[ص 143] فصل - اعلم ان الصفات قد تقسم في ظاهر البيان علي قسمين صفات ذاتية و صفات فعلية اما الصفات الذاتية فهي التي هي عين الذات و لما كانت عين الذات اختصت بامور : منها انها قديمة لانها عين الذات القديمة و منها انها لا تمايز بينها في الواقع الخارج لانها عين الذات الاحدية القديمة فاني يمكن فيها التعدد و منها انها لاتدرك كما ان الذات القديمة لاتدرك قال الله سبحانه لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و منها انها اذ لاتدرك لاينتزع عنها مفاهيم متعددة فان الذهن ما لميجد مصداقا خارجيا لايقدر علي الانتزاع منه و لو وجد فيه شئ من غير خارج لكان كذبا و الله سبحانه لايدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و منها انها غنية عن المتعلق كما ان الذات غنية عما سويها فلايشترط في علمه المعلوم و في بصره المبصر و في سمعه المسموع و في قدرته المقدور و في سلطنته الملك و امثال ذلك و منها انه يمتنع في هذه الصفات كلما يجوز في صفات الممكنات لان الازل يمتنع عن الحدث و الحدث يمتنع عن الازل فلايشترط في علمه المطابقة مع معلوم و لا الوقوع عليه و لايزيد و لاينقص و لايتغير و لايتبدل و امثال ذلك و منها انها لا ضد لها و ضدها ممتنع كشريك الباري و ضده فعلمه ليس بعلم ضده جهل و سمعه ليس بسمع ضده صمم و بصره ليس ببصر ضده عمي و قدرته ليست بقدرة ضدها عجز و هكذا فعلمه علم منفرد و سمعه منفرد و بصره منفرد لايضادها مضاد فليس علمه بمعني علمنا و لا سمعه بمعني سمعنا و هكذا فليس نعقلها ابدا و منها انها لاتنفي عن الله سبحانه ابدا لانها عين الذات فكما ان الذات لاتنفي عن نفسها كذلك لاتنفي هذه الصفات عنها ابدا فلايقال لا علم و لا سمع و لا بصر و هكذا و منها ان هذه الصفات بسيطة احدية و ليست [ص 144] بمشتقة و ليست لها مبادي اشتقاق فليس اسمه العالم مثلا مشتقا من العلم و القادر مشتقا من القدرة فيكون نعوذ بالله عالما بعلم و قادرا بقدرة بل هو عالم بذاته قادر بذاته و ليس هناك علم و لا عالمية و معلوم و معلمة بل هي ذات بسيطة احدية يعبر عنها بتعبيرات مختلفة لما ارانا من آثار قدرته فلما ارانا مقدوراته قلنا انه قادر و لما ارانا معلوماته قلنا انه عالم و لما ارانا ملكه قلنا انه سلطان و لمنطلع علي كنه ذاته بوجه من الوجوه ثم رأينا انه في ذاته كامل لايفقد الكمال و هذه الصفات وجودها كمال و عدمها نقص فاثبتناها له كما اثبت لنفسه و ارانا في الآفاق و الانفس ثم تداركنا هذا الاثبات بامور تنفي التشبيه عنه سبحانه فاخرجناه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه علي ما عرفت فلمنسلب عنه الكمال فنعطله و لمنقل انه فيه ككمال الخلق فيكون لذاته حيوث و جهات فنشبهه بل قلنا انه علم بكله لا بمعني ان له جزءا و سمع بكله لا بمعني انه من حيث علم و من حيث سمع بل هو سمع من حيث انه علم و هكذا ساير الكمالات و ان قلت فاذا هذه الاسماء اعلام مرتجلة و لاتفيد للمسمي كمالا اذ لميكن لها مفهومات معنوية وصفية قلت ان لهذه الاسماء مفاهيم عندنا و الاسماء منا و الينا فلما احتجنا الي ذكر كماله اخذنا اسماء كمالية من عالمنا و عبرنا بها عنه فافاد لنا الكمال لانها اسماء كمالية و لمنعبر بغيرها مما يفيد النقص و لما خفنا عليه التشبيه استدركنا ذلك بما استدركنا كما نستدرك من تسميتنا اياه بالله و قد سئل ابوالحسن الرضا عليه السلام هل كان الله عز و جل عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق قال نعم قلت يراها و يسمعها قال ماكان محتاجا الي ذلك لانه لميكن يسألها و لايطلب منها هو نفسه و نفسه هو قدرته نافذة فليس يحتاج الي ان يسمي [ص 145] نفسه و لكنه اختار لنفسه اسماء لغيره يدعوه بها لانه اذا لميدع باسمه لميعرف فاول ما اختار لنفسه العلي العظيم لانه اعلي الاشياء كلها فمعناه الله و اسمه العلي العظيم هو اول اسمائه علا علي كل شئ و عن ابيعبدالله عليه السلام انف عن الله البطلان و التشبيه فلا نفي و لا تشبيه هو الله الثابت الموجود و تعالي الله عما يصفه الواصفون و لاتعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان و عنه عليه السلام ليس قولي انه سميع بنفسه انه شئ و النفس شئ آخر و لكني اردت عبارة عن نفسي اذ كنت مسؤلا و افهاما لك اذ كنت سائلا فاقول يسمع بكله لا ان كله له بعض لان الكل لنا له بعض و لكن اردت افهامك و التعبير عن نفسي و ليس مرجعي في ذلك كله الا انه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعني و عن ابيجعفر عليه السلام في حديث ثم خلقها اي الاسماء وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها اليه و يعبدونه و هي ذكره و كان الله و لا ذكر و المذكور بالذكر هو الله القديم الذي لميزل و الاسماء و الصفات مخلوقات و المعاني و المعني بها هو الله الذي لايليق به الاختلاف و لا الايتلاف و انما يختلف و يأتلف المتجزي الخبر .
فصل - في صفات الفعل و هي صفات تشتق من افعال يفعلها الله سبحانه في خلقه فلما خلق سبحانه الخلق اشتققنا له الخالق و لما رزق عباده الرزق اشتققنا له الرازق و هكذا فهذه الصفات مشتقة و لما كان الله سبحانه قادرا مختارا له ان يفعل فعلا و له ان لايفعل فان فعل يشتق له اسم منه اثباتي و ان لميفعل يشتق له اسم نفيي كما تقول اذا والي المؤمنين موالي و اذا لميوال الكافرين بل عاداهم غير موال و المعادي و ان احب الخير المحب و ان ابغض الشر المبغض و ان اراد [ص 146] اليسر المريد و ان لميرد العسر و تطهير قلوب الكافرين غير مريد و ان تكلم مع المؤمنين و نظر اليهم المتكلم الناظر و ان لميتكلم مع الكافرين و لمينظر اليهم غير متكلم و الساكت و غير الناظر و هكذا فهذه الاسماء يوصف الله بها و باضدادها بخلاف صفات الذات فانه لايوصف باضدادها فلايقال العالم و الجاهل و البصير و الاعمي و السميع و الاصم و القادر و العاجز و امثالها لانها عين الذات الاحدية و هي لاتعدم و لاتتغير و لاتنتقل الي حالة ضد الحالة الاولي قيل لابيعبدالله عليه السلام لميزل الله متحركا فقال تعالي الله ان الحركة صفة محدثة بالفعل قيل فلميزل متكلما فقال ان الكلام صفة محدثة ليست بازلية كان الله عز و جل و لا متكلم و قيل له لميزل الله مريدا قال ان المريد لايكون الا و المراد معه لميزل عالما قادرا ثم اراد و قال خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و قيل له علم الله و مشيته هما مختلفان او متفقان فقال العلم ليس هو المشية الاتري انك تقول سافعل كذا ان شاء الله و لاتقول سافعل كذا ان علم الله فقولك ان شاء الله دليل علي انه لميشأ فاذا شاء كان الذي شاء كما شاء و علم الله السابق للمشية و قال ابوالحسن عليه السلام ارادة الله الفعل لا غير ذلك و في حديث المشية و الارادة و الابداع اسماؤها ثلثة و معناها واحد و حديث الرضا عليه السلام بطوله في مكالمة سليمان المروزي و مبالغته في اثبات ان الارادة حادثة معروف لاينكر فلما رأينا انه يتكلم و لايتكلم و يريد و لايريد عرفنا انهما و امثالهما من صفات الافعال و هي حادثة بخلاف صفات الذات فانها لمتزل كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام لميزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث [ص 147] الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور الخبر ، و عن الرضا عليه السلام المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان الله لميزل مريدا شائيا فليس بموحد انتهي ، فتبين مما ذكرنا الفرق بين صفات الذات و صفات الافعال و تبين مما ذكر ان المتكلم و المريد و المدرك و امثالها من صفات الافعال فان المتكلم صفة مشتقة من الكلام فان اوجد الله الكلام فهو متكلم و ان لميوجد فليس بمتكلم و من زعم ان الكلام حقيقته عين الذات فقد انكر التوحيد لان الكلام ان كان هو الذات الاحدية بلا اختلاف فلم يقال له كلام و ان كان الكلام مترادفا مع الذات فلايفيد المعني المتنازع فيه و ان كان له معني غير معني الذات فقد اثبت في الذات غيره و ان قيل انا نثبت الكلام في الذات كما تثبت السمع و البصر قلت ان السمع و البصر اضدادهما نقص ممتنع علي الله سبحانه و ان عدم الكلام من كمال الله سبحانه كما ان الكلام من كماله و لايجوز ان يكون الذات شيئا و عدم ذلك الشئ معا سواء اريد بالكلام الاصوات و الحروف كما هو الظاهر او اريد به الكلام الكوني الذي هو ما سواه سبحانه فان كلها كلامه سبحانه قال بكلمة منه اسمه المسيح فان له الخلق و الامر و كله سويه و خلقه لا من شئ و ليس في ذاته بالبداهة بعد ما بيناه سابقا و كذا الارادة فانها مقارنة للمراد و وجود الارادة مع عدم حصول المراد نقص فلو كانت الارادة عين الذات لكان يجب ان يكون المراد معه في ذاته و القول بان الارادة هي العلم الخاص بالمراد كلام باطل فان الله يقول انما امره اذا اراد شيئا و ليس معناه اذا علم شيئا و ان كان اراد بمعني علم لوجب ان يكون قول كن ازليا فاذا كان ازليا كان يجب ان يكون المكون [ص 148] ايضا ازليا لعدم تخلف المشروط عن شرط وجوده و تقول افعل ذلك اذا اراد الله و ان لميرد لاافعل و لمترد به افعل ذلك ان علم الله فانه يعلم ابدا و كذلك انت تقول يعلم و معلومه نفسه و ان قلت يريد بذاته لزم ان يكون المراد نفسه فاراد ان يكون ذاته شيئا او كاملا فاختر لنفسك ما يحلو بالجملة ظهور كون الارادة حادثة في مذهب اهل البيت عليهم السلام و الكتاب كظهور الشمس في رابعة النهار و حديث مجلس الرضا عليه السلام مع سليمان بذلك الاصرار معروف فان كانوا يريدون من الارادة ما يعقل و يفهم فهذا الجواب و ان كانوا يريدون به ما لايعقل و لايفهم فلا كلام لنا معهم و اما الصادق فهو و ان كان لايطلق علي الله ضده و هو الكاذب الا انه بلحاظ صفة تابعة للقول المطابق للواقع في الظاهر فان كان قول يكون صادقا في قوله و ان لميحدث قولا فلا صدق و لا كذب الاتري انك لو لمتنطق لمتصدق و لمتكذب و ان نطقت و كان موافقا صدقت و الا كذبت و الله سبحانه ان لميتكلم فلا كلام حتي يكون موافقا فلا صدق و لا كذب و ان تكلم فقد صدق و هو صادق لايكذب اللهم الا ان يراد منه محض الكمال فهو عين الذات حينئذ و غني عن محل كغني الذات فيكون حينئذ كالعالم الغني عن المعلوم فبهذا المعني من الصفات الذاتية فتقول صادق لا كذب فيه كما انه عالم لا جهل فيه فافهم و اما المدرك بالكسر فالمدرك بالفتح يلزمه و لايمكن ان يكون المدرك في ذاته سبحانه و لايعقل ان يدرك نفسه اذ المدرك ليس بمعني العالم بل هو ان يدرك شيئا فلايفوته و لايخرج من تحت سلطانه و اما نفسه هو هو لايحتاج الي ان يدركه فجميع هذا و اشباهه من صفات افعاله بقي شئ و هو ان بعض الصفات الذاتية لها اشراقات فعلية تقترن بالمخلوق و تقع عليه كالعلم بالمعلوم فان العلم بالخلق [ص 149] مقترن بالخلق و كسمع المسموع و ابصار المبصر و القدرة علي المقدور و امثال ذلك فهذه الصفات عند الاقتران صفات فعلية فان الذات لاتقترن بغيرها و لايوجد غيرها فيها فالعلم الذاتي و السمع الذاتي و البصر الذاتي و امثالها غنية عن المتعلق كما ان الذات غنية عن غير الذات فلايتوقف كونها ذاتا الي اقتران بغيرها و كذلك علمه الذاتي لايحتاج الي اقتران معلوم به في كونه علما و اما العلم بالمعلوم فمأخوذ في مفهومه الاقتران بالمعلوم فهو غير الذات و هذا قوله عليه السلام فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور و هذا العلم الواقع غير الذات فان الذات لمتقع و لمتتغير عما كانت عليه و سيأتي تفصيل القول في العلم ان شاء الله و ذكرنا هذين الفصلين هنا حتي تعلم ان الذي ذكروه من الصفات الثبوتية و السلبية كلام غير مرتبط و لميصدر عن حكيم و لايشهد له كتاب و لا سنة و انما اتبع آخرهم اولهم من غير بصيرة و ما ذكرناه هنا فهو قشور المسئلة و ظواهرها و اما اللباب فقد مر آنفا فراجع .
فصل - اعلم ان من الحكماء من قال ان صفاته سبحانه مغايرة لذاته باعتبار و عينه باعتبار و مثلوا بالقائم و منهم من قال بمغايرتها مع الذات مطلقا فهو حي بحيوة و قادر بقدرة و امثال ذلك الا انها علي غير نحو مغايرة الاجسام و منهم من اثبت الصفات و قالوا انها ليست اياه و لا غيره و ليست موجودة و لا معدومة و ليست قديمة و لا حادثة و منهم من قال هي عين ذاته فهي علي كثرتها موجودة بوجود واحد من غير لزوم كثرة و انفعال و قبول و فعل كما ان الماهية موجودة بعين الوجود الا ان الواجب لا ماهية له هذا بعد اتفاقهم علي ان الله سبحانه [ص 150] موصوف بصفات في الجملة ثم لميفرقوا بين الصفات الذاتية و الصفات الفعلية و كل هذه الاقوال خارجة عن نهج الاعتدال الذي هو الصراط المستقيم صراط آلمحمد عليهم السلام كما ستقف عليه اما القول بالمغايرة باعتبار فهو باطل لان الله سبحانه واحد احدي المعني ليس فيه حيث و حيث و اعتبار و اعتبار بوجه من الوجوه كما عرفت فلا معني لكون الصفات عينه باعتبار و غيره باعتبار ابدا مع عدم الاعتبار المنافي للاحدية فيه و كذا القول بالمغايرة من كل جهة للزوم تعدد القدماء و كون الذات محل غيرها و انما هو حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما كما قيل للرضا عليه السلام ان قوما يقولون انه عز و جل لميزل عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيا بحيوة و قديما بقدم و سميعا بسمع و بصيرا ببصر فقال عليه السلام من قال ذلك و دان به فقد اتخذ مع الله آلهة اخري و ليس من ولايتنا علي شئ ثم قال لميزل الله عز و جل عليما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته تعالي عما يقول المشركون و المشبهون علوا كبيرا و اما القول بانها مع كثرتها موجودة بوجود واحد من غير لزوم كثرة فكذلك فانه ان كان يثبت فيها الكثرة و يدركها متكثرة فكيف تكون عين الاحد و ان كان لايفهم منها كثرة بل يراها كالفاظ مترادفة فقد بطل انها عين الذات موجودة بوجودها و انها مبنية علي القول بوحدة الوجود و بسيط الحقيقة ببساطته كل الاشياء و الوحدة في الكثرة و هي لاتتمشي في مذهب اهل البيت عليهم السلام فالقول الحق المطابق للكتاب و السنة ان لله سبحانه صفات ذاتية هي عين ذاته الظاهرة التي دل عليها بها و هي ذات الله العليا كما شرحنا سابقا و اوضحنا آنفا و صفات فعلية هي في افعاله كما اريك آيته و دليله في نفسك و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في [ص 151] انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال خليفته قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و انا اذا نظرنا في انفسنا رأينا ان لنا صفات هي عين انفسنا كالعلم و السمع و البصر و الحيوة و القدرة و امثالها فالانسان عالم في نفسه و ان لميحضر عنده معلوم و سميع و ان لميكن صوت و بصير و ان لميكن لون و ضوء و حي في نفسه و قدير و ان لميكن مقدور فهذه الصفات هي ذاته و لاتوصف باضدادها و له صفات اخر مقترنة بالمفاعيل فهو كاتب عند كتابته بكتابته و قائم عند قيامه بقيامه فلو كان قائما في ذاته لكانت تعدم بالقعود و لو كان آكلا بذاته لامتنع عليه تركه فهذه الصفات صفاته عند تجليه بافعاله و كذلك ربنا الذي ارانا آياته في انفسنا و قال و في انفسكم افلاتبصرون و قال نبيه صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه فالله سبحانه من صفاته ما هي عين ذاته الظاهرة لاتعدم و لاتزول و لايتصف باضدادها و منها ما هي عين افعاله و هي التي تكون ان فعل و ان لميفعل فلاتكون كالمنتقم و المنعم و الغافر و العافي و امثالها و هذا هو مذهب اهل البيت الذين من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و من وحده قبل عنهم ،
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعب الاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
و ان قلت هب انكم ان كنتم تقولون ان الصفات الذاتية لها مفاهيم كمالية و قلتم انها عين الذات فقد اثبتم الكثرة و ان قلتم انها الفاظ مترادفة فلا كمال في اثباتها قلت ان لهذا البحث عندنا جوابين جوابا باطنا فقد قدمناه سابقا و جوابا ظاهرا فقد بيناه ايضا آنفا علي الاجمال و نزيده هنا تأكيدا للبيان و اتماما للبرهان [ص 152] و هو انه لا شك ان مفهوم العلم غير مفهوم السمع عندنا و مفهوم السمع غير مفهوم البصر عندنا و هكذا ساير الصفات و هذه الصفات المتعددة صفات كمالية عندنا لاينكر ذلك عاقل و ان الله سبحانه خلق الخلق و خلقه في رتبة الحدوث لا في رتبة القدم و لايحيطون به علما و هو سبحانه قد عرف نفسه لخلقه بانفسهم و جعلهم آية تعرفه و تعريفه فقال نبيه صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه و نحن لما نظرنا في ذواتنا التي هي آيته سبحانه رأيناها ذاتا عليمة سميعة قديرة حية و هذه الكمالات عينها كما بينا و شرحنا فوصفناه سبحانه بما عرفنا من نفسه بانه عالم سميع بصير حي و نحن لانتجاوز ذواتنا و حقايقنا و لايبلغ مداركنا كنه ذاته الاحدية الا من حيث عرفنا من نفسه فنصفه بما وصف لنا من نفسه فينا و نعلم ان الوصف يجب ان يطابق الموصوف في صفته المتصلة به ان كان الموصوف مركبا كالحمرة التي في المرآة من وجهك فانها تطابق حمرة وجهك المركب و اما ان كانت الصفة ما احدثها الذات لا من شئ و هي اي الذات احدية فلايجب المطابقة بل تمتنع فالوصف حينئذ مطابق للوصف و هو وصفها ايضا فلايتجاوز ما نقوله و ما نصفه به آيته و عنوانه و علمنا انه مباين مع خلقه لايشبه خلقه و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير فعلمنا ان كمال توحيده في ذاته نفي الصفات عنه و كمال توحيده في عنوانه ان نصفه بما وصف به نفسه فقلنا انه عليم علي ما عرفنا من نفسه و سميع و بصير و قدير علي ما وصف لنا من نفسه و سبحان ربك رب العزة في ذاته عما يصفون و لانعلم من ذاته شيئا لا بنفي صفة و لا باثبات صفة الا من حيث عرفنا فينا من انه منزه عن كل كثرة و ليس كمثله شئ و هو الله احد الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد [ص 153] و ان قلت هل هذه الصفات المتعددة التي تصفونه بها و عرفكموها في عنوانه مطابقة للواقع ام لا فان كانت مطابقة فجاءت الكثرة و ان كانت مخالفة فجاء الكذب قلت ان صفة الذات تطابق الواقع و هو صفة الذات و لايجوز ان تكون مطابقة للذات و الذي تقوله يتمشي فيما يوصف به موصوفات مركبة و حينئذ يجب المطابقة بين ما تقول و بين الواقع فانه المصداق و اما اول الاوصاف بعد الذات فلايجوز ان يطابق الذات و لاتكون مصداقه و انما مصداقه نفسه بنفسه فهو مطابق لنفسه صادق علي نفسه الاتري انك في وجهك احمر و ابيض و حسن او قبيح و صفاتك هذه يجب ان تكون مطابقة لصفاتك فلاتكون صفة غيرك لك و ليس تطابق ذاتك و ليست ذاتك بحمراء و بيضاء فصفات الله سبحانه التي عرف نفسه للخلق بها فيه يجب ان تكون مطابقة لكماله في صفاته و لا معني لمطابقتها مع ذاته الاحدية فافهم و اغتنم فقد اسقيتك ماء غدقا فتبين ان الصفات الثبوتية و السلبية بجميع معانيها كلام خال عن التحقيق و المراد بالصفات الذاتية في اخبار اهل البيت عليهم السلام صفات وصف الله بها ذاته لنا فينا و اما صفات وصف الله بها افعاله فينا فهي الصفات الفعلية و هذا منتهي القول في امر الصفات كلية علي الحق الحقيق بالتحقيق و الحمد لله .
المطلب الثاني - في علمه سبحانه و مراتبه في ذاته الازلية و تعلقه بالمعلومات و فيه فصول :
فصل - اعلم انا قد اسلفنا سابقا فيما ذكرنا من التوحيد انه سبحانه واحد احدي المعني لا غاية لذاته و لا نهاية و ليس فيه ذكر غيره لا بعين و لا كون و لا امكان لا باثبات و لا نفي علي ان النفي شئ فرع الاثبات كما روي ان النفي [ص 154] شئ فذاته هو و هو ذاته احديا لايثني و لايجزي لاينتهي الي غيره سواء كان امكانا او كونا او عينا و سواء كان ذاتا او صفة او فعلا و سواء كان منيرا او نورا فان كل ذلك يستلزم التحديد المنافي للاحدية و كل ما سوي ذاته الاحد خلقه كما روي عن الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فذاته سبحانه ازل ممتنع عن الحدث بكل اعتبار و خلقه حدث ممتنع عن الازل هو خلو من خلقه و خلقه خلو منه فلايذكر خلقه ابدا في ذاته لان ذكر غير باي نحو من الانحاء و اعتبار من الاعتبارات و حيث من الحيوث و جهة من الجهات و فرض من الفروض شئ غيره و هو ليس محلا لغيره و كم من كلي حق يسلمه الناس فاذا فصل ما يتفرع عليه انكروا و لا شك انه سبحانه هو هو لايفقد نفسه و لاتغيب عنه لانه هو هو فلايجهل نفسه و يعبر عن ذلك في الخلق بانه علم بنفسه علي معني انه ليس بجهل بنفسه فعلمه بنفسه هو نفسه و نفسه هي علمه فاتحد العلم و العالم و المعلوم و انما هذا في التعبير و الا فلايحتاج ان يعلم نفسه فان المعلمة لنفي الخلاف و لا خلاف علي معني الامتناع و يعلم فعل و هو ذات لا حركة فيها ففي رتبة ذاته عند التعبير العلم عين المعلوم بكل اعتبار علي معني الاحدية المحضة الحقية و ليس علمه بذاته الذي هو ذاته هو عين علمه بغيره لان غيرها ليس عينها بكل اعتبار للزوم الاقرار بالاحدية التي تنفي الحيوث و الكثرة و تمنع عن ذكر الغير معه بكل اعتبار و لان علمه الذي هو ذاته الاحدية بكل اعتبار ممتنع عن ما سواه مباين له لايشابه غيره و ليس كمثله شئ و لايعقل العلم الممتنع عن المعلوم غير الموافق له غير المشابه به المباين له غير الواقع عليه فقد تبين انه سبحانه في ذاته عالم و لا معلوم كما قال الصادق عليه السلام لميزل الله عز و جل [ص 155] ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و ان قلت فاذا هو جاهل بالمعلوم في ذاته قلت علمه سبحانه عين ذاته فكما انه لا ضد لذاته لا ضد لعلمه فليس الجهل ضد كونه علما و لايلزم من امتناع كون علمه بذاته الذي هو ذاته علمه بغيره كونه جهلا بغيره و الجهل امر وجودي ضد العلم الذي في الحوادث الاتري ان الله سبحانه خلق الجهل و جعل له جنودا فهو علم سبحانه و لا معلوم علي معني الامتناع فافهم ان كنت تفهم و ان قلت فهل يعلم في رتبة ذاته خلقه قلت في رتبة صلة يعلم او حال عن خلقه و ظرف له فان كان صلة يعلم فيكون يعلم الفعلي عين ذاته فلا و ان كان غير ذاته و فيها فلا و ان كان دون ذاته فلايكون في صلته و ان كان ظرف خلقه فلايكون خلقه في ذاته سبحانه فلا معني لهذا الكلام و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا لله في معناه تعظيم نعم هو سبحانه يعلم جميع خلقه لايفقد شيئا منه في ملكه و هو عالم ازلي بها و علمه بذاته عين ذاته و اما علمه بخلقه فاذ لميعقل ان يكون هو عين علمه بذاته فوجب ان يكون غيره و غيره خلقه اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ما لايكون غنيا يكون فقيرا و ما لايكون قائما بنفسه لنفسه كان قائما بغيره فعلمه بخلقه اذا وجب ان يكون غيره وجب ان يكون خلقه اذ لا واسطة فاِمّٰا هو عين المعلوم او غير المعلوم و علي اي حال هو بنفسه معلوم فهو معلوم عين علم و كليات الحكمة لاتخصص ثم غير المعلوم مميز عنه مخالف في بعض الجهات فلايحصل الموافقة التامة بين العلم و المعلوم و ماحُجب المعلوم عنه حتي يتوصل اليه بواسطة بل كلها بانفسها حاضرة لديه مذكورة عنده بحقايقها و معانيها و رقايقها و صورها و اعراضها و صفاتها و افعالها و اشباحها الي ما لا نهاية له لمتحتجب عنه [ص 156] سبحانه حتي يتوصل اليها بعلم غيرها و الرحمن اذا كان علي العرش استوي و ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر ليس العلم اقرب اليه من المعلوم و لا اشد تخصصا به و لا اشد اتصالا به و انما القرب و البعد و الاتصال و الانفصال و التناسب و التشابه و عدمهما و امثالها يتحقق بالنسبة الي مبدء محدود و اما الاحد الطاوي للحدود فنسبته الي الالف كنسبته الي الواحد بلا تفاوت بوجه من الوجوه و ليس يتوصل الي الالف بالواحد و ليس الواحد عنده اولي و اقرب اليه من الالف فاذا استوي النسب فليس احدها اولي بان يكون علما و احدها معلوما فكلها بانفسها علومه سبحانه بل علمه الكينوني الاحدي الازلي فانها كلها في هذه العرصة مذكورة بنحو الوحدة مع كونها في انفسها متكثرة و ليس العلم الا ذكر المعلوم عند العالم و حضوره لديه و لاتقس الله بنفسك حيث تريك تعلم زيدا و زيد رجل مثلك و ليس من كمالك و لا ارتباط له بك فتقول كيف يمكن ان يكون المعلومات عين علم الله و كماله العلمي فلو عرفت انها ليست الا نوره و ظهوره و تجليه و تعريفه نفسه و تعرفه لخنس عنك الاستبعاد و عرفت سر الاتحاد و انه مع كون المعلوم عين العلم و العلم عين المعلوم يكون هو علمه سبحانه و هو عالم بذلك العلم واجد له لايفقده و ان قلت فهل قبل خلق الخلق كان الله سبحانه عالما بالخلق ام لا قلت ما تريد بهذا القول هل كان عالما بالخلق و الخلق معلوما له او كان عالما و لميكن الخلق معلوما له فان اردت هل كان الله عالما بالخلق و لميكن الخلق معلوما له فذلك من الهزل بمحل و ان اردت هل كان عالما و الخلق قبل كونه خلقا معلوما له سبحانه في ذاته انظر بنظر العبرة كيف يعقل ان يكون الخلق معلوما لله في ذاته قبل ان يخلقه الله و كيف يكون الله سبحانه [ص 157] محل غيره و ما معني قبل الخلق و لا قبل للخلق اذ القبل اما خلق او حق و ذاته لاتتعلق بغيره فليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب نعم نحن نقول ان الله سبحانه كان عالما بما يخلقه قبل ان يخلقه و علمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه و لكن نعني به الخلق الكوني في عالم الاكوان و قبله هو الامكان فالله سبحانه عالم بالاكوان في الامكان و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها اذ هي قبل كونها و حين كونها و بعد كونها لمتخرج من كونها امكانا هذا هو ظاهر القول في عبارة الخبر و اما باطن القول فيه ان الخلق له اعتباران اعتبار هو هو و يسمي بذلك خلقا زيدا و عمرا و بكرا و في هذا الاعتبار اثر المشية و اعتبار معلومية لله سبحانه و هذا الاعتبار اعلي من الاعتبار الاول بدرجة فانك تلاحظ مذكوريته عند العالي و تري ذكر الذاكر و الذاكر عليه و هو بهذا الاعتبار متعلق العلم و العلم قبل المشية اذ بالعلم خلقت المشية و شاء كما علم فالاشياء اعتبار كونها معلومة فوق اعتبار كونها مخلوقة كما ان اعتبار كونها مشاءة فوق اعتبار كونها مرادة و اعتبار كونها آية فوق اعتبار كونها هي هي فالاشياء كانت معلومة لله سبحانه قبل ان تكون مخلوقة بلا شك كما كانت مشاءة قبل ان تكون مرادة قال الرضا عليه السلام ليونس اوتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول قال اوتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء و قال الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة الخبر ، و روي في قوله هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا قال بلي كان مذكورا في العلم فتدبر في هذا المعني الشريف و اعرف منه معني قوله عليه السلام فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل [ص 158] عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات الخبر ، و هو بحر من العلم متلاطم فالشئ يكون معلوما بالعلم كائنا بالمشية متعينا بالارادة قائما بالقدر مفصلا بالقضاء مبرما بالامضاء فالله سبحانه عالم بالمعلومات قبل كونها كما يكون عالما بها بعد كونها بلا تفاوت فان الشئ كما اذا عين لميخرج عن الكائنية كذلك اذا خلق كونا لميخرج عن المعلومية فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان علمه سبحانه بخلقه عين خلقه لا عين ذاته و عين ذاته عالم ابدا ازلا بخلقه في خلقه كلا في حده و مكانه و وقته كما يأتي ان شاء الله .
فصل - اعلم ان كل عال متعال عن حدود ما دونه كائنا ما كان فبهذا الاعتلاء لزم ان يكون محيطا بجميع ما دونه في امكنته و حدوده و اوقاته بلا نهاية و الا لكان محدودا بحدود بعضها حيث احتجب عنه بعضها كما ان كان هذا البعض محجوبا عن البعض الآخر فما لميكن ذلك العالي كالبعض الآخر لميكن يحتجب عنه ما كان يحتجب عن البعض الآخر فالعالي باعتلائه لايحتجب عنه مثقال ذرة من الداني و لما كان مشعر الناس غالبا نفسانيا صوريا فاذا ارادوا ان يفهموا هذا المعني فرضوا في خيالهم فضاء واسعا و فرضوا انفسهم في اعلي ذلك الفضاء و بسطوا في الاسفل بساط الموجودات و توهموا عليه موجودات ثم يتوهمون عدم اشياء ثم وجودها فيظنون انهم لميصاقعوها و لميتغيروا بتغيرها فيتوهمون ان العالي ايضا كذلك و لايكون عدم شئ في نظره و وجوده بعد عدمه سبب مصاقعته معها و تغيره بذلك اذ لايتصورون من المصاقعة الا ان يكون في عرض ذلك البساط و هم غافلون عن ان السماء مصاقعة مع الارض في [ص 159] الجسمانية و ان كانت اعلي مكانا و يمر عليها من الوقت ما يمر علي الارض و ان الارض اذا لميكن عليها شئ يوم السبت و كان يوم الاحد فقد مر علي السماء ايضا اليومان بالبداهة فاذا تصورت نفسك اعلي مكانا و لميكن في الاسفل شئ ثم كان كان زمان عدمه غير زمان وجوده و حين عدم رؤيتك اياه غير حين رؤيتك اياه فقد مر عليك الوقتان كما مر علي البساط فالعالي المؤثر ان لمير في آثاره شيئا ثم رأي فقد اختلف حالتاه كاثره و مر عليه مثل وقتيه البتة فذلك مناف لفرض الخروج عن وقت الاثر فالعالي الخارج عن حدود الداني يجب ان يكون جميع الداني بما لا نهاية له حاضرا لديه ابدا لايعقل بعد حدوث شئ في ملكه بعد ان لميكن فان كان العالي ازليا يجب ان يكون جميع آثاره غير المتناهية حاضرا لديه ازلا ابدا علي نحو الاحدية نعم لايكون في رتبة ذات العالي و يكون بعضها بالنسبة الي بعض غير ازلية و غير احدية و ان كانت النسبة ايضا حاضرة لدي العالي ازلا ابدا فالكل و كل واحد واحد حاضر عند العالي ازلا ابدا يمتنع عليها من حيث الحضور التغير و التبدل و الحركة و الترقي و التنزل و التكثر فان حدوث كل شئ من ذات او صفة او نسبة او حالة فيه بعد ان لمتكن يوجب تصاقع العالي معها و انتظاره حين عدمها لوجودها البتة و لايلزم من ذلك تناهي علم العالي و كماله اذا لمتتغير و لمتزد فانها غير متناهية بانفسها و كل واحد هو هو بلا نهاية الاتري ان الاحد سبحانه لايزيد و لايترقي و مع ذلك هو غير متناه فالازل محيط بما لايتناهي بما لايتناهي هذا و الاشياء بهذا الاعتبار تعرف العالي بعدم التغير و الترقي و الزيادة و الدوام و الثبات و وصفه فلو كانت علي غير ذلك لعرفت العالي بذلك و هذا الحضور فوق اكوان [ص 160] الاشياء و حقايقها و اول اذكارها باكوانها و اعيانها و مقاديرها و تفاصيلها و ذواتها و صفاتها و افعالها و آثارها و آثار آثارها بلا نهاية فلكل ذلك ذكر و حضور علمي ازلي عنده سبحانه فالازل عالم بما لا نهاية له ازلا و علمه بها اي حضورها لديه ازلي احدي و ان كان العالي سرمدا و هو الوجود الاطلاقي فجميع ما دونه حاضر لديه حضورا سرمديا واحديا علي طبق ما عرفت حرفا بحرف فلايفقد العالي شيئا في ملكه ابدا سرمديا فجميع ما دونه من حيث الحضور لديه سرمدي واحدي بذاته و صفاته و افعاله و آثاره و آثار آثاره الي ما لا نهاية له و ان كانت من حيث انفسها و نسبة بعضها الي بعض غير سرمدية و غير واحدية و ان كان العالي دهريا و هو الوجود المقيد و حقيقة الشئ و كونه و اول اذكاره فجميع ما هو دونه بذاته و صفاته و افعاله و آثاره و آثار آثاره الي ما لا نهاية له حاضر لديه وجودا دهريا صوريا مجردا و كلها من حيث الحضور لديه دهري صوري و ان كان بعضه بالنسبة الي بعض غير دهري مادي فلايفقد شيئا من ما دونه ابدا دهريا علي حذو ما سبق و ان كان العالي زمانيا فكل ما هو حاضر لديه يجده زمانيا ماديا و لايفقده في ذلك الزمان حال حضوره فعلم كل عال بما دونه صفته و تجليه و آيته علي ما تبين و اعلم ان هذه اللغة لغة الحكمة و لايعرفها الا ابناء الحكمة فان كنت منا تفهم ما فهمنا و الا فلاتتكلف تتعب نفسك و غيرك .
فصل - ان لفظ الزمان و الدهر و السرمد و الازل كثير التداول بين منتحلي الحكمة و قل من عرفها فاحببت ان اشرح هنا شرحا لان فهمها شرط فهم المسئلة فنقول اعلم ان لكل صفة حدا خاصا غير حد الصفة الاخري فالحمرة غير البياض و الطول غير القصر و الخفة غير الثقل و هكذا فهي متغايرة [ص 161] متصادمة لايمكن اجتماعها في مكان واحد ذاتي و الصفات كمالات الذوات و فعلياتها و لكل واحدة مكان ذاتي في عرصة الوجود غير مكان الاخري البتة فاذا نسبت صفة الي صفة وجدت حضور احديها عندك غير حضور الاخري و احديها غير حاضرة لديك بحضور الاخري فنسبة ترتب هذه الحضورات عندك زمان اذا نظرت اليها بعين الوصفية فان الصفات مترتبة بعضها علي بعض و بعضها سبب بعض و بعضها معد بعض و بعضها شرط بعض و قد نضدت في عالم الفعليات علي النظم الطبيعي و تخرج في عالم القوة و الاستعداد من القوة الي الفعلية كذلك اي يخرج السبب اولا و المسبب ثانيا و المعد اولا و المعد له ثانيا و الشرط اولا و المشروط به ثانيا فينتزع من ترتب خروجها امتداد و هذا الامتداد هو الزمان و يكال و يمسح و يقدر بالايام و الاسابيع و الشهور و السنين و القرون فتقول من ظهور تلك الصفة الي ظهور هذه الصفة يوم او اسبوع او شهر و هكذا و لما كانت الصفات مصادمة بعضها لبعض في الظهور لاتجتمع في مكان واحد و علي ذي قوة واحد معا يترتب ظهوراتها و ينتزع من ترتبها علي حسب سرعة الظهور و بطئه امتداد و هو الزمان فيختلف هذا الامتداد بحسب اختلاف ذي القوة في الكثافة الحاجبة لظهور الفعليات بسرعة و اللطافة غير الحاجبة فيكون ظهور التدرج و الترتب و الامتداد في الكثيف ابين منها في اللطيف فعلي ذلك زمان العناصر اكثف يعني اشد امتيازا من حيث الآنات و الاجزاء من الافلاك و في الافلاك اكثف من الكرسي و في الكرسي اكثف من العرش فالعرش اصلح لظهور الفعليات الكثيرة منه دفعة علي نحو الوحدة من الكرسي و الكرسي اصلح لذلك من الافلاك و الافلاك من العناصر و يكون تشاكل آنات العرش اكثر [ص 162] من تشاكل آنات الكرسي و تشاكلها اكثر من تشاكل آنات الافلاك و تشاكلها اكثر من تشاكل آنات العناصر فظهور الحدوث و التجدد في كل دان اكثر من عاليه و توارد الحالات المختلفة فيه ابين بالجملة الزمان هو امتداد منتزع عن ترتب ظهور الفعليات في عرصة القوة و الاستعدادات كما رأيت و سبب خفاء ما مر منه مصادمته مع الحال و انتقاله الي القوة ثانيا بالنسبة الي الفعلية الظاهرة في الحال فلايدرك بعين فعلية الحال و قد انتقل الي الدهر بما هو عليه و اما ما سيأتي فلانه بالنسبة الي الحال بالقوة و مصادم مع الحال فلايدرك و كلها في محالها منضدة موجودة ثابتة و ليس شئ منها خفياً عن نفسه و انما يخفي بعضها عن بعض لان المادة في كل فعلية ذات قوة للباقي فاذا نظرت بعين تلك الفعلية لمينطبع فيها ما هو بالقوة و معدوم فلا موجود في الزمان ابدا الا الحال و طرفاه معدومان في زمانه و الثلثة موجودة معا في الدهر هذا شرح حال الزمان علي نحو الاجمال .
فصل - في معني الدهر و حقيقته . اعلم ان المراد بالدهر هو الامتداد المنتزع من ترتب الصفات و الفعليات علي الذوات فمدة انحفاظ الصفات لدي الذوات و امتداد بقائها لديها و ترتب الامداد النازلة اليها لحفظها عليها هي الدهر و جميع الزمان من مبدئه الي منتهاه كلحظة من الدهر فانه قد وجد بمدد واحد دهري و الاوقات الدهرية متشاكلة جدا و امتدادها الطف و اكثر و اجمع لتجردها و الامدادات المترتبة النازلة اقل تمانعا و اسرع ظهورا و اجمع وجودا و قد اجتمع فيه جميع الفعليات الزمانية بقضها و قضيضها و قطميرها و نقيرها لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها فيحضره جميع الايام و الاماكن و الحدود [ص 163] و النسب و الاضافات و الاوضاع و القرانات بكلها مترتبة كل في حده و مقامه لكن علي نحو التجرد الدهري اذ للكل مقام دهري و لسعة ذلك العالم و لطافة اجزائه لايقع تصادم بينها فاسفل الدهر المتصل بعالم الزمان تلك الفعليات التي كانت تظهر شيئا بعد شئ من فوارة الزمان و ترجع الي ما كان و هي الامثلة و اعلي من ذلك المادة التي هي مقترنة بها و هي محل امكانها المقيد بالنسبة و صلوحها و كانت فيها بالقوة و قد خرجت منها الي الفعل ثم فوقها الطبيعة و هي تلك المادة قبل التحصص المادي الشخصي و هي المادة النوعية للشئ فمنها يؤخذ حصة للشخص و هي المادة و يقترن بها صورة شخصية هي المثال و هي بمنزلة الامكان و المادة بمنزلة الكون و المثال بمنزلة العين و هذه المراتب الثلث اسفل الدهر المقترن بعالم الزمان بل هي ابعاض عالم الزمان و اجزاؤه الدهرية فان اجزاء الشئ قبل حال تركيبه و لذا قد تسمي هذه الثلثة بالبرزخ بين الزمان و الدهر و تسمي مع عالم الزمان بالخلق الثاني و العرضي و فوق هذه المراتب عالم النفوس و هي منتهي الخلق الاول و الشخص الحقيقي الذاتي و فعليات العالم الباقي من حيث الترتب و صور مجردة عن المواد المذكورة و عن تلك القوة و الاستعداد الزمانية و فوقها عالم الارواح و هي تلك الفعليات بقضها و قضيضها و هي في الخلق الاول كالمثال في الخلق الثاني و فوقها عالم العقول و هي مواد الخلق الاول تخرج منها تلك الفعليات و هي فيها بالقوة و المعنوية الكلية بلا تمايز صوري شخصي و فوقها مقام الفؤاد و هو بمنزلة الطبيعة للعالم الاول و الامكان للكون فهيهنا منتهي عالم الدهر و اعلاه و اسفله النفوس كما عرفت و اعلي البرزخ الطبيعة و اسفله الجسم المركب من المادة و المثال [ص 164] و قد يلحق الفؤاد بعالم السرمد و الطبيعة بعالم الدهر و هو الانسب الاولي و عالم الزمان اعلاه العرش و هو كالعقل و المادة و اوسطه الافلاك و هي كالروح و المثال و اسفله العناصر و هي كالنفوس و الجسم و هذه الثلثة هي عرض العرض و قد حضر جميع هذه المذكورات في عالم الدهر حضورا دهريا كما ذكرنا و جميعها في الدهر في امكنتها و حدودها حاضرة مفصلة بجزئيها و كليها و نسبها و ترتباتها و اقتراناتها لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و وجدوا ما عملوا بدهريته بعينه حاضرا و اما سر فعلية هذه الامور في الدهر و وجودها فيه و كونها بالقوة في الزمان معدومة انها هي في امكنتها محفوظة علي التجرد الدهري فلما خلق الله المواد الزمانية في غاية البعد و كانت هي مظهر الكل استجن فيها ظهور جميع تلك الفعليات لحجبها لغلظتها تلك الفعليات فمنعتها عن النفوذ و الظهور عنها فبقيت خفية معدومة لاتظهر لها عين و لا اثر و تدبرها ايدي التدبير علي مقتضي التقدير دائما فهي بانفعالها تحتها تترقق شيئا بعد شئ فتظهر تلك الفعليات عنها شيئا بعد شئ متميزة بتمايز زماني مادي و لاتتحمل تلك المواد ظهور فعلين عليها لتصادم الفعلين المتباينين فتظهر علي ترتيب الحكمة كما مر فكلما ظهر منها فعل غاب فعل و هي في الحال الثاني صالحة من حيث نفس المادة للظهور الاول فالظهور الاول عند الظهور الثاني بالقوة لا بالفعل و ان كان هو في مكانه بالفعل لنفسه عند نفسه الاتري ان اليوم كان غد امس و صار يومنا و سيصير امس غد و امس مخفي عن يومنا كغدنا و اليوم كان مخفيا و يكون عن امسنا و غدنا و غدنا مخفي عن يومنا و امسنا و ليس شئ منها مخفيا عن نفسه كما تريك تشعر بيومك في يومك و بامسك امس و بغدك غدا بداهة و كلها ظاهرة في الدهر [ص 165] عند النفس بقي هنا كلام و هو ان النفس المستجنة في المواد تدريجية الاستكمال و المفارقة عن دار القوة و الاستعداد فالنفس ما لمتستكمل كل الاستكمال و لمتفارق دار القوة و المواد كل المفارقة بالتخلص عن شوبها لمتحط بما دونها كمال الاحاطة فانها في اول الظهور من حيث الظهور لا الوجود متجسمة و تترقي شيئا بعد شئ حتي تفارق الخصال الجسمانية بالكلية و تتخلص عن شوبها في صعودها كما كانت متخلصة في نزولها فثم يصير نظرها دهريا محضا فتري ما دونها بنظر دهري و النفوس الجزئية و ان كانت دهرية الا انها بتقيدها بالقيود الجزئية يقصر نظرها عن جميع ما هو دونها فلا كل نفس تحيط بجميع ما هو دونه و انما الاحاطة بجميع الفعليات التي دون النفس حظ النفس الكلية وحدها فافهم .
فصل - في السرمد و هو امتداد الحقايق و الذوات المطلقة و تسميتنا وقتها بالامتداد من باب التعبير و الا فهي لوحدانيتها و عدم تناهيها و عدم قوة و استعداد لها يخرج شئ منها بعد شئ الي الفعلية لا امتداد لها و لا ترقب فيها و آخر اوقاتها عين اولها بل لا اول لها و لا آخر و انما وقتها كله آن واحد و هي مع حاجتها الي الامداد ليس ينتزع من ترتب امدادها امتداد اذ لا ترتب و جميع امدادها اللانهاية دفعية لا بمعني انها قد وصلت اليها و استغنت بل بمعني انها ابدا في حال الاِمداد الاول و لايكون لها حال ثانية تحتاج فيها الي مدد ثان بل مددها مدد واحد لا نهاية له و هي ابدا في اول الابداع الاول و لا نهاية لذلك و لا غاية و هو عبارة عن وقت الوجود المطلق الساري في جميع ذرات الوجود من الذوات و الصفات و الافعال و الاشباح و اشباح الاشباح الي ما لا نهاية له و جميع ذلك حاضر لديه حضورا سرمديا واحديا لايفقد شيئا منها دونه و [ص 166] لاينتظر حدوث شئ تحته اذ لو كان له انتظار لكان مقيدا كساير الوجودات المقيدة الفاقدة لوجود مقيد آخر فهو باطلاقه و وحدته محيط بما لا نهاية له بما لا نهاية له و جميع ما هو تحته من حيث حضوره عنده سرمدي واحدي و ان كان بعضه بالنسبة الي بعض غير سرمدي و متكثرا كما شرحنا و بينا آنفا فلعلك عرفت مما شرحنا ان الاشياء كلها من حيث هي موجودة علي قول مطلق سرمدية و هي من هذا الحيث كمالات و فعليات للوجود المطلق الكلي علي نحو الوحدة السرمدية و هذه الاحاطة التامة ليست لكل سرمدي بل للوجود المطلق خاصة و ساير الوجودات و ان كانت لها حالة سرمدية الا انها في انفسها مقيدة بقيود خاصة مانعة لها عن الاحاطة و تلك القيود و ان كانت ترفع عنها النظر في الوجدان الا انها لازمة لها في الخارج و تحددها اذ ما دخل عرصة الكون و تحدد بحدوده لاينسلخ عنها و لايعود الي الامكان و برفع النظر عن القيود لاتتسع اتساع الوجود المطلق الكلي و كذلك حكم النفوس الجزئية و النفس الكلية فانها برفع النظر عن قيودها لاتتسع حقيقة اتساع النفس الكلية و امثل لك في ذلك مثالا تستدل به علي هذا المطلب و هو ان الاحد احد محيط بالاعداد غير المتناهية باحديته و الاعداد من حيث حضورها عنده تسمي بالاحد لان الاحد يعطيها اسمه و حده و لذا يصدق علي كل من رأيت ان تقول رأيت احدا فالاحد الاعلي احد محيط بالاعداد و الخمسة ايضا احد اسفل لكن يحيط بافراد خمسة و لايحيط بافراد ستة و لو قطعت النظر عن حد الخمسية الخاصة لميخرج الوجود الخارجي عن كونه خمسة و بعد الاربعة و قبل الستة فبرفعك النظر عن خمسيته تدرك ما فيه من سر ذات الاحد و هو آية الاعلي المخصوصة به و هذا [ص 167] هو الفرق بين ما ذهبنا اليه من المذهب الحق و بين مذهب الصوفية خذلهم الله و هم يقولون اذا قطعت النظر عن الحدود و استكملت تصل الي ذات الاحد الاعلي فتكون احدا محيطا بالكل فتكون خمسة و ستة و سبعة و ثمانية الي ما لا نهاية له و كذبوا لعنهم الله و في ذلك يقول شاعرهم :
كلما في عوالمي من جماد و نبات و ذات روح معار
صور لي خلقتها فاذا ما ازلتها لاازول و هي جواري
انا كالثوب ان تلونت يوما باحمرار و تارة باصفرار
و لو كان ذلك كذلك لماخفي علي احد وصل الي مقام الحقيقة شئ و تري الانبياء و الاولياء عليهم السلام تتفاوت درجاتهم في العلم و الفضل و الاحاطة و لقد فضلنا بعض النبيين علي بعض و تريهم قد يحتاجون الي شئ يعلمه غيرهم و حكاية موسي و خضر و سليمان و النملة و غيرهم تنقض علي هؤلاء فتلهم ثم لميجز للنبي صلي الله عليه و آله استزادة علم و قد قال الله سبحانه له و قل رب زدني علما نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين والله لميرضوا لانفسهم ادعاء الا الربوبية و ذلك من عتوهم و طغيانهم علي الله سبحانه و ما الفرق بين قولهم انا الله و قول فرعون انا ربكم الاعلي فاذا لايجوز لهم قدح فرعون كما لايقدحون و لايأبون من ذلك و لكن المسلمين يأبون منه و ان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين .
فصل - في معني الازل . اعلم ان الازل هو ذات الاحد جل شأنه لا وقته و لو علي نحو عدم التناهي كما في السرمد فان الازل احدي المعني لايثني و لايجزي و لايحد و ليس له وقت غير ذاته و مكان غيرها بل الازل اسم كالله بلا تفاوت [ص 168] و يراد من كليهما ذات احدية حقية لا تكثر فيها و انت تعلم ان الاسماء خلقية و لكن نحن لما احتجنا الي تسميته و التعبير عنه سميناه باسماء و كما سمينا انفسنا باسماء و عبرنا عن امتدادها باوقات سميناه سبحانه باسم و عبرنا عن بقائه الذي هو ذاته بالازل و الابد و القدم و لما كان ذاته احدية تداركنا التعبير بان ازله عين ابده و هما عين ذاته بلا تفاوت في الخارج و الذهن و العقل و هو سبحانه باحديته و ازليته محيط بجميع خلقه ذواتها و صفاتها و افعالها و آثارها و آثار آثارها و هكذا الي ما لا نهاية له لايغيب عن حضوره ذرة من ذراتها بخصوصياتها في امكنتها و حدودها و تفاصيلها بجزئياتها و مباديها و منتهياتها و عللها و معلولاتها و اسبابها و مسبباتها و امكاناتها و اكوانها و اعيانها و مقاديرها و تراكيبها و كتبها و اذنها و آجالها و شئ من احوالها فهي جميعها عرشه الاحدي الذي استوي عليه فليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و ليس انه يري المعلولات من اعين العلل و المسببات من اعين الاسباب و الاداني من اعين الاعالي و المحاط من عين المحيط بل يري كل شئ بلا واسطة رؤية احاطة و اطلاع و كل شئ حاضر لديه بنفسه لا بواسطة لانها كلها احدية و بدون هذه اللحاظ لا سبيل لها اليه فتعالي من هو هكذا و لا هكذا غيره و هي كلها حاضرة لديه ازلا ابدا لميأت في ملكه وقت يفقد منه شيئا ثم يجده بعد حين فمن زعم ذلك فقد اشرك بالله عز و جل و اخرجه من احديته و قال فيه بصلوح الزيادة و النقصان و اختلاف الحالات و الاستكمال و قد ذكر سابقا ان الذي اقعد الناس عن معرفة هذا المعني انهم يفرضون علو الازل علي الخلق كعلو السماء علي الارض و يظنون ان وجود شئ علي الارض و عدمه لايؤثر في السماء و لايغيرها و هم غافلون [ص 169] ان العالي اذا لمير شيئا ثم رأي ينتظر في حال عدم رؤيته حال الرؤية هذا في اللسان الظاهر و في اللسان الباطن المتعالي عن الكل نسبته الي الكل علي نهج سواء ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر لان الكل نور احديته و ظل ازليته فهو احدي ازلي اي آية احدية الاحد و الازل و الذي فعلياته تزيد و تنقص هو محدود داخل في عرصة القوة و الاستعداد و الخارج عن القوة المطلقة لايعقل زيادة شئ في فعلياته ابدا هذا و كل زائد زيادته صفته و كل ناقص نقصانه صفته فكل موصوف بالزيادة و النقصان زايد و ناقص فلو كان يحتمل في تجليات الحق الزيادة و النقصان لكان زائدا و ناقصا و لا معني للزائد و الناقص غير ذلك فان جاز علي شئ ذلك وصف بالحدوث و التحديد تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و لاتقولن ان الله سبحانه عالم بذاته في ذاته و انما يزيد و ينقص الحادث و زيادة العلم الحادث و نقصانه لايضر بالقدم فان الازل سبحانه ان كان خارجا عن القوة و الاستعداد يجب ان يكون جميع افاعيله موجودا ازلا و ابدا و ان كان ذا قوة و استعداد فهو من جنس الحوادث الاتري انك في قوتك القائمية و القاعدية و الآكلية و الشاربية و تظهر فعلا بعد فعل فتقوم مرة و تقعد اخري و تأكل تارة و تشرب اخري و ما لمتتجل بالقيام لميكن من كمالاتك الفعلية القيام و هكذا ساير افاعيلك و ليس للقوة و الفعلية معني غير ذلك فالخارج عن القوة و الاستعداد يجب ان يكون جميع كمالاته موجودة بالفعل حاضرة لديه يعلمها ابدا ازلا .
فصل - اذا عرفت معني هذه الاوعية و الازل نقول لك ان الله سبحانه هو هو لايغيب عن نفسه و لايفقدها اذ هو احد فهو في نفسه لنفسه علم و عالم و معلوم [ص 170] و انما ذلك عند التعبير و الا فلايقال في الحقيقة انه يعلم ذاته و يراها و يسمعها اذ الاحد لا حاجة له الي ذلك و لايعقل في حقه ذلك هذا و يعلم و يري و يسمع فعل و هو ذات احدية فاذ لايقال يعلم فاين العلم و اذ لا علم اين العالم و اذ لا عالم اين المعلوم و المعلمة للتمييز و نفي الخلاف و اين الخلاف و لكن يقال لحضوره في نفسه بنفسه لنفسه عند التعبير انه علم لا جهل فيه فكان العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور و نريد في ذلك كله كماله في نفسه لنفسه و احديته من كل جهة و لا جهة و جميع معلوماته الخلقية حاضرة لديه بانفسها ازلا ابدا في امكنتها و حدودها و اوقاتها علي نحو الاحدية يعني ان الزمان و الزمانيات بما هي عليه ابدا ازلا حاضرة لديه يعلمها و يريها و يسمعها بها و الدهر و الدهريات بما هي عليه ابدا ازلا حاضرة لديه يعلمها و يريها و يسمعها بها و السرمد و السرمديات ابدا ازلا حاضرة لديه يعلمها و يريها و يسمعها بها كل ذرة ذرة من جميعها بانفسها لا بواسطة فان الواسطة بين كل عال و دان و ليس هو بعال و ليس خلقه ادني منه حتي يقبل بينهما الواسطة و الواسطة بين غيب و شهادة و بين لطيف و كثيف و بين مصاقع و مصاقع و بين فعل و مفعول و بين مؤثر و اثر و بين علة و معلول و سبب و مسبب و هو سبحانه ليس بغيب و لا لطيف و لا مصاقع و لا فعل و لا مؤثر و لا علة و لا سبب و ليس بينه و بين خلقه و لا بين وصل و لا فصل و لا اقتران و لا افتراق فلا واسطة بينه و بين خلقه بل الوسايط بين خلق و خلق فليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و لا شئ اولي به من شئ آخر و لا شئ انسب اليه من شئ آخر و لا شئ اشبه به من شئ آخر فكلها حاضرة لديه بانفسها علي نسبة واحدة و لا نسبة و هي كلها من حيث الحضور [ص 171] و كلها حيث الحضور في هذا المقام اذ كلها بموادها و صورها و ذواتها و صفاتها و افعالها حضوره حاضرة لديه فلا شئ الا معلوم الله سبحانه و هي بانفسها علمه سبحانه لا انها من حيث معلومة و من حيث مجهولة اذ ليس حيث منها اقرب اليه من حيث و لايحجب حيث منها حيثا اذ هو اقرب الي كل شئ من نفسه اذ هو الوجود الحق اللابشرط و لايخرج شئ من تحت الوجود بهذا المعني فافهم ان كنت تفهم فهذا العلم هو العلم الاحدي الازلي المكنون المخزون عنده الذي لايحيط به سواه سبحانه لا ملك مقرب و لا نبي مرسل حتي خاتم الانبياء صلوات الله و سلامه عليه و هذا هو العلم المستزاد منه في قوله رب زدني علما و هذه العرصة ازلية ابدية احدية اذ هي كمال الازل و صفته لايتصف بها غيره و هذا هو العلم الذي قال في حقه لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء كما نبينه بعد ذلك و لاتزعمن ان ذلك علم اجمالي امكاني نعوذ بالله فان الامكان الاجمالي احد كلمات هذا اللوح و احد مراتب هذا العلم و الله سبحانه يعلم كل شئ علي ما هو عليه فيعلم الامكان بانه اجمال الاكوان و الاعيان و يعلم الاكوان و الاعيان بتفاصيلها بلا واسطة الامكان لان كلا منها كماله و نعته سبحانه و موجود منطو تحت الوجود الحق اللابشرط اي لا بشرط لا و لا بشرط شئ و هذا هو العلم الذي اخبر عنه الصادق عليه السلام حين سئل هل يكون اليوم شئ لميكن في علم الله بالامس قال لا من قال هذا فاخزاه الله قيل ارأيت ما كان و ما يكون الي يوم القيمة اليس في علم الله قال بلي قبل ان يخلق الخلق و هو المشار اليه في حديث الكاظم عليه السلام بالعلم علم الاشياء قبل كونها و ما روي عن ابيجعفر عليه السلام انه قال في العلم هو كيدك منك و ما روي عن الصادق عليه السلام [ص 172] العلم من كماله و ما سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الله تبارك و تعالي اكان يعلم المكان قبل ان يخلق المكان او علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه فقال تعالي الله بل لميزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه و كذلك علمه بجميع الاشياء كعلمه بالمكان و ما قال موسي بن جعفر عليه السلام علم الله لايوصف منه باين و لايوصف العلم من الله بكيف و لايفرد العلم من الله و لايبان الله منه و ليس بين الله و بين علمه حد و في الدعاء عن الرضا عليه السلام سبحان من خلق الخلق بقدرته و اتقن ما صنع بحكمته و وضع كل شئ منه موضعه بعلمه الي غير ذلك من الاخبار و لهذا العلم من حيث الظهور مراتب علي حسب مراتب المعلومات فاوليها مرتبة العلم الاطلاقي و هي كلمة من كلمات ذلك و هو علم اجمالي اطلاقي صلوحي بجميع الاشياء ليس فيه تعين معلوم بوجه من الوجوه و هو احدي المراتب صدق قوله عليه السلام علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، و هو بحر القدر الذي في تحته شمس تضيء و هي العلم الاول الكينوني اي العلم الازلي الحق الذي لايطلع عليه الا الفرد الصمد فمن تطلع عليه فقد ضاد الله في سلطانه و نازعه في كبريائه و باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير ثم دون هذا العلم مرتبة العلم المعنوي الكلي و ليس في هذا العلم للاشياء تعين صوري بل هي فيها علي نحو الكلية و المعنوية و دونه مرتبة العلم الصوري فالاشياء هنا ممتازة مفصلة معينة بتعين صوري مجرد عن المدد و المواد الزمانية و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها ثم دونه العلم الطبيعي و هو العلم بحقايق البرزخيات و قد اندرجت فيه فعليات الصور المجردة الغيبية و صارت فيه بالقوة فهو علم اجمالي برزخي مثل العلم الذي دونه من العلم المادي فانه [ص 173] ايضا علم كلي برزخي ليس فيه تعين صوري للاشياء ثم دونه العلم المثالي و هو العلم المفصل البرزخي بجميع جزئيات الشهادة لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها بتفاصيلها ثم من دون هذه العلوم الجسمانية العرضية الزمانية فاولها العلم الاجمالي العرشي و هو علم بجميع جزئيات العالم الظاهر علي نحو الصلوح و الكلية المعنوية اذ هو اطلس عن جميع الكثرات و التعينات الجزئية و مع ذلك فيه حقايق جميع الامداد النازلة علي ما دونه علي نحو العموم ثم بعد ذلك العلم الصوري الكرسي و هو علم تفصيلي مجرد عن المواد الثانية و الصور المثالية و تفصيله بالنسبة الي العرش و الا فهو بالنسبة الي الافلاك فعلمه كلي غيبي ثم بعد ذلك العلم المثالي الفلكي فانه علم تفصيلي بجميع امثلة الاشياء التي اسفلها متصل بالعنصريات و اعلاها بالفلكيات و هي الامثلة الخيالية و الوهمية ثم بعد ذلك العلم الجسماني العرضي و رتبته رتبة المركبات السفلية و هذه العلوم الاربعة علوم تدريجية الظهور تدريجية الخفاء فليس في عرصتها من كل شئ ابدا في كل آن الا حالة واحدة و لاتجتمع حالتان للشئ في آن واحد لتصادمهما كما عرفت فيعلم الله في هذه العرصة ان الموجود موجود و يعلم ان المفقود مفقود و لكن المفقودية في هذه الرتبة لاتوجب المفقودية عن علمه مطلقا فانه الآن عالم في الدهر بما سيوجد الي يوم القيمة و لكن يعلم علم وجود بعد ان وجد في هذه الدنيا و امثل لك تمثيل تقريب لا تمثيل آية ان الماء اذا كان في مَصْنَع خفي يجري منه الي مصنع ظاهر فانت لاتعلم بماء في المصنع الظاهر علم وجود و تعلمه في المصنع الخفي فكلما يجري في المصنع الظاهر شئ بعد شئ تعلم به شيئا بعد شئ مع انك كنت تعلم الكل في المصنع الخفي و مالك [ص 174] المصنعين لايخفي عليه الماء و حاله الا انه لايعلمه هنا الآن و يعلمه بعد حين و ان قلت انك قد قررت سابقا انه لايجوز ان لايكون شئ في حضور الاحد جل شأنه و قررت انه لو فقد شيئا يلزم منه الانتظار و التوقيت فكيف تقول هنا بنفي العلم عن غد يومنا هذا قلت اني لااقول ان غدا ليس بحاضر عند الرب جل شأنه و سيحضر نعوذ بالله بل اقول انه حاضر لديه ابدا ازلا و لايزول عن موضع حضوره يعلم اليوم في موضع اليوم و الغد في موضع الغد و ليس الغد بظاهر في اليوم و الكل حاضر لديه و هو علمه سبحانه الا انه سبحانه يبدي علمه شيئا بعد شئ و ليس يبتديه مثال ذلك انك تعلم علوما و تنطق بعلومك فتظهر منك بالتدريج و انت عالم بكلها في كل آن و لكن تبديه شيئا بعد شئ و تظهر مواضع تلك المعلومات و حدودها و امكنتها شيئا بعد شئ و انت عالم بالكل في كل وقت و بانك ستظهر كذا و كذا في كذا و كذا بكذا و كذا و يظهر علمك شيئا بعد شئ بالنسبة الي اجزاء العلم و جميع الاجزاء باعيانها كما ذكرت علمه ازلا ابدا فافهم فاني قد اوضحت السبيل و اقمت الدليل سابقا و لاحقا و من لميفهم فعلي اهل الفهم السلام بقي هنا كلام و هو انه كما عرفت ان هذه الرتبة رتبة القوة و الاستعداد و يخرج الفعليات التي فوقها منها شيئا بعد شئ فاعلم انه قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فكما ان في هذا العالم قوة و استعدادا يجب ان يكون في عالم الدهر ايضا قوة و استعداد يخرج الفعليات الامرية التي فوقها منها شيئا بعد شئ و ان كان كل شئ منها يسع جميع الزمان من اوله الي آخره لكن لجميع الفعليات [ص 175] الدهرية قوة الترقي و السير الي الذوات بلا نهاية و بذلك يزداد نعمة المؤمنين في الجنة و عذاب الكافرين في النار و يقول الله تعالي عطاء غير مجذوذ و لدينا مزيد و قال ذوقوا فلننزيدكم الا عذابا و ذلك ان الشئ الدهري الذي هو حبة زرع الدنيا ثمرة حبة اخري سابقة عليها و يجري منها الي هذه الثمرة امداد متوالية غير متناهية شيئا بعد شئ و هم يستزيدون الله من ذلك المصنع و يجري عليهم المدد منه و ليس الدهري عالما بكل شئ في كل آن و ليس كل شئ عندهم بالفعل فان المزيد النازل علي اهل الجنة و النار لميك عندهم و لميكونوا يعلمون به حتي نزل اليهم و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و قل رب زدني علما فما في الدهر فعلي بالنسبة الي ما دونه و له قوة و استعداد في الترقي ابدا و الاستزادة مستمرة الا ان ما يجري عليه من المصانع السرمدية في غاية التشاكل و التماثل و ليس فيه اختلاف بين كاختلاف ترقيات الزمان و اما السرمد فعندنا في تزييل الفؤاد له بيان لايعرفه ساير الناس اذ نقول نحن في السرمد الواحدي جميع ما نقوله في ساير الممكنات و لكن علي نحو البساطة الاضافية و لذلك يشكل علي النفوس معرفته فنقول نعم و للسرمد ايضا قوة و استعداد يجري عليه فعليات علمه سبحانه فان مصنع العلم فوق السرمد و بعلمه تجري مشيته سبحانه و يخلق كما يعلم فيجري دائما من مصنع علمه سبحانه مياه الامداد و الافاضات عليها و لكن افاضة آن واحد منها توازي جميع فعليات الكائنات الي ما لا نهاية له و لنعم ما قال الشاعر :