و قال الشيخ يوسف البحراني في مقدمة الحدائق :
المقام الاول - في الكتاب العزيز و لا خلاف بين اصحابنا الاصوليين في العمل به في الاحكام الشرعية و الاعتماد عليه حتي صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالاحكام الفقهية و هي خمسمائة آية عندهم ، و اما الاخباريون فالذي وقفنا عليه من كلام متأخريهم ما بين افراط و تفريط فمنهم من منع فهم شيء منه مطلقاً حتي مثل قوله قل هو الله احد الا بتفسير من اصحاب العصمة صلوات الله عليهم و منهم من جوز ذلك حتي كاد يدعي المشاركة لاهل العصمة في تأويل مشكلاته و حل مبهماته و التحقيق في المقام ان الاخبار متعارضة من الجانبين و متصادمة من الطرفين الا ان اخبار المنع [ص 283] اكثر عددا و اصرح دلالة ففي جملة منها قد ورد في تفسير قوله تعالي و اورثنا الكتاب الذين اصطفينا الآية ، دلالة علي اختصاص ميراث الكتاب بهم عليهم السلم و جملة في تفسير قوله تعالي بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم بان المراد بهم الأئمة صلوات الله عليهم و جملة في تفسير قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب قال ايانا عني و مثل ذلك في تفسير قوله سبحانه و انه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون في سورة الزخرف و كذا في تفسير قوله لايعلمه الا الله و الراسخون في العلم و في جملة من تلك الاخبار ليس شيء ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن و في مناظرة الشامي لهشام بن الحكم بمحضر الصادق (ع) المروية في الكافي و غيره قال هشام فبعد رسول الله صلي الله عليه و آله من الحجة قال الشامي الكتاب و السنة فقال هشام فهل ينفعنا الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا قال الشامي نعم قال هشام فلم اختلفت انا و انت و صرت الينا من الشام في مخالفتنا اياك فسكت الشامي فقال ابوعبدالله عليه السلم ما لك لاتتكلم فقال ان قلت لمنختلف كذبت و ان قلت الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف احلت لانهما يحتملان الوجوه الي ان قال الشامي و الساعة من الحجة فقال هشام هذا القاعد الذي تشد اليه الرحال و يخبر باخبار السماء الحديث ، و لايخفي ما فيه من الصراحة و في بعض آخر قال السائل او مايكفيهم القرآن قال (ع) بلي لو وجدوا له مفسرا قال اومافسره رسول الله (ص) قال بلي فسره لرجل واحد و فسر للامة شأن ذلك الرجل الحديث ، و في آخر انما القرآن امثال لقوم دون غيرهم و لقوم يتلون حتي تلاوته و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه و اما غيرهم فما اشد اشكاله عليهم و بعده من مذاهب قلوبهم الي ان قال و انما اراد الله [ص 284] بتعميته في ذلك ان ينتهوا الي بابه و صراطه و يعبدوه و ينتهوا في قوله الي طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن امره و ان يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم الحديث . و يدل علي ذلك الحديث المتواتر بين العامة و الخاصة من قوله صلي الله عليه و آله اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي لنيفترقا حتي يردا علي الحوض ، فان الظاهر ان المراد من عدم افتراقهما انما هو باعتبار الرجوع في معاني الكتاب اليهم صلوات الله عليهم و الا لو تم فهمه كملا او بعضا بالنسبة الي الاحكام الشرعية و المعارف الالهية بدونهم لصدق الافتراق و لو في الجملة ، و يؤيد ذلك ايضا قول اميرالمؤمنين صلوات الله عليه القرآن كتاب الله الصامت و انا كتاب الله الناطق ، فلو فهم معناه بدونه (ع) لميكن لوصفه بكون صامتا معني و لايخفي علي الفطن المنصف صراحة هذه الادلة في المدعي و ظني ان ما يقابلها مع تسليم التكافؤ لا صراحة له في المعارضة فمن ذلك الاخبار الواردة بعرض الحكم المختلف فيه الاخبار علي القرآن و الاخذ بما يوافقه و طرح ما يخالفه و وجه الاستدلال انه لو لميفهم منه شيء الا بتفسيرهم عليهم السلم انتفي فائدة العرض و الجواب انه لا منافاة فان تفسيرهم عليهم السلم انما هو حكاية مراد الله تع فالاخذ بتفسيرهم اخذ بالكتاب و اما ما لميرد فيه تفسير عنهم صلوات الله عليهم فيجب التوقف فيه وقوفا علي تلك الاخبار و تقييد هذه الاخبار بها و من ذلك الآيات كقوله سبحانه تعالي و نزلنا عليك الذكر تبيانا لكل شيء و قوله مافرطنا في الكتاب من شيء و قوله لعلمه الذين يستنبطونه و قوله افلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها ، و الجواب ان الآيتين الاوليين لا دلالة فيهما علي اكثر من استكمال القرآن لجميع الاحكام و هو غير منكور و اما كون فهم [ص 285] الاحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا كيف و جل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل و مطلق و عام و متشابه لايهتدي منه مع قطع النظر عن السنة الي سبيل و لايركن منه الي دليل بل قد ورد من استنباطهم عليهم السلم جملة من الاحكام من الآيات ما لايجسر عليه سواهم و لايهتدي اليه غيرهم و هو مصداق ما تقدم من قولهم ليس شيء ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن كالاخبار الدالة علي حكم الوصية بالجزء من المال حيث فسره عليه السلم بالعشر مستدلا بقوله سبحانه اجعل علي كل جبل منهن جزءاً و كانت الجبال عشرة و الوصية بالسهم حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه انما الصدقات للفقراء الآية ، و النذر بمال كثير حيث فسره عليه السلم بالثمانين لقوله تعالي في مواطن كثيرة و كانت ثمانين موطنا و امثال ذلك مما يطول به الكلام و اما الآية الثالثة تظاهر سياق ما قبلها و هو قوله و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم يدل علي كون المستنبطين هم الأئمة عليهم السلم و بذلك توافرت الاخبار عنهم عليهم السلم ففي الجوامع عن الباقر (ع) هم الأئمة المعصومون و العياشي عن الرضا يعني آلمحمد و هم الذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام و في الاكمال عن الباقر عليه السلم مثل ذلك و قد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر بذلك ايضا و اما الآية الرابعة فانا كما سيتضح لك لانمنع فهم شيء من القرآن بالكلية ليمتنع وجود مصداق الآية فان دلالة الآيات علي الوعد و الوعيد و الزجر لمن تعدي الحدود الالهية و التهديد ظاهر لا مرية فيه و هو المراد من التدبر في الآية كما ينادي عليه سياق الكلام و القول الفصل و المذهب الجزل في ذلك ما افاده شيخ الطايفة [ص 286] رضوان الله عليه في كتاب التبيان و تلقاه بالقبول جملة من علمائنا الاعيان حيث قال بعد نقل جملة من اخبار الطرفين ما ملخصه : و الذي نقول ان معاني القرآن علي اربعة اقسام احدها ما اختص الله تعالي بالعلم به فلايجوز لاحد تكلف القول فيه و ثانيها ما يكون ظاهره مطابقا لمعناه فكل ممن عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه مثل قوله و لاتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق و ثالثها ما هو مجمل لاينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله اقيموا الصلوة ثم ذكر جملة من الآيات التي من هذا القبيل و قال انه لايمكن استخراجها الا ببيان من النبي صلي الله عليه و آله و رابعها ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما و يمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا فانه لاينبغي ان يقدم احد فيقول ان مراد الله بعض ما يحتمله الا بقول نبي او امام معصوم ، الي آخر كلامه زيد في اكرامه و عليه تجتمع الاخبار علي وجه واضح المنار و يؤيده ما رواه في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث الزنديق الذي جاء اليه بآي من القرآن زاعما تناقضها حيث قال عليه السلم في اثناء الحديث ان الله جل ذكره بسعة رحمته و رأفته بخلقه و علمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة اقسام قسما منه يعرفه العالم و الجاهل و قسما منه لايعرفه الا من صفا ذهنه و لطف حسه و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للاسلام و قسما لايعرفه الا الله و انبياءه و الراسخون في العلم و انما فعل ذلك لئلايدعي اهل الباطل المستولون علي ميراث رسول الله صلي الله عليه و آله من علم الكتاب ما لميجعل الله لهم و ليقودهم الاضطرار الي الائتمار (ظ) عن (ظ) ولاة امرهم الي ان قال فاما ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول الله صلي الله عليه و آله من كتاب الله فهو قوله سبحانه من يطع الرسول [ص 287] فقد اطاع الله و قوله ان الله و ملائكته يصلون علي النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما و لهذه الآية ظاهر و باطن فالظاهر هو قوله صلوا عليه و الباطن سلموا تسليما اي سلموا لمن وصاه و استخلفه عليكم ما عهد اليه تسليما و هذا مما اخبرتك انه لايعلم تأويله الا من لطف حسه و صفا ذهنه و صح تمييزه و كذلك قوله سلام علي آل يسۤ لان الله سمي النبي صلي الله عليه و آله بهذا الاسم حيث قال يسۤ و القرآن الحكيم انك لمن المرسلين لعلمه انهم يسقطون سلام علي آلمحمد كما اسقطوا غيره الحديث . اقول و القسم الثاني من كلام الشيخ قدس سره هو الاول من كلامه صلوات الله عليه و هو الذي يعرفه الجاهل و العالم و هو ما كان محكم الدلالة و هذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به و المانع مكابر و القسم الرابع من كلامه رضوان الله عليه هو الثاني من كلامه صلوات الله عليه من التفسير الباطن الذي لايمكن التهجم عليه الا من جهتهم و لايقال انه يلزم اتحاد القسم الثاني من كلامه صلوات الله عليه بما بعده لكون القسم الثالث ايضا من المعلوم لهم عليهم السلم لانا نقول الظاهر تخصيص القسم الثالث بعلم الشرايع الذي يحتاج الي توقيف و انه لايعلمه الا هو جل شانه او انبياؤه بالوحي اليهم و ان علمه الأئمة عليهم السلم بالوراثة من الانبياء بخلاف الثاني فانه مما يستخرجونه بصفاء جواهر اذهانهم و يستنبطونه باشراق لوامع افهامهم و ح فالقسم الثالث من كلام الشيخ قدس سره هو الثالث من كلامه صلوات الله عليه فلعل عدم ذكره صلوات الله عليه للقسم الاول من كلام الشيخ لقلة افراده في القرآن المجيد اذ هو مخصوص بالخمسة المشهورة او ان الغرض التام انما يتعلق بذكر الاقسام التي اخفاها جل شأنه عن تطرق تغير المبدلين و ان ذكر معها القسم الاول استطرادا و مرجع هذا الجمع [ص 288] الذي ذكره الشيخ قدس سره الي حمل ادلة الجواز علي القسم الثاني من كلامه طاب ثراه و اخبار المنع علي ما عداه و اما ما يفهم من كلام المحدث الكاشاني قدس سره في المقدمة الخامسة من كتاب الصافي من الجمع بين الاخبار بالحمل علي تفاوت مراتب الناس في الاستعداد و الوصول الي تحصيل المقصود منه و المراد فظني بعده عن سياق الاخبار فان اخبار المنع كما عرفت من الشطر الذي قدمناه منها قد دلت علي الاختصاص بالأئمة عليهم السلم و ادعاء مزاحمتهم صلوات الله عليهم في تلك المرتبة يحتاج الي جرأة عظيمة و من اراد تحقيق الحال و الاحاطة باطراف المقال فليرجع الي كتابنا الدرر النجفية ، انتهي كلامه .
و قال الميرزا محمد امين الاسترابادي في كتابه الفوائد المدنية : السؤال التاسع ان يقال كيف عملكم معاشر الاخباريين في الظواهر القرآنية مثل قوله تعالي اوفوا بالعقود و قوله تعالي او لامستم النساء و قوله تعالي اذا قمتم الي الصلوة فاغسلوا و في ظواهر السنن النبوية مثل قوله صلي الله عليه و آله لا ضرر و لا ضرار في الاسلام و جوابه ان يقال نحن نوجب الفحص عن احوالهما بالرجوع الي كلام العترة الطاهرة عليهم السلم فاذا ظفرنا بالمقصود و علمنا حقيقة الحال بهما و الا اوجبنا التوقف و التثبت و لايجوز التمسك بما تمسكت به العامة من انه صلي الله عليه و آله لميخص احدا بتعليم كل ما جاء به و بتعليم تفسير القرآن و ما جاء به من نسخ او قيد او تأويل او تخصيص بل اظهر كل ما جاء به عند اصحابه و توفرت الدواعي علي اخذه و نشره و لميقع بعده صلي الله عليه و آله فتنة اوجبت اخفاء بعضه و من انه لولا ذلك لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و للزم الاغراء بالجهل و ذلك لما علم من المذهب ضرورة من انه صلي الله عليه و آله اودع كل ما جاء به عند العترة الطاهرة عليهم السلم و امر الناس بسؤالهم و الرد اي الرجوع اليهم و اي بيان [ص 289] اقوي من ذلك و لنذكر امثلة لوجوب التوقف و الاحتياط منها اذا وقع نكاح لمنعلم صحته و فساده يجب علي الزوج احد الامور الثلاثة ترك الاستمتاع بها بخامسة و باختها و يجب علي الزوجة ان لاتمكنه من نفسها و ان لايتزوج بغيره و يجب علي الزوج احد الامور الثلاثة اما طلاقها و اما العقد الجديد يجب عليه و لو امتنع من ذلك لوجب حبسه من باب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و من باب الدفاع و لو هرب فرارا من احد الامرين و لمتتمكن منه فلقائل ان يقول يستفاد من قوله صلي الله عليه و آله لا ضرر و لا ضرار في الاسلام و من الحديث الشريف المتضمن لجواز ان يطلق الحاكم زوجة مفقود الخبر ، بعد الاستخبار عنه من باب مفهوم الموافقة المسمي بالقياس الجلي و القياس بطريق الاولي جواز ان نطلقها و منها اذا وقع بيع بستان لانعلم صحته يقوم احد من باب الحسبة بعمارته الي ان يظهر الحق و لو كلف احدهما الآخر باختيار احد الامرين من الاقالة و تجديد الصيغة الصحيحة يجب علي الآخر ذلك و لو ابي او هرب فرارا فقد مضي حكمها ، انتهي كلامه .
اقول اولا ان هذا الاختلاف يومنا هذا قليل الجدوي و ضئيل الفائدة لانك تري ضرورة ان كثيرا من الآيات الواردة في المواعظ و العبر و الامثال و الامر بالعدل و الاحسان مما يشهد به العقول المستقيمة و ضرورة المذهب بل الملة بل الملل فلا مجال للاختلاف في امثال هذه الآيات من القرآن فقوله تعالي ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لآيات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما و قعودا و علي جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار يفهمه كل من له ادني شعور انساني و يصدقه كل من له ادني عقل بشري و كذا قوله تعالي ان الله [ص 290] يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون فهل تجد عاقلا في هذا الزمان بل و كل زمان يقول ان الفحشاء ليست قبيحة و ان المنكر حسنا مثلا و كذا البغي فامثال هذه من الآيات يشهد بمعرفتها ضرورة العقول و لا ريب ان المعصوم داخل في ذلك و اشتبه الامر علي بعض الاخباريين حيث قالوا انا لانفهم من القرآن حتي قوله تعالي قل هو الله احد من دون تفسير الامام فانهم يتصورون ان بيان الامام منحصر فقط باخباره و بقوله اللفظي و لميعلموا ان له طرقا كثيرة في ايصال الاحكام فمنها ضرورة المذهب و ضرورة الملة و ضرورة الملل فان كل هذه طرق لايصال الاحكام الي اتباعه فان الامام اهل الضرورة و نحن نصدق هذه الامور لكون الامام داخلاً فيها في الحقيقة و لاينحصر طريق الايصال بالقول اللفظي و الاخبار اللساني فقط و كذا قوله مثلا يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لنيخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب و غير ذلك من الامثال التي ضربها الله تعالي مما يفهمه الجاهل بجهله و العالم بعلمه كل علي ما رزقه الله من الفهم و المعرفة بقدر وسعه و اما الآيات الواردة في الاحكام المجملة فقلما تجد آية من الآيات لميرد فيها تفسير من اهل البيت عليهم السلم فاغلب تلك الآيات ان لمنقل جميعها قد تواترت النصوص عنهم عليهم السلم في بيانها و اما الآيات الواردة في قصص السالفين و سيرتهم و حكاياتهم فان كتب الاخبار بها ملأي و لايحتاج احد الي غيرها و يكفيه في معرفتها الرجوع اليها و اغلبها معروفة و اما الآيات الواردة في فضل اهل البيت عليهم السلم فقد ملؤا عليهم السلم في تفسيرها الكتب و الدفاتر فهي اكثر من ان تحصي فهي متواترة [ص 291] عنهم قد بينوا كل ذلك باحسن بيان و فصلوه و شرحوه باسد تبيان الاتري قولهم عليهم السلم في الزيارة الجامعة فعظمتم جلاله و اكبرتم شأنه و مجدتم كرمه و ادمتم ذكره و وكدتم ميثاقه و احكمتم عقد طاعته و نصحتم له في السر و العلانية و دعوتم الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة و بذلتم انفسكم في مرضاته و صبرتم علي ما اصابكم في جنبه و اقمتم الصلوة و آتيتم الزكوة و امرتم بالمعروف و نهيتم عن المنكر و جاهدتم في الله حق جهاده حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته و صرتم في ذلك منه الي الرضا الي آخر الزيارة الشريفة و كذا الامر في الآيات الواردة في مثالب الاعداء و قبائحهم فان الاخبار بها متظافرة بل و متواترة فاذا كان الامر كذلك فما هذا الاختلاف فانهم عليهم السلم ماتركونا هملا بما بينوا و شرحوا و قالوا فافصحوا و بالرجوع الي اخبارهم و طريقتهم لانحتاج الي تفسير احد من الناس لا الي البيضاوي و لا الي الزمخشري و لا الي غيرهم ممن لف لفهم و نسج علي منوالهم فكتاب الله مشروح مبين و لو فرضنا ان وجدت آية لميرد بها خبر عنهم عليهم السلم و لمتعرف من ضرورة المذهب و لا من ضرورة الملة فان كانت متشابهة وضعناها في موضعها اللايق بها من عدم العمل بها كما امروا عليهم السلم و ان كان لها ظاهر يعرفه اهل الشعور بحيث لايشك في المراد منه فذلك ايضا مما يعمل به لتقريرهم عليهم السلم كما قد تقدمت الاشارة الي ذلك فانهم لا شك العلماء العرفاء المحيطون بمعاني القرآن كله ظاهره و باطنه و هم حكماء لايغرون بالباطل فلو ارادوا غيره لصرفوا عنه بصارف و لما لميصرفوا عنه عرف انهم ارادوا ظاهره فنحن نأخذ بظاهره طبقا لتقريرهم عليهم السلم فانه احد الطرق التي خفيت علي الاصوليين و الاخباريين [ص 292] جميعا و هو طريق من طرق آلمحمد عليهم السلم العظيمة التي لا مجال لانكاره و لا محيص عن العمل به بل و لولاه لماثبت شيء من امر الدين ابدا بوجه من الوجوه و لكن القوم قد غفلوا عنه و لذا تخبطوا في الامور و لما رأوا الاخبار مختلفة ظاهرا لاسيما في تفسير القرآن تمسك كل واحد منهم بنوع من الاخبار و ترك الاخبار الاخر المخالفة لما تمسك به و اولها بما لايخالف ما هو عليه و لو تدبروا حقيقة في القرآن و معانيه و في السنة و معانيها و في اخبار اهل البيت عليهم السلم و تفكروا في آيات الآفاق و الانفس لارتفع عنهم الاختلاف و حل الايتلاف في البين و رأوا ان الاخبار في الحقيقة لا اختلاف فيها اذ ان كل قسم منها صحيح في محله و موضعه و لما ان جهلوا هم موضعه و محله اشتبه الامر عليهم و سنروي لك عن قريب ان شاء الله الاخبار الواردة في المقام و كلا منها في محله اللايق به فستري حقيقة انه لا اختلاف بينها ان شاء الله تعالي فامكنك من هذا البيان الشريف الذي من الله علينا به ببركة مشايخنا العظام اعلي الله لهم المقام انه لا فائدة في هذا الاختلاف حقيقة .
و اقول ثانيا ان القرآن لا ريب كتاب من عند الله تعالي انزله علي رسوله صلي الله عليه و آله بلغته و هي اللغة العربية و الرسول قد خاطب بالقرآن قومه و هم عرب فلا شك ان العرب يفهمون عباراته و الفاظه لانه كلام عربي مبين و عرفوا من ذلك فصاحته و بلاغته بحيث ابهرهم كثيرا فعرفوا عجزهم عن الاتيان بمثله كما هو المأثور في كتب الاخبار و التواريخ عنهم المتشاهد ما روي في الصافي عن القمي عند تفسير قوله تعالي ان هذا الا سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر حيث قال نزلت في الوليد بن المغيرة و كان شيخا كبيرا مجربا من دهات العرب و كان من المستهزئين برسول الله (ص) و كان رسول [ص 293] الله (ص) يقرأ في الحجرة و يقرأ القرآن فاجتمعت قريش الي الوليد بن المغيرة فقالوا يا اباعبدشمس ما هذا الذي يقول محمد اشعر هو ام كهانة ام خطب فقال دعوني استمع كلامه فدنا من رسول الله (ص) فقال يا محمد انشدني من شعرك قال ما هو شعر و لكنه كلام الله الذي ارتضاه لملائكته و انبيائه و رسله فقال اتل علي منه شيئا فقرأ عليه رسول الله (ص) حمۤ السجدة فلما بلغ قوله فان اعرضوا يا محمد (ص) قريش فقل لهم انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود قال فاقشعر الوليد و قامت كل شعرة في رأسه و لحيته و مر الي بيته و لميرجع الي قريش من ذلك فمشوا الي ابوجهل فقالوا يا اباالحكم ان اباعبدشمس صبا الي دين محمد (ص) اما تراه لميرجع الينا فغدا ابوجهل الي الوليد فقال له يا عم نكست رؤسنا و فضحتنا و اشمت بنا عدونا و صبوت الي دين محمد (ص) فقال ماصبوت الي دينه و لكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود فقال له ابوجهل اخطب هو قال لا الخطب كلام متصل و هذا كلام منثور لايشبه بعضه بعضا قال افشعر هو قال لا اما اني لقد سمعت اشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها و ما هو بشعر قال فما هو قال دعني افكر فيه فلما كان من الغد قال له يا اباعبدشمس ما تقول فيما قلناه قال قولوا هو سحر فانه اخذ بقلوب الناس فانزل الله علي رسوله في ذلك ذرني و من خلقت وحيدا و انما سمي وحيدا لانه قال لقريش انا اتوحد بكسوة البيت سنة و عليكم في جماعتكم سنة و كان له مال كثير و حدائق و كان له عشر بنين بمكة و كان له عشرة عبيد عند كل الف دينار ليتجر بها و في الجوامع روي ان الوليد قال لبنيمخزوم والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس و لا من كلام الجن ان له لحلاوة و ان عليه لطلاوة و ان اعلاه لمثمر و ان [ص 294] اسفله لمغدق و انه يعلو و مايعلي فقالت قريش صبا والله وليد ليصبأن قريش فقال له ابوجهل انا اكفيكموه و قعد عليه حزينا و كلمه بما احماه فقام فاتاهم فقال تزعمون ان محمدا (ص) مجنون فهل رأيتموه يخنق و تقولون انه كاهن فهل رأيتموه يحدث بما يتحدث به الكهنة و تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه يتعاطي شعرا قط و تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا كل ذلك اللهم لا قالوا فما هو ففكر فقال ما هو الا سحر امارأيتموه يفرق بين الرجل و اهله و ولده و مواليه و ما يقوله سحر يؤثر عن اهل بابل فتفرقوا متعجبين انتهي . اقول فان ذلك يدلك علي ان العرب كانوا يفهمون عباراته و الفاظه و ابهرتهم جمله و تراكيبه و نظمه فهل من المعقول ان يقال انهم ماكانوا يفهمون منه شيئا اذا كيف عرفوا عجزهم عنه و كيف عرفوا انه صلي الله عليه و آله قد سب الهتهم و خرب بنيانهم و هجاهم و حذرهم و انذرهم و لذا فانهم بنوا امرهم علي مخالفته و اجتمعوا علي حربه و كيف امر الرسول عليا عليه السلم ان يقرأ سورة براءة عليهم هذا لايقول به عاقل فالاخباريون في هذا علي خطأ عظيم و لايخفي عليك ان فهم النظم و العبارات و الالفاظ غير فهم التأويل و التفسير فان للقرآن بطونا كثيرة و تأويلات عديدة و هو كتاب علم و حكمة قل انما انزل بعلم الله و فيه تبيان كل شيء و كل شيء احصيناه في امام مبين و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و هو الكتاب التشريعي المترجم عن الكتاب التكويني الذي هو جميع ما كتب الله تعالي و خلق و برأ فاين هذه الاشياء من معرفة عوام العرب فانهم لايعرفون الا الفاظه و عباراته و ما فيه من علم لغة او صرف او نحو او معاني او بيان او بديع او حكمة او علوم غريبة فهم محرومون منه و ليس لهم حظ فيه الا العالمون بذلك و العلماء [ص 295] مختلفون في معرفة هذه العلوم منه علي حسب درجاتهم و مقامهم فالعالم بالصرف لايعرف الا صرفه و العالم بالنحو لايعلم الا نحوه و العالم باللغة لايعرف الا تصاريف لغته و انواع استعمالاته و العالم بالمعاني و البديع يستخرج البديع و طرق تأدية المعني فيه و العالم بالعلوم الغريبة يكتشف العلوم الغريبة فيه و هكذا ساير العلوم و الفنون و مع هذا فان العلماء مختلفوا الطبقات في فهم ذلك و الذي يتدبر في كل ذلك ينكشف له امور بالتدريج فاليوم يعرف شيئا منه بالتدبر و بتدبره غدا يعرف اشياء اخر و لايعرف جميع ذلك الا العالم به جميعا و لايحيط به الا الراسخون في العلم لانه كتاب علم و حكمة و فيه تبيان كل شيء فان قلت لايفهم القرآن الا الراسخون في العلم صدقت لانه كتاب علمهم و حكمتهم و لايفهم دقائقه و جزئياته و ظواهره و خوافيه و تأويلاته و بطونه الا هم و غيرهم يجب ان يأخذه عنهم عليهم السلم فكما يصح لك ان تقول في كتاب شرح اللمعة مثلا انه لايفهمه الا الفقيه الكامل و الباقون لا بد و ان يأخذوا علمه عن ذلك الفقيه لا غير مع انه كتاب مكتوب باللغة العربية و العرب تفهم الفاظه و ساير الفقهاء يعرفون بحسب تعلمهم و تدبرهم شيئا من فقهه فمن تعلم شيئا من الفقه يعرف ظواهر كتاب شرح اللمعة و من تعمق فيه يعرف اكثر فيطلع مثلا علي النكات و علي الدقايق و علي الادلة و علي حسن التعبير مثلا في موضع و علي ردائته في موضع آخر و يتنبه علي اغلاط في محل و علي سهو في محل آخر و هكذا فكذلك الأمر في القرآن مثلا و لله المثل الاعلي فانه لايعرفه الا الراسخون في العلم و هم آلمحمد عليهم السلم و لاينافي ذلك ان يعرف المتدبرون و المتعلمون بالتعليم علي حسب درجاتهم اشياء من القرآن و لاينافي ايضا ان يعرف عوام العرب مثلا الفاظ القرآن و عباراته و معانيه [ص 296] الظاهرة فانه انزل باللغة العربية كما عرفت الي العرب و لا شك انهم يعرفون منه عباراته الظاهرة و الفاظه الباهرة التي ابهرتهم بسطوع نورها و بذلك وردت اخبار و آثار عن الأئمة الاطهار كقول الرضا عليه السلم و الدليل علي ذلك قول الناس الجايز عندهم السايغ و هو الذي خاطب الله عز و جل به الخلق فكلمهم بما يعقلون و كقول ابيعبدالله عليه السلم ماكان الله ليخاطب خلقه بما لايعقلون و كقوله في آخر ماكان الله عز و جل ليخاطب خلقه بما لايعلمون . فانظر بالله عليك كيف تجتمع الاخبار علي ما قلنا و ذكرنا فلميبق علينا الا ان نروي لك الاخبار المختلفة علي زعم القوم و نضع كلا منها في محله و موضعه علي طريقة مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم ففي الكتاب المبين قال الرضا عليه السلم ان النبي صلي الله عليه و آله قال قال الله عز و جل ماآمن بي من فسر برأيه كلامي الخبر ، و عن النبي صلي الله عليه و آله من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار . اقول لا شك ان التفسير غير معرفة ظاهر لغة القرآن و معرفة عباراته و نظمه فان هذا يعرفه العرب و هو كما قدمنا كتاب علم لا بد و ان يؤخذ من معدنه و هم الذين نزل القرآن في بيتهم عليهم السلم كما في حديث آخر قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله انزل علي القرآن و هو الذي من خالفه ضل و من ابتغي علمه عند غير علي هلك الخبر ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلم انه قال اتقوا الله و لاتفتوا الناس بما لاتعلمون الي ان قالوا فما نصنع بما قد خبرنا في المصحف فقال يسأل عن ذلك علماء آلمحمد عليهم السلم ، و في معناهما اخبار اخر و لا اشكال في ذلك فانهم اهل القرآن و لا بد و ان يطلب منهم و يتعلم في بيوتهم و لايمكن معرفته الا من طريقهم و مثل ذلك كأن تقول انه لا بد علي من اراد معرفة شرح اللمعة و اراد [ص 297] التفقه ان يرجع الي الفقيه و يأخذ منه فمن رجع الي غيره فلايمكنه معرفة كتاب شرح اللمعة و ذلك اذا انحصر التقليد فيه فاي عيب يرد علي ذلك و انت برجوعك الي الفقيه و بأنسك به يمكنك معرفة بعض ما يحتوي عليه ذلك الكتاب و كذلك الامر في القرآن فبرجوعك الي آلمحمد يمكنك ان تعرف بعض ما في القرآن و عنه عليه السلم في احتجاجه علي زنديق ثم ان الله قسم كلامه ثلاثة اقسام فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل و قسما لايعرفه الا من صفا ذهنه و لطف حسه و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للاسلام و قسما لايعلمه الا الله و ملائكته و الراسخون في العلم و انما فعل ذلك لئلايدعي اهل الباطل المسؤلين علي ميراث رسول الله صلي الله عليه و آله من علم الكتاب ما لميجعل الله لهم و ليقودهم الاضطرار الي الايتمام بمن ولي امرهم فاستكبروا عن طاعته انتهي ، و هذا بعينه ما قدمناه لك من ان مراتب الناس في فهم القرآن متفاوتة كل علي حسب ما قدر له من الفهم علي حسب سعيه في التعلم و التدبر و لاتحسبن ان القرآن من هذا الحديث الشريف علي ثلاثة اقسام يعني كل قسم من آياته علي حدة مثلا بل معني هذا الحديث ان القرآن بكله علي ثلاث طبقات طبقة منه يفهمه الجاهل و العالم و هو معرفة الالفاظ و العبارات الظاهرة لكل من عرف اللغة العربية و تكلم بها و طبقة لايفهمه الا من صفا ذهنه و طبقة منه لايفهمه الا الراسخون في العلم و ذلك جميع آيات القرآن حتي قوله تعالي قل هو الله احد و رويت ايضا اخبار تدل علي وجوب العمل به منها كما في الكتاب المبين قال رسول الله صلي الله عليه و آله القرآن هدي من الضلالة و تبيان من العمي و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضياء من الاجداث و عصمة من الهلكة و رشد من الغواية و بيان من الفتن و بلاغ من الدنيا و الآخرة و فيه كمال [ص 298] دينكم و ما عدل احد من القرآن الا الي النار و عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ايها الناس انكم في زمان هدنة و انتم علي ظهر السفر و السير بكم سريع فقد رأيتم الليل و النهار و الشمس و القمر يبليان كل جديد و يقربان كل بعيد و يأتيان بكل موعود فاعدوا الجهاد لبعد المفاز فقام المقداد فقال يا رسول الله ما دار الهدنة قال دار بلاغ و انقطاع فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع و ماحل مصدق من جعله امامه قاده الي الجنة و من جعله خلفه ساقه الي النار و هو الدليل يدل علي خير سبيل و هو كتاب تفصيل و بيان و تحصيل و هو الفصل ليس بالهزل و له ظهر و بطن فظاهره حكم و باطنه علم ظاهره انيق و باطنه عميق له نجوم و علي نجومه نجوم لاتحصي عجائبه و لاتبلي غرائبه فيه مصابيح الهدي و منار الحكمة و دليل علي المعروف لمن عرفه و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلم قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فدعوه و نحو ذلك من الاخبار التي بمعناها فانها لاتدل بداهة علي عمل الجاهل بالقرآن من دون تعلم ابدا اذ لايقول بذلك من له ادني شعور و لا بد من ان يتعلم اولا و يأخذ القرآن عن اهله فاذا تعلم و تدبر و عرف من القرآن شيئاً ببركة حملته فحينئذ لا بد له من العمل بالقرآن و لو عمل الجاهل بالقرآن من دون معرفة به لكان ذلك عملا بالرأي و كان يفسد اكثر مما يصلح بداهة و كان اثمه اكثر من نفعه و ليس كل من عرف الفاظه و عباراته عرف معانيه و تآويله و تفاسيره فان ذلك غير معرفة الالفاظ كما قدمنا سيما و قد روي ان عليا عليه السلم مر علي قاض فقال [ص 299] اتعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال هلكت و اهلكت تأويل كل حرف من القرآن علي وجوه انتهي ، فاذا كان ذلك معرفة الناسخ من المنسوخ فكيف يمكن لمن عرف بعض عبارات القرآن و الفاظه يقدر علي فهم معانيه و تأويلاته هذا و لو عرف معني من المعاني التي في القرآن مثلا فما الذي عرفه ان لميكن منسوخا فان ذلك لايعرف الا بالرجوع الي اهل الذكر عليهم السلم فالتعلم واجب و الاخذ عنهم عليهم السلم متحتم و من راجع مقدمة تفسير علي بن ابراهيم و تمعن فيها مليا اعترف بعجزه عن فهم القرآن من دون التعلم فلا شك ان امثال هذه الاخبار لاتدل علي العمل بالقرآن من دون تعليم و مثال ذلك كما اذا قيل لك الواجب عليك ان تعمل بكتاب شرح اللمعة فليس معني ذلك ان تستقل بالعمل به و ان كنت جاهلا بل معناه عليك بالتعلم اولا ثم العمل و اما اخبار العرض علي الكتاب فانها لاتدل علي العرض علي المتشابه بلا شك بل تدل علي العرض علي المحكم من القرآن و المحكم هو الواجب العمل الذي ليس فيه اختلاف في فهم المراد منه و لاتنازع فيه ابدا كما عن ابيعبدالله عليه السلم سئل عن القرآن و الفرقان اهما شيئان ام شيء واحد فقال عليه السلم القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل انتهي ، فالمحكم الذي لا اختلاف فيه و لميختلف العلماء في تفسيره فعرض الاخبار المختلفة علي هذا لا غير و لايمكن فهم ذلك الا بالتعلم من اهل البيت عليهم السلم و ان قلت انه يوجد آيات ظاهرها معروف و محكم الدلالة فهل يجوز لنا العمل بها من دون الرجوع الي اهل البيت عليهم السلم قلت من اين عرفت انها محكمة الدلالة فلعلها منسوخة فماادراك بنسخها و التشابه في القرآن ليس منحصرا بوجه واحد فان المتشابه ما التبس المراد منه فقد يكون من جهة غموض [ص 300] العلم و قد يكون من جهة الاطلاق و التقييد و قد يكون من جهة التقديم و التأخير و قد يكون من جهة الخاص و العام و قد يكون من جهة الناسخ و المنسوخ و غير ذلك من الامور الموجبة للالتباس فعرف من ذلك ان نصوص القرآن و محكماته لا بد و ان تؤخذ من اهل البيت عليهم السلم اذ لا غني عنهم في كل حال من الاحوال و ان قلت ان ذلك مقالة الاخباريين فما الذي انكرت منهم قلت ان الاخباريين تمسكوا بنوع واحد من الاخبار و لميعملوا بالنوع الآخر و نحن قد عملنا بجميعها و وضعنا كل خبر موضعه اللايق به و هم لميعرفوا كيفية ايصال الاحكام من قبل ائمة الانام عليهم السلم الي تابعيهم و الموالين لهم و تخيلوا ان كل ذلك عن طريق الاخبار اللفظية و الاقوال المنطقية و ليس كذلك فان لهم طرقاً اخري منها ضرورة الملة و ضرورة المذهب و الامر الضروري لا اختلاف فيه فنحن نأخذ بضروريات الكتاب و ان لميرد نص عنهم بها للاجماع عليها من اهل الملة او من اهل المذهب و انما اخذنا بذلك لكونهم عليهم السلم اهل الضرورة و لولا دخولهم فيها لمااعتبرت الضرورة ضرورة بلا ريب فافهم و هناك اخبار تدل علي ان القرآن لايفهمه الا من خوطب به و اخبار تدل علي ان القرآن احد الثقلين و لايفارق الائمة عليهم السلم و لايفارقونه فمن الاخبار الاولي ما في الكتاب المبين عن ابيجعفر عليه السلم في حديث القرآن ضرب فيه الامثال للناس و خاطب نبيه به و نحن نعلمه فليس يعلمه غيرنا و عن الكافي عن الصادق (ع) قال انما يعلم القرآن من خوطب به . اقول الحديث الاول يشرح الحديث الآخر فان المراد بمن خوطب بالقرآن محمد صلي الله عليه و آله و كذا اهل بيته عليهم السلم و ليس كما زعم القمي ان المخاطب بالقرآن كل المشافهين به ضرورة ان كل المشافهين [ص 301] لايعلمونه و اكثرهم جاهلون و اكثرهم لايعقلون و ليس من عرف بعض الالفاظ و بعض المعاني عرف القرآن بداهة هذا و لو كان المشافه بالقرآن ممن خوطب بالقرآن حقيقة علي معني انه يفهمه لكان كل من جاء بعد النبي صلي الله عليه و آله الي يوم القيام يفهم القرآن لانه ممن خوطب به و يعم كل بنت تسع سنين و ابن اربععشرة سنة فان جميعهم ممن خوطب بالقرآن فان دعوة النبي عامة شاملة و ليس المشافهون فقط مخصوصين بالدعوة و الخطاب بل الذين لميحضروا زمان الخطاب ايضا ممن يشملهم الخطاب اذ لسنا نقول كما يقوله القوم من ان المعدومين لايشملهم الخطاب و لاتعمهم الدعوة و انما جعلوا مشاركين للمشافهين بالاجماع فلا ريب ان هذا خطأ منهم اذ ان دعوة النبي عامة شاملة لاتحد بوقت دون وقت و زمان دون زمان و انها مستمرة الي يوم القيام و ان الرسول (ص) لايتفاوت موته من حياته و هو حي و اقواله حية و شريعته باقية و دعا جميع الناس بدعوته العامة و بلغهم كافة و الدليل علي ذلك قوله تعالي تبارك الذي انزل علي عبده الكتاب ليكون للعالمين نذيرا و يدل علي ذلك من الاخبار اخبار عالم الذر فاذا كان الامر كذلك فالمخاطبون بالقرآن اذا لايحصون و يشمل جميع هؤلاء فهل هؤلاء جميعا يعرفون القرآن لانهم ممن خوطبوا به لايقول بذلك عاقل و معرفة الفاظه و عباراته في الحقيقة لاتغنيهم شيئا فلو عرفوا ذلك فقط لايكفيهم ابدا و لايستفيدون منه شيئا من دون الرجوع الي اهل البيت عليهم السلم فهذه الاخبار لاتنافي الاخبار الأخر ابدا و ان معناها ان القرآن لايفهمه علي الحقيقة و لايعرف تفسيره بجميعه علي الواقع الا اهل البيت عليهم السلم و ما بقي لا بد و ان يتعلم منهم و يرجع اليهم الاتري ما روي عن ابيجعفر عليه السلم حين سأله رجل عن مسائل [ص 302] فاجابه الي ان قال و ان كان رسول الله صلي الله عليه و آله لميستخلف احدا فقد ضيع من في اصلاب الرجال ممن يكون بعده قال و ما يكفيهم القرآن قال عليه السلم بلي لو وجدوا له مفسرا قال و ما فسره رسول الله صلي الله عليه و آله قال عليه السلم بلي قد فسره لرجل واحد و فسر للامة شأن ذلك الرجل و هو علي بن ابيطالب الخبر ، فلا بد من الرجوع الي اهل البيت عليهم السلم و عرفت ان هذه الاخبار لاتنافي الاخبار الواردة في فهم بعض الناس للقرآن فان تلك اولا لاتدل علي انهم يفهمون القرآن من دون التعليم و ثانيا انها تدل علي فهمهم لالفاظ القرآن و عباراته الظاهرة التي كانوا يتخاطبون بها و يعرفونها علي حسب عرفهم و اصطلاحهم و بذلك عرفوا عجزهم عن الاتيان بمثل القرآن و معرفة هذا غير معرفة معاني القرآن و علومه الباطنية و ساير غرائبه و دقائقه فان فهم كل ذلك عند اهله و لا محيص لمن اراد فهمه من الرجوع اليهم .
و من الاخبار الثانية ما في الكتاب المبين عن البرهان انه سمع رسول الله صلي الله عليه و آله يقول اني تارك فيكم الثقلين الا ان احدهما اكبر من الآخر كتاب الله ممدودة من السماء الي الارض و عترتي اهل بيتي و انهما لنيفترقا حتي يردا علي الحوض و قال اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و علي بن ابيطالب و علي افضل لكم من كتاب الله لانه مترجم لكم عن كتاب الله و عنه في خطبة خطبها في مسجد الخيف معاشر الناس ان عليا و الطيبين من ولدي هم الثقل الاصغر و القرآن الثقل الاكبر و كل واحد منهما مبين عن صاحبه موافق له لنيفترقا حتي يردا علي الحوض بامر الله في خلقه و بحكمه يلي ارضه الا و ان الله عز و جل قال و انا قلته عن الله عز و جل الخطبة . اقول و في معني ذلك اخبار اخر منها و من غيرها عرف ان الثقل الاصغر متلازم [ص 303] مع الاكبر و مبين كل واحد عن صاحبه و ان العترة هم المترجمون عن القرآن و المبينون له و الاخبار بعضها يشرح بعضا و كلها في مواضعها صحيحة فلايمكن الاستفادة من القرآن الا بالرجوع الي اهل البيت عليهم السلم .
و اما الاخبار الدالة علي التدبر و التفكر في آياته و الاتعاظ بمواعظه و امثاله و علي ذلك جاء قوله تعالي افلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها و كما روي عنهم عليهم السلم الا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر لا خير في عبادة ليس فيها تفكر ، فان كل ذلك لايدل علي فهم القرآن بالاستقلال و عدم الرجوع الي اهل البيت عليهم السلم فانك تعلم كما قدمنا لك ان كثيرا من آيات القرآن مما اجمع عليه اهل العقول المستقيمة و قامت به ضرورة الملل او الملة او المذهب فكثير منه معروف مفهوم و انما يكون التدبر و التفكر من حيث الاجمال فيما يوافق الضرورة حتي تحصل علي دقائق و اشارات من آياته الآفاقية و الانفسية ففي التدبر و التفكر يحصل لك امور لمتكن حاصلة لك فيما سبق و تنكشف لك حكم لمتكن تعرفها فيما مضي و اين هذا من تفسير القرآن بالرأي و يكون مثل ذلك كأن تنظر امامك جبلاً عظيما فانت بنظرك الاول لاتري الا جبلا مترامي الاطراف و بترديدك النظر و امعانك البصر تري عقيب ذلك فيه بعض الاشياء الأخر كالاشجار مثلا و باقترابك منه و تدقيقك فيه تري اكثر و اكثر فهكذا القرآن و لله المثل الاعلي .
بالجملة لا تعارض بين الاخبار بحمد الله و اجمل لك القول فيه انك ان عرفت امرا من القرآن ضروريا تصدقه ضرورة الملة او المذهب فهو حق فان ذلك محكم يجب العمل به و انما نعمل به لكون اهل البيت عليهم السلم من اهل الضرورة فقرروا ذلك و صدقوه و ان عرفت منه من طريق الاخبار الواردة عنهم بالتواتر او الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية فذلك حق [ص 304] و صدق فانهم شراح القرآن و المبينون لتفسيره و ان وصل اليك من طريق الظاهر المعروف بحيث لايشتبه المراد منه علي حسب العرف و لمينكره خبر منهم عليهم السلم و لمينكره ضرورة العقول و لميتم علي خلافه اجماع فذلك ايضا حق فانه يعلم من ذلك انهم صدقوا الظاهر و قرروه لانا نعلم انهم لايغرون بالباطل فلو ارادوا غير الظاهر لصرفوا عنه بصارف من كلامهم او طريقتهم .
فعلي ذلك لو قلت اننا لانعرف من القرآن شيئا حتي قوله تع قل هو الله احد من دون تصديقهم و تقريرهم لصدقت فقول صاحب الفوائد في التوقف في الظواهر القرآنية عند عدم العثور علي خبر من آلمحمد صلوات الله عليهم في معزل عن الحق و هذا الذي ذكرنا طريق من طرقهم في ايصال الاحكام و معرفة الحلال و الحرام بل هو اعظم الطرق لو تدبرت فيه و عرفت ظاهره و خافيه لانه دليل التسديد و التقرير الذي هو نور كل بصير و به احتج الله و انبياؤه و رسله و الأئمة الطاهرون علي الخلق و آيات الكتاب منه ملأي .
و اما قول القمي و ماكان ذلك الا لان يفهم قومه و يعتبروا به و قد فهموا و قطعوا بمراده تع من دون بيانه (ص) الخ ، فعلي عمومه غير صحيح فان العرب قد قدمنا انهم يفهمون الظواهر القرآنية و العبارات العربية الظاهرية و المعاني الجزئية التي نزل القرآن بها علي حسب متفاهمهم و عرفهم و طريقتهم و اين هذا من تفاسير القرآن و معرفة دقائقه و خوافيه و علومه و ساير غرائبه التي كانوا عنها غافلين و كانوا بها جاهلين فلا ريب من رجوعهم الي النبي صلي الله عليه و آله و التعلم منه فانا قدمنا ان القرآن كتاب علم و حكمة فمن اراد المعرفة و الاطلاع فلا محيص له من التعلم من صاحب ذلك العلم و لايمكنه ذلك الا بالرجوع اليه و لاينافي ذلك معرفتهم بظاهر اللغة او بعض القصص التي كانت [ص 305] متداولة بينهم و نزل القرآن بها و هم بها عالمون فاحتياجهم الي التفسير من رسول الله صلي الله عليه و آله لكثير من القرآن ظاهر بلا شك و لا ريب .
و اما قوله و القول بان العرب كانت تتوقف في فهم المعاني علي بيان النبي (ص) من دون ان يفهموه بانفسهم ثم تعلم البلاغة شطط من الكلام الخ ، فهو ايضا علي عمومه غير صحيح فان قوله في فهم المعاني لفظة المعاني جمع محلي بالالف و اللام و هي تفيد العموم الاستغراقي فهل من المعقول ان العرب ماكانت تتوقف في جميع فهم المعاني علي بيان النبي (ص) و كانت تعرف جميع المعاني بانفسها ؟ لايقول بذلك عاقل فمن علمهم الصلوة بالكيفية المعروفة و من علمهم اخراج الزكوة بالنوع المشاهد و هي ايضا من معاني القرآن و هل من المعقول ان العرب قد فهموا من قوله تعالي اقيموا الصلوة و آتوا الزكوة هذه الكيفيات المشاهدة لا شك ان ذلك غير معقول و كذلك ساير المعاني و الحقايق الشرعية التي لميكن لها سابق ذكر بالكيفية المشاهدة عندهم فانه بلا شك ماكانوا يعرفونها فايراد اللفظ بالعموم غير صحيح و لاينافي ما ذكرنا معرفتهم بالالفاظ الظاهرة و معانيها كقال و جاء و ذهب و انزل المطر و صرف الرياح و ما شاكل ذلك فان هذه الالفاظ بلا شك يعرفونها و يعرفون معانيها لانهم عرب و القرآن انزل بلغتهم و بمعرفتهم لتلك الظواهر و العبارات البليغة التي ابهرتهم عرفوا عجزهم عن الاتيان بمثله و معرفتهم هذه الالفاظ و معانيها غير فهم معاني القرآن علي الحقيقة و مراداته و تفاسيره و علومه علي الواقع فتنبه .
و اما استدلاله باخبار العرض علي الكتاب فغير صحيح فان اخبار العرض تدل علي العرض علي المحكم منه الذي ليس فيه اختلاف و قام الاجماع علي المراد [ص 306] منه و هذا بلا شك امر ضروري يفهمه كل احد و نحن نأخذ به و نعرض الاخبار المختلفة عليه لتصديق الحجج عليهم السلم ذلك لانهم اهل الضرورة فلا غناء لنا حقيقة عنهم بكل صورة فالقول بالاستغناء عن الحجج عليهم السلم باي صورة كانت سوء ادب و قلة معرفة باهل البيت عليهم السلم .
و اما فصله بين القرآن و بين اهل الذكر لكون كل منهما مستقلا عن الآخر للعطف بالواو فذلك قول الذين لايعلمون من العامة العمياء و قد دلت الاخبار المختلفة التي رويناها لك آنفا علي ان القرآن لايفارق اهل البيت عليهم السلم و لا هم يفارقونه و كل واحد مستند الي الآخر خصوصا قوله (ص) في حديث اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و علي بن ابيطالب و علي افضل لكم من كتاب الله لانه مترجم لكم عن كتاب الله الاتري الي التعليل الذي علل به الافضلية في الحديث الشريف كيف دلت علي ان القرآن يحتاج الي شرح و تفسير و المفسر و المترجم له هو علي عليه السلم فيفهم من ذلك ان الاحاديث الواردة في الثقلين في الواقع تدل علي تلازمهما و عدم انفصالهما و استقلالهما و ليس للقرآن عن العترة غناء ابدا و هل بعد قوله في احاديث عديدة لنيفترقا حتي يردا علي الحوض مجال للتأويل حتي يفصل بينهما فانه صريح في عدم الافتراق و يجب الرجوع الي اهل البيت عليهم السلم لانهم المترجمون عن القرآن .
و قوله فان ذلك لاجل افهام المتشابهات الخ ، في معزل عن التدقيق فانه يتصور فهم بعض آيات الكتاب المحكمة بنفسه و لميدر المسكين انه يفهم ذلك بالتعلم و الاكتساب و ماادري كيف عرف ان الآيات المحكمة محكمة الدلالة لاتحتمل في دلالتها علي المراد منها شيئا آخر و هل [ص 307] يمكن فهم ذلك من دون الرجوع الي العترة الطاهرة فان قال عرفت ذلك بضرورة المذهب او الملة مثلا قلت ان الامر الضروري لايعتبر الا بالمعصوم عليه السلم فلكون المعصوم اهل الضرورة و داخلا فيها اعتبرت الضرورة فرجع الامر الي المعصوم عليه السلم و التعلم منه فكل الامور الضرورية في الواقع مأخوذة عن الانبياء في الاصل و انتشرت بين الناس و عمت في بني آدم فعرفوها فاصبحت ضرورية بينهم و اصلها الانبياء في الحقيقة و كذا الاعتبار في الاجماع دخول المعصوم عليه السلم فالامر المجمع عليه الذي لا اختلاف فيه حق و يؤخذ به لدخول المعصوم عليه السلم فرجع الامر الي المعصوم عليه السلم في كل شيء في الحقيقة و لكن القوم تصوروا انفسهم مجردين منفكين عن كل ذلك و يفهمون بانفسهم بعض العبارات و غفلوا عن الاكتساب و التعلم فتكلموا بما تكلموا و الامر بخلاف ما تصوروا فافهم ثم علي فرض انه عرف آية من الكتاب محكمة الدلالة علي زعمه فما الذي ادراه انها لمتكن منسوخة و لايجوز العمل بها و لايعلم ذلك الا من طريق اهل البيت (ع) .
و اما تفسيره المحكم و المتشابه فصحيح لكن تقريره للعمل بالظاهر من الكتاب بما قرره من ان الكلام كله لايفيد اليقين بل اكثره مبتن علي الظن الخ ، خطأ فان العادة الجارية بين الناس في تفهيم بعضهم بعضا و في تصنيف العلوم و تأليف الكتب من لدن آدم الي يوم الناس هذا مبتنية علي العلم و اليقين لاعلي الظن و التخمين و يشهد بذلك معاملة الناس يومنا هذا و تخاطبهم و تفاهمهم و اذا سألت احدهم عما كتب فلان العالم في كتابه هل فهمت من قوله في كتابه الفلاني المسألة الفلانية مثلا علي اليقين ام علي الظن يجيبك انني متيقن بذلك و لايبني امره علي الظن و هكذا في اغلب المسائل [ص 308] و اغلب المعاملات و اغلب الخطابات فلايبني احد امره علي الظن ابدا و لذا فان الناس يقرؤن كتب الادب و كتب التواريخ و يفهمون المراد منها و لايشكون فيها و يستفيدون كل الفائدة منها و لكن القوم لما التبست عليهم الامور و تواترت عليهم الشكوك اجروا الاحتمالات العقلية في الامور العادية و العقلية و العادية في الامور الشرعية فزال عنهم اليقين و تورطوا بوساوس الظن و التخمين فذهبوا الي ما ذهبوا اليه .
بالجملة نحن نقول بحجية ظواهر الكتاب لكن علي النهج الذي قررناه لك فيما سبق فراجع و خلاصته اننا نعمل بظواهر الكتاب الظاهرة في المراد اذا لمنعثر علي خبر عنهم عليهم السلم بالتقرير و التسديد فانهم لو لميريدوا ظاهره لصرفوا عنه بصارف و لما لميصرفوا عن ظاهره عرف انه المراد فافهم .