فهل بعد هذا البيان من بيان و هل يبقي اشكال يرد علي ما ذهب مشايخنا اليه و هل يتصور بعد ذلك ان اخبار المسألة اخبار آحاد لاتفيد الا الظن كما يزعمه الزاعم كيف و انك لاتجد كما قال اعلي الله مقامه خبرا و لا آية من كتاب الله الا و رأيته شاهدا علي هذا المدعي .

و اما قوله ثانيها ان هذا الخبر و ما شاكله موافق للعامة الخ ، [ص 110] فخلاف الانصاف اما اولا فلقد ذكرنا ان من الصعب تعيين مذهب العامة بانهم علي ذلك و ثانيا قد ذكرنا لك في اول الكلام عن الفوائد بما يشعر باختلافهم و ان لهم توقفا و شبهات كيف و ان حديث تثليث الاحكام وارد ايضا عن طرقهم كما هو المنقول في حكاية جمع الجوامع عن بدر الدين الزركشي المتقدمة فلماذا اخذت بحديث تثليث الاحكام و هو وارد عن طرقهم و تركت احاديث الاطلاق و تثنية الاحكام و هو وارد ايضا من طرقهم علي زعمك ثم انصف انت من نفسك ان حديث الاطلاق يعني كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص او نهي كيف يدل علي تثنية الاحكام و هو يدل صريحا علي ان الامور الغير المنصوصة و لم‌يرد بها حكم من الشارع حكمها الاطلاق و الاباحة فاحتوت علي الاطلاق لا غير و لم‌يكن لتثنية الاحكام في هذا الحديث منه ذكر و ماادري ما الباعث علي هذا الاصرار في النقض علي الاحاديث الصحيحة و لااري لذلك وجها غير التعصب الاعمي نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و اما الاحكام الاخر من الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة فتعرف بالرجوع الي ساير الاخبار و اما هذا الخبر فاقتصر فيه علي بيان الاطلاق لا غير .

قوله لا وجود للتشابه فيها الخ ، غير صحيح لما قدمنا لك ان هذا الخبر و ما شاكله يدل علي حكم ما لا نص فيه و ان ما لا نص فيه غير المتشابه كما بينا ذلك مرارا و يوجد اخبار كثيرة اخر تدل علي وجود التشابه و التوقف كما توجد اخبار اخر ايضا تدل علي الاحتياط و الكل معمول به في محله و موضعه اللائق به و لايجوز اجراؤه في غير محله و سنروي لك اخبار الاحتياط عند قوله ( و خامسها ) فننظر اينا اضعف ناصرا و اقل عددا .

و اما قوله و ثالثها ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي و عدم [ص 111] حصول العلم و الحال ان النهي الي قوله و هو النهي عن القول بغير علم الخ ، فهو جهالة اخري و تعصب اعمي و ذلك ان النهي عن القول بغير علم هو ان يشرع الانسان لنفسه شرعا لم‌ينزل به كتاب او سنة و يعين لنفسه احكاما بالرأي و الظن و الهوي و اين هذا ممن يقف موقف اوامر الشارع و نواهيه فاذا امر الشارع ائتمر و اذا نهي انتهي و اذا سكت عن اشياء سكت و صمت و لم‌يتجاوزه الي غيره و يقف موقف آل‌محمد عليهم السلم في كل شيء مقتديا بقولهم فوالله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيها بينكم و بين الله ماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا فالسكوت عن الامور الغير المنصوصة و عدم تعيين حكم لها ليس هو قولا بغير علم حتي يشمله الاحاديث الناهية عن القول بغير علم بل هو وقوف موقف آل‌محمد في كل شيء بل ايجاب الاحتياط في ذلك و ترك الامور الخالية عن النص بالكلية هو ترجيح بالرأي و تشريع من عند النفس و ايجاب ما لم‌يوجبه الله و لا رسوله و لا الائمة الطاهرون و لقد قدمنا ايضا ان الامور المجهولة غير المشتبهة و قد غفل عن ذلك الاخباريون و اعتبروا الكل علي حد سواء فسقوا الجميع بماء واحد و هذا خبط منهم في الامور .

و اما قوله و حصل العلم منها و هو العلم بالاحتياط الخ ، فلعمري ان اخبار الاحتياط ليست واردة فيما لا نص فيه و ان ما لا نص فيه مجهول و الامر المجهول لايقدر الانسان علي الاحتياط معه الاتري في حديث ابي‌ابراهيم كيف شرح ذلك باوفي شرح حين سئل عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة فبين ان الجاهل معذور و قد قيل له كما جاء في الحديث بأي الجهالتين اعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه ام بجهالته انها في [ص 112] عدة فقال احدي الجهالتين اهون من الاخري الجهالة بان الله حرم ذلك عليه و ذلك بانه لايقدر علي الاحتياط معها ، الي آخر الحديث الشريف و قد ذكر مولانا الكريم في حاشيته علي فصل الخطاب عند ذكره لهذا الحديث ما هذا لفظه : علم منه ان الحكم اذا كان مجهولا لايمكن معه الاحتياط فتدبر ، انتهي . اقول لو راجع الاخباريون الاخبار و نظروا اليها بنظر الدقة و الاعتبار لوجدوا الامر واضحا بلا غبار و لرجعوا عن الاحتياط فيما لا نص فيه بلا ريب و لا اكدار و لانناقشهم الحساب في امور هي مورد اخبار الاحتياط اذ لا شك انها واردة فيها علي الاستحباب لا الوجوب كما يزعمون كما اذا تعارض خبران احدهما يأمر بشيء و آخر ينهي عنه فلا بأس بالقول باستحباب الاحتياط هنا اذا توخي فيه السنة اما الايجاب فلم‌نؤمر به كما سيأتيك البيان مفصلاً عن ذلك قريبا فترقب .

و اما قوله و علي هذا يكون مضمون هذا الخبر و امثاله مخصوصا بما قبل اكمال الشريعة الخ ، فخبط عشواء اذ ما ذكر تخصيص من غير مخصص و قول بلا دليل قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين علي ان قول الصادق عليه السلم ( كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص ) قول عام شامل لكل ما لا نص فيه مؤيد باخبار كما قدمنا كثيرا منها لاتحتمل التخصيص من دون مخصص بوجه من الوجوه فلو كانت علي زعمكم مخصصة بما قبل اكمال الشرع لذكروا من ذلك شيئا و لم‌يذكروا و لم‌نعثر علي حديث واحد يدل دلالة صريحة او ظاهرة او ظنية علي المراد و لااري امثال هذه التخصيصات الا قول بالرأي المنهي عنه شرعا بالآيات و الاخبار فان قلت اخبار الاحتياط مخصصة لها قلت ما الذي اعلمكم انها مخصصة [ص 113] له و هل قول خذ بالحائطة لدينك او اخوك دينك فاحتط لدينك او اذا اصبتم بمثل ذلك فعليكم بالاحتياط . الي غير ذلك من الاخبار مخصص فانها اكثر ما يتصور فيها انها متعارضة مع اخبار السعة و تحتاج الي الترجيح و ترجيحها علي اخبار السعة يحتاج الي دليل و لا دليل و كان اللازم عليكم ان تتوقفوا عن الترجيح فيها و اما نحن فلما رأيناها متعارضة و لا مرجح في البين علي ما تتصورون فالامر عندنا موسع في ذلك كما وسع لنا فرجع الامر الي اخبار السعة ايضا و علمنا ان الاحتياط في الدين هو الاخذ باخبار السعة لا غير هذا و ما الذي اعلمكم ان دلالتها علي التوقف هو التوقف في العمل دون الفتوي اذ لو كانت تدل علي التوقف في العمل حقيقة لماخلا الانسان من احد شقين اما عامل و اما تارك فان عمل فلعله عمل حراما و ان ترك فلعله ترك امرا واجبا اذ لا دلالة قطعية علي احد الشقين فما مصير الانسان في هذه الظلماء و ايجاب الاحتياط هنا مع الترك اختيار احد الشقين و يحتمل له ترك امر واجب فهو علي خطأ يقينا و ليس الترك بامر عدمي كما تصوروا بل هو امر وجودي بالجملة انهم في اختيارهم ذلك مقصرون و جامدون علي بلادة لم‌يتنبهوا عليها و يحسبون انهم يحسنون صنعا .

و كذا قوله او بمن لم‌يبلغه النهي العام الخ ، فلقد قدمنا ان النهي العام هو النهي عن القول بغير علم لايعارض ما ذهبنا اليه فانه وارد في تشريع الاحكام بالرأي و هو غير التوقف في اصل الفتوي و السعة في العمل و اخبار السعة او الاطلاق لاتخصص بمن لم‌يبلغه النهي العام اذ لا منافاة بينهما كما ذكرنا .

و اما قوله و رابعها الحمل علي الخطابات الشرعية الخ ، [ص 114] فلعمري ان هذا حمل بعيد غير متبادر الي الذهن اصلا و لا شك انه ليس مرادا من هذه الاخبار و لو كان ذلك مرادا من اللفظ مع بعده لامكن استفادة كل معني من كل لفظ حقيقة و لامكن الاستدلال علي كل مطلب تريد من كل عبارة تشاهد و هذا لايقول به من له ادني عقل و كلام الاصوليين في الرد عليهم بما ذكرنا جيد .

و اما قوله و خامسها ان العمل بهذا الخبر و ما شابهه خلاف الاحتياط الخ ، فخلاف الاحتياط لان ايجاب ما لم‌يوجبه الله لا شك في انه خلاف الاحتياط و انت بايجابك الترك في المجهولات اوجبت امرا لم‌يرد به كتاب و لا سنة فهو خلاف الاحتياط بلا شبهة و اما رجحان الاحتياط فلايوجب الاحتياط لان الرجحان اعم من الوجوب و الاستحباب و الذي يذهب الي الاستحباب لا شك ان له ادلة عليه و هي غير الادلة التي توجب الاحتياط و الاستحباب غير الوجوب و ترك الواجب حرام بخلاف المستحب و العمل بالاحتياط وجوبا هنا يلزم منه امور كثيرة منها الحرج و الضيق و اي امرء يقدر علي ترك جميع ما لا نص فيه احتياطا في الدين علي ما يزعمون فالامر الذي اراد الله توسيعه و انت تضيقه علي عباده كيف يكون ارتكابه خلاف الاحتياط و تركه احتياطا بالجملة عدم الخلاف في الاستحباب الاحتياط و الخلاف في وجوبه لايكون دليلا علي ايجاب الاحتياط و اما ترجيحه اخبار الاحتياط بكونها اوضح دلالة و اكثر عددا اما اوضحها دلالة فممنوعة و اما اكثرها عددا فان سلمنا ذلك فلايكون كثرة العدد مناطا للترجيح لعدم الدليل عليه من الاخبار هذا و لقد رد علي الاصوليين فيما مضي بقوله انه قد ورد عنهم عليهم السلام جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها و لم‌يذكروا البراءة [ص 115] الاصلية في جملة تلك الطرق الي آخر مقالته و نحن نسأله هل ورد الترجيح بكثرة العدد في طرق الترجيح الواردة في الاخبار فان قلت ورد فهات رواية واحدة تدل علي مدعاك و ان لم‌يرد فكيف توردون علي الاصوليين في جل كتبكم من انهم يعملون بالآراء و الظنون و الاهواء و ها انكم قد تابعتموهم و عملتم بالرأي و الظن و هل الترجيح بكثرة العدد الا من قبيل ذلك و مع ذلك نحن نروي لك ما عثرنا عليه من اخبار الاحتياط بعد ما شاهدت اخبار السعة فيما تقدم ليتميز لك الرشد من الغي و لتعرف ايهما اوضح دلالة و اكثر عددا ففي الكتاب المبين من كشف الغمة عن الحسن بن علي عليهما السلم عن النبي صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك فان الصدق طمأنينة و الكذب ريبة الخبر اقول ان هذا الخبر يدل علي الاخذ بمطلق الاحتياط و ترك ما فيه الريب و ليس فيه انه من المرجحات بين الخبرين المتعارضين اللذين صح صدورهما عن آل‌محمد عليهم السلم فان كليهما مما لا ريب فيه و لامتناول الخبر ذلك بلا شك فلا ريب ان المراد منه توخي السنة فاذا عرف السنة فاللازم علي الانسان ان يعمل بمقتضاها و اين هذه من جعله مرجحا و بذلك يكون كما روي افضل الاعمال احمزها و لا ريب انه ليس من المرجحات الاخذ بالاحمز و الاحتياط الذي لا ريب فيه هنا اتباع امر الحجة و الوقوف تحت امره و نهيه فان تعيين احد الخبرين في الحقيقة هو المريب فان قلت انا نقول انما خلاف الاحتياط مريب لاحتمال الوقوع في خلاف المكلف به فالاخذ بما لا ريب فيه واجب و هو ما فيه الحائطة قلت المفروض ان كلا الحديثين صح صدورهما عن المعصومين عليهم السلم و الاثنان موضع تكليفنا و قد جهلنا تعيين احدهما فباي دليل يمكننا التعيين و نحن جاهلون غير عالمين و يتجه [ص 116] الاحتياط فيما اذا علمنا تكليفنا علي اليقين بشيء و قدرنا علي التخلص من الشبهة علي الجزم و هل تعيين احد الشقين هنا الا علي الظن و الهوي فلايفيدنا هذا الاحتياط شيئا بوجه و ليس بهذا موضع الحديث الشريف و موضعه فيما اذا علم الحلال و الحرام من الخارج و شك في شيء انه من افراد ايهما هو فلا بأس علي الانسان ان يترك هنا حتي لايقع في الحرام فانه بذلك متيقن بعدم اصابة الحرام فيما اذا ترك و هنا موضع قوله صلي الله عليه و آله حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لايعلم و ليس موضعه الامور المجهولة فانه لايقدر علي الاحتياط معها و ان قلت ان الحجة قد عين الاخذ بالاحوط فيما اذا اختلف الخبران عن الرواة كما في مرفوعة زرارة قلت اولا ان هذا الخبر معارض بمثله من اخبار السعة بل و اقوي منه فكيف ساغ لكم لترجيح اخبار الاحتياط عليه و هل الترجيح في هذا الا ترجيح بالرأي و الهوي و ترجيح من غير مرجح و ثانيا ان مرفوعة زرارة لم‌يصح صدورها عن الامام لعدم رواية الثقة لها و ظني انها مروية في كتاب غوالي اللئالي الغير المعتبر عند الاصحاب فكيف تعارض اخبار السعة المتكثرة الصحيحة الموافقة للكتاب و السنة هذا و لا اقل ان تقولوا بالمساوات بين اخبار السعة و الاحتياط فاللازم عليكم آنذاك التوقف عن التعيين و ابهام ما ابهمه الله لقولهم (ع) ابهموا ما ابهمه الله ثم لما كان لا تكليف الا بالبيان لقول الله عز و جل لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لما كان لا بد من العمل في وقت الاحتياج فلا ضير من العمل بايهما شئنا وقوفا موقف رخصة المعصومين عليهم السلم بايهما اخذت من باب التسليم وسعك فرجع الأمر الي اخبار السعة و مآل الكل اخبار السعة و هو الاحوط في الدين الذي لا ريب فيه و ما عداه مريب في الحقيقة [ص 117] و في فصل الخطاب عن النبي صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك فانك لن‌تجد فقد شيء تركته لله عز و جل اقول و هو كسابقه في الدلالة و يتوجه عليه ما ذكرنا سابقا فلايكون لهم دليلا علي وجوب الاحتياط و عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن آبائه عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال لاتجامعوا في النكاح علي الشبهة و قفوا عند الشبهة الي ان قال فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و قال علي عليه السلم في حديث كتبه الي رجل فانظر الي ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه اقول هذه الاخبار لا شك انها واردة في الشبهة الموضوعية و ذلك اذا علم الحلال و الحرام من الخارج و لاتعلم بموضوع انه من ايهما هو فينبغي لك الترك حتي لاتقع في الحرام خصوصا اذا كان في النكاح لاننا مأمورون باختيار النطفة فقالوا اختاروا لنطفكم و يأتي منه الولد و ذلك اذا تيقنت بشيء انه مريب فتدفع الريب بتركك ذلك الشيء لا اذا كنت جاهلا فانك في الجهل لاتعلم انه مريب ام لا كما انك في الحديثين المختلفين لاتعلم الحكم في ايهما و انت تجهل الريبة في ايهما فلاتدري الاخذ بالخبر الناهي هو الصحيح و المطابق للواقع ام الآمر فكيف يمكنك بالاحتياط دفع المريب هنا بالجملة هذه الاخبار واردة فيما اذا علمت شيئا و جهلت حدوده فينبغي لك التوقف في الفتوي و اما في العمل فان امكنك الاحتياط بحيث ترتفع عنك الشبهة فيها و الا فموسع عليك بايهما اخذت من باب التسليم و اين هذا من ايجاب الاحتياط و تعيين احد الشقين علي الحتم و كذا قول ابي‌عبدالله عليه السلم في حديث النكاح هو الفرج و امر الفرج شديد و منه يكون الولد و نحن نحتاط فلايتزوجها و قال في حديث ان النكاح احري و احري ان يحتاط فيه [ص 118] و هو الفرج و منه يكون الولد فلا شك ان هذا الاحتياط في الموضوع و ليس بواجب لان الرواية قد وردت في المطلقة ثلاثا علي غير السنة و قد ورد عنهم عليهم السلم الزموهم بما الزموا به انفسهم و قد حمل الاحتياط صاحب الحدائق هنا علي الاستحباب و لا شك في استحباب الاحتياط في امثال هذه الامور فان توخي السنة امر مرغوب فيه و كذا الحديث الثاني فانه ظاهر في الاستحباب لقوله احري و احري ان يحتاط فيه . بالجملة نحن نقول باستحباب الاحتياط في امثال هذه الموارد و لكن نقول ان ايجابه قول بلا دليل و تشديد علي النفس و ان الخوارج شددوا علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلك و قال علي عليه السلم لكميل بن زياد اخوك دينك فاحتط لنفسك اقول اي دلالة في هذا علي وجوب الاحتياط فيما لا نص فيه او في الخبرين المتعارضين بترجيح احدهما علي الآخر فان المراد منه فيما لا شك فيه توخي دين الله بحيث تقطع باصابة حكمه و نحن نقطع في هذا الباب باخبار السعة و نميز بها الاخبار المختلفة فانها احوط في الدين فان الوقوف عن الترجيح من دون مرجح خير من تعيين احد الشقين و السعة في العمل خير من ايجاب الترك و هو الاحوط فلا دلالة في هذا الخبر علي ما ذهبوا اليه فكيف يتصور ان امثال هذه الاخبار اوضح دلالة من اخبار السعة بالجملة اذا لم‌نعلم الدين كيف يمكننا الاحتياط فيه و بعد علمنا نعلم ان اخبار السعة هي المرجع في هذا الباب و هي الدين اذ لم‌نؤمر بتعيين احد الخبرين المختلفين و امرنا بابهام ما ابهمه الله فالمعين لاحدهما بالرأي هو المخالف علي الحقيقة و بخلافه يكون مخالفاً للاحتياط و مثل ذلك قول ابي‌عبدالله عليه السلم خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد اليه سبيلا و قوله لك ان تنظر الحزم و تأخذ بالحائطة لدينك و اما ما كتب [ص 119] الي العبد الصالح عليه السلم يسأل عن وقت المغرب و الافطار فكتب اليه اري لك ان تنتظر حتي تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك انتهي ، فلايدل علي وجوب الاحتياط فانه معارض باخبار اخر تدل علي ان هذه الرواية مكذوبة عليهم و ان ذلك مذهب ابي‌الخطاب لعنه الله كما في فصل الخطاب قال الرضا عليه السلم ان اباالخطاب قد كان افسد عامة اهل الكوفة و كانوا لايصلون المغرب حتي يغيب الشفق و انما ذلك للمسافر و الخائف و لصاحب الحاجة و في رواية انما ذاك للمسافر و صاحب العلة و كذا سئل ابوعبدالله عليه السلم عن المغرب فقال بعضهم جعلني الله فداك انتظر حتي يطلع كوكب و في رواية قيل اؤخر المغرب حتي تستبين النجوم فقال خطابية ان جبرئيل نزل بها علي محمد صلي الله عليه و آله حين سقط القرص . الي غير ذلك من الاخبار الدالة علي ان التأخير بحيث ترتفع الحمرة التي فوق الليل من دون علة من الاخبار المكذوبة عليهم و العجب من صاحب الحدائق كيف ذهب الي هذا الخبر مع وجود القرائن من الاخبار التي ذكرنا لك قسما منها علي ان ذلك مكذوب عليهم و الاعجب حمله الاخبار المتكثرة الدالة علي ان وقت المغرب سقوط القرص علي التقية و هل هذا الا سوء فهم للاخبار بالجملة امثال هذه الاخبار لاتدل علي ما ذهبوا اليه من وجوب الاحتياط و اما ما سئل العبد الصالح عن رجلين اصابا صيدا و هما محرمان الجزاء بينهما او علي كل واحد منهما جزاء قال لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما الصيد قيل ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم‌ادر ما عليه فقال اذا اصبتم بمثل هذا فلم‌تدروا فعليكم بالاحتياط حتي تسألوا عنه فتعلموا انتهي ، فلا شك انهم عالمون بان عليهم جزاء و ليسوا بجاهلين علي الاطلاق بل جاهلون بالحدود فيجب عليهم [ص 120] التوقف و البت عن ذلك و لقد اجاب مولانا الكريم هنا بجواب غاية في المتانة قال اعلي الله مقامه عند ذكره لادلة الاخباريين و منها هذا الحديث المتقدم ذكره قال في كتابه المسمي بالقواعد : و هذا الخبر ليس في الاحتياط في الفتوي بتركه اظهر في احتياط الصائدين فلايمكن الاخذ به انتهي . و لصاحب الحدائق بعد ذكر هذا الخبر و خبر التزويج في العدة و اجابة ابي‌ابراهيم عليه السلم بقوله احدي الجهالتين اهون من الاخري الجهالة بان الله حرم عليه و ذلك انه لايقدر علي الاحتياط معها الخ ، كلام لطيف قال صاحب الحدائق : و هذه الرواية اشتملت علي فردي الجاهل بالحكم الشرعي و هو تحريم التزويج في العدة جهلا ساذجا غير متصور له بالمرة لايتصور الاحتياط في حقه بالكلية لعدم تصوره الحكم بالمرة كما عرفت و اما الجاهل بكونها في عدة مع علمه بتحريم التزويج في العدة فهو جاهل بموضوع الحكم المذكور مع معلومية اصل الحكم له و يمكنه الاحتياط بالفحص و السؤال عن كونها ذات عدة ام لا الا انه غير مكلف به بل ظاهر الاخبار مرجوحية السؤال و الفحص كما في غير هذا الموضع مما قدمنا الاشارة اليه و كل ذلك عملا بسعة الحنيفية و سهولة الشريعة نعم لو كان في مقام الريبة فالاحوط السؤال كما يدل عليه بعض الاخبار . و ذكر رواية عبدالله بن وضاح في الانتظار في الصلٰوة و الافطار الي ذهاب الحمرة التي فوق الليل فاختار وجوب الاحتياط في ذلك . اقول اقر بان الجاهل الساذج لايمكنه الاحتياط فما الفرق بينه و بين الجاهل بالحكم الشرعي فكيف اذا اوجب الاحتياط فيما لا نص فيه مع ان الانسان جاهل هنا بالحكم و هل هذا الا جهل ساذج و هل هذه الا اقوال متناقضة هذا و هو لم‌يرجح السؤال عند العلم بالحكم و الجهل بالموضوع كما اذا علم عدم جواز تزويج المرأة في العدة [ص 121] مع جهله في كونها معتدة عملا بسعة الحنيفية و سهولة الشريعة فهلا عمل في الامور الغير المنصوصة اصلا بذلك و لقائل ان يقول ان امر الفروج مشدد و منه يأتي الولد فلماذا لاترجح المسألة هنا و تسأل هل انها ذات عدة ام لا و انك بعد علمك بالمسألة تخشي انها ذات عدة و هي ريبة فلم لم‌توجب الاحتياط هنا مع كونه اولي من الجاهل الساذج لكن اري ان القوم متكلفون و يتبعون الاهواء و الآراء لا غير و يعترضون علي الاصوليين بانهم يعملون بالآراء و الاهواء و مثلهم كالمثل الساير رمتني بدائها و انسلت .

و كذا استدلوا ايضا بموثقة زرارة في ناس حجوا بامرأة فقدموا الي الوقت و هي لاتصلي و جهلوا ان مثلها ينبغي ان يحرم فمضوا بها كما هي حتي قدموا مكة و هي طامث حلال فسألوا الناس فقالوا تخرج الي بعض المواقيت فتحرم منه و كانت اذا فعلت لم‌تدرك الحج فسألوا اباجعفر عليه السلم فقال تحرم من مكانها قد علم الله نيتها ، انتهي . و ذكر صاحب الحدائق عقيب هذا الخبر بقوله : وجه الدلالة ان المرأة المذكورة قد تركت واجبا لاحتمال حرمته عندها و الامام عليه السلم قررها علي ذلك و لم‌ينكره عليها بل استحسن ذلك من فعلها بقوله قد علم الله نيتها الخ ، اقول ما الذي اعلمك انها لو احرمت كان ينهاها عن ذلك هل تعلمون الغيب و ليس عدم انكار الامام علي فعلها دليلا علي انكاره لو فعلت بعكس ذلك فانظر ايها المتتبع ان هذه جملة من اخبار الاحتياط فهل هذه اوضح دلالة و اكثر عددا من اخبار السعة مع ما تري من تهافت ما استدلوا به و عدم انطباقه علي مرادهم فان قلت فما طريقتكم في المتشابهات و ما تكليفكم تجاه احاديث الشبهة التي منها قوله حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك [ص 122] من حيث لايعلم و قد صرح فيه بالهلاك لمن اخذ بالشبهات فما المراد من ذلك و ما الخلاص قلت اجمل لك القول هنا بتلخيص ما ذكرنا لك مما تقدم ان الامور المجهولة ليست من المتشابهات فالامر فيها الاطلاق لاخباره المتقدمة و الامر المتشابه هو ما وردت به الادلة المختلفة بسبب الاخبار المختلفة و هي محل الحديث الشريف و غيره من الاحاديث التي بمعناه و التوقف فيها هو ترك الفتوي و اما العمل فعلي السعة و لا بأس بتوخي السنة هنا و استحباب الاحتياط فاخبار المتشابهات اغلبها في الشبهة الحكمية لا الموضوعية و الدليل علي ذلك من نفس الاحاديث و لقد ذكر مولانا الكريم اعلي الله مقامه في ذلك كلاما غاية في الجودة بقوله في شرح النتايج : لكن هذا الحديث ( يعني المتقدم ) كما قدمنا ظاهر في الشبهة الحكمية لمن عرف العربية لمكان الباء في قوله اخذ بالشبهات فانه لايقال اذا اخذ الدرهم مثلا اخذ بالدرهم و انما اخذ به بمعني امسكه و تمسك به و هنا بمعني ملازمة الشبهة و الاعتقاد به لا اخذها و اكلها مثلا تدبر تجد الي آخر كلامه علا مقامه . و اما في الموضوعات فالامر دائر مدار اوامر الشارع و نواهيه علي الخصوص و ان اشتبه الامر فان كانت غير محصورة فالامر فيها ظاهر لقوله كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتي تعرف الحرام منه بعينه فتدعه . و اما المحصورة كما لو علمت بوقوع نجاسة في اناء و اشتبه باناء آخر فالظاهر ايضا بمقتضي الخبر ايضا ذلك الا انه في كل واحد واحد منهما لا استعمال كليهما مجتمعا او كل علي انفراده في وقتين فانك اذا استعملتهما مجتمعين لا شك انك قد ارتكبت امرا محرما و المتدين لايفعل ذلك و اما اذا استعملت احدهما علي الانفراد فلا بأس و ان كان الاجتناب كلية عن كليهما سنة و امر مرغوب فيه و اما المواضع الخاصة التي [ص 123] امروا بالاجتناب عنها فلا بد من الاتباع فيها و لايقاس عليها ساير المواضع ،

هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا

و اما الاحتياط الواجب عندنا فهو اذا عرف المكلف حكما من الاحكام نوعا و جهل حدوده فيتحير و لايقدر علي وضعه تحت قاعدة معينة لتعارض الادلة فهي الشبهة العظيمة فيجب عندها التوقف في الفتوي و اما في العمل فالواجب الاحتياط حتي تحصل له براءة الذمة اليقينية و هذا الاحتياط غير الاحتياط في الاحكام و غير الاحتياط في الموضوعات فتنبه جيدا .

و اما قوله في الرد علي من احتج بالبراءة الاصلية بالاخبار في عدم تعلق التكليف من دون الامر و النهي بقوله : فهي محمولة علي المعني الاول من معنيي البراءة الاصلية كما ينساق للناظر من ظواهر الفاظها لا المعني الثاني الخ ، ففيه ان الاخبار الدالة علي ان لا تكليف الا بالبيان و كذا الآيات الواردة في هذا المعني تدل علي عدم تكليف من الشارع بامر او نهي او كراهة و استحباب ما لم‌يصل البيان منه و هذا هو بعينه معني الاباحة الشرعية عندنا و لايتصور في المقام اباحة اصلية الا باباحة الشارع لان العبد لايخلو عن العبودية آنا واحدا فمن قال لك ان معني قوله لا تكليف الا بالبيان و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها هو عدم تعلق التكليف بالاصالة علي معني ان العبد خالي الذمة بالاصالة عن التكليف الست تقر بان الله قد خلق الخلق و اوجدهم من كتم العدم الي الوجود فاذا كانوا كذلك فلا شك انهم مخلوقون مربوبون و تكليفهم ان يكونوا عبيدا له و العبيد لا بد و ان يكونوا مشغولين بالعبادة فلا ريب ان الآيات و الاخبار تنصرف الي المعني الذي ذكرنا و هو الاباحة الشرعية [ص 124] و لولا ترخيصهم لما امكن للعبيد التصرف في ملك الغير الا باذنه و لذا تقول ان الاصل الاولي هو الحرمة فتنبه جيدا .

و اما ما استشهد به من خطبة الامير عليه السلم فهي علي خلاف مقصوده ادل و المسكوت عنه هو ما لا نص فيه باقراره و ما لا نص فيه حكمه الاطلاق و التكلف هو ايجاب الاحتياط الذي امرنا بعدم التكلف به في نفس الخطبة بقوله فلاتتكلفوها و ليس علي ما قال من انها تدل علي الاعم و لاينافي ذلك كون ذيل الحديث واردا في الشبهات فانه يمكن ان يكون صدره واردا في شيء و آخره في شيء آخر صدره في المجهولات و ذيله في المتشابهات و بيد المتكلم ازمة الكلام و يصرف كلامه حيث يشاء .

و كذا استدلاله بحديث الطيار فانه لايدل علي العموم كما زعم فيشمل احاديث الشبهة المجهولات و الكف و التثبت و الرد الي ائمة الهدي هو التوقف في الحكم لا غير و السؤال ان امكن السؤال و اما في العمل فموسع . بالجملة ادلة الاخباريين فيما ذهبوا اليه باطلة لايعول عليها .

ثم لننظر الآن الي كلمات القمي بنظر الدقة و الاعتبار و لنر ما يرد عليه .

فقوله و الحق انه بالمعنيين حجة شرعية و مقتضاه نفي التكليف و رفع الحكم المشكوك فيه الخ ، باطل من وجوه اما اولا فان الانسان مشغول الذمة دائماً بالعبودية لانه عبد و العبد لايكون غير مكلف بشيء بل يكون مشغول الذمة بالعبودية فمتي ينفي عنه التكليف بالاصالة فقوله مقتضاه نفي التكليف كلام فاسد و هو بعينه كلام العامة العمياء الذين بنوا امرهم علي الاهمال و لما بنينا امرنا علي وجود الراعي فاللازم علينا مخالفتهم في كل شيء ، و اما ثانيا فان قوله و رفع الحكم المشكوك الخ ، و يعني بذلك ان مقتضي اصل البراءة رفع الحكم المشكوك بسبب تعارض [ص 125] الادلة فان كان المراد من ذلك التساقط و الرجوع الي اصل البراءة فهذه قاعدة عقلية باطلة لم‌يرد بها كتاب و لم‌تأت بها سنة و كلام الاخباريين و ردهم علي الاصوليين في هذا الباب جيد و ما الدليل علي التساقط المزعوم ان كان الكتاب و الاخبار فقل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بل ان الاخبار المتواترة قد دلت علي التخيير فيما اذا لم‌يمكن الترجيح بين المتعارضات و هذا غير التساقط و الرجوع الي الاصل فان قلت ان التخيير مرجعه ايضا الي اصل البراءة اذ لايخلو الانسان من الفعل او الترك و هو في الاخبار المتعارضة ان لم‌يمكن الترجيح بينها مخير بين ان يعمل بمقتضي الخبر الآمر او الخبر الناهي و مرجع اصل البراءة الي ذلك فلاتختلف عن التخيير قلت ان اتفق ذلك فطريقتكم طريقة ماانزل الله بها من سلطان و تدبير من عند الشيطان و اسماء سميتموها انتم ماانزل الله بها من سلطان فلم لم‌تقولوا الاصل في ذلك السعة فتجرون بذلك علي اصطلاح الاخبار و هو اصطلاح آل‌محمد عليهم السلم فلم جريتم مجري العامة العمياء هذا اذا كان المشكوك فيه ناشئاً عن تعارض الادلة و ان كان ناشئاً عن الوساوس و الآراء و الاهواء فلايلتفت الي ذلك بوجه لان هذه لايترتب عليها حكم شرعي .

و اما قوله ثم ان الاستدلال باصل البراءة اما فيما يستقل العقل بالحكم باباحته الي قوله فالاباحة في القسم الاول انما يثبت بالعقل الخ ، فخطأ فاحش لما قدمناه سابقا من ان اصل الاباحة ثابت بالشرع لا العقل و العقل الجزئي ليس من شأنه ادراك الاحكام و انما انتفاعه ببعض الامور كشم الورد و اكل الفاكهة مثلا بالطبع كانتفاع ساير الحيوانات و اين ذلك من ادراكه للحسن و القبح و ان ادرك فبتعليم خاص من الشرع و لقد مر بيان ذلك مفصلا فراجع .

[ص 126] و اما قوله و اما ما لايستقل العقل باباحته كالتكفير حال الصلوة الي قوله فاصل البراءة تنفي الحرمة في الاول لو لم‌يثبت النص عليها الخ ، ففيه انه لا فرق بين التكفير حال الصلوة و بين شم الورد و اكل الفاكهة بالنسبة الي ادراك العقل فعندنا كلا الامرين علي حد سواء في عدم ادراك العقل الجزئي الحسن و القبح فيهما مستقلا من دون الرجوع الي الشرع و لو كان في الحقيقة يدرك العقل الفائدة في شم الورد و انه حسن فلماذا كره الشارع شم النرجس منها و كيف حكم العقل بحسنه مع نهي الشارع عنه و علي اي حال عندنا ان كل الامور و المواضيع هي محل احكام الشارع و لا مجال للعقل الجزئي في استنباط الاحكام لها و انما حكمنا في نفي الحرمة في التكفير حال الصلوة لو لم‌يرد النهي عنه في الشرع و عدم وجوب وضع الانف علي الارض حال السجود بالشرع و هو قوله كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نهي فان المجهولات عندنا كثيرة و عروضها لايسبب لنا حكما من الاحكام فكأنها لم‌تكن و كل ذلك ثابت بالشرع .

و اما قوله فيبقي الفعل في الاول و الترك في الثاني مسكوتا عنه عند العقل لانهما ليسا كشم الورد و اكل الفاكهة الخ ، فليس بصحيح فانه قد بينا ان شم الورد و اكل الفاكهة كالتكفير حال الصلوة و وضع الانف علي الارض و لا فرق بينهما و ليس كلما شعرت باللذة فيه و احببته حسنا و ليس كلما كرهته و نبذه طبعك قبيحاً و عسي ان تحبوا شيئاً و هو شر لكم و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و كم من الامور تحسنه العقول و يقبحه الشرع و تكرهه العقول و يحسنه الشرع و الامران عندنا علي حد سواء فماادري كيف حكموا باباحة مثل شم الورد بالعقل و سكتوا عن حكم [ص 127] التكفير و وضع الجبهة حال الصلوة و استعانوا باصل البراءة و ان لم‌يحكم العقل بالرخصة فيها و كلا الامرين علي حد سواء اذا لا فرق بينهما و ماادري ما الباعث علي ذلك اذا كان الامر واضحا لا غبرة عليه بالرجوع الي الشرع لكن مااراهم الا اتبعوا العامة و اثبتوا ما اثبتوه و اقتفوا اثرهم و لذا فان كلام الاخباريين وارد عليهم في ذلك و ان استدلوا بالنصوص فاستدلالهم لتأييد ما ذهبوا اليه من ادلتهم العقلية لا غير و لذا تراهم يقدمون اولا الادلة العقلية ثم يعقبونها بالادلة النقلية و من هذا القبيل ما سطره صاحب القوانين هنا فقدم اولا الادلة العقلية ثم اعقبها بالادلة النقلية بقوله او نقول يتم الحكم بالاباحة ح بالشرع الي آخر قوله و هو الحجة في المقام لا ادلته العقلية التي سطرها فانها لا شك لاتغني و لاتسمن من جوع .

قوله : الحق و التحقيق جواز التمسك باصل البراءة فيما لم‌يبلغ الينا فيه نص الخ ، ان اراد باصل البراءة ما قدمناه من اباحة الامور الغير المنصوصة فهو صحيح لكن اللفظ غير صحيح لانه مقتبس من العامة العمياء و عبارة لم‌يذكر اسم الله عليها و كان الاجدر لهم ان يسموها باصل الاباحة او الاطلاق او ما شاكل ذلك مما وردت به الاخبار و ان كان المراد من اصل البراءة البراءة عن التكليف مطلقاً كما استدلوا له بالعقل فذلك خطأ فاحش فان العبد لايمكن ان يتصور خلوه آنا واحدا عن التكليف بوجه من الوجوه و هو دائما مشغول الذمة بالعبودية و انما حكمنا باباحة ما لا نص فيه فبامر الشارع فحكمنا بالاباحة مترتب علي الاشتغال لا غير .

قوله و مرادنا بالنص هو الدليل الشرعي و ان كان هو العقل القاطع الخ ، [ص 128] فيه ان العقل القاطع ما استند الي النص لا غير و من دون ذلك لايعبأ به و ليس بحجة كما قدمنا لك في مبحث عدم حجية ادراك هذه العقول الجزئية الحسن و القبح و ذلك العقل اعني المستنير بالنقل لاينفك ابدا عن الشرع و لا ريب انهم لايريدون ذلك من كلامهم و يريدون العقل الجزئي المتلبس بالعادات و الطبايع و الشهوات و الامراض و هذا لايتصور في حقه قلة انفكاكه عن النص كما زعم بل يتفاوت عنه كتفاوت السماء عن الارض و يبعد عنه كبعد الثريا عن الثري فتدبر جيدا في كلماتهم تجدهم لايريدون الا هذه العقول الجزئية فيزعمون انها حجة عليهم كالرسول و هذا يكذبه الشرع بآيات و اخبار متواترة بل جاوزت حد التواتر و اما توجيهه للتوقف او التردد في الكتب الفقهية للفاضلين و غيرهما فغير بعيد فانه اعرف بلحنهم اما عملهم ان كان بالتساقط و الرجوع الي الاصل فغير صحيح و ان كان بالتخيير عملا بالاحاديث الناصة علي السعة في العمل بايهما شئت فهذا هو الصواب الذي لايعتريه شك و لا ارتياب و اما دعوي الاجماع علي اصل البراءة بالمعني الذي ذكروا فدون اثباته خرط القتاد و عبارة الصدوق ناصة علي اصل الاطلاق و هو موافق لما ذكرنا لا ما ذكروا و اما استدلاله بالآية الشريفة فهو في محله لكن ليس المراد من الرسول اعم من الظاهر و الباطن كما زعم اذ ان هذا تفسير بالرأي و من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار و لقائل ان يقول ما الدليل علي هذا التفسير فان قال الاخبار و الآيات فهاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بل ان الآيات و الاخبار دالة علي العكس مما ذهب اليه فانها تدل علي حرمة العمل بالرأي و عدم جواز التعويل علي هذه العقول الجزئية المتلبسة بانواع العادات و الشهوات كما مر شرح ذلك مستوفي و كذا قوله يظهر ان المراد الافعال [ص 129] التي لا حكم للعقل فيها بالأمر و النهي الخ ، ليس علي ما زعم فلقد بينا ان هذه العقول ليست بحجة ما لم‌تستند الي النقل و من دون الاستناد لايعول عليها بشيء و لاتدرك حسنا و قبحا و لا رضي الله و لا غضبه .

و اما قوله و احتمال ذلك للاحكام الثلاثة الباقية لايضر اذ المراد من اصل البراءة نفي احد الحكمين سواء استلزم المقام بعد ذلك ثبوت الاستحباب او الكراهة او الاباحة بالمعني الاخص الخ ، ففيه ان كان ثبوت الاستحباب او الكراهة او الاباحة بدليل خاص من الشرع و قد وصل الينا فاي محل يبقي لاصل البراءة اذ محلها فيما اذا لم‌يصل الينا دليل و ان كان ثبوت الثلاثة المتقدمة بالعقل فلايعول عليه بشيء اذ ليست هذه العقول حجة بالجملة لايتصور عندنا هذا الاصل مع وصول مطلق الرجحان او مطلق المرجوحية من الشرع لان الدليل في ذلك لا غير و لا وجه لاصل البراءة بعد ذلك الا اصطلاح سخيف قد جروا عليه اتباعا للعامة من حيث يشعرون و من حيث لايشعرون فاذا ورد من الشرع مثلا ان الامر الفلاني مستحب و سنة و الامر الفلاني مكروه مثلا او انه مباح مرخص فيه فاي فائدة تبقي بعد ذلك لاصل البراءة عن الوجوب او عن الحرمة فان غرضنا معرفة حكم ذلك الشيء و المفروض انه قد وصل الينا و عرفناه بالدليل و بقية الآيات المستدل بها في المقام صريحة في المطلوب لكن لاتدل علي عدم التكليف مطلقا كما يتصور بمعني ان الانسان بري الذمة بالاصالة عن التكليف بل انه مكلف في الحقيقة بامتثال امر الشارع و نواهيه و من دون ذلك فانه لايكون مكلفاً بشيء بامره ايضا كما في الآيات و الاخبار و هذا هو بعينه الاباحة الشرعية و الاصل الثانوي و لو سمي القوم ما ذهبوا اليه من البراءة الاصلية باصل الاباحة لما ناقشناهم الحساب [ص 130] لكن لما قلدوا العامة في ذلك و جروا علي منوالهم اتجه عليهم ايرادات الاخباريين و ايرادات مشايخنا اعلي الله مقامهم الجارين علي اصطلاح الاخبار الواردة في كل امر بمحله و مقامه و لذا فانهم اعلي الله مقامهم يخطؤن الاصوليين في هذا المقام لجريهم علي خلاف الاخبار كما انهم ايضا يخطؤن الاخباريين لعدم معرفتهم بالاخبار و عدم وضعها في محلها اللايق بها كما تلونا عليك كثيرا من الادلة فيما تقدم فراجع .

و اما استدلاله بالاخبار ففي محله فانها تثبت الاباحة الشرعية لا البراءة الاصلية .

و اما ما استشكله في الاستدلال بحديث الصادق عليه السلم و هو قوله كل شيء يكون فيه حلال و حرام الخ ، علي ما لا نص فيه فيما اشتبه حكمه الشرعي فهو في محله فان هذا الحديث الشريف و غيره الذي بمعناه وارد في الشبهة الموضوعية كما يفهم من معانيها و سياق عبائرها و في الاحاديث المتكثرة الاخري الدالة علي الحكم فيما لا نص فيه او ما اشتبه حكمه غنية و كفاية فانها احاديث صحيحة و متواترة و الحق فيها .

و اما ما ذكره في الجواب عن ادلة الاخباريين بقوله : القول بموجبها اذ نحن ايضا نكف عن حكم ما لم‌نعلم حكمه بالخصوص الخ ، فجيد اذا ان القائل باصل الاباحة لايعين حكما بالرأي حتي يشمله قولهم عليهم السلم اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها فهو بالحقيقة ساكت واقف موقف قولهم اسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و انما اباح ذلك لقولهم كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص و ليس هذا قولا بالرأي و تعيين حكم بالظن هذا اذا كان المراد من اصل البراءة هو الاباحة الشرعية [ص 131] الثابت بالنص و اما اذا كان المراد البراءة الاصلية علي ما عليه العامة العمياء فخبط عشواء و سير في الظلمات فلا براءة ابدا و انما الاصل اشتغال الذمة باوامر الشارع و نواهيه و . . . ليس عندنا ان الحسن و القبح بامر الشارع و ليس للاشياء لولا امر الآمر في ذاتها حسن و قبح كما يقوله الاشاعرة و انما نقول ان الحسن و القبح في الاشياء واقعي و انما جاء الشارع كاشفاً عن الواقع و لم‌يجعل بامره الشيء حسنا و لا بنهيه الشيء قبيحا فيكلفنا به فكل ما امر فلا ريب ان في الامتثال ترقيا و صعودا الي الله و كل ما نهي ففي الارتكاب تباعد و تسافل عنه فعلي ذلك لايتصور لاصل البراءة اي معني من المعاني فان العبد دائما و ابدا مشغول الذمة باوامر الشارع و نواهيه و لاينفك ساعة واحدة من دون العبودية و اشتغال الذمة فهذه اللفظة لفظة خبيثة و ناقصة لاتؤل الي شيء ابدا بوجه من الوجوه اللهم الا ان تؤخذ علي معني اصل الاباحة فتستقيم حينئذ معني و مع هذا فان لفظها غير مستحسن .

و اما ما اجاب عن الايراد الذي فرضه بقوله : قلت اولا ان من تتبع تلك الاخبار يظهر له ان مرادهم عليهم السلم من ذلك المنع عن العمل بالقياس الخ ، فقد رد عليه في الحاشية سلطان العلماء بقوله : هذا الجواب مردود لانه تقييد بلا شاهد و محض ذكر القياس لايكون شاهدا عليه . اقول و هو في محله اذ ان محض ذكر القياس كما في موثقة سماعة بن مهران عن ابي‌الحسن عليه السلم بقوله ما لكم و القياس انما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ثم قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه انتهي ، لايدل علي ان مرادهم عليهم السلم المنع عن العمل بالقياس فقط او ان كل الاخبار الواردة في هذا المضمار واردة فقط في النهي عن القياس اما لو اجاب [ص 132] بما ذكرنا سابقا من ان التوقف لايمكن الا في الفتوي و اما في العمل فلايمكن له الترك و العمل في آن واحد فهو اما ان يترك او يعمل و ليس الترك بامر عدمي كما زعم الاخباريون بل هو فعل وجودي و لذا يشتق له فعل ترك فلا بد للانسان من العمل او الترك و لاينفك منهما فان اختار الترك مرجحا له فيحتمل ان يترك امرا واجبا و هو تشريع من عند النفس بلا شك و كذا لو اختار العمل فانه يحتمل ان يقع في الحرام و هو ترجيح بالرأي بلا مرية و لا ريب انه ليس المراد بالتوقف اذاً في الاخبار هو ترك العمل بالاصالة كيف و هو ترجيح من غير مرجح فلا محالة ان المراد به هو ترك الفتوي و علي ذلك يستقيم الامر و اما في العمل فالعمل علي السعة كما وسعوا في اخبارهم الاخر اذ لا محيص عن العمل فتنبه فلو اجاب بذلك كان جيدا و لايرد عليه من الايرادات شيء .

و اما قوله و ثانيا ان المعارضات مما دل علي اصل البراءة اقوي سندا الخ ، اما قوله اقوي سندا فليس بصحيح فان تلك الاخبار ايضا معتبرة و واردة في الكتب الصحيحة و ان كان بعضها غير صحيح فلايحكم علي جميعها بعدم الصحة و هي في محالها واردة لكن الاخباريين لم يضعوها موضعها و اشتبه عليهم امور نبهنا عليها فيما تقدم فراجع و اما كونها اقوي دلالة و اعتضادا بالكتاب و السنة و العقل و العمل بل الاجماع فهذا علي فرض التعارض و في الحقيقة ليس هناك تعارض في المقام اذ كلا الطائفتين معمول به في محله و مقامه التوقف في الفتوي صحيح و في محله عبادة و الاحتياط اللازم في محله صحيح و المستحب في موضعه امر مرغوب فيه و لاتعارض في البين و علي فرض التعارض يتجه ما ذكره القمي اخيرا بقوله او نقول غاية الامر تساوي الطرفين فرجع الي ما تعارض [ص 133] فيه النصان و سيجيء ان المختار فيه التخيير .

و اما قوله و ثالثا ان دلالة الاخبار علي الوجوب ممنوعة الخ ، فليس علي ما عمم اذ ان بعضها يدل علي الوجوب في موضعه كما لو علم بتكليف و جهل حدوده و لم‌يعرف وجه الخلاص فالواجب عليه الاحتياط حتي يحصل له اليقين ببراءة الذمة عن التكليف و علي ذلك ورد قوله دع ما يريبك الي ما لايريبك ، و هو امر مفاده الوجوب من الشارع و قوله عليه السلم اذا اصبتم بمثل ذلك فعليكم بالاحتياط غير ان الاخباريين لم يعرفوا مواضع الوجوب و عمموا وجوب الاحتياط في كثير من المواضع التي لا احتياط فيها وجوبا و من ذلك ايجابهم الاحتياط فيما لا نص فيه و هو خبط منهم في الامور بالجملة تعميمه في غير محله .

و لا بأس بما ذكره في قوله رابعا و خامسا و اما قوله : سادسا يمكن ان يقال ان ذلك حكم ما لا نص فيه قبل الاطلاع بما صدر عنهم في حكمه من الاباحة . فذلك محض فرض لا غير .

و اما ما ذكره في الجواب عن حديث التثليث فردود لا حاجة الي ذكرها و النقض و الابرام فيها بعد ان عرفت حاق الامر .

بالجملة ان الاخباريين و الاصوليين في هذا الموضع مشتبهون و بالرجوع الي ما ذكرنا تعرف وجه اشتباههم فلانطيل الكلام باكثر من هذا .

قال : الرابع - ان الاخباري يدعي قطعية صدور الكتب الاربعة الا خبرا لم‌يعمل به الشيخ في يب و صار المجتهدون يبحثون عن كل خبر و هذا يبتني علي مقدمات منها الاختلاف . الخامس هو ان الاخباري يعمل بتصحيح الغير و الاصولي لايعمل و يري ذلك تقليدا .

اقول قال الملا محمد امين الاسترابادي في كتابه الفوائد المدنية في احدي [ص 134] فوائده بعد ذكره كلام الفاضل المدقق الشيخ حسن بن العالم الرباني الشهيد الثاني ما هذا لفظه :

و اقول من تأمل فيما ذكره المحقق الحلي في اوايل كتابه المعتبر و في كتاب الاصول في مبحث العمل بخبر الواحد من كتاب العدة و ما ذكره في آخر كتابي الاخبار و غيرها بعين الاعتبار و الاختيار (كذا) يقطع بان احاديث الكتب الاربعة و غيرها من الكتب المتداولة في زماننا مكتوبة من اصول قدمائنا التي كانت مرجعهم في عقايدهم و اعمالهم و يقطع بان الطرق المذكورة في تلك الكتب انما ذكرت لمجرد التبرك باتصال السند و باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية الي مؤلفي تلك الاصول و لدفع تعيير العامة اصحابنا بان احاديثهم مأخوذة من اصول قدمائهم و ليست بمعنعنة و يقطع بان بعض تلك الطرق من مشايخ الاجازة المحضة من غير سماع من الشيخ او قراءة عليه خصوصيات كل ما رواه فلايتوقف علي تلك الطرق صحة احاديثنا عند التحقيق و النظر الدقيق بل اعتماد الائمة الثلاثة و غيرهم قدس الله ارواحهم علي تلك الاصول التي كانت متواترة النسبة الي مؤلفيها في زمانهم كما ان الكتب الاربعة كذلك في زماننا ، و اقول حقيقة الاجازة اخبار اجمالية و هي تنقسم الي قسمين عند التحقيق احدهما اخبار اجمالي بامور مضبوطة في كتب شخصية معلومة عند المخاطب في حال الاجازة و ثانيهما اخبار اجمالي بامور مضبوطة في الواقع لا في علم المخاطب في حال الاجازة و للفاضل صاحب المنتقي و المعالم (رح) تحقيق متعلق بالكتب الاربعة لا بأس بنقله قال في كتاب المعالم : الاجازة في العرف اخبار اجمالي بامور مضبوطة معلومة مأمون عليها من الغلط و التصحيف و نحوهما و ما هذا شانه لا وجه للتوقف في قبوله و التعبير عنه بلفظ اخبرني و ما في معناه مقيدا بقوله اجازة تجوز مع القرينة فلا مانع منه [ص 135] و مثله آت في القراءة علي الراوي لان الاعتراف اخبار اجمالي اذا عرفت هذا فاعلم ان الاثر الاجازة بالنسبة الي العمل انما يظهر حيث ان يكون متعلقها معلوما بالتواتر و نحوه ككتب اخبارنا الاربعة فانها متواترة اجمالا و العلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الاحوال و لا مدخل للاجازة فيه غالبا و انما فايدتها ح بقاء اتصال سلسلة الاسناد بالنبي و الائمة عليهم الصلوة و السلام و ذلك امر مطلوب مرغوب للتيمن كما لايخفي . انتهي كلامه اعلي الله مقامه و اقول قد علمت ان الاجازة قسمان فاعلم ان احد قسميها لا مدخل ( له ظ ) في العمل اصلا بل تنحصر فائدته في مجرد التبرك و نحوه انتهي .

و قد ذكروا لما ذهبوا اليه ادلة تتلخص بما يلي : اولا انما عليه الاصوليون من تقسيمهم الاخبار الي الاقسام الاربعة و تصحيحها هو بعينه طريقة العامة الذين امرنا بمخالفتهم في كل شيء اذ ان ما يتمشي في مذهبهم لايتمشي في مذهبنا لانقطاع اصلهم و ثبات اصلنا ثانيا ان بمراجعة كتاب الكافي في باب الأخذ بالكتب و نهاية العلامة في مبحث خبر الواحد و كذا كتاب العدة لرئيس الطائفة و اصول المحقق و اول كتاب الاستبصار و آخر شرح المواقف للسيد الشريف الجرجاني و آخر كتاب السراير لمحمد بن ادريس الحلي و اوايل كتاب المعتبر للمحقق الحلي و اوايل كتاب من لايحضره الفقيه و غير ذلك من الكتب يحصل للمتبع القطع بطريقة المتقدمين في تصحيح الاخبار و ذلك بوجود كتب متداولة معروفة بينهم مشهورة بالصحة يرجعون اليها في اعمالهم و عقايدهم و قد عرض كثير من تلك الكتب علي الائمة عليهم السلم فصدقوها و كان يمكنهم الاستعلام من الائمة فيما يحتمل ان يكون مفتري عليهم او قد سهي فيه الرواة و الكتب الاربعة مأخوذة عن تلك الاصول المقطوع بصحتها فكيف يتصور عاقل ان تكون [ص 136] تلك الكتب مرجعا الي الائمة عليهم السلم من غير قطعهم بصحة ما في تلك الكتب من الاخبار و هل ذلك الا ظن الذين لايوقنون ثالثا مقتضي الحكمة الربانية و مقتضي الاحاديث الواردة في باب الاخذ بالكتب و الاحاديث الدالة علي حرص الصادقين عليهم السلم في املاء الشريعة المقدسة علي جمع كثير من علماء الشيعة و امرهم بكتابة ما يسمعون منهما و بتأليف كتب مشتملة علي ما يسمعون منهما و بحفظ تلك الكتب و بثها في اخوانهم لتعمل بما فيها الشيعة في زمن غيبة الكبري و مقتضي اخبار الصادق عليه السلم بانحصار عمل الشيعة بما في تلك الكتب في زمن الغيبة الكبري بقاء تلك الاحاديث في زمن الغيبة الكبري و جواز عملنا بها و من المعلوم انه لا مصداق لتلك الامور الا العمل بتلك الكتب المعروفة في زماننا رابعا انه ماسمعت احدا يقول بانه ضاعت تلك الاصول او اختلطت بغيرها من غير نصب علامة تميز بينهما الا الفاضلين المذكورين فانهما ذكرا ذلك في مقام توجيه مما احدثه العلامة او غيره من المتأخرين بل كلام ابن‌بابويه و كلام محمد بن يعقوب الكليني و كلام رئيس الطائفة و السيد المرتضي و المحقق الحلي و ابن ادريس و غيرهم صريح في خلاف ما ذكراه بل هما اعترفا بعدم الضياع و عدم الاختلاط في زمن الأئمة الثلاثة المؤلفين للكتب الاربعة و غيرها و من المعلوم ان هذا القدر يكفينا و ايضا العادة قاضية بانه لو وقع لاشتهر و ايضا الحكمة الربانية و شفقة العترة الطاهرة بالشيعة و اخبارهم بان عملهم في زمن الغيبة يكون باحاديثنا المسطورة في كتبهم تكذب كلام الفاضلين و قد صرح الفاضل الشيخ حسن في كتاب المنتقي بان اكثر انواع الحديث المذكورة في فن دراية الحديث من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها في حديثهم فذكروها بصورة ما وقع [ص 137] و اقتفي جماعة من اصحابنا في ذلك اثرهم و استخرجوا من اخبارنا في بعض الانواع ما يناسب مصطلحهم و بقي منها كثير علي حكم محض الفرض و لايخفي ان البحث عما ليس بواقع و اتباعهم في اثبات الاصطلاح له قليل الجدوي بعيد عن الاعتبار و مظنة للايهام انتهي كلامه اعلي الله مقامه و خامسا من المعلوم ان عاقلا فاضلا صالحا اذا اراد تأليف كتاب لارشاد الخلق و هدايتهم و الاخذ من يجيء بعده معالم دينه منه لايرضي بان يلفق بين احاديث تلك الاصول المجمع علي صحتها المقطوع بورودها عنهم عليهم السلم و بين ما ليس كذلك من غير نصب علامة تميز بينهما بل من المعلوم انه لايجوز ذلك بل اقول ارباب التواريخ اذا ارادوا تأليف تاريخ مع تمكنهم من اخذ الاخبار من كتاب مقطوع بصحته لايرضون باخذ الاخبار من موضع ليس كذلك و لو اتفق ذلك لصرحوا بما له و ميزوه عن غيره فكيف يظن برؤساء العلماء و الصلحاء مثل الامام ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني و مثل رئيس الطائفة ما ظنوه فان فيه تخريب الدين لا ارشاد المسترشدين لاسيما اذا وقع التصريح منهم بما يدل علي انهم اخذوا احاديث كتبهم من تلك الاصول المشهورة المعروفة التي كانت مرجعا لقدماء اصحابنا في عقايدهم و اعمالهم و من المعلوم ان هؤلاء الاجلاء لم‌يذكروا في كتبهم قاعدة بها يميز بين الحديث المأخوذ من الاصول المجمع علي صحتها و بين غيره فعلم ان كلها مأخوذة من تلك الاصول و سادسا ان رئيس الطائفة كثيرا ما في كتاب الاخبار يتمسك باحاديث ضعيفة بزعم المتأخرين بل بروايات الكذابين المشهورين مع تمكنه من احاديث اخري صحيحة مذكورة في كتابه بل كثيرا ما يعمل بالاحاديث الضعيفة عند المتأخرين و يترك ما يضادها من الاحاديث الصحيحة عندهم فعلم من ذلك ان تلك [ص 138] الاحاديث ماخوذة من الاصول المجمع علي صحتها كما صرح به في كتاب العدة و كتاب الاستبصار و الفهرست و غيرها .