و اعلم انه في الحقيقة لا اختلاف بين الاصحاب من الاصوليين و بين العامة في الاجماع و حجيته و امكان وقوعه و العلم به الا ان العامة لم‌يأخذوا الكشف عن المعصوم في التعريف و الخاصة اخذوه فيه و لا ريب ان مآل استدلال العامة بالاجماع هو الكشف عن قول المعصوم سواء اخذوه في تعريفهم ام لم‌يأخذوه فانك اذا سألتهم هل ان الاجماع علي خلافة ابي‌بكر مثلا هو لله و للرسول فيه رضي او لا لا ريب انهم يجيبونك بان لله و للرسول فيه رضي فاذا كان الامر كذلك فيعلم ان اجماعهم كشفي ايضا سيما و انهم يستدلون كما نقل القمي عنهم بقوله و اما الادلة العقلية التي اقاموها علي ذلك فاقواها ان العلماء اجمعوا علي القطع بتخطئة المخالف للاجماع فدل علي انه حجة فان العادة تحكم بان هذا العدد الكثير من العلماء المحققين لايجتمعون علي القطع في شرعي بمجرد تواطئ او ظن بل لايكون قطعهم الا عن قاطع فوجب الحكم بوجود نص قاطع بلغهم في ذلك فيكون مقتضاه و هو خطأ مخالف للاجماع حقا و هو يقتضي حقية ما عليه الاجماع و هو المطلوب ، انتهي . اقول فاذا كان استدلالهم ذلك و انه يجب الحكم بوجود نص قاطع بلغ المجمعين فهل هذا الا كشف عن قول المعصوم غاية ما هناك انهم لم‌يأخذوه في التعريف فايراد القمي لادلتهم و نقضها مجرد رد لفظي لا اكثر و لا اقل و الا فان ادلتهم هي بعينها ادلة الخاصة فانهم استدلوا بالآيات القرآنية كما ذكر القمي منها و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي و نصله جهنم الآية ، فانه جمع في الوعد بين مخالفة سبيل المؤمنين و مشاقة الرسول (ص) و لا ريب في حرمة الثاني فكذا الاول و قوله [ص 338] تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس فان وسط كل شيء عدله و خياره في اللغة فمن عدله الله تعالي يكون معصوما عن الخطأ فقولهم حجة و منها قوله تعالي فان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الرسول فان مفهومه عدم وجوب الرد مع الاتفاق اقول و هذه بعينها ادلة الخاصة ايضا فانهم قد اقتبسوا ذلك كله من العامة و اضافوا اليها ادلة من اخبار اهل البيت عليهم السلم زعموا انها وافية في الاستدلال علي مرامهم و سنذكرها لك قريبا ان شاء الله .

و كذا استدلوا بالسنة و اظهرها كما قال القمي : دلالة هو قوله (ص) لاتجتمع امتي علي الخطأ و في لفظ آخر لم‌يكن الله ليجمع امتي علي خطأ و منها قوله (ص) كونوا مع الجماعة و يد الله علي الجماعة و نحو ذلك ، و بهذا يتم استدلالهم من الكتاب و السنة .

و اما ما يمكن ان يؤخذ للخاصة دليلا من اخبار اهل البيت عليهم السلم فكما في الكتاب المبين « ١ » عن الحسن بن علي عليه السلم انه قال في حضرة معوية ان الناس قد اجتمعوا علي امور كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها و لا تنازع علي شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله عبده و الصلوات الخمس ثم عد اشياء الي ان قال و اجتمعوا علي تحريم الزني و السرقة ثم عد اشياء الي ان قال و اختلفوا في سنن اقتتلوا فيها و صاروا فرقا يلعن بعضهم بعضا الي ان قال ايهم احق و اولي بها الا فرقة تتبع كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله فمن اخذ بما عليه اهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف و رد علم ما اختلفوا فيه الي الله سلم و نجا به من النار و دخل الجنة الي ان قال انما الناس ثلاثة فذكر المؤمن و الناصب الي ان قال و رجل اخذ بما لايختلف فيه و رد علم ما اشكل عليه الي الله مع ولايتنا و لايأتم بنا و لايعادينا و لايعرف حقنا فنحن نرجو ان يغفر الله له و يدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف . [ص 339] « ٢ » و عن الصادق عليه السلم الي ان قال و المفتي يحتاج الي معرفة معاني القرآن و حقايق السنن و مواطن الاشارات و الآداب و الاجماع و الاختلاف و الاطلاع علي اصول ما اجتمعوا عليه و ما اختلفوا فيه . « ٣ » و قال عليه السلم من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الاسلام من عنقه الخبر . « ٤ » و في نهج البلاغة في كلام له عليه السلم و خير الناس في حالا (كذا) النمط الاوسط فالزموه و الزموا السواد الاعظم فان يد الله علي الجماعة و اياكم و الفرقة فان الشاذ من الناس للشيطان كما ان الشاذ من الغنم للذئب . « ٥ » و عن موسي بن جعفر عليه السلم قال ثلاث موبقات نكث الصفقة و ترك السنة و فراق الجماعة . « ٦ » و عنه في كتابه للرشيد امور الاديان امران امر لا اختلاف فيه و هو اجماع الامة علي الضرورة التي يضطرون اليها و الاخبار المجتمع عليها الخبر . « ٧ » و في حديث قال ابوقرة لابي‌الحسن الرضا عليه السلم فتكذب بالروايات فقال ابوالحسن عليه السلم اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها و ما اجمع المسلمون عليه انه لايحاط به علما و لاتدركه الابصار الخبر . « ٨ » و كتب الي الرضا عليه السلم فيما سئل عن الرؤية و ما ترويه العامة و الخاصة و سئل ان يشرح له ذلك فكتب بخطه اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية الحديث . « ٩ » و عن ابي‌الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلم في رسالة اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك ان القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون و علي تصديق ما انزل الله مهتدون لقول النبي صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة فاخبر ( فاخبرهم خ‌ل ) صلي الله عليه و آله ان ما اجتمعت عليه الامة و لم‌يخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون [ص 340] و لا ما قاله المعاندون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات الخبر . « ١٠ » و عن الحجة عليه السلم في حديث عقد الاحرام فان السنة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة و الركبتين الخبر . « ١١ » و عنه عليه السلم في دعاء التوجه قبل الصلٰوة و السنة المؤكدة فيه التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه وجهت وجهي الحديث . « ١٢ » و قال ابوعبدالله عليه السلم في حديث ينظرا الي ما كان من روايتهما في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه . « ١٣ » و عن الكليني مرسلا مضمرا خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه . « ١٤ » و روي عنهم عليهم السلم انهم قالوا اذا اختلف احاديثنا فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا فانه لا ريب فيه . اقول هذه جملة وافية من اخبار المقام .

ثم ذكر القمي بعد ايراده لادلة العامة بما هذا لفظه : و كيف كان فما ذكروه من الادلة من العقل و النقل لو تمت فلايضرنا بل ينفعنا فلو لم‌يتم فايضا لايخلو من تأييد لاثبات حجية الاجماع و اكثر ادلتهم مطابقة لمقتضي مذهب الشيعة في حجية الاجماع يظهر لمن تأمل فيها بعين التدقيق و الانصاف . اقول هذا ما نبهناك عليه من ان الاجماع علي طريقة الخاصة هو بعينه علي طريقة العامة فانه اذا كان الاتفاق علي امر من غير دليل ظاهر و نص باهر و ضرورة ساطعة فهو اجماع علي طريقة العامة و ادلة العامة هي ادلة الاصوليين بنفسها ثم ذكر اشكالات اوردوها في امكانه و امكان العلم به بقوله و لنذكر هنا ايضا من الشكوك و الشبهات التي اوردوها في المقامات الثلاثة المتقدمة [ص 341] و لنجب عنها فمنها ما ذكروه في نفي امكانه و هو ان الاتفاق اما عن قطعي او ظني و كلاهما باطل اما القطعي فلان العادة تقضي نقله عليها فلو كان لنقل و ليس فليس و لو نقل لاغني عن الاجماع و اما الظني فلقضاء العادة بامتناع الاتفاق عليه لامتناع القرائح و تباينهم و ذلك كاتفاقهم علي اكل الزبيب الاسود في زمان واحد فانه معلوم الانتفاء و ما ذلك الا لاختلاف الدواعي و رد بمنع حكم العادة بنقل القطعي اذا اغني عنه ما هو اقوي عنه و هو الاجماع و نقله ايضا لايغني عن الاجماع لظهور كمال الفائدة في تعدد الادلة سيما مع كون القطعيات متفاوتة في مراتب القطع و بمنع استحالة الاتفاق علي الظن سيما اذا كان جليا واضح الدلالة معلوم الحجية مع انا سنثبت امكان العلم به فكيف يمكن التشكيك في مكانه و منها ما ذكروه في نفي امكان العلم به و هو انه لايمكن العلم بفتوي جميع علماء الاسلام لانتشارهم في مشارق الارض و مغاربها بل لايمكن معرفة اعيانهم فضلا عن اقوالهم مع احتمال خفاء بعضهم لئلايلزمه الموافقة او المخالفة او انقطاعه لطول غيبته فلايعلم له خبر او اسره في المطمورة او كذبه في قوله رأيي كذا مع ان العبرة بالرأي دون اللفظ مع احتمال رجوع بعضهم عما قال بعد الاستماع عن الآخر و فيه ان هذه شبهة في مقابل البديهة لحصول العلم بمذهب جميع علماء الاسلام بان رأيهم وجوب الصلوة الخمس و صوم رمضان و نحوهما و مذهب علماء الشيعة بان رأيهم حلية المتعة و مسح الرجلين فاذا امكن حصول العلم برأيهم علي سبيل البديهة فكيف لايمكن حصول اليقين بالنظر مع ان مرتبة البداهة متأخرة عن النظر و لا ريب ان اعيان العلماء غير معروفة باجمعهم في ذلك فضلا عن حصول الاستماع منهم و ليس الداعي الي ذلك امر عقلي حتي يقال ان الاجماع باجتماعهم انما هو بحكم [ص 342] العقل بان العقلاء يجتمعون علي ذلك لاجل عقلهم مع ان العقليات ايضا مما وقع فيه الاختلاف كثيرا كما لايخفي .

ثم ذكر بعد ذلك اقوال بعض العامة و ادلتهم في نفي حجية الاجماع و عقبها باقوال الخاصة في نفي حجته ثم ذكر بعد ذلك ردا علي صاحب المعالم القائل بامتناع العلم بكون المسألة اجماعية في زماننا هذا و ما ضاهاه الا من جهة النقل عن الازمنة السابقة و ان كل اجماع يدعي في كلام الاصحاب مما يقرب عصر الشيخ (ره) الي زماننا هذا و ليس مستندا الي نقل متواتر و آحاد حيث تعتبر او مع القرائن المفيدة للعلم فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد (ره) من الشهرة عليه ثم رد علي هذا القول بكلام مفاده ما قرره سابقاً فيما اختاره من التقرير الثالث الآنف الذكر و ما اثبته خلال كلامه في اثبات امكان العلم به لان مبني استدلاله علي حصول العلم الاجمالي لا التفصيلي فيمكن في هذه الازمنة و ثبوت ذلك كثبوت الامور البديهية بسبب التسامع و التضافر للعوام و الخواص فيمكن حصول العلم الضروري بكون الشيء مجمعا عليه و العلم النظري و دونهما الظن المتاخم للعلم بكون المسألة اجماعية و ذكر ان انكار ذلك مكابرة و استشكل فيما لو استدل المجمعون بعلة غير معلومة المأخذ كما استدلوا في لزوم تقديم الشاهد و التزكية علي اليمين اذا كان المثبت للحق هو الشاهد مع اليمين و انه لو قدم اليمين وقعت ملغاة بان وظيفة المدعي هو البينة و اليمين متمم و ذكر في حل هذا الاشكال بقوله : و يمكن ان يق بان هذا ايضا في الحقيقة اتفاق آخر علي امر شرعي و هو كون اليمين متلبسة بوصف المتممية و لازمة التأخير فاتفاقهم علي هذا التعليل ايضا اتفاق علي امر شرعي ثم ذكر بعد ذلك بقوله : و لعل الاجماع الظني ايضا يكون حجة كما سنشير اليه فيما بعد لو لم‌يكن هناك دليل اقوي منه ثم ذكر في الرد علي عبارة صاحب [ص 343] المعالم المتقدمة الذكر بقوله : و مما ذكرنا ظهر ما في قوله فكل اجماع يدعي في كلام الاصحاب الخ لانهم عدول ثقات و ادعوا العلم بحصول الاجماع فلايجوز تكذيبهم و يكون لنا بمنزلة خبر صحيح اخبر به العدول عن امامه (ع) بلا واسطة مع ان ما ذكره موافقاً للشهيد (ره) من ارادة الشهرة لايليق بمن هو دونهم بمراتب فكيف و هم امناء الامة و نواب الأئمة (ع‌ص) و متكفلوا ايتامهم الورعون المتقون الحجج علي الخلق بعد ائمتهم و هذا منهم تدليس و خداع حيث يصطلحون في كتبهم الاصولية الاجماع هو الاجتماع الكاشف عن رأي امامهم و يطلقونه في كتبهم الفقهية علي محض الشهرة حاشاهم عن ذلك نعم تطرق الغفلة و الاشتباه عليهم لانمنعه و احتمال الخطأ لايوجب الحكم ببطلانه في نفس الامر او عدم جواز الاعتماد علي الظن الحاصل به لو لم‌يزاحمه ظن اقوي او لم‌يظهر من الخارج قرائن تدل علي غفلته في دعوي الاجماع و اشتباهه في حدسه ، الي آخر ما ذكر ثم ذكر في مقام آخر فيما لو افتي جماعة من الاصحاب و لم‌يعلم لهم مخالف و لم‌يحصل القطع بقول الامام (ع) و قال انه ليس باجماع و ذكر عبارة عن الشهيد في الذكري مفادها انه اذا اتفق ذلك يكون حجة علي الظاهر و ان لم‌يكن هناك مستمسك ظاهر من حجة عقلية او نقلية لان عدالتهم تمنع عن الاقتحام علي الافتاء بغير علم ثم ايد ذلك اخيرا بقوله : اذ ما ذكر من الظنون القوية فلو لم‌يعارضه ما هو اقوي منه فلايبعد الاعتماد عليه سيما اذا كان القائل به في غاية الكثرة الا ان الفرض بعيد كما ذكره في الذكري ثم ذكر في مقام آخر ما يتعلق بالشهرة بقوله : قال في الذكري الحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه فان اراد في الاجماع و هو ممنوع و ان اراد في الحجية فهو قريب لمثل ما قلناه يعني قوله لان عدالتهم تمنع من الاقتحام علي الافتاء بغير علم الي آخر ما ذكره و لقوة الظن في جانب الشهرة سواء كان [ص 344] اشتهارا في الرواية بان يكثر تدوينها او الفتوي اقول و قوله لقوة الظن يحتمل ان يكون المراد به بيان كون الظن الحاصل من جانب المشهور اقوي من الظن الحاصل من مخالفهم و لما كان المفروض في المسألة السابقة عدم العلم بالمخالف فلم‌يتعرض لذلك و ما ذكر (ره) قوي و يؤيده قوله (ع) خذ بما اشتهر بين اصحابك و اترك الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه فان ملاحظة الحكم و التعليل في الرواية يقتضي ارادة الشهرة من المجمع عليه او الاعم منه و العلة المنصوصة حجة و التخصيص بالرواية خروج عن القول بحجية العلة المنصوصة كما لايخفي و علي القول بكون الاصل العمل بالظن بعد انسداد باب العلم الا ما اخرجه الدليل يتقوي حجية الشهرة و اذا كان معها دليل ضعيف فاولي بالقبول سيما اذا كان الدليل في طرف المخالف اقوي بل كلما كان الادلة و الاخبار في جانب المخالف اكثر و اصح يتقوي جانب الشهرة و يضعف الطرق الاخر ، الي آخر مقالته .

و اما الاخباريون فلقد ذهبوا الي عدم حجيته و ان حجية الاجماع في الفتوي يتمشي علي طريقة العامة فلقد ذكر الميرزا محمد امين الاسترابادي في احدي فوائده التي عقدها في بيان طريقة العامة و انهم بعد رحلة النبي صلي الله عليه و آله لم‌يتمسكوا بالعترة الطاهرة و فرقوا بين الكتاب و بينهم عليهم السلم فقال في جملة من كلامه :

العامة لما انكروا ان الله سبحانه و تعالي في كل زمان علما هاديا منصوبا من قبله تعالي الي ان قال و ساير الطوايف خالفونا في ذلك و هذا الاختلاف انتهي الي الاختلاف في كثير من الاحكام و لهذا المقام زيادة تحقيق سيجيء في كلامنا ان شاء الله احتاجوا لحفظ ظاهر الشريعة الي فتح بابي الاجتهاد و الاجماع ففتحوهما ثم علماؤهم دبروا تدابير عرفية و اخترعوا قوانين سياسية منها انهم قسموا الاحكام الشرعية الي [ص 345] قسمين قسم نصب الشارع دلالة قطعية عليه و قسم نصب الشارع دلالة ظنية عليه الي ان قال ثم سدوا باب القدح في جل ما اعتبروه بادعاء الاجماع عليه فاول الابواب التي فتحوها و اعظمها (ظ) الاجماع اذ عليه تبتني ساير قواعدهم و فسروه بتفاسير مختلفة متفاوتة ( متقاربة ل ) المعني ففي الشرح العضدي للمختصر الحاجبي الاجماع اتفاق المجتهدين من امة محمد صلي الله عليه و سلم في عصر علي امر و في جمع الجوامع الاجماع اتفاق مجتهدي الامة بعد وفاة محمد صلي الله عليه و آله في عصر علي اي امر كان و قالوا اي امر كان يعم الاثبات و النفي و الاحكام الشرعية و اللغوية و العقلية و الدنيوية فهو حجة فيها كما جزموا به في الاولين و رجحوه في الآخرين و ادعوا تحققه في مواضع لاتعد و لاتحصي من باب الخرص و التخمين و التزموا ان لايلتفتوا الي قول اهل الذكر عليهم السلم في تحقيق الاجماع و لا الي قول من تمسك بهم . ثم ذكر كثيرا من القواعد الجارية في مذهب العامة الي ان قال : اقول من ضروريات مذهب الامامية ان كل ما تحتاج اليه الامة الي يوم القيمة و كل ما يختلف فيه اثنان ورد فيه خطاب و حكم من الله تعالي حتي ارش الخدش فخلو واقعة عن حكم الهي غير متصور عند اصحابنا . و ذكر في موضع آخر من الفوائد في تفسير الاجماع الوارد في اخبار اهل البيت عليهم السلم بقوله ان مرادهم عليهم السلم من المجمع عليه الذي اجمعت علي اختياره قدماؤنا الاخباريون فانهم كانوا يختارون لانفسهم ما كان واردا من باب بيان الحق ، الي آخر ما ذكر .

و قال الشيخ يوسف في مقدمة الحدائق :

المقام الثاني في الاجماع و مجمل الكلام فيه ما افاده المحقق طاب ثراه في المعتبر و اقتفاه فيه جمع ممن تأخر قال قدس سره : و اما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم فلو خلا المائة من فقهائنا [ص 346] عن قوله لماكان حجة و لو حصل في الاثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله عليه السلم فلاتغتر اذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين انتهي ، و حينئذ فالحجة هو قوله عليه السلم لا مجرد الاتفاق فيرجع الكلام علي تقدير ثبوت الاجماع المذكور الي خبر ينسب الي المعصوم اجمالا و ترجيحه علي الاخبار المنسوبة اليه تفصيلا غير معقول و كانهم زعموا ان انتسابه اليه في ضمن الاجماع قطعي و لا في ضمنه ظني و هو ممنوع علي ان تحقق هذا الاجماع في زمن الغيبة متعذر لتعذر ظهوره عليه السلم و عسر ضبط العلماء و علي وجه يتحقق دخول قوله في جملة اقوالهم الا ان ينقل ذلك بطريق التواتر و الآحاد المشابه له نقلا مستندا الي الحس بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الاجماع عليه او سماع اقوالهم علي وجه لايمكن حمل القول و العمل علي نوع من التقية و نحوها و دونه خرط القتاد لما يعلم يقينا من تشتت العلماء و تفرقهم في اقطار الارض بل انزوائهم في بلدان المخالفين و حرصهم علي ان لايطلع احد علي عقائدهم و مذاهبهم و ما يقال من انه اذا وقع اجماع الرعية علي الباطل يجب علي الامام ان يظهر و يباحثهم حتي يردهم الي الحق لئلايضل الناس او انه يجوز ان يكون هذه الاقوال المنقولة في كتب الفقهاء التي لايعرف قائلها قولا للامام عليه السلم القاه بين اقوال العلماء حتي لايجتمعوا علي الخطأ كما ذهب اليه بعض المتأخرين حتي انه قدس سره كان يذهب الي اعتبار تلك الاقوال المجهولة القائل لذلك فهو مما لاينبغي ان يصغي اليه و لايعرج في مقام التحقيق عليه و علي هذا فليس في عد الاجماع في الادلة الا مجرد تكثير العدد و اطالة الطريق لانه ان علم دخوله عليه السلم فلا بحث و لا مشاحة في اطلاق اسم [ص 347] الاجماع عليه و استناد الحجة اليه و لو تجوزا و الا فان ظن و لو بمعاضدة خبر واحد فكذلك و الا فليس نقل الاجماع بمجرده موجبا لظن دخول المعصوم عليه السلم و لا كاشفا عنه كما ذكروه نعم لو انحصر جملة الحديث في قوم معروفين او بلدة محصورة في وقت ظهوره عليه السلم كما في وقت الأئمة الماضين صلوات الله عليهم اجمعين اتجه القول بالحجية و يقرب منه ايضا ما لو افتي جماعة من الصدر الذي يقرب منهم كعصر الصدوق و ثقة الاسلام الكليني عطر الله مرقديهما و نحوهما من ارباب النصوص بفتوي لم‌نقف فيهما علي خبر و لا مخالف منهم فانه ايضا مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية و دخول قول المعصوم فيهم لوصول نص لهم في ذلك و من هنا نقل جمع من اصحابنا ان المتقدمين كانوا اذا اعوزتهم النصوص في المسألة يرجعون الي فتاوي علي بن الحسين بن بابويه و ممن صرح بامتناع انعقاد الاجماع في زمن الغيبة المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم قال الحق امتناع الاطلاع عادة علي حصول الاجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل اذ لا سبيل الا العلم بقول الامام عليه السلم كيف و هو موقوف علي وجود المجتهدين من المجهولين ليدخل في جملتهم و يكون قوله مستورا بين اقوالهم و هذا مما يقطع بانتفائه فكل اجماع يدعي في كلام الاصحاب مما يقرب من عصر الشيخ الي زماننا هذا و ليس مستندا الي نقل متواتر او آحاد حيث يعتبر او مع القرائن المفيدة للعلم فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة و اما الزمان السابق علي ما ذكرناه المقارب لعصر ظهور الائمة عليهم السلم و امكان العمل باقوالهم فيمكن فيه حصول الاجماع و العلم به بطريق التتبع و الي مثل هذا نظر بعض علماء اهل الخلاف حيث قال الانصاف انه لا طريق الي معرفة [ص 348] حصول الاجماع الا في زمان الصحابة حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم باسرهم علي التفصيل انتهي كلام المحقق المذكور منحه الله تعالي بالبهجة و السرور و التحقيق ان اساطين الاجماع كالشيخ و المرتضي و ابن‌ادريس و اضرابهم قد كفونا مؤنة القدح فيه و ابطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضا في دعواه بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك كما لايخفي علي المتتبع البصير و لاينبؤك مثل خبير و لقد كان عندي رسالة الظاهر انها لشيخنا الشهيد الثاني قدس سره كتبها في الاجماعات التي ناقض الشيخ فيها نفسه و قد ذهب في بعض الحوادث التي جرت علي جزيرتنا البحرين فان قيل ان بعض الاخبار مما يدل علي حجية الاجماع و اعتباره كمقبولة عمر بن حنظلة حيث قال السائل فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا ليس يتفاضل احدهما علي صاحبه قال عليه السلم ينظر الي ما كان من روايتهما في ذلك الذي حكما به المجمع عليه ( عند ظ ) اصحابك فيؤخذ من حكمنا و يترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و ما رواه في الكافي في باب ابطال الرؤية في الصحيح عن صفوان قال سألني ابوقرة المحدث ان ادخله علي ابي‌الحسن الرضا عليه السلم الي ان قال فقال ابوقرة اتكذب بالروايات فقال ابوالحسن عليه السلم اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها و ما اجمع عليه المسلمون انه لايحاط به علما و لايدركه الابصار الحديث ، و ما رواه في الكافي ايضا في الباب المذكور عن محمد بن عبيدة قال كتبت الي ابي‌الحسن الرضا عليه السلم اسأله عن الرؤية و ما ترويه العامة و الخاصة و سألته ان يشرح لي ذلك فكتب بخطه اتفق الجميع لا مانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية الحديث ، فالجواب عن ذلك ممكن اجمالا و تفصيلا اما الاول فلأن [ص 349] المسألة من الاصول المنوطة بالقطع عندهم و الاخبار المذكورة لاتخرج عن خبر الآحاد الذي قصاراه الظن عندهم فلايتم الاستدلال و اما الثاني فاما عن الخبر الاول فاولا غاية ما يستفاد منه كون الاجماع مرجحا لاحد الخبرين علي الآخر عند التعارض و هو مما لا نزاع فيه انما النزاع في كونه دليلا مستقلا برأسه و الخبر لايدل عليه و ثانيا فان ظاهره بل صريحه كون الاجماع في الرواية و هو مما لا نزاع فيه لا في الفتوي كما هو المطلوب بالاستدلال و اما عن الاخيرين فيمكن اولا الحمل علي كون الاستدلال جدليا الزاميا للخصم القائل بجواز الرؤية بالاجماع الذي يعتقد حجيته علي ما ينافي مدعاه من جوازها و ثانيا بانه علي تقدير دلالتهما علي الحجية في الجملة فلا دلالة لهما علي العموم في الامور العقلية و النقلية اذ متعلق الاستدلال هنا الامور العقلية و الجواب بانه لا قائل بالفرق مردود بان اللازم من ذلك الاستدلال بفرع من فروع حجية الاجماع قبل ثبوت اصل حجيته علي ان المفهوم من رسالة الصادق عليه السلم التي كتبها لشيعته و امرهم بتعاهدها و العمل بما فيها المروية في روضة الكافي باسانيد ثلاثة ان اصل الاجماع من مخترعات العامة خذلهم الله تعالي و بدعهم قال عليه السلم و قد عهد اليهم رسول الله صلي الله عليه و آله قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض الله تعالي رسوله يسعنا ان نأخذ ما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض رسول الله صلي الله عليه و آله الي ان قال (ع) فما احد اجري علي الله و لا ابين ضلالة ممن يأخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه الحديث ، و بالجملة فانه لا شبهة و لا ريب في انه لا مستند لهذا الاجماع من كتاب و لا سنة و انما يجري ذلك علي مذاق العامة و مخترعاتهم و لكن جملة من اصحابنا قد تبعوهم فيه غفلة كما جروا علي جملة من اصولهم في مواضع عديدة [ص 350] مع مخالفتها لما هو المستفاد من الاخبار كما سيظهر لك ان شاء الله في ضمن مباحث هذا الكتاب و قد نقل المحدث السيد نعمة‌الله الجزائري قدس سره عن بعض مشائخه في بيان وجه العذر لمشائخنا المتقدمين في اختلاف الاجماعات المنقولة عنهم ما ملخصه ان الاصول التي كان عليها المدار و هي التي انتخبوا منها كتب الحديث المشهورة الآن كانت بايديهم و انما حدث فيها التلف و الاضمحلال منذ زمان ابن‌ادريس لاسباب ذكرها و كانوا بملاحظة جميع ما اشتملت عليه جميعها او اكثرها من الاحكام يدعون عليه الاجماع و ربما اختلفت الاخبار في ذلك الحكم بالتقية و عدمها و الجواز و الكراهة و نحوها فيدعي كل منهم الاجماع علي ما يؤدي اليه نظره و فهمه من تلك الاخبار بعد اشتمال اكثر تلك الاصول او كلها علي الاخبار المتعلقة بما يختاره و يؤدي اليه نظره اقول و عندي ان هذا الاحتمال ليس ببعيد فان الظاهر ان مبدأ التفريع في الاحكام و الاستنباط انما هو من زمن المرتضي و الشيخ رضوان الله عليهما فان كتب من تقدمهما من المشايخ انما اشتملت علي جميع الاخبار و تأليفها و اذا كان بعضها قد اشتمل علي مذهب و اختيار في المسألة فانما يشار اليه في عنوان الابواب او ينقل ما يخصه من الاخبار كما لايخفي علي من لاحظ الكافي و الفقيه و نحوهما من كتب الصدوق و غيره و كذلك ايضا فتاويهم المحفوظة عنهم لايخرج عن موارد الاخبار و حينئذ فنقل الشيخ و السيد قدس سرهما اجماع الطائفة علي الحكم مع كون عمل الطائفة انما هو علي ما ذكرنا من الاخبار و كونهما علي اثر اولئك الجماعة الذين هذه طريقتهم من غير فاصلة فكيف يصح حمل ما يدعونه من الاجماع علي الاجماع في الفتوي و ان كان من غير خبر بل الظاهر انما هو الاجماع في الاخبار الاتري ان الشيخ في الخلاف [ص 351] و المرتضي في الانتصار انما استندا في الاستدلال الي مجرد الاجماع و جعلوه هو المعتمد و المعتبر مع كون الاخبار بمرأي منهم و منظر و ليس ذلك الا لرجوعه اليها و كونه عبارة عن الاجماع فيها و هذا احد الوجوه التي اعتذر بها شيخنا الشهيد في الذكري عن اختلافهم في تلك الاجماعات و هو اظهرها و ان جعله آخرها ، انتهي كلامه .

اقول لما ذكر القمي في اول كلامه ثلاث مباحث من مباحث الاجماع و هي امكان وقوعه و امكان العلم به و حجيته و قدم الكلام اولا في حجيته فجدير بنا ان نتكلم اولا في حجيته و لما كانت الطريقة المتأخرة هي الشايعة في هذه الازمان فالاولي ان نقدم الكلام فيما قرره القمي في التقرير الثالث مما ذكر فاقول اولا الانصاف يقتضي ان يقال اذا ادعي احد الاجماع و ادعي انه قد حصل له القطع بقول الامام فكيف يسع الانسان ان يكذبه و يقول له اشتبه عليك الامر و لم‌يحصل لك القطع و اليقين فلا ريب انه لايمكن للانسان ان يكذبه و يكذب مدعاه من هذه الجهة اذ ان كل انسان و سعيه و تكليفه و قد حصل علي زعمه القطع فليس بعد القطع و اليقين من كلام و لكن كلامنا يجري معهم علي انحاء :

اولها انه لايحصل لنا القطع بمقالتهم و الذي قالوه لايفيد لنا الا الظن و الظن محرم بالكتاب و السنة فقول القمي في تعريف الاجماع علي الطريقة المتأخرة بانه عبارة عن اجتماع طائفة دل بنفسه او مع انضمام بعض القرائن الاخر علي رضا المعصوم بالحكم و يكون كاشفا عن رأيه فلايضره مخالفة بعضهم و لايشترط فيه وجود مجهول النسب و لا العلم بدخول شخص الامام (ع) فيهم و لا قوله الخ ، و قد جعله بذلك حجة بينه و بين الله و انه لايتم مسألة من المسائل الفقهية من الكتاب و السنة الا بالانضمام به فيه ان ذلك لايكشف عن رضا المعصوم [ص 352] و قولهم علي خلاف مدعاهم فان الكاشف عن رضا الامام لا بد و ان يكون مأخوذا عن السمع و النطق عنه و من دون ذلك لايمكن الظن فضلاً عن العلم برضاه و ذلك ان للفقهاء كما هو معلوم علي القطع و اليقين طرقا في استنباط الاحكام الشرعية و قواعد في استخراج المسائل الفرعية و كل منهم ذهب الي طريق و استدلال لايرتضيه الآخر و تجده يرد عليه و يزعم ان استدلاله واه او ان طريقه الاستدلالي مخطوء فاذا اجتمع امثال هؤلاء الفقهاء علي امر مع اختلاف استدلالهم و رد بعضهم علي البعض الآخر طريق استنباطه فكيف يحصل العلم برضاء الامام عليه السلم من اجتماعهم و هو لايرتضي علي اليقين استدلالهم فان الامام قد جعل المناط في استنباط المسائل البرهان و الدليل و لذا فان الله تعالي يقول قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فاذا نظرنا الي طريق الفقيه و تفحصنا فيه و علمنا ان طريق استدلاله مخدوش كفي لك في وهن قوله و ترك طريقته سيما و ان اغلب الفقهاء في الآونة الاخيرة بنوا امرهم علي الاستدلال بالظن في استنباط المسائل الشرعية الفرعية و قام لنا الدليل القطعي علي حرمته كما قام للاخباريين و هم طائفة عظيمة و منهم علماء ايضا متقون الدليل اليقيني علي حرمته فكيف يمكن لنا العلم بحجية اجتماع بعض علي قول من الاقوال مع اختلافهم الكثير في طرق الاستنباط التي يرد بعضهم علي البعض الآخر فيها فالمناط في الحقيقة علي البرهان فمن كان له برهان صادق و دليل واضح يعول علي قوله و يرجع الي مبحثه و من لم‌يكن له دليل صادق و طريق مستقيم نضرب بقوله عرض الجدار فمناط امرنا علي البرهان لا غير .

و ثانيها انهم اعتبروا الاجتماع الكاشف عن رأي الامام من دون دخول قول الامام او شخصه فاذا كان كذلك فاي فرق لهم مع العامة غير انهم اخذوا الكشف [ص 353] في التعريف و العامة لم‌تأخذه و هذا فرق لايتجاوز عرصة اللفظ لا غير فان العامة كما قدمنا يؤل قولهم الي الكشف ايضا فاي شيء يزرون عليهم في اجماعهم و اي امر ينقضونه عليهم و قد ساووهم في مقالتهم فان ردوا عليهم فيلزمهم من ذلك ان يردوا علي انفسهم ايضا فانه لا فرق بينهم و بينهم بوجه و اتجه بذلك نقض الاخباريين عليهم ايضا فانهم قالوا ان الاجماع بهذه الطريقة هو بعينه علي طريقة العامة و لقد ذكروا علي ذلك تعاريفهم للاجماع و اعتمادهم عليه و اختراعهم له بعد رحلة الرسول صلي الله عليه و آله و الواقع يصدقهم فان في زمن الرسول كان المعول في كل الامور علي الرجوع اليه و كانت الصحابة تعتمد في جل مسائلها و في صغير الامور و كبيرها عليه و تسأل منه و هو صلي الله عليه و آله كان يجيبهم و هم يعملون بقوله يأخذون عنه المسائل و يوصلونها الي غيرهم الذين لم‌يحضروا ذلك المجلس و بذلك انتشرت الاحكام و مسائل الحلال و الحرام كما هي العادة الجارية في القرون الماضية و ازمنة الانبياء السالفة و لما ارتحل الرسول صلي الله عليه و آله و قامت الفتنة علي ساق و ارتدوا عن النهج الواضح و انقلبوا عن الجادة المستقيمة و اغتصبوا الحق من اهله و ارادوا ان يثبتوا لهم اساساً يستطيعون به ان يقفوا حيال اهل الحق و تجاههم و لم‌يكن لهم مستمسك من الكتاب و السنة اخترعوا هذا الدليل القاطع عندهم و هو الاجماع فبه صالوا و جالوا في تلك الآونة و جعلوه شعارهم و دثارهم فاساس هذا الامر و سنامه من العامة العمياء المنقطعي الاصل المعرضين عن اهل الحق و اقاموا له الدلايل و اتوا له ببراهين علي زعمهم منها الآيات الآنفة الذكر و الاحاديث النبوية المتقدمة التي هي علي خلاف مقصودهم ادل فشبهوا الامر علي العوام و اتبعهم شرذمة من الاصحاب غفلة [ص 354] منهم و انساً بما اعتادوا عليه من مطالعة كتبهم و الاحتكاك بهم و معاشرتهم و قد حذر الأئمة عليهم السلم اصحابهم من اتباع هؤلاء و الخوض فيما يخوضون و القول بما يقولون و لذا فانك لاتجد من اصحابهم من سأل عن الاجماع لعلمهم ببطلانه علي طريقة العامة و لو كان هناك حديث دال علي ما يقولون لظفروا به و جعلوه شعارهم و دثارهم و ان قلت ان الاحاديث التي قد رويتها و الآيات التي اوردتها فيها دلالة علي الاجماع قلت اني لااقصد بذلك عدم ورود لفظ الاجماع في الاخبار بل انه لا شك وارد لكن ليس معناه ما يقولون و ان المراد منه اجماع جميع المسلمين او اجماع اهل المذهب قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك و هذا لايكون الا في ضروري الملة او ضروري المذهب و لا ريب انهما حجة يعمل بها و لذا تري القمي توجه الي هذا المعني فقال من جملة كلامه المتقدم ان مدلولها المطابقي يقتضي اجتماع كل الامة و كلامه هذا و ان كان في سياق الاخبار الواردة عن الرسول صلي الله عليه و آله في رد مذهب العامة لكن الاخبار الواردة من طريقنا ايضا و هي ما تلوناه عليك فيما تقدم كلها تنادي بان المراد من الاجماع هو اجماع الامة قاطبة لا اختلاف فيما بينها و هي صريحة في الامر الضروري و اين هذا من اجتماع بعض العلماء علي امر من الامور الاتري ان قوله تعالي و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي و يتبع غير سبيل المؤمنين الآية ، ان لفظ المؤمنين جمع محلي بالالف و اللام و هو يفيد الاستغراق و لايتحقق مخالفة جميع المؤمنين الا في الامر الضروري و كذا مفهوم الآية الشريفة فان تنازعتم في شيء الخ ، فان مفهومها يدل علي عدم وجوب الرد مع اتفاق جميع الامة لا بعضها و لو كان المراد بعض الامة للزم اتباع كل ثلاثة واجبا و هو خلاف ما يدعون و اما الآية الشريفة و كذلك جعلناكم امة وسطا الآية ، فانها لاتدل علي ما يقولون و لذا فان القمي رد عليهم [ص 355] بقوله ففيه ان ذلك يستلزم عدم صدور الخطأ عنهم مط و هو باطل و ما يقال ان ذلك اذا اجتمعوا لا مط ففيه انه تقييد بلا دليل و تخصيص قبيح مع ان التعليل بقوله تع لتكونوا شهداء علي الناس ظاهر في كون كل منهم شاهدا لا المجموع من حيث المجموع فكذلك الامة الخ ما قال ، علي ان المروي عن اهل البيت عليهم السلام ان الآية هكذا انزلت و جعلناكم ائمة وسطا الخ ، فعلي هذا ليس لها دلالة علي الاجماع بالكلية و اما الاحاديث الواردة عن الرسول صلي الله عليه و آله كقوله صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي الخطأ و ما ضاهاه فانها ظاهرة في اجتماع كل الامة لا بعضها فانه لو دلت علي اتباع بعض الامة للزم من التناقض بداهة لانه باتباعه البعض يكون مخالفا للبعض الآخر هذا و انه قد ورد عنه صلي الله عليه و آله كما في الكتاب المبين قيل لرسول الله صلي الله عليه ما جماعة امتك قال من كان علي الحق و ان كانوا عشرة و عن ابي‌عبدالله عليه السلم عن آبائه عليهم السلم قال سئل رسول الله صلي الله عليه و آله عن جماعة امته فقال جماعة امتي اهل الحق و ان قلوا و قال اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث الجماعة اهل الحق و ان كانوا قليلا و الفرقة اهل الباطل و ان كانوا كثيرا بالجملة فالمراد من الاجماع المتقدم هو اجماع جميع الامة و هذا لايكون الا في ضروري الاسلام و هو حجة بلا مرية و لو كان المراد البعض او اتفاق جماعة من دون دليل لرأيت الاخبار متناقضة و لايعرف المحق من المبطل و الحق عليه دليل و الباطل مجتث و لكل حق حقيقة و لكل صواب نور و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها فالحق يثبت بالبرهان و ما لا برهان عليه و لا دليل ليس عليه حقيقة و قلنا بحجية الضروري من الاجماع لان المعصوم لا شك داخل في هذا الاجماع و قوله داخل في المجمعين بلا ريب لانه اهل الضرورة و منه صدرت و اليه تعود و انت لو [ص 356] فتشت الاخبار ظهرا لبطن لرأيت الامور الضرورية كلها مما وردت به الاخبار و قلما تجد امرا ضروريا لم‌يرد به خبر من المعصوم فلايكون اجماع من دون دليل ظاهري فتفهم جيدا هذا و ان الاخبار التي رويناها لك و احتوت علي الاجماع كلها تؤيد ما ذكرنا كقوله عليه السلم في الخبر الاول ان الناس قد اجتمعوا علي امور كثيرة ليس بينهم اختلاف فان ذلك لا شك في الامور الضرورية و كذا في ساير الاخبار خصوصا التاسع مما روينا فان قوله عليه السلم اجتمعت الامة قاطبة الخ ، نص في اجتماع جميع الامة و هكذا ساير الاخبار الاخر .

و اما قوله عليه السلم خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر فان المجمع عليه لا ريب فيه ، كما هو مضمون الرواية الثانية‌عشرة مما روينا فلقد ذكر القمي فيه ما هذا لفظه كما تقدم ذكره قال بعد روايته للحديث : فان ملاحظة الحكم و التعليل في الرواية يقتضي ارادة الشهرة من المجمع عليه او الاعم منه و العلة المنصوصة حجة و التخصيص بالرواية خروج عن القول بحجية العلة المنصوصة كما لايخفي الخ ، اقول اولا من اعلمك ان ملاحظة الحكم و التعليل في الرواية يقتضي ارادة الشهرة من المجمع عليه حتي قطعت بذلك بل يمكن قلب ذلك عليك بان يقال ان بتعليله عليه السلم يستفاد ان المراد من المشهور هو المجمع عليه بين الاصحاب و ان الراوي للنادر راو للمشهور ايضا و ورود لفظ المشهور في الرواية لمقابلة النادر لا غير مع انا لسنا نقول بان المجمع عليه في هذه الرواية لا بد و ان يكون مجمعا عليه بين الشيعة قاطبة نسائهم و صبيانهم فانه لايوجد مثل هذا الحديث بين الشيعة بلا شك بل الكلام في الرواية كما يدل عليه اول الخبر بقوله عليه السلم يأتي الخبران و الحديثان المتعارضان فبايهما آخذ فقال عليه السلم يا زرارة خذ بما اشتهر الخ ، [ص 357] فالمجمع عليه فيها هو المجمع عليه بين الرواة و تلقاه الكل بالقبول و لذا فانا نقول في اللام انها للعهد فقول القمي و التخصيص بالرواية خروج عن القول بحجية العلة في غير محله لان كلامه عليه السلم و ان كان اصلا في الحقيقة لكنه هنا لايتعدي الرواية و لايمكن تعميمه في كل اجماع و ان مراده علي القطع ما رواه الاصحاب يعني رواتهم و لم‌ينكره احد منهم حجة و ان التعليل راجع الي الرواية فقط و كفي بذلك اصلا اصيلا في محله و مقامه و اين هذا مما اصطلحوا عليه من الاجماع المصطلح عندهم فانه لا شك ليس عليه دليل و كفاك عدم الدليل عليه رد الأئمة عليهم السلم له كما في الكتاب المبين عن فصل الخطاب قال ابوعبدالله عليه السلام في رسالته الي اصحابه و قد عهد اليهم رسول الله صلي الله عليه و آله و بعد عهده الذي عهد الينا و امرنا به مخالفا لله و لرسوله فما احد اجرأ علي الله و لا ابين ضلالة ممن اخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه و الله ان لله علي خلقه ان يطيعوه و يتبعوا ما امره في حيوة محمد صلي الله عليه و آله و بعد موته هل يستطيع اولئك اعداء الله ان يزعموا ان احدا ممن اسلم مع محمد صلي الله عليه و آله اخذ بقوله و رأيه و مقائيسه فان قال نعم فقد كذب علي الله و ضل ضلالا بعيدا و ان قال لا لم‌يكن لاحد ان يأخذ برأيه و هواه و مقائيسه فقد اقر بالحجة علي نفسه و هو ممن يزعم ان الله يطاع و يتبع امره بعد قبض رسول الله صلي الله عليه و آله و قد قال الله و قوله الحق و ما محمد الا رسول الآية ، و ذلك لتعلموا ان الله يطاع و يتبع امره في حيٰوة محمد و بعد قبض الله محمدا صلي الله عليه و آله و كما لم‌يكن لاحد من الناس مع محمد (ص) ان يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقائيسه خلافا لامر محمد صلي الله عليه و آله فكذلك لم‌يكن لاحد من بعد محمد صلي الله [ص 358] عليه و آله ان يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقائيسه الخبر ، اقول فقد اوضح عليه السلم كل شيء في المقام فمحض اجتماع الناس علي امر او الفقهاء علي امر من دون دليل ظاهر و نص باهر ليس من الحق في مراح و لا مغدي و ذلك بعينه اجماع العامة فلايحصل لنا العلم بدخول قول المعصوم فيه و لم‌ينطق باجماع بهذا المعني المصطلح عندهم رواية عن الأئمة عليهم السلم و لا حديث عن الرسول صلي الله عليه و آله و كلما ورد عنهم فانه وارد في ضروري الاسلام او ضروري المذهب او الاجماع في الرواية كما رأيت و شاهدت بام عينيك فتنبه .

و ثالثها انهم قالوا في اثبات حجيته كما ذكر القمي بقوله : فكذلك يمكن العلم بفتوي جمع كثير من اصحاب الصادق عليه الصلوة و السلام من قبيل زرارة بن اعين و محمد بن مسلم الي ان قال ان ذلك فتوي امامهم و معتقده ، الخ . اقول لا ريب ان اصحاب الأئمة مقلدون للأئمة عليهم السلم و لايفتون بهوي رأيهم و ظنهم و يأخذون كل ذلك عن الامام عليه السلم و قولهم عين النصوص و متون الاخبار التي يتلقونها من ائمتهم فاجتماعهم لا ريب علي النصوص و الاخبار لا غير فان قولهم خبر و يتأثمون القول بالرأي و الظن و لو كانوا في الحقيقة مستنبطين قول امامهم بالاجتهاد لمادل اجتماعهم علي قول امامهم ابدا بوجه من الوجوه و اين هذا من اجماع الاصحاب الذي يذكرونه فانهم مستنبطون لقول الامام و لهم في ذلك طرق كثيرة و سبل عديدة و قد اعتمدوا علي الظنون في استنباط الاحكام و قد اختلفوا في الاجماع نفسه علي اقوال كثيرة و كل فريق لايرتضي ما ذهب اليه الآخر و يطعن في ادلته و يري ان استدلاله غير صحيح و لا اقل من ان يرميه بالسهو او الغفلة فكيف يدل اجتماع مثل هؤلاء علي رضا المعصوم عليه السلم مع ما تري اختلافهم تحت كل كوكب [ص 359] فالقياس هنا مع الفارق بلا شك و لايتم الاستدلال به و الاجماع بهذه الكيفية ليس بحجة مع انهم ناقضوا انفسهم في هذه الاجماعات فكم تراهم قد ادعوا الاجماع في كتاب و ناقضوه في كتاب آخر لهم فاي عبرة باجماع يدعي في مكان و ينقض في مكان آخر و ابئس بدليل يشرع به الاحكام و يعرف به الحلال و الحرام اذا كان مبناه علي ذلك و اذا اردت التحقيق اكثر فدقق في اجماعات الشيخ المدعاة و اجماعات غيره فانك بلا شك تجدها اوهن من بيت العنكبوت مع انها من اوهن البيوت و ادلة الاخباريين عليهم في هذا الباب متجهة بلا مرية .

و رابعها ان قول القمي في جواب من قال امثال ذلك لاتكون الا من ضروريات الدين او المذهب و ضرب الامثال علي ذلك للتفهيم غير صحيح و ذلك ان قوله اي ضرورة دلت علي نجاسة الف كر الخ ، هو اول الكلام ان لم‌يكن اجماعهم علي نص صريح و ما تري من ان مشايخنا اعلي الله لهم المقام لايخالفون امثال هذه الاجماعات التي لا دليل عليها فلعدم الناصر و لو وجدوا ناصرا لقالوا بغير ذلك و هم في هذه المسألة ليس لهم فتوي صريحة بنجاسة المضاف و ان كان كثيرا غير ما يتوهم من فتوي مولانا الاكبر اعلي الله مقامه في الجامع حيث قال في المسألة السابعة من المقصد الثاني في الماء المضاف قال اذا وقعت فارة في ماء اللحم يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل و هو ليس بصريح في النجاسة فان اراقة ماء اللحم لاتدل علي نجاسته باحدي الثلاث فلربما يكون من اجل سمية هناك او امراض اخر و لقد تكلف صاحب الحدائق عند روايته لخبر ماء اللحم بحمله للاهراق المذكور علي النجاسة بالجملة ان لنا كلاما و كلاما كثيرا في امثال هذه الاجماعات المدعاة بغير ما دليل معتبر .

[ص 360] و كذا قوله فانظر اليهم يستدلون علي نجاسة ابوال و ارواث ما لايؤكل لحمه مط مع ان ذلك ليس مدلولا مطابقيا للفظ و لا تضمنيا و لا التزاميا الي قوله و ليس فهم النجاسة الشرعية منه الا من جهة اجماعهم علي ان العلة في هذا الحكم هو النجاسة الخ ، فان فيه اولا ان في الاخبار ما يدل علي نجاسة بول ما لايؤكل لحمه ففي فصل الخطاب عن الفقه الرضوي : و نروي ان بول ما لايجوز اكله في النجاسة ذلك حكمه ، بعد ان ذكر حكم الغائط و البول و الجنابة بقوله : و نروي قليل البول و الغائط و الجنابة و كثيرها سواء لا بد من غسله اذا علم به ، ثم ذكر عليه السلم ما قدمناه لك فهو لا شك صريح في النجاسة . و اما الروث فاني اروي لك ما ورد فيه من الاخبار ففي الحدائق عن الشيخ في الصحيح عن عبدالرحمن ابن ابي‌عبدالله قال سألت الصادق (ع) عن الرجل يصلي و في ثوبه عذرة من انسان او سنور او كلب ايعيد صلاته قال ان كان لم‌يعلم فلايعيد ، و مفهومه وجوب الاعادة مع العلم و هو دليل النجاسة و هذا المفهوم حجة عند المحققين ، انتهي . ثم ذكر بعد روايته عدة اخبار رواية ابي‌يزيد القمي عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلم انه سئل عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف فقال لاتصل فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب و في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق عليه السلام قال كلما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه . اقول مفهوم هذه الرواية كلما لم‌يؤكل لحمه فما يخرج منه فبه بأس و اثبات البأس و ان كان اعم من النجاسة و غيرها لكن لا بأس بحمله علي النجاسة بمعونة ساير الاخبار . ثم قال و ما رواه علي بن جعفر في المسائل عن اخيه (ع) قال سألته عن الدقيق يقع فيه خرء الفار هل يصلح اكله اذا عجن مع الدقيق قال اذا لم‌تعرفه فلا بأس و ان عرفته فاطرحه . ثم ذكر صاحب الحدائق بعد هذا الخبر كلاما بقوله : اقول قوله (ع) [ص 361] اذا لم‌تعرفه اي لم‌تعلم دخوله في الدقيق و انما تظن ظنا فلا بأس و ان علمته وجب عليك طرحه و اخراجه و يوضح ما ذكرناه ما رواه في دعائم الاسلام قال سئل الصادق عليه السلم عن خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن كره اكله لانه استجار بك و اوي الي منزلك و كل طير يستجير بك فأجره ، الي آخر ما ذكر .

اقول علم من هذه الاخبار التي ذكرناها و التي لم‌نذكرها التي وردت في ابوال و ارواث ما يؤكل لحمه ان الابوال و الارواث تابعة للحومها فمأكول اللحم لا بأس بما يخرج منه و غير مأكول اللحم يغسل منه الثوب و تعاد منه الصلوة اذا علم به و النجاسة معني شرعي و هو ما لايجوز الصلٰوة معه و لا يجوز اكله و شربه و الاخبار المتقدمة دالة علي ذلك و مؤيدة بفهم الاصحاب لها و ان قلت انها واردة في بعض الحيوانات الخاصة و ليس فيها دلالة علي العموم قلت لا ريب ان المفهوم منها العموم كما في بعض الاحاديث المتقدمة كحديث عمار الساباطي مع العلم ان مراعاة الشخص في كثير من الاحاديث غير مقصودة كما ان ملاحظة الامكنة و الازمنة غير منظورة فاذا قال الامام عليه السلم لشخص في مكة مثلا عليك بغسل البول عن الثوب مثلا لايقال انه لشخص معين في وقت و مكان معينين حتي اذا ذهب ذلك الشخص في مكان آخر لايجب عليه غسل الثوب من البول او اذا كان شخص آخر غير المخاطب مثلا لايجب عليه الغسل فالمتبادر من الاحاديث المتقدمة النجاسة في عموم ما لايؤكل لحمه و يؤيد ذلك فهم الاصحاب لها فلايقال ان ارواث الدواب ليس عليه دليل من الشرع و انما اجمع الاصحاب مثلا علي امر ليس عليه دليل شرعي و ان اجماعهم ذلك حجة فالدليل في الحقيقة موجود و كذا القول في مسألة نجاسة الماء القليل و عدمه فان الاخبار به متضافرة و لو لم‌يكن الا قوله صلي الله عليه و آله خلق [ص 362] الله الماء طهورا لاينجسه شيء الا ما غير لونه او طعمه او ريحه لكفي في المقام .

بالجملة لااري تحقق الاجماع من غير ما دليل ظاهر الا ادعاء صرف فالاستدلال بما استدل به القمي فاسد من اصله لايعول عليه كيف لا و هو يقول من جملة ما قال في اثبات حجية الاجماع بامكان العلم بفتوي جمع كثير من اصحاب الصادق عليه السلم ان ذلك فتوي امامهم و معتقده و طريقة ذلك هو الحدس و الوجدان و هذه طريقة معروفة . اقول فمتي كان الحدس و الوجدان دليلا علي اثبات امر من امور الشرع المبين في عصر من الاعصار و هل بمجرد الحدس و الوجدان يمكنك ان تأتمن احدا من الناس تظن امانته او تحدس تورعه عن الخيانة هل تأتمنه علي درهم واحد فلماذا لاننصف انفسنا و نعدل عن هذه الطريقة و التقول علي الأئمة الاطهار و التدخل في شرعهم بامثال هذه الادلة التي اقل ما يقال فيها انها ادلة ظنية لاتغني و لاتسمن من جوع .