الفطرة السليمة المجلد الاول
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله الذي كان قبل الكان و لا من شئ كون ما قد كان لا بشئ اخترع و لا لشئ ابتدع و لايسأل عما يفعل و هم يسئلون و الصلوة علي ظاهره و بابه و دليله الي عليّ جنابه محمد الذي انتجبه في القدم علي سائر الامم و علي اهل بيته مصابيح الظلم و القائمين مقامه في سائر العالم و علي الهداة المهديين الغر الميامين و ظواهر الائمة المنتجبين و تمام العلة التامة في العالمين و لعنة الله علي الفرق المختلفة عليهم من الجن و الانس من الاولين و الآخرين .
و بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد كان طلب مني سابقا المولي الجليل و الاولي النبيل الافخم الاكرم و الاحشم الاعظم سلالة الاعاظم و نتيجة الاكارم الجناب المحمود المسعود الميرزا محمود الاصبهاني ايده الله تعالي تأليف كتاب في العقايد الحقة فكتبت في جوابه كراريس حتي سنح لي تأليف كتابي المسمي بارشاد العوام فعاقني تأليفه عن اتمام ذلك الكتاب لما كان فيه غنية عما كنت قاصدا ان اكتب له فتركته الي ان تم بتوفيق الله كتاب ارشاد العوام فامرني ثانيا و الح علي جناب العالم العامل و الفاضل الباذل المولي الجليل جناب الآخوند الملا اسمعيل الزنوزي ادام الله بقاءه ان اطرد مقالتي في الكتاب [ص 3] الاول من حيث افضيت و اتمم له ما كان في خاطري اولا فاسعفت اجابتهما و التزمت طاعتهما و سميت تلك الرسالة سابقا بالفطرة السليمة و جعلت لها مقدمة و اربعة ابواب و خاتمة فاجري علي ذلك المنوال و لماغير اسمها و لا رسمها بتغير الحال و اتنحي كما كنت قاصدا عن طرق المتكلمين و الحكماء المتفلسفين و الصوفية المنتحلين فانها طرق كثيرة الخطر غزيرة الضرر لاينجو منها الا عالم رباني و حكيم صمداني و قصدي فيها هداية المستبصرين و ارشاد المسترشدين فالتزم فيها سنن الانبياء و المرسلين و الاوصياء المكرمين و اقتفي في الاستدلال آثارهم و احتذي في البيان حذو اخبارهم فانهم اعلم بامراض النفوس و ادوائها و صلاحها و فسادها و لا شك ان طريقهم اقرب الطرق الي الله سبحانه و اسلمها من الشبهات و الشكوك و الضلالات فها هو ابان الشروع في المقصود و استمد من الله الودود .
المقدمة - في معرفة امور يجب تقديمها . اعلم وفقك الله تعالي ان الانسان اذا صعد عن حضيض البهمة البهيمية الي اوج الاعتبار الانساني و تنبه عن رقدة الغفلة و نظر في نفسه تارة و في الآفاق اخري بنظر التعجب و الاعتبار بانها ما هي و من اين هي و الي اين هي و ما هذه الامور العجيبة و الاحوال البديعة و ما هذه الافلاك الدوارة و النجوم السيارة و النيران الهايلة و الاهوية الهابة و المياه الجارية و الارضون الساكنة و النباتات النامية و الحيوانات السائمة و الاناسي القائمة الي غير ذلك من انواع الموجودات و اقسام المكونات تحير في نفسه البتة و اضطرب و اشتاقت نفسه الي فهمها و تاقت همته الي معرفتها و لاسيما اذا خالط الناس و عاشرهم فسمع باختلافهم و تفرقهم فرقا شتي و مذاهب مختلفة فسمع بعضهم يسمي ربا و بعضهم يسمي نبيا و بعضهم يسمي اماما و بعضهم يسمي وليا و بعضهم يعمل اعمالا عجيبة [ص 4] و يسميها عبادة و بعضهم يتأدب بآداب غير ما يتأدب به الآخر و بعضهم يسمي آخرة و جنة و نارا و حشرا و نشرا و ميزانا و صراطا و كتابا و بعضهم بيدهم صحف و كتب يزعمونها سماوية و يسمون ملكا و وحيا و حراما و حلالا و فرضا و سنة و يكفر بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا و يتبرء بعضهم من بعض و يستنجس بعضهم بعضا و يشهد بعضهم علي بعض بالنعيم الابد و بعضهم علي بعض بالعذاب السرمد و يستحل بعضهم قتل بعض و نهب بعض فاذا سمع الفطن الذكي ذو الفطرة السليمة و البصيرة المستقيمة هذا الضوضاء و رأي هذا الغوغاء استوحش البتة و الزم علي نفسه استفهام هذا الاختلاف و خاف علي نفسه فاستوجب معرفة طريق نجاتهم و طريق هلاكهم و استعمال منافعهم و اجتناب مضارهم و لايجوز عنده الوغول في احد هذه الامور من غير بصيرة و لا الخروج عن جميعها بالاهمال و الاغفال و يري ان المتهاون في معرفة حقيقة هذه الامور سفيه البتة و هذا معني وجوب طلب المعرفة و النظر لا انهما واجبان بالشرع فمثال ذلك انه لو كانت مائدة في بيت عليها انواع المطاعم و المشارب و السموم القتالة و الفادزهرات المخلصة و ساير المنافع و المضار فان كان الانسان غافلا كالبهايم و دخل هذا البيت و اكل مما عليها من غير شعور فاما يتفق اكله من المنافع فينتفع بها و اما ان يموت بسمومها و مضارها و اما اذا كان نبيها يقظانا و رأي اناسا عليها و سمع ضوضاءهم و خلافهم فمنهم من يقول هذا سم قتال لاتأكلوه و منهم من يقول هذا شفاء نافع فكلوه و رأي اناسا هلكي و يقول بعض اهل البيت هؤلاء هلكوا بالاكل من سموم هذه المائدة و يري اختلافهم في تعيين السموم و الفادزهرات فمحال ان يجسر علي تناول شئ منها و هو عاقل يخاف علي نفسه من غير فحص و بحث عن احوال السموم و المضار و الفادزهرات و المنافع حتي [ص 5] يقف علي القطع و اليقين باحوالها و محال ان يكتفي بالشك و الظن و التخمين فان النفس لاتسكن بها البتة و ما لايسكن النفس لايجسر العاقل علي تناول شئ منها بمحض الظن و التخمين فكذلك يكون العاقل في طلب المعرفة و الاستكشاف عن حقايق ما يسمع من الاقوال المختلفة و الآراء المتشتتة لاسيما انه يري اقواما يقولون من بلغه دعوتنا و اقيمت عليه حجتنا ثم لميكن معنا فهو مخلد في العذاب الدائم و كذلك يقول بازائهم اقوام اخر علي خلاف قولهم فيري انه لا بد و ان يكون مع احدهم معتزلا عن الآخر و لايحصل ذلك له الا بعد الاستكشاف و هو لايمكن له الا بعد الطلب و الطلب لايمكن له الا بعد التفرغ عما سويه و اتحاد الهم فعند ذلك يستوجب توحيد الهم و التفرغ و الطلب و الاستكشاف حتي يقع علي ما به يسكن نفسه الي انه من الناجين البتة و ذلك امر فطري جبلي و قد حبب للانسان نفسه و جبل فيه طلب النجاة و حفظ نفسه عن الآفات و الاضطراب في غير اليقين حتي يقع عليه فوجب بحكم الفطرة السليمة و الجبلة المستقيمة ان يجتهد مثل هذا العاقل ليله و نهاره و يحرم علي نفسه القرار و السكون حتي يعرف معني هذا الاختلاف فان الوقت قصير و العمل كثير و الاجل مباغت و العمر فائت و لايُؤمَنُ علي نفسه ذلك العذاب الموعود في ساعته تلك لانه لايدري متي يموت فالمتهاون بالطلب و التفرغ بعد سماع الخلاف و ضيق الوقت و بغتة الاجل مخاطر بنفسه مهلك لها خارج عن زمرة العقلاء و ليس له نفسان يهلك احديهما و يعيش بالاخري و انما هي واحدة و لها عيش واحد و فناء واحد ثم بعده اما عذاب قائم او نعيم دائم كما يقولون و اما ليس شئ مطلقا كما يقول به جماعة اخري و لكن ذكر احتمال العذاب الدائم يقلقل في احشاء العاقل و يحرم عليه القرار فاجتهد يا ايها الانسان [ص 6] جهدك و شمر عن ساق الطلب حتي تعرف صدق الاقوال فتحذر عن مخالفتها او كذبها فتستريح و لاتخاطر بنفسك و لاتلاعب بها ان كنت من العاقلين فان العذاب الابدي ليس بامر صبياني و شئ انقطاعي فشمر عن ساق الجد و عض علي النواجذ و اصغ لما اقول و انظر بعين اهل العقول فاني لك من الناصحين و بنجاتك من الراغبين و اني قلبت الامور ظهرا لبطن و جربت هذه المطاعم و المشارب كلها و انا معرف لك اياها بحول الله و قوته بحيث تشاهد صدق ما اقول و تعرف القاتل و المقتول و تشاهد من نجا بما نجا و من هلك بما هلك و اياك و ان تمس شيئا من هذه المطاعم قبل ان تعرف حقايقها فانه رب طعام عليها مهلك مسه قتال الركون اليه و الحب له فاحذر كل الحذر و استعمل لنفسك النظر و اياك و ان تترك الجد و الاجتهاد ما يضرب لك عرق او يخفق لك طرف فان طلب العلم بحكم الفطرة السليمة واجب علي كل حال فان كنت من اخوان العقلاء و اولي الالباب فاصغ لما اقول و انصف من نفسك حتي تدرك المأمول و لاتخنها بظلمي و ظلم الحق فهذه عرصة الانصاف لا ميدان الاعتساف و السلام علي طلاب الهدي و المجتنبين عن الردي .
فان دخلت في زمرة الطالبين فاعلم انك لاتصير من الواصلين الا بعد التخلي عن امور تعوج الطبع القويم و تعلل القلب السليم فان كلامي مع صاحب الفطرة السليمة و القريحة المستقيمة و تلك امور سبعة ما لمتحصل للانسان لايلحق رتبة الايقان و لايصعد عن حضيض الجمادية و النباتية و الحيوانية الي اوج الانسانية ،
فالاول ان تصعد من ارض الغفلة و اللهو الجمادية و النباتية الي سماء الحيوة فان اهل الغفلة اموات غير احياء لا فرق بينهم و بين الجمادات و النباتات فمنهم من قست قلوبهم فهي كالحجارة او اشد قسوة و منهم من يعجبك اجسامهم [ص 7] كانهم خشب مسندة لايفهمون ما يقولون و لا ما يقال لهم همهم ما يدخلونه في بطونهم فلا جرم قيمتهم ما يخرجونه منها فهم اموات غير احياء و انما ينذر من كان حيا و يقع التخاطب معهم لا مع غيرهم و العبرة في الدنيا بهم لا بغيرهم و اما غيرهم فقد خلقوا لحمل اثقالهم الي بلد لميكونوا بالغيه الا بشق الانفس و هم حشو العالم خلقوا بالعرض لا بالذات فلايتوجه اليهم الخطاب و لايأتيهم الكتاب فانما يتذكر اولوا الالباب و اهل هذا المقام اكثر اهل الدنيا لهم قلوب لايعقلون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون .
و الثاني ان تصعد من ارض العادات الي سماء الفكر و التدبر فلاتتورط في اشياء تعتريك بمحض العادة و لاتتوغل في الامور بصرف الانس فانه ربما يعتاد الانسان شيئا في ايام غفلته و هو له مضر لايصلح له ان يتوغل فيه بعد تذكره و لرب عادة تغشي الفهم عن الادراك و تغطي العقل عن درك حسن الشئ و قبحه و هو علي عادته يتوغل فيها من غير تدبر و يريها باستحسانه لها في حال غفلته حسنا و لكن اذا تدبر فيها و تفكر يري انها قبيحة و اعتياده اياها ناش عن غفلته الاولية فلاينبغي لطالب الفطرة السليمة الذي يريد فهم حقيقة الاشياء كما هي ان يركن الي العادات المعمية المصمة فيحسن ما اعتاده و يقبح ما خالفه فان ذلك مرض مهلك قد هلك به اقوام كثيرون و كفاك دليلا علي عدم جواز الاعتداد به ان الغفلة ليست مميزة للامور و كل امر ارتكبته عن غفلة يمكن ان يكون حسنا و يمكن ان يكون قبيحا فلاتحسن ابدا ما وافق عادتك و لاتقبح ابدا ما خالفها و تدبر في الامور بعين بصيرة و تفكر فيها بفكرة خبيرة حتي تفهم المراد بخالص [ص 8] ما فيك من الفطرة فما فهمته بدليل قطعي حسنا فخذ به و ما علمته بدليل قطعي قبيحا اتركه فاذا كنت تنظر لنفسك فاصعد عن مهاوي العادة الي مناجي التدبر و في هذه المرتبة ايضا يتخلف اناس كثيرون و يلازمون هذا المقام فيحرمون عن الفوز بالحق الي آخر الايام و ديدنهم ان يقولوا انا وجدنا آباءنا علي امة و انا علي آثارهم مقتدون ،
و الثالث ان تصعد من ارض الطبايع الي سماء الخيال فان المخلدين في ارض الطبايع لايعرفون حقايق الامور و ان صعدوا عن ارض العادات و هذه عقبة كؤد لاينجو منها الا قليل من الناس و هذه العقبة اشد صعوبة من عقبة العادة اذ العادة اقرب الي الاحساس الظاهر و يسهل التنبه بانها عادة ليست بواقعية و اما الطبيعة فخفية يكاد يشتبه حكمها بحكم العقل فيزعم اهلها ان ما حكمت به حكم العقل فيتيه في واد سحيق و تمييزهما عليهم امر دقيق الاتري ان من الناس من يغلب عليه الصفراء و تستولي علي مداركه و مشاعره فتنصبغ فيها الفطرة فتحسن البطش و الغضب و الاستيلاء و الكبر و الرياسة و التهور و الرياء و معالي الامور و لايكاد يقبل قول من انكر عليه شيئا من ذلك و كذا منهم من يغلب عليه الدم فاذا غلب عليه يحب الاستيناس و اللينة مع الكبر النفساني و الاخوة مع اليد العلياء و الشهوة و النساء و المحاباة و الالفة و الولاية و مباشرة معالي الامور و سرعة الغضب و العفو و الشجاعة و السماحة و الصفح و غير ذلك مما يناسبه و لايكاد يقبل قول من انكر شيئا من ذلك و كذلك منهم من يغلب عليه البلغم فمن غلب عليه يحب التزيين و الرقة و اللينة و الخديعة و المكر و الجبن و الكسل و الضعف و الشهوة الانفعالية و الحياء و حب الولد و كثرة اللغو و المماطلة و الاطاعة للغير [ص 9] و امثال ذلك و لايكاد يقبل قول من ينكر عليه شيئا من ذلك و كذلك منهم من يغلب عليه السوداء فاذا غلبت عليه يحب الوحدة و الوحشة من الناس و الفرقة و الفقر و الظلمة و الحزن الدائم و البكاء و الثبات في الامر و الاصرار علي ما اختار و التدبر و الحزم و الولايج و الاسرار و الامور الخفية الي غير ذلك و يختلف حالهم علي ما ذكرت اذا غلب عليهم خلطان او ثلثة و ذلك مشاهد محسوس فاذا كان الغالب علي الانسان الطبع و كان فهمه مقهورا له مصبوغا بصبغه مستمدا منه لايكاد ينجو من مقتضي خلط من هذه الاخلاط و يختلف نظره و فكره و فهمه بحسب اختلاف هذه الطبايع و يحسن دائما ما يناسب طبعه و يقبح ما خالفه و لايمكنه درك الاشياء علي ما هي عليه بل يدركها علي ما هو عليه كمن ينظر من منظرة حمراء او خضراء او غيرها فانه يري كل شئ علي حسب المنظرة فان كان انقلاب الفهم بغلبة الطبع بينا واضحا فاللازم علي طالب الحق هتك هذا الحجاب و رفع هذا النقاب حتي يدرك الاشياء علي الحق و الصواب و يعدل الطبع بمداواة الطبيب الماهر الحاذق بالتدريج لا دفعة و بملازمة تخيلات اضداد ما يغلب عليه كائنا ما كان بالغا ما بلغ و هذا انجح و اقرب الي حصول المطلب فعالج كل صفة تغلب علي نفسك بمداومة تخيل ضده و هذا العلاج يفعل في يوم ما لايفعله الدواء في شهر بل في سنة و له طريق و سنة و لكن لماذكرها لملاحظة رسم التعليم فان لها اهلا و لايعرفها المبتدي قبل معرفة ربه فلاجل ذلك تركنا كيفيتها و اشرنا اليها بالاجمال و هذا الوادي ايضا صعب قد هلك فيه خلق كثير و تخلف فيه ايضا اناس كثيرون و العارجون عنه قليلون قليلون .
و الرابع ان تصعد من ارض الشهوات الي سماء الحقيقة فان اهل هذه الارض [ص 10] يغطي حبهم و انسهم بالامور اعين بصايرهم كما هو في المثل الساير حب الشئ يعمي و يصم فاذا غلب علي الانسان حب الشئ و عشقه عمي عن كل عيب فيه و يجعل عشقه جميع مقابح المعشوق في عينه محاسن فلايكاد يسمع عذل عاذل و وشي واش بل يستقبح كل ما يخالفه و هذا الحجاب حجاب غليظ لايمكن هتكه الا ان يشاء الله و له منازل منها النواميس التي يحتم الانسان علي نفسه ملازمتها و يسترق لها و هي كالعلوم و الآداب و القواعد و المسلمات و المشهورات و الاجماعات و العلماء و الاكابر و المبتلي بهذه القيود لايكاد يستمع الي ما يخالف شيئا منها و ان كان المخالف حقا و انما هو بمناسبةٍ جذبته اليها و علة استولت عليه فلايقدر علي التحول عنها و هذا الحجاب اغلظ مما سبق فاللازم علي من اراد الوصول الي الحق و النجاة ان يعالج نفسه من هذا الداء العضال و ينظر في الامور بعين الانصاف حتي يدرك حقايقها و كذا قد تخلف في هذا الوادي ايضا خلق كثير فلايكادون يصدقون حقا يخالف ما هم عليه و الصاعدون عنه قليل قليل .
و الخامس ان تصعد من ارض الطغيان و الغضب الي سماء توهم الامور و تفهمها و هذا الوادي اصعب و اوعر من وادي الشهوة و من نظر في الامور بهذه العين لايكاد يدرك شيئا من الحق و يستقبح جميع محاسن من يشنأه و يبغضه و لايكاد يملك نفسه عن القول بما لايليق و لاتلين نفسه ابدا لتميل الي درك ما يلقي اليه فهي مطية صعبة وعرة مخشوشة جموحة تهوي براكبها في مهاوي مهلكة و اودية موحشة موبقة فيجب علي طالب الحق و الصواب اجتنابها حتي يمكنه الانصاف في الامور فاسع ما امكنك في هتك هذا الحجاب و رفع ذلك النقاب لتفوز بالصواب و استعمل وهمك و فهمك علي نهج الانصاف و جانب الاعتساف [ص 11] و المتخلفون في هذا الوادي ايضا خلق كثير قد اهلكوا انفسهم باللجاج و الطغيان و عموا و صموا عن درك الحق بالعيان .
و السادس ان تصعد من ارض الالحاد الي سماء العلم و السداد فتضع كل شئ موضعه و لاتكون متعرضا للمقال في اندية الرجال و تقاول بالجدال لتلبس الحال و تظلم نفسك و صاحبك و الحق و المصغي اليكما في المآل فان الانسان اذا كان يحب الجدال و المراء و الخصومات و الالحاد لايكاد يدرك الحق و كن طالبا للحق مبغضا للباطل حريصا علي معرفة الواقع واضعا كل شئ موضعه الخاص به و لاتظلم الحق بان تزيحه عن موضعه و تضعه في غير محله فتضل و تضل فالواجب لطالب الحق ان يجري في الامور بعلم و انصاف و بصيرة و يضع كل شئ موضعه و لايحيد عن قصد السبيل و قد تخلف في هذا المقام ايضا خلق كثير لايسكنون الا بالالحاد في الامور و الميل عن الحق و الصواب فاذا القي اليهم حق يستوحشون و يشمئز قلوبهم و اذا الحد فيه يسكنون و يستأنسون و يستبشرون نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .
و السابع ان تصعد من ارض الشقاوة و المنافرة عن الحق و اهله و المناسبة مع الانكار و اهله و ملازمة الجهالة الي سماء العقل و ذلك غاية الاشكال و الداء العضال و الناس اضعف شئ اختيارا في هذا المقام و هذا الحجاب حجاب غليظ ليس اغلظ منه و هو واد سحيق و بئر عميق لايكاد يتخلص منه من وقع فيه الا نادرا نادرا و قد تخلف فيه اناس كثيرون و الناجون منه هم الاقلون فاقول :
خليلي قطاع الفيافي كثيرة و لكن ارباب الوصول قليل
فقل من ينجو من هذه المهاوي و المهالك و يصل الي تلك السماوات و المسالك و ما لميصعد [ص 12] الانسان من هذه الاراضي الي تلك السموات لايكاد يصل الي درك شئ من الحق و لذلك تري الناس حياري في هذه البوادي لايدرون من اين جاؤا الي اين يذهبون و ماذا اريد منهم و باي شئ هم و من اي شئ و علي اي شئ و لاي شئ يأكلون و يشربون كما تأكل الانعام و النار مثوي لهم و الداء العضال ان الانسان اول ما يتولد يتولد في هذه الاراضي و هو فيها ما دام هو موجودا بما هو حيوان و لا بد و ان يصعد منها شيئا بعد شئ اذا اراد ان يكون انسانا بما هو انسان فما دام الانسان علي الصفات الحيوانية هو مسجون في سجون هذه الاراضي البتة فاذا تخلي عن هذه الرذايل تحلي بفضائل الانسانية و صار موجودا بما هو انسان و امكنه ادراك الحقايق و لاتستصعب ما ذكرت لك فانه طريق سهل للسالكين وعر للمشرفين عليه هذا و اذا عظم المطلب هان التعب و التعب في هذه الايام القلائل خير لك من العذاب الدائم المقيم و لو لميكن لك نفع في هذا التعب غير تخليك عن صفات الحيوانات لكان ذلك كافيا وافيا اذ لا خير في عيش يكون الانسان فيه احمق يشارك الحمار في حيوانيته لايدرك هرا من بر فباب ضرره مسدود و نفعه مأمول فشمر عن ساق الجد و عض علي النواجذ و اجتهد في اصلاح عين بصيرتك اولا ثم انظر في الآفاق و الانفس بعده تجد حقايق الاشياء بلا عناء و علي ما هي عليه و من لميتخل عن هذه الصفات فالجهل له خير من العلم الف مرة فان علوم غير المتخلين كلها باطلة و عن حلية الاعتبار عاطلة اذ هي علي حسب اصباغ مشاعرهم و هيئاتها و جميعها ضالة مضلة و الجاهل الساذج مغمور بجهله يأكل و يعيش بلا تعب و لا عناء و احتمال العذاب عليه اقل و هذا هو طريق تحصيل العلم عند اصحاب الكشف و الرؤية و اصحاب الحقيقة و الحكمة و اما اهل الظاهر فيبنون [ص 13] علي شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم و يجمعون الحب قبل طرد الجُرَذ و يريدون ان يتحلوا قبل ان يتخلوا و مثل الفريقين كالاعمي و الاصم و السميع و البصير هل يستويان مثلا فالاعمي يحتاج الي السؤال عن لون كل شئ فردا فردا و لو عاش عمر الدنيا و مع ذلك لايكاد يعلم لون كل شئ و لا حقيقة نفس اللون و لا كيفيته و البصير اذا علم لونا علم جميع ما يشاكله فبذلك يصير عن قليل عالما بلون جميع ما في الدنيا سواء اطلع عليه او لميطلع و بين الفريقين بون بعيد و لاجل ذلك لايكاد ينتهي زمان تعلم الاولين ابدا و يحتاجون الي التعلم سرمدا و اما الآخرون فلايمر عليهم قليل الا و قد صاروا علماء حلماء كادوا من الحكمة ان يكونوا انبياء و امثل لك مثالا آخر رجل يريد ان يحصل نقوش الاشياء عنده فيأخذ لوح خشبة و يذهب الي النقاش فينقش عليه نقش انسان مثلا فاذا اراد نقش حيوان يذهب الي النقاش فيمحو ذلك النقش و يثبت نقش الحيوان عليه و هكذا فلو عاش هذا الرجل عمر الدنيا لايكاد يجتمع عنده نقوش الموجودات و رجل آخر فكر في امره و نظر فاخذ لوحا من حديد فصقله حتي جعله مرآة صافية لا كدورة فيها فكلما اراد حصول نقش عنده قابلها به فانطبع فيها ما اراد و لو اخذ كرة حديد صيقلية و وازي بها جملة الجهات انطبع فيها كلها دفعة واحدة فهذا سبيل العلماء الراسخين و الحكماء البالغين يسعون اولا في اصلاح قلوبهم و تنقية صدورهم و تعديل طبايعهم و تصحيح مناهجهم و مفارقة الاضداد حتي يشاركوا بها السبع الشداد فيتجافون عن دار الغرور و ينيبون الي دار الخلود و يستعدون للموت قبل حلوله فينكشف لهم الحقايق و يتضح لهم الدقائق فيعرفون بذلك الموصول و المفصول و الكيف و اللم و هؤلاء ليس فيما بينهم [ص 14] اختلاف و مجمعون علي الايتلاف و ما تري في العالم من الخلاف فانما هو لاختلاف انظارهم و تباين افكارهم الناشي عن اختلاف عاداتهم و طبايعهم و شهواتهم و غضبهم و الحادهم و الا فحقيقة الاشياء واحدة لا اختلاف فيها فاذا اردت ان تسلك سبيل الذين مضوا علي منهاج الحق و الصواب فادخل كل بيت من الباب و باب التحلي بحلية الفضائل التخلي عن لوث الرذائل ثم النظر في حقايق الاشياء بالفطرة السليمة و من انصف عرف ان الوصول الي حقايق الاشياء علي الحق و الصواب لايمكن الا بما ذكرنا .
و اوضح لك الامر ببيان آخر و هو ان من البين ان الجماد ليس له من القوي شئ لعدم اعتدال تركيبه اللهم الا المولود الهرمسي فانه له بعض القوي كما هو معروف في محله و اما النبات فله خمس قوي و خاصيتان فالقوي هي الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و المربية و الخاصيتان الزيادة و النقصان و ليس لهذه القوي دخل في معرفة حقايق الاشياء و اما الحيوان فله خمس قوي و خاصيتان اما القوي فهي الباصرة و السامعة و الشامة و الذائقة و اللامسة و اما الخاصيتان فهما الرضا و الغضب و ليس لهذه القوي ايضا دخل في ادراك حقايق الاشياء فما دام الانسان مقهورا في الطبايع النباتية و السجايا الحيوانية مصبوغة مرآة مشاعره بهذه الاصباغ ليس يكاد يصل الي شئ من الحقايق و لايفهم شيئا من الدقايق الا ان يصعد من مهاويها الي مدارج سماوات الانسانية التي لها خمس قوي و هي العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و خاصيتان و هما النزاهة و الحكمة و من اراد الاطلاع علي بدء الاشياء و عودها و الاحاطة بالجزئيات فليطلب لنفسه بقاء في فناء و نعيما في شقاء و فقرا في غناء و صبرا في بلاء و عزا في ذل و ليحصل الرضا و التسليم فان الاحاطة بها شأن المفارق عنها [ص 15] لا المقارن بها بالجملة لا بد لكل طالب ان يهيأ لنفسه اولا آلة ادراك مطلوبه ثم يجتهد في تحصيل مطلوبه و الا فلايخطئن الا نفسه و لايتصرفن فيما ليس له فيه مدرك و لينصف من نفسه و هيهات هيهات ما اوسع ذلك في التواصف و اضيقه في التناصف فان كنت من ابناء الحكمة فامش فيها كما مشي اسلافك و الا فلاتفسدَنْها و اعط القوس باريها و السلام علي من اتبع الهدي .
توصية - اعلم هديت و وفقت ان الانسان لا بد و ان يعود نفسه للزوم الحق و جعله بعد الوصول اليه ميزانا يزن به كل ما يرد عليه و الاخذ بما يوافقه و الترك لما يخالفه و اغلب من هلك ممن رأيته هلك لانه لميقف علي ميزان و لميتابع الموازين الموضوعة بل كشف عدم وقوفهم علي ميزان عن انه لا لهم ميزان فاذا اعتقدت شيئا و تيقنت به فالزمه الزام البدن للروح فانه روحك و حيوتك و ازل به جميع شبهات و شكوك تنافيه ازالة الحيوة للموت اذ بعد اليقين لايحتمل ان يكون في العالم شئ ينافيه فما دمت يحتمل في ذهنك ان يكون له مناف لست علي يقين فيه فارجع اليه و اثبته الي ان يمتنع عندك خلافه فاذا حصل لك حق كذلك فراقبه و عاوده و اعمل بمقتضاه و راع حرمته حتي لايرتحل عنك فان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل ثم تعود الي الشك كما كنت اولا فملازمة قليل اليقين مع العمل بمقتضاه خير من ملازمة شكوك كثيرة و اعلم ان اليقين بعضه مترتب علي بعض فاذا حصل لك يقين اول اجتهد في الثاني المبتني عليه فاذا حصل لك ثانيا اجتهد في الثالث المبتني عليه و هكذا فتصعد في مدارج اليقين كالسلم فما لمتهيئ لقدمك مدرجا لاترفع القدم فاذا صعدت مدارج فلاتستوحش من رفعتها فان لقدمك موطئا مطمئنا و عليك بمعاودة اليقين و العمل [ص 16] بمقتضاه فان النفس الامارة من الجهل و الي الجهل و مهما غفلت عن تصعيدها في مدارج اليقين و امساكها عليها تهوي بك في واد سحيق و تنزل نزول المطمار بارخاء البناء اياه فاحتمل من العلم و اليقين بقدر احتمالك للعمل فاني وجدت العلم بلا عمل سما نقيعا مهلكا و وجدت اقواما كثيرين هلكوا بذلك الهلاك الابدي فهذه وصيتي اليك فخذ ما القي اليك من اليقين في هذا الكتاب و اجعله ميزانك لساير ما يعرض عليك و اعمل بمقتضي كل واحد تكن من الفائزين .
في معرفة الله سبحانه التي هي اصل كل حق و مبدؤه و لنا في تحقيق هذا المقام بيانات تقتضي رسم مقاصد :
في بيان حدوث العالم و وجود الصانع و بيان وجود القديم جل شأنه و في هذا المقصد فصول :
فصل - اعلم ان من العجائب ان كل احد اذا راجع نفسه يجد في نفسه افتقارا الي اواء الي ركن وثيق و التجاء الي ملجأ منيع و قد جبل ذلك في طين كل احد و لايخلو منه احد حتي السلاطين و العلماء و الحكماء الاقوياء فان من احد الا و يجد في نفسه افتقارا تحتاج معه الي من يسد فاقتها و يجبر كسرها و تأوي اليه في النوايب و تلتجئ اليه في الشدايد و تتعلم منه عند الجهل و تتقوي به عند الضعف و تستدفع به النوائب و تستدرء به المكاره و لاجل ذلك كل نفس تسعي في الاستظلال بظل ما هو اقوي منها و اعظم و اكبر حتي تأمن البوائق النازلة عليها و الطوارق الواردة عليها لما تري في نفسها من العجز عن دفعها و ذلك امر جبلي مشهود لاينكره الا الجاهل الغافل او المعاند الجاحد فهذا الامر الجبلي الطبيعي الذي هو في نفس الانسان كالجوع و العطش و الشهوة يدعو الانسان الي طلب من هو اعظم منه و الاستظلال بظله و الاِواء الي ركنه فاذا كانت الطبايع معوجّة بالهيئات المنكرة مصبوغة بالانصباغات النباتية و الحيوانية كما ذكرنا ينصبغ ذلك الطبع الجبلي الاولي ايضا مثل انصباغها فيتعلق ذلك الطلب منه بغير ما ينبغي [ص 18] لما يتوهم فيه ما ينبغي علي حسب انصباغ نفسه فيطلب الاتصال بمن لاينبغي الاتصال به و يأوي الي ما لايجوز الاِواء اليه فيلجأ الي ضعيف محتاج مثله ظنا منه بانه يدفع عنه النوائب و يجلب اليه المحاب و هو الذي ينبغي الاستظلال بظله حتي انه ربما يقع ذلك الطلب علي العادة و الطبيعة و الشاهية و الغاضبة و الالحاد و الشقاوة فكل يطلب في عالمه كبيرا يأوي اليه و يستظل بفنائه علي حسب ما هو عليه و يناسبه من الاعوجاجات و قد يقع شعاع ذلك علي الحيوانات فيطلب كل نوع منها مفرا يفر اليه من ما يخاف منه و يلجأ اليه عند غلبة العدو عليه حتي انه يظهر في النحل الاستظلال بظل يعسوب يجمعها و يحفظها و يدفع عنها المكاره و يسوق اليها المحاب و لااظن ان موجودا في مقامه يخلو من هذا الطلب الا ان كلا بحسبه فمنهم من صبغ الطلب باصباغ فطلب ما لاينبغي كالشاهية اذا انصبغت باخلاط ردية اشتهت الخزف و الفحم و امثالها و منهم من ردها الي الفطرة الاولية فطلب ما ينبغي كما ينبغي كالشاهية المستقيمة فانها تطلب ما ينفع البدن لا غير و انت اذا عملت بوصيتي و صعدت من الاراضي الكدرة الكثيفة الي سماوات السذاجة و الاعتدال اعتدل طلبك البتة فطلب نفسك عزيزا لا ذل فيه و غنيا لا فقر فيه و قويا لا عجز فيه و عالما لا جهل فيه و كاملا لا نقص فيه و كريما لا لؤم فيه و جوادا لا بخل فيه و هكذا فان غير ذلك من الملاجي لاينبغي الالتجاء اليه و الاعتداد به و كيف يسئل محتاج محتاجا و كيف يستعز ذليل بذليل و كيف يرضي النفس المعتدلة ان تسئل من يسأل غيره و لاتسأل بنفسها ذلك الغير و كيف ترضي ان تلتجي الي من يلتجي الي غيره و لاتلتجي بنفسها الي ذلك الغير و قد جبل في كل طبع الالتجاء الي الامنع و ترجيح الاحسن الاوثق الاكمل و ان [ص 19] رجح احد يوما ما غير ذلك لغير علة فذلك من الانصباغات البتة فان العقل السليم يستقبحه اللهم الا ان يكون له مرجح خارجي فطلب الرب جل شأنه و هو المربي للانسان و الاستظلال بظله و الاِواء الي ركنه و الاعتماد عليه و الالتجاء اليه امر جبلي طبيعي و ان من شئ الا و فيه ذلك الطلب الا ان منهم من يطلب ما ينبغي لصحته و منهم من يطلب ما لاينبغي لمرضه و ان نظر ناظر بعين الانصاف عرف انه لاينبغي طلب غير الكامل الحق و من عرف توارد النوائب و تناوب الشدايد علي نفسه و الحاجة الدائمة منها الي دفعها و الي تحصيل المنافع استوجب طلب ركن وثيق يأوي اليه و ملجأ منيع يتحصن به و معز يعزه و مغن يغنيه و رب يرزقه فوجوب طلب المعرفة وجوب عقلي لا شرعي اذ لا شرع قبل المعرفة و العقل كما عرفت يستوجب الاتصال بممسك له لانه لايقدر علي امساك نفسه و لوجوبه عقلا وجوه اخر لسنا بصدد بيانها الآن بالجملة هذا الاتصال له مراتب اعلاه الاتصال بالرب الخالق ثم الاتصال بالنبي ثم الاتصال بالولي ثم الاتصال بالعلماء الراسخين ثم الاخوان المساعدين و العقل يستوجب جميع ذلك لما يري في نفسه من الفاقة اليها و عدم امساك نفسه بدونها و هي بعضها من بعض و بعضها ظهور بعض فهو اتصال واحد يرجع بعضه الي بعض لان بعضه سبيل بعض و بعضه من تمام بعض فعلم من ذلك و مما يأتي انه قد جبل في طبع الانسان طلب هؤلاء و الفقر اليهم و لا غناء له عنهم ابدا و لايتماسك وجوده بدون هؤلاء سرمدا و كل من طلب اضداد هؤلاء و جعل لهم اندادا فذلك من طلبه المريض المنصبغ و ما تري من استمساك غير العارف بهم فذلك استمساك غير صالح لا عاقبة له و يؤل الي الخيبة و الخسران لانه علي خلاف الحكمة كما هو ظاهر لكل ناظر من استمساك [ص 20] الشخص باكل الاشياء الردية الضارة بالبدن اياما عديدة لكنه يؤل عما قليل الي الهلاك و البوار بالجملة لايسوغ العقل في كل رتبة طلب غير الكامل و لا كامل في كل رتبة الا هؤلاء ان انصفت كما يأتي و قد جبل هذا الطلب في طبع كل احد اعظم من ساير الجبلات لانه الي ذلك احوج منه الي غيره من الاكل و الشرب و الباه و غير ذلك و هذا الانسان قد جبل علي نهج الحكمة و الصواب و قد اوتي ما يجب فيه و منع عما لايجوز له فصفّ نفسك عن الاعراض و ازل عنها الامراض و اطلب ربك الحق بعين الانصاف و جانب الاعتساف و قف علي الاعراف لتكون من الفائزين في المصاف .
فصل - في اثبات حدوث العالم . اعلم انك بعد ما صفيت مداركك و قويٰك و مشاعرك و صدق فيك الطلب و رمت الفحص عن الحق ينبغي لك ان تتدبر اولا في الآفاق و الانفس و عجائب ما فيها من التدبير الحكيم و التقدير القويم و كونها بحيث لايسع احدا من الحكماء و العلماء ان يقول فيها او في شئ منها لو كان كذا لكان احسن و انما يكثر حسن كل صنعة من الصانعين اذا اشتد شباهته بشئ منها و قد استنبط كل ذي صنعة صنعته من شئ منها مع ما يحتاج فيها من آلاتها و ادواتها و هي مع ما فيها من احكام الصنعة و اتقان الامر توجد من غير آلة معروفة و اداة ظاهرة و تكون آثار التدبير فيها ظاهرة و علائم التقدير عليها باهرة الاتري انها كلها متحركة بتحريك محرك و مستقرة بامساك ماسك الاتري كل جزء منها دائبا فيما وضع فيه و علي ما جعل عليه و حايزا لجميع ما يلزم في كونه هو هو و من زعم انه غير مصنوع فليفسر المصنوع و عجزه عن اتيان تفسير له غير ذلك دليل علي كونها مصنوعة و هل يعقل او يدرك للمصنوع حقيقة [ص 21] غير ذلك و هل يقدر احد علي تفسير له غير ما يكون علي هذا الوضع المدبر المصور المنفعل اليس يري اتصاف الكل بصفاتها و اقتران الكل بقوارنها و اقتراب الكل بما اقترب منه و تباعد الكل عما تباعد عنه و تسافل الكل عما تسافل عنه و تعالي الكل علي ما تعالي عليه و تحرك ما يتحرك و توقف ما يتوقف و تصعد ما يتصعد و تنزل ما يتنزل و تغير ما يتغير و هكذا من الانفعالات التي كلها من آثار الصنع و التدبير و ليس دليل عند اولي الالباب اوضح من تأثر هذا العالم و مصنوعيته و انفعاله المشهود و كفاك دليلا علي ذلك ان كلها قابل ما هو عليه لا فاعل و تعبر عن جميع حالاتها بالفاظ المطاوعة و المفاعيل اذا كنت علي الفطرة و ذلك حقيقة كاف لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .
فصل - فان ابيت الا اللسان العلمي الجدالي فاقول لا بد اولا من معرفة معني الحدوث و اري اناسا كثيرين يتكلمون فيه و لمايعرفوا المقصود منه فيبرمون و ينقضون و لمينقحوا موضع الكلام فاقول اعلم ان للحادث معاني منها الحادث الزماني و هو الذي لميكن في زمان ثم وجد بعد ذلك في زمان آخر و ذلك يوصف به ما يكون من اجزاء عالم الاجسام و اما حدوث كل عالم الاجسام الذي منه الزمان فلايعقل ان يكون بهذا المعني لانه لميكن قبله زمان لميكن هو فيه ثم يكون في غيره فهو حادث دهري يعني هو وجود منفعل علي ما هو عليه مدبر مصنوع و ان كان دائما مستمرا لايقوّضه وقت و لايقيّضه اجل و نسمي هذا الحدوث في اصطلاحنا بالحدوث الدهري و هو بالنسبة الي الزماني قديم لانه كائن مستمر في كل الازمان لا بدء له و لا منتهي و عندنا حدوث آخر و هو الحدوث الذاتي و المراد منه صرف الافتقار [ص 22] الي الغير و لايلحظ فيه الوصفان السابقان اذ لا يوجدان فيه و قد نسميه بالحدوث السرمدي و هو قديم دهري فالعالم الذي يعم الذوات لايعقل في حدوثه الا السرمدي فمن زعم انه يثبت فيه الحدوث الزماني او الدهري فقد زعم محالا و كذا العالم الذي يعتبر من الدهر فما دونه فحدوثه دهري فمن كان يزعم انه يقدر علي ان يأتي ببرهان يثبت في العالم بهذا المعني الحدوث الزماني فقد اخطأ و رام محالا و اما الحدوث الزماني في اجزائه فهو مشاهد محسوس لايحتاج الي دليل في المركبات و اما البسايط فبعد ما نري انه يوجد امثالها حينا بعد حين و يفني ابعاضها شيئا بعد شئ لانحتاج الي دليل و لو رأوا الدهر رؤيتهم الزمان لاذعنوا بحدوثه اذعانهم بحدوث الزمانيات و لكن لما لميعرفوه احتاجوا الي دليل يدلهم علي ذلك فنقول لا شك و لا ريب في ان العالم علي ما هو عليه موصوف و كل موصوف يشهد انه غير صفته و كل صفة تشهد انها غير موصوفها و هما يشهدان بالاقتران و الاقتران انفعال و الانفعال قبول فعل الفاعل و الفاعل غير المنفعل القابل فالعالم مصنوع بصنع صانع البتة و هو حادث اي مفعول مصنوع لا انه لميكن في زمان ثم كان في زمان و يشهد بحدوثه ايضا صلاحية استحالته عما هو عليه الي غيره عقلا و لو لميكن صالحا لذلك في الخارج لامتنع فرضه في الذهن الذي ليس شئ عنده الا ما انتزع من الخارج و هو من اجزاء العالم فلايجب في الواقع ان يكون هو هو فهو ممكن ان يكون و ممكن ان لايكون فهو جائز الوجود غير قائم بنفسه اذ لو كان قائما بنفسه لكان واجبا فهو قائم بغيره و اما الذوات فيعرف حدوثها بان كل ما هو غير الاحد مركب مثني و الوجود الحاصل من اقتران الاجزاء تابع للاقتران و الاقتران انفعال كما عرفت فالوجود الحاصل من الاقتران مفتقر [ص 23] محتاج الي موجد يوجده بالبداهة و اما الاحد فهو القديم الذي لميلد و لميولد و لميحدث و لميوجد و لا كلام فيه هنا فانت اذا وضعت كل شئ موضعه فزت مع الفائزين و العلم نقطة كثرها الجهال لخلطهم الاحوال .
فصل - في اثبات الصانع ، و انت اذا عرفت حدوث العالم يسهل عليك الاستدلال به علي وجود الصانع مع ما تشاهد بالفطرة السليمة ان الخلق كلها مفاعيل كما تري من ان السماء مرفوعة لا رافعة و متحركة في نفسها لا محركة و مدورة بالفتح لا مدورة بالكسر و هكذا الارض موضوعة لا واضعة و محروثة لا حارثة و الاشياء كلها مركبة بالفتح لا مركبة بالكسر و كلها مجعولة علي ما هي عليه لا جاعلة و اريد في كل ذلك انها مفعولة في نفسها لا فاعلة فيها و لايقدر عاقل ان يتصور شيئا واحدا حقيقيا يفعل هو في نفسه و ما يري من حركة زيد او عمرو بنفسه فان له غيبا غير شهادته يحرك شهادته و ما يري من حركة النباتات مثلا فانما هو من نفسها النباتية لظاهرها العنصرية و ما يري من حركة الجمادات فانما هو بتحريك محرك آخر حتي البسائط المنتقلة الي احيازها فانما هي بجاذبة الافلاك ما يشاكل بقدر ما يشاكل و دافعة الافلاك ما ينافر بقدر ما ينافر او هي من صرف دافعة الفلك فانه يدفع المنافر الي اقصي ما يمكن و لا مانع فاذا وقع اخف ادني يمكن دفع الاعلي الي الادني فيدفع الاعلي فيصعد الادني بالمزاحمة بالجملة اذا شهد كلها علي انفسها بانها مفعولة فأية بينة اثبت منها و اوثق علي وجود صانع فاعل غاية الامر ان الكلام ينتقل الي وحدة ذلك الصانع و تعدده و لسنا بصدده فوجودات الاشياء كلها شاهدة بلسان واحد انها مصنوعة علي ما هي عليه و مجعولة و قابلة لما هي عليه لا مقبولة و شاهدة بان لها صانعا و موجدا فلاتحتاج [ص 24] الي تطويل مقال و ايراث كلال .
فصل - اعلم ان غاية دلالة المصنوع لاتتجاوز عن وجود صانع له و هو صفة مقترنة و علة متصلة و نسبة متضايفة بها تقوم الدلالة و تثبت الرابطة فرجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله اذ الصفة علي مثلها تدل و في شكلها تحل فالحادث لايدل الا علي مثله و لايؤدي الا الي شكله فمن زعم انه يستدل بالحوادث علي القديم جل شأنه و سماه دليل الان فقد اخطأ الطريق فانه جل شأنه بذاته لايقع دليلا و لا مدلولا عليه و انما هو هو ليس شئ اظهر منه حتي يكون مظهرا له ليس له دليل يدل عليه و لا برهان يكشف عنه المتسمع قول الحكماء ما لا حد له لا برهان له ● ايكون لغيره من الظهور ما ليس له حتي يكون هو المظهر له متي غاب حتي يحتاج الي دليل يدل عليه و متي بعد حتي يكون الآثار هي التي توصل اليه فهنالك لا دليل و لا مدلول و لا موصول و لا مفصول و لا يكشف عنه منقول و لا معقول [ص 25] كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم لان الادوات لاتحد الا انفسها و الآلات لاتشير الا الي نظائرها فكل مستدل عليه مصنوع و كل معروف بالآية مفعول و الدلالة و المعرفة تقعان علي ما يرتبط بهما و هو من المقامات و الاوصاف و اما الذات فهي اجل منه و اعلي فافهم ان كنت تفهم .
فصل - في القديم جل شأنه العظيم . اعلم ان الدليل علي وجود شئ يقام اذا كان يمكن ان يكون و يمكن ان لايكون اي يجوز العقل وجوده و عدمه فالعقل يحتاج الي دليل يدل علي انه علي اي شقي امكانه و اما الذي يجب وجوده في العقل و يمتنع عدمه فيه فلايحتاج الي دليل يقام علي وجوده و غاية ما يحصل للعقل من الدليل الحق القطع بوجود المدلول عليه مطلقا و القديم بنفسه ما يجب وجوده عقلا و يمتنع عدمه فهو يدل علي ذاته بذاته لا حاجة في اثباته الي غير معناه فكل من طلب الدليل فعلي غيره طلب و كل مستدل فعلي غيره استدل و اسأل من سأل البرهان علي القديم هل يمتنع عندك وجوده او يمكن او يجب فان قال يجب فيمتنع عدمه فاي دليل يبغي و ان قال يمتنع فكذلك مع كونه منقوضا و ان قال يمكن فقد نقض قوله فمعني القديم غني عن اقامة الدليل عليه هذا و الدليل ما لميكن حاملا ركني النتيجة لاينتج و ما لميكن منتجا لايدل فالدليل بمنزلة الوالدين للنتيجة ابوها الكبري الحاملة للمادة و امها الصغري الحاملة للصورة بلحاظ و بالعكس بلحاظ و علة اقتران صورة النتيجة بمادتها الاوسط فيهما فما لا حد له لا مادة له و لا صورة و ما لا مادة له و لا صورة لا برهان له و كذا بالعكس فافهم ان كنت تفهم و لكن لاوهام الجهلة اغبرة غفلة و جهالة [ص 26] لا بد و ان تكنس بمكنسة بعض الحجج مداراة لافهامهم فنقول لهم لو لميكن قديم فالكل حادث ● و الحادث من غير محدث آخر محال لانه لميكن ثم كان او هو غير قائم بنفسه مفتقر الي غيره في وجوده فان قلت انه محدثه نفسه يلزمك ان تقول انه حين كونه معدوما كان محدثا للوجود و كان حكيما عالما قادرا و هو قول محال لايتفوه به عاقل و اما بعد ان كان فكان و ليس يحتاج الي احداث جديد لما كان فاذا امتنع ان يكون هو بنفسه موجد نفسه فوجب ان يكون له موجد غيرُه فالموجد له ان كان قديما فهو المطلوب و ان كان حادثا فله محدث آخر و هذه الحوادث يجمعها وجود مشترك ام لا فان قيل لا فبعضها معدوم و الكلام في الموجود و ان قيل نعم فهي محصورة تحت ذلك الكلي اي الوجود و هو محيط بها و فوقها البتة و يحصيها فانها اشعته و ظهوراته و ان لميقدر علي احصائها بعض الافراد فاذا كانت محصورة و كلها حادثة تحتاج الي غيرها فالغير هو القديم الحق جل شأنه فتدبر .
و وجه آخر هذه الحوادث المفروضة معدودة ام لا و الثاني خلاف المدعي و الاول لا بد من ان يتناهي فان المعدود قابل للزيادة و النقصان و كل قابل للزيادة و النقصان محدود و كل محدود متناه فالمحدث لها غيرها و قديم تعالي قدره العظيم عما يظنون علوا كبيرا .
و وجه آخر ان هذه الحوادث المتعددة يجمعها وجود واحد اطلاقي حقيقي فوقها كما ذكرنا البتة بالغة ما بلغت في الكثرة و ذلك الوجود الواحد حادث [ص 27] كما يظن البتة و هو ليس بمحدث نفسه و انما احدثه غيره و لميبق مجال غير ان يكون ذلك الغير قديما فانه لو كان حادثا يجتمع مع الوجود الاول تحت اطلاق آخر و هو خلاف الفرض فان الوجود الاول كان مطلقا عن كل قيد و الشبهة بانها لعلها لايجمعها وجود واحد تدفع بان الكثرة يمكن ان لايجمعها وجود واحد صنفي او نوعي و اما الوجود الواحد الاطلاقي فلا بد و ان يجمع الكل الست تشهد انها كلها حادثة ممكنة و انها شئ و انها موجود و هكذا من المعاني المطلقة الصادقة عليها هذا و وجود المصنوعات و المفاعيل كما عرفت دال علي وجود الصانع و لا بد و ان ينتهي الي الصانع الذي ليس بمصنوع لان الصانع المصنوع ليس بصانع حقيقي و انما هو آلة متحركة للغير يجيلها و يقلبها كيف شاء فالصانع الحق هو المحرك الذي لايتحرك و الفاعل الذي لاينفعل من غيره و القول بتسلسل المتحركات و عدم المحرك للكل مع اقراره بان الكل يجمعها وصف المتحرك قول محال و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و هذا القدر كاف في المقام ان شاء الله و استغفره من سوء الفرض و القول بما لايليق .
فصل - مثل سخافة قول من ينكر القديم سخافة قول من يقول بقدم الكل و هو يري حدوث الزمانيات رأي العين و ليس شئ اجلي منه حتي اجعله دليلا لذلك و اما جملة الزمانيات فنعم لمتحدث في وقت و لكنها حادثة لتركيبها و انقلاب اجزائها حالا بعد حال و انفعالها البين باتصافها بوصفها و اقترانها بحدودها و اما الذوات فهي ايضا حادثة لتركيبها البين و كل مركب وجوده مفتقر الي من يركبه لانه فرع اقتران الاجزاء و اقترانها انفعالها عند فعل القارن لها بالجملة حدوث ما سوي الاحد لمكان التركيب البين و عدم استقلاله بنفسه المستلزم [ص 28] للحدوث فكيف يكون العالم قائما بنفسه و اما اطلاق القدم عليه بمعني القدم الزماني او الدهري فلا بأس فان هذا القدم لاينافي الحدوث اي الافتقار الي الموجد و اما القدم الذاتي فلا فانه مخصوص بالازل غير المفتقر الي سويه .
في معني التوحيد و اقسامه و فيه مقدمة و اربعة مطالب :
فصل - اري ان كل من ضل و غوي و اضل و اغوي في المعارف و العلم الالهي فانما هو بسبب جهله بمعرفة وحدة الازل جل شأنه و خبطه فيها و انت اذا امعنت النظر في هذه المقدمة فحري ان لاتزل قدمك في شئ من مسائل العلم الالهي فان جميع مسائله يرجع الي توحيده سبحانه فان اصلحت هذه المسئلة صلح الكل و ان افسدت فسد الكل فشأنك شأنك لاتغفل عما اشرحه لك و لا قوة الا بالله المتعال و اعلم ان العلم نقطة كثرها الجهال و اعلم ان التوحيد في الله هو الاقرار بالوحدة و هو الانفراد كما روي و في الخلق جعله واحدا و اعلم ان الوحدة علي قسمين وحدة وصفية و وحدة ذاتية فالوحدة الوصفية هي التي تتعدد بالشخصية و الصنفية و النوعية و الجنسية و هلم جرا و المراد منها اتصال الحدود و ارتباطها فاتصال الحدود الشخصية يورث الوحدة الشخصية و الحدود النوعية النوعية و هكذا فاذا انفصلت الحدود بعضها عن بعض تكثرت فتجزّا ذلك الشخص او الصنف او النوع و هكذا و اما الوحدة الذاتية فليست بارتباك الحدود و التيامها فانه لا حدود فلا تعدد و لا تجزّؤَ و لا تثني فاين الكثرات حتي تكون مركبة منها بل هي ذات واحدة وحدة حقيقية ليس [ص 29] فيها حيث و حيث و جهة و جهة و اعتبار و اعتبار و فرض و فرض و احتمال و احتمال ابدا ابدا فان كل ذلك يستدعي الامتياز المستدعي للحدود الممتنعة في رتبة الذات فليس الله جل شأنه بواحد شخصي و لا واحد صنفي و لا واحد نوعي و لا واحد جنسي بل ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و اوفق لفظ لهذه الوحدة لفظ الاحد الذي اختاره الله سبحانه في سورة النسبة فقال قل هو الله احد فتفطن .
فصل - اعلم ان الفرق بين الواحد و الاحد كثير و قل من يفرق بينهما لما يُري من استعمال كل واحد في مقام الآخر و لكن بينهما بون بعيد نذكر ما سنح بالبال في هذه الحال اعلم ان الاحد هو الحقيقة المستعلية علي جميع الكثرات الواقعة في مقام العد من الواحد فما دونه و هو المهيمن علي ذلك كله و الكل من نوره و شعاعه و ظهوره و لاجل ذلك اعطي الكل اسمه و رسمه و ينتفي الكل بنفيه اذا نفي فاذا قلت مارأيت احدا فلايحتمل ان يكون شئ من مراتب الكثرة الواقعة في مراتب العد مرئيّك بخلاف ان تقول مارأيت واحدا فيحتمل حينئذ ان تكون رأيت اثنين او ثلثة او غيرها و اذا قلت رأيت احدا يحتمل كل فرد علي سبيل البدلية فانه يصدق علي كل معدود و علي كل نسبة حاصلة من قراناتها بخلاف ان تقول رأيت واحدا فلايحتمل ان تكون رأيت الا ذلك الواحد لا الاثنين و لا الثلثة و لا فرق بين قولك رأيت واحدا مع قولك رأيت اثنين في التخصيص بخلاف قولك رأيت احدا فيحتمل جميع مراتب الكثرة و جميع قراناتها علي البدلية و ذلك فرق بين جلي بينهما و فرق آخر ان الواحد لاينافي الاجزاء الملتئمة و انما المعتبر في صدق الوصف [ص 30] الالتيام و ليس الاحد كذلك فانما المعتبر في صدقه البساطة عن جميع حدود ظهوراته و تركيباتها و لاجل ذلك يجوز ان تقول الفٌ واحد و كرٌ واحد مع كثرة اجزائهما و لايجوز ذلك في الاحد و يجوز الواحدية الشخصية و النوعية و لا احدية شخصية و لا نوعية و هذا ايضا فرق واضح جلي و الواحد صفة الاحد و احد تجلياته كالقائم بالنسبة الي زيد فالاحد اذا تجلي بظهوراته في اول مراتب العد يسمي بالواحد فلاجل ذلك لايستوعب الواحد جميع مراتب التوحيد بخلاف الاحد فالواحد بالرازقية غير الواحد في الخالقية و هو غير الواحد في المميتية و هكذا و اما الاحد فهو الرازق الخالق المميت الي غير ذلك من الصفات فالاحد لايتغير في ذاته ابدا كزيد فانه ابدا زيد و اما الواحد يتغير في مراتبه كالقائم و القاعد و الكاتب و غير ذلك فان الخالق هو الواحد في الخلق و الرازق هو الواحد في الرزق و هكذا و الاحد ليس من العدد و الواحد من العدد لقوله عليه السلام واحد لا بتأويل عدد ، و اخراج اهل الحساب اياه عن العدد اصطلاح منقوض عليهم بل هو من العدد عرفا و حقيقة و هو الاثنان لتركيبه و الواحد الحقيقي هو الاحد و ليس من العدد و الاحد يستوعب الكثرة بظهوره في وحدته و الواحد لايستوعب الكثرة في وحدته و الواحد غيره معه كثير و الاحد ليس من غيره معه شئ و معني الاحد بسيط باصل الوضع و لذلك يصح اطلاقه علي الله سبحانه و معني الواحد مركب باصل الوضع و لذلك لايليق به سبحانه الا بزيادة تخصيص ارادة و نصب قرينة و هكذا غير ما ذكرنا من الفرق و هو كثير فان عرفت ما ذكرنا عرفت الفرق بين وحدته سبحانه و بين وحدة ساير خلقه و قل من يعرف ذلك .
[ص 31] فصل - اعلم انه ليس الا الله و نوره فان ما سوي القائم بنفسه قائم بغيره و لايعني بالنور الا القائم بالغير في ذاته فما سوي الحق خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما اما ذاته فهي هي في احديتها و تنزهها من ان يحاط بها او تعرف و اما خلقه فقد تجلي له به في اربع مراتب و عرف نفسه له فان لها ذواتٍ قد عرف نفسه لها بها بالتوحيد الذاتي الحقي و لها البابا قد عرف نفسه لها بها بالتوحيد الحقيقي في الصفات بان ليس كمثله شئ و لها ارواحا قد اُيّدوا بها و قد عرف نفسه لها بها بالتوحيد الحقيقي الفعلي و لها نفوسا قدسية قد عرف نفسه لها بها بانه المعبود الواحد الحقيقي و كل معبود مما دون عرشه الي قرار ارضه السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهه الكريم فانه اعز و اجل من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي القلوب الي كنه عظمته و هذه الوحدانية التي عرف نفسه بها لخلقه هي الوحدانية الوصفية و الظلية لاحديته جل شأنه الذاتية و هذه الوحدانية هي مثاله الملقي في هوية الافئدة و الالباب و الارواح و النفوس و انصبغ في كل مرآة علي حسبه فلذلك اختلفت مراتبها و لما كانت من مراتب الاوصاف يسع من وصفته له ان يرقي في مراقيها و يصعد في مدارجها و نريد ان نشرح كل واحدة من هذه المراتب في مطلب علي حدته ليكون ما قصدنا تعليمه في هذه الرسالة واضحا بينا ان شاء الله .