ثم اذا علمت ان المناط في رواية الاخبار الوثوق فاعلم انه لا فرق بين ان تأخذ الرواية عنه مشافهة او تجدها في كتابه بعد علمك العادي بانه له و لا ريب ان ذلك حاصل عادة فانك لاتشك بان كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني و من لايحضره الفقيه للشيخ الصدوق عليه الرحمة و التهذيب و الاستبصار للشيخ الطوسي و الوسائل للحر العاملي و الوافي للكاشاني فان هذه الكتب مشتهرة بين الفرقة بانها لاصحابها و لايشك بذلك احد كما لايشك احد بان كتاب مروج الذهب للمسعودي و الاغاني لابيفرج الاصبهاني و غيرها من كتب التاريخ فاذا حصل هكذا علم فيجب العمل بها اذا ضمنوا صحة ما فيها فانهم ثقات امناء علي ما رووا و نسير فيها علي ضوء العلم و اليقين الشرعي كما امرونا ساداتنا عليهم السلم فقد ورد عنهم في ذلك ايضا روايات متواترة كما في الكتاب المبين عن الاصول الاصلية قال رسول الله صلي الله عليه و آله المؤمن اذا مات و ترك ورقة واحدة يكون له عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيمة سترا فيما بينه و بين النار و اعطاه الله تبارك و تعالي بكل حرف مكتوب عليها مدينة اوسع من [ص 199] الدنيا سبع مرات و قيل له يا رسول الله اكتب كلما اسمع منك قال نعم قيل في الرضا و الغضب قال نعم فاني لااقول في ذلك كله الا الحق و عن ابيذر قال قال رسول الله صلي الله علي و آله يا اباذر من خرج من بيته يلتمس بابا من العلم كتب الله عز و جل له بكل قدم ثواب نبي من الانبياء و اعطاه الله بكل حرف يسمع او يكتب مدينة في الجنة الخبر ، و عن المفضل بن عمر قال قال لي ابوعبدالله عليه السلم اكتب و بث علمك في اخوانك فان مت فاورث كتبك بنيك فانه يأتي علي الناس زمان هرج لايأنسون فيه الا بكتبهم و قيل لابيالحسن الرضا عليه السلم الرجل من اصحابنا يعطيني الكتاب و لايقول اروه عني يجوز لي ان ارويه عنه قال فقال اذا علمت ان الكتاب له فاروه عنه و قيل لابيجعفر الثاني عليه السلم جعلت فداك ان مشايخنا رووا عن ابيجعفر و ابيعبدالله عليهما السلم و كان التقية شديدة فكتموا كتبهم فلمترو عنهم فلما ماتوا صارت تلك الكتب الينا فقال حدثوا بها فانها حق . الي غير ذلك من الاخبار التي جاوزت حد التواتر معني في الدلالة علي المقصود و لاتظنن كما يظنه المرتابون من عدم حصول القطع باخبار الكافي و اخبار الوسائل لاحتمال سهو اصحابها و غفلتهم و اشتباهاتهم و خطائهم مع انهم ليسوا بمعصومين لانا نقول ان مدارنا علي حصول العلم الشرعي و ليس مدارنا علي العلم العادي فانه مع هذه الاحتمالات لايحصل منه الا الشك فلما امرنا ساداتنا بالاخذ بما رووه في كتبهم نأخذ به مطمئنين و نعمل عليه متيقنين كان الامر في العادة ما كان فان المناط رضاهم و هم راضون مع علمهم بسهو الرواة و خطأهم و قد تكفلوا بانفسهم اصلاح ذلك و تعريف الخطأ فقالوا انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء ، فعليهم علاج [ص 200] كل ذلك علي ما يقتضيه الزمان بالجملة ان التعويل علي قول الثقة مما اجمع عليه فلا محيص من الاعتماد علي قوله لحصول العلم الشرعي منه .
و ان قلت امالاحظت اختلاف نسخ كتب الاحاديث كالكافي و الوسائل و غيرهما حتي لايمكن القراءة في بعضها من كثرة الغلط فكيف يحصل منه العلم قلت ان الله لايكلف نفسا الا وسعها و لايكلف نفسا الا ما آتاها فكما يحصل الخطأ في نسخ القرآن يحصل في نسخ الاحاديث و الطريقة التي وقع التقرير عليها هي الرجوع الي الكتب و ان كانت مخطوءة غير انا مكلفون بتصحيحها و مقابلتها مع نسخ اخر و ان لميحصل المخلص من وجه الخطأ فالرجوع الي نسخة الاصل و ذلك هو ما في وسعنا و تحت قدرتنا و وقع التقرير عليه من ساداتنا و يرتفع به كثير من الاخطاء و هذه الطريقة هي المألوفة و الجارية بين الناس في زماننا و ساير الازمان فالمطلوب هو تصحيح الكتب و السهر في مقابلتها و ازالة الاخطاء عنها و لعمري انه قد سهر في تصحيحها و تنقيحها العلماء الفضلاء الليالي الكثيرة فاتي لنا الكثير منها منقحا و قليل الاخطاء لا سيما كتاب فصل الخطاب لمولانا الكريم اعلي الله مقامه فانه كتاب جامع لجميع ابواب الفقه مرتب علي ترتيب الحكمة التامة و منسق علي تنسيق محكم متقن لميسمع الدهر بمثله و قد عثر مصنفه لشدة حرصه علي تصحيح الاخبار و ممارسة الآثار علي اغلاط كثيرة للعلماء فاصلحها جزاه الله عنا و عن المسلمين خير جزاء المحسنين فما بقي عليك الا ان تحصل علي نسخة من نسخه فانها بحمد الله مبذولة و مطبوعة منتشرة في كثير من الاقطار و البلدان فاستحصل علي نسخة و اصلح بعض اغلاطها المطبعية فان في الطبعة بعض الاغلاط و قد اعد لذلك جدول للخطأ و الصواب فاذا استحصلت علي نسخة واحدة منها فاجعلها شعارك و دثارك و ثق [ص 201] بانها من مخزن الوحي و معدن التنزيل فكأنك اذا اخذت بها واقف امام النبي او الوصي و هما يشافهانك و يدليان اليك بتكليفك و يبينان احكامك فاعمل عليه فانه سبب نجاتك في الدنيا و الآخرة و حديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا و ما فيها كما روي عن اهل البيت عليهم السلم ، و ان قلت هب انك حصلت علي اخبار صحيحة مقطوع بصحتها فما تصنع بمعانيها فان عرصة الالفاظ عرصة واسعة تحتمل كثيرا من المعاني و لايستفاد معني من المعاني الا بنفي عشرة اصول منها اصل عدم التقدير و اصل عدم الاضمار و اصل عدم التخصيص و اصل عدم الاشتراك و اصل عدم النقل و اصل عدم التجوز و اصل عدم الاجمال الخ ، و كل هذه الاصول ظنية فانتهي الامر اخيرا الي العمل بالظن سيما و قد ورد عنهم عليهم السلم علي ما رواه المفيد في الاختصاص كما نقل اني اتكلم بالكلمة و اريد منها احد و سبعون (كذا) وجها لكل منها المخرج و في معناه احاديث اخر مستفيضة فما وجه المخلص من ذلك فكيف مع هذه الاحتمالات و الوجوه يمكنك اليقين و القطع بوجه منها قلت اولا ان العرب في زمان الجاهلية كانت لهم لغة و كان لهم عرف به يتفاهمون و يتعاملون و يتخاطبون فكان يأمر بعضهم بعضا و ينهي بعضهم بعضا و يجرون انواع المعاملات و يتكلمون بانواع الكلام و يخطبون انواع الخطب و كان الكل يفهمون و بذلك جري امر نظامهم و معاشهم الي ان بعث الله نبينا محمداً صلي الله عليه و آله و هو من العرب و جاء بلغتهم و جري علي اصطلاحهم و تكلم معهم و امر و نهي و بلغ من الله ما حمل و قال انا معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم و لا شك انه لايكلمهم بما لايفهمون و انما جري علي حسب عرفهم المعروف بينهم و لذا سألوا من النبي اسئلة كثيرة فاجابهم عنها و عرفوها [ص 202] و نشروها الي ساير الاقطار و الامصار و ان اتفق انه تكلم بكلام غير معروف و جري علي اصطلاح غير مألوف بينهم كما في الصلوة و ساير العبادات التي ماكانت مألوفة بينهم و ماكانوا يعرفونها بينها لهم بتكريره و ترديده عليهم كما يعلم الابوان الطفل الي ان يأنسوا بها و يفهموها و يعملوا عليها فكان في زمن الرسول طريق التفاهم بهذه الكيفية و قد قرر الرسول صلي الله عليه و آله هذه الطريقة و كانت مرضية له اذ لميكن غير ذلك و كذا لما ارتحل الرسول صلي الله عليه و آله و قام الائمة الهداة مقامه في بيان الاحكام و تعريف الحلال و الحرام كان اصحابهم يأتون اليهم و يسألونهم و هم عليهم السلم يبينون لهم علي حسب متفاهمهم و عرفهم و كان ذلك ديدنهم و طريقتهم التي ارتضوها و كونهم عليهم السلام يتكلمون كما في بعض الاخبار علي سبعين وجها ليس المراد منه انه لميكن لكلامهم ظاهر بحيث يعرفه المخاطبون فانه لا شك ان وجوه الكلام كثيرة و تصاريفه عديدة و له ظاهر و باطن و تأويل و للباطن باطن و لباطن الباطن ايضا باطن و هكذا الي سبعين و اكثر و للتأويل تأويل و لتأويل التأويل تأويل الي سبعين تأويل و اكثر و مع هذا كله لا بد و ان يكون للكلام ظاهر و وجه بحيث يعرفه اهل الظاهر المخاطبون به و ان لميكن الكلام علي ظاهره و ارادوا عليهم السلم غير المعني الظاهري فعليهم نصب القرينة و التفهيم بالترديد او نصب القرائن و علي هذا جرت عادتهم و طريقتهم و قد ارتضوا ذلك لشيعتهم كما هو المعروف بالبداهة و بذلك قد ابلغوا رسالتهم و ما جاؤا له و عدوا مبلغين و ان لميكن كذلك لميسموا مبلغين نعوذ بالله لاخلالهم بالتبليغ فان من تكلم بكلام و لميفهم السامع و المكلف به كلامه و لميوصل التبليغ الي نفسه لا شك انه لايعد مبلغا و لايقال انه بلغ رسالته التي [ص 203] جاء بها بالجملة فبعد التبليغ و الافهام فكل ما فهمناه من كلامهم فهو مرضي لله سبحانه و هو تكليفنا بلا شك و لا ريب فان اردت ان تسمي ذلك شكا او وهما او ظنا فسمه ما شئت فانه التكليف الحق و القول الصدق و بنفس هذه الطريقة يكون الامر بعد غيبة قائمهم عليهم السلم فاننا لا شك امة النبي و اقواله و تكاليفه جارية علينا و لسنا نقول نحن كما يقوله البعض من ان خطابات الرسول مخصوصة بالمشافهين فقط و قد قام الاجماع علي مشاركتنا لهم فانه يلزم من ذلك انا لسنا بأمة النبي و انما نحن امة الاجماع و ذلك كأن يقول شخص اني اعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن فهذا امة الظن لا غير و لا ريب انا امة النبي و كل من يقوله بعد هذا الزمان الي يوم القيامة هو من امة النبي محمد صلي الله عليه و آله و تكاليف النبي (ص) جارية عليه و نحن مخاطبون بخطابه و هو مأمور بالابلاغ الينا و قد امر و نهي و بلغ ما انزل اليه من ربه و نحن مأمورون بالرجوع الي اخباره و احاديث عترته و لاريب ان فيها التكليف كما اثبتنا ذلك مرارا و كررنا دلائله تكرارا فان فهمنا من كلامهم شيئا علي متفاهم العرب و عرفهم فلا شك انه التكليف و هو مرضي له و ان لميكن مرضيه فعلي القائم بالامر نصب القرائن و العلامات حتي نفهم تكليفنا لانه المأمور بالابلاغ و عليه الايصال و نحن نعلم من انفسنا انا اذا راجعنا كلامهم نفهم شيئا و نستعين علي فهمنا في معرفة كلام من تقدمنا بمآت السنين بالرجوع الي كتب اللغة و غيرها من القوانين التي نتمكن من معرفة كلام الماضين بالرجوع اليها و هذه عادتنا و طريقتنا و جرينا علي ذلك و جري عليه المتقدمون فالحاصل من ذلك هو تكليفنا الذي عرفناه بهذه الطريقة علي اليقين فسمه ما شئت و اختر لنفسك ما يحلو و اني [ص 204] والله لاعجب من ان الناس يراجعون كتب المنطق مثلا و كتب الهندسة و غيرها و يستفيدون منها مع ان المنطق لارسططاليس و كان متقدما علينا بآلاف السنين و لايقولون انه لايحصل من اقواله الا الظن و كذا علم الهندسة الذي هو لاقليدس و هو متقدم علينا ايضا بآلاف السنين و مع هذا يأخذون بكتب الهندسة و يعملون باقواله و هم متيقنون بها و لايقولون انا نظن ان الهندسة لاقليدس و لايحصل منها الا الظن و كذا يطالعون ساير كتب التواريخ و العلوم التي هي للقدماء و يحصل لهم منها اليقين اما اذا راجعوا اخبار اهل العصمة عليهم السلم انسد عليهم باب العلم و وردت عليهم الشكوك و الشبهات و اخذتهم الظنون و الآراء من كل مكان نعوذ بالله فهل هذا الا من تسويل الشيطان المقيض للانسان .
و اقول ثانيا انا اذا طالعنا اشعار اهل الجاهلية و آدابهم و عاداتهم نحصل علي علم عادي بفهم ما وصل الينا منهم و نعرف ذلك ضرورة باتساق الكلام حتي اذا كان سقطا او خطأ او ما شاكل ذلك نعرفه بادني تدبر و كذا الامر في الاخبار الصادرة عن الأئمة الاطهار فانهم قد سئلوا مسائل كثيرة و اجابوا المخاطبين علي قدر ما يفهمون او تكلموا معهم ابتداء و بينوا ما يحتاجون اليه من امورهم و نحن بمطالعتنا اياها نري اتساق الكلام و نفهم السؤال و الجواب بداهة و لايحصل الاشتباه و عدم الفهم الا في امور قليلة و اذا حصلت نتوقف و نقبل علي امثال هذه الامور المشتبهة بالتدبر و الاحتياط و كل امرء اذا راجع وجدانه لا شك انه يحصل له مثل هذا القطع و اليقين بلا مرية و اما الاصوليون فلكثرة الوساوس و الشكوك لايحصل لهم هكذا يقين و ليس قولهم حجة علينا اذ ليس قول المريض حجة علي الصحيح و هذه الشكوك و الوساوس تتغلب عليهم عند تحقيقهم في الاصول و لكن عند مراجعتهم الفقه [ص 205] و التحقيق فيه ينسون تلك الوساوس و يغفلون عنها فيجرون علي الفطرة الانسانية و يحققون تحقيق الصحيح السالم و يستنبطون المعاني الصحيحة من الاخبار و ما ذلك الا لغفلتهم عن الوساوس و تركهم للشكوك و الشبهات فهل يبقي بعد ذلك شك فيما قلنا و بينا بعد هذه الادلة المحكمة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها لانها من معدن الحكمة و مصدر الوحي و التنزيل .
و ان قلت كيف بك و الاخبار جاءتنا مختلفة و وردتنا متضادة ماامر في شيء من الاشياء الا و ورد النهي عنه فهل يحصل اليقين و الاختلاف العظيم في هذه الاخبار موجود فما المخلص من ذلك قلت الحقيقة انه لااختلاف في الاخبار اصلا و انما الاختلاف فيها صوري في الحقيقة و ما ذلك الا لامور عرضت و موانع منعت علي حسب اقتضاء الزمان و اقتضاء هذه العرصة و اقتضاء القوابل فالعالم عالم اعراض و الأئمة عليهم السلم حكماء ساقوا الي كل واحد تكليفه المناسب له و كانوا في تقية شديدة ايضا لغلبة دولة الضلال و حكام الباطل فساقوا الي كل مخلوق رزقه الملائم له فاذا كان يلائمه حكم التقية ساقوا اليه حكمه في تلك الحال و ان كان قاصرا ليس له ادراك كلفوه بما يستطيعه بالجملة العالم عالم الاعراض و الاعراض تتغير في كل زمان فبينوا عليهم السلم ما يناسب كل زمان و اوان و بلغوا اليهم تكاليفهم و لميخلوا بهذا الامر العظيم و اذا راجعنا الاخبار ايضا نجد انهم عليهم السلم هم الذين اوقعوا الاختلاف بين شيعتهم و بينوا السبب في ذلك و قالوا ذلك احفظ لنا و لكم و لو اجتمعتم علي امر واحد لاخذ برقابكم و لاستاصلكم حكام الجور ، المتنظر الي رواية منصور بن حازم قال قلت لابيعبدالله عليه السلم ما بالي اسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيؤك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال انا نجيب علي [ص 206] الزيادة و النقصان و عنه عليه السلم انه قيل له ليس شيء اشد علي من اختلاف اصحابنا قال ذلك من قبلي و عن ابيالحسن (ع) قال اختلاف اصحابي لكم رحمة و قال اذا كان ذلك جمعتكم علي امر واحد و سئل عن اختلاف اصحابنا فقال عليه السلم انا فعلت ذلك بكم لو اجتمعتم علي امر واحد لاخذ برقابكم و في خبر آخر قال لزرارة ان هذا خير لنا و لكم و لو اجتمعتم علي امر واحد لقصدكم الناس و لكان اقل لبقائنا و بقائكم ، الي غير ذلك من الاخبار . فاذا كان الاختلاف جاء من قبلهم و هم سببه و اصله و ذلك لاختلاف القوابل و اختلاف الاعراض فما الداعي للاستيحاش من هذا الاختلاف و لا ريب ان ذلك هو الاصلح بنا و الاحسن لنا فانا مرضي و اختلاف احكامنا علي حسب تفاوت امراضنا و تكليف المرضي غير تكليف الاصحاء حتي و لو علم المريض تكليف الصحيح ليس عليه العمل بتكليف الصحيح لانه مهلك له و عليه العمل بتكليفه الخاص الذي بينه الله له فمع هذا الاختلاف لايخفي التكليف علي احد و لهم عليهم السلم حكم ظاهر في كل زمان كلما عرضت الاعراض بحيث يعرفه كل من اراد المعرفة و مثال حكمهم عليهم السلم كنور الشمس المتوالي الي الارض فان طليت علي الارض طينا يرتفع نور الشمس عليه و يشرق علي صفحة الطين العليا و اذا طليت عليه طيناً آخر ارتفع النور عليه و هكذا كلما طليت طينا علي ذلك النور يرتفع النور فوقه فالنور في الحقيقة ظاهر و لائح و لايخفي علي احد مع كل هذه الاعراض فكذلك بالنسبة الي احكام آلمحمد عليهم السلم لهم في كل زمان و اوان حكم خاص و جاؤا كما بينا سابقا بالحكم الثانوي المناسب للاعراض و لهم في كل عرض طارئ حكم ظاهر يعرفه من اراد ذلك و تكليفنا في هذا الزمان الرجوع الي اخبارهم التي لا محيص عنها مع ما فيها من الاختلاف فان هذا [ص 207] لا شك اصله لنا اولا و ثانيا لايخفي تكليفنا فيها و هو ظاهر اذ بينوا لنا كثيرا و اوضحوا لنا في اخبارهم تكرارا وجه الخلاص من هذا الاختلاف و وجه العلاج فيها و بالتصدي لمعرفة لحن الاخبار و الاجتهاد في معرفة معانيها و طرق الاخذ بها باخلاص النية و السريرة مع معرفة ان الامام من وراء ذلك يسدد كل من جاهد في الله حق جهاده و يرشده الي السبيل كما قال الله تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فبالمجاهدة يحصل علي التكليف اليقيني فلاتضره اختلاف الاخبار آنذاك فان الحكم ظاهر من بينها و لهم عليهم السلم في علاج الاخبار طرق فان شئت معرفتها و الاطلاع عليها كاملا فراجع كتاب القواعد لمولانا الكريم اعلي الله مقامه او كتاب شرح النتايج او كتاب الحجة القاطعة فان فيها لك غنية عن كل كتاب و لاتحسبن اختلاف الاخبار انه من جهة التقية من العامة فقط كما زعمه البعض او من جهة دس الداسين و تحريف المحرفين لا غير بل لجهات و علل كثيرة لايعلمها الا هم عليهم السلم و يعرف الخلاص منها بالرجوع اليهم و بالرجوع الي طريقتهم و التدبر فيها يحصل التكليف القطعي و الحكم اليقيني بلا شك و لا مرية ،
هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا
و لولا خوفي من طول الكلام بحيث لاتتسع له هذه الرسالة لذكرت لك طريقة مشايخنا اعلي الله مقامهم في ترجيح الاخبار و علاج مختلفاتها بحيث يحصل التكليف القطعي منها بلا شك و لا مرية و ربما يأتي في المستقبل منها شيء فترقب .
و اما ادلة الاخباريين المتقدمة فلاتفيد الا الظن علي انفرادها و بعد ان بينا لك و شرحنا ادلة مشايخنا المحكمة تكون ادلتهم مؤيدة لما ذهبنا اليه .
ثم لنرجع الآن الي ما نقلناه من كلام الاصوليين و نقضهم علي الاخباريين [ص 208] و ايرادهم الادلة لاثبات مقصودهم من عدم حصول العلم و انما يحصل الظن من هذه الاخبار فقط و لقد قدمنا لك فيما سبق كلام الشيخ جعفر النجفي في ذلك و هو كلام جامع للنقض و الابرام في هذا المقام .
فقوله و زعموا ان المخطئ في الفروع معاقب كالمخطي في الاصول الي قوله و لميوافقهم علي ذلك احد سوي ما يظهر من بعض قدمائنا و ينبغي فيه البناء علي التأويل لانه لايخفي عليه مع جلالة شأنه انه يلزم من ذلك الحكم بان جميع العلماء المتقدمين و المتأخرين مستحقون للعقاب بحصول الخطأ منهم غير مرة الخ ، في غير محله لان الاخباريين لايريدون ان المخطئ في الفروع معاقب اذا كان خطاه ناشئا عن النسيان و الغفلة و القصور مثلا فان هذه لا شك مرفوع عنها القلم عن الامة المرحومة و المحبين الموالين فالمتقدمون او المتأخرون المخطؤن في الفروع اذا كانوا مخطئين من هذا الباب فلا ريب انهم معفو عنهم و اذا بني الامر علي المؤاخذة بهذه الاسباب كان الامر حرجا ضيقاً علي الناس فمن يقدر علي حفظ نفسه من الخطأ و الغفلة و النسيان و ما شاكل ذلك نعم المعصوم الذي عصمه الله يقدر علي ذلك و ليس كل الناس معصومين اما اذا كان الخطأ في الفروع ناشئا عن الذهاب الي الآراء و الاهواء و القول بالظنون و الارتياء متابعة للعامة العمياء فهذا الخطأ الذي يعاقب عليه و يشمله قوله تعالي و من لميحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون و الحكومة عامة سواء كانت في الاصول او الفروع و هذه هي طريقة المتقدمين من اصحاب الأئمة عليهم السلم فقوله و لميوافقهم علي ذلك احد سوي من توهموه موافقاً من المحمدين الثلاثة الخ ، قول بغير حق فانك اذا راجعت كتب هؤلاء المتقدمين و دققت [ص 209] اقوالهم و راجعت كتب من تقدم عليهم يظهر لك الامر جليا واضحا بلا غبار و لا اكدار ان عمل المتقدمين علي الاخبار الصحيحة الموثوق بها و لايتجاوزونها الي غيرها و لايعولون في فروع دينهم الا عليها .
فالمنقول عن محمد بن يعقوب رحمه الله في اول كتابه الكافي ما هذا لفظه : و قلت انك تحب ان يكون عندك كتاب كافي الجميع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم و يرجع المستشهد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلم و السنن القائمة التي عليها المعول و بها تؤدي فرائض الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و قلت لو كان ذلك رجوت ان يكون سببا بتدارك الله بمعونته و توفيقه اخواننا و اهل ملتنا و يقبل بهم مراشدهم و قد يسر الله و له الحمد تأليف ما سألت و ارجو ان يكون بحيث توخيت ، الي آخر كلامه و هو صريح كما تري ان ما في كتابه من الاخبار صحيح عن اهل البيت عليهم السلم و عليه المعول و اليه يرجع المستشهد و من يريد علم الدين و لايقبل هذا الكلام التأويل .
و نقل عن الصدوق انه قال في اول الفقيه : و لماقصد فيه قصد المصنفين الي ايراد جميع ما رووه بل قصدت الي ايراد ما افتي به و احكم بصحته و اعتقد انه حجة بيني و بين ربي جل ذكره و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و اليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني و كتاب عبدالله بن علي الحلبي و كتب علي بن مهزيار الاهوازي و كتب الحسين بن سعيد و نوادر احمد بن محمد بن ابيعمير من الاصول و المصنفات التي طرقها الي معروفة في فهرست الكتب التي رويتها عن مشايخي و اسلافي ، الخ ما ذكره و هو ايضا من الصراحة بمكان علي ان اخباره صحيحة و عليها المعول و اليها المرجع في الاحكام و بذلك تدلك علي الطريقة [ص 210] السائدة و السيرة الجارية في استنباط الاحكام و معرفة الحلال و الحرام و تعويلهم في كل ذلك علي الاخبار الصحيحة في مسائل الشريعة .
و كذا المنقول عن الشيخ في التهذيب حيث قال : و ان اترجم كل باب علي حسب ما ترجمه و اذكر مسألة مسألة فاستدل عليها اما من ظاهر القرآن او من صريحه او فحواه او دليله او معناه و اما من السنة المقطوع بها من الاخبار المتواترة و الاخبار التي تقترن اليها القرائن التي تدل علي صحتها و اما من اجماع المسلمين ان كان فيها او اجماع الفرقة المحقة ثم اذكر بعد ذلك ما وردت احاديث اصحابنا المشهورة في ذلك و انظر فيما ورد بعد ذلك مما لاينافيها و يضادها و ابين الوجه فيها ، الي آخر ما ذكره .
و كذا المنقول عنه في كتاب العدة حيث قال : و الذي يدل علي ذلك اجماع الفرقة المحقة فاني وجدتها مجمعة علي العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم و دونوها في اصولهم لايتناكرون ذلك و لايتدافعونه حتي ان واحدا منهم اذا افتي بشيء لايعرفونه سألوه من اين قلت هذا فاذا احالهم علي كتاب معروف او اصل مشهور و كان راويه ثقة لاينكر حديثه سكتوا و سلموا الامر في ذلك و قبلوا قوله هذه عادتهم و سجيتهم من عهد النبي صلي الله عليه و آله من بعده من الأئمة و من زمان الصادق جعفر بن محمد عليهما السلم الذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته فلولا ان العمل بهذه الاخبار كان جائزا لمااجمعوا علي ذلك و لانكروه لان اجماعهم فيه معصوم لايجوز عليه الغلط و السهو الخ . و نقل عنه ايضا في نفس الكتاب انه قال : لايجوز العمل بالاجتهاد و لا بالظن في الشريعة . و كذا ما نقل عنه في اول كتاب الاستبصار فانه دال بالصراحة علي ان جميع ما عمل به اما محفوف بقرائن قطعية ام متواتر او مجمع علي صحة العمل به .
[ص 211] فكل هؤلاء الاعلام كلامهم صريح في بيان طريقتهم في استنباط المسائل الشرعية و تعويلهم علي الاخبار في معرفة الاحكام الفرعية و عدم تجويزهم للعمل بالظنون و لا يمكن لمن له ادني عقل او شعور ان يأول كلامهم الي غير ذلك او يصرفه الي غير وجهه المعلوم .
و اما السيد المرتضي فقد نقل عنه صاحب الفوائد المدنية عن المعالم ما هذا لفظه : ذكر السيد المرتضي رضي الله عنه في جواب المسائل التبانيات ان اصحابنا لايعملون بخبر الواحد و ان ادعاء خلاف ذلك عليهم دفع للضرورة ، قال لانا نعلم علما ضروريا لايدخل في مثله ريب و لا شك ان علماء الشيعة الامامية يذهبون الي ان اخبار الآحاد لايجوز العمل بها في الشريعة و لا التعويل عليها و انها ليست بحجة و لا دلالة و قد ملؤا الطوامير و سطروا الاساطير في الاحتجاج علي ذلك و النقض علي مخالفيهم فيه و منهم من يزيد علي هذه الجملة و يذهب الي انه مستحيل من طريق العقول ان يتعبد الله تعالي بالعمل باخبار الآحاد و يجري ظهور مذهبهم في اخبار الآحاد يجري ظهوره في ابطال القياس في الشريعة و حظره ، و قال في المسألة التي افردها في البحث عن العمل بخبر الواحد انه بين في جواب المسائل التبانيات ان العلم الضروري حاصل لكل مخالف للامامية او موافق بانهم لايعملون في الشريعة بخبر لايوجب العلم و ان ذلك قد صار شعارا لهم يعرفون به كما ان نفي القياس في الشريعة من شعارهم يعلمه منهم كل مخالط لهم و تكلم في الذريعة علي التعلق بعمل الصحابة و التابعين بان الامامية تدفع ذلك و تقول انما عمل باخبار الآحاد من الصحابة المتأمرون الذين يحتشم التصريح بخلافهم و الخروج عن جملتهم فامساك النكير عليهم لايدل علي الرضا بما فعلوه لان الشرط في دلالة الامساك علي الرضا ان لايكون له وجه سوي الرضا من تقية [ص 212] و خوف و ما اشبه ذلك ، و قد اورد السيد علي نفسه ينافي ( في ظ ) بعض كلامه سؤالا هذا لفظه فان قيل اذا سددتم طريق العمل بالاخبار فعلي اي شيء تعولون في الفقه كله و اجاب بما حاصله ان معظم الفقه يعلم بالضرورة مذاهب ائمتنا عليهم السلام فيه بالاخبار المتواترة و ما لميتحقق ذلك فيه و لعله الاقل يعول فيه علي اجماع الامامية ثم نقل صاحب الفوائد عن المعالم كلاما عنه ايضا بقوله : السيد قد اعترف في جواب المسائل التبانيات بان اكثر اخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع علي صحتها اما بالتواتر و بعلامة و امارة دلت علي صحتها و صدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع و ان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد .
اقول علم من طريقته كما تري واضح كلامه انه لايعمل الا بما يفيد القطع من الاخبار و لايعمل باخبار الآحاد و ما ذلك الا لان عنده اخبارا ضعيفة لمتتوفر قرائن علي صحتها فتركها علي حالها و ليس عمله مقصورا فقط علي الاخبار المتواترة بالاصطلاح المتأخر فانه يعلم ضرورة ان الاخبار المتواترة بالاصطلاح المتأخر نادرة جدا و عنده علي ما يظهر من كلامه ان الاخبار المتواترة هي ما توفرت القرائن علي صحتها بحيث تفيد القطع و اليقين الاتري الي صراحة قوله ان معظم الفقه يعلم بالضرورة مذاهب ائمتنا عليهم السلم فيه بالاخبار المتواترة الخ ، مع انه ذكر في كلامه الاخير بقوله ان اكثر اخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع علي صحتها اما بالتواتر او بعلامة و امارة دلت علي صحتها الخ ، فيظهر من كلامه ان معظم الاخبار مقطوع بصحتها للقراين و الامارات المتوفرة لديه فعلي ذلك كانت كلها عنده متواترة و ما لمتتوفر فيه هذه الشروط يعلم عنده بالاجماع فليس عنده خبر ظني يعمل به و الآحاد عنده اخبار ضعيفة لمتتوفر فيها القرائن المفيدة للقطع بصحتها فلايعمل [ص 213] عليها . بالجملة انه يعمل علي طريقة القدماء من تعويله علي الاخبار في مسائل الشريعة و لايمكن لاحد ان يأول كلامه الي خلاف ذلك و محض وجود اخبار آحاد ضعيفة لايثمر لنا شيئاً اذ لميقل احد انه لايوجد اخبار ضعاف لايعمل عليها و انما الكلام اذا ضمن احد صحة ما في كتبه مع كونه ثقة فلايقال بعد ضمانه ما في كتابه انه يوجد فيه اخبار ضعيفة مع ضمانه لذلك و ما تري من عدم عمل الفقهاء ببعض تلك الاخبار فلانه لا كل خبر صح صدوره عن المعصوم صح العمل به فلصحة العمل شروط لا بد من اتباعها . بالجملة ليس غرضي الانتصار الي الاخباريين هنا فان الاخباريين قد استدلوا بامور ظنية فرضوها قطعا لانفسهم و نحن قد استدللنا بغير استدلالهم فلايرد علينا شيء من ذلك اذ ان الاخذ من الثقة و الرجوع اليه واجب شرعي عندنا فالكتب الاربعة طالما ضمنوا صحة ما فيها اصحابها و علم ضرورة انها كتبهم فحصل القطع و الجزم علي وجوب الرجوع اليها و العمل بها .
و اما مذهب ابنادريس فمن الشهرة بمكان علي انه لايعول الا علي الاخبار في امور دينه و ينكر خلاف ذلك و يستدل في الفقه جميعه بالعلم و القطع لا بالتخمين و الظن كما يعرف ذلك من كتابه السرائر حيث نقل فيه علي ما نقل عنه اخبارا كثيرة استطرفها من كتب المشيخة المصنفين ككتاب موسي بن بكر الواسطي و كتاب معوية بن عمار و نوادر احمد بن محمد بن ابينصر البزنطي صاحب الرضا عليه السلم و كتاب ابان بن تغلب صاحب الباقر و الصادق عليهما السلم و كتاب جميل بن دراج و كتاب السياري عبدالله صاحب موسي و الرضا عليهما السلم و كتاب جامع البزنطي صاحب الرضا عليه السلم الي غير ذلك من كتب الاصول التي نقل منها و عول عليها في عمله في المسائل الشرعية و لا شك انهم كانوا ينكرون العمل [ص 214] بالظن و الآراء و العامل بذلك في استنباط الفروع لا شك انه معاقب ان تعمد ذلك و غير معذور ان عرف ذلك من مذهب الشرع فانه بذلك متقول علي الله لذهابه الي طريق اعدائه و الله سبحانه و تعالي خاطب نبيه بقوله و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين و لقطعنا منه الوتين فالنبي مع كونه معصوما لاينطق عن الهوي ان تقول عليه بعض الاقاويل فهو مأخوذ فكيف بنا و ان لمنؤاخذ بالتقول علي الله في جميع المسائل نكن اذا اكرم علي الله من نبيه صلي الله عليه و آله و هذا خروج عن الدين بالضرورة فعندنا المتقول علي الله سواء في مسائل الاصول او الفروع لا ريب في عقابه علي ما يقتضيه المذهب و الله العالم .
و اما قوله و قد ادعوا خلاف البديهة فانه كيف يجوز للعقلاء حصول العلم بصدور جميع الروايات الواردة في الكتب المعتبرة لواحد من العلماء فضلاً عن جميعهم الخ ، فهو قول باطل و ما ذلك الا لانه و امثاله عولوا علي الامور العقلية و العادية و اجروها في الامور الشرعية و كل ما ذكره بقوله مع انه مبني علي مقدمات يعلم الخلاف في كلها او جلها الخ ، من هذا القبيل فانها احتمالات عقلية و عادية و لايجوز اجراؤها في الامور الشرعية و نحن مأمورون شرعا بتصديق الرواة الثقات فاذا علمنا ان هذا الكتاب مثلا لفلان الثقة الذي ضمن صحة ما رواه في كتابه مثلا نأخذ به و نعول عليه و ذلك تكليف شرعي اما احتمال انه اخطأ او سها او لعل الرواية حفظت من كتاب غير معتبر و ما شاكل ذلك من الاحتمالات فكلها احتمالات عادية او عقلية لاتجري في الامور الشرعية بتاتا لان الامور الشرعية تثبت بالشرع و العادية بالادلة العادية و العقلية بالعقل و كلها في [ص 215] اصقاع مختلفة و محال متفاوتة لايجوز اجراء بعضها في بعض و لما خفي ذلك علي الاصوليين خبطوا في المسائل كما تري .
و اما قوله ثم لا فرق بين العلم العادي و غيره عند العالم حين علمه ، فهو خلاف الحق و بالرجوع الي ما قدمنا يعلم الفرق بين العلم العقلي و العادي و هذا من جهلهم بمشاعر الانسان و عدم اطلاعهم علي الحقايق فهو و ان اصاب في رده علي الاخباريين بقوله لان العادة قد قضت بخلافه الا انه اخطأ خطأ ذريعا بعدم تفريقه بين العلم العادي و غيره فتنبه جيدا .
و اما قوله في رده علي الاخباريين : و فيه اولا ان حصول العلم علي فرضه عند شخص لايلزم منه ثبوته عند غيره ، فهو قول صحيح و نحن نقول بذلك الا انا نقول ان تعويلنا شرعا علي الثقة و يحصل من قوله العلم الشرعي فاذا قال الثقة ان هذا الكتاب لفلان الثقة او قال ان هذه الرواية صدرت عن الامام عليه السلم فيحصل لنا القطع بذلك و هذا قطع شرعي و ان احتمل في العادة خلاف ذلك فان الاحتمالات العادية لاتجري في الامور الشرعية كما بينا مرارا و شرحنا تكرارا فنحن نقطع و نجزم بالكتب الاربعة و صحة ما فيها من باب العلم الشرعي و من باب تسديد الامام الذي نحن بمرأي منه و مسمع المتم للناقص و المنقص للزائد و ليس من باب ما قاله الاخباريون فان ادلة الاخباريين كما قلت لاتفيد الا الظن .
و اما قولك علي ان فيها ما يقطع بعدم العمل به مما يفيد التشبيه و التجسيم و نفي العصمة الخ ، فهو صحيح فان في اخبارنا امثال ذلك لكنك بالرجوع الي ما قدمنا تعلم ان صحة العمل غير صحة الصدور و صحة العمل لها شروط ما لمتتوفر لايصح العمل بالاخبار فكم من خبر صح صدوره عن الامام و يقطع بانه [ص 216] منه عليه السلم لكن لايصح العمل به لكونه صدر عن تقية و علي ذلك ما وردت اخبار كثيرة في نفي العصمة عنهم عليهم السلم فانها وردت عنهم بلا شك و لا ريب في ذلك لكن بالرجوع الي الاخبار الاخر و الادلة العقلية الموافقة للنقلية و الرجوع الي آيات الكتاب يعلم صدورها تقية خوفا من فرعون و ملائه فلاينافي امثال هذه الاخبار صحة الصدور عنهم بوجه من الوجوه ، ثم ان ورود خبر يوهم ظاهره ان معناه التشبيه و التجسيم لايجيز لنا رد اخبار اهل البيت عليهم السلم فلعل له معاني و تصاريف توافق الحق فمن اعلمنا ان ذلك لميصدر عنهم علي القطع و اليقين كما قررت ، فلااري رد الاخبار بهذا الدليل الا مجازفة من القول و لااراه الا رجما بالغيب من مكان بعيد و كذا رد الاخبار بسبب الاختلاف فيها و ظهور الاتحاد فان ذلك امر لا دليل عليه و لايدعمه برهان قاطع فانك قد علمت ان الاختلاف في الاخبار واقع و ليس وقوعه من جهة سهو النساخ و خطأ الكتاب و التقية من العامة فقط كما بينا ذلك فيما تقدم بل ان جل الاختلاف صدر عنهم عليهم السلم و هم اوقعوا الاختلاف بين شيعتهم لحفظ رقابهم و لانه اسلم لهم كما انا بينا لك ان عرصة هذا الزمان اي عرصة الاعراض و الامراض لازمها الاختلاف فاننا جميعا مرضي و امراضنا مختلفة و اعراضنا متشتتة و الأئمة عليهم السلم اطباء النفوس و الابدان و ينعتون الادوية المختلفة علي حسب الامراض المختلفة و لايصلحنا الا ذلك يومنا هذا فرد الاخبار بمجرد ظهور الاختلاف قلة معرفة بتصاريف الاخبار و جهل بمعانيها و وجود امثال ذلك فيها لاينافي القطع بصدورها عنهم عليهم السلم لان منشأ الاختلاف صدر عنهم كما يعلم باخبار متواترة روينا لك قسما ليس بالقليل منها فراجع و كذا محض رد رواية بعضهم البعض الآخر او رد الواحد منهم بعض اخباره التي رواها لايكون [ص 217] دليلا علي عدم صحة صدورها و القطع بان تكليفنا فيها لانهم اولا غير معصومين عن الخطأ و الزلل و النسيان فلعله صدر ذلك عن خطأ منهم و المعصوم من عصمه الله و ليس تكليفنا النظر في رد بعضهم علي بعض و سجية العلماء و طريقتهم اذا لميكن قول يوافق ادلتهم التي ذهبوا اليها يردون ذلك القول و لكن تكليفنا الاخذ عن الثقة شرعا و اذا روي لايجوز لنا رد روايته بتاتاً و اذا قال لك ان كلما اروي في هذا الكتاب هو عن امامك و اضمن صحة ذلك فخذ به بارد القلب ثلج الفؤاد كما مر عليك عبائرهم المتقدمة التي اوردوها في هذا المعني .
فبعد ذلك نقول لعل مرادهم ان ذلك يؤل الي العلم يعني لايحصل منه القطع ابتداءا و انما يؤل الي العلم او ان ذلك القطع كان في الابتداء ثم عدلوا عنه في الاثناء او ما شاكل ذلك من التقييدات و التأويلات فكل ذلك رجم بالغيب من مكان بعيد و تأويلات بعيدة لمينزل الله بها من سلطان و خلاف ما قاله الثقة نفسه و ما علينا الا ان نأخذ بصريح قوله و صريح قوله كما عرفت هو رواية الاخبار عن الثقات و نحن نأخذ بقوله و اقراره الظاهر شرعا و ما علينا من التأويلات البعيدة و التحريفات الغير المرضية فانها كلها من الشيطان المقيض للانسان .
و اما ما ذكره في رده علي الاخباريين المستدلين بالآيات و الاخبار علي حرمة العمل بالظن بقوله : و لو نظروا بعين الانصاف لاعترفوا بان العمل علي ظاهرها لايوافق طريقة المسلمين المؤالفين منهم و المخالفين الخ ، فممنوع لان الاخباريين لايعولون علي ظاهر الآيات الا بالرجوع الي التفاسير الواردة فيها فهم لايحتجون بمجرد ظواهر الآيات و قد ورد في حرمة العمل بالظن ما يقارب الالف و مائتي حديث و كلها تفسير تلك الآيات و العجب [ص 218] ان العمل علي ظاهر الآيات هو مما اجمع عليه عند الاصوليين كما ذكروا في كتبهم فكيف لميعملوا بظواهر هذه الآيات الصريحة في حرمة العمل بالظن مع تواتر الاخبار و تضافرها علي هذا المعني و شرحها للمراد فان قلت كما قال القمي في القوانين : المسلم من الاجماع هو حجية ما هو مراد من الكتاب لا ما هو ظاهر منه فان حجية ظواهر الكتاب مسألة اجتهادية و انعقاد الاجماع عليها ممنوع لمخالفة الاخباريين اعتمادا علي اخبار كثيرة مذكورة في محلها سلمنا عدم الاعتناء بشأنهم و امكان اخراج تلك الاخبار عن ظاهرها لمعارضتها باقوي منها الخ ، قلت استمع لما يتلي عليك في الرد عليه ممن علق علي كلامه هذا في الحاشية بقوله : هذا اعتراض اول منه (ره) علي الجواب عن الايراد و لكن لايخفي ما في هذا الاعتراض فان حجية ظواهر الالفاظ السالمة عن المعارض و الاعتماد عليها في الكشف بها عن مراد المتكلم و البناء فيها علي اصالة عدم القرينة من غير فرق في ذلك بين المخاطب و غيره اجماعي بل ضروري متسالم عليه بين جميع ارباب المذاهب و الاديان و مخالفة الاخبار بالنسبة الي ظواهر الكتاب انما هي لدلالة بعض الاخبار عليه لا لمنع هذه القاعدة من حجية الظواهر فاذا دفعنا دلالة هذه الاخبار بقيت ظواهر الكتاب مندرجة تحت هذه القاعدة مضافا الي الاجماع الكلي العملي من زمن الصحابة الي زماننا هذا من الرواة العلماء و غيرهم علي التمسك بظواهر الكتاب في مقاصدهم من المسائل الاعتقادية و الشرعية و مخالفة بعض الاخبارية لشبهة حصلت لهم غير قادح في هذا الاجماع ، انتهي كلام المعلق . اقول هذا شأن من اعتمد علي الامور العقلية و الآراء الظنية في الاستدلال علي المطالب يبرم امرا برأيه و ظنه و ينقضه آخر برأي و ظن فانظر بالله عليك لو عول الانسان علي ذلك هل يبقي [ص 219] للدين بعدها عمود او يخضر له عود علي انا لسنا نقول كما يقوله الاخباريون من عدم حجية الظواهر بل نقول ان الظاهر الذي لميردع عنه خبر ثقة عن الامام عليه السلم يعلم انه مراد الامام بتقريره و تسديده فانه المشاهد و الناظر و العالم بكل شيء فلو اراد غير ظاهره لردع عنه برادع فظواهر الكتاب الناصة علي حرمة العمل بالظن حجة حتي لو لمترد النصوص الكثيرة المتواترة ببيانها و شرحها لعدم الرادع عن ظاهرها .
و اما ما حدا الاصوليين علي الخروج عن ظواهر هذه الآيات المتكاثرة و الاحاديث المتواترة فبعضه ما ذكره الشيخ جعفر النجفي بقوله فان اتباع الظن المنهي عنه عام للظن في الصدور و الدلالة الي قوله و التفرقة في غاية الضعف و بعضه ما ذكره القمي في القوانين بقوله فيظهر ان ما يحصل من الاجتهاد قد يكون قطعيا و قد يكون ظنيا و كلاهما حجة علي المجتهد و المقلد له اما الاول فظاهر و اما الثاني فلان المفروض انسداد باب العلم بالفرض و لعدم الدليل علي حرمة العمل به ح مع بقاء التكليف جزما لو لمندع ثبوت الدليل علي جواز العمل به اذ قد عرفت انه لا دليل علي وجوب الاحتياط و ذلك لان ادلة حرمة العمل بالظن ظنية و قد بينا ان لا دليل علي حجية تلك الظنون الحاصلة من تلك الادلة علي حرمة بالظن سوي انه ظن المجتهد و لا مناص من العمل به لبقاء التكليف و انسداد باب العلم و عدم ثبوت اشتغال الذمة باكثر من ذلك حتي يقال ان اليقين بشغل الذمة يستدعي تحصيل اليقين ببرائته مع ان الاستدلال بما يدل علي حرمة العمل بالظن علي عدم جواز العمل للمجتهد في المسائل الفقهية بظنه محال لان جواز العمل به يستلزم عدمه و ما يستلزم وجوده عدمه فهو محال الخ . و الامران العظيمان اللذان ساقهم الي القول بالظن هما وجوب دفع الضرر المظنون و قبح ترك [ص 220] الراجح الي المرجوح و بذلك يتم اعظم الادلة عندهم التي خرجوا بها عن الاصل الاصيل و هو حرمة العمل بما وراء العلم الي جواز العمل بالظن المطلق .
و ما ذكرت لك من الادلة هو البديهة التي زعم الشيخ بقوله ثم ان المراد بعد ان قامت البديهة علي بطلان دعوي العلم دار الامر بين القول بجواز العلم بالظن المستفاد من تلك الاخبار ( اقول و هو الظن الخاص ) او ترك العمل بها ، الي آخر ما ذكره .
اقول قول الشيخ جعفر و التفرقة في غاية الضعف ممنوع و ذلك ان القوم لميفرقوا بين الظن الموضوعي و الظن الحكمي و الظن الموضوعي ان يكون الظن موضوع حكم الشارع كان تظن في صلاتك مثلا انك صليت ثلاثا فتعمل علي الثلاث بامر الشارع فهذا الظن موضوع حكم الشارع اليقيني و انت بذلك تعمل علي اليقين لا علي الظن و التخمين و انما الظن حالة طارئة كالمرض و حكمها في الشرع معلوم فعملك علي الثلاث ليس عملا بالظن و انما هو عمل علي اليقين و مثال آخر لذلك و هو اذا امرك المعصوم باتباع فلان الفاسق الآثم مثلا فانت اذا امتثلت امر الفاسق باتباعك له لست عاملا بقوله و انما انت عامل بقول الامام فليس عملك علي قول الآثم فهذا الظن و امثاله هو الظن الموضوعي و حالة طارئة و لها حكمها كساير الاحوال الطارئة و الحوادث العارضة و ليس من الظن الحكمي في شيء و اما الظن الحكمي فهو ان يعين شخص حكما من الاحكام لحالة عارضة بالظن و الرأي و اين هذا من الظن الموضوعي و الآيات الناهية لا شك انها متصرفة الي هذا الظن لان الظن الموضوعي ليس عملا بالظن في الحقيقة و انما هو عمل بالقطع فالقواعد المسلمة ان وجدت و القضاء و الحكومات ان وجد فيها امثال ذلك ليس من الظن في شيء في الحقيقة فهي لا ريب خارجة عن نص الآيات الشريفة النادية بحرمة العمل بالظن [ص 221] و ان قلت قوله تعالي اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم تفيد ان بعض الظن ليس اثما فالآيات الدالة علي حرمة العمل بالظن عمومات مخصصة بالآية الشريفة و امثالها من الظنون المجوزة في الشريعة و لو لمتكن عمومات لماصح تخصيصها قلت اني لاانكر ان هناك ظنونا مجوزة في الشريعة و ظنونا مكروهة و كلها موضوع حكم الشارع و اما الآية الشريفة فانها دالة علي النهي عن ارتكاب كثير من الظنون و ابهام الكثير حتي يجتنب من الظنون المعلوم حرمتها و المشتبه حليتها من حرمتها او المعلوم كراهتها و يطلق البعض في قوله تعالي بعض الظن اثم علي الاكثر كما يطلق علي الاقل ايضا فالبعض المنهي عنه هنا هو الاكثر المحرم فقد ثبت في هذه الآية الشريفة النهي عن الظن المحرم و هو علي القطع الظن في تعيين الحكم لدلالة الآيات المتكثرة الصريحة في حرمته فان كثيرا منها دال علي النهي عن القول علي الله بغير علم و هو اتباع الهوي و الرأي و لا ريب ان الظن الموضوعي ليس منها فانه عمل بعلم و يقين كما عرفت و اما الدالة علي النهي عن مطلق الظن فانه يعرف من سياقها و القرائن الاخر ايضا ان المراد هو القول علي الله بغير علم و هو الرأي كقوله تعالي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني و انهم الا يظنون فبقرينة قوله تعالي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الي آخر عرف ان المراد بقوله و انهم الا يظنون يعني يفترون علي الله و يقولون باهوائهم و آرائهم و كذا في قوله تعالي قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و كذا قوله و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و لا شك لايكون سبب الاضلال الا الظن المحرم المنهي عنه و هو القول بالرأي و الحكم بالظن و كذا ساير الآيات الشريفة و القرآن يشرح [ص 222] بعضه بعضا و لو لميكن المقصود من هذه الآيات الظن المحرم لمااتجه الذم عليهم . ثم انا نقول علي لسانهم ان الظن مطلق و المطلق ينصرف الي الفرد الشايع المعروف و الشايع المعروف سابقا و لاحقا من الظن هو الظن المحرم الذي هو التقول علي الله بغير علم فالآيات المطلقة العامة تنصرف الي هذا بلا شك و لا شبهة و لكن القوم لما التبست عليهم الامور و داخلتهم شكوك العامة و شبهاتهم التجؤا الي امثال هذه التسويلات و التأويلات و الا فانهم لو رجعوا الي اخبار آلمحمد عليهم السلم لوجدوها متواترة صريحة في المراد و قد جاءت شارحة للكتاب العزيز بحيث لايبقي شك و لا شبهة و لو رجعوا ايضا الي القرآن نفسه و غفلوا عن الشكوك و الشبهات لعرفوا بالقطع و اليقين ان المراد من الآيات الناهية عن الظن مطلقا هو الظن المحرم الذي اتبعوه و اقاموا له الادلة بزعمهم و عولوا عليه و قالوا انه لايقوم عيش بني آدم الا به نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .
و اما قوله و ان خص بالاصول الدينية او قيد بقيد التمكن من العلم الخ ، فهذا تخصيص بغير ما انزل الله تعالي و تقييد لميرض به رسوله و انت تري صراحة الآيات و الروايات في عموم القول بغير علم و التقول بالظن للاصول و الفروع و التمكن من العلم و غيره فهذا التخصيص تأويل بالرأي و تفسير بالظن و من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار و العجب ان الروايات في حرمة ذلك و حرمة القول بغير علم متضافرة من الجانبين و متواترة من الفريقين فلنرو لك عن المصابيح من كتب العامة روايات لتتيقن ببطلان ما ذهبوا اليه فعن المصابيح قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتي اذا لميبق [ص 223] عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا ، رواه عبدالله بن عمرو بن العاص و قال اتقوا الحديث عني الا ما علمتم و قال من افتي الناس بغير علم كان اثمه علي من افتاه . الي غير ذلك من الاخبار لكن القوم لما زعموا انسداد باب العلم اوجبوا علي انفسهم كالعامة العمياء اتباع الظن بحكم الضرورة كالاضطرار الي اكل الميتة و الله سبحانه و تعالي يقول فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه و ماادري لماذا اختاروا اكل الميتة مع وجود قوم ينادون بحصول العلم لهم ينادون باعلي اصواتهم بحيث سمعهم المؤالف و المخالف و يستدلون بادلة قطعية و براهين يقينية و بلغوا الغاية في العلوم و الفنون و لهم تصانيف كثيرة و مؤلفات غفيرة ملأت الاقطار و مع هذا فضلوا اختيار اكل الميتة علي الطعام الشهي و استطابوا الجيفة و حسبوا انها الذ الاطعمة .
بالجملة قول القمي : انسداد باب العلم بالفرض و لعدم دليل علي حرمة العمل به الخ ، قول باطل فان الله لايخلي ارضه من العلم و العلماء ابدا فكما خلق الله العطش و خلق الماء لرفعه و خلق الجوع و خلق انواع الاطعمة لسد خلله و خلق المرض و جعل انواع الادوية لدفعه فكذا خلق الجهل و خلق العلم و العلماء لرفع هذا الجهل في كل عصر و زمان و لولا ذلك لفسد النظام و بطل القوام و ساخت الارض و من عليها لقيام الارض و السماء بالعلم ضرورة اذ لاتقوم بالجهل فانسداد باب العلم فرض مخطوء و امر مغلوط لايدعمه دليل و لا برهان و اكبر دليل علي وجود العلم قولهم التكليف باق بالاجماع فاذا كان التكليف باق فلا بد من ايصال الاحكام الي المكلفين لان حجة الله هي الحجة البالغة و البالغة ان يعلمها العالم بعلمه و الجاهل بجهله و الا لاتكون بالغة فقولهم التكليف باق دليل في الحقيقة لنا علي فتح باب العلم و محض عجزكم عن العلم [ص 224] لايكون دليلا لكم علي جواز الظن بل يجيز ذلك لكم التقليد من غيركم الذين يحصل لهم العلم لقوله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فاسألوا من يقول في جميع اموره علي العلم و ان قلت نحن علماء فقهاء مجتهدون فلماذا لايحصل لنا العلم و يحصل لاولئك قلت بسبب كثرة الشكوك و الشبهات و الظنون و الاهواء التبست عليكم الامور فقلدتم العامة بهذا القول فبذلك لايحصل لكم العلم فقلدوا من لمتحصل له هذه الشبهات و تجرد عنها و نزه نفسه عن دنسها و قذرها ثم نقول لا شك انه يوجد اشخاص تغلب عليهم الشكوك و الشبهات بحيث لايعرفون المخلص منها و يتحيرون في الامور فلايحصل لهم الظن و يحصل لهم الشك و الوهم فما تقولون في حق اولئك و ما تكليفهم هل تكليفهم بقاؤهم علي شكوكهم و اوهامهم لااظنكم تجيزون ذلك لهم و لا ريب انكم تقولون يجب عليهم تقليد من يحصل له الظنون فنقول لكم فكما اوجبتم لاولئك تقليدكم نوجب عليكم تقليد من يحصل له القطع و اليقين و ان قلت عندنا ادلة علي قيام الظن و وجوب اتباعه و ليس للشاك و الواهم من الادلة شيء قلت هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و الادلة الكتاب المجمع علي تأويله و هو ينادي بحرمة العمل بالظن في سبعين آية و اخبار اهل البيت و هي متواترة في النهي بالف و مائتي حديث كما عدها بعضهم و اما الادلة العقلية المستنيرة بالنقلية فهي في جانبنا لا جانبكم و اما ادلتكم التي زعمتموها عقلية و ليست بها فلا حجة فيها كما قدمنا سابقا ان هذه العقول لا حجة فيها لشوبها بالاعراض و الامراض يحضرها شيء و تغيب عنها اشياء فليست لها احاطة و العقل الذي يحتج به هو العقل المحيط بالاشياء من جميع جهاتها العالم بالشيء قبل كونه هذا هو الحجة و اما غيره فزبد باطل لايعبأ به و والله يقضي الانسان العجب من كلام القمي حيث يقول و لعدم الدليل علي حرمة [ص 225] العمل به و الآيات و الروايات التي ملأت الخافقين في النهي عن الرأي و الهوي و الظن بزعمه كلها ظنية لاتدل علي حرمة العمل بالظن فكيف اذا حرموا اكل الميتة و حرموا شرب الخمر و اكل لحم الخنزير و لميرد بها الا آيات معدودة و روايات قليلة لاتبلغ عشر معشار ما ورد في النهي عن الظن و اتباع الهوي فهل لايحصل الظن منها للمجتهد بالحرمة علي الاقل فيحرمها فان كان لايحصل من هذه الادلة جميعا الظن فلا شك انكم مرضي لانكم لاتعولون في الحقيقة علي الظنون بل علي الشكوك و حسبتموها ظنا و اذا كان هذا شانكم فلايعول عليكم في صغير و لا كبير و لا في جليل و لا في حقير فيكون امركم بالمجانين اشبه و بالحيوانات اقرب و اعلم ان لنا في مقابل ادلتهم التي زعموها عقلية ادلة عقلية لابطال ادلتهم قد مر كثير منها و نشير في ضمن البيان الي قسم آخر منها ان شاء الله تعالي حتي لايبقي لمحتج حجة و حتي لايقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين .