فصل - و اما توحيد العبادة في التشريع فاعلم ان العبادة التشريعية [ص 88] هي العمل بمقتضي العبدية الشرعية كما كانت العبادة الكونية العمل بمقتضي العبدية الكونية و العبدية الكونية كانت الانقياد للاوامر الكونية فكل كائن عبد لله سبحانه لامتثاله الامر الكوني الذي هو قول كن فالعبدية الشرعية هي الانقياد للاوامر الشرعية التي هي قول : قولوا لا اله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله اوالي من والاه و اعادي من عاداه و ما يتفرع علي ذلك من الاوامر الجزئية فلما صدرت هذه الاوامر عن الآمر فكل من امتثلها و قال بها فقد صار عبدا شرعيا حيا كائنا بالحيوة و الكون الشرعيين اللذين هما الايمان فكان مصونا عن الموت الشرعي الذي هو الكفر محروسا عن سبب الموت الذي هو الشيطان ان عبادي ليس لك عليهم سلطان كما كان العبيد الكائنون محروسين عن العدم و اسباب الفناء فالعبد هو المنقاد و العبدية الانقياد و العبادة العمل بمقتضي الانقياد فكما انقادوا هنالك للآمر انقادوا هنا للآمر الشارع لهم فالشارع تعالي شأنه هو المعبود الشرعي كما ان المكون جلت عظمته هو المعبود الكوني و انما الفخر و النجاة و التعالي في الدرجات الشرعية بالعبادة الشرعية كما ان الفخر و النجاة الكونية من مهاوي العدم و الموت و التعالي في الدرجات الكونية بالعبادة الكونية و كما كانت منجاة الناس هناك درجات الاوامر الكونية فكل من سبق الي التكون كان اقرب الي الآمر و كل من لحق كان ابعد كذلك منجاة الناس هنا درجات الاوامر الشرعية فكل من سبق الي الامتثال كان اقرب الي الآمر و اشبه به و كل من لحق كان ابعد ، قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، و سارعوا الي مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الارض ، فالناس في عالم التشريع و الانقياد اختلفوا في المعبود [ص 89] فمنهم من عبد الاصنام و الاحجار و تقرب اليها و سار باقدام الامتثال اليها فتخلق باخلاقها و لحق بها و هوي اليها و منهم من عبد الاشجار و تقرب اليها و تخلق باخلاقها فلحق بها و هوي اليها و منهم من عبد الكواكب و النار و تقرب اليها و تخلق باخلاقها فلحق بها و هوي اليها و منهم من عبد الحيوانات و تقرب اليها و سار باقدام الامتثال اليها فتخلق باخلاقها فلحق بها و هوي اليها و انت تري عيانا ان نفس الانسان بنفسها اعلي من هؤلاء و اشرف و الطف و اصفي و اعلم و انقي فلما توجه الي ما يأفك تنزل عن لطافته الذاتية و صفائه و هوي في مهاوي الجمود و الكثافة و الجهل فضلا عن ترقيه الي الدرجات و كل ممتثل متقرب الي الآمر و كل عابد يتصل بجوار معبوده فهؤلاء هلكوا و ضلوا و اضلوا فامهم هاوية و ما ادريك ما هيه نار حامية و منهم من عبد الاناسي فاتخذ مثله ربا يعبده و يمتثل امره و انما ثمرة العبادة الترقي شيئا بعد شئ الي ان يصير صفة الرب يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فالانقياد للمثل بقاء علي ما هو عليه من النقص و لايحصل له الترقي ابدا و هل يسئل محتاج محتاجا و هل يقوي ضعيف ضعيفا ان الذين تدعون من دون الله لن‌يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ماقدروا الله حق قدره و الامثال لايقدرون لانفسهم و لا لك نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و اما المتصوفة خذلهم الله الذين يسولون لمريديهم انا قد فنينا في الله و اتصلنا به حتي انه قال قائلهم انا الله بلا انا و ليس في جبتي سوي الله فاعبدونا و تقربوا الينا فان عبادتنا عبادة الله و التقرب الينا هو التقرب الي الله [ص 90] فلعنوا بما قالوا و كذبوا من جهات شتي منها ان العبد لايتصل بذات الحق القديم جل شأنه و الثاني ان العبد الحادث لايستحيل قديما و القديم لايستحيل حادثا و الرب مباين عن خلقه و خلقه مباينون عنه كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه و قد بينا ذلك في موضعه مفصلا و الثالث ان الله سبحانه نهينا ان يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله و ذم قوما و قال اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله و ذم قوما اتخذوا الانبياء الها فضلا عن ساير الرعية و الرابع ان عبادتهم عبادة الشيطان فانهم يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يأتون بمناكير علي خلاف دين رسول الله صلي الله عليه و آله و قوله و فعله و سيرته فان كان ما يقولون من دين الله فهو انكار لرسول الله و ان كان ما جاء به الرسول من دين الله فهم علي دين الشيطان و دعويهم ان ما نقول به باطن الشرع يؤدي الي انكار جميع الشرع و الباطن الذي لايجتمع مع الظاهر ليس بباطن هذا الظاهر و حلال محمد حلال الي يوم القيمة و حرامه حرام الي يوم القيمة و والله لايريدون الا تسخير اشباه الناس لحمل اثقالهم الي بلد لم‌يكونوا بالغيه الا بشق الانفس و اني قلبتهم ظهرا لبطن و سرت فيهم زمانا من الدهر مختبرا و لكن و الحمد لله علي توق و حذر و ليس ما اخبر عنهم كاخبار ساير العلماء و ليسوا والله الا طالبي دنيا دنية و لايريدون الا الرياسة الباطلة و لايتشرعون الا بالملاهي و المعاصي و الكفر و الزندقة فاحذروا عنهم حذاركم من الاسد الضاري و ان رأيتهم يتجوعون و يركعون و يسجدون فاعلم والله انهم علموا ان لذة الرياسة و انثيال الناس حولهم و تقبيل العوام ايديهم و ارجلهم اعظم و ادهي من كسرة خبز غايتها العذرة و من راحة غايتها الكسالة فيتجوعون [ص 91] عمرا حتي يذبحوا للاكاف حمرا ،

و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول

و لما اقتضي المقام لوثت الكاغذ باسمهم فالاعراض عنهم اولي فان الباطل يموت بترك ذكره و من الناس من اتخذ النبيين و الاوصياء اربابا يعبدونهم و انك لتعلم انهم و ان كانوا اعلي مقاما من الانسان و السير اليهم يكون سبب الترقي الا انهم يتبرؤن ممن يأخذهم الها من دون الله و يعبدهم و يطردونهم و يكفرونهم و قد افنوا انفسهم عند ربهم فلايظهرون الا ربهم فمن رآهم و اتخذهم معبودا يتبرؤن منه و يستعيذون بالله منه و يتضرعون الي الله اظهارا لعدم الرضا بفعل هؤلاء علما منهم بقوله تعالي و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و من المأولين من يأول الآيات لان الله سبحانه يقول في اكثر الآيات لفظ من دونه و معناه ان يتخذ الغير الها يعبده و يترك الرب و نحن لسنا بتاركي الرب و نقول انهم قد وصلوا الي الله و اتصلوا به فعبادتهم عبادة الله و قد الحدوا في آيات الله لان العابد ليس له الا قلب واحد و ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه فاما يتوجه الانسان الي الرب الاحد الصمد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد ليس كمثله شئ مكشوف السبحات بلا اشارة فلايجد غيره حتي يدرك الاتصال و الانفصال و الاغيار و ان كان يدرك غيره فهو غيره و خلقه اتخذه شريكا لله سبحانه و من خواص الاحد انه لايدرك مع غيره معا و من ادرك مع غيره فهو المثني و الاحد اذا عدل النظر عنه لم‌ير ابدا و ان نظر اليه لم‌ير غيره ابدا فمن رآه و نظر اليه ليعبده و يتوجه اليه فهنالك يمتنع ذكر الغير فاين صورة المرشد او النبي او الوصي و ان نظر الي غيره فاين الرب فكل من اتخذ غيره الها يكون من دونه حين اتخاذه اياه الها فان اتخذه الها [ص 92] في الايمان الظاهر فقد كفر و ان قال برب معه في الظاهر فقد اشرك و اما في الباطن فلايمكن الشرك في التوجه في آن واحد ابدا و كل هؤلاء العابدين كفار او مشركون بالله و تعالي الله الاحد عما يقول المشركون علوا كبيرا فالمعبود الذي يكون عبادته سبب الترقي الي ما لا نهاية له هو الرب الاحد الذي لا غاية للسير اليه و لا نهاية و لا وصول و هو مدبر الكل و مقدره و المتصرف فيه الخالق الرازق المحيي المميت فمن عبده و سار اليه و امتثل اوامره الكاشفة عن صفاته و اخلاقه و اجتنب نواهيه الكاشفة عن صفات مبادي الكثرة و الاختلاف و العجز و الضعف و كل شر بلغ من عمله بهذه الامور مبلغا يتصف بصفات الله و يتخلق باخلاق الله فيصير محبوبا لله سبحانه لمكان المشاكلة و المماثلة مع صور محبته و مشيته ، ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين ، لانهم قد بلغوا من الامتثال مشاكلة الحبيب و المحبوب فيحبهم الله سبحانه و يحبونه فيسيرون حتي يدنوا منه و يتلطفوا و ينعموا حتي يصيروا من اهل التوحيد فيتوحدوا و يوحدوا الله سبحانه فيجعلهم الله مثله و صفته يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون فاذا صار مثل الله و صفته فيصير الله سبحانه سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و روحه التي يحيي بها و نفسه التي يعلم بها و عقله الذي يفهم به و نوره الذي يتحقق به ثم لا غاية لهذا السير و لا نهاية فكلما يصير اشد توحدا و تشاكلا يصير في هذه الامور و القوة و القدرة اشد و اقوي و مقامات الله عديدة لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه في كل مقام [ص 93] لا فرق بينه و بينها الا انها عبده و خلقه رتقها و فتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه فكلما وضع لهم حلما رفع لهم علما ليس لمحبته غاية و لا نهاية و لاتزعمن من قولي ان الله سبحانه يصير سمعه الي آخر انه يتحد مع الله سبحانه و الحادث المخلوق لا من شئ ينقلب قديما بل المراد ما اشرت اليه ان لله سبحانه في درجات العابدين مقامات و علامات و آيات و قد اشار اليه في كتابه فقال هم درجات عند الله فتلك المقامات درجات الصاعدين اليه سبحانه يصعدون في تلك المدارج ففي كل درجة يتحدون مع ما لهم في تلك الدرجة منها و تلك آيات الله التي تليت عليهم فزادتهم ايمانا و هم يستبشرون و اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين و اقول ان الحادث الذي لم‌يكن ثم كان لا من شئ يصل في سلوكه الي ذات القديم جل شأنه و يصير الها قديما تعالي الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان العبادة لاتحق الا لله الاحد الفرد الصمد فمن عبد غيره فاما ان نكس علي وجهه و تنزل عن مقام كان فيه و ذلك عمل الخاسرين و اما ان وقف في مقامه و لم‌يحصل له ترق و استكمال فعمل بلا اجر و لا ثواب و لايملك من يعبده له نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا فيخسر رأس ماله و يكون من الخاسرين و المقام الذي هو فيه عين الجحيم و اما ان يتقرب الي من يلعنه و يطرده فيكون من الهالكين و من عبد الله سبحانه و انقطع عما سواه و هو الاحد القادر القاهر المتصرف الذي لا غاية للسير اليه فيكون من الفايزين و لا غاية للنعيم و الاستقلال و الاستقرار و الخير النازلة اليه ابد الآبدين فافهم هذه العبارات السهلة الممتنعة المحتوية علي دقائق الحكمة و حقايق الايمان فتكون من الفايزين .

[ص 94] فصل - قد تبين من الفصل السابق انه لاتحق العبادة الا لله سبحانه و ان لنا في ذلك تحقيقات دقيقة و اشارات بالتلويح حقيقة و هي ان العبادة كما بينا و شرحنا هي العمل بمقتضي العبودية فالعبادة عمل العبد و العمل الصادر منه لا بد و ان يكون له جهة يقع عليها فان العبد حادث ذو جهة و جميع ما يصدر منه الي جهة في كل مرتبة و مقام و لايسعه ان يعمل عملا لا الي جهة الاتراه انه لا بد له ان يوقع افعاله علي ما يصاقعه كأن يقتل رجلا في جهاده و يعين رجلا في زكوته و يكرم احدا في احسانه و يركع و يسجد الي الكعبة في صلوته و يفطر رجلا في صيامه و هكذا جميع ما يصدر منه لا بد و ان يقع علي حادث مصاقع له في عمله و ان المعبود جل شأنه لايقع عليه عمل عامل و لاينفعه طاعة من اطاعه و لاينقصه معصية من عصاه و انما ينفع طاعته اخوانه المصاقعين و نفسه و يضر عصيانه باخوانه المصاقعين و نفسه فلا بد لكل عبادة من جهة عبادة كما انه يجب لكل خدمة جهة خدمة تقع عليها الاتري ان السلطان هو المخدوم و لكن جهة خدمة الفراش الارض يكنسها و الفرش يبسطها و جهة خدمة الرايض الفرس يحسها و يرحلها و يجللها و جهة خدمة الكاتب الكتب يكتبها و ليس شئ من ذلك يقع علي جسد السلطان و انما تقع حركاتهم علي جهات خدماتهم و ينوي بالامتثال سلطانهم و كذلك الله جل جلاله امر الناس بخدمات تصل منافعها اليهم و تعمر بها ديارهم و تحرس بها نفوسهم و تزكو بها اموالهم و تزيد بها اولادهم و نهاهم عن اعمال تصل مضارها اليهم و تخرب ديارهم و تهلك نفوسهم و تتلف اموالهم و تنقص بها اولادهم مثلا فهم يعملون الاعمال و يواجهون بها جهاتها و يقصدون بالامتثال ربها و لو قصدوا تلك الجهات من حيث هي و فعلوها لها من حيث انفسها لكانوا بذلك كافرين او مشركين البتة [ص 95] فالواجب عليهم ان يلتفتوا الي ربهم اولا بنفوسهم و يتذكروا امره و نهيه ثم يمتثلوهما علي جهاتهما المأمور بها و يري العبد حين العمل شبح السلطان مثلا علي الفرس و يحسها لاجله لا لاجلها فلو نسي السلطان حين الحس و تمحض في الالتفات الي الفرس لاعرض عنه و من يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا لانه لم‌يعمل للسلطان و القول بان مبدء العمل كان لامتثال امر السلطان كلام قشري ظاهري فالموحد يري السلطان امام وجهه دائما و هو ممتثل بين يديه عالم بانه شاهد عليه مطلع عليه موجود في غيبته و حضرته عالم بعلانيته و سريرته ، اعبد الله كأنك تراه فان لم‌تك تراه فانه يراك ، اولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد فاذا رأي السلطان في الفرس و تحرك نحوه و عمل له و حس فرسه بل حسه لانه خدمه خالصا لوجهه فهو الخالص في خدمة السلطان الموحد في طاعته لم‌يقصد فيها غيره و كل من هو غير ذلك مشرك في طاعته البتة فكذلك الامر في طاعة الله سبحانه فان كنت ممن يعبد الله كأنك تراه فتتحرك نحوه و تعاونه و تزوره و تقرضه و تنصره و تطيعه و تحبه فانت ممن حصل لهم توحيد العبادة و وحدوه فيها و لو قصدت بشئ من ذلك غيره من حيث نفسه فانك في ذلك الوقت مشرك بالله عز و جل يقينا و لاينفعك القصد الكلي حينا ما و انت ناسيه حين العمل و صرت ممن قال الله سبحانه فيهم و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي فالموحد من يري نور الله سبحانه و ظهوره علي كل شئ فمهما امر بخدمة متعلقة بذلك الشئ يقصد بها ذلك النور و ذلك الظهور وحده لا شريك له ، [ص 96] سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد ، قل اي شئ اكبر شهادة قل الله الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شئ محيط .

فصل - ان العلماء رضوان الله عليهم اختلفوا في نية القربة بعد اتفاقهم علي ان العبادة اذا اوقعت خالصة لوجه الله او اتي بها احد طالبا لرضاء الله او انه اهل لها او طالبا قربه له صحيحة و لا كلام في ذلك و انما الكلام في انه هل تصح العبادة اذا اوقعت طلبا للجنان و حذرا من النيران ام لا فالاكثر و المحققون ذهبوا الي بطلان العبادة حتي انه يتوهم من كثرتهم الاجماع و استدلوا علي ذلك بان الجنان غير الله و كذا النيران فالعبادة لاجلهما لاجل غير الله و قد قال الله سبحانه اعبد الله مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه و قال فاعبد الله مخلصا له الدين الي غير ذلك و في الخبر عن اميرالمؤمنين عليه السلام الدنيا كلها جهل الا مواضع العلم و العلم كله حجة الا ما عمل به و العمل كله رياء الا ما كان مخلصا و الاخلاص علي خطر حتي ينظر العبد بما يختم له الي غير ذلك من الآيات و الاخبار .

و قال قوم من المتأخرين ان العمل بقصدهما صحيح نظرا الي ان القصد الخالص الذي لايشوبه غير وجه الله لايحصل الا من خواص الخواص و جل الخلق غير متمكنين من ذلك و الي ان الله سبحانه وعد عباده في كتابه و نبيه في سنته صلي الله عليه و آله و طمعوا الناس في الاعمال الحسنة بذكر الاجور و خوفوهم عن الاعمال القبيحة بذكر العقاب و قال سبحانه يدعون ربهم خوفا و طمعا و يدعوننا رغبا و رهبا و امثال ذلك من الآيات و حديث تقسيم العبادة الي ثلثة عبادة العبيد و الاجراء و الاحرار و هي افضلهم و امثال ذلك و يؤيد هؤلاء قوله تعالي لمثل هذا فليعمل العاملون و ان ذكر [ص 97] الجنة تحريص للثواب بلا شك و ذكر النار تحذير بلا شك و يوقع ذكراهما في القلوب شيئا فلو كان ذلك شركا لمااغروا الناس بالشرك و هم يعلمون ان نفوسا لاتطيق الا ذلك و ان مقام ماعبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك مخصوص بالمعصومين و من شايعهم و يقدر علي ذلك من يطيع و ان علم ان الله يدخله النار بطاعته و هو ليس مقام العامة بل و لا الخاصة بلا شك و لا ريب فالدليلان قويان و يدل علي كل واحد منهما اخبار و الذي افهمه من الاخبار و صحيح الاعتبار ان للناس درجات و مراتب و للايمان كما روي درجات و الله سبحانه يقول لايكلف الله نفسا الا ما آتيها اي ما عرفها و يقول معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انا اذا لظالمون فللناس درجات في مراتب الايمان فمنهم من هو آخذ بدوحة الايمان و سنخه و منهم من هو آخذ بفروع الايمان و اغصانه و منهم من هو آخذ باوراقه فمن بلغ في ايمانه مرتبة اهل الفؤاد و المحبة و عرف الله سبحانه كما ينبغي للانسان الكامل ان يعرفه و فاز بحقيقة التوحيد و سر التفريد فهو ناظر من مثل سم الابرة فلو حول نظره مثل ذلك عن ذلك السم وقع عن ابعد ما بين السماء و الارض و هلك فلايجوز لهؤلاء الالتفات الي شئ سواه و قصد شئ دونه فانهم عارفون بالله وحده و يعرفون انه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فان كان توجههم الي الحق فهو للحق و الا فهو للشيطان و قد روي في القدسي انا خير شريك فمن عمل لي و لغيري فهو كمن عمل لغيري و في الآخر انا اغني الاغنياء عن الشريك فمن اشرك معي غيري في عمل لم‌اقبله الا ما كان لي خالصا و من بلغ في ايمانه مرتبة اهل العقول و لم‌يفز بمقام اهل المحبة و المصافاة فهو شأنه الرجاء و ملاحظة الفضل [ص 98] و لايقدر علي محوه عن نظره لان مدركه ذلك و لايحمل علي ذلك المقام الاول و لايطلب منه ما ليس في وسعه و في مثل ذلك روي عن ابي‌جعفر عليه السلام من بلغه ثواب من الله علي عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه و ان لم‌يكن الحديث كما بلغه ، و ذلك انهم يرون الله سبحانه و يريدونه من وراء حجاب الفضل فيقصدونه في فضله ليس لهم حقيقة غير ذلك و من لم‌يبلغ في ايمانه هذين المقامين بل هو واقف موقف النفس فهو شأنه الحذر و الخوف و ملاحظة الله عز و جل و ارادته من وراء حجاب الخوف و يترك مخالفته حذرا من عقابه المدرك و يطيعه لئلايشمله عقابه فيهلك ليس له معني غير ذلك و في هذين الآخرين نزل قوله سبحانه يدعوننا رغبا و رهبا و يدعون ربهم خوفا و طمعا و في الاخير اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و قد فصل في الصادقي الاصناف الثلثة نجوي العارفين تدور علي ثلثة اصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة فاذا حصل العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب و اذا هرب نجا و اذا وجد اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا شاهد الفضل رجا و اذا رجا طلب و اذا طلب وجد و اذا اشرق نور المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سويه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه الخبر ، نقلته بالمعني و يؤيد ذلك ما روي عن الصادق عليه السلام ان الناس يعبدون الله عز و جل علي ثلثة اوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطمع و آخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد و هي رهبة و لكني اعبده حبا له عز و جل فتلك عبادة الكرام و هو الامن و عنه عليه السلام العبادة ثلثة قوم عبدوا الله عز و جل خوفا فتلك [ص 99] عبادة العبيد و قوم عبدوا الله تبارك و تعالي طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء و قوم عبدوا الله عز و جل حبا له فتلك عبادة الاحرار و هي افضل العبادة انظر كيف جعل العبادة ثلثة و جعل افضلها الثالث و يؤيد ذلك ان جميع الشيعة مقبول عنهم مغفور لهم و يدخلون الجنة و كلهم اهل توحيد الم‌تسمع ما رواه في معاني الاخبار انه سئل ابوعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل الا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان الآية ، قال يا سليمن في هؤلاء المستضعفين من هو اثخن رقبة منك المستضعفون قوم يصومون و يصلون تعف بطونهم و فروجهم لايرون ان الحق في غيرنا آخذين باغصان الشجرة فاولئك عسي الله ان يعفو عنهم اذا كانوا آخذين بالاغصان و اذ لم‌يعرفوا اولئك فان عفا عنهم فبرحمته و ان عذبهم فبضلالتهم عما عرفهم ، بالجملة الاخبار في ذلك كثيرة ان امثال المنحطين عن درجة الايمان يثابون باعمالهم و لا شك ان اولئك لايدركون حقيقة التوحيد و المعرفة و المحبة التي هي شأن الكرام البالغين و كفي اولئك ان يعرفوا ان لهم ربا و يحبوه و انه يكون آخرة و جنة و نار و المطيع ينعّم و العاصي يعذب و يعمل لله تصديقا لقول الله سبحانه و انجازا لعدته و انما بسطنا القول في ذلك لخفاء الامر فيه مع وجود الاختلاف فهؤلاء ايضا في ادني درجات توحيد العبادة فانهم يعبدون الله حقيقة لا غيره غاية الامر انهم يلاحظون غاية في ذلك و يكتفي عنهم بانهم يعبدون الله و معاذ الله ان يعدهم النعيم اذا عبدوه ثم اذا عبدوه طمعا في عدته يحرمهم نعم العبادة الكاملة ان لايكون لها غاية الا الله عز و جل ايضا و ما سويها ناقص يقينا منحط عن درجتها و درجة المقربين البتة و هل يتفاوت الدرجات الا بزيادة الخلوص و هل ينقص الخلوص الا بشوب غايات و علل و اسباب و هذا [ص 100] معني ما يقال حسنات الابرار سيئات المقربين فلو لم‌يقبل الا من الخالصين حقيقة لم‌يقبل الا من آحاد الناس في جميع الدهور و الاعصار و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .

فصل - اعلم ان الله سبحانه جعل للانسان مراتب فله جسد ظاهر ذو طول و عرض و عمق و وجه و ظهر و جهات و اوقات و امكنة و قرب و بعد و اوضاع لايقدر علي النفوذ من اقطار السموات و الارض له مشاعر ظلية بفعل النفس فله عين باصرة و اذن سامعة و لسان ناطق و حركات انتقالية و لكن لا حراك له الا بالنفس و لا ادراك فاذا توجهت النفس اليه ادرك و تحرك بفعلها الظاهر فيه المنطبع في مرآته فاذا توفيت فان بقي شعاعها فيه يلقي نائما لايدرك شيئا لان مداركه لطيفة مدركة للدقايق و تحتاج الي فضل توجه من النفس و لكن حيوته و حركته الحيوانية التي هي القبض و البسط باقية و ان لم‌يبق شعاعها خر ميتا لا حيوة له و يصير كساير الجمادات و يلقي علي ما يلقي حيثما يلقي و له نفس مدركة للصور الظاهرة بالحواس الظاهرة و الباطنة بالحواس الباطنة و المجردة بنفسها الملكوتية و لكن بفضل احساس العقل و فعله فلو نزع عنها توجه العقل و بقي شعاعه فيها تلقي كالنائم الحي الذي لايدرك شيئا و لكنها حية و ان رفع عنها الشعاع كما بين النفختين تلقي ميتة لا حيوة لها و له عقل يدرك به المعاني لكن بفضل احساس الفؤاد و فعله و ادراكه فلو رفع النظر عنه و بقي الشعاع يبقي نائما حيا لايحس بشئ من المعاني و ان رفع الشعاع ايضا فيلقي ميتا لا حراك له و لا ادراك و له فؤاد و هو مدرك للحقايق لكن بفضل علم الامر و نوره و حركته فلو رفع النظر عنه مع بقاء الشعاع يلقي نائما لا ادراك له و لو رفع الشعاع ايضا يلقي ميتا لا حراك له و الامر عالم حي بعلم الله سبحانه و حيوته [ص 101] فلو رفع النظر عنه فهو لاشئ محض و ليس بشئ الا بنظره سبحانه و هو نفس نظره سبحانه اليه فانه خلق بنفسه و خلق ما سويه به فهو الحي لا اله الا هو ، قل الله خالق كل شئ و الله خلقكم و ما تعملون ، قل افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون ، و ما رميت اذ رميت و لكن الله رمي ، لم‌تقتلوهم و لكن الله قتلهم ، الله يتوفي الانفس حين موتها مع انه يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و يتوفيهم الملئكة فارزقوهم فيها و اكسوهم مع انه هو الرزاق ذو القوة المتين و تخلق من الطين كهيئة الطير و تخلقون افكا و يكون ملكان خلاقان و الله خالق كل شئ ، اذا دعاكم لما يحييكم و من احيي نفسا فكأنما احيي الناس جميعا و الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و الله خير الرازقين و احسن الخالقين بالجملة لا مؤثر في الوجود الا الله و لا فاعل الا هو و ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و كل من عند الله و لتحقيق هذه المعاني مقام آخر و فصل الكلام استطرادا و لم‌يكن مقصودا في الباب فنقول كل من مراتبك له عبادة تخصه و يسعه العمل بها و هي من شأنه و له جهة خدمة لاتقع الا اليها و لايمكنه غيرها اعتبر من جسدك فان له وجها لا بد له ان يتوجه الي جهة و لايمكنه التوجه الي اللاجهة و الله سبحانه ليس في جهة البتة فوضع له اول البيوت و امر ان يتوجه اليه حيثما كان و لسانه لا بد و ان يتفوه بكلمات و حروف و ليس الله سبحانه بكلمات و حروف تجري علي اللسان فقدر له كلمات و حروفا و امر بالتفوه بها و له يدان ترفعان و توضعان و ليس الله يلمس بالاخماس فامر بالرفع و الوضع لهما و له عينان تدركان الاضواء و الالوان و الاشكال و ليس الله بضوء و لا لون و لا شكل فينظر اليه بهما فامر بالنظر الي [ص 102] الكعبة و موضع السجود و النبي و الوصي و امثال ذلك و جعل لها عبادة و هكذا قدر لكل عضو منك عبادة يسعه ان يأتي بها الي جهتها و لو كلف الجسد بغير ذلك لكان تكليفا بما لايطيق و هو محال صدوره عن الحكيم تعالي شأنه العظيم فكذلك للنفس خواص و اعمال و لاعمالها جهات لايسعها غيرها البتة فهي ايضا يجب عليها ان تأتي بما يسعها الي جهاتها الممكن لها التوجه اليها و لو كلفت بغير ذلك لكان شططا و تلك الجهات تساوقها و لايجوز لها التوجه الي الجهات الجسمانية و صرف النظر اليها فانها دون رتبتها و تصير به مكبة علي وجهها وجهها الي المنتهي و ظهرها الي المبدء قال اتعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و ما تعملون و هذا هو الفرق بيننا و بين عبدة الاوثان في توجهنا الي البيت و توجههم الي الصنم فنحن نقيم مقاديم ابداننا الي البيت و نستقبله بها ثم تنصرف نفوسنا الي الخدمات النفسانية بل نقيم نفوسنا بمقاديمها الي الجاه النفساني ثم ينصرف عقولنا الي الخدمات العقلية في عالمها بل نقيم عقولنا بمقاديمها الي الجاه العقلاني و نتركها و ينصرف افئدتنا الي خدمتها و تتوجه الي جاهها لاداء الخدمة و ايقاعها موقعها و لسنا نقصد بكل رتبة عليا الرتبة الدنيا بل و تحسبنا ايقاظا و كل رتبة منا راقد الا الفؤاد فانه بعينه التي لاتنام و هو بالساهرة فكما انك تلقي جسدك علي الفراش و نفسك تسير في عالمها و تري اناسا و تجالسهم و تسافر اسفارا و جسدك ملقي علي ما القيته فكذلك تقيم جسدك مستقبلا الي جهة خدمته و كل رتبة منك الي جاهه و تتوجه بفؤادك الي وجه الله المضيء و تخاطبه و تحفظ بفضل شعاع الفؤاد كل رتبة كما يتنفس جسد النائم و هو حي فنحن نعبد الله جل وجهه بكل رتبة منا علي ما يسعه و ينبغي له بخلاف عبدة الاوثان [ص 103] فانهم يتوجهون بانفسهم و عقولهم الي تحت ارجلهم و يقصدون بحقايقهم الاوثان المنحوتة افمن يمشي مكبا علي وجهه اهدي ام من يمشي سويا علي صراط مستقيم فتبين من هذا التحقيق الرشيق ان الصوفية خذلهم الله عبدة اوثان نحتوها لانفسهم فانهم يقصدون المرشد بحقيقتهم و هم ناكسوا رؤسهم عند ربهم و يعبدون من دون الله اوثانا مودة بينهم و يتخذون الذي يأكل و يشرب و يتغوط و يبول و في بطنه ما فيه الها يقصدونه بنفوسهم و عقولهم و افئدتهم فلايزيدهم عن الله سبحانه الا بعدا و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة فافهم ان كنت تفهم .

فصل - قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، و لما كان الناس بعداء عن الحق سبحانه معرضين عنه قد اشكل عليهم التوجه الي الحق سبحانه مع انه اسهل شئ قد جبلوا عليه و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فانا اذكر ذلك لك علي سبيل المثل و الله خليفتي عليك و هو خير حافظا و هو ارحم الراحمين اعتبر من توجهاتك في الدنيا الي السماء و الارض و الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و ابينها في الانسان ان زيدا مثلك صاحب حقيقة هو بها هو و صاحب ظاهر به ظهر في عالم الاجسام فانت اذا اردت ان تزور زيدا تقصد جهته حتي تلقاه فتقابل بجسدك جسده و تفتح عينك اليه و مسامعك الي صوته و تتركه و تتوجه بحقيقتك الي حقيقته فلاتدرك بحقيقتك شيئا غير حقيقته فحين توجهك اليه لاتدركه بانه ابن من و ابو من و اخو من [ص 104] و من اين و الي اين و فيم و مم و علي‌م و كيف و كم و لم و هكذا ساير ما يضاف اليه و هو غيره او يوصف به و لاتدركه الا بانه هو هو لا غير بل لاتجد نفسك و ادراكها و احوالها و متمكن من هذا التوجه كل ذي شعور حتي الاطفال المرضعين لان الانسان جبل عليه في اصل فطرته فاذا رأي الطفل امه او اباه او غيرهما لايدرك منهم الا حقيقتهم مكشوفة السبحات مهتوكة الاستار منزهة عن الاغيار بالفطرة و لايري شيئا من صفاتهم الظاهرة و ان كان عينه مقابلة بهم الاتري انك ربما تتكلم مع رجل يوما فان سئلت هل كان عليه اثر خضاب تقول لم‌التفت او سئلت عن ثوبه علي اي لون كان تقول مانظرت لانك لم‌تلتفت الا اليه وحده و لو دخل كبير من الباب و نظرت اليه تدهش و تقوم و لست تري منه شيئا الا انه هو هو و من يريد الصفة لا بد له ان يتعمد و يصرف نظره عمدا الي صفته بل اقول انك اذا نظرت الي ثوبه ايضا تدرك الثوب المجرد لا لونه و هيئته و ان تعمدت اللون تري الصفرة المطلقة لا الخاصة و ان تعمدت الصفرة الخاصة ايضا تدرك محض الصفرة الخاصة و لاتري زمانها و مكانها و هي صنع من و كم مقدار درجاتها و هكذا فالانسان كلما يدرك يدركه بحقيقته المطلقة عن جميع مظاهره فاذا كان الانسان مجبولا علي ذلك في جميع امور الدنيا فما باله لايقدر علي التوجه الي الله الذي لا ظهور الا ظهوره و لا نور الا نوره و لا صوت الا صوته بل ليس ذلك الا انه لايعرف ربه جل شأنه و انا نري اناسا يقولون ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتريك و لاتزال عليها رقيبا و يقول احدهم لم‌اعبد ربا لم‌اره و يقول مارأيت [ص 105] شيئا الا و رأيت الله قبله ، صلي الله عليهم من ناطقين بالحق المطلعين عليه فالناس عاقهم عن ذلك عدم معرفتهم بالظهور فلو عرفوا الظهور عرفوا الظاهر الاتري انك لو لم‌تعرف ظاهر زيد لم‌تعرف حقيقته فاذا عرفته عرفتها بالفطرة و الجبلة و صار لك التوجه اليها امرا جبليا فطريا و لكن الناس يقولون نريد ان نأكل من بقلها و قثائها و فومها و عدسها و بصلها فنقول لهم اتستبدلون الذي هو ادني بالذي هو خير اهبطوا مصرا غاصا بالكثرات فتأسركم و يحصل فيكم شركاء مختلفون و ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا و اري الناس و اللاشئ انفق في سوقهم من شئ و العدم عندهم اروج من الوجود و الجهل البحت ارضي لهم من العلم والله لا شئ عندهم سوي القشور ابدا و لايعبدون بحق العبادة احدا الا قليلا و قليل من عبادي الشكور يقيمون اجسادهم الي الجاه الظاهر ثم تتوجه نفوسهم و عقولهم و افئدتهم الي السرقة و الكيد و المكر و الخديعة و السفر و الحضر و ما لايقدرون اتيانه باجسادهم و يسمونه عبادة و يريدون ان يوحدوه في العبادة و هي علي ما تري ثم اجمعوا علي انا لانريد غير ذلك قل مكانكم انتم و شأنكم و من نظر في مطاوي هذا الكتاب المستطاب فتح له الباب و الله المستعان و اليه المآب .

خاتمة - قال الله سبحانه و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و اكثر الناس عن هذا غافلون فيحسبون انهم موحدون و لايشعرون انهم مشركون من حيث لايحتسبون فمن اسباب الشرك ان يبتدع الانسان رأيا فيقيم عليه و يحب عليه و يبغض فهو قد اتخذ الهه هواه و اشرك بمولاه و يشهد بذلك قول الصادق عليه السلام و قد سئل عن ادني ما يكون به الانسان مشركا فقال من ابتدع رأيا [ص 106] فاحب عليه و ابغض عليه و منها الاعتقاد بخلاف الحق في شئ من الاشياء و التدين به و شاهده قول الباقر عليه السلام و قد سئل عن ادني الشرك فقال من قال للنواة حصاة و للحصاة نواة ثم دان به و منها كلية العصيان فانه طاعة الشيطان و الشاهد عليه قول ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون قال يطيع الشيطان من حيث لايعلم فيشرك و قال ابوجعفر عليه السلام فيها ايضا شرك طاعة و ليس بشرك عبادة المعاصي التي يرتكبون مما اوجب الله عليه النار شرك طاعة اطاعوا الشيطان و اشركوا بالله في طاعته و لم‌يكن بشرك عبادة فيعبدون مع الله غيره و منها ترك الرد الي آل‌محمد عليهم السلام في الصغير و الكبير و قد امر بالرد اليهم و الشاهد علي ذلك قول ابي‌عبدالله عليه السلام امر الناس بمعرفتنا و الرد الينا و التسليم لنا ثم قال و ان صاموا و صلوا و شهدوا ان لا اله الا الله و جعلوا في انفسهم ان لايردوا الينا كانوا بذلك مشركين و منها ان يزعم لشئ صنعه النبي صلي الله عليه و آله او صنعه الامام عليه السلام انه واقع علي خلاف الحكمة و كان غيره اولي منه و احسن و الشاهد عليه قول ابي‌عبدالله عليه السلام لو ان قوما عبدوا الله وحده لا شريك له و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة و حجوا البيت و صاموا شهر رمضان ثم قالوا لشئ صنعه الله او صنعه النبي صلي الله عليه و آله الاصنع خلاف الذي صنع او وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ثم تلا هذه الآية فلا و ربك لايؤمنون الآية ، ثم قال فعليكم بالتسليم و منها طاعة العلماء الفجرة الذين يعرفهم بالفجور و اخذ الرشاء و العصبية في الاحكام و كتمان الحق فان اطاعهم بعد معرفته بهم فهو مشرك و الشاهد عليه من الله و حججه انه سئل ابوعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل اتخذوا [ص 107] احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله فقال اما والله مادعوهم الي عبادة انفسهم و لو دعوهم الي عبادة انفسهم لمااجابوا و لكن احلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لايشعرون و في حديث آخر من اطاع رجلا في معصية الله فقد عبده و منها الاصغاء و القبول من المفترين علي الله و رسوله و الحجج عليهم السلام فان القبول منهم و هم مظاهر الشيطان قبول من الشيطان و الشاهد عليه قول الصادق عليه السلام من اصغي الي ناطق فقد عبده ان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان و منها الرد علي العلماء الحاملين لدين آل‌محمد عليهم السلام و اخبارهم و احكامهم فانه رد عليهم و هو رد علي رسول الله صلي الله عليه و آله و هو رد علي الله و الشاهد علي ذلك قول الصادق عليه السلام في الحنظلية المقبولة ينظران من كان منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم‌يقبله فانما استخف بحكم الله و علينا رد و الراد علينا الراد علي الله و هما و في نسخة و هو علي حد الشرك بالله و منها ادخال رضاء الغير في عمل من الاعمال فان العبد ينبغي ان يكون عمله بكله لربه و الشاهد عليه قول ابي‌جعفر عليه السلام لو ان عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله و الدار الآخرة و ادخل فيه رضاء احد من الناس كان مشركا و منها الرياء و السمعة و ايقاع العمل للشهرة و الشاهد عليه قول ابي‌جعفر عليه السلام كل رياء شرك و قد سئل رسول الله صلي الله عليه و آله عن تفسير قوله فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا فقال من صلي مراءاة الناس فهو مشرك الي ان قال و من عمل عملا مما امر الله به مراءاة الناس فهو مشرك و لايقبل الله عمل [ص 108] مراءاة و منها الحلف بغير الله فانه لاينبغي للعبد ان يعظم غير الله بما ينبغي لله سبحانه و الشاهد عليه قول ابي‌جعفر عليه السلام في قوله و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون من ذلك قول الرجل لا و حياتك و منها زعم ان النجوم تؤثر في العالم بنوع استقلال و الشاهد عليه قول الصادق عليه السلام في تلك الآية كانوا يقولون نمطر بنوء ● كذا و منه انهم يأتون الكهان فيصدقونهم بما يقولون و منها ان يزعم ان احدا يدفع عنه مع الله شرا او يجلب اليه خيرا و الشاهد عليه ما روي في هذه الآية هو قول الرجل لولا الله و انت مافعل بي كذا و كذا و لولا الله و انت ماصرف عني كذا و كذا و اشباه ذلك و منها ان يزعم لاحد تصرفا في ملك الله و الشاهد عليه قول ابي‌عبدالله عليه السلام في هذه الآية هو الرجل يقول لولا فلان لهلكت و لولا فلان لاصبت كذا و لولا فلان لضاع عيالي الاتري انه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه و يدفع عنه و منها الالحاد في اسماء الله و وضعها في غير مواضعها و الشاهد عليه قول ابي‌عبدالله عليه السلام في هذه الآية هم الذين يلحدون في اسمائه بغير علم فيضعونها بغير مواضعها و منها اتخاذ الانداد مع آل‌محمد عليهم السلام و الشاهد عليه قول ابي‌جعفر عليه السلام ان الله عز و جل نصب عليا علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا و من جهله كان ضالا و من نصب معه شيئا كان مشركا و من جاء بولايته دخل الجنة و منها القول بالتفويض و القدر فان القدرية مجوس هذه الامة و هم كالثنوية يزعمون ان اهريمن خالق مع الله سبحانه بالجملة القول الفصل فيه ان كل من عمل عملا او قال قولا او اعتقد اعتقادا يفهم منه اثبات احد مع الله في ذاته [ص 109] او صفاته او افعاله او عبادته و طاعته فهو مشرك غاية الامر ان بعض الشرك جلي و بعضه خفي و قد روي ان للشرك دبيبا في هذه الامة كدبيب النمل ، و لذلك قال الله سبحانه و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و لنكتف بما ذكرناه في مراتب التوحيد و فيه كفاية لصاحب الفهم السديد اذ كشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد .

المقصد الثالث

في بيان مقامات التوحيد بحسب المجالي و المظاهر و فيه مقدمة و فصول :

المقدمة - في تقسيم مقامات التوحيد بحسب المظاهر اعلم انه من البديهيات التي لا ريب فيها ان الله الاحد القديم لايقترن بالحوادث و لايصاقعها و لم‌يخلق ما خلق من اصول ازلية فلايعرفه احد من حيث هو لا بالاحاطة عليه و لا بالاتحاد معه فاذا يمتنع معرفته لما سواه سواء كان ملكا مقربا او نبيا مرسلا و قد خلق الجن و الانس ليعبدوه و اولها معرفته كما قال خلقت الخلق لكي اعرف و المعرفة هي مشاهدة المعروف فكيف السبيل الي ذلك فوصف الله سبحانه نفسه بما يسعهم ان يعرفوه و معرفة تلك الصفة هي معرفته بل لم‌يؤمروا الا بمعرفتها و لم‌يخلقوا لما يمتنع صدوره منهم ثم يبدلوا بغيره اذ لا فائدة في ذلك و لايعقل جعل الممتنع غاية الامكان فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة اذ رجع من الوصف الي الوصف ،

منتهي الحظ ما تزود منه اللحظ و المدركون ذاك قليل

فليس الغاية الا معرفة الصفة حسب فمن عرفها عرف الله و من جهلها جهل الله و لكن ذلك كلام قد يحمله الجاهل علي ان الوصف الذي نقول محمول علي ظاهره فيتحير ذهنه و يقول كيف يكون معرفة الحادث معرفة القديم و اذا عرفنا [ص 110] حادثا فقد عرفنا غيره و اذاً عبدنا غيره فليس الله بمعروف و لا بمعبود و ذلك قصر في رأيه فان كنت طالبا لفهم المسئول فاصغ لما اقول اعلم ان للوصف اصطلاحين فمرة يقال الوصف في مقابلة الموصوف و لكن قد يقال الوصف و يعم الموصوف الاتري ان لفظ الموصوف ايضا وصف و عدم الاتصاف ايضا وصف و الخفاء ايضا وصف و التنزه ايضا وصف فالوصف المقابل للموصوف مقام اسفل من تلك المقامات و مرتبة ادني من تلك المراتب و انت تري عيانا ان لك خمس مراتب احديها مرتبة الذات المعراة عن الصفات المنزهة عن السبحات و الاشارات و عن جميع الكيفيات و التعينات و تجد ذلك من نفسك حين تجدها بداهة انك لاتري معها مما سويها شيئا بقول مجمل فلاتدركها بانها علي ايش و من ايش و في ايش و مع ايش و لايش و بايش و كايش و الي ايش ابدا ابدا و لاتجدها الا بانها هي هي و لاتجدها الا بها ثم لك مقام في مقام الصفات التي تتصف بها و لعلك علمت ان غُبْرة الصفات كلما تقرب من سماء الذوات ترق و تلطف الي ان تبلغ مبلغ الخفاء حتي تكاد ان تفني من نفسها و لاتكون الا الذات و كلما تقرب من ارض الانيات و القابليات تغلظ و تكثف الي ان تبلغ مبلغ الظهور حتي تكاد تخفي ما ورائها بالكلية و لاتري الا نفسها و ذلك مشاهد محسوس فكذلك غُبْرة الحدود و الصفات تختلف بحسب مراتب الصفات من القرب و البعد من الذوات ففي غاية القرب تكون بحيث لاتري نفسها ابدا بل تري الذات و هي مقام الهوية التي ليست الا الاشارة الي غايب عن درك الحواس و هو بمنزلة الاجسام الشفيفة التي لاتري نفسها ابدا و انما تري ما ورائها الغائب عن حضورها و ذلك قوله عليه السلام ان قلت هو هو فالهاء و الواو كلامه الهاء لتثبيت الثابت و الواو اشارة [ص 111] الي الغايب عن درك الحواس و لذلك سمي بالضمير و صار حروفه مما ليس له مقطع و حد في الفم في اللغة المعتدلة الكاملة و لايعد ذلك وصفا في الظاهر لانه ليس بشئ من حيث نفسه فهو عدم الوصف لا اثباته و اذا نزل من هذا المقام درجة و غلظت غبرة الانية في الجملة تأكد التعين و اشتد في الجملة لكن بقدر ان اخرجه من الاستتار الي الظهور و من الاضمار الي البروز لكن في غاية البساطة الامكانية و هو مقام الالوهية المتصفة بكل صفة و لايوصف به شئ لان الصفة عبارة عن الحد و هو المحدود ثم تحت ذلك اول مقام الظهور بالوصفية بالمعني الخاص و معلوم ان اول الاوصاف و لو بالمعني الخاص ابسطها فهو الاحدية ثم تحت ذلك الاوصاف المتكثرة المركبة و هي مقام الواحدية و قد فصل الله هذه المقامات في سورة التوحيد فقال قل هو الله احد الله الصمد فالقائل هو الذات ثم هو مقام الهوية ثم الله مقام الالوهية ثم الاحد مقام الاحدية ثم الصمد مقام الواحدية و لا بد و ان نفصل هذه المراتب في تلو فصول :

فصل - في مقام الذات و هو العالي عن الصفات المعري عن جميع النسب و الاضافات و الاوضاع و الكيفيات و الكميات و الرتب و الجهات و الامكنة و الاوقات و انما سميت بالذات لانها صاحبة الصفات و جميع الصفات دونها في الرتبة و معرفة الذات قد عسرت علي الجلّ لسهولتها و خفيت لشدة ظهورها و استترت لعظم نورها و لايزيد البيان في معرفتها الا خفاء و الشرح الا عماء و هي الحقيقة التي قد سأل كميل عن معرفتها عليا عليه السلام حين اردفه علي ناقته فقال كميل ما الحقيقة قال عليه السلام ما لك و الحقيقة فقال اولست صاحب سرك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل اومثلك يخيب سائلا قال [ص 112] اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال هتك الستر لغلبة السر فقال زدني بيانا قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره فقال زدني بيانا قال عليه السلام اَطفِئِ السراج فقد طلع الصبح و شرح ذلك علي طريق الاجمال ان المطلوب اي الحقيقة لايحصل لك معرفته الا بازالة جميع انوار الجلال اي الذات المطلوبة معرفتها و ذلك ان مشاعرك الظاهرية لاتدرك الا الاشباح المثالية الدنيا و الحدود الجسمانية و مشاعرك الخيالية الباطنة لاتدرك الا الاشباح المثالية العليا التي هي اسفل الدهر و مشاعرك النفسانية لاتدرك الا الصور المجردة الدهرية اي المجردة عن المادة الزمانية و مددها و المشاعر العقلية لاتدرك الا المعاني الكلية الجبروتية و الذات المطلوبة معرفتها فوق جميع ذلك و انك ما دام فؤادك ناظرا من مناظر هذه المشاعر لايدرك منها الا ما يشاكلها و يصاقعها و الذات غيرها بقضها و قضيضها ● و لايمكن ان تدرك هذه المشاعر اياها و لو بادق نظرها و ابسط فكرها و اشد تأملها و لاتبلغها بفرضها و اشارتها بحضور و لا غيبة فان اردت المعرفة فازل هذه السبحات من غير اشارة جسمانية و نفسانية و عقلانية فانها تقتضي تحديدا و تقتضي عدم كشف جميع السبحات و الانوار و الآلاء فقوله عليه السلام كشف سبحات الجلال في مقام الجواب عن الحقيقة يعني به ان الحقيقة هي الكشف و الازالة و المصدر اما يكون بمعني الفاعل فيكون المراد ان الحقيقة [ص 113] هي الكاشفة لجميع السبحات من غير اشارة و هذا الامر لايتأتي من غيرها اذا الشئ لايقدر علي ازالة نفسه فالحقيقة اذا قطعت النظر عن جميع الانوار وجدت نفسها بلا غبار و من غير اشارة حال يعني الحقيقة الكاشفة جميع السبحات لا باشارة عقلية و لا نفسية و لا جسمية بل باحراقها جميع انوارها عند اشتدادها في المحبة كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان لله تعالي سبعين‌الف حجاب من نور و ظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه و السبحات هنا الانوار الجلالية و في الحديث الاول الاعراض و الصفات و ان اخذ بمعني المفعول يكون المراد ان الحقيقة مكشوفة سبحات الجلال و الاضافة الي الفاعل فالسبحات كشفت عنها باحتراقها و خفائها عن الوجدان و لكن المحرق المخفي غير مذكور و يمكن ان يكون تسمية الحقيقة بالكشف من باب المبالغة اي رفاعة ما يواريها و هتاكها فلاتبقي باقية اذا كشفت او بمعني الذات غيبت الصفات و هي اظهر من ظواهرها و مظاهرها و انما خفيت لشدة ظهورها او نأخذ الكشف بمعني الاظهار و بمعني الفاعل فالحقيقة هي المظهرة لانوار الجلال لانها المؤثرة لها او بمعني المفعول فالحقيقة هي التي اظهرتها سبحات الجلال و دلت اليها من غير اشارة لان دلالتها بالاشارة تقع علي مثلها فالدلالة بلا اشارة منها بما فيها من مثال الحقيقة فهي المظهر بفتح الهاء لانوار الجلال لان الاثر يدل علي صفة مؤثره او للمبالغة بالاضافة الي الفاعل او المفعول بالجملة لسنا بصدد بيان الفاظ الخبر و قد تبين و ظهر ان المراد ان الحقيقة هي غير جميع السبحات اي الانوار او الآلاء العقلية و النفسية و الجسمية و هذه المعرفة لاتمكن لاحد الا بعد التجاوز عن جميع ذاتياته و عرضياته وجدانا و هذا هو معني محو [ص 114] الموهوم و صحو المعلوم فالموهوم هو السبحات و هو انت من حيث انت و احوالك فكلها موهوم لا استقرار لك بنفسك و لست بشئ الا به سبحانه و انت نقش فحواني و مثال و عرض قائم بمعروضك قيام الموهوم بالخيال اذ كل جوهر بالنسبة الي مؤثره عرض و اجاد الذي قال :

يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض

فالحقيقة هي محو الموهومات اي الاعراض و هو ابلغ من الكشف اذ المكشوف ربما يبقي و الممحو لايبقي و صحو المعلوم القائم بنفسه و ان كان لغيره الدائم الباقي فقد روي ان نبيا من انبياء الله قال يا رب كيف الوصول اليك قال الق نفسك و تعال و يكون قضية المصدر هنا كما سبق و كذا هتك الستر لغلبة السر و المراد بالهتك هو ذلك الكشف و المحو و الستر هو السبحات و الموهوم و السر هو الجلال و المعلوم الا ان البيان هنا ابلغ اذ بين ان الكشف و المحو و الهتك لايمكن الا بان يغلب السر و ليس ذلك بامر اختياري هوائي و انما هو امر جار باسباب لايتأتي الا منها و انما سببه غلبة السر الذي هو نور الله المعار عندك و مثاله الملقي فيك فاذا اشتد ذلك السر بالتخلص عن شوائب تلك السبحات و الانغماس فيها و الركون اليها و النظر اليها و مال الي موطنه الاصلي و اشتد فيه الاشتياق الي التلاق بعد الفراق و اشتعل فيه نار الحب فتحرك الي محبوبه من كل جانب بلا كيف و لا اشارة هتك الاستار و طرد الاغيار و ذرا الغبار شوقا الي لقاء الجبار و هذا البيان ابلغ في افادة العيان و بين فيه ان السبحات و الموهومات ساترة مانعة و ينبغي ان يكون كشفه و محوه علي نحو الهتك الدفعي بسبب غلبة السر و تركه الاستار و الخروج مكشوفا و كذا قوله عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد [ص 115] فالجذب في مقابلة الكشف و المحو و الهتك و الاحدية هي الجلال و المعلوم و السر و صفات التوحيد هي السبحات و الموهومات و الاستار و التوحيد هي الاحدية التي وحد الاحد بها نفسه شهد الله انه لا اله الا هو و صفته اي صفة التوحيد الواحدية المقترنة بالنسب و الكثرات فبين في هذه الفقرة عليه السلام من المزيد ان الامر لايمكن الا بان يجذب الاحدية و هي وصف الاحد الذي عندك و به عرفك نفسه صفات التوحيد المدحية من تحت كعبتها و الانوار المنبثة من شمسها فكما بدأت منها تعود اليها و اين ترجع الانوار الا الي المنير فانا لله و انا اليه راجعون فجميع السبحات ترجع الي تلك الحقيقة بالغيبوبة عند تجليها و بخفاء كواكبها عند سطوع شمس ظهورها و انما ذلك بالجذب من الوجدان الي الفِقدان علي معني ان الذات غيبت الصفات ، تعرفت الي في كل شئ حتي رأيتك ظاهرا في كل شئ عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا فبين هنا من زيادة البيان ان ذلك الكشف و المحو و الهتك ليس بالافناء و الاعدام الخارجي بل جميعها ينطوي تحت الاحدية فلا شئ الا الاحد و ان الجاذب هو الاحد و هذا الشرح يبين ان المصادر السابقة بمعني الفاعل او المبالغة و ان جميع تلك السبحات صفات الاحدية و مظاهرها تجلي الاحد لها بها و بها امتنع منها و هي كلها راجعة اليه صائرة الي حكمه آئلة الي امره ،