فصل - اعلم ان معرفة الصفة من مشكلات المعارف التي لميعرف كنهها الا العارف الرباني و الحكيم الصمداني و سنشير لك في هذا الفصل بقدر الوسع و الامكان و بالله المستعان اعلم ان الله سبحانه كان حيث كان اذ لا كان و ليس معه شئ غيره مما كان او لميكن و هو احد ممتنع عن الحد و لاتعقل الاحدية له الا بان يطوي جميع الحدود و المحدودات و يسع جميع مراتب الوجودات طيّ الامتناع و سعته حيث هو و طي الامكان و الكون و سعتهما حيث هي و صفته ظهوره و نوره مباينة مع الذات مغائرة لها و بينونتها و غيريتها تحديد لها اي للصفة فان الذات قد طوتها باحديتها و ذلك الظهور قديم دائم ازلي اي لميسبقه عدم قائم بنفسه لغيره اعني انه مطوي بالظاهر فيه و لميكن بعد زمان ممتد و لا في مكان ممهد و لا بآلة سابقة و لا من مادة مهيأة و لا من صورة لاحقة و لا لغاية مرجوة بل هو نور منير و قدرة قدير لميكن بفعل سابق عليه بل هو كائن غير مكون موجود ازلي غير محدث و ليس لاحد ان يقول فيه الا انه منطو تحت [ص 61] احدية الاحد و ليس بشئ في نفسه لنفسه الا به و له فافهم ذلك ان كنت تفهم و لماعط عبارة فيه اكثر من ذلك و ما اعطيته لايزيد فيه بالكثرة الا ستر و غموض و فيما لوحت كفاية و بلاغ و الحمد لله .
فصل - من صدق بالاحدية استغني عن ان يعلّم ان الصفة غيرها فدونها فبها و لها و اليها سبحان الله رب العرش عما يصفون فاذا كان عرش عالم الاجسام مبرءا منزها عن الكثرات الجسمانية و عرش ساير العوالم منزها عن كثراتها فسبحان ربه الذي خلقه و هو فوقه عما يصفون و عما يظهرون به من صفة فالصفة الذاتية كلام قشري يتكلم به لمن لايتحمل التنزيه و يزعم انه ليس بشئ اذ كان الشئ عنده ما كان مميزا محدودا فلا بد من ان يعبر لهؤلاء بتعبيرات يتحملونها ثم يتدارك ما كان فيها من الضرر بكلام آخر و هذا هو احد البواعث علي اختلاف الاخبار فان قيل انه داخل في الاشياء يتدارك بقوله لا بمقارنة و بقوله و خارج عنها ثم يتدارك ذلك بقوله لا بمباينة و هكذا و الا فالصفة ان كانت عين الذات من كل جهة و لا جهة فلا شئ الا الاحد المتذوت القائم بنفسه لنفسه و ان كانت غيرها و لو بوجه و اعتبار فكل ما هو غير الاحد ظهوره و نوره و دونه موجود به له فسبحان ربك رب العزة عما يصفون اذ كل صفة تابع للذات و غيرها قائم بها لها فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
فصل - ليس التنزيه البحت الخالص المحض تعطيل الذات تعالي شأنها بل تعطيل الذات ان لاتوصف بالصفات لا ان تنزه عن ان يكون معها غيرها و الصفات دائمة في محالها ازلية و لايسبقها العدم حتي يلزم نفيها و تعطيل الذات عنها فرع امكان وجودها فيها فالله سبحانه ابدا ازلا عالم اذ لا معلوم و ذات سبوح [ص 62] قدوس احد فرد صمد و لميتخذ صاحبة حد و لا صفة حتي يتولد من بينهما اولاد الافعال الكامنة بالصلوح و الاستجنان و القوة في بطنها و كل من هو كذلك فكذلك .
فصل - اذا عرفت ان الصفة متنزلة عن الذات فلايمكن اقتران الذات بها و اتصافها بها و هي تشهد انها غير الموصوف بها مقترنة به اقتران الشبح بالمرآة و هو ليس بشئ الا حقيقتها و اعلاها الذي هو مثال الذات الملقي في هويتها فالصفة هي الموصوف في الوجود الخارجي الا انها هي الموصوف اذا رأيت الذات فيها و هي الصفة اذا رأيتها لها اي للذات و هما جهتان متباينتان وجدتا متحدتين في الخارج و اريك المثال حتي تعلم الحال انت اذا وقع شبحك في المرآة فليس شئ الا انت و شبحك و المرآة و شبحك غيرك و دونك و ظهورك للمرآة و ذلك الظهور هو ما ظهر لها فيها فهو الظاهر لها فهو اسمك الظاهر لها و هو ظهورك لها فاتحد الظاهر و الظهور في الوجود الخارجي و اختلفا في الوجدان فالصفة علي مثلها تدل و في شكلها تحل فتعالي الله عما يقول الواصفون علوا كبيرا .
فصل - اذا عرفت مواقع الصفة ارجو ان تبلغ قرار المعرفة فلاحظ حينئذ وحدانيته سبحانه في جميع صفاته اذ ليس الظاهر بشئ منها الا هو سبحانه كما تري من عدم ظهور شئ في مراتب العدد الا الاحد فهو الظاهر بالواحد و الاثنين و الثلثة و الالف و الاكثر و الاقل و ظهور زيد في الكاتب و العالم و الصائغ و النجار و القائم و القاعد و غيرها و ظهور السراج في جميع انواره لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته فهو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسني و الامثال العليا و الكبرياء و الآلاء ليس كمثله شئ و هو [ص 63] السميع البصير فمن زعم غيره ظاهرا بشئ منه فقد اشرك ، ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك فهو مظهر كل ظهور و الظاهر به و منير كل نور و المتجلي به قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان جميع ما سوي الاحد جل شأنه ظهوره و نوره و اسمه و صفته لا تذوت لشئ دونه و لا استقلال لشئ سواه فمن ذا يشاركه في صفاته و صفاته ليست بشئ الا به و لا شئ غيره الا صفاته فهو الواحد المتوحد في الاتصاف بصفاته لا متصف غيره و هذا هو ما كان يقال ليس الا الله و صفاته و اسماؤه فتفهم وفقك الله سبحانه .
فصل - ان الصفة و الموصوف اضافيان فما لميلحظ في الصفة تبعية للغير لمتكن صفة و ما لميلحظ في الموصوف المتبوعية للصفة لميكن موصوفا فكل واحد منهما مذكور في الآخر مركب من حيث هو هو و من حيث ذكر الآخر فيه الا ان الموصوف مركب من حيث هو هو و هو مادته و من فعلية الصفة له و هي صورته و الصفة مركبة من حيث هي هي و هو مادتها و من انفعالها بظهور الموصوف و هو صورتها هن لباس لكم و انتم لباس لهن فتعالي كنه القديم عن ان يكون موصوفا بصفة كائنة ما كانت و انما هو هو لا هو الا هو بل ان قلت هو هو فالهاء و الواو كلامه و الهاء لتثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغايب عن درك الحواس فهو صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه او تقترن به فعلي هذا كل موصوف بصفة غير الموصوف بصفة اخري فلو كان الموصوف هو الذات القديمة لتكثرت و تعددت و هي احد لايثني و لايجزا و لايتكثر الاتري ان الخبز اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب و الثوب اسم للملبوس و النار اسم [ص 64] للمحرق و الاسم صفة لموصوف فلو كانت الاسماء و المسميات هي الذات لتعددت و تكثرت فيها الجهات و خرجت عن الاحدية فالصفات و الموصوفات كلها تجليات للذات المتعالية عن الكثرات قد تجلت لها بها و بها امتنع منها فليس لها تحقق في محالها الا بما هي مذكورة فيها و ليست الا ذكر الذات المذكورة لها بها فيها بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فجميع الصفات ترجع الي موصوفاتها لانها فعلياتها و جميع الموصوفات ترجع الي الامر المتجلي بها و هو يرجع الي نفسه المتحقق بها و هي ترجع الي ربها في نفسها و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و كل شئ سواك قائم بامرك الا الي الله تصير الامور و ان الي ربك المنتهي فانا لله و انا اليه راجعون و امثل لك مثالا و هو ان جميع الحروف التي تكتبها راجع الي الحركات الخاصة المتعلقة بها كل حرف راجع الي الحركة الخاصة به دون غيرها و تلك الحركات الخاصة ترجع الي الحركة المطلقة لك و هي ترجع الي نفسها الحاصلة بها التي هي ظهورك الاعظم و تجليك الاكرم و كينونتك الكاينة غير المكونة الدائمة الثابتة و ذاتك الظاهرة فالكل صفاتك و مجدك و سناؤك و بهاؤك لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك :
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شئ محيط فانت انت القائم القاعد الآكل الشارب اللابس الماشي لا سواك فافهم هذه الفقرات المتشتتات المجتمعات و المتفرقات المتفقات لتفوز مع الفائزين و تصير من الموحدين و قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار و قل افرأيتم ما تحرثون [ص 65] ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و قد لاح الصباح لمن له عينان و لنقبض العنان فان للحيطان آذانا .
فصل - لتوحيد الصفات معني آخر علي نحو اظهر و هو ان تنزه الله سبحانه ان يكون له ند في صفاته فتوصف بصفاته خلقه او توصفه بصفات خلقه فان القديم ممتنع عن الحدث و الحدث ممتنع عن القدم فلايوجد صفات الحادث في الازل سبحانه فيقترن القديم بالحادث فيصير مركبا و مشابها للحادث و محلا للحوادث و الفقر و لايوجد صفات القديم في الحوادث فيكون قد نزل عن حده و تغير و اقترن بالفقراء المعدمين و يشاكلهم و لايصح استحالة القديم الي الحادث و لا العكس فالعارف بتوحيد الصفات يوحد الله سبحانه في صفاته فلايجعل لاحد علما كعلمه و لا سمعا كسمعه و لا بصرا كبصره و هكذا و ان استعمل تلك الالفاظ في غيره ايضا فانه محض استعمال لفظ للدلالة علي معني مراد منه كما روي عن الرضا عليه السلام انما التشبيه في المعاني فاما في الاسماء فهي واحدة و هي دلالة علي المسمي ، و عنه عليه السلام في رواية طويلة يعد الاسماء و يفسرها و قد كرر قد جمعنا الاسم و اختلف المعني و لاتعتقد بان الالفاظ تستعمل عليه و علي خلقه علي الاشتراك المعنوي لاختلاف المعني و كون الخلق ممتنعا مع الخالق و امتناع القدم عن الحدوث و عدم ثالث يكون مقسما لهما و لزوم التركيب و زوال الاحدية و غير ذلك من المفاسد و لا علي الاشتراك اللفظي لملاحظة الصفة في الحادث و تسميته به لاجلها و فقد شروط الاشتراك اللفظي بالبداهة و لا علي الحقيقة في الله و المجاز في الخلق فان المجاز يناسب الحقيقة و يشاكلها في جهة النسبة و الله سبحانه لايناسبه شئ و لايشاكله و المجاز ظل الحقيقة و شبحه مذكور فيها ذكر القيام [ص 66] في القائم و النور في المنير و الشبح في ذيه فلايصح ان يكون الخلق مجاز الحق لعدم مذكوريته في كنه ذاته الاحدية تعالي قدرها و عدم كونه محل الحوادث اذ كل ذكر سواه و ما سواه حادث و تعدد القدماء محال فامتنع ان يكون الخلق مجاز الحق و لا العكس فيكون لكم الذكر و له الانثي و تكون متبوعا و اصلا و يكون تابعا و فرعا و لاتعتقد انه علي نهج الغلبة و النقل لعدم مهجورية احدهما فكل هذه الوجوه ينافي التوحيد في الصفات و الحق ان تعتقد انه المتوحد في صفاته وحده لا شريك له و ليس معه غيره فيصدق عليه الفاظها علي نحو من الانحاء و يمتنع كل شئ عداه حيث هو و انه يطلق تلك الالفاظ علي غيره سبحانه حقيقة بعد اطلاقها عليه حقيقة لا مع اطلاقها عليه كما بينا و شرحنا سابقا فيقع الالفاظ عليه اولا علي الحقيقة الاولية و هو اولي بها ثم لما وضع الاسماء لنفسه لدلالة عباده عليه و حاجتهم ان يدعوه بها و تلك الاسماء المختلفة لها مسميات مقترنة بها متعددة و مصاديق مختلفة في الخلق صار يري من منظرة الجميع شئ واحد و يقصد به واحد فالكل اسماء له يراد هو من كل واحد منها و ان الله سبحانه قد خلق كل مخلوق باسم له خاص به فهو اثره و نوره و الاثر يطابق صفة مؤثره فتقع تلك الاسماء علي تلك الآثار المنحطة عن رتبة ذوات المؤثرات غير المتحدة معها في المواد بسر المطابقة بين الاثر و صفة المؤثر علي الحقيقة المطابقة للحقيقة الاولية و بعدها و ذلك بحر ضل فيه السوابح فلو كان الاثر لميشابه صفة المؤثر مطلقا لماصح عليه الاطلاق و ان كان يشابه من وجه و يخالف من وجوه و الفرق بينهما بالقوة و الضعف لكان حقيقة و مجازا و الاثر يشابه صفة مؤثره في جميع [ص 67] وجوه الاثرية و المؤثرية لان الاثر هو المؤثر الظاهر و ظاهر المؤثر لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه بل الاثر هو ركن اسم المؤثر و المؤثر مؤثر في اثره و مصداق و مراد فيه و الا فلايرمق اليه البصر و لايصل اليه الفكر فاسم المؤثر و الاثر في الخارج كالظاهر و الظهور و تعددهما وجداني و كل اسم يطلق علي العالي فهو عند الداني فيتحدان في الوجود و يمتازان في الوجدان فيطلق علي العالي مرة في الداني علي الحقيقة و علي الداني عنده اخري فعند ذلك تصح الحقيقة بعد الحقيقة فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فهذا هو توحيد الصفات الكامل الخالص و الا فاين التراب و رب الارباب و القشر من اللباب و الماء من السراب .
فصل - اعلم ان الفعل هو حركة المسمي و هي فينا انتقاله من حال الي حال بكله او بابعاضه بجوهره او باعراضه الذاتية او الخارجية فالاول هو الحركة عن الوضع و الثاني هو الحركة في الوضع و هما بالاعراض الذاتية و الحركة في الوضع قد تكون علي المحور فتحدث دوائر فان كان من مشرق الامداد الي مغرب الاستمداد فهو علي خلاف توالي البروج المستمدة بحقيقة الاستمداد القائمة بحقيقة العبودية و ان كان من مغرب الاستمداد الي مشرق الامداد فهو علي توالي البروج و ترتبها و نسبها و قد تكون الحركة في الوضع علي القطب فتحدث كرة لان المتحرك يتوجه اليه بكله من كل جهة فالمتحرك علي القطب ساكن لايدرك بالسكون و هذه هي الحركة الجوهرية [ص 68] الحقيقية و اما الحركة بالاعراض الخارجية فهي حركة المؤثر الي الاثر فانها ليست بذاته و انما هي باعراضه الخارجة عن ذاته التي هي تجليه و صفاته و لسنا الآن بصدد تقسيم هذه الاحوال و شرحها و الغرض ان الفعل هو الحركة و افعال الله سبحانه ليست بذاته و انما هي تجلياته و ظهوراته فافعال الله سبحانه هي امداده سبحانه ما سواه و لما كانت محيطة بمخلوقاته فهي تتحرك اليها بالامداد من كل وجه لكن علي خلاف التوالي لانها من مشرق الامداد الي مغرب الاستمداد و كل ما سوي فعله سبحانه مفعوله ساكن بنفسه فلا حركة له و لا فيه الا بالفاعل و لا فاعل في الوجود الا الله سبحانه فلا حركة الا منه و الاصل فيه ان الشئ ان كان لكماله قوة يخرج بها من القوة الي الفعل بنفسه فيخرج من حد الامكان الي حد الوجوب و من الافتقار الي الاستقلال و ان لميكن لكماله تلك القوة فلايخرج الي الفعلية الا بمكمل له خارجي فيبقي في عدم تلك القوة الي ان يخرجه مكون من ذلك العدم الي وجود الفعلية فاذا لايظهر من المخلوق كمال وصف من الاوصاف و لا فعل من الافعال الا باخراج الله الكامل المكمل له فقل الله خالق كل شئ سواء كان من الذوات او الصفات او الافعال و الله خلقكم و ما تعملون و خلق الموت و الحيوة و جعل الظلمات و النور ان الله عليم بذات الصدور الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير قل كل من عند الله الي غير ذلك من الآيات الصريحات و الدلالات البينات فلايتحرك متحرك في الامكان من الوضع و لا في الوضع علي المحور او علي القطب او علي آثاره الا بتحريكه سبحانه و لا محرك في الوجود الا الله سبحانه الا ان فعله سبحانه الجاري علي ايدي القوابل يظهر عليها و منها علي حسبها فمنها بطيئة لرطوبة العضلات و الاعصاب و برودتها [ص 69] و منها سريعة للينتها و حرارتها و منها معتدلة لاعتدالها و انفتاح مجاريها و منها مرتعشة للسدد السادة منافذها ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك فافهم ان كنت تفهم .
فصل - الاثر الصادر عن الامر الواحد من الوجه الواحد ان صح استقلاله من جهة صح استقلاله من جميع الجهات و هو خلاف المفروض فامتنع استقلاله في شئ من الاشياء و اذا كان بذاته نفس تجلي الازل قائما به و الازل المتجلي في رتبة الخلق بطل شركته مع الله سبحانه في احداث شئ من الاشياء و اذا صح استغناء الحق المطلق عما اجراه و افاض و اوجده لا من شئ و افتقار ما سواه اليه في كل حال و قيامه بامره بطل كون شئ من الاشياء وكيلا له فاعلا باذنه منقطعا عنه لشئ من الاشياء ، الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون ، قل ارأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار ، بل لايملكون لانفسهم ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الله سبحانه خالق كل ما سواه من ذات او صفة او شبح او فعل لا شريك له في شئ من ذلك و لا وكيل و لا مأذون عنه منقطعا بل هو بوحدته خالق كل شئ لا اله الا هو و لاينافي ذلك اجراؤه سبحانه افعاله باسباب غير مستقلة دونه فانه مسبب الاسباب من غير سبب .
فصل - عجبا لمن ينتحل العلم و يدعي الفضل كيف طاوعته نفسه المسلمة ان يقسم الاشياء اثلاثا فمنها ما يقدر الله عليه دوننا كخلق السموات و [ص 70] الارض و منها ما نقدر عليه دون الله كالمعاصي و منها ما نقدر عليه معا كالطاعات فنسئله هل انت مستقل قائم بنفسك ام مفتقر قائم بامره سبحانه ، فلا سبيل له الي الاول لانه مسلم فان كنت مفتقرا اليه قائما بامره بذاتك فلست بشئ الا به و انت قائم دائم بحفظه و امره له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله فجميع ما لك و بك و منك قائم بامره مفتقر الي امداده و ابقائه الاتري ان السراج لما قام بالنار و افتقر اليها افتقر اليها و قام بها جميع انواره و ماذا قوله سبحانه و الله خلقكم و ما تعملون ، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا .
فصل - و ما افضح قول من فكر و قدر و زعم ان الله سبحانه لميجعل المشمش مشمشا بل جعله موجودا و زعم ان الماهيات ثابتة قبل الوجود لاتحتاج الي الجعل فان المشمش مشمش بالضرورة و انما هو موجود بالامكان فالممكن وجوده فاذا افاض الله عليه الوجود صار موجودا و الا فهو معدوم ثابت و انا نسئله عن تلك الماهيات هل هي ممتازة بعضها عن بعض ام لا لا سبيل له الي لا لان كل واحدة هي هي بالضرورة فهي ممتازة في عالمها ففيه سماء و ارض و شمس و قمر و ليل و نهار و بر و بحر و جماد و نبات و حيوان و قرانات و اوضاع و افعال و اعمال و ظلم و عدل و هكذا فان لكل موجود ماهية هي هي بالضرورة فاذا استقام عالم فيه آثار و مؤثرات و افعال و ارادات فما الفارق بينها و بين كونها موجودة و قد قال الامام عليه السلام لو ائتموا به ليس بين النفي و الاثبات منزلة فاذا جعلوا له شركاء قدماء قائمة بانفسها مستقلة غنية عنها نعوذ بالله و قد شرح الله حال ذلك العالم و قال خلق الموت و الحيوة ليبلوكم و قال خلق الليل و النهار و جعل الظلمات و النور [ص 71] ثم الذين كفروا بربهم يعدلون و قال خلق السموات و الارض في ستة ايام و قال قل الله خالق كل شئ و انت تعلم ان علي زعمهم الليل ليل بالضرورة و النهار نهار بالضرورة و الظلمة ظلمة بالضرورة و النور نور بالضرورة و هكذا و لا فرق بين مسمي باسم و المشمش الممثل به و افحش من ذلك اثباتهم هذه الكثرات في ذات الحق جل شأنه مع حكمهم علي كل ماهية بانها هي هي بالضرورة فهل هي قديمة و تعددت القدماء ام حادثة و صار ذات الحق عيبة للحوادث و ما ليس بموجود و لا معدوم كيف يأوي في مكان حيث جعلوا ذات الله مكانه و الله موجود و ما ليس بموجود و لا معدوم كيف صار في صقع الموجود و انتم مدارككم موجودة ان صحت فكيف تدركون به ما ليس بموجود و لا معدوم و كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما .
فصل - و ما انكر قول من زعم ان الله سبحانه خلق الوجود و اما الماهية فهي ليست متعلقة جعل الله سبحانه و كذا اللوازم و الروابط و النسب و الاضافات و امثالها و تمسك بان الامر الواحد يقتضي المأمور الواحد و هو الوجود و الباقي انما وجد بالتبع لا بجعله سبحانه فلو كان متعلق جعله سبحانه لكان وجودا مستقلا كالوجود فان متعلق الايجاد لايكون الا الوجود فيا سبحان الله هل تلك النسب و الروابط و الماهيات موجودة في عالم الامكان ام لا ام بين النفي و الاثبات منزلة لا سبيل لهم الي الاخيرين فانهما خلاف البداهة و النص فبقي الاول فهل هي قديمة ام حادثة لا سبيل لهم الي الاول فهل هي محدثة بلا محدث ام لا لا سبيل لهم الي الاول فالمحدث لها انفسها ام غيرها ام خلقوا من غير شئ [ص 72] ام هم الخالقون بل لا هذا و لا هذا و لهم خالق فهل الخالق لها قديم ام حادث و هل ينتهي الي القديم ام لا فاختر لنفسك ما يحلو بل الله خالق كل شئ و جميع اللوازم و الماهيات و غيرها اشياء موجودة ثابتة و تعلق بها امر الله الا ان الله سبحانه يخلق الوجود بامره اولا و بالذات بلا واسطة و يخلق الماهية بامره ثانيا و بالعرض بواسطة ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و ان الله سبحانه جعل كل شئ بشئ و ان الخلق مترتب بعضه علي بعض و الامر مع ذلك واحد لقوله سبحانه و ما امرنا الا واحدة الا ان نور الشمس الواحدة اذا اشرق علي زجاجة بيضاء يظهر من ورائها نور ابيض فاذا وقع علي زجاجة صفراء يظهر من ورائها نور اصفر فاذا وقع علي زجاجة زرقاء خرج اخضر و هكذا و الكل نور الشمس الا انه ينصبغ في بطون القوابل و يظهر له آثار مختلفة فاذا اشرق بطبعه حدث منه الوجود و اذا نفذ من الوجود نفسه تغير عما كان و احدثت به الماهية و اذا نفذ منهما تغير و خلق به نسبها و اضافاتها و لوازمها فالواحد ماصدر منه الا الواحد الا انه ظهر بصفات مختلفة و ظهر عنه فيها آثار مختلفة و سيأتي تمام الكلام في محله فترقب .
فصل - و اعجب من جميع ذلك قول من زعم انه يوجد ما لايوجده الله و ما لميتعلق به جعل الله بل ما يستحيل تعلق جعل الله به و يستجيز تعلق جعله به و جعل نفسه اقدر من الله سبحانه فانه يقدر علي ما يقدر الله عليه و ما لايقدر و هم الذين زعموا ان الصور الذهنية مخلوقة لهم و قد خلقها نفسهم الفعالة فيزعمون انهم يقدرون علي تصور ما لميصوره الله و العلم بما لميعلمه الله فانهم يتصورون لله الشريك و العلم هو الصورة الحاصلة في الذهن و الله يقول ام تنبؤنه بما لايعلم في الارض ام بظاهر من القول و هم يعلمون علي زعمهم ما لايعلمه الله و يتصورون [ص 73] الممتنع و لميخلقه الله و يخلقون في اذهانهم من ساير انحاء الوجود علي زعمهم مما ليس في الخارج و يزعمون انها بقوة نفسهم الفعالة ليت شعري هل نفوسهم مستقلة دون الله سبحانه و هل اذهانهم في خارج عرصة الامكان و الاكوان و هل ما في اذهانهم من غير مواد امكانية فيكون قديما او ممتنعا و هل نفوسهم الا كمرايا ينطبع فيها صور الشواخص الخارجية ما لهم كيف يحكمون و اليس يدرون ان صور الشواخص في المرايا تظهر علي حسب المرايا في الكم و الكيف و الايدرون انه يمكن ان يصنع مرآة يظهر فيها الواحد متعددا و غير المصبوغ مصبوغا و المستقيم معوجا و هكذا و اليس يدرون ان الاذهان مع ما لها من الكم و الكيف من خلق الله و يظهر فيها صور الاشياء الخارجية علي حسبها اي الاذهان لا علي حسبها اي الاشياء و لكن ما لميكن شاخص لايكون مادة تتصور بصور الاذهان فلعمري من لميجعل الله له نورا فما له من نور اولايرون عين الاحول و من في عينه خيالات و لكن من لميأو الي ركن وثيق ليس منه ببعيد امثال هذه الاقوال و قد سئل الامام عليه السلام عن سبب خلق الله الخلق علي انحاء مختلفة فاجاب : لئلايقع في نفس احد شئ فيقول هل يقدر الله علي ان يخلق مثل ذلك الا و خلق مثله ، نقلته بالمعني قال الله سبحانه انه عليم بذات الصدور ، الايعلم من خلق فلولا ان ما في الصدور من خلقه لمااستدل بذلك فافهم ان كنت تفهم .
فصل - قد ذكر الصدوق رحمه الله في التوحيد حديثا انه قال ابوعبدالله عليه السلام افعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين ، و قال معني ذلك ان الله تبارك و تعالي لميزل عالما بمقاديرها قبل كونها ثم استشهد بما رواه عن حمدان بن سليمان قال كتبت الي الرضا عليه السلام اسئله عن افعال العباد [ص 74] امخلوقة هي ام غير مخلوقة فكتب عليه السلام افعال العباد مقدرة في علم الله تعالي قبل خلق العباد بالفي عام ، فزعم من هذين الحديثين ان افعال العباد معلومة لله سبحانه لا مخلوقة فيلزمه من القول بذلك ان يقول باستقلال العبد في خلق افعاله و هذا هو الشرك الصراح فارادوا ان يصفوا الله سبحانه بالعدل وصفوه بالشرك و لمايفهموا معني الحديث و قد روي في القدسي انا الله الذي لا اله الا انا خلقت الخير فطوبي لمن اجريته علي يديه و انا الله الذي لا اله الا انا خلقت الشر فويل لمن اجريته علي يديه و روي في الكافي عن ابيجعفر عليه السلام في حديث طويل في القدسي لذلك خلقت الدنيا و الآخرة و الحيوة و الموت و الطاعة و المعصية و الجنة و النار و كذلك اردت في تقديري و تدبيري و بعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم و اجسامهم و الوانهم و اعمارهم و ارزاقهم و طاعتهم و معصيتهم فجعلت منهم الشقي و السعيد و البصير و الاعمي و القصير و الطويل و الجميل و الدميم و العالم و الجاهل و الغني و الفقير و المطيع و العاصي الي آخر الخبر و لما تتبعنا في الكتاب وجدناه يقول الله خلقكم و ما تعملون و يقول قل الله خالق كل شئ فكل ما يصدق عليه شئ فالله خالقه لا شريك له في خلقه و وجدناه يقول ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و هو يقول كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا فتبين و ظهر ان الاعمال مخلوقة لله سبحانه كما ان زيدا مخلوق له بلا تفاوت بقي معني الحديث الحق الصدق الشريف و هو ان الناس الجهلة لو قيل لهم ان الله سبحانه خلق الاعمال لزعموا انهم مجبورون علي اعمالهم ليس لهم فيها صنع و لا اختيار فلايستحقون ثوابا و لا عقابا فمرة لميقروا بان يكون الاعمال مخلوقة من غير انكار له كما هو في حديث الصدوق [ص 75] الثاني و قالوا انها مقدرة في علم الله و مرة قالوا انها مخلوقة لكن قيدوه بانه خلق تقدير لا خلق تكوين و انت تعلم ان معني التقدير لو كان هو العلم لميكن لخلق التقدير معني فان المعلوم ليس بمخلوق من حيث انه معلوم فقولهم خلق تقدير فانما هو شئ آخر غير ما يعرفه هو و اشباهه و مرة اعترفوا بانها مخلوقة مطلقا كما في القدسيين و كما في ظاهر المصحف فيتبين من هذه الاختلافات في التعبير للحكيم ما لايتبين للصدوق و اضرابه من المتقشفين و هو ان الاعمال شئ و قد روي في الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك و قد روي الصدوق هذا في التوحيد ان الله خلق المشية قبل الاشياء ثم خلق الاشياء بالمشية و الاعمال من الاشياء و حادثة و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك فلا شك ان الاعمال معلومة لله سبحانه قبل خلق الخلق بالفي عام و لا شك ان الاعمال مقدرة له سبحانه و لا شك ان الاعمال مخلوقة لله سبحانه الا انه ليس خلق حتم و الزام كخلق ساير المكونات و ليس بخلق تكوين قبل اختيار العبد يشاؤه و يريده و يقدره و يقضيه و يمضيه علي الحتم و الالزام كما خلق لزيد عينا و اذنا مثلا بل خلق الاعمال خلق تقدير قبل اختياره في هذه الدنيا و جعل مشيته مصاحبة اختياره فان اختار الخير خلقه و اجراه علي يديه و ان اختار الشر خلقه و اجراه علي يديه ليس انه يلزمه الاعمال من غير اختيار فالاعمال مشاءة مرادة مقدرة ما لميختر العبد شيئا منها فاذا اختاره يقضي و يمضي حين اختياره لا قبله فتبين ان مراده عليه السلام ان الاعمال مخلوقة خلق تقدير يعني قبل اختيار العبد اياه فاذا [ص 76] اختار تقضي و تمضي علي يديه فانه ما من شئ يوجد في الخارج الا بامضاء الله فالقدر في الاعمال كالروح في الجسد كما قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام جعلني الله فداك ابقدر يصيب الناس ما اصابهم ام بعمل فقال ان القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير جسد لايحس و الجسد بغير روح صورة لا حراك بها فاذا اجتمعا قويا و صلحا كذلك العمل و القدر فلو لميكن القدر واقعا علي العمل لميعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايحس و لو لميكن العمل بموافقة من القدر لميمض و لميتم و لكن باجتماعهما قويا و لله فيه العون لعباده الصالحين الخبر ، و لو لميكن صنع الله في الاعمال لمانفع قولك اياك نستعين فافهم فالاعمال مخلوقة لله سبحانه الا انها ليست بخلق الزام و حتم و امضاء و كتب بل خلق واقف موقف اختيار العبد فيجري علي يديه ما اختار و يمضي بعد الاختيار علي حسب اختياره تدبر في هذا الخبر الذي رواه في التوحيد عن اميرالمؤمنين عليه السلام الاعمال علي ثلثة احوال فرايض و فضائل و معاصي فاما الفرايض فبامر الله عز و جل و برضاء الله و قضاء الله و تقديره و مشيته و علمه و اما الفضائل فليست بامر الله و لكن برضاء الله و بقضاء الله و بمشية الله و بعلم الله و اما المعاصي فليست بامر الله و لا برضاء الله و لكن بقضاء الله و بقدر الله و بمشيته و بعلمه ثم يعاقب عليها انتهي ، و المراد بالامر الامر التشريعي فان الامر التكويني هو المشية فافهم فالاعمال كلها بمشية و ارادة و قدر و قضاء و امضاء مثل ساير الموجودات الا انها قبل اختيار العبد و ظهوره مخلوقة خلق تقدير موقوف مشروط باختيار العبد فان وقع الشرط وقع المشروط و الا فلا و سيأتي تمام الكلام في مسئلة الجبر و التفويض ان شاء الله تعالي .
[ص 77] فصل - ان الله سبحانه احد لايثني فلايتناهي فقد طوي الامكان و الاكوان و الاعيان و الذوات و الصفات و الآثار و المؤثرات و الحدود و المحدودات باحديته و لو كان باينا عن شئ من ذلك لزمه التحديد و خرج بذلك عن الاحدية تعالي شأنه فاذا لا شئ الا هو حيث هو و لا شئ الا تجلياته حيث هي و هي هو ظاهرا و ليس هي هو قدسا و احدية فاذا لا فاعل في الوجود غيره و لا استقلال لشئ دونه لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته كل شئ سواه قائم بامره راجع الي حكمه فمن زعم غير ذلك فقد اشرك بربه الاحد و انكر توحيده عرفه من عرفه و جحده من جحده فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
فصل - الاحد جل شأنه لايضاف اليه شئ و لايضاف الي شئ لان الاضافة صفة غير الذات و يلزم من اثباتها لها تركيبها و لاجل هذه العلة بعينها لايرتبط بشئ و لايرتبط به شئ و لايقترن بشئ و لايقترن به شئ و لايلحظ مع شئ و لايلحظ معه شئ و لايرجع اليه شئ و لايرجع الي شئ و لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ و لايقع علي شئ و لايقع عليه شئ و لايدرك حيث هو غيره و لايدرك هو حيث غيره يمتنع معه غيره و يمتنع هو مع غيره و الفعل كما عرفت حركة ايجادية و كمال ابداعي خرج من الكمون الي الظهور و من القوة الي الفعل و لا بد لها من محل متحرك بها و جوهر يتصف بها ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و الحركة عرض قائم بمحل متحرك به و صفة قائمة بموصوف بها الاتري انه لايعقل من الحركة الا الانتقال من حيز الي حيز و الانتقال انفعال المنتقل و لايعقل حركة لا متحرك [ص 78] لها بها كما لايعقل صفة بلا موصوف فالحركة لاتوجد الا علي محل و المحل رتبته قبل الحال و لايعقل منها غير ذلك و الذات لاتقبل العرض لامتناعه معها و هي احد قديم و الحركة لاتقوم الا بمتحرك و الذات لاتتحرك بحركة فلايصح علي ذات انها فعلت و الفاعل هو المتحرك بالحركة الفعلية كما هو المعروف المعقول فالفاعل هو المبدء الذي يصح ان يتحرك و يقترن بما يحركه بحركته فاذا جميع الافعال راجع الي ذلك المبدء المتحرك و هو الكاتب الصانع القادر الآكل الشارب و ذاته منزهة عن الاقتران بشئ من ذلك قد طوت باحديتها الحركة و المتحرك و المتحرك بها فممن و بمن و الي من و في من و اما المبدء فهو غير المنتهي و الفاعل غير المفعول و الفعل غيرهما فيتحرك الفاعل بحركته و تتعلق حركته بالمفعول فيحركه كيف يشاء الاتري الي يدك و كتابتها فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون و لميؤذن لي في اكثر من ذلك و قد كشفت السر و هتكت الستر و استغفر الله ربي و اتوب اليه ففعله جل شأنه و هو حركته الايجادية يظهر في المتحرك الاول و به يتحرك المتحرك الثاني و به يتحرك المتحرك الثالث و هكذا و ينصبغ حيث صبغ و يتشكل حيث شكل و ليس في ملكه الا ما يريد فيفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته لا راد لحكمه و لا مانع من قضائه لا اله الا هو العزيز الحكيم بالجملة كل شئ سواه قائم بامره متصرف عن حكمه متحرك بحركته لا حركة في ساير عوالمه الا به و ماتشاؤن الا ان يشاء الله قال الحسين عليه السلام في الدعاء : اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك [ص 79] و ممكنا ● لارادتك و جعلت عقولهم مناصب ● اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوٰامنَ ما ابطنت فيهم و ابدأت ● من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به ● عنك في عقودهم ● بعقول ● تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم و اني لاعلم مما علمتني مما انت المشكور علي ما ● منه اريتني و اليه اويتني اللهم و اني مع ذلك كله عائذ بك لائذ ● بحولك و قوتك راض بحكمك الذي سقته اليّ في علمك جار بحيث اجريتني قاصد ما اممتني ● غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني و لا قاصر بجهدي عما اليه ندبتني مسارع لما عرفتني شارع ● فيما اشرعتني ● مستبصر ● ما بصرتني ● مراع ● ما ارعيتني ● فلاتخلني من رعايتك و لاتخرجني من عِنايتك ● و لاتقعدني ● عن حولك و لاتخرجني عن مقصد انال به ارادتك و اجعل علي البصيرة مدرجي ● و علي الهداية محجتي ● و علي الرشاد مسلكي حتي تنيلني و تنيل ● بي امنيتي و تُحِلَ بي ● علي ما به اردتني و له خلقتني و اليه اويتني ● [ص 80] و اعذ اولياءك من الافتتان بي و فتنهم برحمتك لرحمتك في نقمتك تفتين الاجتباء و الاستخلاص بسلوك طريقتي و اتباع منهجي و الحقني بالصالحين من آبائي و ذوي لُحمتي ● انتهي ، ذكرته بتمامه و ان كان اواخره ظاهرا خارجا عن معني الاستشهاد الا اني لجلالة قدره و عظم خطره و عدم اشتهاره لماحب ذكر بعضه و اردت ان يشتهر بكله كساير ادعيتهم و هو مروي في بلد الامين و قوله فتنهم برحمتك لرحمتك في نقمتك يعني ابتلهم و اختبرهم برحمتك لرحمتك في حال نقمتك اذا استحقوا ذلك منك ابتلاء الاجتباء و الاستخلاص بسلوك طريقتي متعلق بقوله فتنهم الحاصل لو تفكرت في هذا الدعاء لبلغت المني فتبين و ظهر انه لا محرك في العالم الا الله و لا فعل الا حركة الفاعل المتحرك في كل مقام بحسبه و لنقبض العنان و قد لاح الصباح لمن له عينان .
فصل - اعلم ان العبادة هي العمل بمقتضي العبدية و العبد هو المنقاد لفعل الرب العالم به الباين عما سويه الداني منه فلاجل ذلك صار لفظ العبد من اعظم القاب الصالحين و الانبياء قال فوجدا عبدا من عبادنا و قال و اذكر عبدنا ايوب و تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده و ادخل قوما في كنف حراسته و قال ان عبادي ليس لك عليهم سلطان و وصفهم ليباينوا عما سويهم فقال و عباد الرحمن الذين يمشون علي الارض هونا الآيات ، و لها مقامان تكويني و تشريعي اما التكوينية فهي العمل بمقتضي انقياد العبد لاوامر الله الكونية الصادرة عنه تعالي [ص 81] المتعلقة بذوات العباد كما ان التشريعية هي العمل بمقتضي انقياد العبيد لاوامر الله التشريعية الصادرة عنه تعالي المتعلقة بافعالهم ففي التكوين لا شئ موجودا الا و هو عامل بمقتضي عبديته من امتثال الاوامر المتعلقة بتكونه اذ بها قد كون و عين و قوامه في ذاته و صفاته بها و ما لميمتثل امر التكوين لميخرج من العدم الي الوجود فجميع الكاينات عابدة لله سبحانه ساجدة له لايخالف شئ منها محبته و لايتجاوز شئ منها عن حكمه و تعالي الجبار عن ان يكون في ملكه ما لايريد فهنالك سجد له ظلمة الليل و بياض النهار و يعبده الكافر بكفره كما يعبده المؤمن بايمانه و يسبح له ما في السموات و ما في الارض و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و كل قد علم صلوته و تسبيحه .
فصل - ان الخلق من مبدء وجودهم الي منتهي شهودهم في عالم الحدوث فلايقع مداركهم الا علي ما هو من جنسهم و لايقترن ذواتهم الا بما هو من شكلهم و لايقع افعالهم الا علي ما هو مثلهم انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها قال اميرالمؤمنين عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و هجم به الفحص الي العجز و البيان علي الفقد و الجهد علي اليأس و البلاغ علي القطع و السبيل مسدود و الطلب مردود الخطبة ، فاذا لايقع منهم شئ الا علي جنسهم و ما يقارنهم و لايسمعون الا اصواتا تجانسهم و لاتصدر تلك الاصوات الا عن مصوت يماثلهم و لايمتثلون الا تلك الدعوات و لايكلفون الا ما اتيهم و يمكنهم الاقتران به و الوقوع عليه [ص 82] و التصور بصورته و التكون علي نحوه لايكلف الله نفسا الا وسعها فهم يتبعون دعوة الداعي و يمتثلون امره و يجتنبون نهيه فلايتحقق منهم الامتثال الا للداعي المتعال فهم مطيعون له منقادون لحكمه لايسعهم الا ذلك قال الله سبحانه لايكلف الله نفسا الا ما آتيها قال عليه السلام الا ما عرفها و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ، خلقت الخلق لكي اعرف ، لا غاية له غير ذلك قال الله سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فالداعي هو تجلي الحق سبحانه لكل شئ بحيث يراه و يسمعه اذ كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايدرك الا ما هو من جنسه فطاعة الداعي هو طاعة الله الظاهر لهم به و لايطاع الله سبحانه بغير هذا النحو من يطع الرسول فقد اطاع الله في الخطبة اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم و قال بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله ، فمن اطاعهم فقد اطاع الله و من عصاهم فقد عصي الله فاذا لا بد من اقامة الداعي في جميع المراتب الكونية حتي يروه و يسمعوا منه حتي يمتثلوا امره و يطيعوه فاقام الدعاة و اجري امره و حكمه علي السنتهم كما عرفت فبادروا الي طاعته مسرعين و سابقوا في امتثاله مهطعين و لميكن في جميع عرصات الاكوان شئ الا و جري عليه حكمه و نفذ فيه امره و وقعت عليه كلمته و من لميجب لميكن و لميخرج من عرصة العدم الي الوجود حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد [ص 83] الا عرفهم جلالة قدركم و عظم خطركم و كبر شأنكم و تمام نوركم و صدق مقاعدكم و شرف محلكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصتكم لديه و قرب منزلتكم منه فاستعبد الله خلقه بطاعتهم و جعلهم جاهه و امرهم ان يأتوا البيوت من ابوابها و يطيعوه حيث يحب لا حيث يحبون بالجملة لميبق مكون لميلب دعوتهم و لميمتثل امرهم و لميقبل حكمهم و لميؤمن بهم من جميع الذوات و الصفات و الافعال و الآثار التي لا غاية لها و لا نهاية فمتي سلب الدولة عنهم حتي ترجع اليهم طأطأ كل شريف لشرفهم و بخع كل متكبر لطاعتهم و خضع كل جبار لفضلهم و ذل كل شئ لهم فلا راد لحكمهم و لا مانع عن قضائهم فلا الذي عصي خرج بعصيانه عن طاعتهم و لا الذي طغي خرج بطغيانه عن تحت سلطانهم فما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي علي صراط مستقيم فكلهم موحدوا الله سبحانه في عبادته لايريدون الا وجهه و قائلون بان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهك الكريم فانه اعز و اكرم و اجل و اعظم من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي القلوب الي كنه عظمته .
فصل - اعلم انا قد اثبتنا في مباحثاتنا و بعض كتبنا ان المشتقات التي اصولها واحدة لاتوجد الا في عرصة توجد تلك الاصول بعينها فيها فاذا لا بد و ان يكون جميع الاوصاف في عرصة المصدر بل في عرصة الفعل و الا لماكان يوجد تلك الاصول فيها و لماكونت منها و بينا جملة ان الفاعل و المفعول مشتقان من المصدر قولا فصلا و لذلك يأتي المصدر بمعني الفاعل و المفعول و المصدر هو اثر الفعل و شعاعه من حيث مؤثريته له و لذلك يعمل المصدر عمل الفعل و يقع تأكيدا عنه [ص 84] و اسما له و المشتق فرع المشتق منه كائنا ما كان بالغا ما بلغ فالفاعل و المفعول فرعان للمصدر و المصدر فرع الفعل و الاصل اسبق وجودا من الفرع و الا لماكان الاصل اصلا و الفرع فرعا فالفعل متأصل سابق لايحتاج في وجوده الي المصدر و ان احتاج في ظهوره اليه فانه محله و مظهره و المصدر لايحتاج في وجوده الي الفاعل و المفعول لانه متأصل بالنسبة اليهما سابق قائم بالفعل قيام الصدور و هو موجود و الوصف اي الفاعل و المفعول محتاج الي المصدر متأخر عنه لانه فرع له فاذا رتبة الوصف متأخرة ذاتا عن المصدر و الفاعل بنفسه ايضا مقدم علي المفعول لان الفاعل حكاية الذات و صفتها و المفعول حكاية نفس المصدر و صفتها فالفاعل كائنا ما كان بالغا ما بلغ اعلي رتبة من المفعول الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض فخلق الله المشية بنفسها و هي الفعل اول ما يوجد ثم يظهر منه المصدر و هو الشبح المنفصل و هو الاثر من حيث انه اثر و هو علي هيئة حركة المؤثر و صفته بلا تفاوت و لايحكي الا نفس الفعل و لذلك يقع تأكيدا عنه فاذا وقع الاثر و كرر الفعل و اكد به حصل الفاعل و المفعول لان الفاعل هو الظاهر بالاثر و الظاهر بالاثر هو الاثر الظاهر لا غير فلا ظاهر في عالم الظهور الا نفس الظهور لا من حيث هو هو بل من حيث ظهوره للغير و هذا الحيث وصفه تابع له متأخر عنه الاتري ان الضارب هو الظاهر بالضرب و الظاهر بالضرب هو الضرب الظاهر فانه لا ظاهر الا الضرب الا ان الضرب من حيث هو ضرب ليس بظاهر و انما هو محض فناء من نفسه و ظهور لضرب فان الاثر من حيث هو اثر ليس الا حكاية فعل المؤثر فالضرب من حيث هو مصدر و اثر و حكاية و تأكيد ليس الا الفاني من نفسه الباقي بضرب الموجد له فالضرب من [ص 85] حيث نفسه ليس بظاهر و انما هو غايب خفي و ليس الا ضرب الفعلي فهو من حيث الظهور بالضربية ادون درجة من حيث الاثرية و المصدرية للفعل لان الضارب يري نفسه ما لايريه الضرب و الضرب اشد اضمحلالا عند ضرب من الضارب و اما المضروب اي المجعول ضربا فهو و ان كان الضرب من حيث نفسه الا انه من حيث نفسه الماهيّي لا الآئي الاثري و هذا الحيث منه متأخر من حيث كونه ظاهرا بانه ضرب و ضارب فاذا ظهر الذات بالضرب فبظهورها به جعلته ضربا و لولا ظهورها به لميكن هو هو اذ ليس الا نفس ظاهريتها فالمفعول كائنا ما كان فرع الفاعل كما قال الرضا عليه السلام الفاعل مقدم علي المفعول و الفاعل كائنا ما كان فرع المصدر و المصدر كائنا ما كان فرع الفعل و الفعل كائنا ما كان فرع الذات الظاهرة به له فيه فاذا يدور علي نفسه من حيث ظاهريتها لربها بالجملة الغرض من هذا التفصيل ان المشتقات من عرض واحد و بعضها مترتب علي البعض كما عرفت و ان قلت فما بالنا نري المقبول فوق القابل و امثال ذلك مما يكون الفاعل هو الادني و المفعول هو الاعلي فنقول لا بد من شق هذا الشعر ليتبين الامر فنقول هل المقبول هو نفس الوجود من حيث هو وجود او وصف الوجود بل هو وصف الوجود و القابل هل هو نفس الماهية او وصفها بل هو وصفها فاذا ذات الوجود العليا ليست بمقبولة حتي يلزم النقض و انت لاتشك ان الماهية تقبل الوجود قبولا و لاتشك انّ تقبل فعلها و اثرها و دونها و قبولا اثر صادر عن فعلها تقبل فهو دون تقبل يقينا و القابل هو الظاهر بالقبول فهو بعد تعين القبول بالقبولية لا حين اضمحلاله في جنب العالي فالقابل هو دون رتبة المصدر من حيث صدوره عن الفعل فالمفعول الذي هو المقبول اما يراد منه المفعول المطلق او المفعول به [ص 86] فان كان المراد المفعول المطلق فهو نفس قبوله الذي هو اثر فعله و ان كان المراد المفعول به فهو ايضا نفس القبول من حيث ارتباطه بالمفعول به فان المفعول به ايضا ليس نفس من يظهر عليه الفعل الا من حيث الشبح الواقع عليه فلما رأيت عليه الشبح و رأيته في الشبح سميت الشبح من حيث اقترانه به و ذكره فيه مفعولا به فالمفعول به هو الذي فعل المفعول عليه و جعل فيه فالمفعول هو الضرب و لا بد له من مظهر يظهر به فظهر علي عمرو لا من حيث نفسه بل من حيث اقترانه بذلك الضرب فعمرو المفعول به هو عمرو الظاهر بقبول الضرب و ليس قبوله الضرب الا في الضرب فالمفعول به ايضا هو الضرب لكن من حيث اقترانه بمحل بالجملة الماهية قابلة لظهور الوجود لها بها في رتبة ظهورها الذي هو القبول و مقبولية الوجود بعد قبولها بقابليتها فالوصف القابل الذي بعد قبولها وصف الماهية و الوصف المقبول الذي هو بعد القابل وصف الوجود و القابل قابل هذا المقبول و المراد هو الوجود المقدم فالمقبول كائنا ما كان فرع القابل لانه لولا القبول لميكن مقبولا و لكن القابل يظهر بالقبول من حيث الاعلي و المقبول يظهر في القبول من حيث نفسه فوصف المقبول تحت وصف القابل و لكن ذات المقبول اعلي من ذات القابل و لا غرو الاتري ان المصدر يحكي الفعل و اسم الفاعل يحكي الذات و الفاعل دون الفعل و الذات فوق الفعل قال تعالي هن لباس لكم بحسب الذات و انتم لباس لهن بحسب الصفات و كذلك المتقدم في الوجود يتأخر في الظهور و لا عجب فان قلت فعلي ذلك كل مفعول متقدم علي كل فاعل ذاتا قلت لا شئ متقدما علي الذات القديمة فان ظهرت بالفاعل فالمفعول دونه و ان ظهرت بالمفعول فالفاعل دونه بالجملة الذي اردنا بيانه من هذا التفصيل ان تعرف ان [ص 87] المعبود الكوني ما يقع عليه وصف عبادة العابد كما ان المضروب من يقع عليه وصف ضرب الضارب و ما لميصاقع المضروب الضارب لايقع عليه ضربه فلايكون مضروبا فما لميصاقع الآمر الذي يتوجه اليه الممتثلون و يسير اليه السائرون الاكوان الممتثلة لامره السائرة اليه لميتحقق الامتثال و الانقياد له فعلم من ذلك ان الله سبحانه خلق كل موجود بِآمر ظاهر في رتبته مصاقع له يمكنه الاتصال به و الاصغاء عنه و التوجه اليه الاتري ان الله يموج البحار بالرياح و يثير الرياح بالبخار و يزجي البخار بالنار و يهيج النار باشعة الكواكب و هكذا ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و لايكلف نفسا الا ما آتيها اي عرفها و الظاهر لكل شئ بالآمرية هو العلامات و المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و يرجع جميع ذلك الي السبب الاعظم و الامر المطلق الظاهر للكل بالكل الذي قال انا الذات انا الذات في الذوات للذات و قال انا الآمل و المأمول فاشهد ان كل معبود مما دون عرشه الي قرار ارضه السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهه الكريم فانه اعز و اكرم و اجل و اعظم من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي القلوب الي كنه عظمته فالله سبحانه الذي لا ظهور الا ظهوره و لا نور الا نوره و لا تعطيل لمقاماته و علاماته هو المعبود الحق و المطاع المطلق وحده لا شريك له ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك الدعاء ، فكل الاكوان موحدون في العبادة بلسان واحد يعبدون الله الواحد قل انما امرت ان اعبد الله و لااشرك به ، فمن كان يرجو لقاء ربه فلايشرك بعبادة ربه احدا ، فهذا هو التوحيد العبادي الخالص التكويني فتبصر راشدا موفقا .