و اما قوله و عدم اشتغال الذمة باكثر من ذلك الخ ، فيحتاج الي دليل و الدليل لنا عليهم باشتغال الذمة باكثر من ذلك آيات الكتاب المتواترة و اخبار العترة الطاهرة المتظافرة و الادلة العقلية المستندة الي النقل و سيرة الناس من عهد آدم الي اليوم و طريقتهم فانهم لايعولون الا علي العلم حتي الاطفال و هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله و اما الظن فلايعتني به من له ادني شعور .

و اما قوله مع ان الاستدلال بما يدل الخ ، فغير صحيح من وجوه اولها ان الاستدلال بالآيات المحكمة و الاخبار المتواترة الصحيحة الصريحة في الدلالة ليس استدلالا بالظن و انما هو استدلال بالقطع [ص 226] و الاخبار المأخوذة من الثقات يحصل منها القطع و اليقين الشرعي الذي لا مرية فيه و لا ريب يعتريه حتي و لو كان ثقة واحدا فكيف اذا كانوا كثيرين و كيف اذا كانوا علماء فضلاء اتقياء و كيف اذا وافق ما يقولون آيات الكتاب المحكمة و الادلة العقلية النيرة و ثانيا لايلزم من ذلك المحال و لقد رد علي صاحب القوانين بعضهم في الحاشية بقوله هذا ايضا خلاف التحقيق لان الظن بحرمة العمل بالظن لايدخل في جملة ذلك الظن لان موضوع القضية مقدم طبعا علي الحكم المستفاد منه و الظن بالحرمة ينبع الحكم و هو الحرمة في تأخره طبعا عن الموضوع فلايدخل في جملة الموضوع المتقدم عليه و الا لزم تقدم الشيء علي نفسه و تأخره عن نفسه و هو محال انتهي و يقول له آخر حيث قال في الحاشية معلقا علي هذا الموضع ايضا : اي لايلزم المحال المتقدم ذكره من جهة استلزام وجود الشيء عدمه و ذلك لانه اذا كان الظن الحاصل من عمومات التحريم قطعي العمل باعتبار الاجماع علي حجية ظاهر الكتاب كان خارجا عن موضوع الحرمة خروجا موضوعيا فلايستلزم الحرمة المستفادة من العمومات لكون موضوعها الظن المطلق الغير القطعي العمل باعتبار عدم قيام دليل قطعي علي حجية كل فرد منه بالخصوص فلايلزم من جواز العمل بهذا الظن الخاص عدم جواز العمل به و هذا كما تري غير ما بيناه من ان حكم القضية و ما يتعلق به لايدخل في جملة موضوعها و الظن بالحرمة من متعلقات ذلك الحكم انتهي . اقول الراد علي القمي من علمائهم الاعلام و هو الحاج سيد علي القزويني . فانظر بالله عليك هذه هي ادلتهم العقلية و هذا شأنها في الغالب يبرم واحد منهم دليلا و ينقضه الآخر فهم في اغلب المسائل بين ابرام و نقض فهم في عراك مستمر و نزاع دائم فهل يعول علي امثال هذه الادلة عاقل و هل يعتمد علي [ص 227] اقوالهم من له ادني شعور و اذا كان دين يقيمه امثال هؤلاء بعقولهم الناقصة هل يبقي ايام قلائل فضلا عن ان يبقي الي آخر الابد و لكن الله اقام دينه بغير هؤلاء حيث هيأ لهذا الدين في كل قرن قرن و زمن زمن عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين .

و اما استدلالهم بوجوب دفع الضرر المظنون فمنقوض عليهم لانهم يحسبون الضرر هو النقص في البدن او الحال او المال من جهة واحدة و لا ضرر و لا ضرار في الدين و الحال انه ليس كذلك فان الضرر لاتدركه هذه العقول الجزئية المشوبة بالعادات و الطبايع و الاعراض و الامراض و انما تدرك ما يقابلها و ينطبع في عينها الظاهرة و ليس كلما تدركه ضررا ظاهرا مضرا و الا لكان الجهاد مضراً و لكان الصيام مضرا فان الجهاد يجر الي قتل النفس و ابادتها و الصيام يؤل الي ضعف البدن و خوره و لا ضرر و لا ضرار فيلزم من ذلك ان الجهاد مثلا حرام و الصيام ايضا حرام فالمناط في معرفة الضرر ليس الظاهر فقط و العقول الظاهرية الجزئية لاتعرف الا الظاهر و لاتعرف ما غاب عنها فمعرفة الضرر لايحيط بها الا العقل الكلي المحيط بالاشياء من جميع جهاتها العالم بالشيء قبل كونه فانه بجامعيته و احاطته يعرف الامور الخفية سواء كانت دينية ام دنيوية فلرب امر مضر ظاهرا لكنه نافع في الباطن و لرب امر مضر للدنيا لكنه في الحقيقة نافع للدين و الآخرة فمتي عرفت هذه العقول الجزئية هذه المغيبات و الجهات الخفية حتي تحكم بمجرد رؤيتها الضرر الظاهر علي انه مضر فتجتنب عنه فلا كل مضر اذا بالبدن و الحال و المال ضرر و استدلالهم بهذا مخدوش كما عرفت . ثم نقول لهم انكم برجوعكم الي الاخبار النادية بحرمة الظن و كذا الآيات المتضافرة في ذلك هل لايحصل لكم ظن بحرمته و بالضرر البالغ من اتباعه [ص 228] مع ما انكم تجدون الاختلاف الكثير بين القائلين بالظن و الرأي لان كل واحد يجعل ظنه حجة عليه و لما كانت الافهام مختلفة اختلفت الآراء و الاهواء و ذهب كل واحد الي جهة من الجهات و انظر ماذا يحصل من الفساد في الملك بسبب التشاجر و التنازع الحاصل من جراء الاختلاف في الآراء ثم بالتنازع ماذا يكون المآل لا شك ان بالتنازع و الشقاق يؤل امركم الي الارتداد عن الدين و محق شريعة سيد المرسلين و ان قلت انا نظن بترك مظنوناتنا العقاب من رب العالمين قلت اذا بنيتم امركم علي ذلك فكل واحد يقول كذا ايضا فيقتضي ظن فلان قتل فلان مثلا و الآخر يؤدي اليه ظنه الي حلية امواله و آخر يقول بفصل امرأته عنه و هكذا تتوارد الظنون و تختلف فيحصل من ذلك الفساد العظيم نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين ثم انكم تقولون ان الآيات و الاخبار ظنية لاتفيد الا الظن و الراجع اليها راجع الي الظن و انتم ايضا تثبتون حجية ظن المجتهد بالظن فهو استدلال بالرأي و الظن علي الظن فهو دور ظاهر و الدور عندكم باطل فلم‌يبق اذا عندكم ما تتمسكون به .

و اما قولكم ترك الراجح قبيح ، فهو محل الكلام ايضا فان عقولكم لاتعرف الراجح من المرجوح لانها جزئية و مشوبة بالعادات و الطبايع فليس كلما ترجحه عقولكم راجحا فكم من امر رجحته هذه العقول و قبحه الشرع و حسنته هذه العقول و كرهه الشرع و معرفة الراجح من المرجوح تحتاج الي عقل كلي محيط يعرف الظواهر و البواطن بحيث لايغيب عنه من الامور شيء فبهذا العقل يستطاع ان يحكم علي الشيء انه راجح او مرجوح و لا شك ان الشرع هو المحيط بالاشياء و خفاياها فاذا حكم بشيء فهو المتبع و هو الراجح يقينا لا هذه العقول التي لاتعرف ضرها من نفعها و لا راجح الاشياء من مرجوحها فالواجب علي القطع [ص 229] و اليقين اتباع اوامر الشارع و نواهيه لا غير ثم اعلم ان الادلة العقلية لاتقبل التخصيص و ادلتهم التي يقيمونها علي جواز الظن عقلية و لو كانت نقلية لاتوا بشاهد من الشرع و قول بعضهم المرء متعبد بظنه ليس بدليل لهم علي المطلوب لانها رواية لايعرف احد موضعها فلم‌يثبت اعتبارها و صحتها مع كونها مجملة لايعرف ما المراد منها و لو كانت تدل علي المطلوب لملؤا بها الصحف و الدفاتر فادلتهم التي يقيمونها عقلية و لما كانت لاتقبل التخصيص فنسألهم لم لم‌تجوزوا العمل بالقياس و الاستحسان و المصالح فانها ادلة عقلية و لعل الدليل الحاصل منها اقوي بكثير من الدليل الحاصل بالظن فالادلة العقلية لاتخصص بوجه من الوجوه ابدا و هم قد خصصوها فيعلم انها ليست ادلة عقلية كما زعموا و ليست معتبرة .

و اما قول صاحب الحق المبين : ثم العلم و الظن و باقي الادراكات من الامور الوجدانية فان وجدت كانت بديهية لاتحتاج الي دليل و الا لم‌يؤثر في وجودها الدليل و لو جاء به جبرئيل الخ ، فصحيح ان العلم و الظن و باقي الادراكات من الامور الوجدانية و نحن نعترف له بذلك لكن ليس كل الامور مشعرها العقل و انما تختلف المدركات بحسب اختلاف المشاعر كما قدمنا سابقاً فالحقايق مدركها الفؤاد و المعاني الكلية مدركها العقل و المعاني الجزئية و الصفات الظاهرية مشعرها النفس و كل واحد يحتاج في الحقيقة الي دليل لكن لا بد و ان يكون دليله من جنسه لا من جنس غيره و الامور الشرعية لها مشعر خاص و دليل خاص من جنسها لايجوز اجراء سائر الادلة من الادلة العقلية و الحكمية و العادية فيها و ثبوتها منحصر برواية الثقة الامين و يحصل بسبب روايته العلم و القطع الشرعي و قد مر بيان ذلك [ص 230] مفصلا فراجع و قد يحصل العلم الشرعي لكن الانسان عادة يمكن ان يكون متيقنا او شاكا او ظانا و لايؤثر ظنه او شكه عادة في يقينه الشرعي كما لايؤثر ظنه او شكه او وهمه عقلا فيه ايضا و الاصوليون لما لم‌يطلعوا علي هذه المشاعر التبست عليهم الامور و لم‌يبصروا مواضعها و محالها حتي يجروا كل امر في موضعه و لهذا ظهر ما ظهر منهم من الجسارات العظيمة كقولهم و الا لم‌يؤثر وجودها الدليل و لو جاء به جبرئيل فيحسبون ان جبرئيل شخصا مثل شخصهم يفكر كما يفكرون و يظن كما يظنون حتي اذا جاء بشيء لايقبلونه لعدم معرفة عقولهم بما جاء به انكروه و لايتصورون ان جبرئيل ينزل بالوحي من الجليل و كلامه واحد لانه من عند الواحد العليم الخبير قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و لاينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي لانه معصوم بالعصمة الالهية و العجب ان القوم بلغ من امرهم انهم يحسبون ظنونهم هذه و آراءهم التي ماانزل الله بها من سلطان فوق علم جبرئيل لانهم اذا حصل لهم الظن و اتي جبرئيل بخلاف ظنهم يتركون قول جبرئيل و يعملون بقولهم و ظنهم لان ظنهم وجداني فانظر بالله عليك الي هذه الجسارة العظيمة التي يلزم منها الكفر بالله العظيم و برسوله النبي الامين غفر الله لنا و لهم و تجاوز عنا و عنهم ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب و اني والله قد ضاق صدري و اشمأزت نفسي من رد اقوالهم و كفي في بطلانها ما رأيت من انواع الجسارات علي الائمة عليهم السلم و علي الرسول صلي الله عليه و آله و علي انبيائه و ملائكته و حتي علي الله في عرشه و ان اردت مزيد اطمينان و يقين بما ذهبنا اليه فراجع كتب مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم و خصوصا علم اليقين لمولانا الكريم اعلي الله مقامه فان فيه كفاية و بلاغا [ص 231] فلا حاجة الي رد باقي ادلتهم و تزييفها بعد ان رددنا اصولها فلنقبض العنان عن باقي كلام الشيخ جعفر فانه يعرف بطلانه بالرجوع الي ما قدمنا هنا و في مبحث عدم حجية العقل فراجع لاسيما و قد وجه سهامه الي الاخباريين و لست اريد الدفاع عنهم فلنتركهم يرد بعضهم علي بعض و يصول بعضهم علي بعض و نحن بحمد الله في معزل عنهم و لايشملنا العجاج الثائر بينهم ببركة آل‌محمد عليهم السلم و المشايخ الكرام اعلي الله لهم المقام فان الحق اللائح معهم بلا شك و لا ارتياب .

قال : السادس - ان الاصوليين نوعوا الاخبار و ربعوها و الاخباريون ثنوها صحيح و ضعيف فالصحيح ما اقترن بقرينة موجبة للقطع بصدورها و الضعيف ما لايكون كذلك .

اقول لقد تقدم ما يدل علي ذلك في المسألة المتقدمة و لما كان محور الكلام فيها يدور حول كلام البهائي في مشرق الشمسين احببت ان انقله لك هنا بطوله و ان نقلنا لك جملة مختصرة منه فيما مضي .

قال في الفوائد المدنية : ذكر الشيخ العالم المتبحر المعاصر بهاءالدين محمد العاملي في اوائل كتاب مشرق الشمسين : استقر اصطلاح المتأخرين من علمائنا رضي الله عنهم علي تنويع الحديث المعتبر و لو في الجملة الي الانواع الثلاثة المشهورة اعني الصحيح و الحسن و الموثق ان كان جميع سلسلة سنده اماميين ممدوحين بالتوثيق فصحيح او اماميين ممدوحين بدونه كلا او بعضا مع توثيق الباقي فحسن او كلا او بعضا غير اماميين مع توثيق الكل فموثق و هذا الاصطلاح لم‌يكن معروفا بين قدمائنا قدس الله ارواحهم كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم بل كان المتعارف بينهم اطلاق الصحيح علي كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه او اقترن بما [ص 232] يوجب الوثوق به و الركون اليه و ذلك بامور منها وجوده في كثير من الاصول الاربعمائة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة باصحاب العصمة سلام الله عليهم و كانت متداولة لديهم في تلك الاعصار و مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار و منها تكرره في اصل او اصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة و اسانيد عديدة معتبرة و منها وجوده في اصل معروف الانتساب الي احد الجماعة الذين اجمعوا علي تصديقهم كزرارة و محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار او علي تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيي و يونس بن عبدالرحمن و احمد بن محمد بن ابي‌نصر او علي العمل بروايتهم كعمار الساباطي و نظرائه ممن عدهم شيخ الطائفة في كتاب العدة كما نقله عنه المحقق في بحث التراوح من المعتبر و منها اندراجه في احد الكتب التي عرضت علي احد الأئمة سلام الله عليهم فاثنوا علي مؤلفيها ككتاب عبيدالله الحلبي الذي عرض علي الصادق عليه السلم و كتابي يونس بن عبدالرحمن و الفضل بن شاذان المعروضين علي العسكري عليه السلم و منها اخذه من احد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد عليها سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية الامامية ككتاب الصلوة لحريز بن عبد الله السجستاني و كتب ابني سعيد و علي بن مهزيار او من غير الامامية ككتاب حفص بن غياث القاضي و كتب الحسين بن عبيدالله السعدي و كتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري و قد جري رئيس المحدثين ثقة الاسلام محمد بن بابويه قدس الله روحه علي متعارف المتقدمين من اطلاق الصحيح علي ما يركن اليه و يعتمد عليه فحكم بصحة جميع ما اورده من الاحاديث في كتاب من لايحضره الفقيه و ذكر انه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول و اليها المرجع و كثير من تلك [ص 233] الاحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح عن مصطلح المتأخرين و منخرط في سلك الحسان و الموثقات بل الضعاف قد سلك علي ذلك المنوال جماعة من اعلام علماء الرجال فحكموا بصحة حديث بعض الرواة الغير الامامية كعلي بن محمد بن رياح و غيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم و الاعتماد عليهم و ان لم‌يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الاجماع علي تصحيح ما يصح عنهم و الذي بعث المتأخرين نور الله مراقدهم علي العدول عن متعارف القدماء و وضع ذلك الاصطلاح الجديد هو انه لما طالت الازمنة بينهم و بين الصدر السالف و آل الحال الي اندراس بعض كتب الاصول المعتمدة لغلظ حكام الجور و الضلال و الخوف من اظهارها و انتساخها و انضم الي ذلك اجتماع ما وصل اليهم من كتب الاصول في الاصول المشهورة في هذا الزمان و التبست الاحاديث المأخوذة من الاصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة و اشتبهت المتكررة في كتب الاصول بغير المتكررة و خفي عليهم قدس الله ارواحهم كثير من تلك الامور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الاحاديث و لم‌يمكنهم الجري علي اثرهم في تمييز ما يعتمد عليه مما لايركن اليه فاحتاجوا الي قانون تتميز به الاحاديث المعتبرة عن غيرها و الموثوق بها عما سواها فقرروا لنا شكر الله سعيهم ذلك الاصطلاح الجديد و قربوا الينا البعيد و وضعوا الاحاديث الموردة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الحسن و الصحة و التوثيق و اول من سلك هذا الطريق من علمائنا المتأخرين شيخنا العلامة جمال الحق و الدين الحسن بن المطهر الحلي قدس الله روحه ثم انهم اعلي الله مقامهم ربما يسلكون طريقة القدماء في بعض الاحيان فيصفون مراسيل بعض المشاهير كابن ابي‌عمير و صفوان بن [ص 234] يحيي بالصحة لما شاع من انهم لايرسلون الا عن عدل يثقون بصدقه بل يصفون بعض الاحاديث التي في سندها من يعتقدون انه فطحي او ناووسي بالصحة نظر الي اندراجهم فيمن اجمعوا علي تصحيح ما يصح عنهم و علي هذا جري العلامة قدس سره في لف حيث قال في مسألة ظهور فسق امام الجماعة ان حديث عبدالله بن بكير صحيح و في صه حيث قال ان طريق الصدوق الي ابي‌مريم الانصاري صحيح و ان كان في طريقه ابان بن عثمان مستندا في الكتابين الي اجماع العصابة علي تصحيح ما يصح عنها و قد جري شيخنا الشهيد طاب ثراه علي هذا المنوال كما وصف في بحث القراءة من الشرح حديث الحسن بن محبوب عن غير واحد بالصحة و امثال ذلك في كلامه كثير فلاتغفل انتهي . و انا اقول ان شئت تحقيق المقام فاستمع لما نتلوا عليك من الكلام و بالله التوفيق و بيده ازمة التحقيق فنقول اولا انما ينفع تقسيم خبر الواحد الخالي عن القراين و هذه الاصطلاحات ان ظهرت دلالته علي جواز التمسك ببعض افراده و لم‌تظهر بل وجدت دلالات علي ان الحق في هذه المسألة ما اختاره علم الهدي و رئيس الطائفة و المحقق الحلي و ابن‌ادريس قدس الله ارواحهم كما سيجيء بيانها ان شاء الله تعالي و ثانيا ان هذا التقسيم و ما يتعلق به من الاحكام كان مشهورا في كتب العامة قديمهم و حديثهم و السبب فيه ان معظم احاديثهم من باب خبر الواحد الخالي عن القراين الموجبة للقطع بورود الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله فاضطروا الي التقسيم المذكور و ما يتعلق به من الاحكام ، الي آخر ما ذكر و قد تقدم استدلاله في المسألة المتقدمة بطوله بعضه بلفظه و بعضه بمعناه .

[ص 235] و ذكر صاحب الحدائق في المقدمة الثانية بقوله : قد صرح جملة من اصحابنا المتأخرين بان الاصل في تنويع الاحاديث الي الانواع الاربعة المشهورة هو العلامة او شيخه جمال الدين بن طاوس نور الله تعالي مرقديهما و اما المتقدمون فالصحيح عندهم هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القراين و الامارات التي ذكرها الشيخ قدس سره في كتاب العدة علي هذا جري جملة من اصحابنا المحدثين و طائفة من متأخري متأخري المجتهدين كشيخنا المجلسي رحمه الله و جمع ممن تأخر عنه و قد اتسع خرق الخلاف بين المجتهدين من اصحابنا و الاخباريين في جمل عديدة من مسائل الاصول التي تبني عليه الفروع الفقهية و بسط كل من علماء الطرفين لسان التشنيع علي الآخر و الحق الحقيق بالاتباع ما سلكه طائفة من متأخري المتأخرين كشيخنا المجلسي طاب ثراه و طائفة ممن اخذ عنه فانهم سلكوا من طرق الخلاف بين ذينك الفريقين طريقا وسطي بين القولين و نجدا اوضح من ذلك النجدين و خير الامور اوسطها و نحن قد بسطنا الكلام في ايضاح هذا المرام في جملة من مؤلفاتنا و لاسيما كتاب المسائل فانا قد اعطينا المسألة حقها من الدلائل و لا بأس بذكر طرف من ذلك في هذا الكتاب حيث انا قد قصدنا فيه ضرب الصفح غالبا عن الكلام في اسانيد الاخبار و الطعن فيها بذلك فربما يظن الناظر الغير العالم بطريقتنا ان ذلك عن عجز او غفلة او نحو ذلك فاردت ان ابين هنا ان ذلك انما هو من حيث ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا و الوثوق بورودها عن اصحاب العصمة صلوات الله عليهم .

اقول ثم ذكر عبارة مختصرة من مشرق الشمسين و مفادها ما تقدم مما ذكرناه ثم ذكر الادلة التي قد قدمنا لك في المسألة السابقة شطرا ليس باليسير منها و لا حاجة الي الاطناب في الترديد و التكرار فان المسألة بحمد الله واضحة و خير الامور تلادها [ص 236] و شرها محدثاتها و الحق هنا مع الاخباريين المتبعين للقدماء الذين هم علي طريقة اهل البيت عليهم السلم و عمدة استناد القوم و اعتمادهم في تقسيم الاخبار الي هذه الاقسام الاربعة اتكالهم علي علم الرجال و اعتمادهم عليه و هو في الحقيقة لايغنيهم شيئاً اذ لايحصل منه في بعض المواضع الا الظن و في البعض الآخر الا الشك او الوهم و لقد قدمنا فيما مضي ان لمولانا الكريم من الادلة في عدم الاعتداد بهذا العلم كلاما طويلا لو وضعته علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و نكتفي في هذا المقام بذكر ما حبره في كتابه القواعد فان في بيانه اعلي الله مقامه هدي و نوراً و شفاء لما في الصدور وفقنا الله تعالي لاتباعه و الفوز بخدمة محبيه و اوليائه فلقد قال اعلي الله مقامه في احدي تلك القواعد التي جمعها :

قاعدة - اعلم ان بعض العلماء رضوان الله عليهم اعتني كثيرا بعلم الرجال حتي قالوا ان كل سليم السند يجوز العمل به و كل خبر في سنده مطعن لايجوز التعبد به ابدا و منهم من اعتمد عليه و قال ان كان الخبر في سنده طعن و لكن يدل علي صحته قرائن من عمل الاصحاب او موافقة الشهرة يعمل به و ما ليس كذلك لايعمل به ثم اختلفوا في استعلام السند و سلامته و عيبه فمنهم من قال انه بالشهادة و قال لا بد من شهادة عدلين علي عدالة الراوي حتي يقبل و جوز بعض من هؤلاء الاكتفاء بشهادة عدل واحد و استدل بانه لو الزمنا شهادة عدلين يلزم ان يكون الفرع ازيد من الاصل و ليس في الشرع امر كذلك و رد بان الشهادة سواء كانت عن واحد او اثنين لا بد و ان يكون الشاهدان مشهودين حاضرين في مجلس الاستعلام و لايمكن ذلك بالكتابة و بعد الوفاة و ما ثبت في الشرع [ص 237] من الاعتداد بقول الشاهد ان يكونا مشهودين و هنا هذا الشرط مفقود بل هذا من باب الاخبار و لايحتاج الي مشاهدة للخبر اذا قطعت بقوله و خبره و نحن نعلم صحة نسبة هذه الكتب الي مصنفيها و هم عدول ثقات و يخبرون فيقبل خبرهم بمفهوم الآية اذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا و رد بان الخبر يقبل اذا كان عن سماع او رؤية و اما اذا كان عن اجتهاد او مرأي او ظن فانه يخبر عن ظنه و لايخبر عن الواقع فلايمكن الاعتداد بهذا الخبر فان ذلك محض تقليد و الصواب ان معرفة الرجال تحصل بالظنون الاجتهادية فليس ذلك من باب الشهادة و لا من باب الخبر بل من باب حصول الظن للمجتهد بسبب التتبع في اقوال العلماء في حق الرجال و التتبع في احوالهم و لي في عدم جواز الاعتداد بعلم الرجال و ما يستنبط منه ادلة :

الاول ان هذه العلماء لم‌يلاقوا الرجال حتي يخبروا عن مشاهدة و عيان و انما وثقوا و جرحوا باجتهاد منهم و لا عبرة بالآراء سواء اجتمعت او افترقت .

الثاني ان الرجل يعرف بالحالات اذا تعلم بها في ازمنة كثيرة و تعاشره في مدة مديدة و ان غاية ما كتبوا من حال الرجال في كثير منهم حال ساعة او يوم مع ان ذكر تلك الحالة ايضا من غير مشاهدة و ذلك لايغني من شيء و ساير الحالات بانه تاجر او نجار او شاعر او اديب او مات في سنة فلان او تولد في سنة فلان و امثال ذلك فلاتفيد شيئاً في عدالة الرجل و وثاقته هذا مع ان اغلب الرجال غير مذكور بالحالات و انما ذكروا فيه ان فلانا وثقه و فلانا ضعفه و ذلك لاينتفع بوجه .

الثالث انهم لم‌يزيدوا في رجل علي انه ثقة او ضعيف الا في قليل من الرجال و ان زادوا زادوا ما لايفيد العدالة و قلما ذكروا في رجل انه عدل و هم قد حققوا في الاصول ان الرجل لا بد و ان يكون عدلا للآيات و الاخبار [ص 238] و الوثاقة اعم من العدالة و ما ذكر ان التوثيق في علم الرجال تعديل كلام بلا دليل و محض الوثاقة اعم من العدالة و ما ذكر ان التوثيق في علم الرجال تعديل كلام بلا دليل لايكفي في اخبار المخبر للكتاب و السنة انه لايجوز تصديق الفاسق علي الله لانه لايؤمن منه الكذب و ان كان فيما شهد صدوق في الواقع اللهم الا ان يكون معه قرائن مفيدة القطع فح يكون العمل بالقرائن لا بالاخبار .

الرابع انهم اقروا ان اول من كتب في علم الرجال ابن عقدة الزيدي البتري ثم اخذ عنه علي بن فضال الفطحي و كل من اخذ من علم الرجال حظا اخذ عنهما و اعتمد علي قولهما و انك تعلم ان الزيدي و الفطحي ناصبان لايعتني بقولهما في الشيء لاسيما في جرح الرجال و تعديلهم و توثيقهم و نقلهم و قد اضطر القلوب الي عدم الاعتداد بقول النصاب و الاعادي لاسيما في علم هو فيه محل التهمة فانه يوثق اصحابه و يعدلهم و يزكيهم و يجرح الشيعة المخلصين لعنادهم فكيف يعتني بهم .

الخامس انا قد علمنا ان علماءنا مختلفوا العقايد في الاصول فمنهم من يري اعتقادا سببا للجرح و منافيا للوثاقة و العدالة و منهم من لايراه منافيا كما عرفت من حالات اهل قم و اخراجهم الرجال من البلد بتهمات لايليق بحالهم و قد يرون اعتقادا مما لا باس به كاعتقاد سهو النبي (ص) و قد سموا من قال بعدمه غاليا و جرحوه به فكيف يعتني بقولهم و بتعديلهم او جرحهم و كيف يحصل منه ظن بالواقع او علم .

السادس انا نري من عصرنا المشاهد و اجزاء الزمان سارية ان بعض العلماء من معاصرينا قد وثقوا رجالا و اناسا ادني فسقهم الشرك و الكفر و ضعفوا رجالا و جرحوا و مقامهم مقام الشيعة الخصيصين و ذلك لاجل اختلاف عقايدهم او اغراضهم و اهوائهم مع انهم يعدون في العلماء و يعزرون و يوقرون و لهم [ص 239] اتباع و تلامذة و كتب و تصانيف و كيف يمكن ان نعتقد بجرح من تقدم علينا او توثيقهم .

السابع انهم اختلفوا في معني العدالة فمنهم من زعم انها عدم ظهور الفسق مع الاسلام و منهم من قال انها حسن الظاهر و منهم من زعم انها الملكة ثم منهم من قدم الجرح و منهم من قدم التعديل و منهم من اكتفي بحصول الظن بايهما حصل ثم اختلفوا في عدد الكباير و شروط العدالة و بذلك يختلف حال كثير من الرجال علي حسب اختلاف الآراء فاي عبرة بتعديل قوم و جرحهم و لايعلم مرادهم من العدالة و لايعلم اسبابها برأيهم ذلك مع ان توثيقهم و جرحهم مع كل ما ذكرنا عن اجتهاد في اقوال المتقدمين و رأيهم و كل ذلك مما لايمكن الاعتماد عليه و ان قيل نحن لانعتمد علي توثيقهم و جرحهم بل نعتبر الظنون الاجتهادية اقول لا عبرة بالظن الا اذا كان مستندا الي سبب شرعي و اما مطلق كل ظن فلا دليل علي حجيته بل هو مما لايجوز بالكتاب و السنة و ان قلت الظن كاف في العدالة اقول هو اول الكلام و لا دليل عليه و ما روي من حديث ابن ابي‌يعفور ان يسأل عنه اهل محلته و سوقه فاذا قالوا لم‌نر منه الا خيرا فهو عادل يجوز شهادته فذلك مورده المشاهدون له و اما اخبار الذين اجتهدوا بظنونهم و آرائهم فلا دليل عليه و الاستدلال بهذا الخبر علي الاكتفاء بمطلق الظن قياس و هو غير جايز مع انا نقول ان الرجل اذا سئل عن اهل سوقه و محلته يحصل العلم العادي بحسن ظاهره و هو كالشياع هذا مع ان في الخبر تصريحا بلزوم حصول المعرفة بستره و عفافه و حسن ظاهره و بالجملة اذا انصفت و تدبرت ان اخبار المخبرين كلها عن اجتهاد منهم مثل اجتهادك لايحصل لك الا الشك .

الثامن ان اغلب الرجال غير مذكورين في كتب الرجال لانهم قد ذكروا ان رجال الصادق (ع) الذين دونوا كانوا اربعة آلاف رجل [ص 240] فضلاً عن رجال الباقر (ع) و ساير الأئمة الي الحجة عليهم السلم و بعد ذلك الذين لم‌يلاقوا الامام (ع) و اخذوا عن رجالهم و هكذا يزيدون علي مائة‌الف البتة و ان كثيرا من هؤلاء مشتركون في الاسم و الاب و البلد و الصنعة فلعل بعض المشتركين عدل و بعضهم فاسق ضعيف و ليس في كتب الرجال الا اسماء البعض و علي فرض صحته كيف يعلم ان هذا المذكور في السند هو احد المجاهيل او المهملين و ما ذكروا من القرائن ان فلانا يسند عن فلان و يسند عنه فلان فلعل ان بعض المجاهيل يسندون عن ذلك الشيخ و يسند عنه ذلك الرجل ففي الحقيقة ادعاء معرفة الرجل ادعاء معرفة الغيب و ذلك مشاهد مرئي ان في بلد واحد يمكن ان يكون مائة او ازيد اسمه محمد و ان قلت نعرفه بابيه فلعل فيه خمسين اسم ابيهم واحد و ان قلت نعرفه بكسبه فلعل عشرين رجل كسبهم واحد و ان قلت نعرفهم بالمجموع اقول ان كان في كتب الرجال بعض المميزات مذكورا فليس في السند اكثرها مذكورا فكيف تعرف ان المذكور في السند هو المذكور في الكتاب و ان قلت بالمرتبة فقد قلنا ان في عصر واحد يكون اشخاص متعددة باسماء واحدة حتي لايكاد ينعقد مجلس الا و فيه رجلان سميان اقلا و بالجملة لو تدبرت لاتكاد تميز بينهم الا بظنون صادرة عن غفلة و حسن ظن بالسلف .

التاسع انا نري ان اغلب علماء الرجال يميزون بين المشتركين بالاجتهاد و الظنون و يختلفون فيه اختلافا فاحشا فكيف يمكن الاطمينان بالظن في اصل الرجل ثم الظن في عدالته مع انه لايحصل الا الشك عند التحقيق .

العاشر ان استندت الي نقل بعضهم عن بعض حالات الرجال فذلك يلزم منه الدور فانك لاتعرف النقلة الا بالرجال فان كانوا يسندون فيلزم الدور و ان كانوا يرسلون فاي عبرة بارسالهم علي ما تظن ذلك مع ان ذكر الحال ليس الا [ص 241] في قليل منهم .

الحادي‌عشر ان اغلب الرجال و اكثرها غير مذكورين بالحال في الرجال و اكتفوا فيه بان النجاشي مثلا وثقه و الكشي مثلا ضعفه و محض توثيق اولئك و جرحهم لايفيد ظنا لانه عن ظن منهم و لا احد ادعي القطع في علم الرجال و ان ذكروا حال بعض منهم ذكروا حالات لاتفيد عدالة كما انه مات في سنة فلان و تولد في سنة فلان و كان شاعرا او اديبا او نساجا او غير ذلك و ذلك لايغني شيئا و ان ذكر من حال بعض من هؤلاء ما يفيد شيئاً كان ذكر حالة ساعة او حين‌ما و ذلك لايفيد انه عادل و ثقة مع انه لايعلم هل ذلك حالة قبل خبره او بعده و علي فرض ان يذكر في رجل مقام صفات نعلم بها عدالته فذلك بعد كل ما ذكر من عدم خوف الاشتراك و غيره لايكون الا في اقل قليل من الرجال كخمسة او عشرة و اي شيء ينفعك هذه في سلسلة السند في جميع الاخبار و اي خبر يوجد يكون جميع رجال سنده من اولئك الخمسة او العشرة و علي فرض المحال ان يوجد خبر كذلك ماذا تصنع في جميع ابواب الفقه فان تعمل بالقرائن فكيف عدمت القرائن في عين هذا الخبر و وجدت في الباقي و هل اهمل صاحب الشرع دينه و جعله بالظن و التخمين ام نصب لاستعلامه قرائن يمكن تحصيل العلم منها بالصحة بل نصب والله و ان الناس عنها غافلون الا قليل منهم و ان اكثرهم لايعلمون .

الثاني‌عشر ان كثيرا ما يحصل في السند اخلال بتبديل الواو بلفظة عن و تحريف الاسم و غلطه و تبديله و تصحيفه كما نقله صاحب المنتقي انه رأي من خط الشيخ كثيرا من ذلك و كما يصرحون كثيرا في كثير من الاوقات ان فلانا لايروي عن فلان و يروي عنه بواسطة و واسطتين فالخبر منقطع او مرفوع او مرسل او مسند فكيف يمكن ان يعلم ان سلسلة السند صحيحة حتي تراجع علم الرجال فتبتلي بما ذكرنا سابقا [ص 242] مع انه يحتمل في جميع السلسلة انه موضوع او محرف او سهو او غلط او غير ذلك .

الثالث‌عشر علي فرض امكان معرفة الرجال ثمرة علم الرجال معرفة المكذوب علي الأئمة عليهم السلم من غير المكذوب لانك اذا عرفت وثاقة الرجل تقول انه مأمون فمع ما ذكرنا من احتمال وضع السند بجميعه او سهوه او غلطه لايحصل لك معرفة المكذوب و غيره لانه ان كان يحتمل في كتب اصحابنا وضع متن الخبر كذا يحتمل وضع سنده و الا فتحكم ظاهر فاذا لايفيد العلم بالسند العلم بصحة صدور المتن فاي نفع فيه بعد كل هذا التعب و ان قلت تميز المكذوب من غيره يحصل بتسديد الامام عليه السلم اقول فهو يحصل بغير هذا السبب ايضا فان هذا السبب لايميز بين الغث و السمين فما يسدد به الامام و يؤيد هو يكفي عن علم الرجال .

الرابع‌عشر لا كل ما ظننت انه هو هو ثم ظننت انه ثقة صادق ظنك و مع صدقه مأمون عن السهو و النسيان و الخطأ و لا كل ما ظننت انه هو هو ثم ظننت انه ضعيف و صدق ظنك مع صدقه ممنوع عن الصدق فاذا لم‌تعلم بعلم الرجال ان هذا الخبر صحيح ام لا فاذا لايجدي شيئاً فانه اذا كان يجدي كان هذا جدواه فاذا انتفي هذا صار مما لا طائل تحته .

الخامس‌عشر انا بعد التتبع التام و العشرة الكاملة لانعرف عدالة من نخالطه من اهل بلدنا الا قليل منهم فكيف لنا معرفة اهل غير بلدنا من البلاد التي سمعناها فضلاً عن البلاد التي لم‌نعلم بها فاذا لم‌نعرف ذلك فكيف لنا بمعرفة رجال شتي من بلاد متفرقة الذين تقدموا علينا بالف سنة و اكثر و اقل .

السادس عشر نفس هؤلاء المعدلين او الجارحين غير معروفين و محض كونهم من العلماء لايجدي شيئاً لما تري من علماء عصرنا و القول بوجوب حسن الظن بمن سمي عالما يشبه قول العامة انه يجب حسن الظن بجميع الصحابة [ص 243] و لايجوز القول فيهم الا بخير و ان جميعهم عدول موثقون فانا نري في عصرنا ما نري و ان المتقدمين ليسوا كالمتأخرين قول مذكور في جميع الاعصار و هو قول بلا دليل فاذا كان المعدلون مجهولين غير معروفين فان كنت تعرفهم بالكتب يلزم الدور و ان كنت تعرفهم بعلم الغيب فذلك ليس في حدك و بالجملة انا لااعرف وجوب حسن الظن بمن سمي عالما او اشتهر في عصر و لااعتمد الا بمن اعرفه و اذ ليس فليس و لا حول و لا قوة الا بالله فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم و حسبي الله و نعم الوكيل فاذا لا عبرة بجرحهم و لاتعديلهم و لا توثيقهم بوجه من الوجوه نعم لو كانوا رأوهم و كانوا ينقلون احوالهم كان يمكن الاعتماد عليه ان لم‌يمنع عنه مانع الا ان ما تقدم من الوجه السادس يمنع عنه و ليس علم الرجال غير محل التهمة بل هو محل التهمة العظيمة فلايمكن التعويل علي نقلهم ايضا و القول بان العلماء اجل شأنا و اعلي مكانا عن هذا قد سبق جوابه و لا قوة الا بالله فانا لااعتمد علي شيء من ذلك ،

و للناس فيما يعشقون مذاهب و لي مذهب فرد اعيش به وحدي

السابع‌عشر ان من العلماء لما رأوا من عدم امكان معرفة العدالة في عصرهم و كونها يتعطل بها احكام العباد و البلاد لو اعتبروها قالوا بجواز الظن و هذا في عصرهم فكيف لهم بمعرفة من تقدم عليهم بالف سنة او تحصيل الظن به .

الثامن‌عشر لو قلنا بان العدالة ملكة نفسانية فالعلم بها اعسر عسير بل متعذر في المتقدمين علينا بكل هذه الزمان بل في المعاصرين الا في قليل و ذلك رأي كثير منهم و اما علي مذهب من يراه حسن الظاهر فاسهل و مع ذلك كله يمتنع عادة كما عرفت و ان قلت تعرف كثيرا من الرجال بالاخبار الواردة في هذا [ص 244] المضمار اقول الكلام في استناد تلك الاخبار و رجال تلك الآثار فيلزم الدور .

التاسع‌عشر ان قلت جميع ذلك حق و نحن لانعتمد علي علم الرجال و نعتمد علي ظنوننا و ان الظن كاف في معرفة عدالة الرجل قلنا اولا ان الظاهر من اخبار اهل البيت سلام الله عليهم انه يجب العلم بالعدالة باي معني فسرت و ان الظن لايغني من الحق شيئاً و ان الاخبار تنادي بذلك فانهم لما تكلفوا في معناها الملكة و رأوا انها لايمكن العلم بها الا نادرا تكلفوا الاكتفاء بالظن و اما علي ما تنادي به الاخبار انها حسن الظاهر فانه يمكن العلم بها و لا مانع منه فلايجوز الاكتفاء بالظن و اما قولكم نعتمد علي ظنوننا فقد ذكرنا فيما مر ان الظن لا بد له من مستند شرعي حتي يجوز الاكتفاء بهذه الظنون مطلقاً فلايجوز الاعتداد به و قد حققنا عدم جواز العمل بالظن في رسالتنا فصل الخطاب و رسالتنا في التسديد .

العشرون ان انشدك بالله ان مع كل هذه العيوب و مع جميع هذه الوجوه المزلزلة للنفس المورثة للشك يمكن الاعتماد علي علم الرجال و كيف يمكن العلم بوثاقتهم مع جميع هذه الاختلالات التي ذكرنا و علي فرض حصول الظن اي دليل دل علي حجية هذا الظن و ابتناء احكام الله سبحانه عليه و ان الظن لايغني من الحق شيئاً و اي دليل قام و كان اقوي من سبعين آية في كتاب الله سبحانه و اخبار متواترة عن الائمة عليهم السلم في النهي عن العمل بالظن مطلقا و في الكتاب و ان الذين اختلفوا فيه اي في عيسي لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن و ماقتلوه يقينا و ذلك في معرفة حال الشخص اذا كانت مناط ايمان و قد نهي الله سبحانه فيه عن العمل بالظن .

الحادي و العشرون لو كان علم الرجال من العلوم التي يناط عليها الدين و لا بد منه في الشرع المبين لندب اليه الأئمة الطاهرون صلوات الله [ص 245] عليهم و حرضوا عليه اصحابهم و امروهم ان يكتبوا احوال معاصريهم و اخبروهم عن احوال من تقدمهم و امروهم ان يأمروا التابعين ان يكتب كل واحد من عصر احوال من يليه في عصره حتي وصل الينا و اذ ليس فليس لانهم لايخلون بالحكمة و ان قلت انهم وثقوا بعض الرجال و امروا بالاخذ برواية الاعدل و الافقه و الاورع و الاوثق و هذا دليل علي كونه معروفا في تلك الايام ايضا اقول مثل ذلك لايكفي في هذا المقام و ليس مفاد كلامنا انه ليس في الاخبار لفظ الثقة و ذكره بل كانوا يتكلمون بكل لفظ و ذلك لايكتفي في امرهم بالتدوين و تنبيههم به بل غاية ما كان مراد الامام (ع) تحصيل العلم بصحة صدور الخبر من اي جهة كان كما قالوا ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا و حصول العلم بصحة الصدور بالقرائن و علي فرض العلم باحوال الرجال لايحصل العلم بصحة الصدور لاحتمال التحريف في السند و وضعه و الدس فيه او في المتن و ان قلت انما نستفيد ذلك بقرائن اخر اقول فاذا المفيد للعلم القرائن الاخر لا علم الرجال فلا فائدة فيه ، و من كان ذا فهم يشاهد ما قلنا .

الثاني و العشرون ان طريقة قدماء اصحابنا التي وقع عليها التقرير و كانوا عليها في زمان الأئمة عليهم السلم و بعدهم و في الغيبة الصغري و طائفة منهم في الكبري ايضا الي يومنا هذا تصحيح الاخبار بالقرائن و ان علم الرجال هو علم النسابة في زمان الجاهلية ثم عمل به العامة العمياء لاختلال نظام دينهم و احتياجهم الي التشبث بكل حشيش فتمسكوا بعلم النسابة و هو من سيرة العرب فاغتر بهم الشيعة بعد ما آل حالهم كحالهم في غيبة امامهم فعملوا بسيرتهم و اذا وقع عليهم القول اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون و خير الامور تلادها و شر الامور [ص 246] محدثاتها فاعمل بطريقة اصحابك و صحح الاخبار بالقرائن و ان لم‌تزدد لما طمست آثارها و لما خمدت انوارها بل ابي الله لاشاعة دينه الا قوة و نورا و لاعلاء كلمته الا شدة و ظهورا فالاعلام باقية و الاطلال ثابتة كما اثبتنا صحة الاخبار في قاعدة علي حدة فراجع .

الثالث و العشرون ان العدالة امر يجب فيه مراعاة الاعتقاد كما يجب فيه مراعاة الاعمال و الاخلاق فان المشرك و الكافر و الناصب و المخالف لايكون عادلا البتة و ليس بمذكور في علم الرجال عقيدة واحد منهم الا نادرا حتي يحصل منها الظن بعدالتهم او تعمل باخبارهم او شهادتهم .

فافهم هذه الوجوه التي يكفي المنصف واحد منها فضلا عن جميعها و ان قال قائل بانك تقول بالتسديد فلم لاتقول ان الرجال يعرفون بالتسديد اقول نحن نقول بالتسديد في التكاليف و الاحكام لمن دخل البيت من بابه الذي امروا به لا في الموضوعات و لا لمن دخل الابواب المنهي عن اتيانها فانهم مستحقون للخذلان و ان الله سبحانه يقول الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و معرفة الرجال من الموضوعات و لو كان التسديد في الموضوعات جاريا لماكان يشتبه شيء علي احد ابدا مثلا اذا لقيت ماء و شككت فيه هل هو كر ام لا ليس علي الامام تسديدك او لقيت رجلا في البادية و لم‌تعرفه ليس علي الامام تسديدك و انما يبين الامام عليه السلم حكم الموضوع المقطوع به و المشكوك فيه و عليه التسديد في معرفة الحكم .

بالجملة ادعاء معرفة الرجال بعد الف سنة من الغرايب و نحن لانعرف من نعاشره من اهل محلتنا و سككنا و جيراننا بعد العشرة التامة في عشرين سنة فلانثق بهم فكيف بمن مضي و من كتب الرجال التي ليس في اغلبها الا التوثيق و التضعيف المحض فاذا كان معرفة الرجال متعذرة في هذه الايام و لايمكن التلقي عن [ص 247] الامام (ع) و لم‌يثبت تواتر خبر في جميع الاعصار حتي نأخذ به و ليس جميع الاحكام ايضا في الكتاب المقطوع بتأويله و ثبوته علي حسب فهمنا و لا في السنة التي لا اختلاف فيها و لساير الضروريات انحصر طريق معرفة الاخبار بلا غبار بالتسديد الذي به قوام جميع الاديان في جميع الاعصار فكل خبر لم‌يقم علي الردع عنه كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن الحجج عليهم السلم لا اختلاف فيها او بداهة تعرف العقول باجمعها وضوحها لا دليل علي بطلانه من الادلة القطعية الاسلامية التي هي ما سمعت و ما لا دليل علي بطلانه ثبت تقرير الامام (ع) له و عدم الردع عنه اذ هو بمرأي من الامام و مسمع منه فلو علم بطلانه لردع عنه بامر جازم بين ردعه و الوجه فيه ان علي الله البيان و ابلاغ حجته و تمييز الحق من الباطل و بعد ذهاب النبي (ص) و غيبة الولي (ص) لم‌يدع في ايدينا امرا قطعيا الا الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة الغير المفرقة و بداهة العقول القاطعة فما كان في اخبارنا مما يعارضه شيء من هذه القطعيات علمنا عدم صحة العمل به و ما لم‌يكن له معارض من هذه القطعيات و الخبر بمرأي من الولي و مسمع منه و هو قادر علي المنع و علي ابطاله و ازهاقه و لم‌يفعل علمنا انه حق لقوله تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و الحق هو الكتاب و السنة و العقل علي ما وصفنا و شرحنا فانها الحق الثابت المعلوم المقطوع به فكل خبر مروي من طرق الثقات في كتبنا و لا معارض له من هذه الاصول الثلاثة و عمل به في الشيعة هو مما وقع عليه التقرير و التسديد و يجوز العمل به في الدين و هو بعد التسديد مقطوع بصحة العمل به يقينا و ان كان له معارض منها يترك و بذلك وردت اخبار كثيرة و قد تقدمت في القواعد المتقدمة و عن الشيخ في العدة [ص 248] ادعاء الاجماع علي صحة العمل بجميع اخبارنا المروية في هذه الاصول و الكتب و ادعاؤه حق كما تري و تشاهد ان العلماء في اختلاف آرائهم كل واحد منهم متمسك بخبر من الاخبار المتداولة و لا نكير عليهم في الفرقة المحقة و لا راد عليهم و لايفسقهم احد و لم‌ينسبهم احد الي الخروج عن الايمان و لم‌يرد عليهم و لااستقبح فعلهم احد فظهر ان جواز العمل بهذه الاخبار مما رضي به حجة الجبار اللهم الا ان يكون خبر في هذه الكتب لم‌يعمل به احد و لم‌يشهد بصحته احد من الاصحاب فذلك مما لايعمل به و يرد علمه اليهم صلوات الله عليهم .

اقول ثم ذكر بعد ذلك روحي لتراب اقدامه الفداء علاج الاخبار المتعارضة التي سيأتيك البيان فيها في محلها ان شاء الله تعالي . فهل يبقي بعد كلامه اشكال في صحة الاخبار و عدم جواز العمل بالظن و هو كلام يستحق ان يكتب بالنور علي وجنات الحور ان امعنت النظر فيه مااحتجت الي غيره و لرأيت بالعيان ان تقسيم الاخبار الي هذه الاقسام مما لم‌يدعمه دليل و لا برهان و لو لم‌يكن الا موافقة هذا التقسيم العامة العمياء لكفي في بطلانه .

قال : السابع - ان اصل الاباحة حجة عند الاصولي و ليس بحجة عند الاخباري .

اقول لقد تقدم عند الكلام علي اصل البراءة ما يدل علي ذلك و الذي احب ان انبه عليه هنا هو جملة طالما اشتهرت بينهم في تعيينهم التكليف قبل وصول الشرع فقد اختلفوا ظاهرا علي اربعة اقوال كما قد ذكر القمي في القوانين :

قال ثم قد ظهر لك ان الاقوال في المسألة اربعة الاباحة و هو مذهب الاكثرين من اصحابنا و المعتزلة البصرية و الحظر و هو مذهب بعض اصحابنا و المعتزلة البغدادية و الوقف و هو مذهب المفيد من اصحابنا و بعض العامة و ذهب الاشاعرة الي انه لا حكم لها و المراد بالوقف انا نجزم ان هناك حكما و لم‌نعلم انه اباحة او تحريم و الفرق بين المتوقف و الحاظر انه يجزم [ص 249] بالحرمة فيكف عنه لاجل الحرمة و المتوقف يكف عنه خوفا عن الوقوع في الحرام بقي الكلام في معني قبل الشرع و المراد به قبل وصول الشرع اليه سواء كان ذلك في زمان الفترة او في وقت اضطرار المكلف و انقطاعه بسبب حبس او مانع او نحو ذلك و لاينافي ذلك عدم خلو زمان من الازمنة عن نبي او وصي او حافظ للشريعة علي اصولنا و لا ما ورد بان جميع الاحكام صدر عن الله تع و هو مخزون عند اهله فان من المعاين المحسوس ان ذلك بحيث يمكن وصوله الي كل احد من المكلفين مع ان بيان الاحكام تدريجي نعم بعد ما ورد الاحكام الشرعية و ظهر لنا حرمة بعض الاشياء الذي لم‌يدرك عقولنا حرمتها و وجوب بعض آخر كذلك فلايجوز الاعتماد علي ذلك الاصل حتي يقع التتبع التام كما في كل ما لا نص فيه فانه لايجوز التمسك باصل البراءة اولا حتي يحصل الظن بعدم المعارض كما سيجيء انش تع ، الي آخر ما ذكر .

اقول اما تصور خلو زمان من الازمنة عن الحجة فهو ممنوع لان الله لم‌يخل خلقه من حجة فان الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و الا لم‌تكن حجة الله بالغة فان الحجة البالغة يعلمها العالم بعلمه و الجاهل بجهله قال تعالي قل فلله الحجة البالغة ، و عن الرضا عليه السلم قل فلله الحجة البالغة و هي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه و الدنيا و الآخرة قائمتان بالحجة انتهي ، و لذا فان اول ما خلق الله من البشر آدم و جعله نبيا فاذا كانت الدنيا و الآخرة قائمتين بالحجة فلايتصور زمان من الازمنة خفاء التكليف علي احد كما في حديث عن الصادق عليه السلم حيث سئل عن قول الله عز و جل قل فلله الحجة البالغة فقال الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل من اهل الكتاب فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه لان الله تعالي اكرم و اعدل من ان يعذب احدا [ص 250] الا بحجة فان قلت فما تكليف الجاهل الساذج الذي لايعرف شيئاً و هو غافل ذاهل عن كل شيء فهل تقوم علي مثل هذا حجة و هل يعرف تكليفا قلت ان هذا تكليفه معلوم اذ انه بالحيوانات اشبه و بالوحوش امثل فما تكليف الوحوش و الحيوانات فتكليفها تكليفه . فتبين و ظهر ان اصل الاباحة قبل ورود الشرع الذي هو مذهب الاكثرين من الاصحاب و المعتزلة البصرية باطل ليس من الحق في مراح و لا مغدي ابدا اذ لايتصور خلو زمان من الحجة ابدا و ان قلنا باصل الاباحة في موضعه فهو ثابت بالشرع كما قدمنا و بالاضافة الي ذلك نقول هنا ان الخلق كله عبد لله عز و جل كما قال تعالي ان كل من في السموات و الارض الا آتي الرحمن عبدا لقد احصاهم و عدهم عدا و العبد المخلوق لله مربوب له لايقدر علي شيء ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شيء و هو كل علي مولاه اينما يوجهه لايأتي بخير فلما كان الخلق عباداً لله فلايحل التصرف لهم الا من وجه احله الله كما قال تعالي لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و قال في مدح قوم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، و روي عن الحجة لايحل مال الا من وجه احله الله و روي ايضا عن الرسول صلي الله عليه و آله في محاججته مع مشركي قريش ان عباد الله المخلوقين مربوبون فنأتمر له فيما امرنا و ننزجر عما زجرنا و نعبده من حيث يريد منا فاذا امرنا بوجه من الوجوه اطعنا و لم‌نتعده الي غيره مما لم‌يأمرنا و لم‌ياذن لنا لانا لاندري لعله اراد منا الاول فهو يكره الثاني و قد نهانا ان نتقدم بين يديه الحديث ، فالعبد لايحل له التصرف في شيء من دون امر المولي و لا بد و ان يكون بين يدي مولاه كالميت بين يدي الغسال يقلبه ذات اليمين و ذات الشمال فما لم‌يقلبه فليس له بد من الرقود و عدم الحركة حتي انه لايستطيع التصرف في نفسه ايضا لانه [ص 251] عبد مملوك لله سبحانه لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا حياة و لا نشورا فالاصل الاولي علي الحقيقة هو الحظر فاين الاباحة و اين اصل البراءة فان ذلك لايتمشي هنا بوجه من الوجوه اللهم الا ان نقول باننا لسنا عباد الله عز و جل نعوذ بالله فحينئذ لك ان تقول ما شئت و الا فان العبد ما زال عبدا لله لايسعه التصرف في ملكه من دون امره فقول من قال بالحظر هنا علي صواب فالاصل الاولي هو الحظر لكن لما اتي الشارع من عند الله و هو لسان الله المترجم للحق رضاه و محبته و بغضه و كراهته قلبنا تقليبا آخر فجاء الاشتغال هنا باوامر الشارع و نواهيه فما امر ائتمرنا و ما نهي انتهينا لانه لسان الله المترجم لنا ارادته فلايجوز التخلف عن اقواله و افعاله و تقريراته يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فجري هذا الاصل علي الاصل الاولي و لم‌يترك هذا اللسان المترجم شيئا الا و بينه كما عن ابي‌عبدالله (ع) ما من شيء يحتاج اليه ولد آدم الا و قد خرجت فيه السنة من الله و من رسوله و لولا ذلك مااحتج علينا فقيل و بما احتج فقال ابوعبدالله (ع) قوله اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي الآية ، فلو لم‌يكمل سنته و فرائضه و ما يحتاج اليه الناس ما احتج انتهي ، و بيانات الشارع تنحصر بثلاث باقواله و افعاله و تقريراته كما تقدمت الاشارة فما امر و نهي فيجب المتابعة لاوامره و نواهيه و ما سكت يعلم انه قد قررنا علي ما كنا عليه و رضي لنا ما نفعله لانه لا شك يشاهدنا و يرانا و نحن بمرأي منه و مسمع و لم‌ينهنا و لم‌يأمرنا و سكت عنا فعلم من تقريره انه قد اباح لنا الفعل فجادت الاباحة لنا بامره حقيقة فان تقريره من امره فالاصل الثانوي عند سكوت الشارع هو الاباحة و هو ثابت بالشرع لا بالعقل كما زعمه الاصوليون و قد بينا [ص 252] بطلان ذلك فيما سبق باوضح بيان و ان قلت الاصل الثانوي عند سكوت الشارع هو البراءة عن امره و نهيه حتي يأتي بامر او نهي جديد فلك ذلك ايضا و لا مشاحة في الاصطلاح هذا في عصر النبي صلي الله عليه و آله و لما ارتحل النبي من الدنيا و اودع علمه اهل بيته الاطهار انتقلت اوامره و نواهيه و اوضاعه الي اهل بيته و لما لم‌يقدروا علي بيان كل شيء لعدم صلاح الزمان و للتقية التي هي رأس كل بلية فما بينوه من الاوامر و النواهي فيجب اتباعهم فيه و ما لم‌يبينوه و سكتوا عنه تقية فيجب السكوت عنه و ليس لنا ان نستخرج البحث عنه بعقولنا و آرائنا فان ذلك محرم علينا كحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير بل و اعظم و اما العمل فعلي السعة وقوفا موقف امرهم و نهيهم حيث قالوا الناس في سعة ما لم‌يعلموا و قالوا كل شيء مطلق حتي يرد فيه نص فعرض هنا الاصل الثالث و هو السعة في العمل و اما العلم فلا مناص لنا الا التوقف لاننا جاهلون فجري هذا الاصل الي قيام دولة الحق هذا ما ينطبق عليه الكتاب و السنة و اخبار اهل البيت و دليل العقل المستنير بالنقل و ما عدا ذلك فامر باطل و ما اوهن قول من قال بان الاشياء قبل ورود الشارع لا حكم لها اذ لم‌يعلم ان احكام الشارع كاشفة عن واقعيات الاشياء التي تحصل بينها بل حسب ان الاشياء تابعة لاوامر الشارع و نواهيه و ليس لانفسها بالنسبة الي بعضها البعض احكاما و بطلان هذا من الضرورة بمكان بالجملة العلماء اختلفوا في ذلك كله و الحق ما قدمناه لك ببركة مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم فخذه و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين .