ما عسي ان اقول في ذي معال علة الدهر كله احديها [ص 176]
فهي اي المشية دائمة الترقي تجري بعلم الله و لا نفاد لها الا ان امدادها النازلة متحدة و اوقاتها وقت واحد و ليس لها الا آن واحد لا نهاية لذلك الآن و لا غاية و هي مقام رب زدني فيك تحيرا و اول مقامات رب زدني علما و لا غاية لهذه الزيادة و لا نهاية و هو المشار اليه بقوله عليه السلام بعد ما نفي الكمال عن العلم بالف باب يفتح منه الف باب و عن الجامعة الحاوية للحلال و الحرام و عن الجفر الحاوي لعلم النبيين و الوصيين و العلماء الماضين من بنياسرائيل و عن مصحف فاطمة و عن علم ما كان و ما يكون فقال العلم ما يحدث بالليل و النهار الامر بعد الامر و الشئ بعد الشئ الي يوم القيمة فعلمنا ان العلم الحادث غير العلم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة فالعلم الحادث هو في ترقيات ما يكون صعودا و الاستقبال وقت عرضي و هذا العلم هو المشار اليه بقوله لولا انا نزداد لانفدنا مع انهم علموا ما يكون فلو لميزدادوا لنفد علمهم بما يكون و هذا هو الذي اشار اليه بقوله لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي فان علم الكلمات يجري من بحر علم الله الذي لا نهاية له و لا غاية فلا نفاد لها ابدا و لو كتبت باي بحر كان لنفد البحر قبل ان تنفد سوي بحر علم الله سبحانه فانه لا نفاد له فمعني قول اميرالمؤمنين عليه السلام في العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد اراد به المواد الزمانية و القوة و الاستعداد الزماني و الا فكل حادث سواه مستمد يحتاج الي المدد و كل مستمد ذو قوة و استعداد يترقي في درجات الامداد النازلة اليه بلا غاية و لا نهاية كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و كل ذي قوة فاقد عند نفسه ما يرد اليه محتاج اليه الا الاحد جل شأنه فانه لايفقد شيئا .
[ص 177] فصل - قد ذكر شيخنا الاجل الاوحد في بعض رسائله كلاما في العلم هو تحت كلام ساداته و فوق كلام ساير الانام و كلام الملوك ملوك الكلام فاحببت ان اتبرك بذكره و اشرف كتابي هذا بايراده و هو قوله اعلي الله مقامه و رفع في دار الخلد اعلامه :
بسم الله الرحمن الرحيم - قال العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي في بيان ما يمكن العبارة عنه من صفة تعلق علم الله بالمعلومات من حيث هي معلومات اذ بدون تلك الحيثية لا سبيل للممكن اليه و تلك الصفة صفة رسم لا صفة قدم فان القديم يتعالي عن الحدوث بكل اعتبار و العبارات تعبير و تفهيم و ان كان ذلك النظر بعين منه فان ذلك النظر و تلك العين من المعاني و هي فينا من المعاني السفلي و هي من المعاني العليا كالشعاع من المنير و تلك العليا هي التعين الاول و هو اول مظاهر الذات فافهم فاقول اعلم ان الله سبحانه علم المعلومات بعلمه الذي هو ذاته اذ لا شئ غيره بما يمكن في ذواتها و ما يمتنع في رتبة الامكان و هو اذ ذاك عالم و لا معلوم و علمه بها هو كينونة الذات علي ما هي عليه مما له لذاته بلا اختلاف و لا تكثر و هو الربوبية اذ لا مربوب فاقتضت ذواتها بما هي مذكورة به في كل رتبة من مراتب الوجوب و الجواز من الازل الي الحدث الي الابد الذي هو ذلك الازل ما يمكن لها و يمتنع في الامكان في كل رتبة بحسبها من صفة الكينونة التي هي ربوبية تلك الاقتضاءات و تلك الصفة هي نور الكينونة و ظلها و تلك الاقتضاءات هي سؤال المعلومات ما لها من تلك الصفة التي هي نور الكينونة فحكم لها ثانيا حين سألها بسؤالها بما سألته في كل رتبة بما لها فيها و هذا الحكم هو تلك الصفة التي هي ظل الكينونة [ص 178] و هو الربوبية اذ مربوب و بها قام كل مربوب في كل رتبة بحسبها و تلك المعلومات بكل اعتبار لا شئ الا انها لا شئ في الازل بمعني الامتناع الا بما هي شئ في الحدوث بمعني الامكان في الامكان و اما في الامكان فهي شئ بما شاء كما شاء يعني انها شئ بذلك الحكم و هو ظل الكينونة فاعطاها بحكمه و مشيته ما سألته من الوجود و امكن فيها ما اقتضته من الامكان و ان لمتقتضه في الوجود فما لمتقتض وجوده في الوجود تقتضي وجوده في الامكان و هاتان الرتبتان ● اقتضاء ● ما يمكن لها ● من تلك الصفة المذكورة ● لانه اذا شاء ● اقتضت ما في الوجود في الامكان و ما في الامكان في الوجود ● لان ذلك ● هو ما لها من تلك الصفة التي هي المشية التي بها الاقتضاء و ذلك حكم الاختيار الربوبي فلمتقتض الا ما شاء لان مشيته هي الربوبية اذ مربوب و هي صفة الربوبية اذ لا مربوب كما مر و لميشأ الا ما اقتضته من مشيته و تلازمهما في التحقق الظهوري و تقدم المشية علي الاقتضاء ذاتا كمثل تلازم الفعل و الانفعال في التحقق الظهوري كالكسر و الانكسار و تقدم الكسر علي الانكسار ذاتا و ان تساوقا في التحقق الظهوري و تلك الربوبية اذ لا مربوب التي هي الكينونة كما مر علمه بمخلوقاته اولا و صفتها التي هي [ص 179] ظل الكينونة و ظل الربوبية اذ لا مربوب علمه بمخلوقاته ثانيا قال تعالي اشارة الي الرتبتين و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فما شاء من علمه يحيطون بشئ منه كما شاء فافهم و هذا العلم الذي لايحيطون بشئ منه اي الكينونة هو من علمه بذاته الذي هو ذاته كيدك منك كما في رواية حمران بن اعين عن ابيجعفر عليه السلام و كما في رواية هشام بن الحكم عن ابيعبدالله عليه السلام و له المثل الاعلي في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
انتهي كلامه اعلي الله مقامه ، و لعمري ان حظ العجب منه لمن فهمه اعظم من حظ العجب به و العاثر عليه اعز من الكبريت الاحمر و قد كان يختلج ببالي قديما ان اشرح هذا الكلام مع قلة بضاعتي و كثرة اضاعتي و لماوفق لذلك الي الآن و شرح هذا الكلام علي ما ينبغي يقتضي رسم كتاب كبير و لكن احب ان اشير الي بعض مراداته اعلي الله مقامه هنا باوجز عبارة الي ان يوفقني الله لشرحه مفصلا فاشرح بعض ما اشرح منه هنا علي نهج الاشارة الي مواضع الاشكال لئلايطول بنا المقال فقوله اعلي الله مقامه اذ بدون تلك الحيثية لا سبيل للممكن اليه اي الي تعلق العلم به فان علمه سبحانه كماله كيدك منك كما يأتي و الاشياء من حيث الحضور علم له سبحانه و كمال له و من حيث الحاضرية معلومة و حيث المعلوم ادني من حيث العلم و الحيث الاعلي اي العلمية مثال الله الملقي في هوية المعلوم فالعلم متعلق بالمعلوم و من دون هذا الحيث لا سبيل للممكن الي تعلق هذا الكمال به و قوله و تلك الصفة صفة رسم لانها هي ما يبينه و لايبين الا ما تجلي له فيه و هي جلوة القديم بواسطة [ص 180] التجلي الاعظم الذي هو صفة قدم لا ذاته ثم بين ما اشرنا اليه في باقي كلامه و قوله من المعاني لان ما يبينه من الصفات الكلية اي الظواهر العامة لان المعاني هي الظواهر قال عليه السلام نحن معانيه و ظاهره فيكم و قوله بعلمه الذي هو ذاته المراد بهذه الذات هو الذات الظاهرة و هي نفس المشية التي خلقت بها و هي التجلي الاول و لايمكن ان يكون عرضا لانه لايمكن قيامه بالذات القديمة و لا بما دونه فهو الذات لله سبحانه لانه ليس لنفسه و لا لغيره فعلم المعلومات بها اولا اذ لا شئ غيره و في اثبات المعلومات و نفيها سر لايعرفه الا اولوا الالباب فان هذه الذات هي مبدؤ الذوات فافهم قوله بما يمكن في ذواتها و ما يمتنع في رتبة الامكان يعني علم المعلومات بحضور يمكن هناك اي في الذات و يمتنع ان يكون ذلك الحضور في رتبة الامكان الحادثة بفعله سبحانه و مشيته فانها هناك حاضرة بالتذوت الاحدي و في الامكان حاضرة بالعرض و تذوت المؤثر يمتنع ان يكون في الاثر و في قوله يمكن لها مع قوله يمتنع في رتبة الامكان نفي و اثبات لاهل الايقان و اشارة لاهل العيان قوله و هو اذ ذاك عالم و لا معلوم اذ المعلومات هناك مذكورة بالنفي المتفرع علي الثبوت المشار اليه سابقا و قوله و علمه بها كينونة الذات يعني ذلك العلم نفس كينونة الذات المشار اليها في قوله كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجوديين ( موجودين . ظ ) ازليين فهي ظهوره سبحانه بالكائنية و هو سبحانه لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان و ليس كينونته سبحانه بمكونة له تعالي عن ذلك فان المكون مخلوق و يحذركم الله نفسه قال الصادق عليه السلام انما حذركم ان تجعلوا الميم مصنوعا و الا لكان الذات محدثة مصنوعة نقلته بالمعني و قوله [ص 181] و هي الربوبية اذ لا مربوب لانها احدية و الاعداد هناك منفية قوله فاقتضت ذواتها بما هي مذكورة به في كل رتبة يعني في الذات علي نحو الوجود الحقي و النفي الاطلاقي و في السرمد علي نحو الوجود الاطلاقي و النفي الكوني و في الاكوان علي نحو الوجود الكوني و النفي العيني و في الاعيان علي نحو الوجود العيني و نفي الاشباح في مراتبها من الدهرية و الزمانية و في كل مقام لهم وجود هو ما لهم من الاثبات و صورة و هي ما لهم من النفي و قوله من الازل الي الحدث يعني في النزول الي الابد الذي هو ذلك الازل يعني في الصعود قوله ما يمكن لها و يمتنع في الامكان في كل رتبة بحسبها من صفة الكينونة التي هي ربوبية تلك الاقتضاءات فقوله من صفة الكينونة بيان ما يمكن لها و المراد من صفة الكينونة هي حقيقة العقل التي وصف بها نفسه و من عرفها عرف ربه و هي ربوبية تلك الاقتضاءات و كنهها و الاقتضاءات هي عبوديتها المخلوقة بها المربوبة قوله و تلك الصفة هي نور الكينونة اي اثر تلك النفس القديمة التي هي الربوبية اذ لا مربوب و ذلك النور هو الربوبية اذ مربوب و هو الاقتضاء الذي هو نفس تلك الربوبية و هويتها و ظلها و قوله يمكن لها و يمتنع في الامكان لان صفة الازل ازلية يعرف بها نفسه بالازلية و هي يمتنع في رتبة الامكان المعرف بالافتقار و الخلقية قوله فحكم لها ثانيا لانه في الدرجة الثانية بعد الاولي التي كان لهم فيها اثبات و نفي قوله حين سألها بسؤالها بما سألته في كل رتبة بما لها فيها فالباء في بسؤالها صلة سألها اي نفس سؤالها من الله سبحانه تلك الصفة نفس سؤال الله اياها و سؤال الطرفين هو تلك الصفة المحكوم بها لها اذ لا سبيل لها الي الله الا بتلك الصفة و هي سبيل الله اليها علي نحو قول الشاعر : رأيت [ص 182] بعينها و رأت بعيني ، قوله بما سألته في كل رتبة بما لها فيها الباء في بما سألته صلة قوله فحكم اي حكم بمسؤلها في كل رتبة بما يليق لها فيها قوله و تلك المعلومات بكل اعتبار لا شئ الا انها لا شئ في الازل بمعني الامتناع يعني انها ممتنعة في ذات الازل المجهول الكنه بكل اعتبار اي بالنفي و الصلوح و الكون و العين ممتنعة في الازل فهو اذ ذاك هو قوله الا بما هي شئ في الحدوث بمعني الامكان في الامكان و هذا الكلام تمام الكلام الاول و عديله قوله و اما في الامكان فهي شئ بما شاء كما شاء و ليس بتكرار و لا ايضاح فحاصله ان تلك المعلومات ممتنعة في الازل بكل اعتبار الا بنحو الامكان في الامكان و هذا الكلام يقصر عن نيله افهام الحكماء و اوهام العلماء فهي في الازل شئ بالامكان في الامكان لا في الازل فان رأيته فهو اذ ذاك هو لا شئ غيره علي معني الامتناع و اذا رأيتها فهي اذ ذاك هي لا هو بمعني الامتناع و ذلك ان الازل ممتنع عن الحدث و الحدث ممتنع عن الازل و لايتناهي الازل لا بذواتها و لا بصفاتها و لا بافعالها و لا بآثارها و لا بآثار آثارها الي ما لا نهاية له فهي هي بتكثراتها و هو هو بتوحده لانه طوي باحديته جميع ما سواه فافهم ان كنت تفهم و لميؤذن لاحد من الحكماء بازيد من ذلك البيان و استغفر الله من زلة الاقدام بطغيان الاقلام و قوله يعني انها شئ بذلك الحكم و هو ظل الكينونة يعني هي شئ بتلك الحقيقة التي هي المشية و هي ظل الكينونة كشعاع الشمس من الشمس قوله فاعطاها بحكمه و مشيته ما سألته من الوجود فحكمه و مشيته هما اسمان لصفة الكينونة و الوجود هذا هو الحكم الثالث لاقتضاء الوجود به و هو الوجود المقيد و قوله و امكن فيها ما اقتضته من الامكان و ان لمتقتضه في الوجود [ص 183] و هذا هو الامكان الجايز يعني به ان الله سبحانه اعطي المقتضيات بمشيته الوجود الفعلي اي الكون في الخارج ممثلا علي حسب اقتضائها و امكن فيها من القوة ما اقتضته و ان لمتقتضه في الوجود فخلق الالف الفا بالفعل و باء بالقوة و يشرحه قوله فما لمتقتض وجوده في الوجود تقتضي وجوده في الامكان قوله و هاتان الرتبتان اقتضاء ما يمكن لها من تلك الصفة اي الامكان الجايز و الوجود الجايز اي التمثل في الخارج من حيث انفسهما اقتضاء ما يقضي لهما من الوجود اي صفة الكينونة قوله لانه اذا شاء اقتضت ما في الوجود في الامكان و ما في الامكان في الوجود هو تعليل لقوله هاتان الرتبتان الي آخر فيعلل لكونهما اقتضاء ما لهما من المشية بان الله سبحانه اذا شاء و اشرق بشعاعها عرصات الامكان التي هي نفس ذلك الشعاع اقتضت المشية ان يكون ما في الوجود اي ما تشرق دونها و هو عرصة الامكان و لايعقل غير ذلك و ما في الامكان في الوجود و كذلك اقتضت ان يكون جميع شعاعها الذي هو الامكان موجودا اما عينا او امكانا فشعاع المشية موجود ممكن و هذا الموجود الممكن من حيث نفسه اقتضاء ما له من صفة المشية التي هي جهته اليها قوله لان ذلك هو ما لها من تلك الصفة اي الوجود في الامكان و الامكان في الوجود هو ما للقوابل من صفة المشية كما قلنا و قوله المشية التي بها الاقتضاء يعني ان الاقتضاء خلق بالمشية لانه شئ و كل شئ فمن صفة الكينونة و هو العبودية الحادثة بالربوبية و لولا ذلك لكان قديما او مخلوقا من غير شئ و ذلك محال من القول و لايلزم من ذلك جبر اذا كانت المشية ايضا لمتتعلق به الا بسؤاله كما يأتي ان شاء الله قوله و ذلك حكم الاختيار الربوبي اي الحكم بما سأل [ص 184] يعني ان الله سبحانه لما كان مختارا و يجب ان يكون صفة المختار ايضا مختارا وجب ان لايكون في خلقه و لا شئ الا نوره و صفته غير مختار فوجب ان يكون جميع ما اوجده موجودا بالاختيار و اي اختيار اعظم من ان جعل انفسهم آلة الايجاد فانصبغ حكمه فيهم و جري عليهم كما شاؤا و ارادوا الاتري انه خاطبهم و قال للواحد منهم كن و هو اذن بان يكون ما شاء كما شاء و فاعل كن هو فاعل يكون و هو المخاطب المأذون بامر كن الاتري انك تقول لزيد اقعد فيقعد و هو فاعل القعود و انت الآمر الآذن لا مباشر القعود فاذا قال سبحانه لما اراد ان يخلقه كن و يكون هو علي حسب ما يهواه و يشتهيه و لايقدر ان يكون الا علي حسب ما يشتهيه اذا الاثر علي هيئة صفة مؤثره فاذاً هم كانوا كما كانوا كما شاؤا فاين الجبر فافهم ان كنت تفهم و ذلك ان كل عال خلق كل دان بنفسه لا بواسطة اذ لا واسطة و ذلك حكم الاختيار الربوبي الساري في كل موجود قوله و تلازمهما في التحقق الظهوري الي آخر يعني ان المشية لاتظهر الا بالاقتضاء و الاقتضاء لايظهر في الوجود الا بالمشية فهما في الكون الخارجي متلازمان و اما المشية فمقدمة ذاتا و رتبة لان ما من الله مقدم علي ما من الخلق قوله و تلك الربوبية اذ لا مربوب الخ ، يريد به ان كينونة الذات الظاهرة هي علمه بمخلوقاته اولا و صفتها التي هي ظل الكينونة و هي اي الصفة المشية هي علمه بمخلوقاته ثانيا فيعلم بالعلم الاول نفيها الاطلاقي و الوجود الحقي فهو اذ ذاك عالم و لا معلوم كما انه رب اذ لا مربوب و يعلم بالعلم الثاني ما لها من تلك الصفة اي صفة الكينونة و هي حيث معلوميتها الذي ليس له سبيل الي تعلق العلم به بدون ذلك الحيث بل علميتها فهم هيهنا معلومون غير مكونين و لا معينين فكونهم علي [ص 185] حسب ما علمهم و هذا هو العلم المفصل الازلي السابق علي المشية الذي اشرنا اليه سابقا فكما كانوا سابقا و لا شئ الا الذات كانوا ثانيا و لا شئ الا المعلوم السرمدي و قد شرح ذلك الكاظم عليه السلام في حديث طويل احب ان اذكره فسئل كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء و العلم متقدم علي المشية و المشية ثانية و الارادة ثالثة و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء فبالعلم علم الاشياء قبل كونها و بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشاءها قبل اظهارها و بالارادة ميز انفسها في الوانها و صفاتها و بالتقدير قدر اقواتها و عرف اولها و آخرها و بالقضاء ابان للناس اماكنها و دلهم عليها و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها و ذلك تقدير العزيز العليم ، انتهي الحديث الشريف بتمامه و الغرض الاستدلال بان الاشياء كانت معلومة قبل ان تكون مذكورة بالمشية و هناك كانت اعيانا ثابتة غير مكونة موجودة بحضور علمي لله سبحانه و لما يكونوا [ص 186] بالانشاء بالمشية كما شرحنا و بينا آنفا قوله قال تعالي اشارة الي الرتبتين و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فالذي لايحيطون بشئ منه هو العلم الكينوني الذاتي بالاشياء فانه قبل اكوان الاشياء و اول اذكارهم الوجودي و ان كان هو الذكر العلمي الا انهم هناك ليسوا هم هم و انما هو علم الله سبحانه و كماله لا شئ غيره فهناك الله يعلم و هم لايعلمون و اما الذي شاء من علمه ان يعلموه فهو صفة الكينونة و هو من اول الاذكار الي ما شاء الله من ساير مراتب ملكه فالعالمون بذلك مستزيدون من العلم الكينوني الذي لا غاية له و لا نهاية فيجري من باطنهم الي ظاهرهم اي من قوتهم الي فعليتها ابدا و لا نفاد له فهذان هما العلمان المشار اليهما بقول جعفر بن محمد عليهما السلام ان لله علما خاصا و علما عاما فاما العلم الخاص فالعلم الذي لايطلع عليه ملئكته المقربين و انبياءه المرسلين و اما علمه العام فانه علمه الذي اطلع عليه ملئكته المقربين و انبياءه المرسلين و قد وقع الينا عن رسول الله صلي الله عليه و آله و العلم الاول هو الذي قال في حقه موسي بن جعفر عليه السلام علم الله لايوصف الله منه باين و لايوصف العلم من الله بكيف و لايفرد العلم من الله و لايبان الله منه و ليس بين الله و بين علمه حد انتهي ، قوله و هذا العلم الذي لايحيطون بشئ منه اي الكينونة هي من علمه بذاته كيدك منك و المراد من يدك منك ليس علي ظاهره الدال علي التبعيض بل المراد منه شيئان احدهما ان المراد حضور العلم الثاني عند الذات كحضور يدك منك و يمثل العرب و العجم لغاية الظهور بالكف و يقولون اراه كما اري كفي و من هذا الباب قوله سبحانه في وصف الظلمات اذا اخرج يده لميكد يريها و قول ابيجعفر عليه السلام ان الله لميدع شيئا [ص 187] كان او يكون الا كتبه في كتاب فهو موضوع بين يديه ينظر اليه الخبر ، و ثانيهما ان يكون المراد باليد القدرة و هو شايع في العرب و العجم يقولون له يد في هذا اي قدرة و يد الله قدرته فيدك منك اي قدرتك منك فكما ان قدرتك منك كمالك كذلك علمه سبحانه كماله كما في رواية هشام بن الحكم عن ابيعبدالله عليه السلام قال العلم هو من كماله و هذا هو المعني الذي اراد به الشيخ لانه استشهد لقوله كيدك منك برواية هشام و هي ما ذكرنا و اما رواية حمران فهي ما رواه عن ابيجعفر عليه السلام في العلم هو كيدك منك و يحتمل ان يكون المراد باليد النعمة و هو شايع في العرب و يقال للنعم الايادي و في الخبر ان استطعت ان يكون يدك العليا عليه فافعل يعني احسانك اليه اكثر و الايادي الجميلة اي النعم الجميلة الحسنة فيدك منك جودك و لا شك ان جميع ما سوي الله جوده و كرمه و هو جواد حق و الاولان اوجه و قد انهينا علي ما اردنا من التعليق علي كلامه اعلي الله مقامه و لعمري لو ضربت آباط الابل علي بسيط الارض لااظنك ان تقف علي شرح هذه العبارة و كفاك في عظمته ان يقول مثل الشيخ فيه العاثر عليه اعز من الكبريت الاحمر و يعظمه و كفي باستعظامه عظمة و الله ولي التوفيق و بيده ازمة التحقيق سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم و كفي بما ذكرنا في مباحث العلم فان هذه الرسالة لاتسع اكثر من ذلك .
المطلب الثالث - في البداء و هو مسئلة كلية قد اكثر المتكلمون فيها الخلاف و من لميأخذها من آلمحمد عليهم السلام خزان علم الله سبحانه فهو عن فهمها محروم فاحببنا [ص 188] ان نشرح ذلك ايضا في هذه الرسالة علي ما بينه الله علي السنة اوليائه و قد قال الصادق عليه السلام لو علم الناس ما في القول بالبداء من الاجر مافتروا عن الكلام فيه ، فالواجب ان نبسط القول في هذه المسئلة طلبا للاجر و اظهارا للامر و قد روي عنه عليه السلام ماعظم الله بمثل البداء و عن احدهما عليهما السلام ماعبد الله بشئ اعظم من البداء ، و انت اذا اطلعت علي ما بيناه عرفت ان جميع ما نطقوا فيه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا فلا حاجة بنا الي ذكر الاقوال و تطويل المقال و تنضيد امتعة الناس كالسمسار اذ كان لنا سلعة ببركات الائمة الاطهار عليهم صلوات الله ما اختلف الليل و النهار و شرح هذه المسئلة يقتضي رسم فصول :
فصل - من البديهيات عندنا و عند الموحدين بحقيقة التوحيد ان الله سبحانه عالم بجميع ما كان و ما يكون الي ما لا نهاية له قبل ان يخلق الخلق كما بينا آنفا و شرحنا و علمه سبحانه كماله الازلي غير مستفاد من شئ لايزيد في علمه بالاشياء شئ و لاينقص من علمه شئ و لايتغير و لايتبدل و لايجهل و لاينتظر العلم بشئ و لايخاف محو شئ من نظره فلايجوز ان يبدو له شئ ماكان يعلمه ابدا ابدا فمن زعم انه يبدو لله سبحانه في علمه الازلي شئ ماكان يعلمه فقد اخرجه عن ازله و انزله الي رتبة الاوقات و حيز الامكانات و هو شرك بالله عز و جل و قد قال ابوعبدالله عليه السلام مابدا لله في شئ الا كان في علمه قبل ان يبدو له و سئل عليه السلام هل يكون اليوم شئ لميكن في علم الله بالامس قال لا من قال هذا اخزاه الله قيل ارأيت ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة اليس في علم الله قال بلي قبل ان يخلق الخلق و قال ابوجعفر عليه السلام كان الله [ص 189] و لا شئ غيره و لميزل عالما بما يكون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه ، فتبين و ظهر انه سبحانه علم المعلومات بقضها و قضيضها قبل ان يكونها و كانت مذكورة في العلم الازلي له سبحانه علي ما بينا و شرحنا و علمه بها نفس ذلك الذكر و تلك الاذكار كانت حاضرة لديه كيدك منك كما قال عليه السلام في قوله هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا بلي كان مذكورا في العلم و قد قال قال سبحانه انا خلقنا الانسان من قبل و لميك شيئا يعني مكونا فذلك العلم قبل كون الاشياء و انت تعلم ان الاكوان حصلت بقوله كن و كن فعله و مشيته و اذا اراد شيئا يقول له كن فيكون و الانسان لميك شيئا و انما سمي الشئ شيئا لانه مشاء فعلمه سبحانه بالاشياء قبل ان يتعلق بها مشية كما مر في الخبر بالعلم علم الاشياء قبل كونها و قال بعلمه كانت المشية و قال العلم بالمعلوم قبل كونه فالمشية هي فوارة العلم يظهر منها ما يشاء كما يشاء و مشيته تستفيد من العلم لا علمه يستفيد من المشية اذ هو يشاء ما علم لا انه لايعلم حتي يشاء كتب رجل الي ابيالحسن عليه السلام يسئله عن الله عز و جل اكان يعلم الاشياء قبل ان خلق الاشياء و كونها او لميعلم ذلك حتي خلقها و اراد خلقها و تكوينها فعلم ما خلق عند ما خلق و ما كون عند ما كون فوقع بخطه لميزل الله عالما بالاشياء قبل ان يخلق الاشياء كعلمه بالاشياء بعد ما خلق الاشياء انتهي ، و معلوم ان الجاهل لايقدر علي العمل علي نهج الحكمة و الصواب فكان عالما بما صنع قبل ان يصنع بنفسه ما يصنعه بعد علمه به فاذا محال ان يبدو له بداء لميكن ذلك البداء في علمه تعالي عما يقول الظالمون العادلون الملحدون علوا كبيرا و هذا العلم كما قدمنا نفس اذكار المعلومات العلمية [ص 190] الحاضرة عنده و نفس كينونته سبحانه الازلية لايحيط به احد سواه ممن خلقه بمشيته علي حسب علمه فان كل شئ متأخر عن هذا العلم بدرجتين اقلا و قد ضرب حجاب المشية بين هذا العلم و بين ما دونه و هو حجاب لايسع لمشاء هتكه ابدا ابدا و يظهر الله سبحانه من هذا الحجاب ما يشاء من علمه شيئا بعد شئ و ان كان مشيته هذه سرمدية لاتدرج فيها بوجه من الوجوه و لا امتداد في وقتها الا انها لاتخلو من وقت ما لحدوثها و لاتخلو من تجدد و استمرار ما و تنقل من الاسفل الي الاعلي بخطاء لا غاية لبينها و لا نهاية و ان كان بساطتها بحيث لاتدرك كثرة فيها و مغايرة بين حالاتها و لو بادق الاوهام و اعلي المشاعر فانها لايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته الا انها لحدوثها و ما وصفها الله به في آثارها كذلك فهي في كل آن و لا آن لها لسان داع بقول رب زدني علما و زدني فيك تحيرا و تزداد علما بما يعلّمها الله في كل آن و لا آن بما لا غاية له و لا نهاية فسبحانه من عالم لا نهاية لعلمه و لا غاية لتعليمه كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية الا انه يظهر من هذه المشية تلك العلوم المستفادة علي حسب قوابل المستفيدين منها في مراتبها من التدرج و الترتب و بين كل مستفيد و بين هذه المفيدة حجب من موادها يظهر منها العلم الي اعيانها شيئا بعد شئ علي حسب رتبها و امتداداتها و اوقاتها فتلك المواد فوارات لها يفور منها العلم علي حسب ضيق منافذها و سعتها و لايسع تلك المستفيدات العينية خرق تلك الحجب و الاطلاع علي ما ورائها ابدا ابدا فلايحيط شئ منها بشئ من علمه سبحانه الا بما شاء كما شاء بقدر ما شاء حين ما شاء فيبسط لها فتعلم و يقبض عنها فلاتعلم سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم و ذلك ان الفعليات العلمية [ص 191] التي هي من وراء تلك الحجب اذا نزلت اليها اختفت فيها و ظهرت بالصلوح و القوة و الاستعداد و انحلت فيها فذابت و تجانست و تشاكلت فلميكن شئ منها من حيث نفسه اقرب من شئ آخر الي الفعلية و البروز و لا اولي بها فهي كلها واقفة بباب التدبير علي نهج التقدير فكل واحدة منها اذن لها بالخروج خرجت و الا بقيت في الامكان و القوة كما تري من قطعة الشمعة انها صالحة للتشكل بكل شكل يمكن فيها و تلك الاشكال فيها غير متمايزة بالفعل الا انها صالحة للتشكل بكل ما يورد عليها يد التدبير علي حسب حكم التقدير فيظهر شكل من تلك الاشكال بعد شكل و كان في علم الله سبحانه بالفي عام قبل هذا انها تتشكل بشكل كذا و كذا و كذا و تلك العلميات الفعليات كانت محجوبة تحت مادة الشمعة محلولة مذابة صائرة بالقوة فقدم الله من تلك الصور ما شاء و اخر ما شاء كيف شاء فاذا قدم ما قدم لميخالف علمه و اذا اخر ما اخر لميخالف علمه سبحانه المتقدم علي هذه المادة الاتري انك تري في نفسك عيانا انك تقدر علي تشكيل الشمعة علي صورة التثليث و اخراج تثلثها من قوتها الي فعلها و تقدر علي تربيعها و اخراج تربعها من قوتها الي فعلها و تقدر ان تقدم ايها شئت و تؤخر ايها شئت بلا شك و لا ارتياب ثم ان قدمت شيئا او اخرته لمتخالف علم الله السابق بما يخرج منها الي الفعلية و هذا الاحتجاب هو الذي حير اولي الالباب و لايمكنهم خرق الحجاب فوقفوا في الارتياب حتي يفتح لهم الباب و يأتيهم الخبر الصواب و لكن يختلف مراتب الحجب و الواقفين من ورائها فلا كل يحجب عن كل و لكل منا مقام معلوم الا ان كل من دخل عرصة الخلق و كان مركبا من مادة و صورة واقف موقف الجهل بشئ بل باشياء لا نهاية لها و الاستزادة [ص 192] و الفقر و الفاقة و الذي لايجهل شيئا و لاينتظر بدو امر جديد هو الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد ثم كل ذي مادة و صورة ذو قوة و فعلية فمادته قوته و صورته فعليته فلايحيط بفعليات وراء مادته الا بما شٖيء منها و بين له بفعليته التي هي صورته و مادته قوته لانها من الامكان الصالح لكل صورة و لماتتصور و هي تحت تدبير التقدير يفعل بها ما يشاء الا ان من المواد ما هي رقيقة بسيطة متشاكلة مع الفعليات اشد تشاكل لمتحجبها الا بقدر غلظة هي شرط استمساك وجودها و عليها مناط عبوديتها و فقرها و منها ما هي غليظة قليلة المشاكلة او عديمتها فبهذه الرقة و الغلظة اختلف تناهي ورود الفعليات اليها و عدمه و سرعة تقضي الامتداد المنتزع عن توارد تلك الفعليات و عدمها و بها اختلف حال العلماء في كثرة ما يرد اليهم و قلته فلرب عالم يرد اليه شئ في آن لو قسم علي ساير الناس سنة لكفاهم و بها اختلف بطء تقضي اوقات الاكوان و سرعته فيكون تقضي الدهر ابطأ بل لاتقضي حتي قيل انه قار و تقضي الزمان اكثر علي ما تري .
فصل - اذا عرفت ان كل حادث مركب و كلَ مركب مركب من مادة و صورة و المادة هي الحصة المأخوذة من الامكان المتشاكل الاجزاء و الصورة هي خصوصية ذلك الشئ التي ليست لغيره فالمادة من حيث هي هي صالحة للتهيؤ بكل هيأة و ذلك الصلوح هو استعدادها للتشخص بكل شخصية ترد عليها عرفت ان المادة في نفسها شخص بالقوة و في صورتها شخص بالفعل فكل حادث صاحب قوة و استعداد فلاتصغ الي الذين يخصصون القوة و الاستعداد لقصر نظرهم بهذه الدنيا و يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة [ص 193] هم غافلون و اما قول علي عليه السلام في وصف العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد فالمراد بها المواد الزمانية و قواها و استعداداتها لا مطلقا و يكشف عن ذلك قول ابنه الرضا عليه السلام ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قائما بذاته و قول الله سبحانه و من كل شئ خلقنا زوجين و اتفاق الحكماء علي ان كل ممكن زوج تركيبي و شهادة العقول السليمة بان جميع تلك الصور مشتركة في الامكان ممتازة في حدودها فلها مواد و صور بحسبها فكل مخلوق له قوة و استعداد تصلح لظهور الفعليات عليها و قد عرفت انها تختلف في التشاكل مع الفعلية و التباين منها فاول ما خلق الله سبحانه مشيته لقول الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية فالمشية اول المخلوقات و اعظم التجليات لكينونة الذات و ابسط المركبات لان الكل بها و لايجري عليها شئ من صفاتها و فعليتها عين قوتها و قوتها عين فعليتها لبساطة اجزائها حتي ان اجزاءها بسائط لمتركب من اشياء قبل فلا اجزاء اذ لا امتياز فهي اول مركب خلق مساوقا مع اجزائه المساوق بعضها مع بعض فهي اول الاشياء لا اول قبلها و لكن لنا ان نتكلم فيها علي حسب ما وصفها الله سبحانه و عرفها بآثارها فنقول هي كل ما كانت ممكنةٌ و امكانها عين ذاتها بلا تفاوت ليست بسابقة علي الامكان فتكون قديمةً و لا بمؤخرة عنه فيكون شيئا بغير مشيته فالامكان شئ مخلوق بمشيته و مشيته ممكنة حادثة بذلك الامكان فهما من كل جهة شئ واحد لا فرق بينهما الا ان المشية ممكنة و الامكان هو الصلوح المطلق لما لا نهاية له كما بين في محله فالمشية لها مادة مأخوذة من الامكان و صورة هي كونها مشية و فعلا لله سبحانه و قد عرفت انها لمتسبق مادتها صورتها و لا صورتها مادتها فمادتها هي [ص 194] قوتها و استعدادها لكونها مشية امكانية او كونية او عينية متعلقة بزيد او عمرو او سماء او ارض او غيب او شهادة او جماد او نبات او حيوان او جن او ملك او صفات هؤلاء او افعالها او آثارها او آثار آثارها او قراناتها و نسبها و اضافاتها و ارتباطاتها و اعراضها الي ما لا نهاية له فمادة المشية صالحة لان تتصور بصورة مشية خاصة لكل ذلك كما ان حركتك المطلقة فيها قوة التعلق بكل صنعة و بالكتابة و بالالف و الباء الي غير ذلك من الحروف و تراكيبها ببسط لا نهاية له و مهما تعلقت بشئ من ذلك تهيأت بهيئته فوقع عليه شبحها فكان ذلك الشئ و هي من حيث المادة صالحة لكل ذلك و فيها قوة التهيؤ بكل هذه الهيئات و كذلك المشية و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فالمشية المطلقة قبل جميع التقيدات هي المادة النوعية لتلك الافراد الخاصة و لها صور خاصة و هي في نفسها ايضا لها مادة هي الامكان المطلق و صورة هي صورة كونها حركة و ذلك الامكان هو رطوبة الرحمة التي خلقت منها المشية و هي اثر الرحمن المستوي علي عرشها و صورة كونها مشية هي الجزء الهبائي الذي يعقد فيه الرطوبة كما بين في محله فرحمته سبحانه غير مقيدة بالمشية او غيرها مما لايدخل مشاعرنا لانها اثر المشية الا انها تصورت بصورة المشية بالجملة ان المشية اي صورة المشية واقفة من وراء حجاب تلك الرحمة و هي حجاب القدرة و قد انحل و ذاب جميع ما وراءها من معلومات الله سبحانه فيها و دخلت تحت القدرة و صارت مقدورة لله سبحانه و كان الله سبحانه قادرا علي كل ما علم و عالما بكل ما قدر و قد استوي نسبة جميع معلوماته الي قدرته سبحانه فلايعجزه شئ في السماوات و الارض و هو علي كل شئ قدير و بكل شئ عليم الا ان الاشياء كانت قبل المشية [ص 195] معلومة مفصلة و هيهنا صارت مبهمة مجملة بالابهام الاطلاقي بحيث لا تعين لشئ منها فيها و لماكانت و لاتتجاوز عن مبدئها بقيت في جهل و افتقار امكاني الي الله سبحانه و استفادة و استزادة دائمة بما لا نهاية له و هي في كل حين لاتعرف الا ما عرفها و لاتعلم الا ما علمها الله سبحانه و لما كانت و ليس لها امتداد متميز الاجزاء لغاية بساطتها و كانت لا نهاية لها و لا غاية و يكون جميع استعداداتها للتعلم و الاستزادة حاصلة لها بالفعل بلا ترقب لها لحصول استعداد لانها خلقت بنفسها لايتوقف وجودها علي غيرها و هي نفسها و نفسها هي و لايعقل لها حصول استعداد بعد استعداد لان استعدادها اللانهاية نفسها و هي لاتفقد نفسها و كان استعداداتها اللانهاية حاصلة لها في كل حين و لا حين كان جميع تعليم الله سبحانه له موجودا بالفعل فان الله سبحانه لايحرم الاجابة من امره بالدعاء و دعا باستعداد موجود و لا مانع و هناك لا مانع اذ ليس معها غيرها فالمقتضي بلا نهاية موجود و المانع مفقود و المعطي جواد فلايحرمه التعليم اللانهاية و مع ذلك مفتقر الي تعليمه سبحانه في كل حين و لا حين فعلمه سبحانه بلا نهاية وراء هذا التعليم و التعلم اللذين لا نهاية لهما و لا غاية كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فسبحانه من عالم لا نهاية لعلمه و لا تعليمه و هو وراء ما لايتناهي بما لايتناهي و هذا هو مقام التحير و سقوط علم كل عالم دون علمه و هذا هو مقام رب زدني فيك تحيرا و هو مقام حيرة كل عليم و سقوط وهم كل حكيم و فوق كل ذي علم عليم و لما كان هذه المشية هي مبدء المبادي و لا شئ فوقها و قد خلقت بنفسها و هي بنفسها يد الله في خلق نفسها و لسان الله في التعبير عنه لها و تعليم الله اياها كانت تخرج بنفسها لنفسها ما في قوتها الي فعليتها ابدا [ص 196] بلا نهاية باذن ربها و هي اذنه سبحانه فيعلّمها الله سبحانه بنفسها و يستخرج كنوز ما في قوتها الي الفعلية بنفسها و نفسها هي هي ابدا فيخرج منها علوم لا نهاية لها و لا غاية لها بها فهي وصف معلميته سبحانه و تعليمه لها و هي المتعلمة من الله سبحانه فهي القطب و هي الكرة تدور علي نفسها بالاستمداد السرمدي علي التوالي ابدا و تدور نفسها عليها بالامداد السرمدي علي خلاف التوالي ابدا فلا هي تفقد نفسها حيث تجدها و لا نفسها تفقدها حيث تجدها و هذا العلم هو العلم الذي شاء ان يعلمه غيره و هو كلمات من ذلك العلم الكينوني الذي لايحيطون بشئ منه الا بما شاء و قد شاء ما شاء كما رأيت فافهم هذه العبارات المرددة المكررة ان كنت تفهم و الا فَاَسْلم تَسْلَم و لكن اخبرك ان هذا المقام لايدرك الا بعينه تعالي فان كنت من فرسان هذا الميدان فتقدم طالبا لسبقته و الا فدونك دونك فانه بحر عميق و صراط دقيق و كم من سفينة فيه غرقت و قدم عليه زلت و لا عاصم الا الله ففروا الي الله و من يعتصم بالله فقد هدي الي صراط مستقيم .
فصل - فالمشية حدثت لها بتعليم الله سبحانه علوم وحدانية امكانية بجميع ما خلق الله سبحانه بها و ثبتت في صدرها و هي المشار اليها بقوله و كل شئ احصيناه في امام مبين و قوله بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و هي تجمع جميع ما كان و ما يكون الي يوم القيمة بالفعل و تعلم العلوم الاجمالية الاطلاقية بنفسها بالاتحاد و العلوم الاطلاقية التفصيلية بتطوراتها و شئونها و تنزلها و تعلم الاكوان و الاعيان و الافعال و الاشباح بتجلياتها و ظهوراتها و للمعلومات مقام علمية سرمدية للمشية قبل كونها و مقام كونية دهرية في مقامها كما عرفت سابقا فهي في مقام المعلومية وعاؤها السرمد لانها قبل كونها [ص 197] المساوق للدهر و في مقام الاثرية للمشية وعاؤها الدهر لانها واقعة تحت السرمد مساوقة لوقتها و مكانها فتلك الفعليات العلميات السرمديات لما نزلت الي مقام الاكوان الدهرية انحلت و ذابت و تشاكلت و اتحدت فكان منه الامكان الجايز الذي هو مكان الدهريات و الدهر وقتها و الاكوان واقعة فيه و لما كانت الدهريات لاتتجاوز مبدأها الذي هو الكون الجايز و هو حصة من الامكان الجايز و قد خفيت جميع تلك العلوم تحت هذا الحجاب بقيت في جهالة جهلاء لاتعلم شيئا الا بتعليم الله سبحانه و اظهاره ما شاء من تلك العلوم لها و اخراج كل شئ قد استجن فيه و صار بالقوة الي عرصة الظهور و الفعلية فما خرج الي الفعلية تعلمه و الا فلا فصار لهؤلاء في الرتبة الثانية مصداق قوله سبحانه و لايحيطون بشئ من علمه الفعليات السرمدية الا بما شاء ابرازه من فوارة الامكان الجايز الدهري و لما كان الدهر برزخا بين السرمد غير المتناهي الواحدي و بين الزمان المتغير المتبدل يعني كان من حيث كونه اعلي من الزمان بريئا من التغير و التجدد حتي قيل في حقه انه قار الذات لايتغير و لايتبدل و لايتجدد و لايتصرم و من حيث كونه اسفل من السرمد ملازما للتغير و التبدل و التجدد صار تجدده و امتداده من حيث الترقي و التنزل و استقراره من حيث العرض يعني انه يتجدد حالاته بترقي عرصته كلية من عالم النفوس الصور المجردة الي عالم الرقايق و من الرقايق الي العقول المعنوية و فيها الي ما لا نهاية له و يتنزل عرصته بكلها من العقول الي الرقايق و من الرقايق الي النفوس و من النفوس الي الطبايع و هكذا فالدهر متجدد الاوقات و الآنات هكذا و اما من حيث العرض فهو بيت منجد لايتغير و لايتبدل كل شئ منه موضوع في حده و مقامه [ص 198] فبهذا الاعتبار قار لايتجدد كتجدد الزمان و بذلك الاعتبار متجدد و اما السرمد فهو بخلاف الدهر و الزمان فهو لا نهاية له طولا و لا عرضا و كله حاصل حصولا وحدانيا فعليا علي حسبه و مع ذلك مفتقر مستزيد فيما لا نهاية له بلا نهاية فسبحانه من عليم ما اوسعه و سبحانه من واسع ما اعلمه فالامكان الدهري هو حجاب اغلظ من الامكان المطلق و استر لما وراءه و لايخرج منه الا شئ بعد شئ و قد عرفت ان العلوم التي تخرج منه بالتدرج طولية للطف ذلك العلم و غلظ ذلك الحجاب فلايعرف منه شئ الا بعد حين و اما بالنسبة الي العلوم العرضية فتخرج منه دفعة لكثافتها و وجود استعداد تعلمها فيه بلا ترقب لانه بكله اثر المشية غير القاصرة عن شئ اوجدته بنفسه و لا مانع لوجوده لعدم شئ غير نفس ذلك الاثر و هو نفسه و نفسه هو لايفقد نفسه و لايفقده نفسه و ليس يفتقر في وجوده الا الي مؤثره الموجود النافذ الاثر و القدرة و الي نفسه التي هي استعداد قبول التأثير و هي موجودة و لتجردها و تذوتها غير ممتدة بامتدادات وصفية ممتازة فهي مستعدة لجميع ما يفاض عليها ابدا دهريا فيفاض عليها ابدا دهريا بلا نهاية دهرية فعالمة بتعليم الله سبحانه بجميع العلوم العرضية و مع ذلك كله لمتستغن عن تعليمه اللانهاية في كل حين دهري كما عرفت في السرمد و اما التجددات الدهرية اي الطولية فليست بحاصلة له ابدا بالفعل فان المبدء لا نهاية له و الطريق اليه غير محدود و لا متناه و الاثر محدود بحدوده كائنة ما كانت و دعوته اقبل مستمرة و هي جذبه الاثر اليه بنارية فعله الذي هو الحركة الايجادية فلاينتهي سير الاثر اليه ابدا ابدا و لايقطع تلك المسافة باقدام الاقبالات و الامتثالات الدهرية سرمدا فانه يمشي في نفسه [ص 199] و هو خارج عن نفسه تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب فالدهر دائم التجدد بالتجددات الطولية ابدا ابدا و في كل حين يتعلم علما لميكن له و يحصل له فعلية لمتكن له موجودة فهو طولا و عرضا متعلم الا ان تعلمه في العرض بلا تجدد بلا نهاية و تعلمه في الطول بتجدد بلا نهاية و السرمد تعلمه في الطول و العرض بلا تجدد بلا نهاية لوحدانيته الحقيقية فافهم .
فصل - فالدهر له علوم فعلية عرضية قارة و علوم طولية متجددة و ذلك التجدد كان في السرمد قارا فهذه العلوم لما نزلت الي عالم الاجسام انحلت و ذابت و اتحدت و تشاكلت و عدمت امتيازاتها و صارت بحرا سيالا جسمانيا و صارت الحيوة موتا و العلم جهلا و الفعل قوة فصارت الجسمانيات جاهلة بما وراءها من العلوم الدهرية لايحسون شيئا منه بعين و لا اثر و هم مترقبون منتظرون حتي يخرج شئ من وراء هذا الحجاب فيطلعوا عليه و يعلموه بتعليم الله سبحانه و لايخفي عليك ان كيفية الظهور و الاظهار و التعليم في جميع هذه المراتب المتقدمة طولا تحصل بجذب المبدء العالي بادامة نداء اقبل و مواجهتها بشمس فعله المشرقة الحارة اليابسة الجذابة فتطرح عليها شعلات الامداد فتمازجها و تَحُلها و تعقدها و تصعد المطاوع منها و تذر الاعراض الخاصة بمحالها غير القابلة للصعود عنها فتصعد شيئا بعد شئ و تسلُخ عن نفسها تلك الاعراض شيئا بعد شئ فترِق شيئا بعد شئ و تري شيئا بعد شئ مما وراءها فتظهر عنها الفعليات الكامنة فيها هكذا و هذا الجذب و الحل و العقد و التطهير و التضعيف لا غاية له و لا نهاية لان الاثر كلما تطهر خرج ما في كيانه الي عيانه و لايخرج عن كونه اثرا و اما في العرض فذلك بايدي [ص 200] المكملات العرضية الحاصلة من تكثر ما في المرتبة الحاصل من البعد عن المبدء فمن توارد عكوس تلك الكثرات و تعاكسها و فعلها و انفعالها تخرج تلك القوي الي الفعلية فان كلا يتكمل من كل ما هو من جنسه فباختلاف اسباب التكميل و باختلاف التكمل و باختلاف التعاكس و قرب الاشياء بعضها من بعض و بعد بعضها عن بعض و اجتماعها في التأثير و افتراقها و تماثلها و تجانسها و تباينها و تخالفها و غير ذلك من الموانع و المقتضيات تكثر ظهور الفعليات العرضية من الامكان و القوة الي الفعلية و كل شئ في التأثير يد الفاعل اليمني لمشيته و كم ارادته و سبب احداثه و كل شئ في التأثر يد الفاعل اليسري فيبدي ما يشاء بقدرته و يظهر ما يريد بحكمته و ذلك لما عرفنا انه لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايخرج الشئ من العدم الي الوجود الا الله كما في الخبر ، بالجملة اختفت تلك الفعليات الدهرية وراء حجاب الجسم الذي هو للاجسام بمنزلة الامكان للاكوان و لايعلم شيئا من ما وراءه الا علي حسب ما يظهر الله منه حين ما يظهر الله سبحانه منه و لما كان الجسم في غاية البعد عن المبدء الاحدي و كان في غاية الكثافة و بطء الانفعال لدي المؤثرات في الطول و المكملات في العرض لميخرج ما في قوته الي الفعل الا بالتدرج و الترتب فكانت الامتدادات المنتزعة عن ترتب الانفعالات البطيئة الموقوفة علي شروط و اسباب و معدات علي الاختلاف مختلفة الاجزاء ممتازة الحالات فحدث من ذلك التجدد الزماني فيه طولا و عرضا و قدر و اكتيل ذلك الامتداد كما عرفت بالليل و النهار و الاسابيع و الشهور و السنين و القرون كما تري فما خرج من تلك الفعليات من القوة [ص 201] الي الفعل علم به و ما لميخرج لميعلم به و لما كانت تلك الفعليات هنا كثيفة غليظة و الغالب عليها حكم الحدود و المميزات تصادم بعضها مع بعض و اختص كل منها بمكانه و وقته فلميمكن اجتماع فعلين منها في وقت واحد و مكان واحد فهو ابدا جاهل بما امامه لانه بَعْدُ في عالم القوة و العدم و لميخرج الي عرصة الوجود فلايعلم الا ما علمه الله و ليس له الا ما اعطاه و اما عدم احساسه بما وراءه من الفعليات الماضية لان الهيئة الحالية مصادمة للحالة الماضية في مكانها العرضي فما لميمح عن لوح الجسم تلك الهيئة الماضية لميمكن اثبات الهيئة الحالية كما تري من لوح مكتوب عليه كتاب لايمكن كتب كتاب آخر عليه الا بعد محو الكتاب الاول الاتري انك لمتقدر ان تكتب علي لوح الشمعة المثلثة التربيع الا بعد محو التثليث فاذا محوت صورة التثليث عن جسم الشمعة و اثبتت عليه صورة اخري مثلها او خلافها بقيت في مكانها و زمانها الذاتيين اللذين كتبت عليهما اعتبر من حصة مداد كتبتها الفا ثم محوتها و رددتها الي المداد ثم كتبتها باء و لكن كلما تلتفت بنفسك الي ذلك الوقت الذي كانت فيه صورة الالف و في ذلك المكان تجدها فيه علي ما كتبتها من استقامة و انحناء الاتري ان العناصر تلتئم فتكون شجرة ثم تقطعها و تحرقها و تجعلها رمادا و تعود عناصرها الي مراكزها عود ممازجة ثم تنبت شجرة اخري من تلك العناصر و لكن كلما التفتت الي الشجرة الاولي وجدتها في وقتها و مكانها و هيئتها و نضارتها و خُضرتها لاتتغير عما وجدتها فتفطن من ذلك ان ما لميأتك هو في قوتك و الامكان عدم الكون فهو معدوم و ما جاوزك فقد بقي في وقته و مكانه و جاوزت عنه و انت صالح [ص 202] للظهور بمثله بالقوة فهو عندك معدوم لا عند نفسه في مكانه و حده فلنعم ما قيل :
ما فات مضي و ما سيأتيك فاين قم فاغتنم الفُرْصة بين العدمين
فلاجل ذلك لست تري بعينك الجسمانية ما عندها معدوم و هذا معني ما قال ابوعبدالله عليه السلام في قوله يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب هل يثبت الا ما لميكن و هل يمحو الا ما كان ، فافهم فالماضي و المستقبل يكونان زمانا بالقوة و دهرا ثابتين في محلهما لايتغيران و لايتبدلان اللهم الا ان يتبدلا طولا فهما في طول الدهر اي المدارج العالية و النازلة بالقوة و حاله الفعلي ما هو فيه فما محي مما جاوزه و ما لميأته اثبت في السرمد فهو ما يجوزه بلا نهاية يدخل في الامكان و يثبت في علم الله سبحانه بل هو ثابت فيه و ما لميأته ايضا ثابت فيه قال سبحانه قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب و قال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قال انا نحن نحيي الموتي و نكتب ما قدموا و آثارهم و كل شئ احصيناه في امام مبين .