المطلب الاول - في توحيد الذات و المراد الذات الواحدة لا الذات الاحدية جل شأنها فانها لاتوحد و لاتعرف لانه تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و كل معروف بنفسه مصنوع و كل [ص 32] قائم في سويه معلول و في هذا المطلب فصول :

فصل - اوضح الادلة و اشرفها و ابينها علي وحدة الازل جل شأنه الرسل و الانبياء الذين هم برهان الرب و الكتب المنزلة من السماء و لا دليل اوضح من ذلك و ابين عند اولي الالباب فانا بعد ما نظرنا في ان الانبياء قاموا بين ظهراني العباد قبال الرب القديم القادر القاهر المطلع الحكيم و ندبوا العباد الي وحدة الازل جل شأنه و منعوا الناس عن الشرك و حكموا بكفر المشركين و نجاستهم و استحلوا قتلهم و نهبهم و سبوا شركائهم و قالوا انهم و شركاءهم حصب جهنم و امروا الناس بقتالهم و اسرهم و نهبهم و قد قررهم الصانع الحكيم القادر القاهر علي ذلك و اجري افعاله علي ايديهم و اقواله علي السنتهم و صدقهم و اعلي كعبهم و اعلن امرهم و افلح اتباعهم و ابلج منهاجهم و اظهر حجتهم عرفنا انهم صلوات الله عليهم صادقون في دعوتهم محقون في نبوتهم و ان الصانع جل شأنه واحد متوحد و لو كان لنا اله آخر لارسل الي عباده رسله و منع المفسدين في ملكه و الراجعين عباده عنه باعلان كلمته و اظهار حجته و ابلاغ دعوته و اعلاء امره و نصب بين عباده قواما بامره القائمين مقامه لابلاغ حجته و الحكم بين عباده و اظهار حكمته و لم‌يكن من الحكمة ترك الخلق مهملين بلا راع و السكوت عن المفسدين عليه امره الشاتمين اياه و ليس لاحد ان يقول انه لم‌يفعل ذلك لاجل انه غني فان الرب كما يكون غنيا يجب ان يكون حكيما فلما خلق الرعية يقتضي الحكمة ان يخلق فيهم راعيا و لما خلق الجهال يجب ان يخلق فيهم عالما و لما خلق خلقه مدنيا مع الاختلاف الكثير بينهم المؤدي الي فنائهم و بوارهم يجب ان يخلق من يجمع شملهم [ص 33] و يحكم بينهم و يجمع امرهم علي التوافق و التمدن حتي يعيشوا الي ان يبلغ الكتاب اجله فلما رأينا ان الرب الواحد اله الانبياء و الرسل بعثهم لان يدعوا العباد اليه و ينزلوا العذاب علي من خالفهم فغرّق الكل يوما و احرق بعضا و قلب الارض علي بعض و اهلك بالريح بعضا و بساير انواع العذاب و ينهوا عن اتخاذ الانداد و الشركاء فنهوا و سبوا الآلهة من دون الله و قتلوا اتباعهم و اسروهم و نهبوهم و لم‌يأتنا دعوة اخري و لم‌يقدر احد علي دفعهم عرفنا ان الهنا الواحد الحكيم القادر القاهر صادق و انه اجل عن الكذب و الجهل و عرفنا انه لو كان جماعة آخرون لماكانوا يسكتون و ان سكتوا تصديقا فصدق الصانع و الرسل و ان سكتوا خوفا و عجزا فكفي بهما ذلا فهم ليسوا الا عبادا مقهورين مغلوبين و ان قيل انهم سكتوا استغناء قلنا انه لايوافق الحكمة بعد الخلق فتبين و ظهر انه لو كان لنا آلهة اخري لأرونا آثار ملكهم و اتتنا رسلهم و بلغتنا حججهم و لعرفونا انفسهم فاذا لم‌يأتنا غير براهين الرب و رسله المتصرفين في السموات و الارض و العباد و البلاد عرفنا انما الهنا اله واحد فلو كان بعد ذلك فيهما آلهة الا الله لفسدتا لوقوع التنازع و الفساد بينهم بعد هذا الشتم و السب و الافساد عليهم و الصرف عنهم و اذا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض فدعوة الانبياء الي اله واحد مع تقرير الله سبحانه و تسديده اياهم اعظم دليل علي وحدة الحق بل لا دليل مثله في الاتقان و هو اولي بالاذعان من كل بيان و سيأتي في باب معرفة الانبياء ما يزيدك بيانا و يقينا .

فصل - ان الله سبحانه لما خلق عباده مختلفين في الطبايع و الافهام جعل [ص 34] علي نفسه ادلة مختلفة ليسكن عند كل دليل من يناسبه فلا كل احد يسكن الي كل دليل فلذلك احتاج العلماء الي ذكر ادلة عديدة علي المطالب لئلايبقي لذي حجة حجة فنذكر دليلا آخر للنفوس المرتاضة بالعلوم و شبهات الرسوم ، اعلم انه لايمكن فرض تعدد الآلهة الا مع فرض اختلافهم في الحدود و اتصاف كل واحد بوصف لايتصف به الآخر اذ لولا ذلك لماتحقق التعدد و جاء التوحد فاذا كل واحد منهم فاقد ما يجده الآخر فما يجده الواجد ان كان كمالا فالفاقد فاقد للكمال فهو ناقص و ان كان نقصا فالواجد واجد للنقصان و الصفات المتصاقعة كلها من عرض واحد مشتركة في النقصان فالمتعددون المتفقون في الصقع كلهم عبيد ناقصون و الرب غيرهم و فوقهم لايعد معهم فالذين ينفون التعدد و يثبتون الربوبية لواحد من المتعددين علي خطاء عظيم او ذكروه مداراة و الحق ان المتصاقعين كلهم عبيد و الرب هو الكامل فوقهم و اما الدليل علي ان الناقص الفاقد لكمال لايكون ربا ان الناقص قابل للزيادة و كل قابل للزيادة قابل للنقصان و القابل لهما غير قائم بنفسه فيما هو عليه بل هو ممكن حادث منفعل فالمتعددون حوادث و الرب لايكون الا واحدا و الصفات المتصاقعة متجانسة و كمالاتها اضافية لاتجدي فخرا و علوا فافهم ان كنت تفهم .

فصل - لو كانت اشخاص عديدة لكانت متميزة بالبداهة و لكان بينها ما تشترك فيه اذ لو لم‌يكن بينها جهة الاشتراك بالكلية لكان غير واحد منها معدوما بالكلية او حادثا و هو المدعي و المفروض انها اشخاص عديدة تشترك في الوجود و تختلف في الصفات فكل واحد منهم مركب مما به اشتراكها و ما به افتراقها بالبداهة و كل مركب حادث باتفاق الحكماء و العلماء لان المركب [ص 35] محتاج الي اجزائه و هو غيرها البتة كما تري ان الاكسير الحاصل من اجزائه غير اجزائه اذ كل واحد من اجزائه ليس باكسير و لايعمل عمله فالمركب غير الاجزاء بداهة و مفتقر الي الاجزاء بداهة فانه حاصل منها و قائم بها و المفتقر الي الغير غير قائم بنفسه البتة فليس بواجب ازلي فجميع المتعددين حوادث و الرب غيرها و واحد فوقها و الشبهة المعروفة من ابن‌كمونة لاتتمشي علي مذهبنا لان الذهن لاتنتزع عن شئ ما لايجده فيه و لولا ذلك لصح انتزاع كل شئ عن كل شئ و لايصححه احد فانتزاع الوجود منهما فرع كونه في الخارج فجاء التركيب عند اللبيب هذا و ان كان في الواقع لا وجود خارجا فالحقيقتان الفصليتان ● معدومتان في الخارج فارتفع النزاع و لا شبهة و ان كان وجود لهما مشارك بينهما فجاء التركيب المستلزم للحدوث .

فصل - ان كانت اشخاص متعددة لكان كل واحد منها مركبا و لايعقل التركيب الا من جزئين فصاعدا فاقول الجزءان قديمان او حادثان او احدهما قديم و الآخر حادث فان كانا حادثين لايتولد منهما قديم و ان كان احدهما حادثا و الآخر قديما فكذلك و ان كانا قديمين تركبا بالممازجة و الاحالة و الاستحالة و كسر السورة ام لا فان تركبا كما ذكرت فجاء الحدوث و عرض كل واحد منهما الفناء و الزوال و لايتولد القديم من حادثين فانيين و ان لم‌يتركبا بالمزج [ص 36] و الاحالة و الاستحالة فهما شخصان مستقلان و هو خلاف الفرض الاول و ننقل الكلام اليهما اذا استدعي الخصم و لايقف علي حد و في كل درجة يبطل فرضه ثم نبطل تجويزه اللانهاية بالادلة السابقة .

فصل - كل شئ موجود في مكان وجوده و زمان شهوده و مقام حدوده و معدوم في غير ذلك الحد فزيد مثلا موجود في المشرق معدوم في المغرب او موجود في الارض معدوم في السماء او موجود في وقت معدوم في وقت و هكذا و هذا معني كونه موجودا و كونه معدوما و ليس وجوده بواجب يمتنع عدمه فان عدمه ايضا ممكن موجود و ليس عدمه بواجب لان وجوده ممكن موجود و انما صارت الممكنات ممكنة لامكان وجودها و عدمها و عدم امتناع واحد منها فلو فرض فارض اشخاصا متعددين و سماهم قدماء نقول له اليس كل واحد من هذه المتعددين موجودا في حده معدوما في غير حده كما بينا و لو لم‌يكن معدوما في غير حده لكان الكل واحدا و هو خلاف الفرض فاذا فرضت التعدد و الامتياز فكل واحد منها موجود في حده معدوم في غير حده البتة فكل واحد يمكن ان يتصف بالوجود و يتصف بالعدم و ما كان كذلك فهو حادث و ليس حادث معدوما في حد هو موجود فيه و انما كل حادث موجود في حد معدوم في حد آخر و سبب حدوثه و امكانه اتصافه بالامرين و ان قال قائل ربما يجب ان يكون في حده موجودا و يجب ان يكون في غير حده معدوما نقل له كل ذي حد فوق حده مهيمن عليه لا محالة و ليس في صقع حده فهو نسبته الي حد وجوده كنسبته الي حد عدمه بلا تفاوت و لذلك يوصف بهما علي حد سواء فهو ممكن الاتصاف بهما و لايجب اتصافه بواحد دون الآخر و هذا معني الامكان لا غير .

[ص 37] فصل - ان كانت اشخاص متعددة لكانت متميزة و المتميز موصوف بصفة لايتصف بها الآخر و الصفة غير الموصوف و الموصوف غير الصفة و الصفة و الموصوف مقترنان و الاقتران انفعال عند فعل القارن لهما هذا و الاقتران قائم بهما لا بنفسه بالبداهة فهو حادث لايحل بالازل الممتنع من الحدث فالمتعددون الذين عماد تعددهم الحدوث حادثون بالبداهة .

فصل - ان كانت اشخاص متعددة لكانت متميزة موصوفة و الصفة مأخوذ في مفهومها القيام بالغير و التابعية للموصوف و لولا ذلك لكانت وجودا مستقلا كساير الذوات فاذا كانت قائمة به تابعة له فرعا لوجوده لاتكون ازلية واجبة قائمة بنفسها فكل صفة حادثة لا محالة فالتعدد الذي مناطه الصفة حادث و كذا الوجود المتصف المقترن بها حادث لانها جهة انفعاله و قبوله اثر فعل الفاعل فيه و من امكانات ذاته فكل موصوف كائنا ما كان بالغا ما بلغ حادث هذا و مصنوعية كل موجود موصوف من البديهيات الفطرية لاتحتاج الي دليل و الحمد لله و لا معني للمصنوع الا ما اخرج حد من حدود ذاته المستجنة فيها الي الخارج فمهما ادركت الصفة لم‌تتجاوز حد المخلوق و اني لك بالتجاوز عنه و قد قال علي عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و قال ابنه الصادق عليه السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة نعم اذا بطل الامتياز و محق المجاز يمكن ان تصل الي ما شاء لك من تعريفه و تعرفه فترقب .

فصل - اريد ان ادلك علي معرفة ربك و لم‌اكتبه الي الآن في كتاب و لم‌اجره في خطاب و لكن اذكره هنا ابتغاء لوجه الله الوهاب و به المستعان و منه البدء و اليه الاياب . تدبر في سكين و مسمار مثلا و تفكر هل هما من [ص 38] حديد ام لا و الحديد معدوم من ملك الله او موجود فيه و ان كان موجودا هل هو السكين فما المسمار او هو المسمار فما السكين او هما جميعا و هما اثنان يقينا او شئ فوقهما احدي فان كان شيئا فوقهما احديا فتفكر فيه و في الذهب او ساير المعادن و تعرف المعدني فاذا عرفت المعدني مثلا تفكر فيه و في الجبل مثلا و تعرف الجسم الطبيعي فاذا وجدته تفكر فيه و في السماء و تعرف الجسم المطلق و هكذا تفكر في كل شئ مع قسيمه و تعرف المطلق الظاهر بهما الي ان تصل الي اول المطلقات الذي هو الوجود المقيد بالاطلاق اي بشرط لا ثم تعرف اللابشرط اي الآية المعبر عنها بالوجود الحق و هو الاحد البسيط الظاهر به و باطلاقه و كل ما عرضك في نظرك و سيرك اضافة او ربط او صفة او اشارة خفية او توهم امحه بملاحظة الظاهر الاعلي حتي لم‌يبق لك شئ مما يمكن ان يميز او يشار اليه و تجد مع ذلك طمطاما لايساحل و يمّاً لايساجل و ذاتا احدية لاتثنّي و لاتجزّا و لاتوصف و لايشار اليها و لاينسب اليها و لاتنسب الي شئ و لايرتبط بها شئ و لاترتبط بشئ و لايشبهها شئ و لاتشبه شيئا و هكذا تجده كما نعت لايخالفه حرفا فحينئذ ينكشف لك سبحات الجلال من غير اشارة و يمحي الموهوم و يصحي المعلوم و تجذب الاحدية صفة التوحيد و يهتك الستر لغلبة السر فان وصلت الي مقام لم‌تر شيئا غيره فقد وصلت اليه و الا فانت مغمور في تلاطم امواج يم الاوصاف و تراكم سحائب مكفهرات الاتصاف محجوب بحجب الميز و الظهورات مطرود باسهم الحدود و الاشارات كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار ، سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم [ص 39] حتي يتبين لهم انه الحق او لم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و حضرتك ، الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شئ محيط ، متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك فسبحان من لا دليل سويه يدل عليه و لا ظهور لغيره يظهره ، لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته ، اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر فهذه الجملة كافية لمن كان له نور و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور و هذه الشارعة التي شرعتها لك ان مشيت فيها باقدام النظر و الاعتبار وصلت الي صحو بلا غبار و تستغني عن هداية الاغيار لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار فتدبر و افتهم و ان فهمت فاغتنم .

فصل - كل شئ يجزّا يكون اجزاؤه مركبة من جزئين من مادة و صورة هي غير مادتها و مادتها ايضا غير صورتها فتعرضها الصورة فتخصّصها و اما اذا كان الشئ و ليس معه غيره بل ما سواه ممتنع فاني يحتمل فيه التثنية و التجزية و قد اريتك حيث اسريتك من حضيض الكثرة الي اوج الوحدة احدا قد طوي المحدود و الحدود و الذوات و الصفات و المواد و الصور و الحقيقة و المجاز و المعني و الصورة و الغيب و الشهادة و المجرد و المادي و العالي و الداني و كل تمييز و مميَز و مميِز فاني يحتمل فيه التعدد و التجزّؤ و التثني و هو موجود مستعل علي الكل ثابت دائم ازلي و كل متكثر او متوحد دونه فهو منه و اليه و له فبطل ما كانوا يؤفكون ، و تعالي ربي عما يشركون ، و سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، [ص 40] و لايدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير ، و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير ، و اريد ان انبهك علي ما لايتنبه عليه الا اولوا الالباب و لكن علي نحو ضرب الامثال اعلم ان كل شئ يوصف بما هو عليه فان وصفت دارا وصفتها بان بناءَها كذا و بيوتها كذا و فيها عليات كذا و قصور كذا و ابواب و رواشن كذا و سطح كذا و حياض و جداول و بئر كذا و تصف الكل علي ما هو فيها و اما اذا وصفت ارضا قفرا تصفها بانها ليس فيها بناء و بيوت و عليات و قصور و فلان و فلان و تنفي عنها كل عمران و بناء يبني و ليس بانك جهلت الارض او لم‌ترها بل لاجل انك رأيتها حق الرؤية و الصدق ما تقول فمن وصفها بوصف الدور فقد جهلها و لو وصفت متخيلا تصفه بانه لايدرك بالبصر و لو وصفت معني تصفه بانه لايحيط به الفكر و لو وصفت حقيقة تقول لاتدركها عقول البشر و ليس انك تجهل هذه المدركات بل وصفتها كما وجدتها فكذلك قد عرف الله نفسه بانه لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار الي ساير ما ورد من التنزيه في الاخبار و كذلك عرف نفسه بنفسه لنفسه و لايعلم ما هو الا هو بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لم‌ادر ما انت ، يا من دل علي ذاته بذاته ، اعرفوا الله بالله فوصف الحق للحق حق و للخلق خلق فهو هو لايقال يعرف نفسه اذ المعرفة وجدان بعد فقدان و هو لايفقد نفسه و انت تعرف آيته سنريهم آياتنا الآية ، فبذلك اصفه بالاحدية و التنزيه و كذا اجد في نفسي و انزهه عما اثبت فيه الملحدون العادلون بالله تعالي عما يقولون علوا كبيرا .

فصل - ما اجهل من وصف ربه بانه كل الاشياء فان توجه الي احديته [ص 41] و محا الاغيار و صحا عن الاحد بلا غبار و جذب الاحدية صفات التوحيد حتي عرف الاحد و توجه اليه و قصد فاين يجد وصف الكلية و كثرة الاشياء و قد طوي الكل و الكلية و الكثرة و الشيئية طي الامتناع و ان كان يجد وصف الكلية و كثرة الاشياء فمن اين يجد الاحدية و البساطة قد ضلوا كثيرا و اضلوا كثيرا عن سواء السبيل بالجملة ان كان يمتنع مع ذاته غير ذاته فاين وصف الكلية و الاتصاف و الاقتران و ان كان يمكن مع ذاته غيره فقد بطل القدم و جاء الحدوث فاقول كما قال الرضا عليه السلام سبحانك ماعرفوك و لاوحدوك فمن اجل ذلك وصفوك سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك سبحانك كيف طاوعتهم انفسهم ان شبهوك بغيرك الهي لااصفك الا بما وصفت به نفسك و لااشبهك بخلقك انت اهل لكل خير فلاتجعلني من القوم الظالمين انتهي ، و ان قيل انه تعبير عما في النفوس بانه لا شئ سواه و هو هو وحده ببساطته فمن اين جاء هذه الكثرات الخلقية و الاختلافات الواقعة فان قيل انها محض اعتبار فمم هذه الآثار بالجملة فقد خبطوا خبط عشواء و اتوا بشوهاء خرقاء .

فصل - و كذا ما اجهل من جعل الله ثالث ثلثة ● بل خامس خمسة مع ان المقسم في الاقسام معتبر و المميز فيها مستقر فقد جاء التركيب و بطل التوحيد تعالي عما يقولون علوا كبيرا و ان كانوا يجعلون المقسم من المعقولات الانتزاعية علي زعمهم فنقول ان كان الانتزاع بلا مناسبة فانا انتزع من انسان انه [ص 42] حمار فلم تكذبني و ان كان مع مناسبة فقد حصل له في الخارج ما ينتزع عنه و هو سبب التركيب هذا و مع عدم منشأ الانتزاع يلزم عدم الاقسام اذ ليس بين النفي و الاثبات منزلة .

فصل - اعلم كلية لست تراها تخالف في موضع واحد بل هي جارية في جميع المواضع و هي من الابواب التي يفتح منها الف باب و هي ان الالفاظ الظاهرة تعبيرات عن صور نفسانية هي تجسمات المعاني العقلية التي هي تعرفات الحقايق الالهية و تلك هي خزائنها التي تنزلت منها ان كانت صدرت من شاعر متنبه اراد بها قصدا و الا فهي اجساد لا ارواح لها كهذيان المريض و النائم و لايعبؤ بها و لايصغي اليها و لايجاب عنها فكل ما اخبرك به مخبر فهو مما وصل اليه بنفسه او عقله او حقيقته و شاهده و اطلع عليه و الا لم‌يقدر علي التعبير عنه او كان هذيانا لايصغي اليه فلايأتيك آت الا بما عنده و لايعطيك الا ما وجده و كذلك كلما طرق سمعك يمكنك الوصول اليه كائنا ما كان بالغا ما بلغ فان الطارق سمعك ليس الا من جنسك فمانزل الا من حيث نزلت و لايصعد الا الي حيث تصعد فكلما كلمت او كلمت به يصاقعك في مراتبه و منازله من حقيقته و معناه و صورته الذهنية و لفظه ثم مدلوله و مفهومه و مراده و مصداقه و ما ليس في حدك لايمكنك التوجه اليه و قصده و ارادته بل و لا الاشارة اليه بحضور و لا غياب و لا بنحو من انحاء الاشارة و لا بخائنة الاعين و ابهم الكنايات و اغمض العبارات و لو بالاشارات العقلية في ادق معانيه اذ من المحال ان تشير الي ما ليس في صقعك او تدرك ما ليس من جنسك فذو الجهة لايقدر ان يتوجه الي المنزه عن الجهة و ذو الرتبة يعجز ان يقصد او يريد الخارج عن الرتبة و لو بادق [ص 43] ارادته فهو من حيث ذاته هو هو لا حاجة له الي معرفة نفسه و اما خلقه فرجع من الوصف الي الوصف الا ان الغايب عن درك الحواس وصف نفسه لك بك بنحو ما تقول و فيك مصداق جميع ذلك و المراد منه ان كنت تفهم ما تقول و الكلام الحق ان كنه الذات القديمة لايعرفه بما هو الا هو و اما غيره فكل ما يقول فيه اوصاف و نعوت و تجليات و سبحات و مظاهر فمن عرف مواقع الصفة من غيره سبحانه بلغ قرار المعرفة و اما هو تعالي قدره فيعرف نفسه بنفسه لا بصفة و معرفة اخري و القول الفصل انه هو هو لا اله الا هو فان اردت التعبير الحق فاتبع ما وصف الله نفسه به في كتبه و سنن انبيائه و استشعر ما تقول و ان عدلت عنه وقعت في الهذيان و اكتسبت الخسران و القوم ان ذاقوا حلاوة التعبيرات الالهية و مطابقتها للواقع لماعدلوا عنها الي تعبيرات منحرفة عن الحق الواقع و لكنهم عجزوا عن دركها و راقهم زبرج كلمات اليهود و النصاري فحسبوها ماء و ان هي الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء و خلاصة المقال كلام الولي المتعال انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فكلما حققناه او حققه المحققون فمما قرأناه في حروف انفسنا و رأينا في مراتب ذواتنا فلايتجاوز شئ مبدأه و لايقصد شيئا يمتنع هو فيه و لكن الناس ابعدهم عن درك الحق القياس و وقعوا بذلك في التباس فزعموا الباطن كالظاهر من كثرة الارتماس فحسبوا الباطن الاعلي كاعلاهم و الغايب كغايبهم و جوزوا الاشارة اليه كما جوزوا الاشارة في الظاهر و غفلوا عن ان لهم نفسا اعلي من ذلك الاعلي محيطة بذلك الغايب فلم‌يعبروا الا عن مشهودهم و لم‌يشيروا الا الي ما يصاقعهم فافهم ان كنت تفهم و الا فلاتفسدنها و اعط القوس باريها .

[ص 44] فصل - الوحدة المرادة في توحيد الذات القديمة هي الوحدة الاحدية البسيطة الممتنع معها سويها عينا و كونا و امكانا و اثباتا و نفيا و حقيقة و اعتبارا علي متفاهم القوم و نجد ذلك كذلك بعين الله تعالي التي فينا ليس من حيث جرنا الدليل و الزمنا البرهان حتي يحتمل ان يخدش فيه و قد اسمعتك تغريد الورقاء علي الافنان بفنون الالحان ان كنت ذا آذان و لان الاعتبار ان كان مما لا حقيقة له فليس به اعتبار و القول بانه لولا الاعتبارات لبطلت الحكمة جار في حكمتهم لا حكمة آل‌محمد عليهم السلام فهي بكلها حقايق واقعية خارجية فما لا واقع له لا اعتبار فيه و اما النفي فهو فرع الاثبات و هو شئ لان النفي البات لا تعبير عنه و ما له تعبير موجود و الممتنع لفظ موجود لمعني موجود تصوره الافهام الناقصة و كأنها سمت وجودا بالعدم ارتجالا و فراغ البيت شئ و هو ليس وجود زيد فيه فالنفي شئ و اما الامكان و الكون فقد حققنا وجود المعاني المصدرية في الخارج و الا فلا اختصاص لمعني بشئ فالاحسان اذا اساءة و النصر خذلان و ان كان في الحقايق ما يخص بها معني دون معني فهو المطلوب و هو المصداق و بطل ما كانوا يعملون فاذا جميع ما ذكر شئ و يمتنع مع الواجب البسيط اذ لو تصاقعا لتمايزا و لتركبا و لحدثا و هو خلاف المفروض فاذ لم‌يكن معه شئ و قد طوي الكل بالامتناع فهو احد حق و كل ما لم‌يمتنع فيه فرض نحو من انحاء الكثرة فهو حادث و اما القديم فانه لايفرض فيه شئ من ذلك و يمتنع فهو احد قد طوي باحديته جميع الفروض و الحيوث و الجهات و الاعتبارات و الذوات و الصفات و المحدودات و الحدود و الاشارات و الاحتمالات و الافعال و الآثار و الاغيار طيا يمتنع معه ذكر شئ منها اني و كلها ظهوره قائم [ص 45] بامره و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و ليس مرادي من عدم تجزيه صغره المانع عن التجزؤ بل هو واسع احاط بما سواه علما و قدرة بل علي معني عدم كون وصف معه يصير صفة تجزيه و انطواء كل وصف تحته فافهم فقد لاح الصباح و استغنيت عن المصباح .

فصل - ما افحش خطاء الذين يقولون ان واجب الوجود كلي امتنعت افراده ماخلا الواحد اذ نسألهم ان هذا الواحد عين واجب الوجود من كل وجه فما الفارق او غيره فمركب مما هو به منه و ما هو به غيره و هو وصف الجزئية فهو حادث و الجزئيات ظهورات الكلي و الكلي كلي بصلوح تلك الظهورات فيه فان كانت تمتنع فبم عرف كليته و الواجب بسيط ام مركب فان كان بسيطا فكيف وصف بالكلية و ان كان مركبا فهو حادث و ثانيا هو فوق الواحد او معه او دونه فان كان دونه فالواحد ليس بظهوره و جزئه و ان كان معه و عينه فهو الواحد او غيره فبينونته عزلة و هو جزئي مثله و ان كان فوقه و هو شئ خارجي فالواحد خلقه و ظهوره و حادث و لا اله الا الله و ان لم‌يكن امرا واقعيا فالله ليس بواجب ما لم‌يفرضه فارض و ليس اعتبار الوجوب اولي به من اعتبار الحدوث و ان كان له خصوصية فهو المصداق و افحش منه قول الزاعمين ان شريك الباري كلي ممتنعة الافراد ان كانوا يتكلمون هذيانا لايقصدون به شيئا فشأنهم و جوابهم السكوت و ان يريدوا ان يكونوا من زمرة العقلاء فشريك الباري شئ و لو في الذهن ام لاشئ مطلقا فان كان لاشيئا مطلقا فكيف يحكمون عليه بالكلية و العدم البحت البات لايصير كليا و لا جزئيا و ان كان شيئا ذهنيا فهل هو حادث قائم بالغير و لو بك او قديم قائم بنفسه و لا ثالث فان كان قديما تعدد القدماء و لم‌يختص [ص 46] بذهنك و ان كان حادثا قائما بك فكل شئ سواه قائم بامره ، و الله خلقكم و ما تعملون فهو حادث من خلق الله سبحانه الا ان امكنة الخلق مختلفة فمنها ما هو مخلوق في الغيب و منها ما هو مخلوق في الشهادة و منها في نفسك و منها في جسمك بل و لما لم‌يكن ذهنك اول خلق الله ليس ما فيه مخلوقا بلا واسطة فما بينه و بين فعله سبحانه خزاين نزل عنها و كان فيها قبل ان يدخل ذهنك مخلوقا حادثا فاذا كان حادثا كيف يكون شريك الباري ثم علي زعمك لكل ما كنت تعتبره في ذهنك كان منشأ انتزاع فهل لشريك الباري منشأ انتزاع ثم الكلي ما يكون الجزئيات من صلوحاته و ظهوراته فهل المعدوم له صلوحات و ظهورات و هل وجود شريك الباري في ذهنك واجب او ممكن او ممتنع لا سبيل لك الي الاول و الثالث فالوسط هو و ذهنك موضع عقايدك و هل تعتقد جواز وجود شريك الباري و ذهنك في العالم و من العالم و ان كان لايضر هذا الاعتقاد فلاينفع الاعتقاد الحق و ان قلت انه ليس باعتقاد فانه خلاف الواقع قطعا فهو كذب و ان قيل فرض المُحال ليس بمُحال فذلك قول محال فان الفرض هل يحتاج في صدقه الي تصور المفروض ام لا و هو محض لفظ لا معني له فالثاني هزل و الاول يكون تابعا لشاخص خارجي فان الذهن كالمرآة لاينطبع فيه شئ الا من شاخص خارجي بالفعل او بالقوة و هو ثابت في الامكان منبسطا و يتقدر بقدر الذهن و ما لم‌يكن شئ في الخارج يؤخذ منه المادة لا شئ يلبس عليه صورة ما في الذهن و لو لم‌يكن ممكنا لماتعلق ارادتك علي ما لاتتعلق به ارادة الله النافذة و لماقدرت علي خلق ما لم‌يخلقه الله و لذلك روي انه لايقع شئ في ذهن احد الا و خلق الله مثله في الخارج لئلايقول احد هل يقدر الله ان يخلق مثل ذلك الا و خلق مثله بالجملة ففرض المحال [ص 47] محال و ايجاد ما لم‌يوجده الله ممتنع و شريك الباري ممتنع في الخارج و وجوده في الذهن ممتنع و كلية الممتنع ممتنع آخر نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .

فصل - ان الله سبحانه اختار في الاستدلال علي واحديته لاهل القيل و القال استدلالين يناسب باطنهما اهل الحال احدهما لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و الثاني اذا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض فنشرح الاول في هذا الفصل و الثاني في فصل آخر فنقول اما في الظاهر ان الآلهة المفروضة متعددة فمتميزة فمختلفة الطبع فمختلفة الاختيار فيمتنع امضاء الامر من احدها ففسدتا الا ان يغلب احدها الآخر و يكون المغلوب ساقطا و ينحصر الامر في الواحد و اما في الباطن فالاله ما يرجع اليه امر خلقه و يؤل اليه و لايكون الا بسيطا ، الا الي الله تصير الامور ، و اليه يرجع الامر كله ، و انا لله و انا اليه راجعون و قد اسرينا بك سابقا في هذه الدرجات فلو كان لهذه الكثرات آلهة متعددة بالشركة في الكل لكان يلزمها ان تدور علي اقطاب عديدة في كل آن بل تدور علي الوجود و العدم اذ المرجع بسيط فتكون موجودة معدومة في آن واحد و ان رضي الخصم بتركيبها فيلزم ان يدور الخلق في الآن الواحد علي الحالين المختلفين من كل حيث فيكون حارا و باردا من حيث واحد و جهة واحدة و في ذلك فسادها اي عدمها لان صلاحها بالكون و الوجود فافهم فانه مما لم‌يتنبه عليه احد الا من اخذ عن الله و عنهم سلام الله عليهم و قد كانت الآية تقرأ دائمة و لم‌تفسر كذا الا من عندنا و الحمد لله .

فصل - و اما الآية الثانية فهو فرض تعدد الآلهة مع فرض تفرد كل اله [ص 48] ببعض الخلق فيلزم من ذلك ظاهرا ان يذهب كل اله بما خلق و يمنع خلق الآخر عن الانتفاع بخلقه حيث ينكره خلق ذلك و يعاديه و يسبه و ينكره الاله الآخر و ينكره انبياؤه و يوعدونهم بالنار فيقع التعاند بينهم و التنازع و التعالي و التمانع كما ظهر و اما في الباطن فيقول اذاً لدار كل خلق علي قطب امر خالقه لان مصير كل خلق الي خالقه فيحدث التفكك و عدم ارتباط الخلق بعضه ببعض الاتري انه لو دار بعضها علي الوجود و بعضها علي العدم لفني ان كان الاله بسيطا و ان رضي الخصم بتركيبه فيلزم ان يقوم كل خلق بامر خالقه فلايؤثر خلق هذا في خلق ذاك كما لايؤثر نور هذا السراج في نور هذا السراج و انت تري ان الخلق يؤثر بعضها في بعض فالسفليات بعضها في بعض و العلويات في السفليات بل و بعض السفليات في العلويات و لايمكن ان يؤثر اثر في اثر الا ان يكون مؤثر الاثر الثاني اثر مؤثر الاثر الاول و تحته فلو كان فيهما الهة متعددة لذهب كل اله بما خلق و دار كل خلق علي قطب امر خالقه مستقلا مأمونا عن التفاعل عن غيره و لعلا بعضهم علي بعض اذا اراد تأثير خلقه في خلق الآخر و لتنازعا ظاهرا و اما باطنا لانه عند التمايز و الاختلاف يكون بعض الصفات اشرف من بعض و اعلي لا محالة مثلا اذا اختلفا في الجهة فالشرق اشرف من الغرب و الجنوب افضل من الشمال او في الرتبة فالعليا اشرف من السفلي او في الكم فالعظيم اشرف من الصغير او في الكيف فالحار اشرف من البارد و هكذا و انما ضربنا ذلك مثلا و الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فاذا جاء الاختلاف جاء التعالي و انما يتعالي الناس لاختلاف امزجتهم و يلزم ذلك ان يكون بعضها ادني من بعض فيكون بعضها مقهور بعض مستفيدا منه [ص 49] و المقهور ليس باله مستقل لانه حادث قابل للزيادة و النقصان فافهم راشدا فان هذين الفصلين فصلان جديدان جديدان و الحمد لله .

فصل - اعلم ان هنا مسئلة مهمة قد غفل عنها اكثر الخلق فحرموا عن ادراك اكثر المسائل احب ان انبّه عليها و هي ان الانسان انموذج هذا البنيان و فيه جميع ما في عالم الامكان و قد شهد بذلك جميع اهل الحكمة و العيان و كتبنا فيه رسالة اخري برأسها و الغرض ان الخالق الحكيم لما خلق الانسان انموذج هذا البنيان و جعل فيه من كل ما فيه شيئا فجعل لكل نوع من انواع الخلق في الانسان مدركا يدركه به بحيث لولا ذلك المدرك فيه حسب ذلك النوع معدوما لم‌يدخل عرصة الوجود مثلا جعل للانسان بصرا يناسب الاضواء فلايدرك الا الاضواء المنصبغة في بطون الكثيفات ذوات الاصباغ فلو لم‌يكن له عين لماادرك معني الضوء ابدا ابدا و كان عنده كالمعدوم و جعل له سمعا يناسب الاصوات فلو لم‌يكن له سمع لماادرك صوتا و كانت الاصوات عنده كالمعدوم و ان فتح عينه و امعن النظر و هكذا ساير الحواس فلو سد احد سمعه و فتح عينه و اراد تحاول مسائل الموسيقي و تمييز الاصوات و معرفة النغمات و الابعاد و اكثر البحث و الفحص و الرد و الجواب و الاعتراض و النقض لايكاد يدرك شيئا و لايزداد من الطريق الواقع الا بعدا فان النغمة لاتدرك بالعين ابدا و ذلك تكلف لايفيد له علما و لا عملا و كذلك لو فتح سمعه و اغمض عينه و اراد فهم مسائل الهندسة و النقوش فلايتعب الا نفسه و لايكاد يصل الي قليل و لا جليل من مسائله و كل ما يقوله كائنا ما كان باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و لو وافق بعض كلماته الحق لما اخذه تقليدا فلايكاد يفهم ما يقول و لا ما يقال له و هكذا [ص 50] للعالم انواع من الوجود غيبية لايدرك شئ منها بالحواس الظاهرة و لو سعي في تحديدها فانها ليست من عالمها و لاينطبع فيها اشباحها ابدا فلو لم‌يكن للانسان مدارك غيبية لحسب ان ما سوي عالم الظاهر و ظاهر العالم معدوم و ماكان يزعم ان ما وراء ذلك شئ فانعم الخالق الحكيم الرؤف الرحيم عليه بحواس باطنه و هي الخمسة المعروفة و الحس المشترك البرزخي حتي يدرك بكل واحد شيئا من تلك الانواع فانها كلها خلقت له و خلق لها فيدرك بالخيال صور الاشياء الغيبية الجزئية المقرونة بموادها و يدرك بالفكر صور النسب الحكمية و يدرك بالوهم بعض المعاني الجزئية المستنبطة من اقتران المتخيلات و يدرك بالعلم صور الاشياء المجردة الملكوتية و بالعقل معاني الاشياء الجبروتية الرقيقة و الحس المشترك يدرك الصور المثالية البرزخية بين الغيب و الشهادة و الرقائق و لولا احد هذه الحواس لحسب الانسان ذلك المحسوس معدوما مطلقا و ليس واحد منها يدرك بغير حاسته المخصوصة به ابدا ابدا فبما انعم الله عليه من تلك الحواس يدرك الانسان تلك الصور و المعاني الغيبية و قد انعم الله عليه بنفس يدرك بها حقايق الاشياء المجردة عن الكلية و الجزئية و المعنوية و الصورية و لولاها لماعرف ان للاشياء حقايق و لو سعي الانسان و امعن الفكر و الخيال مدي عمره ان يدرك حقيقة من الحقايق مات في القال و القيل و مثله مثل العميان و الفيل و لايفوز من دركه بكثير و لا قليل فعلي من رام درك الحقايق ان يفتح عين تلك النفس القدسية و ينظر بها في عالم الحقايق و يريها بعين غير حسيرة و يصل اليها بباع غير قصيرة ثم انعم الله علي الانسان مدركا آخر و هو العقل المعنوي الكلي النسبي و هو مدرك يدرك الانسان به حقيقة الامر المتعلق بالحقايق الموجد لها الذي يقوم كل ما سوي الله به و به [ص 51] يدرك وجوهه و رؤسه و سر الامر بين الامرين و مواقع صفاته سبحانه و معاني اسمائه فلو عاش احد عمر الدنيا و امعن النظر بغيره من الاعين و ادق غيره من الاوهام و المشاعر في معرفة امره و مشيته سبحانه و ارادته و قدره و قضائه و امضائه و اختراعه و ابداعه و سر الامر بين الامرين لايكاد يدركها ابدا لانه شبه طلب ادراك الاصوات بالبصر و الاضواء بالسمع و ذلك محال و انما الناس يحرمون عن درك المسائل لانهم لايفتحون مدرك فهم المسئلة و لاينظرون بعينها و لذلك تريهم يحصلون سنين عديدة و لايحصل لهم ضرس قاطع في المسئلة و لايدركون كنهها و يتعلمون الفاظا بلا ارواح و فوق هذه المدارك كلها مقام الغيب المطلق و العماء الحق و ما لا اسم له و لا رسم و لا تعبير عنه و هو مقام اعرفوا الله بالله به يعرف الله و لايعرفه غيره فلو عاش احد مدي ملك الله و طلب يمينا و شمالا و امعن انظاره و ادق افكاره و اغمض افهامه و ارق اوهامه و غاص في لجج فهمه مدي ملك الله لم‌يدركه و لم‌يعرف و رجع انظاره حسيرة و افكاره كليلة الاتري ان من مشي الي جهة المشرق مدي ملك الله لم‌يصل الي الله لان السير في الجهات و اليها و الله سبحانه فوق الجهات و لو دققت النظر الي آخر الابد لم‌تر الله فان النظر لايدرك الا اللون و الله ليس بلون و هكذا فلايعرف الله سبحانه الا به فمن رام معرفته بغيره لم‌يصل اليه و لم‌يدركه و ضل و غوي و هلك و هوي فان ما سويه حادث مدرك للحادث و هو غير الله سبحانه فيريد ان يثبت له القدم فالفطرة لاتقبل و يريد ان يثبت له البساطة فالفطرة تمتنع عن التسليم فلاجل ذلك يستمع كل دليل و لايسكن عند دليل و لو عجز عن رده و التزم به عنفا و لكن طبعه لايسلم ان ما تصوره بالخيال او ادركه بالفكر او الوهم او علمه او عقله [ص 52] او فهمه بحقيقته كذا يعني علي ما يسمع في الحق فلايكاد يسكن ابدا و يكون دائما متزلزلا حيرانا يتلجلج قلبه في صدره و يكاد يخرج من فيه و ان الله سبحانه لم‌يجعل الفطرة بحيث تتيقن ان الباطل حق و ماادركه بمشاعره و تصوره حادث و لايسكن قلبه علي انه قديم و لذلك تري الحكيم النحرير يتكلم بجميع انحاء الكلام و لايقاومه احد في جداله و كلامه و يستدل بكل دليل و يجيب عن شبهة كل ضليل و مع ذلك لايدعوه معرفته بربه الي تقوي و عمل و حب و رجاء و خوف من الله و لايحب بها اولياء الله و لايعادي بها اعداء الله و لاتنبعث نفسه و لاتشتاق الي مناجاة الله و عبادته و لايسكن نفسه علي ما يقول و يستهزؤ به في نفسه فذلك من جهة انه تعلم الكلام و ماعرف المرام و انما استعمل في معرفة الحق غير مدركه فلم‌تصدقه نفسه علي ما يقول فاذا اردت يا اخي الوصول الي المعرفة الحقة و اردت ان تصدق الادلة بالايمان الصادق فاستعمل لكل مسئلة مدركها و اعرف الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و اعلم ان الله اجل من ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به و اذا دارينا الخلق في تصديقنا اياهم بانهم عارفون فانما ذلك كتصديقنا بعض الاطفال علي ما يقولون و نعللهم حتي يكبروا و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و يجزي عنهم اذ لايكلف الله نفسا الا وسعها و جل المفاسد الواقعة بين العلماء و الاختلافات و الرد و الاعتراضات و التعاديات و التبريات لاجل انهم لم‌يعرفوا مدارك المسائل و لم‌يستعملوها في محالها فلذلك كثر بينهم الشقاق و القال و العلم نقطة كثرها الجهال فتبصر .

فصل - ما اجهل قوما قالوا بالاشتراك المعنوي في الوجود بين الله و بين [ص 53] خلقه و ما اسخف قول من قال بالاشتراك اللفظي فيه بينهما و كلا القولين خارجان عن قصد السبيل و الامر علي نحو لم‌يروه في كتاب و لم‌يسمعوه في خطاب و انما علمه مخصوص بعلماء اهل البيت عليهم السلام و لعل تفصيله مخصوص بهذا الكتاب فان اعرتني لبك لعلك تفوز بما فزنا و الا فلاتخض فيه فانه من باطن الباطن و ليس حظ كل من نطق بالعلوم و ضبط الرسوم اما وجه بطلان الاشتراك المعنوي فان من البين ان المشترك المعنوي ان يكون اللفظ موضوعا علي حقيقة مطلقة من غير ملاحظة القيود الجزئية ثم يستعمل في كل فرد لاجل ما فيه من المثال الملقي فيه الغالب علي تلك القيود علي نهج الحقيقة و قد علمت ان القديم جل شأنه ليس فردا من مطلق و الا كان مركبا فبطل القول بالاشتراك المعنوي رأسا و اما الاشتراك اللفظي فقد علمت انه يتحقق اذا وضع لفظ لفرد خاص ثم وضع ذلك اللفظ علي فرد آخر لا بملاحظة مناسبة بينه و بين الفرد الآخر و المفروض هنا خلافه فان الذي يقول الله موجود ثم يقول زيد موجود يجد بينهما مناسبة لاجلها صح في حق كل واحد انه موجود و لو وجدت تلك النسبة في عمرو لقال في حقه ايضا انه موجود و يعلم انه ليس من محض اتفاق المشاركة في التسمية قطعا و كذلك ليس الوجود بين الله و بين خلقه من باب الحقيقة و المجاز لوجود علائم الحقيقة فيهما معا بلا شك و لا ارتياب و ليس علي احدهما من باب النقل لانه يصدق علي كل واحد باصل الوضع بالبداهة و بالسوية بلا قرينة و ليس صدقه من كثرة الاستعمال و الغلبة و ليس من باب الارتجال لملاحظة النسبة بالبداهة فتبين و ظهر ان اطلاق لفظ الوجود علي الله و علي الخلق ليس علي وجه من هذه الوجوه فمن ذلك تحير العلماء فيه و لم‌يعلموا المخلص منه [ص 54] و لنا في ذلك تحقيق شريف لايعرفه الا الخصيصون و طال ما نطق به مشايخنا اجمالا و لم‌يعرفه احد من اصحابنا الا الاقلون و لما كان هذه المسئلة من مباحث الالفاظ و غير هذا المقام اليق بها لان هذا الكتاب مقصور علي المعاني لايليق تفصيلها هنا و به نخرج عما نحن بصدده و لكن لا مانع من الاشارة بواضح العبارة فنقول و لا قوة الا بالله اعلم ان الذات حيث هي ليست الا هي و هي بنفسها في نفسها لنفسها ليست تحتاج الي ان تدعو نفسها او تطلبها فانها لاتفقدها و لاتحتاج ان تدعوها فهنالك لا اسم لها و لا رسم و اما عند غيرها فان كان اعلي منها فهي بما هي عليه احضر عنده من حضورها عند نفسها و هو اولي بها من نفسها و اقرب اليها منها فلايحتاج الي مميز لها ازيد منها و اما من هو دونها فيحتاج الي تمييزها و دعوتها و هي لاتظهر عند من هو دونها الا بصفاتها و آثارها و هو لايدرك منها الا اياها فتبين ان الاسم لتعيين الرسم عند الظهور للغير ممن هو دونه و المسمي بذلك الاسم هو ذلك الرسم المقترن به المميز به كما قال الصادق عليه السلام الخبز اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب و النار اسم للمحرق ، و لان المسمي يلحظ فيه الاسم و هو مقترن به متضايف معه و الذات التي لاتوصف بالاقتران و لايلحظ معها غيرها لايجوز ان تكون مسماة للاسم انظر الي قول الرضا عليه السلام حتي تشاهد صدق ما اقول في حديث لو كان معه شئ في بقائه لم‌يجز ان يكون خالقا له لانه لم‌يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم‌يزل معه و لو كان قبله شئ كان الاول ذلك الشئ لا هذا و كان الاول اولي بان يكون خالقا له ثم وصف نفسه تبارك و تعالي باسماء دعا الخلق اذ خلقهم و تعبدهم و ابتلاهم الي ان يدعوه بها فسمي نفسه سميعا بصيرا قادرا قائما الحديث ، و سئل عليه السلام هل كان الله [ص 55] عز و جل عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق قال نعم قال يريها و يسمعها قال ماكان محتاجا الي ذلك لانه لم‌يكن يسألها و لايطلب منها هو نفسه و نفسه هو قدرته نافذة فليس يحتاج الي ان يسمي نفسه و لكنه اختار لنفسه اسماء لغيره يدعوه بها لانه اذا لم‌يدع باسمه لم‌يعرف فاول ما اختار لنفسه العلي العظيم لانه اعلي الاشياء كلها فمعناه الله و اسمه العلي العظيم هو اول اسمائه علا علي كل شئ انتهي ، و قد ذكرنا هذه الاخبار قبل اثبات الامامة لانها برهانية مقبولة عند كل احد فاذا كان الاسم للشئ من حيث الظهور لا من حيث الذات فالمسمي بالاسم اي المعلم بتلك العلامة و الموصوف بذلك الوصف هو ذلك الظهور المميز المعروف المدعو بذلك الاسم فاذا متي عرف القديم جل شأنه و متي وصف و سمي حتي يكون الوجود بينه و بين خلقه بالاشتراك المعنوي او اللفظي او الحقيقة و المجاز او غيرها من اقسام اللفظ و لايقع موضوعا حتي يحمل عليه غيره فيكون موصوفا مقترنا فبطل جميع ما كانوا يعملون و يستدلون و يبرمون و ينقضون فانتقل الكلام الي وجوه التعريف و الظواهر التي هي الحوادث و لا شك ان هذا الاستدلال الذي بيناه لايختص بالقديم و انما يجري ذلك في كل ذات متذوتة من حيث هي هي فان الذات ليس معها الصفات و ليس معها غيرها فلايطلق لفظ الوجود و لا غيره من الاسماء علي ذات شئ من الحوادث ايضا و انما ذلك علي الظهورات و الصفات لا غير فتبين ان الامر رجع من الوصف الي الوصف و لا ربط و لا نسبة بين القديم و الحادث بل بين ذات و ذات و ان كانتا حادثتين فتبين و ظهر ان الوجود يطلق علي عنوان القديم و الحادث لا ذواتهما و عنوان القديم جل شأنه ايضا حادث فالكلام في معرفة صدق لفظ [ص 56] الوجود علي عنوان الحق سبحانه و عنوان الحادث و ظهوره ثم ان نزلت الي هذا المقام فاعرف حقيقة المرام بان العنوان للحق جل شأنه له مراتب فما كان منه فوق حقيقتك فليس لك ادراكه و انما له اهل يعرفون الله به و ما كان منه في رتبة ذاتك فهو هي و لايطلق عليه ما لايطلق عليها فلا اسم له و لا رسم و به عرف احديته اياك و ما كان منه في رتبة الصفات فهو الذي يطلق عليه الاسم و يقع عليه الرسم فليست الا الصفات و الظهورات فان نظرت اليها من حيث انها آية الله سبحانه اطلقت عليها الوجود الحق و ان نظرت اليها من حيث اضافتها اليك فتطلق عليها الوجود المقيد و الحادث فالوجود ظهور الشئ في الخارج و تمثله كما قال السجاد عليه السلام في الدعاء لم‌يمثل فيكون موجودا ، و هذه الآيات الظاهرة في الآفاق و الانفس هي ظهور الحق سبحانه و وجوده به يكون موجودا اي ظاهرا كما ان كونك في الخارج هو وجودك و به تكون ممثلا موجودا و الوجود بهذا المعني هو المعروف في العرف و الشرع يقال فلان موجود في الخارج و فلان معدوم يعنون به تمثل الذات في الخارج لا غير و اما اطلاق الوجود علي الذات المنزهة عن الظهور فذلك شئ جرت عليه السنة الحكماء و نحن في حال المكالمة معهم ربما ننطق به جريا علي اصطلاحهم و اما عندنا في اصطلاحنا الخاص بنا فلانقصد بالوجود الا التمثل الخارجي و هذا هو المعروف عن آل‌محمد عليهم السلام و العرف ايضا لايقصد به غير ذلك فعلي ذلك انت و ظهورك ظهور الله الحق سبحانه و آيته تجلي لها بها و بها امتنع منها ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و اما كنه الحق جل و علا فتفريق بينه و بين خلقه و مباين معهم بينونة صفة و هي التي احد [ص 57] المتباينين صفة للآخر و ظهور له فالوجود الحق اي الظهور الحق علي اصطلاحنا هو جملة الخلق من حيث انه ظهور الخالق و ظاهره و اما الوجود المقيد اي الظهور المقيد هو كون بعض ظهور بعض و تمثله و هذا كأن تقول ان الواحد ظهور الاحد و نصف الاثنين و زيد عبد الله و ابن عمرو و اخو بكر و هو شئ واحد في الخارج له اعتباران و جهتان لكن كونه عبد الله من جهة ربه و كونه ابن عمرو من جهة نفسه و اما الوجود المطلق فهو ايضا جملة الخلق من حيث انه ظهور مشيته سبحانه و هيأة ارادته كما ان الالف ظهور حركة يدك المتعلقة بها تحكي هيئتها و هي اثرك و ظهورك و هي اول الحروف و طويلة و قويها واحد فافهم فالذوات ليست ظهور الحق الا بالمعني الاعم و انما هي غيبه سبحانه و كنهه و كونه لا اسم له و لا رسم و كونه سبحانه عما يصفون و ليس كمثله شئ و لايجوز لنا ازيد من ذلك هتك الاستار خوفا من الاغيار و كيد الفجار فلنقبض العنان فللحيطان آذان و اما ما يقوله مشايخنا رضوان الله عليهم من الحقيقة بعد الحقيقة و كون اللفظ من باب الوضع الخاص و الموضوع له العام فانما هو تعبير عما في الصدور و تعليل للغيور و الا فمتي اطلق علي العالي لفظ حتي يكون حقيقة او مجازا و انما طريق كلام مشايخنا معهم طريق المداراة و حاصله انكم ان ابيتم الا هكذا فليكن كذا و اما اذا خلوا و طبعهم فلايرضون بذا و لا بذا و قد غفل عن ذلك اكثر اصحابنا و اغتروا بما سمعوها حتي زعموها منا و الينا و ليس منا و الينا الا ما كان عن آل‌محمد عليهم السلام فانا منهم و اليهم ان شاء الله فافهم ان كنت تفهم و علي هذه فقس ما سويها و ان قدرت علي تمشيته فانت انت .

[ص 58] فصل - و لا بد لنا ايضا ان نتكلم في الحقيقة بعد الحقيقة جريا مجري المشايخ حين تكلمهم مع القوم لان لكل مقام اهلا فنقول انت اذا تفكرت في لفظ الشمس و اطلاقه علي القرص السماوي و الشعاع المنبث تجده في العرف علي الحقيقة في كليهما لوجود علامات الحقيقة فيهما معا من التبادر و عدم صحة السلب و تواتر الوضع و غيرها و ليس من باب الحقيقة و المجاز بالبداهة لعدم الحاجة الي القرينة في احدهما و عدم صحة السلب و ليس من باب النقل و الغلبة في العرف الخاص و لا العرف العام لاطلاقه علي الاول ايضا دائما بلا قرينة و ليس الاول بمهجور كما تري و ليس من باب الاشتراك اللفظي لوجود المناسبة المحسوسة و قصدها و ليس من باب الاشتراك المعنوي لعدم المشترك بينهما و مادة الشعاع و صورته مفاضتان محدثتان بالقرص و انما الشعاع شبح منفصل من الشبح المتصل بالقرص كما ينفصل عنك الشبح في المرآة و ليست مادته من مادة جسمك و لا صورته من جنس صورة وجهك بل هو صورة ظلية انعكست من صورة وجهك و ليس من باب الارتجال لقصد المناسبة و ان القوم لايكادون يعرفون وجوه استعمال هذا اللفظ عليهما و لذلك وقعوا في ظلمات عمياء لايبصرون شيئا فمرة قالوا ان اطلاق الوجود علي الله و علي الخلق من باب الحقيقة و المجاز علي الاختلاف و مرة قالوا بالاشتراك اللفظي و مرة قالوا بالاشتراك المعنوي و مرة قالوا باتحادهما و لا شئ الا الوجود الحق و الوجود المقيد محض اعتبار بالجملة وقعوا تحت كل كوكب و الحق في المسئلة ان وجود الحق سبحانه بسيط لا جامع بينه و بين غيره فيكون الاطلاق من باب الاشتراك المعنوي بتة و ليس ان لايعقل حين الاستعمال غير الكون في [ص 59] الخارج و يكون الاستعمال بلا مناسبة ما فانه يري في كل واحد منها ما يضاد العدم و لاجله يقال انه موجود و لو لم‌يلحظ هذه الجهة لايقال ذلك و هو موجود بحقيقة الوجود لانه كائن قائم بنفسه فليس اطلاقه مجازا و لايكون لكم الذكر و له الانثي و كذا يطلق عليكم علي الحقيقة بالبداهة و الاستعمال في الحق و الخلق كليهما شايع معروف بيّن فليس مفر من ان تقول في كل منهما علي الحقيقة و لا جامع بينهما و ليس من غير مناسبة مطلقا فلا مفر من ان تقر بانه من باب الحقيقة بعد الحقيقة لعدم تساوقهما في الوجود بتة و كون الخلق اثر فعله سبحانه و شبحه المنفصل فيطلق اللفظ علي المؤثر اولا علي الحقيقة الاولية و هو اولي به ثم يطلق علي اثره الحاكي لفعله لاجل حكايته فعله و هيئته و هي المناسبة الملحوظة بينهما و الا فلا نسبة بينه و بين ذات المؤثر ابدا و لو انصف منصف يجد جميع الفاظ العالم علي معانيها من هذا الباب لان كل موجود اثر مؤثره و ليس له الا ما آتاه المؤثر من شبح هيئته المتصلة به فاللفظ الذي يطلق عليه مؤثره اولي به اولا و منه نزل الي اثره البتة فجميع الخيرات اثر مبدء الخير و جميع الشرور اثر مبدء الشر فافهم ان كنت تفهم و اذا رجعا الي الكون رجعا الي المكون و لا اختلاف و الحقيقة بعد الحقيقة تتحقق بالوضع الخاص لان الاثر لايلحظ مع مؤثره و طويه تحت احديته فليس حيث هو الا هو و يصير الموضوع له متعددا لتعدد التجليات و الظهورات و الصفات المنبثة منه فالوضع الخاص عند ملاحظة المؤثر في ذاته و عموم الموضوع له في تكثره في صفاته فلم‌يقصد الا الواحد و لم‌يقع الا علي الكثيرين و في المثل الظاهر لم‌يضف الا السلطان فاكل العساكر و لم‌يطلع الا الشمس فطلعت الانوار و لايقال ائت [ص 60] بالسراج و الانوار لانهما لايعدان معا و ليس الا السراج وحده و لايكون السراج الا هكذا و اذا اتي السراج اتت الانوار لا محالة و من ذلك تبصر امرك فالوجود وضع علي عنوان الحق فوقع علي جميع المطلق و شؤنه ثم وقع علي جميع المقيدات و اما كنه الذات الغيبية فلا اسم له و لا رسم اما البيان فهذا البيان و اما حقه فهو موقوف بالعيان و قد وضعت الاشارة في خلال العبارة لاهلها و لا قوة الا بالله فان ادراك معني الحقيقة بعد الحقيقة حظ اهل باطن الباطن و الحمد لله .