بقي شئ و هو ان تعلم ان الممحو من لوح زمان اثباته و مكانه يعدم بالمرة او يمحي عن لوح الجسم الظاهر به و قد اشرنا سابقا الي ما يكشف عن المسئلة الا انه يجب التصريح به لئلاتقع شبهة في ذهن المطلع علي كتابي هذا فاقول ان الصورة الفعلية كلمة كونية الا انها عرض للجسم الظاهر بها و لذلك تتغير تلك الصورة و تتبدل و الجسم باق علي حاله فهي كلمة عرضية بالنسبة الي معروضها و ان كانت جوهرية بالنسبة الي اشباحها الصادرة عنها و تلك الكلمة لها مكانان مكان ذاتي هو من حدود وجودها و هو الفضاء الوجودي الذي شغلته و مكان عرضي تشغله ثم [ص 203] تخرج عنه فيشغله غيرها كما ان لوجود زيد مكانا ذاتيا و هو ما شغله بذاته لذاته لايمكن له انتقاله عنه و هو فيه ابدا دهريا اين ما كان من الامكنة العرضية و هو من حدود ذاته به امتاز عن غيره و مكانا عرضيا و هو الفراغ الظاهري بين هذه الاجسام يشغله فاذا انتقل عنه يشغله غيره من الاجسام فكذلك لصورة زيد التي تجلي بها من لون او شكل او غيرهما مكانان مكان ذاتي تشغله تلك الصورة في عالم الصور لايسع لغيرها فلايحل فيه جوهر لانه مكان ذاتي و لا صورة اخري فانه من حدود وجودها و محل شهودها في عرصة الملك و محل عرضي لها و هو جسم زيد فانها تذهب و تقعد في مكانها صورة اخري فتذهب الحمرة و يأتي البياض و يذهب القصر و يأتي الطول و تذهب الخفة و يأتي الثقل و هكذا فعلم ان الجسم ليس بمحل ذاتي لهذه الاوصاف تعرف به عن غيرها و الا ماكانت تزول عنه و الشئ ما لميمض لميكتب في لوح مكانه فاذا امضي كتب في ذلك اللوح و برز الي الشهود و ميز بحدوده عن غيره و كذلك يكتب ذلك الشئ بوقته و حدوده علي لوح آخر عرضي ، و كذلك للشئ وقتان وقت من حيث نفسه التي لايذكر معها غيرها فيه فهو من مميزاته و هو امتداد ترتب ما ينزل اليه من الامداد و وقت آخر اذا لاحظته مع غيره في وضعهما بانه قبل فلان فهو في ماضيه و بعد فلان فهو في مستقبله و مع فلان فهو معاصره و مساوقه و كل شئ من حيث نفسه يمضي في وقته الذي هو من حدوده و له مع وقته نسبة الي غيره من حيث الوضع الزماني و هذا الزمان هو الزمان العرضي الذي يكال بالليل و النهار و حركة الافلاك و لذلك قيل الزمان مدة لبث الشئ في مكان او انتقاله عنه و الشئ اذا امضي [ص 204] امضي في مكانه و وقته ثم له من حيث الاقتران حكم ثان و كتابة ثانية فامكنة الاشياء الذاتية و اوقاتها كلها دهرية فان لمتكتب في لوحهما لمتكن و ان كتبت كانت ممضاة لاتقبل المحو لانه اذا وقع القضاء بسبب الامضاء فلا بداء و هي في لوح الدهر ابدا مكتوبة من هذا الحيث و اما من حيث الاقتران بشئ آخر فيمر عليه زمان عرضي يحده الايام و الشهور و السنون فربما يكون شئ حالا علي جسم ثم يرفع عنه و يوضع غيره فمتي ما كان مع شئ حالا فيه كان مثبتا عليه فاذا رفع عنه محي و اثبت غيره كما انك تقعد في البيت يوما فتثبت علي لوحه ثم تقوم و تخرج فتمحي عن لوحه فاذا اثبتت فيه فقد اثبتت فيه يوم الجمعة مثلا و اذا محيت عنه محيت يوم السبت و اما انت بنفسك حيث امضي وجودك و اثبتت في مكانك الذاتي و وقتك الذاتي فلايعقل محوك عنه فمعني قوله هل يثبت الا ما لميكن و هل يمحي الا ما كان هو في الامكنة العرضية و الازمان العرضية فيمحي من لوح البيت ما كان ثابتا عليه و يثبت عليه ما لميكن ثابتا عليه فصورة زيد التي ظهر بها في يوم الجمعة نفس تلك الصورة اذا خرجت في عالم الامضاء اثبتت في مكان وجودها و وقت شهودها و هما دهريان فاذا امضيت كتبت في لوح الدهر من حيث نفسها و علمه سبحانه بها ثابت علي ما كان بلا تفاوت و كتبت في لوح الزمان علي جسم زيد في ذلك اليوم فمكانه جسم زيد و وقته يوم الجمعة فاذا جاء يوم السبت و تصور بصورة غيرها مصادمة لها في المكان العرضي رفعت الصورة الاولي عن ذلك الجسم فاذا رفعت لمترفع عن مكانها الذاتي الدهري و وقتها الدهري و انما رفعت عن مكانها العرضي و جاز الجسم عن حد الاقتران بها [ص 205] لانه دائم الصعود و تركها خلفه و بقي الجسم صالحا لها علي ما كان قبل الاقتران بها و لو كتبت عليه ايضا تلك الصورة ثانيا لمترد نفس تلك الصورة الماضية فانها خلفت في مكانها لاتحول عنه و لاتزول بل يعود اليه مثلها فليس في قوة الجسم تربيع واحد مثلا اذا خرج لميبق فيه تربيع آخر و اذا غير دخل ذلك التربيع بعينه فيه فيكون ثانيا في قوته بل كلما خرج من قوته الي الفعلية لايعود الي القوة ابدا اذ لا بداء فيما امضي فكل شئ خرج من الامكان الي الاكوان لايعود الي الامكان ابدا قال الله سبحانه ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها و قال الصادق عليه السلام في اللبنة المعادة هي هي و هي غيرها ، يعني هي ذلك الطين و هي غيرها من حيث الصورة الا انها مثلها فاذا محيت الصورة الاولي و كانت بالفعل مضت بوقتها و مكانها الدهري فليست علي الطين الا ان الطين قابل لان يخرج من قوته الي الفعلية صورة اخري مثلها او مخالفة لها فباعتبار لا محو اذ بقي كل صورة في محله و تجاوز الجسم عنه و كذا بقي اقترانه العرضي بها ايضا في محله و هو الاعتبار الدهري الذي يلحظ كل شئ فيه بالنسبة الي نفسه و باعتبار يكون محو فان الجسم خلع الصورة الاولي و لبس غيرها ففي عالم الزمان اي امتداد اقتران وصف بوصف محو و اثبات و لكن كان في علم الله اذا محي انه يمحي و اذا اثبت انه يثبت فلا تغير في علم الله و انما التغير في عالم الزمان و هذا المحو و الاثبات بديهي لاينكر كما مثلنا له امثلة عديدة و لا شك ان الجسم في كل حال امكان و صلوح لما يجوز ان يتصور عليه و لا شك ان الامكان عدم الكون فجميع ما لميأته معدوم عنده و كذا جميع ما جاوزه و ان كان جميع [ص 206] ما جاوزه و ما يأتيه في امكنتها الدهرية موجودة كما قد تري بعينك الدهرية في طيفك او غيره ما لميأتك و ما جاوزك و هما في زمانك عندك معدومان و لست تريهما بعينك الزمانية فافهم ان كنت تفهم و اغتنم .
فصل - اذا عرفت ان ما سوي الاحد سبحانه مركب مجزي و له مادة فيها اشتراكه مع ما يساوقه و له صورة بها امتيازه فاعلم ان لكل موجود من بدو وجوده الي منتهي شهوده الخاص به اربع مراتب لان مادته المشتركة لها مادة نوعية و هي بالنسبة اليه صلوح مطلق و صورة نوعية بها تسمي بالمادة و تلك الصورة من فعليات ذلك الصلوح الاطلاقي و هما معا صلوح ثان للمادة الشخصية التي هي حصة معينة منها غير مشخصة و هذه المادة الشخصية صلوح ثالث للصورة الشخصية و هي من فعليات هذه المادة الشخصية التي تصلح لها و لغيرها و مرادي من الحصة ليس علي ظاهرها فان النوع بنفسه لايتحصص و لايتبعض كتحصص الطين الظاهر الي حصص بل هذه الحصة شعاع و نور منه و مثال القاه في هوية الصورة الشخصية فالصورة النوعية من فعليات المنير و اشراقه و اثره و محلها في الوجود دونه و الصورة الشخصية من فعليات النور و اشراقه و اثره و محلها في الوجود دونه و مرادي من كون النوع صلوح المادة الشخصية انه صالح للظهور بالمادة الشخصية لصورتها لا انها صالحة للتبعض و لو كانت المادة الشخصية بعض المادة النوعية لماصدق علي كل مادة شخصية اسم الكل و يسمي الصورة النوعية بالمقومة و الصورة الشخصية بالمتممة و قد نعبر عن هذه المراتب بالحل و العقد فالمادة حل و الصورة عقد فنقول ان الشئ لايتم الا بحلين و عقدين و من البين ان الشئ لايوجد الا بايجاد الله [ص 207] سبحانه بمشيته و فعله المتعلق به المقارن له فان السبب ما لميكن من جنس المسبب لميتأثر المسبب منه فلاجل ذلك صار كل شئ مخلوقا بنفسه عند العالي القريب منه و قد شرحنا في علم الاشتقاق ان المشتقات التي مادتها واحدة صقعها واحد و كل تلك الهيئات من فعليات تلك المادة و صفاتها التي ظهرت بها فلا بد من اتحاد صقع الفعل و الفاعل و المفعول و ساير ما يشتق من الفاء و العين و اللام فبذلك صار كل شئ مخلوقا بنفسه فلهذه المراتب مقام فعلي للعالي القريب منه و مقام مفعولي فالمادة النوعية مخلوقة بفعل يسمي في اصطلاح الائمة الاطهار صلوات الله عليهم بالمشية و الصورة النوعية مخلوقة بفعل يسمي بالارادة و المادة الشخصية مخلوقة بفعل يسمي بالقدر و الصورة الشخصية مخلوقة بفعل يسمي بالقضاء فاذا وقع الشخص مشروح العلل مبين الاسباب في الخارج يسمي الفعل الموقع له كذلك بالامضاء و لما وقع في مكان حدوده و زمان شهوده يسمي الفعل المثبت له كذلك بالكتاب و لما كان في كل رتبة واقفا بباب الاذن و ان كان مقتضيه موجودا و مانعه مفقودا يسمي الفعل المتعلِق باجابة دعوته بالاذن و لما كان في جميع هذه المراتب لوجوده اول و آخر يسمي ذلك الامتداد بالاجل فلاجل ذلك روي عن الصادق عليه السلام ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر و قد مر تفصيل هذه المراتب في حديث الكاظم عليه السلام المفصل فبالعلم كانت المشية و بالمشية كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء و قال الرضا عليه السلام ليونس [ص 208] يا يونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول فتعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء فتعلم ما القدر قال لا قال هي الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء قال ثم قال و القضاء هو الابرام و اقامة العين الخبر ، فلعلك عرفت مما حققنا ان المادة النوعية اذا وجدت صالحة لان تظهر بالصورة النوعية و ان لاتظهر فاذا ظهرت بالصورة النوعية كتبت عليها و هي صالحة لان تظهر بالمادة الشخصية و ان لاتظهر فاذا ظهرت بالمادة الشخصية كتبت عليها و هي صالحة لان تظهر بالصورة الشخصية و ان لاتظهر فلايوجد الشخص فاذا ظهرت بالصورة الشخصية كتبت عليها ثم لايمكن ان لاتظهر بما قد ظهرت به حين ما ظهرت به مثال ذلك في خلقة السرير ان العناصر هي المادة النوعية صالحة للخشب و الحديد و الحيوان و الانسان فاذا ظهرت بالصورة الخشبية تعينت بها و كتبت عليها و ليس لها ان لاتظهر بها بعد ما ظهرت حين ما ظهرت فاذا وجد الخشب فهو صالح لان يقدر بمقادير السرير و قوائمه و الواحه و مرافقه و ان يوقد فيه النار و يحرق و يجعل غيره من باب او صنم او غيره فاذا تعين بصورة مقادير السرير لايمكن ان لايكون قد تعين بها حين تعين و لكن المقادير ليست بسرير و يمكن ان تحرق تلك القطع قبل ان يركب منها السرير فلايوجد السرير في الدنيا و اذا ركب شئ منها علي شئ الي آخر الاجزاء و بقي جزء لميوجد السرير و يمكن ان لايتمه و يحرقه فلايوجد السرير في الدنيا و هذا معني ان الدعاء يرد القضاء و لو ابرم ابراما و اما اذا تم السرير و وضع موضعه فلايمكن ان لايكون موجودا حين هو وجد فيه و هذا معني اذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فان ما امضي لايعقل ان لايكون [ص 209] امضي حين هو امضي نعم يمكن بعد تمام السرير ان يكسر و يحرق و يغير اما لايكون قد وجد حين وجد فلايعقل فلاجل ما ذكرنا يجوز لمن يريد السرير لسلطان و قد حصل المادة النوعية ان يمنعه السلطان عنه فيتركها و لايحصلها و اذا حصل الخشب ان يمنعه فيتركه و اذا قطع القطع ان يمنعه فيتركها و اذا اخذ في التركيب ان يمنعه فيتركه و اما اذا تم السرير لايعقل منعه فانه وقع و لايمكن ان لايكون وقع نعم يمكنه امره باحراقه في الآن الثاني فلاجل ذلك قد جاز البداء في المشية و الارادة و القدر و القضاء و ان ابرم ابراما و اما اذا امضي فلا بداء و قد قال الكاظم عليه السلام لله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء و قال اذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء الخبر ، ثم اعلم ان الاشياء تختلف نسبها بسبب وضعها فلرب شئ هو امضاء شئ و قضاء شئ و قدر شئ و ارادة شئ و مشية شئ فان كل شئ هو هو و هو مقدمة شئ آخر و جزء شئ آخر و جزء جزء شئ آخر و هكذا فعلي ذلك كل شئ فيما هو به هو عند ما هو هو ممضي لنفسه و لكنه بالنسبة الي غير ربما يكون قدرا يجوز فيه البداء له او ارادة او مشية فاذا لاحظت الاشياء من حيث انفسها بل اجزائها بل ذراتها و اطرافها تجدها ممضاة في حدها و مقامها فانها ان لمتوجد لمتكن اصلا و ان وجدت في حدها الذاتي امضيت ثم لايعقل ان لاتكون امضيت فيه و ان محيت عن لوح عرضي لمتمح عن لوح مكانها و وقتها فتبين ان المحو في علم الله بعد ما علم الاشياء غير معقول فان الله سبحانه ليس ينسي و لايغيب عن نظره شئ و ليس كتاب علم الله الحادث الذي اشار اليه علمها عند ربي في [ص 210] كتاب غير صفحة الحقايق العلمية فلايمحي من الحقايق شئ عن وقته و محله ابدا و ليس ربك بمتغير العلم يزيد و ينقص و ينسي و يذكر تعالي عما يقول العادلون علوا كبيرا فاذ لميكن محو و لا اثبات في الواقع اي ذرات الوجود فانما هو في الاضافات و في الامكنة العرضية لا الذاتية فهي من المشية فما دونها لا في العلم و بذلك اشار الكاظم عليه السلام لاهله لله البداء فيما علم متي شاء و لميقل فيما علم مطلقا بل يبدو في ما علم حين شاء يعني في رتبة المشية فمقام العلم مقام امضاء ذرات الوجود و جميع ما امضي لكن علي جهة الوحدة و اما المشية فما دونها فهي في عرصة المحو و الاثبات و لاتزعمن من قولي ان العلم مقام الامضاء يعني ان العلم متأخر عن الكل نعوذ بالله فيشاء و يريد و يقدر و يقضي بغير علم بل العلم مقدم و هو كما بينا مقام الوجود الفعلي الخارجي الا انه اختفي وراء حجاب المشية التي هي متعلقة بالمادة النوعية الصالحة بالصلوح المطلق و الامكان المحض فيبدو منه فعلية بعد فعلية الا ان الفعلية الاولي التي ظهرت هي العلم الممضي بنفسه و الشخص المميز في نفسه ربما يكون ذكرا اولا لشئ مركب منه و من غيره يأتي فهو متعلق المشية و ما خرج من ذلك الخارج هو شئ ممضي علمي شخصي الا انه صورة نوعية للخارج الاول و متعلق ارادة لما يأتي و هكذا فلربما انتهي الامر الي ذلك الشئ المركب فامضي او لمينته فلميمض و جميع ما كان خرج من مقدمات وجوده هي منتهيات وجود انفسها و هي ممضاة معلومة قبل خروجها و بعد خروجها فافهم بقي شئ يجب ان انبهك عليه و هو يقتضي رسم فصل آخر و ان كان من تمام هذا الكلام فنعنون فصلا :
[ص 211] فصل - اعلم ان هذا الملك الذي تراه له مادة نوعية هو الوجود المقيد اي العقل المرتفع و هو اول اذكاره ليس له قبل الوجود ذكر و ليس في معني الوجود من حيث انه وجود تعين و له صورة نوعية و هي النفس و هي عرض بالنسبة الي الوجود و صورة محضة لا وجود لها الا اشراق الوجود الاول و نوره و شعاعه و هي صورة نوعية لانها كلية بالنسبة الي الصور الجزئية الزمانية و الدليل علي انها من شعاع المادة النوعية ظهورها في جميع شئونها و اطوارها و له مادة شخصية و هي المادة الثانية و هي من شعاع النفس و نورها لظهورها في جميع صورها و له صورة شخصية و هي هذا العالم اي عالم الاجسام و هي من شعاع المادة و نورها لظهورها في جميع صوره و احواله علي نسبة واحدة فالوجود هو متعلق المشية العامة و هو اول اذكار العالم و النفس هي متعلقة الارادة العامة و هي اول تعينات العالم و هي التعين الدهري النوعي و المادة هي متعلقة القدر العام و هي الهندسة الايجادية للعالم و الجسم هو متعلق القضاء العام المتعلق بالعالم و عند تمامه و وقوع العالم تام المراتب كامل المقامات مشروح العلل مبين الاسباب يكون متعلق الامضاء فاذا امضي كتب في لوح الوجود العالم علي ما تري هذا في كلية العالم و علي هذا القياس كل جزئي جزئي يقع في العالم فلايكون شئ في جميع العالم ممضي مكتوبا مشخصا مميزا عن غيره بالتميز الشخصي الا بعد ظهوره في عالم الاجسام و الشاهد علي ذلك هو قول الكاظم عليه السلام العلم بالمعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات [ص 212] الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء الخبر ، و قال في اول الخبر فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء الخبر ، فتبين و ظهر لمن امعن النظر ان الشئ ما لميظهر بتفصيله و توصيله الجسماني في هذا العالم يحتمل فيه البداء سواء تعلق به المشية في العقل و الارادة في النفس و التقدير في المادة و القضاء في مبادي التركيب الجسماني من اجزائه من اقتران العناصر و مزج اشعة الكواكب بها و ترقيه بحسبه نطفة فعلقة فمضغة فعظاما فاكساء لحم فانشاء خلق آخر فالخروج في عالم الكون و الشهود لان الشئ في جميع هذه المراتب في حيز القضاء ام لا فاذا تم التركيب و خرج خارجا امضي في كل شئ بحسبه و ان كان لكل شئ من تلك الاجزاء امضاء اذا اخذ شيئا في حد ذاته و له مقدمات تركيب بحسبه هو قضاؤه و ساير المراتب العالية كما شرحنا و تبين مما بينا ان الشئ المشخص المميز بما هو شئ ليس بموجود في شئ من تلك المراتب الا بعد خروجه هيهنا فليس زيد بما هو زيد في العقل و لا النفس و لا المادة الا هيهنا اي عرصة الامضاء الاتري ان السرير ليس بسرير في عالم العناصر و لا في صورة الخشب و لا في التقادير و لا في التراكيب فاذا امضي كان سريرا في عالم الشخصية فاذا صار سريرا و وقع اختص به من العقل اي العناصر و النفس اي الخشبية و المادة اي التقادير ما ظهر فيه بواسطة و غير واسطة و كذلك يكون زيد ليس بزيد ممتاز مشخص [ص 213] عن عمرو الا بعد الامضاء هيهنا فاذا امضي اختص به من العقل و النفس و المادة الثانية علي حسب ما ظهر فيه فانه مظهر الكل و فيه شعاع من كل واحد بواسطة او غير واسطة كمرآة وضعت من وراء زجاجات ثلث متداخلة فيها مصباح فيقع في المرآة حصة من المصباح و حصة من الزجاجة الاولي و حصة من الزجاجة الثانية و حصة من الزجاجة الثالثة و ما لمتكن مرآة لمتتعين تلك الحصص بالتعين الشخصي المرآتي و كانت علي اطلاقها فلايتعين لزيد عقل و لا نفس و لا مادة في المراتب العالية الا في بطن الجسم الشخصي بعد تميزه و امضائه في العالم المحسوس فما تسمعنا نقول ان لزيد عقلا و نفسا و مادة ثانية فلانعني به الا ما انطبع في جسمه من امثلة الحقايق المطلقة العامة فلايتجاوز هذه الامثلة في صعوده ابدا و لاينتهي الي تلك الحقايق العامة سرمدا فلو صعد اليها انحل و ذاب و احترق و تلاشي حتي لميبق له امتياز عن غيره ابدا كما اذا دخل الالف في بحر المداد و صعد اليه فلايكون الا المداد المطلق الصالح لكل حرف و سيأتي ان شاء الله في ذلك مزيد بيان في مبحث المعاد و ان كان ما ذكرناه كافيا في المراد و البيان لمن له عينان و من ذلك تفطن ان هذا العالم عقله و نفسه و مادته ما انطبع فيه ايضا لا المراتب العالية فلايصل الجسم في صعوده اليها و المادة عقلها و نفسها ما انطبع فيها منهما فلاتصل اليهما ابدا و النفس عقلها ما انطبع فيها فلاتصل اليه في صعودها ابدا و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون فاذا تم وجود زيد هنا و امضي اثبت له عقل خاص هو عقله و نفس خاصة هي نفسه و مادة ثانية هي مادته و تستكمل هذه المراتب و تشتد و تزداد تعينا كلما عمل بمقتضي شئ منها و صفا بدنه و ما لميتم لميكن له شئ [ص 214] من ذلك في الواح العقول و النفوس و المواد و الاجسام كما عرفت اذا عرفت فاذا عرفت هذه المقدمات السديدات و البيانات المحكمات عساك تعرف سر البداء و موقعه فلنعنون فصلا آخر لانتاج النتيجة منها .
فصل - اعلم ان البداء هو ظهور شئ بعد ان لميكن ظاهرا قال الله سبحانه و بدا لهم من الله ما لميكونوا يحتسبون اي ظهر لهم و قولهم سل عما بدا لك يعني عما ظهر لك في خاطرك فمعني بدا لله ظهر لله اذا اخذ علي حقيقته و لا حاجة بنا الي تأويله كما صنعه الجاهلون ما كان لنا الي الحقيقة سبيل فنقول اذا عرفت مما اسلفنا سابقا ان علم الله بذاته عين ذاته و علمه بخلقه عين حضوره عنده لا غير و ان الله سبحانه وجوده وجود حق احدي وراء ما لايتناهي بما لايتناهي و ليس ينتظر لنفسه حدوث كمال و لايترقب ظهور جمال و جميع ما سويه كماله اللايتناهي عرفت ان الله سبحانه عالم بكل شئ قبل كونه و عينه و هندسته و تركيبه و امضائه لايحتاج في علمه بخلقه الي تكوينه و تعيينه و تقديره و تركيبه و ايقاعه كما قال الكاظم عليه السلام بالعلم علم الاشياء قبل كونها و وقع ابوالحسن عليه السلام لميزل الله عالما بالاشياء قبل ان يخلق الاشياء كعلمه بالاشياء بعد ما خلق الاشياء و قد مر تمام الخبر و هذا العلم هو كينونة الذات كما مر و لايعقل بداء في هذا العلم كما قال ابوعبدالله عليه السلام مابدا لله في شئ الا كان في علمه قبل ان يبدو له ففي هذا العلم لا محو و لا اثبات لانه كينونة الذات و كينونته سبحانه لاتتغير و لاتتبدل و كذلك لايعقل بداء في لوح الامضاء بعد ما تم وجود الشئ و وضعه في حده و مقامه فلايعقل ان لايكون خلقه بعد ان خلقه و هذا هو ام الكتاب التي لاتتغير [ص 215] و لاتتبدل و هذا اللوح يقع مطابقا لعلم الله سبحانه بلا تفاوت و آيته كما روي ان الملكين اذا ارادا النزول صباحا و مساء ينسخ لهما اسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك فاذا صعدا صباحا و مساء بديوان العبد قابله اسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما حتي يظهر انه كما نسخ منه انتهي ، فتدبر فيه و هذا اللوح هو اللوح المحفوظ الوارد في الاخبار المشار اليه بقوله و عندنا كتاب حفيظ و هو ام الكتاب المشار اليها بقوله يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و المشار اليه بقوله في لوح محفوظ و هذا اللوح دهري باعتبار و موضعه في باطن الكرسي و هو صدر العالم الاكبر و قد كتب هذا اللوح بالقلم الذي هو اول ما خلق الله و هو العقل فاخذ المداد من ن و هو نهر في الجنة و هو الماء الذي منه حيوة كل شئ و هو الوجود فكتب القلم بمداد الوجود علي لوح النفس ما كان و ما يكون الي يوم القيمة ثم ختم علي فم القلم فلاينطق ابدا و الدليل علي هذه الجملة قول ابيعبدالله عليه السلام في قوله ن و القلم امّا ن فكان نهرا في الجنة اشد بياضا من الثلج و احلي من العسل قال الله عز و جل كن مدادا فكان مدادا ثم اخذ شجرة فغرسها بيده ثم قال و اليد القوة و ليس حيث تذهب اليه المشبهة ثم قال كوني قلما ثم قال له اكتب فقال له يا رب و ما اكتب قال ما هو كاين الي يوم القيمة ففعل ذلك ثم ختم عليه و قال لاتنطقن الي يوم الوقت المعلوم و في آخر اما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز و جل اجمد فجمد فصار مدادا ثم قال عز و جل للقلم اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة و في آخر فكتب القلم في رق اشد بياضا من الفضة و اصفي من الياقوت ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم [ص 216] علي فم القلم فلمينطق بعد و لاينطق ابدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النُسَخ كلها اولستم عربا فكيف لاتعرفون معني الكلام و احدكم يقول لصاحبه اِنسَخْ ذلك الكتاب اوليس انما ينسَخ من كتاب آخر من الاصل و هو قوله انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون الي غير ذلك فهذا اللوح المكتوب بالقلم هو لوح الامضاء و هو مؤخر ظهورا عن ساير مراتب الالواح الا انه مقدم وجودا فالواح المحو و الاثبات هي الواح يكتب فيها الشئ من حين يؤخذ في تركيبه الي آخر وقت تمامه اذ هو في كل هذه الالواح يحتمل المحو فلايتم الشئ و لايقع في الخارج و اثبات خلافه فينتقل ذلك الجزء الي غيره فيكون جزءَ غيره كأن يكون التئمت العناصر مثلا للسرير فيتغير المصلحة فتكون حديدا لا خشبا او تصير خشبا و لكن يصير علي تقادير الباب او يقدر بتقادير السرير و لكن يحرق او تركب الي آخر جزء منه ثم يكسر فيكون حطبا ففي جميع هذه المراتب يقبل الشئ المحو و الاثبات الي ان يقع فاذا وقع فلايمكن ان لايكون وقع و قد عرفت مما سبق ان الشئ ما لميقع في هذه الدنيا ليس بممضي في عالم من العوالم فهو قبل الامضاء في الواح المحو و الاثبات ما لميقع فجميع ما سيأتي في الزمان الآن في لوح المحو و الاثبات و لميأت ذكره في كتاب فكلما لميقع يحتمل المحو و الاثبات و التقديم و التأخير و لكن كلما محي و اثبت و قدم و اخر كان في علم الله السابق محوه و اثباته و تقديمه و تأخيره فلميغير المُلْكَ عن جهل كما روي عن الصادق عليه السلام ان الله يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء و يثبت ما يشاء و عنده ام الكتاب و قال فكل امر يريده الله فهو في علمه قبل ان يصنعه و ليس شئ يبدو له الا و قد كان [ص 217] في علمه ان الله لايبدو له من جهل و كذا عرفت ان كل شئ من حيث هو تام فيما به هو هو فهو ممضي و اما بحسب كونه جزء شئ آخر فهو ناقص يحتمل التغيير و التمام فجميع الاشياء الموجودة باعتبار في لوح الامضاء و باعتبار في لوح المحو و الاثبات و المحو كلمة من لوح الامضاء و الاثبات كلمة و الممحو كلمة و المثبت كلمة و اما ما مضي فهو بكل اعتبار ممضي و اما ما سيأتي فهو بكل اعتبار في الدنيا غير موجود و قد عرفت ان الناقص هنا ناقص في جميع العوالم و التام هنا تام في جميع العوالم فالشئ ما دام تحت المشية فهو مما يحتمل البداء فيه في جميع العوالم و كذا ما دام تحت الارادة و القدر و القضاء فهو في جميع العوالم مما يحتمل فيه البداء فاذا وقع القضاء بالامضاء فهو في جميع العوالم ممضي و في كل حال يعلمه الله في هذه المراتب علي ما هو عليه فيعلم الناقص ناقصا قابلا للمحو و الاثبات و الزيادة و النقصان و التغير و التبدل ما دام هو ناقصا و يعلم التام تاما حين هو تام و كلما كان من ذلك كان يعلمه بعلمه الكينوني الازلي الاولي و الي هذه العلوم يشير قوله تعالي ام حسبتم ان تدخلوا الجنة و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين و قوله و ليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين و قوله و ماجعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه و قوله و ماكان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك و قوله و ما اصابكم يوم التقي الجمعان فباذن الله و ليعلم المؤمنين و ليعلم الذين نافقوا الآية ، فهذا العلم ما لميتحقق المعلوم ممضي لايتعلق به بخلاف العلم السابق الكينوني فانه غير مشروط بكون الاشياء و عينها و امضائها في العالم [ص 218] و اليه الاشارة بقوله و لايحيطون بشئ من علمه و بقوله ان الله عالم غيب السموات و الارض و بقوله عالم الغيب لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الا في كتاب مبين و بقوله و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و امثال ذلك فان قلنا انه بدا لله فهو في هذه العوالم التي يظهر الاشياء فيها بالتدريج فيظهر فيه ما لميكن ظاهرا في هذه الدنيا و ان كان ظاهرا له في علمه الازلي من قبل ان يكون و امثل لك في ذلك مثالا انك عالم بالنحو كله في نفسك في الدهر و لكن بدنك الدنياوي في عالم الزمان تدريجي التحصل و مشاعره الظاهرة و الباطنة تدريجي الادراك فكما انك لاتبصر شيئين في الدنيا في آن واحد لاتقدر ان تتخيل شيئين في آن واحد فخيالاتك ايضا تدريجية و انت ينزل من نفسك الي خيالك من مسائل النحو شئ بعد شئ و يظهر لك فيه شئ بعد شئ و هيهنا يقال قل ما بدا لك و اسأل عما بدا لك و لايضر ظهور تلك المسائل في خيالك شيئا بعد شئ بعلمك النفساني الدهري بكله في كل حين و لكن جبلة البدن لاتتحمل ظهور خيالين فيها في آن واحد فيبدو لك منه شئ بعد شئ فمن هذا تبصر امر هذه المسئلة و لله المثل الاعلي ان علمه الازلي بكل الاشياء لاينافي ظهور علمه في السموات و الارض شيئا بعد شئ فيبدو له هنا ما لميكن بادئا هنا و ان كان في علمه الاول ثابتا و ان شئت ان تعبر عن ذلك بان الله سبحانه اجل من ان يبدو له شئ لميكن باديا و لكن خلق لنفسه اولياء جعل ما يبدو لهم بداء له و ما يحصل لهم من علم وجود علما له كما هو في ساير ما ينسب اليه من الاسف و المظلومية و التأذي و الاقتراض و اخذ الصدقات و امثالها فلك فان [ص 219] هذه الالواح هي في جبلات اوليائه فاللوح المحفوظ هو باطن صدرهم و لوح المحو و الاثبات هو ظاهر صدرهم اذ يثبت فيها شئ و يمحي شئ كما مثلنا لك فان الله سبحانه اقامهم مقامه في ساير عوالمه في الاداء و هم معانيه و ظاهره فينا و ليس يخالف هذا الحرف الحروف السابقة بوجه الا انها تأويله و هذا باطنها و علي ذلك يجتمع جميع الاخبار لاتري فيها اشكالا ابدا .
فصل - لما احدث الله سبحانه الاشياء بمشيته في عالم الكون و الكثرة و ظهرت فيها النسب و الاضافات و قيس بعضها ببعض و ظهر فيها مبدء و منتهي و اعلي و اسفل و علة و معلول و فعل و فاعل و مفعول و لميكن لشئ منها تلك الاحدية الطاوية و الغناء البحت و كان بعضها اعلي من بعض و اقدم و اقوي اخذ العالي الاقدم الاقوي في التأثير في الداني المتأخر الاضعف و لما كان و ليس له ذلك الغناء البحت الازلي اشترط في ظهور فعل الفاعل انفعال المفعول و اشترط في تحقق انفعال المفعول فعل الفاعل فلميحدث هنا حادث الا بفعل و انفعال و قابل و مقبول و صار ذلك سرا ساريا في جميع مراتب الاكوان الا انها كلما كانت اقرب الي المبدء كانت شروطها اقل و كلما كانت ابعد عن المبدء كانت شروطها اكثر علي حسب قربها من الغني المطلق و بعدها عنه حتي انه صارت المشية ليست تفتقر الا الي نفسها فهي القابلة من حيث هي هي و هي الفاعلة من حيث نفسها فبذلك صارت راجحة الوجود غير مقيدة بشئ غير نفسها و صارت مطلقة عن كل قيد و اما الصادر الاول فافتقر الي الفاعل الذي هو المشية و الي فعلها و الي اثر فعلها الذي هو المقبول و الي انية هي القابلة لا غير و هكذا تكثرت القيود و الشروط الي ان بلغت المنتهي [ص 220] فافتقر الانسان هنا مثلا الي الشروط الكلية العالية الالفالف و الي قبضات عشر من كليات عالمه و الي اب و ام و نكاح و اعضاء و جوارح و طبايع و ارواح و اغذية و اشربة و حدود و اوضاع و قرانات الي ما لانقدر ان نعد جزءا من الفالف جزء منه و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها فافتقرت الاشياء كذلك الي علل و اسباب و شروط و قيود مما لايحصي فمهما حصلت الشروط كملا لشئ و وجد المقتضي و فقد المانع وجد الشئ و الا فلا فتبين ان من الاشياء ما وجد شروط وجوده كملا فيخرج من العدم الي الوجود و منها ما وجد اكثر شروطه فيشفي علي الوجود او اقل شروطه فهو بعد في العدم بعيد عن الوجود يترقب فيه وجودها فهو موقوف و منها ما لايوجد شروطه ابدا و منها ما ليس بموجود و سيوجد فبذلك يختلف احوال الاشياء في هذا العالم فالقارئون لالواح الوجود من الملئكة و الانبياء و الرسل لايقدرون علي قرائة شئ الا بعد كتابته فيها فاذا كتب شئ مشروح العلل مبين الاسباب يقرأونه بعينه و يعلمون بوجوده تاما نحو ما مضي فانه اذا اجتمعت الشروط امضيت بلا ترقب و اذا كتب اكثر شروطه يقرأونها و يعلمون انه اشفي علي الوجود ثم لايعلمون هل تتم شروطه و يمضي ام لا الا ان يوحي اليهم انها تتم و يمضي و مع ذلك هم من خشيته مشفقون و يعلمون انه ان شاء ان يخرمه خرم فلايوجد الا انهم بمقتضي قوله لاتحسبن الله مخلف وعده رسله يعلمون علما مع خشية مشفقون مقرون بالقدرة علي القطع و الي ذلك اشار ابوجعفر عليه السلام العلم علمان فعلم علمه ملئكته و رسله فما علمه ملئكته و رسله فانه سيكون لايكذب نفسه و لا ملئكته و لا رسله و علم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء [ص 221] و يؤخر منه ما يشاء و يثبت ما يشاء انتهي ، و قد يخبر الله سبحانه بانه يكون بالاراءة في الالواح و عدم مانع و لايكون لما يبدو لحدوث مانع كما روي في حديث اخبار النبي ذلك المَلِك بوحي الله اني متوفيه الي كذا و كذا ثم دعا الملك فاوحي اليه اني قد زدت في اجله خمسعشرة فقال النبي يا رب انك لتعلم اني لماكذب قط فاوحي اليه انما انت عبد مأمور فابلغه ذلك ، و اذا كتب في الالواح اقل شروطه فكذلك مثل ما سبق و ان لميكتب شئ من شروطه فقد يعلمون انها لاتوجد و لايمضي لمنافاته الحكمة كاشقاء السعداء و قد لايعلمون فيحتاجون الي وحي انها توجد ام لا فهو موقوف عند الله سبحانه يوجد شروطه ان شاء و لايوجد ان لميشأ و هو قول الرضا عليه السلام ان من الامور امورا موقوفة عند الله تبارك و تعالي يقدم منها ما يشاء و يؤخر ما يشاء و ان عرفت ان الشئ ما لميكن هنا لميكن في عالم من العوالم عرفت انهم لايعلمون ما لايعلمون في عالم من العوالم فاذا علمهم الله علموا و قد علمهم ما علمهم حين ما علمهم و لايعلمون ما لايعلمون حين لميعلمهم فعن ابيعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل اخبر محمدا صلي الله عليه و آله بما كان منذ كانت الدنيا و بما يكون الي انقضاء الدنيا و اخبره بالمحتوم من ذلك و استثني عليه فيما سواه و عن علي عليه السلام بنا يمحو الله ما يشاء و بنا يثبت .
و بقي شئ و هو جواب ما عسي ان يقول احد ان اخبار الانبياء و الاولياء بما يجوزون خلافه و محوه كذب عند الناس و ان كان صدقا في الواقع و ذلك ازراء بحقهم عند الجهلة كما هو بين و هو ينافي الغرض من كمال النبي و يصير سبب عدم الاعتماد عليهم في اخبارهم عن الآخرة و الجنة و النار و تشنيع [ص 222] المنافقين و هذا الجواب مهم و هو ان النبي لا بد و ان يكون له حجة من الله من معجز حتي يصدق علي الله فان جعل حجته الاخبار بما سيأتي فمحال ان يكذب الله نفسه و نبيه و يدحض حجته و ان جعل حجته غيره من المعجزات و اثبت نبوته و عرف امته شأن ربه بانه القادر القاهر المختار يخلق ما يشاء و يختار و ان لما ادعوكم من الدعوات و الاعمال آثارا من ادرار ارزاقكم و تكثير اولادكم و تزكية اموالكم و تصحيح اجسامكم و في خلاف ذلك ضد ذلك فنفس الدعوة الي الله القادر القاهر المختار و نفس وضع الشرايع و الامر و النهي و ثواب الامتثال و عقاب المخالفة اثبات ان الله سبحانه يغضب عليكم بالعصيان و ان تبتم يغفر لكم و ينعم عليكم بالطاعة فان عصيتم يسلب عنكم و اثبات للبداء لله سبحانه فان كان النبي يخبر حال غضب الله فيخبر بغضب الله و ان كان يخبر حال رضاء الله يخبر برضاء الله و ليس له غير ذلك فان تبدل غضب الله برضاه اخبر به او رضاه بغضبه اخبر به فلو كان سلطان غضبانا امر بقتل رجل فخرج الوزير و قال ان السلطان امر بقتل فلان ثم شفعه شفعاء فعفا عنه السلطان و خلي عنه فخرج الوزير و قال عفا عنه ليس عليه شئ بل الواجب هو كذا و هو صدق و غيره كذب و هو حكمة و غيره خطاء فانه لو علم النبي ان العصاة يعفي عنهم باسباب و قال لهم لاتعذبون لايفترون عن المعصية و لايتوبون فاذا قال لهم انكم ستعذبون خافوا و تابوا و تضرعوا فعفا الله عنهم و لايظهر بغير ذلك اختيار الله و قدرته و لايأمل احد في الله بغير ذلك و لايري احد ثمرة في الطاعة و الدعاء بغير ذلك فالواجب ان يكون كذا و اما ما يشنعه الجهال فيقام عليهم الحجة بساير المعجزات و اخبار النبي السابق [ص 223] و اقامة البرهان علي قدرة الله و ان يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و كذلك الامر في الاولياء هذا و انهم لايخبرون بما يمحي الا لاظهار ثمرة او دعاء او صدقة او طاعة او ترغيب او تحذير و ليس كما يزعمه الجهلة انهم كانوا يخبرون كثيرا و لاكان يقع كاصحاب الرمل مثلا نعوذ بالله بل ماكان ذلك الا عند مصلحة يظهر ثمرها بعد حين و ان كان في غير ذلك اخبروا انه ليس بمحتوم و يمكن البداء فيه البتة و بذلك تضافرت الاخبار و فيما ذكرنا في البداء كفاية و بلاغ و انما فصلنا القول فيه فانه لميفصل قبلي فيما اعلم هذا التفصيل و ان فصل فيما لماره فهو من مشايخي فان غيرنا لايعلم رطن آلمحمد عليهم السلام فخذه و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين .
المطلب الرابع - في عدل الله سبحانه و هو قد حصحص في هذه الاوقات لاسيما بين الفرقة الناجية حتي جعلوه في اصول مذهبهم و في الحقيقة لايحتاج الي تطويل مقال فيه الا انه لما كان من شأننا بيان حقايق الاشياء و هي خفية علي الناس و هذه المسئلة من المسائل العظيمة و يتفرع عليها فروع كثيرة في الدين احببنا ان نذكر فيها ايضا كلمات بحول الله و قوته فشرحها علي ما ينبغي يقتضي رسم مقامين :
المقام الاول - في معني العدل و تقسيم مراتبه و جملة من احواله و فيه فصول :
فصل - اعلم ان العدل ضد الجور و العدل بمعني الاستواء و الجور بمعني الميل فالعدل هو القيوم المستوي نسبته بين كل ما يضاف اليه علي زوايا قائمة [ص 224] و اما الجور فهو احدي زاويتيه حادة و الاخري منفرجة و هو من الالفاظ الخلقية التي يعبر بها في عالم الخلق عن صفات الله سبحانه و له مقامان عدل ذاتي و عدل فعلي فمرة يوصف به الذات فان الله سبحانه عدل لا جور فيه و يراد به حينئذ احديته سبحانه غير المتناهية فان كل محدود مقترن بحده مايل اليه منفرج عن غيره فلا عدل حقيقة الا الاحد جل شأنه ليس كمثله شئ فلاجل ذلك لايقوم احد بحقه كما ينبغي و كل من هو سواه منحرف عن الاحدية التي هي حقه فلايقومون بحقه كما قال ابوعبدالله عليه السلام علم الله عز و جل الايقوم احد من خلقه بحقه و لنعم ما قيل :
اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب
و هذا احد اسرار اعتراف المعصومين بعظائم المعاصي و استغفارهم الدائم منها و به يعدلون اودهم و يثقفون عوجهم دائما بلا غاية و لا نهاية فان الخلق خلق ابدا فلا عدل الا الاحد الفرد جل شأنه فانه الخارج عن عرصة الميول و انحرافات الحدود بالكلية و وصف نفسه بقوله الرحمن علي العرش استوي اي ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و هو الذي في السماء اله و في الارض اله فافهم راشدا موفقا .
فصل - و اما العدل الفعلي فهو تسوية فعله بالنسبة الي العالي و الداني و اللطيف و الكثيف و القوي و الضعيف و القابل و المقبول و الذوات و الصفات و الحدود و المحدودات و الآثار و المؤثرات يعني ليس من جهة فعله المطلق قرب الي شئ و بعد عن شئ و اتصال لشئ و انفصال عن شئ و اقبال الي شئ و ادبار عن شئ و حب لشئ و بغض لشئ و مشابهة لشئ و منافرة عن شئ [ص 225] و استيناس بشئ و تنفر عن شئ و جذب لشئ و دفع عن شئ و نصرة لشئ و خذلان لشئ و اخذ لشئ و ترك لشئ و هكذا مرفوع عن الاضداد منزه عن الانداد و هو صفته الرحمانية المستوية علي عرش جميع الكاينات ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و لا اولي به من شئ آخر قد حكم في الكل بحكم وحداني لا تفاوت فيه بوجه من الوجوه و اما الاختلاف الموجود في الملك فانما هو من اختلاف ظهور الحكم الناشئ من اختلاف القوابل انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك فالاشياء هي منها قريبة و منها بعيدة و منها لطيفة و منها كثيفة و منها اشد حكاية و منها اضعف و منها اشد تشاكلا و منها اضعف و منها اصفي و منها اكدر فلاجل ذلك اختلف ظهورات ذلك الحكم العدل الوحداني في الملك فمنه ليس الا دعوة واحدة و لكن من الخلق اجابات مختلفة و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و العجب من انهم مع اختلاف دواعيهم و قوابلهم الذي لا نهاية له متفقون علي طلب صفة الكينونة متوجهون اليها مظهرون لها لا بل ليس لشئ ظهور الا ظهورها و لا نور الا نورها فتعالي الاحد الذي لايباين شيئا من خلقه و لايباينه شئ من خلقه الا بينونة الصفة و الظهور و التجلي و النور فلايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته و لما تنزلت عن ذلك المقام مقام الغني و الالتيام اي صفة الكينونة حكم الله لها ان لايسخر شئ منها شيئا و لايقهر منها شئ شيئا و يجروا في جميع الحالات علي التراضي و الاختيار و التحري و الاعتبار و العدل في جميع الاحوال اذ ليس شئ الا ظهوره و لا موجود الا نوره فمن [ص 226] يقهر من و من يجبر من فجري جميع الامور بين يديه مصونا عن الجبر و القهر فلايقدر فاعل علي فعل الا ان ينفعل مفعوله و لا ان يعطي معط الا ان يقبل عطاءه قابله و لا ان يقود قائد الا ان ينقاد مقوده و لا ان يرفع رافع الا ان يرتفع مرفوعه و لا ان يوجد موجد الا ان ينوجد موجده و لا ان يؤثر مؤثر الا ان يسأله متأثره و هذا هو حكم العدل و التسوية بين الخلق فليس لاحد في ملكه استيلاء علي احد و ليس لاحد ان يجور علي احد فسبحانه من مدبر ما اتقن تدبيره و سبحانه من مقدر ما اعدل تقديره فلما وجدنا منه سبحانه ان سوي بين القوي و الضعيف و اللطيف و الكثيف و الوضيع و الشريف علمنا بغاية عدله و استواء حكمه جل جلاله و ذلك حكم العدل الربوبي بين جميع الكاينات ثم لا فاعل يفعل بغير مشيته و لا منفعل ينفعل بغير ارادته و كلا الفريقين متحركان بفضل تحريكه متصرفان بفضل تقديره و مشيته فيهما كالروح في الجسد فلا الذي يطيع يستغني عن عونه و رحمته و لا الذي يعصي يسبق مدده و قوته فلا حركة في الوجود الا بفعله سبحانه و مشيته الا انها تظهر في القوابل الفواعل فتكون بفضلها فاعلة و تظهر في القوابل المنفعلة فتكون بفضلها منفعلة فان كانت القابلية مستقيمة ظهرت علي حسب رضاء الله سبحانه اي محبته السابقة و ان كانت معوجة ظهرت علي حسب كراهة الله سبحانه اي علي خلاف تلك المحبة قال يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي بروحي نطقت و بضعف طبيعتك تكلفت فتلك الحركة في القوابل كالروح في الجسد لا حراك لشئ من القوابل الا بها و لا ظهور لها الا فيها و تلك الحركة مدد مقدر للاجساد قبل الاجساد فاذا استعدت و قبلت امضيت و خصصت لكل واحد [ص 227] واحد علي حسبه بالجملة هذا معني عدله سبحانه الفعلي الذي لا جور فيه و لا حيف يعتريه و هو حكمه المبذول علي كل مجعول علي نهج الاستواء فافهم راشدا موفقا .
فصل - اعلم ان الله سبحانه واحد كما عرفت و جميع ما سواه نوره و تجليه و تجلي الواحد يقتضي ان يكون علي اكمل نهج الحكمة و الصواب و الارتباط و الانتظام حتي يدل علي احدية المتجلي و وحدانيته و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير فلو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و لذهب كل اله بما خلق و لولا اتصال التدبير و انتظام التقدير لدل علي آلهة عديدة و لدار علي اقطاب مختلفة و الله سبحانه واحد فتجليه علي نهاية الارتباط و الانتظام و مقتضي الارتباط و الانتظام ان يكون كل جزء جزء من العالم علي نهج الحكمة و الصواب بحيث لو غير عما هو عليه لاختل النظام و فسد القوام و امثل لك مثلا تعتبر به و لله المثل الاعلي و هو انه لو كسر كأس و تقطعت و تكثرت تجد كل قطعة منها علي هيئتها فلو وصلت بعضها ببعض لوجدتها تتصل و تصير كاسا واحدة ليس فيها تفطر و خلل و لو غير كل قطعة منها عن وضعه لاتجدها تتصل اتصالا بلا فطور و ثِلَم البتة و فسد الكأس فارتباطها بلا فطور يدل علي انها قطع كأس واحدة و تفصيل اناء واحد و لو نقص عنها قطعة لثَلِم الكأس و لو زيد فيها قطعة لمتحتج اليها و لمترتبط بالباقي البتة و انت لو نظرت الي اجزاء العالم لوجدت كل شئ منها في موضعه يحتاج اليه في موضعه [ص 228] ان يكون علي ما هو عليه و هذا هو نهج الحكمة و الصواب و الصلاح و السداد و لايجري الخلق الموضوع علي الصلاح الا علي نهج الصلاح و كل شئ منه يده سبحانه في احداث ما يحدث به و يجري منه فلاتجري الامور الا علي الصلاح و لايفعل الله بعباده الا ما فيه الصلاح و هو مقتضي واحديته المتجلية بخلقه فلاتتهم ربك فيما يجري في خلقه من التقدير بسر التدبير كما سئل علي عليه السلام عن التوحيد و العدل فقال التوحيد ان لاتتوهمه و العدل ان لاتتهمه فلايفعل الله بعباده الا الاصلح و قد روي في القدسي ان من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فاكفه عنه لئلايدخله عجب فيفسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالفقر و لو اغنيته لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالغني و لو افقرته لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالسقم و لو صححت جسمه لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالصحة و لو اسقمته لافسده ذلك اني ادبر عبادي بعلمي بقلوبهم فاني عليم خبير انتهي ، فمن عرف سر وحدة الخالق و وحدة التجلي و انتظام الملك و اتصال الخلق لميتهم الخالق جل شأنه في قضائه بين خلقه و اذعن بعدله سبحانه في خلق الخلق علي ما خلق .
فصل - و من فروع العدل معرفة عدل الله سبحانه في امره و نهيه و اثابته الممتثلين و عقابه المخالفين . فاعلم ان الله سبحانه احد غني عما سواه قائم بنفسه لنفسه لايتغير و لايتبدل و لايحول و لايزول و انما خلق الخلق جودا منه و كرما غني عن طاعة خلقه آمن بمعصيتهم لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره [ص 229] معصية من عصاه و لميخلقهم لرفع استيحاش منه في وحدته و لا لتكثير اعوان في ملكه و انما خلقهم ليبلغ بهم الي الحيوة الابدية و النعم السرمدية و ذلك لميكن يحصل لهم الا ان يعملوا بما يقتضي ذلك من جوده سبحانه و كرمه فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و قد عرفت مما سبق ان من الاسباب وجود المقتضي من نفس الخلق و فقد المانع لسر الاختيار الربوبي الجاري في الخلق و ان الله سبحانه خلق الخلق من نور و ظلمة و عقل و نفس و النور و العقل هو جهة اثرية الاشياء لفعله سبحانه و حكايتها له و هو محبته سبحانه التي هي اول ما ظهر منه في احداث الخلق و الظلمة و النفس من جهة هويتهم و انيتهم التي هي نفي الكينونة و خلافها و كل منهما يحتاج الي مدد منه سبحانه شرعي لانه الغاية في الكون و تلك الامداد علي حسب حكم العدل ليست تصل الي احد الا بقابلية هي التوجه و السير الي مبدء ذلك المدد فان تلك الامداد درجات عند الله لايصعّد عليها احد الا باقدام التوجه و الخلق جهال بطرق ذلك التوجه و السير فحكم الله سبحانه بارسال الرسل و انزال الكتب و تشريع الشرايع و بيان تلك الطرق و لما كان من غير حاجة منه الي شئ من ذلك جرت علي مقتضي العدل الذي هو علي مقتضي قوابل خلقه و اقتضاء كينوناتهم حرفا بحرف فلميأمرهم بشئ الا و فيه صلاحهم و لمينههم عن شئ الا و بتركه قوامهم و لما كانوا في عالم الاعراض و توارد الامراض كانت تختلف مصالحهم في الاعصار و القرون لاختلاف الحالات فبذلك جاءت الرسل تتري و تغيرت احكامهم في الاعصار و كل ذلك علي حسب مقتضي قوابلهم و قابلية مصالحهم ليس في شئ منها له سبحانه اقتضاء و ميل و هوي [ص 230] ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فجري جميع احكامه سبحانه علي حسب العدل الذي لا جور فيه و لا حيف يعتريه و فيه نظامهم و عليه قوامهم و فيه صلاح معاشهم و معادهم فان احسنوا احسنوا لانفسهم و ان اساؤا فعليها فاذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط و هم لايظلمون ثم قضي سبحانه لكل حسنة ثوابا فان الحسنات اقدام السير الي مبدء الخير و النور و الكمال و البقاء و الجلال فمن مشي اليها وجدها علي حسب ما قدر الله و السيئات اقدام السير الي مبدء الشر و الظلمة و النقص و الدثور و الذلة و الهوان فمن مشي اليها وجدها فلها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و جعل ثواب الحسنة عشرة امثالها لان الحسنة اصلها من الوجود ما اصابك من حسنة فمن الله و لاتظهر في الدنيا الا ان تنزل الي قلب المحسن الي صدره الي محبته الي عقله الي علمه الي وهمه الي خياله الي فكره الي حيوته الي ظاهره فيكتب له في جميع هذه المراتب حسنة لانها صورة لطيفة مجانسة لمراتب الغيب و تتصور بها و جعل عقاب السيئة سيئة مثلها لانها شجرة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و اصلها من الماهية و نشؤها منها تنبت من ارضها فان كان مؤمنا ينعكس الي علمه ثم الي وهمه ثم الي محبته ثم الي خياله ثم الي فكره ثم الي حيوته و لاتستقر في شئ من ذلك لعدم المجانسة و تستقر في الجسد فتكتب واحدة و ان كان منافقا و كافرا فتظهر من ماهيته ثم تنعكس الي نفسه الامارة ثم الي شقاوته ثم الي الحاده ثم الي غضبه ثم الي شهوته ثم الي طبيعته ثم الي عادته ثم الي الظاهر الدنياوي و تنطبع في هذه المراتب لاجل المشاكلة و تتصور بها فهم لاتكتب لهم الواحدة بواحدة [ص 231] و انما هي لهم بتسعة بل عشرة بالمقابلة لما ينعكس الي جهلهم ايضا و هو قوله سبحانه اولئك يضاعف لهم العذاب ماكانوا يستطيعون السمع و ماكانوا يبصرون و اما المؤمن فلاتنطبع في نفسه و لا في عاقلته و لا ذكر لها هناك و اول ما تنعكس في عالمته و هي ثاني مشعر من مشاعره العرضية و لاتستقر فيها و لا فيما دونها لعدم المشاكلة فان انطبعت في جسده لشدة المشاكلة كتبت عليه واحدة و لاتكتب له ما لميفعل لعدم الانطباع في مشاعره و تكتب له الحسنة ما لميفعل لاجل الانطباع و المشاكلة و يؤجل المؤمن سبع ساعات حتي يصعد بخار هذه الشجرة و نتنها الي عالمته و نفسه فان لميقلعها عن اصلها شئ من مشاعره حتي نمت و ربت و افرعت و اورقت و اثمرت تكتب له و ان قلعها لمتكتب و صعود هذا البخار لايؤثر في الاوائل في تلك المشاعر لعدم المجانسة فان استأنست بها و غلظت و كثفت و اسودت لاتؤجَل بل تضاعف له في كل ساعة و هو قوله سبحانه ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوءي ان كذبوا بآيات الله و قوله و لولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا اذا لاذقناك ضعف الحيوة و ضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا و هو من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة و اما نساء النبي و السادة الذين هم من نسله صلي الله عليه و آله فهم لهم جهتان جهة الاشتراك مع ساير الرعية في المراتب و جهة الاتصال بالنبي صلي الله عليه و آله و كونهم منه فان احسنوا يضاعف لهم الثواب لمشاكلة الحسنة مع مراتبهم و شدة المشاكلة و التأصل الذي لهم بواسطة الاتصال بالنبي و انبساط انوارهم بواسطة القرب من المنير كما اذا كان المؤمنون اكثر ايمانا و اشد اتصالا بهم فانه يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة و بغير [ص 232] حساب علي حسب قربهم من المنير و تجرد مراتبهم و سعتهم و انبساطهم و ان اساؤا تضاعف لهم لشدة اتصالهم بالنبي صلي الله عليه و آله و انه لاتظهر لهم المعصية الا بداع قوي فيهم و لو كان داعيهم كساير الدواعي ماكانت تظهر عليهم لقوة دافعتهم فاذا ظهرت كشفت عن مضاعفة قوة الداعي فيهم فيضاعف لهم بذلك اما مضاعفة اعمال النساء فلقوله سبحانه يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك علي الله يسيرا و من يقنت منكن لله و رسوله و تعمل صالحا نؤتها اجرها مرتين و اعتدنا لها رزقا كريما و اما السادة فلقول علي بن الحسين عليه السلام حيث قال له رجل انكم اهل بيت مغفور لكم فغضب و قال نحن احري ان يجري فينا ما اجري الله في ازواج النبي صلي الله عليه و آله من ان نكون كما تقول انا نري لمحسننا ضعفين من الاجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب و اما اخذ الله سبحانه الاَبنٰاء بعمل الآباء فانما هو اذا كان الابناء راضين بعمل الآباء و الا فلاتزر وازرة وزر اخري و في ذلك قوله سبحانه لا عدوان الا علي الظالمين فقد روي لايعتدي الله علي احد الا علي نسل قتلة الحسين عليه السلام و الوجه فيه ان النفس لو لمتكن مجانسة لنفوس آبائها لمترض بفعالها فاذا كانت مجانسة و لمتفعل فعال آبائها انما عاقها عنها عائق و لو هيئت لها اسبابها لفعلت و ان قلت قد عرف من بياناتك السابقة ان القدر ما لميمض لميستقر و الامضاء في هذه الدنيا و هم لميفعلوا فلميمض فيهم فلاينبغي ان يكتب لهم قلت عملهم رضاهم بفعال آبائهم و جريان اعضائهم علي مقتضي الرضا بالثناء علي آبائهم و افتخارهم بهم و ذكرهم بالخير فاذا فعلوا ذلك امضي لهم ما في نفوسهم و ذلك لايخص بهم [ص 233] بل كل من رضي بفعل غير فهو كفاعله قال سبحانه و من يتولهم منكم فانه منهم حتي انه روي انه قيل للرضا عليه السلام يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام انه قال اذا خرج القائم عليه السلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها فقال عليه السلام هو كذلك قيل فقوله عز و جل و لاتزر وازرة وزر اخري ما معناه فقال صدق الله في جميع اقواله لكن ذراري قتلة الحسين عليه السلام يرضون بفعال آبائهم و يفتخرون بها و من رضي شيئا كان كمن اتاه و لو ان رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عز و جل شريك القاتل و انما يقتلهم الله بالقائم اذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم الخبر ، و هذا قول الله سبحانه و لاتركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار بل اقول ان النفس اذا خبثت و جانست المعصية و صعدت معصيتها من ارض الماهية اليها انطبعت فيها للمشاكلة و تكتب لها في نفسها و ان لمتعمل بها في ظاهرها فانها قد عملت بعمل هو امضاء جميع الاعمال الجزئية لكلية العمل و هو انكار التوحيد او النبوة او الولاية او بغض اولياء الله او حب اعداء الله فانها اعمال كلية قد امضيت و لها فروع و اوراق و اثمار في كل عالم من العوالم و هو مأخوذ بكلها فهو زان و ان لميزن و سارق و ان لميسرق و عاص بجميع المعاصي و ان لميأت بها و يعذب عليها علي حسب رسوخ كفره و اجتثاثه فجميع المعاصي له ممضاة و بالفعل و ان لميفعل فلعائق عاقه عن ذلك و الا فالداعي الذي هو الاصل موجود فالعبد الآبق المقيد آبق و ان لميأبق و الخصي الزاني بالطبع زان و ان لميزن و لذلك يكون اعداء آلمحمد عليهم السلام اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و يعاقبون [ص 234] لعنهم الله بجميع لعناته بسيئات جميع الناس من غير ان ينقص من عذابهم شئ و قد روي حديث شريف عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و من البر التوحيد و الصلوة و الصيام و كظم الغيظ و العفو عن المسيء و رحمة الفقير و تعاهد الجار و الاقرار بالفضل و اهله و عدونا اصل كل شر و من فروعهم كل قبيح و فاحشة فهم الكذب و النميمة و البخل و القطيعة و اكل الربا و اكل مال اليتيم بغير حق و تعدي الحدود التي امر الله عز و جل و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن من الزني و السرقة و كل ما سوي ذلك من القبيح و كذب من قال انه معنا و هو متعلق بفرع غيرنا انتهي ، و اذا وصلت الي هنا اقول كذلك المؤمن اذا عمل بالايمان الثابت بالولاية الراسخة فهو قد غرس شجرة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و هو عامل بجميع الحسنات و ان لميفعل و يكتب له جميع الطاعات ممضاة ثابتة لانه عمل عملا هو امضاء كل خير و لذلك ورد في وصف شيعتهم صفات لاتوجد في اكثرهم فهم والله مصلون مزكون حاجون مجاهدون شهداء و ان كانوا نائمين علي فراشهم و ماتوا علي فراشهم قال الله سبحانه الذين آمنوا بالله و رسله اولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم لهم اجرهم و نورهم و روي الميت علي هذا الامر شهيد و ان مات علي فراشه بل اقول والله يكتب له في كل آن جميع خيرات يمكن ان تكون ثمرة ايمانه فانها تختلف في الاشخاص فقد روي عن الصادق عليه السلام ان العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتي افعل كذا و كذا من البر و وجوه الخير فاذا علم الله ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الاجر مثل [ص 235] ما يكتب له لو عمله ان الله واسع كريم و قال ابوجعفر عليه السلام لجابر يا جابر يكتب للمؤمن في سقمه من العمل الصالح ما كان يكتب في صحته و يكتب للكافر في سقمه من العمل السيء ما كان يكتب في صحته ثم قال يا جابر ما اشد هذا من حديث ، بالجملة كل ذلك من باب عدل الله سبحانه في جزائه علي حسب القوابل كما سمعت و اما الفضل فهو ان يعفو عن السيئة بعد صدورها عن الانسان و ايصال الانسان الي درجة لايستحقها و الانعام عليه بما لميعمل ما يقتضيه و ذلك ايضا من المشكلات فان من المسلمات ان الله سبحانه ليس فيه اقتضاء لشئ و لايمكن ان يصدر فعل منه بلا اقتضاء من الخلق فان كان اقتضاء فيدخل في باب العدل و ان لميكن فلاينبغي صدور فعل منه لعدم الاقتضاء من نفسه و عدم جواز الجبر في ملكه فالواجب علينا ان نشرح ذلك شرحا و هو ان للانسان مقامين مقاما في الكون و مقاما في الشرع و الفضل من الاسباب الكونية لا الشرعية لان المقتضي للشئ ان كان في نفس الانسان فالجاري عليه يكون بمقتضي العدل و اما اذا هيأ الله سبحانه اسبابا خارجية بحسن تقديره تقتضي تلك الاسباب حدوث شئ في هذا الانسان فانما ذلك ليس من عمل هذا الانسان و انما هو من حسن تقديره سبحانه لهذا العبد و هو فضله الشامل هذا العبد لميكن عَمِله و لميسئله من ربه و لميطلع عليه و انما اقترانه بهذا العبد من مقتضي التجلي العام و الحكمة العامة في الايجاد فهو فضل منه سبحانه لميستحقه هذا العبد بالاستحقاق الشرعي و ان كان يقتضيه بالاقتضاء الكوني فالفضل هو امداد زايد كوني و اما في اصل الايجاد فلايعقل حصول شئ لشئ الا بالمقتضي قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و ان الله [ص 236] لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم فلايعقل الفضل في ايجاد الكون ابدا و اما في الشرع فالفضل منه سبحانه شامل لكل احد من الناس كافرهم و مؤمنهم المتسمع قوله سبحانه لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ماترك عليها من دابة و قال لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض و لكن الله ذو فضل علي العالمين و لولا فضل الله علي الناس لهلك الناس جميعا بسيئات اعمالهم و لميمهلوا طرفة عين ابدا و لاستحقوا باول معصية منهم و اعراض اعرضوا عن ربهم الهلاك الابدي و البوار السرمدي فكل موجود يعيش بفضله سبحانه و رحمته فما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم و يعفو عن كثير و لو تدبرت في دعاء السجاد عليه السلام بعين البصيرة و العبرة لعرفت انه لايعيش احد طرفة عين الا بفضله سبحانه و كرمه من غير استحقاق شرعي منهم و هو قوله عليه السلام الهي و عزتك و جلالك و عظمتك لو اني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الابد بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر خفي نعمة من نعمك علي و لو اني كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السماوات و الارضين دما و صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما استوجبه من عقوبتك و لو انك يا الهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلايق اجمعين و عظمت في النار خلقي و جسمي و ملأت طبقات جهنم مني حتي لايكون في النار معذب غيري و لايكون لجهنم حطب سواي لكان ذلك قليلا في كثير ما استوجبه منك انتهي ، فلو تفكرت في هذا الدعاء بقلب خاشع ليئست من نفسك و اعمالك و قطعت بانه لا نجاة الا بفضل الله سبحانه و كرمه [ص 237] و رحمته و عفوه فاسئلوا الله من فضله قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون و ذلك ان نظم التقدير و ترتيب الاكوان و ان كان في الاكوان بمقتضي الاقتضاء الا انك لمتستحق شيئا من فضله باعمالك و افعالك في عالم الشرع و قد حقق في محله ان الوجود الشرعي المتأخر ظهورا كان متقدما وجودا فكما انك لمتستحق الفضل في الشرع الظاهر لمتستحقه في الوجود الشرعي المتقدم علي الكون لان حقيقة الوجودات الشرعية ليست الا من فضله و نوره الابتدائي بلا استحقاق من احد و لذلك تقرأ في الدعاء يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها و تقرأ كل نعمك ابتداء و كل احسانك تفضل و اني كنت حتي تستحق شيئا و ان قلت فكيف يعقل الابتداء الحقيقي من الله سبحانه و لا مقتضي منه اقول لا شك انه ليس من الله اقتضاء و لا شك انك لمتكن حتي تستحق او لاتستحق و في الدعاء اللهم انك اجل من ان يكون سبب رضاك من نفسك فكيف يكون سبب رضاك مني و انما خلق الخلق كرما و جودا و هو مسبب الاسباب من غير سبب و لايسئل عما يفعل و هم يسئلون و لا كيف لذلك كما لا كيف له و هو سر لايمكن كشف لثامه و فض ختامه مختوم بخاتم الله محجوب عن خلق الله و اشرنا اليه فيما سبق و يأتي فيما سيأتي و انت تعثر عليه لو كنت ممن سبق له من الله الحسني بالجملة لا قوام لشئ الا بفضله و جوده و بادئة نعمه و آلائه اللهم عاملني بفضلك و لاتعاملني بعدلك فانه لايهلك احد عليك الا بعدلك و لاينجو احد منك الا بفضلك و لا معني لغضبه سبحانه الا عدله فانه لايعاقب احدا استشفاء غيظه و تسكين غليل صدره و انما غضبه الزام المقتضيات بالفتح لمقتضياتها بالكسر و الزام الاجابات للدعوات [ص 238] و هو العدل المحض نعوذ بالله من غضب الله و قد فسر في بعض الروايات فضل الله برسول الله و رحمته باميرالمؤمنين عليه السلام و انما ذلك ان رسول الله صلي الله عليه و آله من اعظم اسباب الفضل بل حقيقته و مبدؤه فانه سبحانه يعفو عن كثير من العصات بفضل نوره و شفاعته و يترك عذاب الخلق ببركة وجوده فيهم كما قال و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و يدر عليهم ارزاقه و نعمه به و لاجله كما قال و مانقموا الا ان اغناهم الله و رسوله من فضله و كلما ينزل عليهم من الامداد باعمالهم و يحسبون انهم يستحقونه فبفضل هدايته و ارشاده طريق العمل و الدعاء و كل ما ينزل عليهم من الامداد الكونية فهو من فاضل نوره و فضل وجوده لانه الرحمة الواسعة الرحمانية علي الخلق اجمعين و هو هو فضل الله الظاهر علي جميع ما سوي الله سبحانه بصورة الكمالية الكينونية فهو فضل الله بجميع هذه المعاني و اما اميرالمؤمنين فهو عليه السلام رحمة الله المكتوبة علي نفسه التي هي نفس الله القائمة فيه بالسنن و هو هو اول كل خير و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و هو صلوة المؤمنين و صيامهم و هو جنتهم و نعيمهم و هو الذي قوابلهم الصالحة من فضل صورته و قد صبغوا بصبغ ولايته صبغة الله و من احسن من الله صبغة الي غير ذلك من وجوه الرحمة الرحيمية المكتوبة و اما قوله تعالي و لولا فضل الله عليكم و رحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا يمكن ان يكون الاستثناء من ضمير كم فكل من لميشمله الفضل و الرحمة يكون تابعا للشيطان و من نجا من ذلك فبفضله و رحمته هذا اذا اخذ الفضل و الرحمة العامة و يمكن ان يكون المراد منهما الخاصة الشاملة في الشرع الظاهر و الهداية الظاهرة فلولا هذا [ص 239] لاتبع الشيطان كل احد الا قليلا من المستعدين بالكينونة للهداية بالفضل العام و الرحمة العامة بالمعني الاول كما تري ان الله سبحانه خلق آدم في بدع فطرته نبياً عالماً كذلك خلق اناساً من بدء فطرتهم علي الهداية و اتباع الحق و هم ملهمون بالحق بفضله العام و رحمته كما تري انك تلهم بمسئلة حقة و لمتر فيها كتابا و لا خبرا ثم تجدهما مطابقين لما الهمت و انما ذلك يمكن في الذين هم اول صادر من الاناسي و قد خلقوا كونا علي هيئة مؤثرهم و جهة الماهية و الانية فيهم مضمحلة و قد قال في العاصين و لولا فضل الله عليكم و رحمته مازكي منكم من احد ابدا و لكن الله يزكي من يشاء و الله سميع عليم و يمكن ان يؤخذ الاستثناء من الاتباع الكلي المفهوم من قوله لاتبعتم اي الا اتباعا قليلا و هو كما مر و يمكن ان يكون الاستثناء من صدر الآية و هو و اذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا به يعني اذاعوا به الا قليلا لميذيعوه و ليس هذا من وجوه القرآن ببعيد و كذا يمكن ان يؤخذ من الذين في وسط الآية و يكون قوله يستنبطونه اي يستبينونه و فاعله الرعية فانه يقول و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فالمعني فعلمه المستنبطون المستفتون الا قليلا منهم و علي هذين المعنيين يبقي الفضل و الرحمة علي عمومهما .