كانوا اولاد المشركين بالعرض و يثبون في النار و لا شافع لهم ليصيروا ملوكا كالمؤمنين و عملهم ايضا قاصر فيبقون خدما و روي في قوله يطوف عليهم ولدان مخلدون انهم اولاد اهل الدنيا لميكن لهم حسنات فيثابوا [ص 247] عليها و لا سيئات فيعاقبوا عليها فانزلوا هذه المنزلة و المراد بهؤلاء ايضا اولاد المشركين بالعرض كما عرفت و المشركون هم اهل الدنيا و المؤمنون هم اهل الآخرة و نكتفي بما ذكرنا في العدل الفعلي لله سبحانه في هذا المختصر .
المقام الثاني - في عدل الله سبحانه في الايجاد و افعال العباد و عدم الجبر و عدم التفويض و سر الامر بين الامرين و هو مسئلة صعبة قد ضل فيها الاحلام و تاه فيها الاوهام و زل فيها اقدام الاعلام لميكشف بجميع مراتبها لثامها و لميفض علي الحقيقة ختامها و العاثر عليها اقل من الكبريت الاحمر و كفاك في معرفة عظم هذه المسئلة ما روي انه سئل علي عليه السلام عنها فقيل يا اميرالمؤمنين اخبرني عن القدر فقال بحر عميق فلاتلجه و سئل ثانيا قال طريق مظلم فلاتسلكه و سئل ثالثا قال سر الله فلاتكلفه و سئل رابعا قال اما اذا ابيت فشرح له بنحو من الموعظة و قال عليه السلام في حديث آخر في القدر الا ان القدر سر من سر الله و ستر من ستر الله و حرز من حرز الله محجوب مرفوع في حجاب الله مطوي عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله العباد عن علمه و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم فانهم لاينالونه بحقيقة الربانية و لا بقدرة الصمدانية و لا بعظمة النورانية و لا بعزة الوحدانية لانه بحر زاخر خالص لله عز و جل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليه الا الله الواحد الفرد فمن تطلع اليها فقد ضاد الله عز و جل في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سره [ص 248] و ستره و باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير انتهي ، قوله عمقه و عرضه لان كل الخلق فيه فمن لميقدر علي احضار جميع الخلق عنده لايقدر علي فهم هذه المسئلة و من لمينظر بعين الله المشار اليها بقوله عليه السلام اعرفوا الله بالله لايقدر علي فهم هذه المسئلة علي الحقيقة فلفهم هذه المسئلة مقامات اعلاها شأنه سبحانه لايحيط به غيره عز و جل و اما ما شاء ان يعرفه عباده منها فهم يعرفونه كما شاء بقدر ما شاء و هو من المعاني السفلي فيهم و لكن ليس يدرك الا بما ذكرنا و لعمري من المحرمات البتية الغور في هذه المسئلة لمن لميبلغ مقام عين الله سبحانه و لايجوز لهم الا التسليم و التصديق لآل الله عليهم السلام علي الاجمال و ان تكلفوها وقعوا في واد سحيق لا نجاة لهم كما وقع فيه اكثر الحكماء الذين يشقون الشعر في ساير المسائل فلما وصلوا الي هذه المسئلة توحلوا و كفروا و اشركوا من حيث لايشعرون فمنهم من قال بالجبر و نسب الله الي الظلم و كفر من حيث لايشعر و منهم من قال بالتفويض و اخرج الله من سلطانه و اشرك من حيث لايعلم و منهم من زعم ان المنزلة مركبة من الجبر و التفويض فجمع الكفر و الشرك معا و لمينج منه الا قليل من اهل التسليم و اما اهل المعرفة بذلك فاقل قليل و لميصلوا الي ذلك الا بفضل نور آلمحمد عليهم السلام و هدايتهم الخاصة و عناية خاصة منهم كما روي في المنزلة لايعلمها الا العالم او من علمها اياه العالم و اما مشايخي اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم فلميذكروا فيما اعلم في هذه المسئلة الا ظاهرها الواقع في عالم الوجود المقيد و لميكن ذلك الا لاجل عدم تحمل اهل الزمان و كون تلامذتهم جديدي العهد بالحكمة و اما انا فمع قلة بضاعتي [ص 249] في جنبهم و كثرة اضاعتي لما صنفت هذا الكتاب و اردت ان يكون جامعا لما يتعلق بالعقايد الحقة احببت ان لايخلو من هذه المسئلة بقدر ما يتحمله ابناء الحكمة و اخواني المعاشرون لي الآخذون عني و ارجو من الله سبحانه ان تخرج بحيث لماسبق بمثيلها و لميأت احد بعديلها فاني مع جميع هواني مسلم لآلمحمد عليهم السلام مسترشد منهم مقتبس من مشكوتهم سالك مسلك مشايخي ربّانيييّ هذه الامة في زمان الفترة و احبارها و لا قوة الا بالله العلي العظيم و لاتكاد تحل هذه المسئلة بمباديها و منتهياتها و مقدماتها و نتايجها الا بايراد فصول :
فصل - اعلم ان الله سبحانه احد في ذاته لايثني و لايوصف و لايحد و لايذكر فيه غيره لا بامكان و لا كون و لا عين و لا شبح و اثر لا بنفي و لا باثبات اذ ما سواه ممتنع معه و ليس للممتنع ذكر و هو ذات احدي المعني من كل وجه و ليس فيه حيث و حيث و جهة و جهة و اعتبار و اعتبار و فرض و فرض و وجه و وجه لا ظاهرا و لا معني و لا حقيقة ابدا ابدا بل هو ذات بحت بات احدية قديمة قائمة بنفسها لنفسها لا بمعني ان نفسها غيرها و القيام صفتها نعوذ بالله بل اردت تعبيرا عما في نفسي من احديته و غنائه المطلق عما سواه و هو لكونه احدي المعني لا نهاية لذاته و لا غاية فلاينتهي الي الامكان الراجح فيكون ما فيه خلواً منه و يكون هو اجوف و لاينتهي الي الامكان الجايز فيكون ما فيه خلوا منه و يكون هو اجوف و كذلك لاينتهي الي الاكوان و لا الي العقول و لا الي الارواح و لا الي النفوس و لا الي الطبايع و المواد و الامثلة و الاجسام و السموات و الارض و الاشباح و اشباح الاشباح الي ما لا نهاية له و لا الي مواد هذه المراتب و لا الي صورها و لا الي اعراضها و لا الي اشباحها و لا افعالها [ص 250] و آثارها و لا الي نسبها و لا قراناتها و لا معلوماتها و لا مجهولاتها و لا الي موجود علي نهج الاطلاق و العموم قد دخل في عرصة الامكان من الازل الي الابد الذي هو ذلك الازل مما يعلمه ربنا عز و جل فليس ينتهي الي شئ من ذلك بنحو من انحاء التناهي الزماني و الدهري كائنا ما كان بالغا ما بلغ و لا علي نحو عدم تناهي السرمد فهو سبحانه في كل مكان وجودي مع انه لميحوه مكان و لميحط به زمان فهو اذ ذاك هو جل شأنه هو هو يمتنع عما سواه امتناعا و ان كانت هي حيث هي خلقه ممتنعة عن الله سبحانه و ذلك امر مبهم و سر منمنم لايعرفه الا الخصيصون و لاتزعم منه انه يشابه وحدة الوجود فانها كفر صراح و اني ذلك من قولنا و اصحابها يزعمون ان بسيط الحقيقة كل الاشياء و نحن نقول ممتنع معه الاشياء بنفي و اثبات امتناعا حقيقيا فاني و اني و لاتزعم منه انه حلول هيهات الاحد المباين لغيره المتعالي عنه الممتنع معه خلقه كيف يحل في خلقه و كيف يتغير القديم تعالي الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا و لكن لايجوز لي ان ابينه اكثر مما بينت و لماكن بصدد بيان هذا المطلب بل المراد ان الذات القديمة الاحدية الغنية ليس فيها جبر و لا تفويض و لا منزلة و لا اختيار و لا اضطرار و لا ذكر لشئ من ذلك و لا لغيره هناك فانها ذات بريئة من الصفات و من كل ما يعبر به عنها و هذه احدي المراتب التي يعبر عنها بالوجود و قد عرفت تعاليها عن هذه المسئلة و جميع مقاماتها منحط عن هذه الدرجة .
فصل - اعلم ان الذات الاحدية قديمة لايحدث فيها حالة بعد حالة و لا صفة بعد صفة و الاحد جل شأنه هو الذي لايزيد و لاينقص و لايستحيل [ص 251] و لايتحرك بعد سكون و لايسكن بعد حركة و لاينطق بعد سكوت و لايسكت بعد نطق و لايتوجه بعد ادبار و لايدبر بعد التوجه و لايحب بعد بغض و لايبغض بعد حب و لايناسب بعد تباين و لايباين بعد تناسب و لايقارب بعد بعد و لايباعد بعد قرب و هكذا ساير التغيرات و التبدلات و كل ذلك لاجل انه احد غني عما سواه قديم لا مدبر له و لا مغير و لا محول و قد عرفت ان ما سواه معه ممتنع محض محض لا تعبير عنه هناك و لا عنوان لامتناعه فلمينبعث فيه شهوة ايجاد بعد ان لمتكن و لميوجد فيه اقتضاء خلق بعد ان لميكن و لميحدث فيه محبة الي الايجاد و لا توجه الي العباد و لا فعلية و لا استعداد بل هو علي ما كان ازلا ابدا بلا تغير و لا زوال فهو مع ذلك لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ و لايضاف الي شئ و لايضاف اليه شئ و لايلحظ مع شئ و لايقترن بشئ و لايدرك مع ذلك لان جميع ذلك ينافي الاحدية و جميع ذلك ذكر و صفة غيره و يمتنع معه غيره و قولنا يمتنع معه غيره نعني به انه حيث هو و لا حيث ليس معه غيره اي ان رُئي لمير غيره و كل ما يري مع شئ هو غيره و اما الخلق في الخلق فلايعقل امتناعه و عدمه و خلو عرصة و مكان منه او عدمه مطلقا اذ لو كان الخلق حيث الخلق معدوما حينا ما و لا حين يجب ان يكون ممتنعا لايوجد ابدا فان الله لايتغير عما كان و لا سائل عنه يسأل الايجاد و لا مقتضي للخلق من الله و لو كان لكان ابدا فلو لميكن خلق آناً يجب ان يكون ممتنعا يستحيل وجوده فلايجوز عدمه فان امتنع عدم الخلق حيث الخلق وجب وجوده نعم الخلق معدوم بمعني الامتناع في الواجب و ليس القديم عرصة غير عرصة الخلق نعوذ بالله فتتناهي بعرصة الخلق فالخلق ليس بذات [ص 252] القديم جل شأنه مع انه واجب في حده و مقامه و ازل يعني لميأت وقت خلقي لميكن الخلق خلقا نعم لميكن بذات الله ابدا و اعبر عن ذلك عند البيان بانه واجب بايجاب الله سبحانه لا بنفسه و قد نعبر عنه انه واجب لغيره بخلاف القديم جل شأنه فانه واجب لنفسه و لايلزم من ذلك تعدد القدماء فانه معناه وجود ذاتين مستقلتين فازيد و ليس الخلق بمستقل و انما هو بنفسه لغيره و هذا الخلق الذي عبرت عنه هنا جميع ما سوي الذات الاولي بلا نهاية بحيث لايشذ عنه شاذ و لاينفلت عنه منفلت و لايندر عنه نادر بوجه من الوجوه فهذه الجملة بهذا النظر آية احديته سبحانه لايقال لها مفعول اذ الفعل و الفاعل فيها و منها فلايقال لها مخلوق و لا مكون و لا حادث قائم بشئ و لا متصل بشئ و لا منقطع عن شئ و لاتضاف الي شئ و لاتنتسب الي شئ و ليست بصفة لشئ و لا عرض لشئ اذ لايعقل عرض بلا معروض و صفة بلا موصوف و الذات القديمة ليست بمعروضة و لا بموصوفة و لاتنتسب الي غيرها و ليست بفعل غيرها لعدم النسبة و الفعل نسبة و ليس غيرها و غيوره تحديد لما سواه و هذه غير محدودة ايضا و ان توهم متوهم جواز جميع ذلك زعما منه انها ترجع الي ما فيها من آية الحق اقول الآية مما اقول و فيما اقول فانقطع الكلام و خاب المرام ثم لايعقل في هذا اللحاظ تركيب لان المركب غير صفة التركيب و المراد بالمركب الذات الظاهرة بالتركيب كما ان المراد بالقائم الذات الظاهرة بالقيام و القيام فعلها و اثرها و دونها و غيرها و انت لاتجد بعد هذا اللحاظ شيئا تصفها به فاذا كان اللحاظ يعم المركب بالفتح و المركب بالكسر و التركيب و الاجزاء و الاقتران و التلازم و النسبة و التفاعل و الانفعالات و الانحلالات [ص 253] و الانعقادات و الامتزاجات و الاتحادات و نسبها و جميع ما يشترط في تركيب الشئ فيبطل التركيب بالكلية فان التركيب امر اضافي و الاضافة هنا ملحوظة حاضرة في محضر المضاف و المضاف اليه الاتري ان الذي يعم المشير و المشار و الاشارة تبطل الاشارة اليه و تستحيل فكذلك اذا عم اللحاظ الجميع بلا نهاية امتنع فيه التركيب و كذا التوصيف فهو بالحروف غير متصوت و باللفظ غير منطق و بالتشبيه غير موصوف و بالشخص غير مجسد و بالحد غير محدود و بالاوصاف غير متصف و بالافعال غير مفعول و بالعلل غير معلول و بالجواعل غير مجعول و بالاكوان غير مكون و بالاعيان غير معين و بالوجود غير موجود و لا ممثل و بالفواعل غير منفعل و بالكثرات غير معدود و بالاجزاء غير مجزأ و بالكليات غير مسور و بالغيور غير مقترن بريء عن الاضداد عري عن الانداد مبعد عنه الاقطار منفي عنه الحدود اجمل لك القول بما اجمله ولي الملك المتعال الذي ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود و هذا المقام لايشذ عنه شاذ من ذات او صفة و جوهر او عرض او ما يدخل تحت مصداق الشئ او يدرك او يمكن ان يدرك باحد المشاعر بل كلما في عرصة الامكان مما لايأتي في الاكوان بلا نهاية بالجملة هذا الملحوظ فوق الامكان فان الامكان حقيقة مصورة بصورة الصلوح و هذا الملحوظ يعمهما معا فهذا الملحوظ المعري عن الحدوث و التركيب و الحدود هو كينونة الله سبحانه و علمه سبحانه الذاتي المحيط بجميع ما سواه فلايخرج شئ من تحت علمه سبحانه جزئيا كان او كليا آتيا كان او ماضيا و اني و اني بل كلما قلت او قال القائلون بجميع انحاء القول في جميع الاوقات لايتجاوز هذا المقام فانا منه [ص 254] و اليه لانعرف غيره و انا لله و انا اليه راجعون فهذا المقام ايضا لايعقل فيه جبر و لا تفويض و لا منزلة فانه ذات الله العليا و كينونته العظمي القديمة الدائمة الازلية الباقية و الله لايجبر نفسه و لايفوض الي نفسه و لايختار في كينونته و لا منزلة في ذاته و هذه الكينونة هي مقام العلم الذاتي بجميع المعلومات من حيث هي معلومات فهي معلومات غير مكونات و لا معينات ثابتات غير موجودات و لا معدومات و الله سبحانه به يعلم جميع ما كان و ما يكون بعلم احدي بلا نهاية و لا كيف و لا استحداث علم و لا تعلم من احد لايزيد في علمه هذا شئ و لاينقص منه شئ اني و كيف و هو كينونة الله سبحانه و ذاته العليا فهي اذا علم و لا معلوم و سمع و لا مسموع و بصر و لا مبصر و قدرة و لا مقدور بالجملة في هذا المقام ايضا ينقطع الكلام و يخيب المرام و لايعقل فيه شئ مما يزعمونه و هذا هو شمس الازل في قعر بحر القدر التي لايطلع عليها الا الله الواحد الفرد اذ هي احديته و فرديته و هو علمه المكنون المخزون الذي لايطلع عليه احد سواه و قد مر الاشارة اليه و ان الله سبحانه لميخلق لنفسه علما و لميكن له و كان فاقدا قبله نعوذ بالله بل علمه سبحانه كمال ازلي و نور ابدي و هو من الذات كيدك منك و لايوصف منها باين و لا بكيف و لايفرد منها و لاتبان منه و ليس بينها و بينه حد و هو هي وجودا و شهودا و عينا اذ هي و ليس هو هي كلا و لا جمعا و لا احاطة اذ هو و اما قولنا انها ثابتات غير موجودات و لا معدومات نريد به انها لمتكن حينئذ موجودة بوجود خلقي و لا معدومة بعدم خلقي بل هي موجودة بوجود ازلي دائم ثابت فتعبيرنا عنها آنفا بالخلق انما كان من ضيق العبارة و قصر الاشارة و لاجل ذلك تداركناه [ص 255] بهذا البيان الطويل فهي الازلية الاولية الاحدية بل حقيقة الازلية و القدم و الثبات و الدوام و الابدية و ما يقع من هذه الالفاظ علي الذات المعراة عن الاسم و الرسم تعبير فافهم ان كنت تفهم فاذ لميجز فيه التركيب و الكثرة و الجهات و لمتكن الا كينونة الحق جل شأنه ذهب توهم الجبر و التفويض و المنزلة و انما هي هي كينونة الاحد و كماله و جماله الذاتي الثابت الدائم القائم فمن يجبر من و من يفوض الي من و من يجري من علي المنزلة بين المنزلتين و لا بيان بممكن الآن ازيد مما بان و لا قوة الا بالله .
فصل - و اذا نظرت اليها نظرة اخري و رددت الطرف كرة بعد اولي و قطعت النظر عن الحق اللابشرط الذي هو منتهي الحظ لنا من الذات الغيبية القديمة المعراة عن الاسم و الرسم و الذات الظاهرة بالكينونة الحقيقية و التفت الي الكل من حيث اجتماعها في معني واحد كلي يصلح للتجلي بالكثرات بالقوة المطلقة بحيث يعم الذوات و الصفات و المؤثرات و الآثار و المعاني و الصور و الحدود و القرانات و الاوضاع و النسب و الارتباطات لاتجد الا وجودا مطلقا لا غاية له و لا نهاية الا انه قد تعين بنفي السوي كونا و عينا و صلوح الظهور بالكثرات فهو اول التعينات و اول مركب حدث في عرصة الامكان و السرمد و هو لعدم انتسابه الي ما فوقه و عدم ارتباطه به لما ذكرنا يكون مخلوقا بنفسه لا بغيره اذ الذات العالية الغيبية لاتكون آلة للخلق و ليس فيها ذكر غيرها و الكينونة الظاهرة هي الوصف الحق الاحدي المتعالي عن النسب فكان الوجود المطلق مخلوقا بنفسه و ان كان لغيره الظاهر فيه فهو من حيث انه وجود مطلق يكون له من حيث انه صفة الكينونة و صفة الكينونة هي غير [ص 256] نفسه في التعبير بل هي المثال الملقي فيه و انما يمنع عن الجولان ضيق المكان و مَيَدان الميدان فلايبان فوق ما بان و لا بعد ذلك الا العيان الا اني اقول لك ان الوجود المطلق مطلق في الاطلاق كما ان القائم قائم في القيام و اما فوق القيام فلا قائم و هناك يسمي بما يكون لا بما لايكون و من هذا تبصر امرك فالوجود المطلق مخلوق بنفسه لغيره ليس بينه و بين الله ارتباط و هذا معني قولهم عليهم السلام لا كيف لفعله كما لا كيف له و هذا الوجود قد حدث بنفسه يعني نفسه هي آلة احداث نفسه فهو المحدث بالكسر و المحدث بالفتح و الاحداث و احدث و جميع ما يشتق منه و يؤل اليه فهو قائم بنفسه لا بغيره و هو قول الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها فاذ كان هو بنفسه يد احداث نفسه و جري احدث علي يده بها علي حسب ما يقتضيه و يهواه فلا جبر اذ لا جابر و هو بنفسه اذا احدث نفسه علي حسب ما يشتهيه و يختاره لايعقل ان يجبر نفسه و الجبر هو احداث امر علي ما لايقتضيه المجبور و هو الفاعل لنفسه بنفسه علي حسب اختياره و اقتضائه هذا و لميأت وقت سرمدي لميكن هو هو و هو لا غاية له و لا نهاية فمن الجابر و من المجبور و ان قلت اذا كان هو الفاعل لنفسه بنفسه فاي ربط بينه و بين الله سبحانه و كيف صار خلقه و فعله و مشيته قلت لا شك ان الله سبحانه خلقه الا ان ذات الله سبحانه بذاتها ليست بفعل و حركة متعلقة بغيرها و ليس ذات الله بمعني خلق و انما خلق فعله و انما يخلق ما يخلق بفعله و هذا هو فعله لايصلح ان يكون بفعل آخر غيره لانه اول صادر عنها و لايصلح ان يكون الذات حركة الذات فالله سبحانه خلقه هكذا كما انك تفعل ساير افعالك بنيتك و النية توجدها بنفسها لا بذاتك [ص 257] و لا غيرها و لا غير بينك و بينها و ما دونها اثرها و هكذا توجد الذات اول صادر عنها و لايعقل غير ذلك و اما النسبة فانها نسبة تعبيرية و لا نسبة اذ الذات احدية لاتثني و لاتوجد صفة في الذات البحت البات و النسبة صفة فهو خلقها و فعلها بلا نسبة و لا ارتباط و لا كيف لذلك كما لا كيف له و قد ذكرنا سابقا انه هو بنفسه آية الرب من غير ظهور الآئية فهو فعل الرب جل شأنه و هذا المعني محال ان يدرك باحد المشاعر المخلوقة به الا ان يدرك به فان اعددت المشعر فاستشعر و الا فاحذر كل الحذر من النظر فانك تتيه في واد موحش لا نجاة لك عنه بالجملة اذا كان بنفسه فاعل نفسه و هو لايفعل الا ما يقتضي و لاينفعل الا علي ما يقتضي فلا جبر و ان قلت فهو التفويض اذا فوض اليه فعل نفسه قلت كيف يعقل تفويض و ليس الا فعل الله سبحانه وحده و لميوجده الا الله سبحانه و هو ايجاد الله سبحانه و ليس هو بشئ غير نفس ايجاد الله فاين التفويض و من المفوض اليه فامتنع الجبر و التفويض بكل وجه و كيف لايكونان بممتنعين و الحال ان الامكان الذي هو ذلك الوجود مخلوق لله به بغير جبر و لا تفويض و ذات الله سبحانه ليس بمعني الجبر و التفويض فهما ممتنعان لايعقلان و لايفرضان فالمتحاور بهما متحاور بالمحال و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و في هذا النظر ليس شئ غير هذا الوجود و ليس ينتهي الي غيره من ذات او معني او صورة او فعل او اثر بوجه من الوجوه قد ملأ جميع اطباق الكاينات ليس شئ غيره حيث هو اي اذا رُئي كما لميكن ينتهي اليه الوجود الحق لا الي ذاته و لا صفته التي هي نفي السوي و عدم الشرط اذ كان لا بشرط و كان يطوي باحديته هذا الاثبات و هذا النفي و هذا [ص 258] النفي شئ و هو الامكان و هذا الوجود هو صفة كينونة الله سبحانه و ظلها و نفسها القائمة بها فيها و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن و ان كانت الكينونة ايضا هي الذات الظاهرة للذات الباطنة الغيبية الممتنعة التي لاتدرك في البيان الاعلي الاعلي الاعلي فانها هي الذات المستجمعة لجميع الصفات القدسية و الاضافية و الفعلية و الذات الغيبية عميً بحت و لا تعين محض و لا اسم لها و لا رسم فيا اخي فقد والله كشفت السبحات و محوت الموهومات و هتكت الاستار و ازلت الغبار و هذا غاية الايضاح فاطفئ المصباح اذ قد لاح الصباح و لا بيان اوضح مما بان فان فهمت مع ذلك فانت انت و اعوذ بالله من الاضاعة و استجير به من الاذاعة و اسئل الله الستر عن مشاعر الاغيار و الكشف عن اعين الابرار و امتنع به عن شر الاشرار و احتجب بكنفه عن كيد الفجار .
فصل - اعلم ان هذا المقام هو مقام الربوبية اذ مربوب صلوحا و اذ لا مربوب كونا و عينا كما كان المقام السابق مقام الربوبية اذ لا مربوب صلوحا و كونا و عينا و كما انه لميكن مع الرب اذ لا مربوب مربوب بلا نهاية لميكن مع الرب اذ لا مربوب كونا و عينا كون و لا عين بلا نهاية فالمقام السابق فوق ما لايتناهي بما لايتناهي و لا فوق و لا تحت و هذا الوجود منطو تحت الوجود الاول فالوجود الاول لاينتهي الي ذاته الاثباتية و لا صفته النفيية و هذا النفي عند الوجود الاول اثبات منطوٍ تحته اذ الظلمة عنده ضياء فلايري نور الا نوره و لا ضياء الا ضياؤه و النور من الضياء بلا تجزّؤ و لا تبعض و لكنه فعلية الضياء و عيانه و الحكمة تقتضي اظهار ما في الكيان الي العيان و الا لكان [ص 259] متناهيا و لو لميظهر ما علمه من غامض علمه الي وجود معاين لكان ناقصا فاقدا مترقبا و الحكمة غير تامة لان تمام القوة الفعل و تمام العلم المعلوم و تمام الكون المكون و تمام البطون الظهور و تمام الاحد الاعداد و ما لمتكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و ان كان قادرا و هذا الفعل من تلك القدرة و القوة بلا اتصال و لا انفصال و لا تجزّؤ و لا تبعض الا انه لا شئ الا هي اذ هي و لا شئ الا هو اذ هو ليس هو بخلو منها و لا هي بخلو منه و هو هو و هي هي لا هو معها و لا هي معه و هو اسمها و رسمها و لميكن لها عند اختراعها اياه زيادة و لا نقصان و هو منها بلا تجزّؤ و ظاهرها بلا تبعض يدعو الي مولاه و يشير الي معناه و هو مخترع من نفسها المشار اليها بقوله و يحذركم الله نفسه و هو الواحد و هي الاحد كما بينا و شرحنا في محله و مقامه و لا فرق بينها و بينه الا انه ظهورها و تجليها و هذا التجلي هو الاول الذي لا اول قبله اذ ليس الاحد اول اذ لا ثاني له فليس يوجده الاحد بشئ قبله و انما اوجده بنفسه و تجلي له به لا بغيره فبطل الجبر و التفويض و جاءت المنزلة التي ليست مركبة من جبر و تفويض اذ هما ممتنعان و هي ممكنة ثابتة بلحاظ و واجبة دائمة بايجاب الله سبحانه بلحاظ و جاء الاختيار و زهق الاضطرار اذ هو بنفسه اختيار الله المختار قد اختار لنفسه ما اختار و هذا هو سر الاسرار عند اهل الاعتبار و هو بحر الاقدار الذي في قعره شمس الاقتدار لايطلع عليها الا الملك الجبار و هذا البحر هو بحر النور المفاض من شمس علمه المستور المهيمن علي الامور و هو قول الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
[ص 260] فصل - و اذا نزلت نزلة اخري رأيت حقيقة الكاينات و عرصة الموجودات و تفاصيل الفعليات لتلك المقامات في حدودها و امكنتها ثابتات و هي من شمس الاطلاق كالنور من السراج و الظل من الشاخص قد تجلي الوجود الاول لها بها و هي بانفسها فعل الوجود الاول لنفسها خلقها بها الاتري ان السراج لو انطبع نوره في مرآة يكن ذلك النور من السراج بلا واسطة فعل آخر غيره و انما هو فعله و ظهوره به ظهر له و اذا انطبع عكس ما في المرآة في مرآة اخري كان العكس الثاني بالنسبة الي العكس الاول كنسبة العكس الاول الي السراج فالعكس الاول يظهر بالعكس الثاني بنفسه و هو فعله و ظهوره ظهر له به و ان كان يقال ان السراج ظهر للمرآة الثانية بالمرآة الاولي لكن المرآة الاولي لمتظهر للثانية بواسطة و ما في الثانية بنفسه فعل ما في الاولي و ظهوره لا غير فالوجود المطلق و ان كان نور الكينونة و صفتها قد ظهرت له به و هو فعلها خلقت نفسه به لكنه موجد للوجودات المقيدة التي دونه و خلقها بها و جعلها فعل نفسه في احداثه اياها فخاطبها الله من ورائها بلسانه كن و هو الاذن في ان تكون و فاعل الكون هو هي الاتري انك تقول لزيد اقعد و اقعد اذن لاحداث زيد القعود و ليس بايجاد قعود فلما اذنت له بالقعود يقعد و يكون زيد هو فاعل القعود و موجده بالبداهة فالوجود الاول هو لسان الله الناطق بكن الاذنِ في ان يفعل المأذون اي يكون و كن فعل الآذن في ايجاد المأذون به و هو الكون و انت لعلك سمعت منا ان المشتقات التي مادتها واحدة عرصتها واحدة فقول كن الذي هو الاذن مصاقع ليكون و الكون فالوجود الثاني الذي هو الكون اي الكاف و الواو و النون بعد [ص 261] ما وجد مقتضيه و هو نفسه و فقد مانعه و هو ما سواه و اشفي علي الخروج و خرج من القوة الي الفعل كان كونه الخارج من حيث الرب قول كن فكن من حيث المصداق مقدم علي يكون اذ لولا الاذن لميكن و من حيث الظهور متأخر عن يكون فانه مشتق منه و لايتولد منه الا بعد ان يصفي عن حرف الترقب و الانتظار بالصعود الي الجبار و يتطهر عن حرف الحد و الكثرة بالترقي الي مبدء الوحدة فاذا زال الانتظار و كمل المقتضي و فقد المانع فهو من حيث المبدء اذن له لان يكون في الحال فيكون في الحال بلا مهلة الاتعتبر من ان فاعل كن هو فاعل يكون و هو انت و هو المفعول الذي اوجده الفاعل بفعله و هو كوّن فالمفعول هو فاعل فعل الفاعل له فكَوْن انت فاعل كن لانه هو يكون المصعد و انت هو فاعل يكون فهو فاعل كن لكن لاضمحلاله عند الوجود الاول صار امره و الآمر به هو الوجود الاول كما ان الفعل هو من الوجود الثاني و صاحبه هو الوجود الاول يملكه به فاذا كان الوجود الثاني عند الوجود الاول مخلوقا بنفسه يعني كان هو موجودا بايجاد نفسه يعني كان هو الموجد و الموجد و الايجاد و الوجود و المنوجد و اوجد و ساير ما يؤل الي الواو و الجيم و الدال فاين يتحقق الجبر و قد اوجد علي ما شاء و انوجد علي ما شاء و اين التفويض و هو بكله ايجاد العالي علي ما عرفت و ظهوره فدقّق النظر ماتري غير المنزلة بين المنزلتين و الامر بين الامرين فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان جميع الموجودات وجدت علي حسب مقتضاها و اوجدت علي حسب استعدادها بلا زيادة و لا نقيصة و الجبر ممتنع غير موجود فانه ايجاد بلا انوجاد و التفويض ممتنع فانه انوجاد بل وجود بلا ايجاد و هما [ص 262] محالان في الحقايق المخلوقة بانفسها التي نفس كونها ايجاد الله سبحانه و خاب و خزي من زعم ان الامر مركب من شئ من الجبر و من شئ من التفويض و ليس بجبر بسيط و تفويض بسيط اذا اختار الكفر و الشرك معا و خاب من زعم ان الخلق بالجبر حذرا من الشرك فوقع في الكفر و خزي من زعم انه بالتفويض حذرا عن الظلم و الكفر فوقع في الشرك فالصراط المستقيم الصادر عن النبأ العظيم هو ما شرحناه و بيناه و هو النمرقة الوسطي اليها يرد الغالي و بها يلحق التالي من تقدم عليها مرق و من تخلف عنها زهق و من اخذ بها لحق و الحمد لله علي ما انعم علينا بنور اوليائه عليهم السلام ما نهتدي به في ظلمات حندس المعضلات و نستخرج به كنوز لآلي المبهمات و صلي الله علي محمد و آله سادة البريات و رهطه غاية المخلوقات .
فصل - هذا الذي ذكرنا من حقيقة الجبر و التفويض كان في الكينونات و الذوات و هي في جميع مراتبها علي ما بينا و شرحنا فكل رتبة دانية مخلوق بنفسه عند الرتبة العالية و هو بنفسه فعل العالي و مفعوله قد خلقه به و اذن له في احداث نفسه علي ما احب و شاء فخلق علي ما احب و شاء و انخلق علي مقتضي استعداده و هذا قول احدهم عليهم السلام ظاهرا لو كشف الغطاء لمااخترتم الا الواقع و هو قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و من اسباب الاشكال التي اشكلت علي الناس هذا الداء العضال تداولهم المسئلة بغير لسانها و استشعارها بغير مدركها فيريدون ان يدركوا المسئلة التي فوق افئدتهم بمدرك خيالهم و تصورهم و هي محال ان تقع في اذهانهم و معذلك يفحصون عنها و يبحثون و يقعون في تيه الضلالة فيَضلون و يُضلون [ص 263] حتي انهم اذا ارادوا ان يتصوروا كيفية الخلق و الاحداث يتصورون فضاء واسعا او برية قفرا و يتصورون الله واقفا في جانب وحده و ذلك حين سمعوا انه كان و لميكن معه شئ ثم يسمعون انه قال كن فخلق الخلق فيتصورون انه نطق بلفظة كن و لعله بصوت جهوري شديد باعلي صوت فاذاً صار الخلق موجودين بحضرته و هو يراهم و يعلمهم فيتحيرون في انه لميكن شئ لان الخلق حادث و الحادث مسبوق بالعدم و الله خلقه لا من شئ فاين كان قابلية و استعداد فخلق ما خلق كما شاء و اراد فيتحيرون في معني الاختيار و لايدركون منه الا الاضطرار و ان ترقوا من ذلك شيئا فيفرضون الله فوق و الخلق تحته كما ان السماء فوق الارض محيطة بها و ان سمعوا كثرة التنزيه يَفرضونه كالهواء الذي لايرونه و هو في كل مكان و ان ترقوا من ذلك فيفرضونه كالجسم المطلق و هذا غاية ما في الباب فعند ذلك يقولون بوحدة الوجود و ثبوت الاعيان في الذات و اتحاد العاقل و المعقول و الوحدة في الكثرة و امثال ذلك و حاشا ان يكونوا ترقوا هذا المقام الاتسمعهم يقولون كل ما هو فوق العرش بسيط و يقولون بسيط الحقيقة كل الاشياء و ليس ذلك الا من جهة انهم ارادوا تحاول المسئلة بغير مدركها فصار اختلافهم كاختلاف السامعين العميانين في الالوان فمنهم من يقول ان الصفرة زير و منهم من يقول انها بم و منهم من يقول ان الحمرة حادة و منهم من يقول انها ثقيلة و من فتح الله عين بصيرته يستغني عن كتب محققي السامعين و مدققيهم و يعلم انهم لاغون مزخرفون جهال و ان سموا انفسهم باللضالض الفخام و القماقم الكرام و يري الورقة قد انقلبت بالكلية و يري جميع ما جمعوا قد بقي في جانب ، فنحن بواد و العذول بواد ،
[ص 264]فمن كان ذا عين يشاهد ما قلنا و ان لميكن عين فيأخذه عنا
و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
فلا جبر و لا تفويض و انما هو امر بين الامرين غير مركب منهما و هو حكم الاختيار الربوبي في جميع ما هو غير الواجب جل شأنه .
فصل - و اما في عالم الزمان الظاهر و ان كان يُستغني عن البيان فيه بما ذكرنا في العوالم السابقة بانطوائه تحت الاحد تارة و تحت الواحد اخري و تحت الحقائق ثالثة الا انا نذكره في فصل خاص بما يناسب عالمه استظهارا و توضيحا للمتعلمين فنقول ان الله سبحانه بعد ما خلق الجسم في حده و مقامه علي ما ذكرنا في الحقايق كان ذا قوة جميع الفعليات الجسمانية يعني يصلح للتجلي بجميع تلك الاطوار و الظهور بكل تلك الانوار لانه جمود الوجود المقيد الصالح لجميع الاطوار الوجودية و قد عرفت انه من عدم تناهي القدرة ان تكون ظاهرة بالفعلية في محلها و لولا ذلك لكانت محدودة ناقصة منتظرة موقتة حادثة فاِمٰا ان تظهر بعد حين فتتغير و اِما ان لاتظهر فيمتنع الظهور بعدُ و المفروض خلافه فصار الجسم المطلق الذي فيه قوة الظهور بالفعل ظاهرا بالفعل لعدم ترقبه ان يحوله غيره عن حاله او يرجح احدي قواه سواه و ما بالقوة لايبقي في القوة الا من جهة ضعف فيها يمنعها عن الظهور و احتياج الي مكمل مقوٍ له كالمريض الذي في قوته المشي و تضعف قوته عن الاستقلال في المشي فيحتاج الي مكمل للمقتضي و رادع للمانع و لو كانت القوة قوية لمتبق في ستر الامكان و خرجت الي عرصة الاكوان الاتري ان ما في الدخان من امكان النار لو كان قويا لميبق في ستر الخفاء و برز الي الفضاء [ص 265] و صار شعلة مضيئة فمن هذا تبصر امرك و اعرف ان ما بالقوة لو لميظهر الي الفعلية لدل علي ضعفه و الضعف حد محدود و نقص مشهود فالفعل تمام القوة و كمالها و ما لميكن كليات الحكمة اي الاطلاقات تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فمن عدم تناهي الاحد جل شأنه انه لميترك عرصة من عرصات الوجود الذاتية و الوصفية و الفعلية و الاثرية الا و قد ملأها من ظهوره و عمرها بنوره تعالي قدره فمن تلك العرصات عرصة الجسم فلما كان الجسم ذا قوة جميع الفعليات التي لا نهاية لها و كان ما في قوته كاملة و لميكن محتاجا الي مكمل خارجي اذ كان مخلوقا بنفسه و هو لاينقص عن نفسه لوجود المقتضي و فقد المانع ظهر بجميع الفعليات التي لا نهاية لها ابدا و هي كلها في محالها و اوقاتها مقضية ممضاة مكتوبة لايزيد فيها شئ و لاينقص منها شئ و تلك الفعليات عنده مخلوقة بانفسها و كانت انفسها يده في خلق انفسها فاجرتها علي ما اشتهت و جرت علي ما هوت بلا جبر و لا تفويض الا ان من تدبير الحكيم في تدرجها الجسماني ايضا منزلة معضلة تحتاج الي التفصيل فنقول بلسان عالم التدرج فانه ينبغي للحكيم ان يتكلم في كل مقام علي حسبه و هذا ايضا احد اسباب الاشكال لافهام الجهال فنقول لما كان الجسم في غاية البعد عن المبدء و يغلب عليه البرد و الكثرة و الاختلاف و تباين الاجزاء اختلف احياز اجزائه فمالت اجزاؤه الثقال الي جهة و اجزاؤه الخفاف الي جهة و تشاكلت الخفاف و استدارت و اختلفت الثقال في هيأتها و حدث من اختلاف طبقات الخفة و الثقل كرات ثلثعشرة علي ما هو المعروف و سر تناهيها الي هذا العدد مما يليق بغير هذا الموضع فصارت [ص 266] كليات عالم الاجسام اولا ثلثعشرة و هي الكرات المعروفة و هي في بساطتها متجددة الحدوث و ان كانت حالاتها في الجملة متشاكلة و سبب تجدد حدوث حالاتها انها اي الحالات ارقام تسطر في الواح موادها شيئا بعد شئ و ما لميمح السابق لميمكن رسم اللاحق لضيق المحل و كونه عرضيا فهي اي المواد فوارة يظهر عنها الفعليات التي وراءها شيئا بعد شئ و هي تنتقل فيها و تتقلب فهي اي الحالات متجددة بروزا و ظهورا من حيث ترتب بعضها علي بعض و ثابتة دائمة كل في محله و مقامه وجودا في الخارج و ظهورا عند الله سبحانه و جميع تلك الحالات تظهر عليها باللحاظ الثاني علي حسب قابلية تلك المواد للسير الي المبدء و الاشراق الواقع عليها من المطلق المهيمن عليها الجاذب لها اليه الي ما لا نهاية له فلا جبر و لا تفويض و اما باللحاظ الاول فكلها فعليات المطلق و كمالاته التي هي من تمام القوة و القدرة و عدم تناهي الاحدية كما عرفت و لما كان الجسم مخلوقا بنفسه في مقامه و من البين ان كونه فعلا للعالي اعلي من كونه مفعولا له ظهر حيث فعليته في الاعالي فصارت مظاهر الافعال و حيث مفعوليته في الاداني فصارت مظاهر المفعول فبدت في اعاليها الحركة و الفعل و في ادانيها السكون و الانفعال و حدث من بين هذا الفعل و الانفعال حوادث صارت مظاهر لتلك القوي التي كانت في الجسم فحكت الظواهر بحذافيرها قوي الجسم كما عرفت و تلك القوي ارواح غير مميزة في ابدان هذه المظاهر و هذه المظاهر تمامها و كمالها و وجودها الخارجي و تعينها و تميزها في الخارج فلما دارت الافلاك علي الارضين و دورانها افعالها القت شعلاتها و طرحت انوارها علي حسب ما اقتضت من حالات كواكبها و قراناتها [ص 267] و تلك الانوار المطروحة هي الاثر الصادر اي الكون المصدري الصادر من قول كن الذي هو حركتها علي المنتهي و ذلك الاثر اي الكون رسولها المؤدي عنها الي رعيتها و دعوتها المنزلة علي امتها فوقعت تلك الدعوة في آذان المستمعين فساع سريع نجا و مؤخر بطيء رجا و معرض في النار هوي و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فصار الامر بين الدعوة و القبول و الفعل و الانفعال فالفعل من السموات العلي و الانفعال من الارضين السفلي فما لمينفعل شئ من الارض لميظهر شئ من فعل السماء كما لميظهر تصعيدها في الصخرة الصماء و ما لميفعل السماء لميتحقق شئ من انفعال الارض كما لميظهر في الهواء حركة قبل تحريك السماء اياه فاذا صدر الفعل من السماء و صار اجزاء الارض قابلة حدث ما حدث كالبخار الصاعد ففيه قابلية مطاوعة و فعل من الافلاك صاعد و هو الشعاع الملقي فيها و حرارة منها فما تر فيه من صعود و ارتفاع فمن السماء و ما تر فيه من ثقل و انحطاط فمن نفسه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير فمن زعم ان ما يحدث في الارض بتأثير الكواكب ليس للناس فيه اختيار قول صادر عن جهل فلم لايضر رجعة المريخ بالفلاحين و لم لاينفع استقامة زحل بالعساكر و الجيوش و ليس ذلك من محض انهم من مسقط نطفتهم اختصوا بكوكب فلايؤثر في غيرهم فان ذلك الطالع في ذلك الآن لو كان يجبر السفلي كائنا ما كان من غير قابلية منه لكان كل مولود علي طبعه و لكنه بحسب القوابل و لا شك ان الارض كانت صالحة لما آلت اليه و الا لماكانت تؤل اليه فاذا كانت صالحة [ص 268] و انت تري اختلاف اجزائها كانت بعض اجزائها اقرب الي الانفعال و بعضها ابعد و هذا هو المراد من استعدادها و ان الافلاك تخرج ما في كيان الارض الي العيان و لاتوجد فيها ما لميكن فيها فانها من جنس الارض في الجسمانية و مكمل لها لا مؤثر فافهم ان كنت تفهم ، فتبين ان المخلوقات في عالم الزمان ايضا بفعل و انفعال و هو حقيقة المنزلة بين المنزلتين عند اهل الكمال فلولا الفعل لميتحقق الانفعال و لولا الانفعال لميظهر الفعل و لولاهما لميظهر الشئ فلا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين .