قال : الثامن - ان المجتهدين يوجبون الاجتهاد عينا او تخييرا و الاخباريين يحرمونه .
[ص 253] اقول الموجبون للاجتهاد عينا هم الحلييون و بعض القدماء علي ما نقل عنهم و الباقي يوجبون تخييرا و علي اي حال قال القمي في القوانين :
ان جواز الاجتهاد و التقليد و وجوب الرجوع الي المجتهد من المسائل الكلامية المتعلقة باصول الدين و المذهب لا من اصول الفقه و لا من فروعه فهو يجري مجري وجوب اطاعة الامام عليه السلم و تعيينه لانه لا مناص عن لزوم معرفة ان الحجة بعد غيبة الامام (ع) من هو و لا دخل لذلك في مسائل الفروع فان المراد بالفروع هو الاحكام المتعلقة بكيفية العمل بلا واسطة و تسمي الاحكام العملية ايضا و مقابلها الاصول و هي الاعتقادات التي لاتتعلق بالتكليف بلا واسطة و ان كان لها تعلق بها في الجملة و لا في مسائل اصول الفقه فانها الباحثة عن عوارض الادلة و ليس ذلك عن عوارض الادلة ايضا كما لايخفي بل معرفة حقيقة الاجتهاد و المجتهد ايضا ليس من مسائل اصول الفقه و لذلك جعل بعضهم الاجتهاد و الترجيح من جملة موضوع هذا العلم و الحاصل ان الرجوع الي العالم باحكام الشرع في غير حضرة الامام عليه السلم من مسائل اصول الدين و المذهب التي تثبت بالعقل و بالنقل ايضا مثل المعاد و مثل وجوب الامام عليه السلم بعد النبي صلي الله عليه و آله للرعية و نحوهما فكما لا بد للمكلف الاعتقاد بمتابعة الامام (ع) اما بالعقل او بالنص فكذا لا بد من الاعتقاد بوجوب متابعة العالم بعد فقد الامام (ع) اما بالعقل او بالنقل و هذا حال عدم حضور الامام (ع) سواء كان في حال حيوته و ظهوره او في حال غيبته المنقطعة اما العقل فلان كل من يدخل في اهل ديننا مثلا يعلم بالضرورة من شرع نبينا صلي الله عليه و آله ان له احكاما كثيرة في كل شيء علي سبيل الاجمال و ان التكليف باق لمينقطع و انه لا بد ممن يعلم هذه الاحكام علي سبيل التفصيل يمكن الرجوع [ص 254] اليه لئلايلزم التكليف بالمحال و ليس ذلك الا في جملة العلماء و اما النقل فلكل ما ورد من الامر بالسؤال عن اهل الذكر و ما ورد من الامر بالرجوع الي اصحابهم (ع) في الاحكام مع بداهة شركتنا مع الحاضرين في التكليف بقي الكلام في تحديد العالم و بيان المراد منه و لا ريب ان العالم باحكامهم علي سبيل القطع باجمعها داخل فيه و كك الظاهر ان العالم بها ظنا من الطرق الصحيحة و هو المسمي بالمجتهد ايضا داخل فيه سواء كان في ظهور الامام عليه السلم او غيبته المنقطعة و لا ريب و لا شك في جواز الاخذ منه اذا كان عالما بكل الاحكام او ظانا علي الوجه المذكور و هو المسمي بالمجتهد المطلق الخ ما ذكر ، و لاريب ان المراد عندهم كما اشتهر عنهم هو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن .
و ذكر القمي في مقام آخر بقوله : ان المشهور بين فقهائنا ان الناس في غير زمان حضور الامام عليه السلم صنفان اما مجتهد و اما مقلد له و من لميكن من احد صنفين فعبادته باطلة و ان وافق الواقع و يؤدي هذا المؤدي قولهم بان الجاهل في الحكم الشرعي غير معذور و ذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الاردبيلي (ره) الي ثبوت الواسطة و معذورية الجاهل و صحة عباداته اذا وافقت الواقع حجة المشهور ان التكليف باقية بالضرورة و سبيل العلم اليها مسدود و لا دليل علي العمل بالظن الا ظن المجتهد لقضاء الاجماع و الضرورة بذلك و المقلد له للزوم اختلال نظام العالم لو اوجبنا الاجتهاد علي الجميع .
ثم اعترض القمي علي ادلتهم بانه اذا كان المراد بالنسبة الي المتفطن لوجوب المعرفة فمسلم و ان اريد الغافل عن هذا المقدار من وجوب المعرفة فممنوع لتكليف ما لايطاق ثم قال : و احتجوا ايضا بالاخبار الدالة علي الرجوع الي العلماء مثل مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها و بمثل قوله [ص 255] فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و بمثل الاخبار الحاكية ان اصحاب الأئمة عليهم السلام اذا كانوا يسألونهم عمن يأخذ معالم ديننا كانوا يقولون عن زرارة او يونس بن عبدالرحمن مثلا و لميجوزوا الرجوع الي غيرهم ، الي آخر ما ذكر .
و اما الاخباريون فقد ذهبوا الي تحريم الاجتهاد كما هو جلي واضح في كتاب الفوائد المدنية فلقد قال شيخ الفوائد في فوائده : قد اشتهر في كتب بعض المتأخرين من فضلائنا المتبحرين كالعلامة الحلي و من وافقه ان في زمن الغيبة تنقسم الرعية الي مجتهد و مقلد و انه يجب علي المقلد ان يرجع الي ظن المجتهد في المسائل الشرعية التي ليست من ضروريات الدين و لا من ضروريات المذهب و ان المجتهد المطلق هو الذي يتمكن من استنباط كل مسألة شرعية فرعية نظرية و ذكروا ان ذلك التمكن انما يحصل بان يعرف مدارك جميع الاحكام الشرعية و ان تلك المعرفة تتحقق بمعرفة المقدمات الست و هي الكلام و الاصول و النحو و الصرف و لغة العرب و شرايط الادلة و الاصول الاربعة و هي الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل .
ثم ذكر بعد ذلك كلاما للشهيد الثاني في المعتبر من شروط الاجتهاد ثم ذكر كلاما من تهذيب الاصول الحادثة في الاجتهاد و ان نزلت حادثة بالمجتهد عمل بما ادي اليه اجتهاده و ان تساوت الامارات تخير ثم ذكر شروط الاجتهاد و ذكر عبارات اخر عن المجتهدين كصاحب المعالم و غيره ثم قال بعد نقله لتلك الاقوال :
فائدة - اقول ذلك التقسيم اي تقسيم الرعية الي مجتهد و مقلد ثم ساقوا الكلام الي آخر ما نقلناه من متأخري اصحابنا بتفاوت قليل سيظهر عليك ان شاء الله تعالي مما سننقله من كتب العامة و الحق ان تلك المقدمات علي مذهب من لايقول بوجوب التمسك بالعترة الطاهرة عليهم السلم و لايجعلهم وسيلة الي فهم كتاب [ص 256] الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و قول غيره بها من باب الغفلة عن هذه الدقيقة كما سيجيء بيان ذلك كله ان شاء الله تعالي .
ثم ذكر عبارة طويلة من كتاب الشرح العضدي للمختصر الحاجبي من كتب الشافعية و غرضه من ذلك ان اغلب ما اورده الاصوليون مأخوذ من كتب العامة كتعريفهم الاصول و الفقه و ايراداتهم علي التعريفات و تعريفهم للاجتهاد فمن جملة ما نقله عن ذلك الكتاب قوله الفقه العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية ثم اورد علي هذا التعريف ايرادا و اجاب عنه كما تجد عين ذلك في كتاب المعالم و غيره ثم ذكر تعريف الاجتهاد من ذلك الكتاب فقال الاجتهاد في الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي ثم ذكر مسائل في باب الاجتهاد من ذلك الكتاب ايضا و ذكر بعد ذلك عبارة عن التلويح للعلامة التفتازاني شرح التوضيح لصدر الشريعة من كتب الحنفية و تحتوي العبارة علي تعريف الاجتهاد و شروطه و قسم من مسائله ثم ذكر بعد ذلك عبارة طويلة في انعقاد الاجماع من العامة علي عدم جواز العمل الا باجتهاد اربعة من مجتهديهم الي يوم القيمة و هو من كلام الشيخ العالم العلامة تقي الدين احمد بن علي بن عبد القادر الشهير والده بالمقريزي الشافعي من كتاب المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار و هي نفس العبارة التي ذكرها مولانا الكريم اعلي الله مقامه في كتابه المسمي بالقواعد ثم قال بعد ذلك كله :
فايدة - اقول ما ذكره الاصوليون من العامة من القواعد الاصولية انما يتجه بعضه لانكارهم انه صلي الله عليه و آله خلف لكل زمان معصوما مسؤلا مرجعا للخلايق عالما بما يحتاج اليه الامة الي يوم القيمة بوحي لا برأي و انكارهم حجية الاحاديث المنقولة عن العترة الطاهرة عليهم السلم و يتجه بعضه لزعمهم ان القرآن نزل علي قدر عقول الناس و انهم [ص 257] مكلفون باستنباط الاحكام النظرية منه و لانكارهم ان علم القرآن من الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و المأول و غيرها عندهم عليهم السلم خاصة و يتجه بعضه لزعمهم انه لميبق شيء مما جاء به صلي الله عليه و آله مخزونا عند احد لانه صلي الله عليه و آله اظهر عند اصحابه كلما جاء به و توفرت الدواعي علي اخذه و نشره و لمتقع بعده صلي الله عليه و آله فتنة انتهت الي اخفاء بعض ما جاء به صلي الله عليه و آله و زعمهم انه تعالي ناط الاحكام الشرعية بدلائل و ربطها بامارات و مخائل تخطر ببال اصحاب الملكة المخصوصة المعتبرة عندهم و انه اوجب عليهم الاستنباطات الظنية و العمل بها و علي غيرهم اتباع ظنونهم و دليلهم علي ذلك كله ادعاؤهم اجماع الصحابة علي ذلك و ادعاؤهم ان مثل ذلك الاجماع لايقع الا بسبب ظهور نص قطعي عندهم و ان لميغفل عنهم و ذكروا ان ظاهر كتاب الله في مواضع حرمة العمل بالظن المتعلق باحكامه تعالي لكن لاجل هذا الاجماع القطعي تركنا تلك الظواهر و اولناها ثم جماعة من متأخري اصحابنا رضي الله عنهم غفلوا عن ما ذكرناه من ابتناء تلك القواعد علي تلك الامور فدونوا اصولا علي منوال اصولهم الا في مواضع يسيرة اطلعوا علي انها مخالفة لما تواتر عن العترة الطاهرة عليهم السلم و سمعت من بعض المشايخ انه لما عيرت جماعة من علماء العامة اصحابنا رضوان الله عليهم بانه ليس لكم فن كلام مدون و لا اصول فقه كذلك و لا فقه مستنبط و ليس عندكم الا الروايات المنقولة عن ائمتكم فتصدي جماعة من متأخري اصحابنا لرفع ذلك فصنفوا الفنون الثلاثة علي الوجه المشاهدة و غفلوا عن نهيهم عليهم السلم اصحابهم عن تعلم فن الكلام المبني علي الافكار العقلية و امرهم بتعلم فن الكلام المسموع عنهم عليهم السلم و كذلك عن القواعد [ص 258] الاصولية الفقهية الغير المسموعة عنهم عليهم السلم و كذلك عن المسائل الفقهية الاجتهادية و صرحوا عليهم السلم بانه علموا اولادكم احاديثنا قبل الفة اذهانهم بما في الكتب الغير الماخوذة عنا و صرحوا بان ما في ايدي الناس من حق فقد خرج منا اهل البيت . . .
( قد سقط من النسخة الموجودة ورق او اكثر ● )
. . . المجتهدين فان الحق في واحد كما عليه السيد المرتضي و الشيخ ابيعبدالله ، الي آخر ما ذكر .
اقول لا شك في حرمة الاجتهاد اذا كان علي ما عرفوه بانه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي و الحق هنا مع الاخباريين القائلين بحرمته و الادلة علي ذلك كثيرة قد مر كثير منها فاولا قد قدمنا انه لا حجة في هذه العقول الجزئية فانها لاتدرك الا ظاهرا من الحيوة الدنيا و هي عن اكثر الامور الغيبية و الاخروية غافلة و قد بينا ذلك بادلة واضحة لاتحتمل الشبهة ابدا بوجه من الوجوه و ثانيا ان الله لميفرض طاعة هذه العقول بل و حرم القول بغير علم و الظن و الرأي بسبعين آية في كتابه و لو لميكن الا قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم لكفي في النهي عن القول بالرأي و دلت انه اوجب طاعة الرسول و اولي الامر لانهم لايأمرون بمعصية كما في الحديث الشريف و لا شك ان هذه العقول مختلفة و اختلافها ناشئ من اختلاف الامزجة و الطبايع و العادات و الشهوات و ما شاكل ذلك من الصفات المذمومة فهي لاتأمر بطاعة ابدا الا ما استندت فيه الي الذين لايأمرون الا بطاعة و هم اهل الذكر عليهم السلم فالآيات و الروايات علي حرمة العمل بالظنون و الآراء كثيرة بلغت حد التواتر بمرات كثيرة و لقد مر عليك كثير منها و ثالثا ان هذه البلية كما ذكر صاحب الفوائد و غيره اصلها من العامة [ص 259] العمياء و ذلك لانقطاعهم عن وصي رسول الله صلي الله عليه و آله بعد رحلته و اتكائهم علي انفسهم في استنباط الاحكام لعدم كفاية الاحاديث التي بايديهم عن الرسول في الشريعة و جهلهم بالكتاب و انفتهم عن الرجوع الي اميرالمؤمنين عليه السلم المفسر للكتاب فاستعملوا الرأي و القياس في الدين يشهد بذلك كتاب عمر الي ابيموسي الاشعري و هو كتاب مأثور عنه يرويه كثير من العامة و هو : اما بعد فان القضاء فريضة محكمة و سنة متبعة فافهم اذا ادلي اليك فانه لاينفع تكلم بحق لا نفاد له اس بين الناس في وجهك و عدلك و مجلسك حتي لايطمع شريف في حيفك و لاييأس ضعيف من عدلك الي ان قال لايمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك و هديت فيه لرشدك الي ان قال الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس فيه كتاب و لا سنة ثم اعرف الاشياء بالامثال و قس الامور عند ذلك و اعمد الي اقربها الي الله و اشبهها بالحق الخ . فانه واضح في تعويله علي العقل و الرأي و المقاييس و ابناء العامة جميعا يعترفون بذلك و يفتخرون به و هو اساس دينهم و مذهبهم بعد النبي صلي الله عليه و آله و بذلك وردت الروايات الكثيرة من ائمتنا عليهم السلم شارحة لمذهبهم و رادة عليهم ففي الكتاب المبين عن الحسن بن علي عليه السلم في حديث نحن نقول اهل البيت ان الأئمة منا و ان الخلافة لاتصلح الا فينا و ان الله تبارك و تعالي جعلنا اهلها في كتابه و سنة نبيه صلي الله عليه و آله فان العلم فينا و نحن اهله و هو عندنا مجموع كله بحذافيره و انه لايحدث شيء الي يوم القيمة حتي ارش الخدش الا و هو عندنا مكتوب باملاء رسول الله صلي الله عليه و آله و خط علي عليه السلم بيده و زعم قوم انهم اولي بذلك منا حتي انت يا بن هند تدعي ذلك و تزعم ان عمر ارسل الي ابي اني اريد ان [ص 260] اكتب القرآن في مصحف فابعث الي بما كتبت من القرآن فاتاه فقال تضرب والله عنقي قبل ان يصل اليك قال و لم قال لان الله تعالي قال و الراسخون في العلم اياي عني و لميعنك و لا اصحابك فغضب عمر ثم قال يا بن ابيطالب تحسب ان احدا ليس عنده علم غيرك من كان يقرء من القرآن شيئاً فليأتني به فاذا جاء رجل فقرأ شيئاً معه يوافقه فيه آخر كتبه و الا لميكتبه ثم قالوا قد ضاع منه قرآن كثير بل كذبوا والله بل هو مجموع محفوظ عند اهله ثم امر عمر قضاته و ولاته اجتهدوا آراءكم و اقضوا بما ترون انه الحق فلايزال هو و بعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها ابي ليحتج عليهم بها فيجتمع القضاة عند خليفتهم و قد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فاجازها لهم لان الله تعالي لميعطه الحكمة و فصل الخطاب ، الحديث . اقول و بذلك نطق علي عليه في خطبة له مشهورة كما هي منقولة في كتاب نهج البلاغة الذي جمعه السيد الرضي عليه الرحمة و هي : ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد أفأمرهم الله تعالي بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم عنه فعصوه ام انزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلي الله عليه و آله عن تبليغه و ادائه و الله سبحانه يقول ( مافرطنا في الكتاب من شيء ) و قال فيه تبيان كل شيء و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه ( و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) و ان القرآن ظاهره انيق و باطنه عميق لاتفني عجائبه و لاتنقضي [ص 261] غرائبه و لاتكشف الظلمات الا به ، انتهي كلامه عليه السلم و عن اسماعيل بن جابر عن ابيعبدالله عليه السلم عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث طويل : و اما الرد علي من قال بالاجتهاد فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب علي انهم لايقولون انهم مع اجتهادهم اصابوا معني حقيقة الحق عند الله عز و جل لانهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الي اجتهاد و احتجاجهم ان الحكم به قاطع قول باطل منقطع منتقض فاي دليل ادل من هذا علي ضعف اعتقاد من قال بالاجتهاد و الرأي اذا كان امرهم يؤل الي ما وصفناه و زعموا انه محال ان يجتهدوا فيذهب الحق من جملتهم و قولهم بذلك فاسد لانهم ان اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع بهم و اعجب من هذا انهم يقولون مع قولهم بالرأي و الاجتهاد ان الله لميكلفهم بهذا المذهب الا بما يطيقونه و كذلك النبي صلي الله عليه و آله و احتجوا بقول الله تعالي و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و هذا بزعمهم وجه الاجتهاد و غلطوا في هذا التأويل غلطا بينا قالوا و من قول الرسول صلي الله عليه و آله ما قال لمعاذ بن جبل و ادعوا انه اجاز ذلك و الصحيح ان الله لميكلفهم اجتهادا لانه قد نصب لهم ادلة و اقام لهم اعلاما و اثبت عليهم الحجة فمحال ان يضطرهم الي ما لايطيقون بعد ارساله اليهم الرسل بتفصيل الحلال و الحرام و لميتركهم سدي مهما عجزوا عنه و ردوه الي الرسول و الأئمة عليهم السلم كيف و هو تعالي يقول مافرطنا في الكتاب من شيء و يقول اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و يقول فيه تبيان كل شيء و من الدليل علي فساد قولهم في الاجتهاد و الرأي و القياس انه لنيخلو الشيء ان يكون يمثله علي اصل او يستخرج البحث عنه فان كان يبحث عنه فانه لايجوز في عدل الله تعالي ان يكلف العباد ذلك [ص 262] و ان كان ممثلا علي اصل فلنيخلو الاصل ان يكون حرم لمصلحة الخلق او لمعني في نفسه خاص فان كان حرم لمعني في نفسه خاص فقد كان ذلك فيه حلالا ثم حرم بعد ذلك لمعني فيه بل لو كان العلة المعني لميكن التحريم له اولي من التحليل و لما فسد هذا الوجه من دعواهم علمنا ان الله تعالي انما حرم الاشياء لمصلحة الخلق لا للخلق التي فيها ، انتهي . اقول و هو حديث شريف طافح بالادلة الواضحة القاطعة علي بطلان الاجتهاد و لاتزعمن ان قوله عليه السلم فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب يدل علي بطلان قول المصوبة من العامة لا المخطئة من الاصحاب فان قوله عليه السلم بعد هذه العبارة المتقدمة علي انهم لايقولون انهم مع اجتهادهم اصابوا معني حقيقة الحق عند الله عز و جل يثبت الرد علي من قال بالتصويب مع التخطئة فانهم لا شك لايقولون بانه ليس لله حكم واقعي للاشياء كما عليه الاشاعرة بل يقولون ان له حكما واقعيا و لسنا نصيبه بظنوننا فقد نصيب و قد نخطأ و ان كلما ادي اليه ظنونا فهو حكم الله في حقنا و حق مقلدنا فالحكم الظاهري تابع لظنونهم و معني هذا ان ليس لله حكم ظاهري ثانوي علي الاشياء و هم يصيبونه بظنونهم و يخطؤن الحكم الواقعي لله علي الاشياء و هذا هو الذي رده اميرالمؤمنين عليه السلم الاتري انه عليه السلم يقول لانهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الي اجتهاد فانك اذا دققت طريقتهم تجدهم كما قال روحي فداه في شدة اختلافهم و ترددهم بالجملة انك لو راجعت الاخبار و الآيات و سيرة الاصحاب القدماء و معاصري الأئمة عليهم السلم و طريقة مذهب العامة التي يفتخرون بها علي الشيعة لحصل لك القطع بالاجماع الذي دخل فيه المعصوم علي حرمة الاجتهاد و قال ابوعبدالله عليه السلم في [ص 263] رسالة له الي اصحاب الرأي و الاجتهاد اما بعد فان من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقاييس لمينصف و لميصب حظه لان المدعو الي ذلك ايض لايخلو من الارتياء و المقائيس و متي لميكن بالداعي قوة في دعائه علي المدعو لميؤمن علي الداعي ان يحتاج الي المدعو بعد قليل لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقاً لمعلمه و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الي رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند الله جايزا لميبعث الله الرسل بما فيه الفصل و لمينه عن الهزل و لميعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و غطوا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك عن رسله و القوام بامره و قالوا لا شيء الا ما ادركته عقولنا و عرفته البابنا فولاهم الله ما تولاهم و اهملهم و خذلهم حتي صاروا عبدة انفسهم من حيث لايعلمون و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتيائهم فيما ادعوا من ذلك لميبعث اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضي الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير من الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لميزدد من الله الا بعدا و لميبعث رسولا قط و ان طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتي يكون متبوعا مرة و تابعا اخري و لمير ايض فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتي يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجي ان اصحاب الرأي و القياس مخطؤن مدحضون الحديث . و لولا خوفي من طول المقام لنقلت لك كثيرا من الاحاديث المتواترة في هذا المعني المملوءة بالادلة الكثيرة [ص 264] التي لاتقبل الشك علي بطلان الاجتهاد و لذكرت لك من كلام الفضل بن شاذان الثقة الجليل القدر الذي ترحم عليه ابومحمد عليه السلم الذي كانت له كتب جليلة و مصنفات عديدة و قد رد بادلة واضحة علي من قال بالاجتهاد و لقد ذكر كلامه من كتاب له المسمي بالايضاح مولانا الكريم اعلي الله مقامه في كتابه علم اليقين في صفحة ١٣٨ و كتابه هذا مطبوع فمن شاء الاطلاع فليراجع هذا الكتاب .
و بعد هذا كله فالعجب من الاصحاب كيف تركوا ما هم عليه من تليد الامور و هو اتباع اهل البيت عليهم السلم و تمسكوا بالمحدثات التي احدثها العامة و ما ذلك الا لغفلتهم لكثرة تماسهم مع المخالفين و مصاحبتهم لهم و مطالعة كتبهم فاعتراهم من الشبهة بعد الغيبة العامة للامام الثانيعشر عجل الله فرجه ما اعتري المخالفين بعد ارتحال النبي صلي الله عليه فادخلوا القواعد المتمشية في مذهب العامة المنقطعين عن اهل البيت عليهم السلم و التي لاتتمشي في مذهب الشيعة الي مذهب الشيعة و رأيت انموذج كلامهم بحيث لايختلف عما عليه العامة و الذي جروا عليه في كتبهم و لقد نقل ان كتابا للعلامة في الاصول لااعرف اسمه كان شبيها لكتاب من كتب العامة و مطابقا له حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة في جميع ابوابه الا في تغيير بعض الالفاظ فانظر ماذا تري من الاعاجيب .
بالجملة هذا اذا كان الاجتهاد بالمعني الذي ذهب اليه الاصوليون من الاصحاب و اما اذا كان المراد منه الاجتهاد في تحصيل النصوص عن اهل البيت عليهم السلم و العلم و القطع بصحة صدورها و السعي في فهم معانيها المرادة منها فذلك حق لا ريب فيه و لا شك يعتريه و واجب علي كل فرد فرد من هذه الفرقة المحقة و هذا معني قول الرسول صلي الله عليه و آله طلب العلم فريضة علي كل مسلم و مسلمة ، و لا فرق في ذلك بين [ص 265] عوام الناس و خواصهم غير ان العوام لما قصروا في طلب العلم و لايعرفون اصول العربية في هذا اليوم و لا لحن الاخبار و مع ذلك فانهم متفاوتون في الدرجات في فهم الامور فما عليهم الا تحصيل الثقة و السعي في معرفة ذلك الرجل الفقيه الورع المتقي الذي يروي لهم عن امامهم اوامره و نواهيه و يوصل بذلك اليهم تكاليفهم الشرعية فهذا احد اجتهادهم في معرفة الثقة الذي تطمئن اليه النفس و يسكن اليه القلب و علي ذلك نسلت الدهور و مضت القرون و سلفت الآباء و خلفت الابناء من عهد النبي صلي الله عليه و آله الي يومنا هذا بل من عهد آدم في الحقيقة الي يوم الناس هذا و لا ريب ان الاخباريين قد ردوا علي الاصوليين المتمسكين بالظنون و المعرفين للاجتهاد بالتعريف المزبور فان ردوا الاجتهاد بهذا المعني الأخير فهم علي خطأ عظيم فانه قد ورد في الاخبار بهذا المعني كثير من العبارات منها قول الامير عليه السلم في آخر خطبة خطبها : فما علينا الا الاجتهاد ، يعني الاجتهاد في الطاعة بلا شك فانه قد رد الاجتهاد بالمعني الذي ذهب اليه العامة كما رأيت فلا معني لردهم بوجه من الوجوه لاسيما و ان الاجتهاد في اللغة هو بمعني الجهد بالضم او الفتح و هو بمعني الوسع و الطاقة و الجهد بالفتح ايضا بمعني النهاية فيقال اجهد جهدك اي ابلغ غايتك فمعني المجتهد اي الساعي في طلب المسألة حتي يصل النهاية او الغاية او هو المستعمل للوسع و الطاقة فاي عيب يرد علي الانسان اذا بلغ في امره الوسع و الطاقة او بلغ النهاية حتي يحصل علي القطع و اليقين من تكليفه الشرعي و بهذا المعني لا مانع من تسمية العالم بالاخبار الراوي لها مجتهدا لانه يجتهد في تنقيحها و معرفة صحة صدورها و المراد منها فيجب الرجوع اليه و الاخذ منه علي انه راو عن امامه لا قائل برأيه و هواه .
[ص 266] و اما التقليد فكذلك لايجوز تقليد احد من الناس الا المعصوم عليه السلم فان الله سبحانه و تعالي يقول اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و عن علي عليه السلم في حديث انما الطاعة لله و لرسوله (ص) و لولاة الامر و انما امر الله بطاعة الرسول صلي الله عليه و آله لانه معصوم مطهر لايأمر بمعصية و انما امر بطاعة اولي الامر لانهم معصومون مطهرون لايأمرون بمعصية و عن محمد بن عبيدة قال قال لي ابوالحسن عليه السلم يا محمد انتم اشد تقليدا ام المرجئة قلت قلدنا و قلدوا فقال لماسألك عن هذا فلميكن عندي جواب اكثر من الجواب الاول فقال ابوالحسن عليه السلم ان المرجئة نصبت رجلا لمتفرض طاعته و قلدوه و انتم نصبتم رجلا و فرضتم طاعته ثم لمتقلدوه فهم اشد تقليدا انتهي . فالتقليد للامام المعصوم لا غير و ما بقي من الفقهاء رواة عنه الي غيرهم متفاوتون في الرواية فبعضهم اكثر رواية و بعضهم اقل رواية و الكل آخذون عن الامام مقلدون له و ليس الاخذ عن الراوي تقليدا له بل التقليد للامام الحي و الراوي واسطة لايصال الاحكام كما ان الفقهاء يومنا هذا لهم تلاميذ ينقلون فتاويهم الي العوام و العوام يأخذون الفتاوي عن هؤلاء التلاميذ فكما لايعد الآخذ عن التلاميذ مقلدا لهم في الفتوي فكذا لايعد الآخذ عن الراوي لاحاديث الامام مقلدا له و انما هو مقلد للامام فاليوم نحن مقلدون للامام الحي الحاضر و الرواة نقلة عنه اما باللفظ او بالمعني الي شيعته الذين لميعرفوا الاخبار و لميجوسوا خلال الديار و سيأتي مزيد بيان في محله و ايراد استدلال الاصوليين في موضعه فترقب .
ثم لنرجع الي كلام القمي الذي ذكرناه آنفا في صدر المسألة و باعطائك التأمل فيه حقه تجده ظاهرا في جعله وجوب معرفة المجتهد من المسائل الكلامية اي من مسائل اصول الدين لا فروعه كوجوب [ص 267] معرفة الامام بعد النبي صلي الله عليه و آله فاقول اذا كان الميرزا القمي قد اقر بان معرفة المجتهد من اصول الدين لا من فروعه و هو من علماء الاصوليين الفحول الذين هم مرجع التقليد فما اعتراض المتأخرين من الاصوليين علي مولانا الكريم اعلي الله مقامه و ساير مشايخنا الكرام الآتين بعده في اثبات امر الركن الرابع و تشييد اركانه و تثبيت بنيانه و هو ليس الا معرفة العلماء و شيعة آلمحمد عليهم السلم و محبيهم فهو ولاية اولياء آلمحمد و البراءة من اعدائهم مع انهم قد اثبتوا وجوب معرفة هذا الركن العظيم و الامر القويم بادلة عقلية مستنيرة بالنقل و بآيات الكتاب المحكمة و بالسنة الجامعة و باحاديث اهل البيت المتواترة و باجماع الملة بل اجماع الملل و بادلة الآفاق و الانفس و ساير الادلة الاخري التي احتوت عليها كتبهم خصوصا كتاب ارشاد العوام فهل يبقي لاعتراضهم معني مع انه لايخفي عليك الفرق بين كلامهم اعلي الله مقامهم و كلام غيرهم من امثال القمي فان القمي لايعبأ باثبات وجوب معرفة المجتهد الذي يستفرغ وسعه لتحصيل الاحكام الشرعية بالظنون الاجتهادية و هذا محرم بالكتاب و السنة و الاجماع و الادلة العقلية المستنيرة بالنقل كما مر عليك الكثير منها و مشائخنا اعلي الله مقامهم يوجبون معرفة العالم الآخذ عن آلمحمد عليهم السلم المتبع لهم في كل شيء الراوي لاخبارهم المقتفي لآثارهم الذي لايقول بهوي من رأيه و لا بظن من عند نفسه و يجرون في معرفته مجري الحديث المشهور المعتبر من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه فهو بمثابة مرآة صافية تحكي اقوال الامام و افعاله و تقاريره من غير تغيير و لاتبديل فهو كشعاع الشمس من الشمس كما قالوا عليهم السلم شيعتنا منا [ص 268] كشعاع الشمس من الشمس هذا و لميعينوا واحدا بعينه بل كل من كان فيه صفات الامام و كان متبعا للامام و محبا له يدخل وجوب معرفته و محبته و موالاته في امر هذا الركن العظيم و علي ذلك يدخل في ذلك كل موال لآلمحمد ايضا فاي عيب يرد عليهم اعلي الله مقامهم و هل الاعتراض عليهم و كيل التهم لهم و التشنيع و التكفير و السب و نسبة كل كفر و الحاد اليهم و ايقاع الفتنة بين الناس و تفريقهم و تشتيت شملهم في زمان نحن احوج الي الالفة و الاتحاد منه الي التفرقة الا لاغراض فاسدة و مقاصد كاسدة سولت لهم انفسهم و نفث الشيطان في روعهم و نطق علي السنتهم فقاموا بحوله و قوته و نطقوا بلسانه فالقوا هذه الشبهة العظيمة بين العوام و فرقوهم تحت كل نجم متربصين بهم الدوائر و الغوائل و صرفوهم عن نهج الحق الواضح و النور اللائح فاوقعوهم في هرج و مرج و شكوك و شبهات فجزت هؤلاء الاقشاب عنا و عن مشايخنا الجوازي فقد قطعوا ما كان موصولا و سلبوهم ما جعله الله لهم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فالي الله المشتكي و عليه المعول في الشدة و الرخاء .
هذا و يرد علي كلام القمي ايرادات لا محيص عن بيان مر الحق فيها :
فاولا ان معرفة المجتهد الذي يقول برأيه و ظنه و يستفرغ وسعه في تحصيل الاحكام الشرعية بالظن و اتباعه ليست بواجبة بل محرمة لانه تابع لرأيه و هواه و ليس تابعا لامر مولاه و التابع لمولاه انما يحكي احوال مولاه و صفاته و سماته و علاماته فيظهر امر مولاه و يخفي نفسه اما اذا كان مظهرا لصفات اعداء مولاه و لاهجاً بعلومهم فهو تبع لاعداء الامام بلا شك و محب لهم و ان قال بلسانه انه محب للامام فلايغنيه ذلك شيئاً و لاينفعه فان الله يقول من اتبعني فانه مني و الامام يقول والله انا لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا [ص 269] فماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا و قال كذب من يدعي انه محب لنا و هو متمسك بفرع غيرنا ، و قد عرفت ان الاجتهاد بهذا المعني مذهب العامة و القوم اخذوا عن العامة بلا روية فاتباع القائل بالظن و طاعة مثل هذا الشخص محرمة بالكتاب و السنة و الاجماع و العقل و العجب انهم يستدلون لثبوت الاجتهاد و التقليد بالمعني المتقدم بالاجماع حيث انهم عرفوا وهن ادلتهم العقلية المستدل بها في المقام و ماادري اي اجماع يثبت لهم مدعاهم فان قالوا ان الطريقة المستمرة في الاعصار السابقة الي زمان الائمة عليهم السلم من رجوع النسوان و العوام الي قول العلماء من دون ان ينقلوا لهم متن الحديث هو الذي يثبت المدعي قلت ان هذه الطريقة تثبت عكس ما تقولون فانها تثبت الاخذ عن الثقة الناقل للخبر كما في روايات متواترة و الثقة هذا لايقول برأيه و لا من هوي نفسه و انما يقول علي حسب ما يرويه عن امامه و هذا ليس اجتهادا منه و الآخذ عنه ليس مقلدا له بل هو اجتهاد في معرفة الرواية و تقليد للامام و الراوي واسطة لا غير فاين الاجتهاد و اين التقليد اذا و جاز لنا ادعاء الاجماع علي خلاف طريقتكم فان السيرة المستمرة و الطريقة المتقدمة طوال الاعصار السالفة هو ما قدمناه لك من رجوع العوام الي الرواة النقلة عن الامام و ليس امر الائمة عليهم السلم بالرجوع الي عثمان بن سعيد او محمد بن عثمان او يونس بن عبد الرحمن او زكريا بن آدم او محمد بن مسلم او امر ابان بن تغلب بالافتاء كما في رواية تقليدا لهم و انما هؤلاء حملة رواياتهم الي شيعتهم و ليس الحامل للرواية و الواسطة في ايصال الاخبار الي العوام مجتهدا بالمعني الذي يقولون ابدا بوجه من الوجوه فلاتدل هذه الاخبار علي وجوب الاجتهاد المزعوم و لميثبت اجماع علي ذلك و ثبت الاجماع بخلافه [ص 270] و يتضح لك ذلك بالرجوع الي ما قدمناه من الآيات و الاخبار و الادلة العقلية المتقدمة و سيرة الاصحاب قديما و اما ادلتهم العقلية في ذلك كانسداد باب العلم و قبح ترجيح المرجوح علي الراجح و غيرها من الادلة فلقد عرفت وهنها و رداءتها في المقام و قد بلغ من وهنها عدم اكتفائهم بها و اعترافهم بضعفها و لذا فلقد لجؤا الي اثبات مسألتهم بالاجماع الذي لو تدبروا فيه لعرفوا وهنه بادني تأمل و انه اوهن من بيت العنكبوت مع انه من اوهن البيوت فانه لايدعمه دليل او برهان و انما هو شهرة اشتهرت بينهم لا غير و رب مشهور لا اصل له و اما قولهم كما مر عليك قسم منه في حجة المشهور للزوم اختلال نظام العالم لو اوجبنا الاجتهاد علي الجميع فهو في معزل عن الحق و ذلك لانهم لما انتقلت اليهم شبهة العامة اوجبوا ما اوجبوه اصحابها من الشرائط الكثيرة التي اشترطوها في المجتهد من معرفة النحو و الصرف و المعاني و البيان و الاصول و علم المنطق و الكلام و ما شاكل ذلك من العلوم الخمسةعشر التي اشترطوها في الاجتهاد فعقدوا الامور عليهم و صعبوها كثيرا و ضيقوا علي انفسهم فحسبوا انه لايقدر علي الاجتهاد الا نفير يسير حيث لو ان الجميع تصدوا الي معرفة تلك العلوم و تلك الرسوم التي اشترطوها لضاق بالناس الخناق و تصعب عليهم تحصيل الرزق و لفارقوا صنايعهم و اعمالهم فاوجبوا الاجتهاد لنفر مخصوصين يتصدون لذلك فقط و هذا خطأ صرف لان العلم و طلبه واجب علي كل مسلم و مسلمة و ليست تلك الشروط و العلوم التي عدوها علما علي الحقيقة اذ لميأمر بها الله تعالي في كتابه و لا الرسول صلي الله عليه و آله في سنته و لا الائمة عليهم السلم و انما امروا بالتقوي و معرفة الله و رسوله و الأئمة عليهم السلم و الرجوع الي الثقة الراوي عنهم عليهم السلم [ص 271] فمن كان يروي روايات فعليه العمل بها و ايصالها الي من لميسمع ذلك و علي ذلك ورد قول الرسول صلي الله عليه و آله نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها و بلغها من لميسمعها ، و من لميرو شيئا فعليه بتحصيل شخص ثقة يأخذ منه الروايات و هذه و امثالها غير العلوم التي ذكروها بل و لا نسبة في الحقيقة بينهما و هذا بحمد الله موجود في وسع كل احد و من لميقدر علي معرفة ذلك الثقة او لميستشعر بوجوب الرجوع الي الراوي فهذا ساقط عنه التكليف اذ بالبهائم اشبه و بالوحوش اقرب و ليس كلامنا مع امثال هؤلاء و كلامنا مع الذين لهم شعور يستشعرون به الدين و حملته و تكليف هؤلاء ليس صعبا و انما هو في غاية السهولة و ماكلفوا الا بما يسعون له و كل احد يري من نفسه القدرة علي تحصيل الرواة الامناء اذ ان ذلك امر جعله الله في وسعهم و دون طاقتهم و خلقه في جبلتهم فكما يستطيعون معرفة الخباز الثقة الذي لايغش و القصاب الامين الذي لايخدع و الحداد المؤتمن الذي لايدلس فكذا يستطيعون التحصيل علي راو ثقة عالم باخبار آلمحمد عليهم السلم فاذا حصلوا علي ذلك فهذا منتهي اجتهادهم و استفراغهم الوسع في تحصيل احكامهم فهم بذلك مجتهدون في الحقيقة و الكل في الحقيقة مجتهد بهذا المعني فاي امر اسهل من الاجتهاد و لكن القوم صعبوا الامر عليهم و ادخلوا القواعد العامية الي مذهبهم فبلغ من امرهم انهم يتدارسون الاصول ثلاثين سنة و مسألة واحدة في الاستصحاب سبع سنين و قد نقل ان واحدا عد دورة الاصول و مدة انتهائها فبلغت الفا و مائتين سنة و كل ذلك حشو زائد و زبد باطل و رعد و برق و ما دون ذلك الفشل فانه لمينزل به كتاب و لا سنة و لا شك اذا كان الامر كذلك لايمكن لاحد من الناس الاجتهاد اذ من يبلغ عمره مائة سنة فضلاً عن الف سنة [ص 272] فاصبح بذلك امر الاجتهاد هذا موهوما في الحقيقة فانظر ماذا تري بالجملة صعبوا الامر عليهم جدا و ضيقوه علي انفسهم و الدين اوسع من ذلك و في الحديث ان الخوارج ضيقوا علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلك .
ثم اقول ثانيا ان قوله : فلا دخل لذلك في مسائل الفروع فان المراد بالفروع هو الاحكام المتعلقة بكيفية العمل بلا واسطة الي قوله و مقابلها الاصول و هي الاعتقادات التي لاتتعلق بالتكليف بلا واسطة الخ ، تعاريف قلما تنطبق علي المعرف اطرادا و انعكاساً و الدليل علي ذلك ايراداتهم في الحاشية و نقضهم لذلك و بيان عدم الاطراد او عدم الانعكاس هذا و لمنؤمر في هذا العالم المملوء بالاعراض و الامراض بمثل هذه التعاريف و ايراد الاعتراضات عليها و النقض و الابرام فيها و لو طالعت كتب العامة لرأيت ان ذلك من شيمتهم و طريقتهم التي استحدثوها و لو لميكن الا ذلك لكفي في بطلانها فاللازم اذا في التعاريف اقتفاء اهل البيت عليهم السلم فان عرفوا تعريفا خاصا فبها و نعمت فانهم امراء الكلام و منهم تنشبت عروقه و تهدلت غصونه و ان لميعرفوا فالسكوت امثل وقوفا موقف امرهم و نهيهم لقولهم والله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا فماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا فاذا قلت فكيف تصنع اذا اردت تعريف شخص من الاشخاص موضوعا من المواضيع قلت نكتفي فيه بالتفهيم و ايصال المعني الي ذهنه باي نحو امكن فاذا اصبت المعني المراد في تفهيمه كفي و لاتحتاج الي هذه الردود و التفاسير و النقض و الابرام بعدها التي هي تضييع للعمر و تبذير للقرطاس في غير طائل و العمر اعز من ان يصرفه الانسان في امثال هذه الخزعبلات و الترهات التي لاتعود الي الدين و الدنيا في شيء .
ثم انظر ان معني قوله : المراد بالفروع هو الاحكام [ص 273] المتعلقة بكيفية العمل بلا واسطة ، معناه ان الفروع هي الاحكام المتعلقة بافعال المكلفين من العبادات و المعاملات و غيرها بالذات من دون واسطة فقول الشارع صل تعلق بفعل المكلف من دون واسطة شيء غريب آخر فهل تتصور امكان حدوث شيء في هذا العالم من دون واسطة شيء آخر و لا ريب ان بين قول الآمر صل و بين فعل المأمور وسائط كثيرة لاتحصي كالهواء الذي يسوق الحكم الي المكلف و آلاته الظاهرية كالعين و الاذن و آلاته الباطنية كالخيال و الوهم مثلا و ساير الحواس الأخر فكلها وسايط لازمة لتعلق الحكم بافعال المكلفين و ان قلت ان المراد بالواسطة المنفية هنا هي الواسطة في العروض بان لا يكون بحيث تعلق بغيره اولا و بالذات و علي وجه الحقيقة و بعد المكلف ثانيا و بالعرض و علي وجه المجاز لا الواسطة في الثبوت كالعلة بالقياس الي معلومها و لا الواسطة في الاثبات اعني ما يكون علة للعلم بالشيء كالدليل بالقياس الي مدلوله و الا لميبق مقياس للحد لوجود الوسائط في الثبوت لجميع الاحكام الشرعية بناء علي ما عليه العدلية انها بالغة للمصالح و المفاسد النفس الامرية و لوجود الوسائط في الاثبات لها لانها باسرها ما عدا الضروريات مداليل للادلة كما عن الحاج سيد علي القزويني قلت فالحد اذا ناقص لانه عمل و المعرف لا بد و ان يكون مساويا و اجلي من المعرف بالفتح لا بحيث يكون اخفي فانه يحتمل احتمالات كثيرة كما تشاهد ذلك فيما نحن فيه عيانا و ذلك ما قلناه من عدم انطباق المعرف علي المعرف جمعا و منعا .
و كذا انظر الي سخافة قوله في تعريف الاصول انها هي الاعتقادات التي لاتتعلق بالتكليف بلا واسطة ، فان معناه ان وجوب معرفة الله او معرفة النبي او الامام مثلا لاتعلق لها بالصلوة و لا بالزكوة و لا بالحج و غيرها من ساير افعال [ص 274] المكلفين بالذات و انما يمكن ان تتعلق بالعرض فتكون واسطة لانها شرط لصحة الصلٰوة و غيرها من العبادات و ساير الفروع فانها من دون معرفة الله و معرفة الرسول لاتصح فتكون هذه الواسطة كما قالوا من الوسايط الغريبة (ظ) كالسفينة بالاضافة الي جالسها في عروض الحركة العارضة لها فعلي ذلك يعد المصلي مصليا اذا اتي بصلٰوة من دون معرفة الله و رسوله لكن صلاته غير صحيحة و الحال ان الصلٰوة و ساير العبادات هي في الحقيقة صفات لتلك الذوات فقول صل مثلاً او صم او حج او زك كلها صفات للرسول مثلا او الامام في هذا العالم تجلي بها في عالم الالفاظ و هذه الصفات لاتنفك عنهم ابدا بوجه من الوجوه فالمصلي العارف هو المتصف بصفة الامام و من دون المعرفة للامام لايسمي مصليا ابدا بوجه من الوجوه و انما افعاله و اعماله التي يجريها علي شكل الصلٰوة لاتسمي بصلٰوة ابدا لان الصلوة صفة الامام و من لميعرف الامام و لميواله لايكون متشبها به و اعماله لاتكون شبيهة باعماله فلاتسمي صلوته صلاة ابدا و انما اعماله كاعمال المجانين و افعاله كافعال الاطفال لاتؤل الي شيء و لاتؤب الي شيء لانها ليس لها روح و الامر المجرد عن الروح ميتٌ لا حراك له فلايسمي باسم الروح فتنبه و ان سمي فتسمية مجازية و القوم يحسبون ان الافعال و الاعمال شيء منفصل علي حدة و الاحكام شيء آخر منفصل علي حدة و الذوات شيء منفصلة علي حدة فعرفوا لكل شيء تعريفا و الامر بخلاف ذلك فان كل هذه الاشياء مرتبطة بعضها مع البعض الآخر كالسلسلة الا ان لها درجات بعضها اعلي و بعضها اسفل و بعضها ذوات و بعضها صفات فالاحكام في الحقيقة صفة تلك الذوات و اتصاف المكلفين بها مع المعرفة و الموالاة هي صفة الامام المتجلية فيهم القي في هويتهم مثاله فاظهر عنهم افعاله و الكل امر واحد في [ص 275] الحقيقة له مراتب متفاوتة و اعتبر من قوله عليه السلم انا صلٰوة المؤمنين و صيامهم فافهم و اين هذا من تعريفاتهم الغثة الباردة التي لاتغني و لاتسمن من جوع و ان قلت علي قولك ان العوام الجاهلين الغير العارفين بالامام اذا صلوا و عملوا ساير الاعمال لايسمون مصلين ايضا لانهم غير عارفين بالامام و علي ذلك يدخل العوام المساكين النار و من يقدر علي معرفة الامام فيدخل الكل النار اذا قلت علمت شيئا و غابت عنك اشياء فان العوام اذا كانوا موالين لآل محمد و محبين لهم كفي ذلك في معرفتهم بل الدين و المعرفة هي الحب فاذا كانوا محبين قبلت اعمالهم و كان لها روح و بذلك سموا مصلين و الا فلايسمون مصلين و ان اجهدو انفسهم مدي الدهر فان روح الامر و قوامه الولاية و المحبة لآلمحمد عليهم السلم و طبقا لهذا لو عرفت اصول الدين بهذا التعريف و هو معرفة ذوات و فروعه معرفة صفات تلك الذوات لكان اقرب الي الحق و الله العالم .
و اما استدلاله بالنقل علي مطلبه اما الآية الشريفة فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ، فلاتدل علي مطلبه بوجه لان الآية الشريفة فسرها اهل البيت عليهم السلم بان المراد من اهل الذكر آلمحمد عليهم السلم لا المجتهدون القائلون بالظن و من فسرها بخلاف تفسيرهم عليهم السلم كان قد فسر القرآن برأيه و من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار و اما الاخبار فلقد قدمنا انها دالة علي الاخذ عن العلماء الآخذين عن آلمحمد عليهم السلم و الاخذ عنهم ليس تقليدا لهم بل تقليدا للامام كما ان روايتهم عن ائمتهم ليس اجتهادا بالمعني الذي قال القوم و ذهبوا اليه و انما هو تقليد للامام و الجميع سواء كان راويا او مرويا اليه مقلدون للامام و ما بقي نفخ في غير ضرام و علي من يفهم السلام و سيأتي مزيد بيان ان شاء الله [ص 276] في محله فترقب .
قال : التاسع - ان الاصوليين يرون كتاب الله حجة يعمل عليه و الاخباري لايعمل بكتاب الله تعالي .
قانون - الحق جواز العمل بمحكمات الكتاب نصا كان او ظاهرا خلافا للاخباريين حيث قالوا بمنع الاستدلال بكله علي ما نسب اليهم بعضهم و قال ان مذهبهم ان كل القرآن متشابه بالنسبة الينا و لايجوز اخذ حكم منه الا من دلالة الاخبار علي بيانه و هو الاظهر من مذهبهم او بالظواهر فقط علي ما يظهر من آخر و فصل بعض الافاضل فقال ان ارادوا انه لايجوز العمل بالظواهر التي ادعيت افادتها للظن المحتملة لمثل التخصيص و التقييد و النسخ و غيرها لصيرورة اكثرها متشابها بالنسبة الينا فلايفيد الظن و ما افاد الظن منه قد منعنا عن العمل به مع قبول ان في القرآن محكما بالنسبة الينا فلايفيد الظن و ما افاد الظن منه قد منعنا عن العمل به مع قبول ان في القرآن محكما بالنسبة الينا ايضا فلا كلام معهم و ان ارادوا انه لا محكم فيه اصلا فهو باطل اقول و هذا التفصيل غفلة عن محل النزاع فان هذا التشابه علي الوجه الذي ذكره لا اختصاص له بالكتاب بل هو يجري في الاخبار ايضا و قد مر بيانه في باب وجوب البحث عن المخصص في العام بل النزاع في المقام انما هو بالنسبة الي خصوص الكتاب انما نشأ هذا النزاع من جهة بعض الاخبار الذي دل علي ان علم القرآن مختص بالمعصومين عليهم السلم و انه لايجوز تفسيره لغيرهم و ذلك لايختص بوقت دون وقت و بزمان دون زمان و اما ما ذكره المفصل فهو انما يصح في زمان عروض الاختلالات لا في اول زمان النزول فنقول الحق القول بجواز العمل فاما في الصدر الاول الذي خوطب به [ص 277] المشافهون فلان الضرورة بان الله تع بعث رسوله (ص) و انزل اليه الكتاب بلسان قومه مشتملا علي اوامر و نواهي و دلائل لمعرفته و قصصا عمن غبر و وعدا و وعيدا او اخبارا بما سيجيء و ما كان ذلك الا لان يفهم قومه و يعتبروا به و قد فهموا و قطعوا بمراده تع من دون بيانه (ص) و ماجعل القرآن من باب اللغز و المعمي بالنسبة اليهم مع ان اللغز و المعمي ايضا مما يظهر للذكي المتأمل من اهل اللسان و الاصطلاح بل اصل الدين و اثباته انما هو مبني علي ذلك اذ النبوة انما تثبت بالمعجزة و لا ريب ان من اظهر معجزات نبينا (صع) و اجلها و اتقنها هو القرآن و الحق ان اعجاز القرآن هو من وجوه اجلها و اقواها بلاغته لا مجرد مخالفة اسلوبه لساير الكلمات و لايخفي ان البلاغة هو موافقة الكلام الفصيح لمقتضي المقام و هو لايعلم الا بمعرفة المعاني و القول بان العرب كانت تتوقف في فهم المعاني علي بيان النبي (ص) من دون ان يفهموه بانفسهم ثم تعلم البلاغة شططا من الكلام مع ان الاخبار الدالة علي جواز الاستدلال به و لزوم التمسك به قريب من التواتر و متواتر منها ما ذكره اميرالمؤمنين عليه الصلوة و السلام في خطبته المذكورة في نهج البلاغة قال فيها و الصلوة علي نبيه الذي ارسله بالفرقان ليكون للعالمين نذيرا و انزل عليه القرآن ليكون الي الحق هاديا و برحمته بشيرا فالقرآن امر زاجر و صامت ناطق حجة الله علي خلقه اخذ عليهم ميثاقه الي آخر ما ذكره من هذا النمط و منها خبر الثقلين الذي ادعوا تواتره بالخصوص فان الامر بالتمسك بالكتاب سيما مع عطف اهل البيت (ع) عليه صريح في كون كل منهما مستقلا بالافادة و عدم افتراقهما كما في بعض رواياته لايدل علي توقف فهم جميع القرآن ببيان اهل البيت عليهم السلم فان ذلك لاجل افهام المتشابهات [ص 278] و ما لايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم فانا مذعنون بما قاله تع : هو الذي انزل اليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب الآية ، فان المراد بالمتشابه هو مشتبه الدلالة و المحكم في مقابله و ما قيل ان المراد من المتشابه مشتبه فيحتمل ان يكون الظاهر منه بجهالة معناه بالنسبة الي الواقع و كذلك المراد بالمحكم لايستفاد من بعض الاخبار ان المحكم هو ما يرادف النص و المراد به الناسخ ففيه ما لايخفي اذ من المعاين الغني عن البيان ان مجري عادة الله تع في بيان الاحكام علي النطق و الكلام و ان الكلام كله لايفيد اليقين بل اكثره مبتن علي الظن من العمل باصل الحقيقة في الحقايق و بالقرائن في المجازات مع احتمال ارادة المجاز و اختفاء القرينة علي السامع و احتمال اشتباه القرينة بقرينة اخري و لميعهد من نبي و لا وصي و لا متكلم انسي من حكيم و عاقل او سفيه و جاهل التوقف في حال التكلم مع مخاطبه في انه هل حصل له اليقين بمرامه ام اكتفي بالظن بل لو توقف و كرر عليه القول و استفسر و بين له ثانيا ايضا فلاينفك ذلك ايضا غالبا عن لفظ آخر محتمل لتلك الوجوه و هكذا و سيجيء زيادة توضيح لذلك فالمراد من المتشابه هو ما لميتضح دلالته بان يصير السامع مترددا لاجل تعدد الحقايق او لاجل خفاء القرينة المعينة للمجاز لتعدد المجازات و هكذا و الحاصل ما لميكن له ظاهر او كان و لميرد و اشتبه دلالته في غيره فما وضح دلالته اما للقطع بالمراد او للظهور المعهود الذي يكتفي العقلاء و ارباب اللسان به فهو المحكم و مقابله المتشابه فخذ هذا و دع عنك ما استشكله بعضهم في هذا المجال لاطلاق المحكم في كلام بعض العلماء علي ما يرادف النص او يدعي استفادة ذلك من بعض الاخبار ايضا و ان في بعض الاخبار ما يدل علي ان المحكم هو الثابت [ص 279] لا المنسوخ و ان المنسوخ من المتشابهات فان الظاهر ان من كون المنسوخ من المتشابهات انه مثلها في عدم جواز العمل و من ان الناسخ محكم انه يجب العمل به فهذه الآية محكمة لاتشابه فيها و لايحتاج في بيان المتشابه الي كلام الائمة (ع) و مما ذكرنا يندفع ما يورد علي الاستدلال برواية الثقلين ايضا من ان الامر بالتمسك بكتاب الله لايدل علي انه يمكنه الفهم بنفسه بل الذي لا بد منه هو الاستعداد للفهم بعد الافهام فان لفظ ما ان تمسكتم به لنتضلوا لفظ النبي (ص) لا لفظ الكتاب حتي يكون معركة للنزاع و لا ريب ان المتبادر منه بالتمسك واسطة و الاحتياج الي الترجمة للعجمي مثلا ليس من باب الاحتياج الي بيان الامام (ع) فانه العربي القح ايضا فنحن لانلتزم وجوب ان يمكنه الفهم بنفسه بل يجوز احتياجه الي المترجم و لو كان عجميا مثلا لا البيان و لو كان عربيا ايضا و هذا لاينافي دلالة الحديث علي عدم الاحتياج الي بيان الامام (ع) بالمعني الذي يحتاج اليه العربي ايضا و منها الاخبار الكثيرة التي ادعوا تواترها في عرض الحديث المشكوك فيه علي كتاب الله و المراد بكتاب الله هو ما يفهمه اهل اللسان منه و ما يتوهم منه ان الغرض علي بيان الأئمة (ع) للكتاب ايضا تمسك بالكتاب و عرض علي الكتاب غلط لان الاعتماد ح علي البيان لا علي الكتاب كما لايخفي و منها الاخبار الكثيرة التي استدل فيها الائمة (ع) بالكتاب لاصحابه مرشدين اياهم لذلك و استدلال بعض الاصحاب به علي بعضهم و هي كثيرة جدا متفرقة في مواضع شتي لانطيل بذكرها و الحاصل ان هذا المقصد الواضحة التي لاتحتاج الي البيان . و اما ادلة الاخباريين فهي الاخبار التي دل بعضها علي حصر علم القرآن في [ص 280] النبي (ص) و الائمة (ع) مثل ما رواه الكليني عن الصادق (ع) قال انما يعلم القرآن من خوطب به ، و يدفعه ان جميع الحاضرين مجلس الوحي او الموجودين في زمانه كانوا ممن خوطب به فلايختص به (ص) و ما رواه ايضا في الروضة عنه (ع) و اعلموا انه ليس من علم الله و لا من امره ان يأخذ احد من خلق الله في دينه بهوي و لا رأي و لا مقائيس قد انزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شيء و جعل للقرآن و لعلم القرآن اهلا الي ان قال (ع) و هم اهل الذكر الذين امر الله هذه الامة بسؤالهم الحديث ، و فيه انه ظاهر بل صريح في ان المراد علم جميعه و هو مسلم و في معناهما اخبار اخر و الجواب عن الكل واحد و لو فرض ورود حديث صريح صحيح بل اخبار صحاح ايضا في ان العلم منحصر فيهم رأسا و قطعا و لايفهمه احد سواهم و لايجوز العمل الا ببيانهم (ع) لناوله او نذره في سنبله كيف و لا خبر يدل علي ذلك صريحا و لا ظاهرا و منها الاخبار التي دلت علي عدم جواز التفسير بالرأي و افتي بمضمونه المحقق الطبرسي (ره) حيث قال في مجمع البيان و اعلم ان الخبر قد صح عن النبي (ص) و الأئمة القائمين مقامه (ع) ان تفسير القرآن لايجوز الا بالأثر الصحيح و النص الصريح قال و روي العامة عن النبي (ص) انه قال من فسر القرآن برأيه فاصاب الحق فقد اخطأ و فيه ان الظاهر ان المراد بالتفسير كما ذكره المحقق الطبرسي (ره) ايض كشف المراد عن اللفظ المشكل و قيل التفسير كشف الغطاء و لا ريب انه لايجوز الحكم بالمراد من الالفاظ المشتركة و المجملة في القرآن بالرأي و مجرد الاستحسان العقلي ( اللفظي خل ) من دون نص صريح من الأئمة (ع) او دليل معتبر فلا منافاة بين المنع من التفسير بالرأي و جواز العمل بالظواهر و يمكن ان يراد ان من ترك متابعة مقتضي وضع اللغة و التعارف في بيان [ص 281] المعني و ابدع معني اللفظ بمجرد الاشتباه فهو ممنوع من انا نري ان المحقق الطبرسي (ره) كثيرا ما يفسر الالفاظ و يبين المعاني من دون نص و اثر و اما ما ذكره المفصل من انه يجوز العمل في القطعيات منه دون الظواهر المحتملة للنسخ و التخصيص و غيره ففيه ما مر من ان محل النزاع ان كان ظاهر الكتاب من حيث انه هو ظاهر الكتاب فلايضره هذه المحتملات قبل طروها مثل اوايل نزول الكتاب فاذا نزل آية كان يجوز العمل بها حتي يثبت لها ناسخ او مخصص او مقيد و اما بعد سنوح هذه العوارض فيعمل علي مقتضاها اذا علم بها علي وجهها و الا فالحال فيه هو الحال في جميع ما يرد علينا في امثال زماننا من متعارضات الادلة و المجتهدون ايضا يقولون بانه لايجوز العمل بها ح الا بعد ملاحظة المعارض ينادي بذلك اتفاقهم علي لزوم الفحص عن المخصص في العام و وجوب تحصيل القطع بالعدم او الظن و ما يدعي ان الحاصل من تتبع الاخبار ان اصحاب الأئمة (ع) كانوا يعملون بالاخبار العامة بمحض الورود من دون فحص عن المخصص و انهم ماكانوا يعملون بالآيات كذلك و اجماعهم المستفاد من طريقتهم هو الداعي لاخراج الاخبار عن هذا الحكم بخلاف الكتاب فهو من اغرب الدواعي فنحن نقول في الكتاب نظير ما قلناه في الاخبار انه يجب الفحص عن الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص ثم يعمل علي ما يبقي ظاهرا بعد ذلك و هذا لاينافي جواز العمل بالظواهر علي ما هو محل النزاع و اما الاستدلال بما دل علي حرمة العمل بالظن في مثل هذه الظواهر و ان كان بالآيات ففيه و ان كان لايتم الا الزاما و الا عند هذا المفصل ان ادعي ان هذا من المحكمات القطعية الدلالة لا من الظواهر ان دلالتها ممنوعة لظهورها في اصول الدين ثم قطعيتها لانها عمومات و اطلاقات مخصصة بالظواهر لما بينا من [ص 282] الادلة علي حجية الظن الحاصل من التخاطب ثم الظن الحاصل بعد انقطاع سبيل العلم الي الاحكام في امثال زماننا كما سنبينه و من جميع ذلك ظهر ان حجية ظواهر القرآن علي وجوه فبالنسبة الي بعض الاحوال معلوم الحجية مثل حال المخاطبين بها و بالنسبة الي غير المشافهين مظنون الحجية و كونها مظنون الحجية اما بظن آخر علم حجيته بالخصوص كأن نستنبط من دلالة الاخبار وجوب التمسك بها لكل من يفهم منها شيئاً و اما بظن لميعلم حجيته بالخصوص كأن نعتمد علي مجرد الظن الحاصل من تلك الظواهر و لو بضميمة اصالة عدم النقل و عدم التخصيص و التقييد و غير ذلك فان ذلك انما يثبت حجية وقت انسداد باب العلم بالاحكام الشرعية و انحصار الامر في الرجوع الي الظن و لما كان الاخبار ايضا من باب الخطابات الشفاهية فكون دلالتها علي حجية الكتاب معلوم الحجية انما هو للمشافهين بتلك الاخبار و طرو حكمها بالنسبة الينا ايضا لميعلم دليل عليه بالخصوص فيدخل ح ايضا في القسم الآخر فليكن علي ذكر منك و انتظر لتتمة الكلام ، انتهي كلامه .