اقول قد ذكرت هذه الجملة من الادلة من ادلة الاخباريين نقلا بالتلخيص في بعضها من كتاب الفوائد المدنية و بعين عبارة المصنف في البعض الآخر و قد استشهد بعد ذلك بكلام الشهيد الثاني في شرح رسالته في فن دراية الحديث من استقرار المتقدمين علي اربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف و اعتمادهم عليها و بمثل هذا ذكر بهاءالدين محمد العاملي في رسالته الوجيزة في دراية الحديث و المحقق الحلي في اوايل المعتبر .
و مضافا الي هذه الادلة ذكر صاحب الحدائق جملة من الادلة يرجع اغلبها الي امثال ما ذكر صاحب الفوائد فانه نسج في الاغلب علي منواله فقال في جملة ما ذكر من الادلة علي ابطال ما ذهب اليه المتأخرون في تنويع الاحاديث ما هذا لفظه :
ان التوثيق و الجرح الذي بنوا عليه تنويع الاخبار انما اخذوه من كلام القدماء و كذلك الاخبار التي رويت في احوال الرواة من المدح و الذم انما اخذوها عنهم فاذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لايعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الاخبار و اعتمدوه و ضمنوا صحته كما صرح به جملة منهم كما لايخفي علي من لاحظ ديباجتي الكافي و الفقيه و كلام الشيخ في العدة و كتابي الاخبار فان كانوا ثقات عدولا في الاخبار بما اخبروا به ففي الجميع و الا فالواجب تحصيل الجرح و التعديل من غير كتبهم و اني به لايقال ان اخبارهم بصحة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل علي الظن القوي باستفاضة او شياع او شهرة معتد بها او قرينة او نحو ذلك مما يخرجه عن محوضة الظن لانا نقول فيه اولا ان اصحاب هذا الاصطلاح مصرحون بكون مفاد الاخبار عند المتقدمين هو القطع و اليقين [ص 139] و انهم انما عدلوا عنه الي الظن لعدم تيسر ذلك لهم كما صرح به في المنتقي و مشرق الشمسين ، و اما ثانيا فلما تضمنته تلك العبارات مما هو صريح في صحة الاخبار بمعني القطع و اليقين بثبوتها عن المعصومين فان قيل تصحيح ما حكموا بصحته امر اجتهادي لايجب تقليدهم فيه و نقلهم المدح و الذم رواية يعتمد عليهم فيها قلنا فيه ان اخبارهم بكون الراوي ثقة او كذابا او نحو ذلك انما هو امر اجتهادي استفادوه بالقراين المطلقة علي احواله ايضا ، انتهي .
اقول و ذكر اقوال العلماء في صحة ما في الكتب الاربعة من الاخبار و صحة كتب الاصول التي هي المرجع و الاصل للكتب الاربعة ثم ذكر بعد ذلك دليلا آخر لما ذهب اليه بقوله :
الرابع انه لو تم ما ذكروه و صح ما قرروه للزم فساد الشريعة و ابطال الدين لانه متي اقتصر في العمل علي هذا القسم الصحيح او مع الحسن خاصة او باضافة الموثق ايض و رمي بقسم الضعيف باصطلاحهم من البين و الحال ان جل الاخبار من هذا القسم كما لايخفي علي من طالع كتاب الكافي اصولا و فروعا و كذا غيره من سائر كتب الاخبار و ساير الكتب الخالية من الاسانيد لزم ما ذكرنا و توجه ما طعن به علينا العامة من ان جل احاديث شريعتنا مكذوبة مزورة ، الخ ما ذكر .
و اما الاصوليون فقد ذهبوا الي عدم قطعية صدور الكتب الاربعة فلذا تراهم ربعوا الاخبار و اخذوا يبحثون عن كل خبر خبر و لايعدون تصحيح الغير شيئاً و كان الباعث لهم علي ذلك كما نقل القمي في القوانين عن الشيخ البهائي في مشرق الشمسين بقوله :
ان الباعث للمتأخرين علي عدولهم عن طريقة القدماء و وضع هذا الاصطلاح هو تطاول الازمنة بينهم و بين صدر السالف و اندراس بعض الاصول المعتمدة لتسلط الظلمة و الجابرين من اهل الضلال و الخوف من اظهارها و انتساخها و انضم [ص 140] الي ذلك اجتماع ما وصل اليهم من الاصول في الكتب المشهورة في هذا الزمان فالتبست المأخوذة من الاصول المعتمدة بغيرها و اشتبهت المتكررة فيها بغير المتكررة و خفي عليهم كثير من القرائن فاحتاجوا الي قانون يتميز به الاحاديث المعتبرة عن غيرها فقرروا هذا الاصطلاح و قال اول من سلك هذا الطريق العلامة اقول و لايتم ذلك الا بعد ملاحظة ان التوثيق و التعديل ايضا كان احد القرائن الموجبة للاعتماد عند القدماء ايضا و الظاهر انه كان كذلك كما يستفاد من طريقتهم في تعديل الرجال و توثيقهم و اخبارهم المنقولة في الرجوع الي الاعدل و الافقه و غيرهما فالظاهر ان القدماء ايضا كانوا يعتبرون ذلك كما ان المتأخرين ايضا قد يسلكون مسلك القدماء في التصحيح بسبب الاعتضاد بالقرائن ايضا فيطلقون الصحيح علي ما ظهر لهم من القرائن الوثوق عليه و لكن ذلك نادر و الاطلاق في كلامهم محمول علي مصطلحهم و ذلك تجوز منهم اعتمادا علي القرائن او غفلة او العمدة انهم قد يعتمدون علي الحديث مع عدم التصريح بالعدالة و ان كان توصيفهم اياه بالصحة مجازا علي مصطلحهم فلا بد من التفطن لتلك القرائن و عدم الاقتصار علي الصحيح و الحسن المصطلحين كما اقتصر بعض المتأخرين من اصحابنا لحصول التثبت الموجب لظن الصدق بغيرهما ايضا ، الي آخر ما ذكر .
و قال الشيخ جعفر النجفي في رسالته المسماة بالحق المبين في تصويب المجتهدين و تخطئة الاخباريين بما هذا لفظه : و ذهب الاخباريون الي ان جميع الادلة قطعية الصدور و لا فرق بحسبه بين آيات الكتاب و لا المتواتر و الضرورتين اللفظية و بين الاخبار الآحاد المودعة في الكتب المعتبرة لانها محفوفة بقرائن تفيد القطع فجميع ما اودعه المجتهدون ( المحمدون ظ ) الثلاثة في الكتب الاربعة و غيرهم في باقي [ص 141] الكتب المعتبرة من اخبار يتعلق بالاحكام و غيرها محفوفة بقرائن القطع حتي صرحوا بانها حجة في اصول عقائد الاسلام و فروعه و زعموا ان المخطي في الفروع معاقب كالمخطي في الاصول و لميوافقهم علي ذلك احد سوي ما يظهر من بعض قدمائنا و ينبغي فيه البناء علي التأويل لانه لايخفي عليه مع جلالة شأنه انه يلزم من ذلك الحكم بان جميع العلماء المتقدمين و المتأخرين مستحقون للعقاب بحصول الخطأ منهم غير مرة و لميوافقهم علي ذلك احد سوي من توهموه موافقا لهم من المحمدين الثلاثة و ليس كك و اما السيد المرتضي و ابنادريس فقد منعا العمل بالاخبار الظنية ان لمنأول كلامهما و لميقولا بان جميع الاخبار قطعية علي انه قد اعتذر عنهما بقرب عهدهما و تمكنهما من تحصيل القرائن و الاستغناء بالاجماع و السيرة و نحو ذلك و قد ادعوه خلاف البديهة فانه كيف يجوز للعقلاء حصول العلم بصدور جميع الروايات الواردة في الكتب المعتبرة لواحد من العلماء فضلا عن جميعهم مع انه مبني علي مقدمات يعلم الخلاف في كلها او جلها او لها معرفة المروي عنه انه الامام عليه السلم و ربما اشتبه الراوي لكتابة تشبه كتابة او لوجود مشارك في اسمه او لقبه او كنيته و مع عدم ذلك لا بد من سلامة الروايات في جميع الطبقات عن الائمة (ع) من مدة تقرب من الف و مائتي عام من خلل ينشأ من جهة الكتاب الذي اخذ منه الراوي بزعمه انه كتاب شخص معتمد و الواقع خلافه او انه سالم من الغلط و الواقع خلافه او ان الرواية حفظت من كتاب غير معتبر فنسي راويها و زعمها من معتبر او من جهة المروي عنه لاشتراك اسمه او لقبه او كنيته او صنعته او صفته او نسبه او مكانه حيث يعبر بها عنه او لاشتباهه في اسلامه او ايمانه او عدالته او ضبطه او نقده او لتجدد اسلامه او ايمانه او عدالته [ص 142] و قد روي عنه قبلها فزعم انه روي بعدها او في سند يقطع او ارسال او وقف او اضمار و نحوها او في الراوي لاحتمال روايته من خوف و تجويزه النقل بالمعني او في متن الرواية لنقص فيها او تبديل و تغيير و نحو ذلك فمتي وقع احتمال شيء من ذلك و لو علي طريق الوهم في زمان من الازمنة او واحد من السلسلة اتصل طريق القطع ( العلم خ ) ثم حصول العلم لهم لايستلزم حصوله لنا و لو فرضنا تعدد الرواة في كل طبقة فضلاً عن كونهم في الاغلب واحدا بعد واحد مااستفدنا العلم الا ان يبلغوا عدد التواتر او تكون القرائن علمية في جميع الطبقات فهم في هذه المسألة ككثير من المسائل علمهم قد خالف عملهم و لا محيص لهم عن العمل بالظن و قول بعضهم بان المراد بالعلم مظنة تطمئن النفس اليها ان اراد الاطمينان في الجملة فهو قولنا و ان اراد ما يدعي علما عرفا رجع الي مذهب قومه و تخلص بعضهم بان المراد في كلامهم بالعلم العلم العادي دون العقلي مما لاينبغي الاصغاء اليها لان العادة قد قضت بخلافه ثم لا فرق بين علم العادي و غيره عند العالم حين علمه و اقوي ما استندوا ما دل بزعمهم علي بطلان الاجتهاد و العمل بالظن و هي امور لاينبغي ان يصغي اليها و لايعول في امر من الامور عليها منها ما ذكره المحمدون الثلاثة في اوايل كتبهم الاربعة من انهم لايوردون فيها الا ما هو صحيح و حجة بينهم و بين الله تعالي و يستفاد من بعض كلماتهم انها تفيد العلم و فيه اولا ان حصول العلم علي فرضه عند شخص لايلزم منه ثبوته عند غيره علي ان فيها ما يقطع بعدم العمل به مما يفيد التشبيه و التجسيم و نفي العصمة و كثير من روايتهم مع الاختلاف فيها و ظهور الاتحاد كما في مسألة خروج دم الحيض و نحوها تدل علي اشتباه احدهم و التأويل البعيد غير سديد علي انه يرد [ص 143] بعضهم اخبار بعض بل الواحد منهم يرد بعض اخباره التي رواها فلا بد من ان يقيد بما يروونه للعمل او يأول و ينزل علي ارادة الاولي الي العلم او علي انه كان ذلك البناء في الابتداء ثم حصل العدول عنه في الاثناء و منها ما دل من الآيات في كثير من المقامات بانحاء من العبارات و من الروايات الداخلة في جملة المتواترات فلا دور علي منع العمل بالظن و التعويل عليه و لو نظروا بعين الانصاف لاعترفوا بان العمل علي ظاهرها لايوافق طريقة المسلمين المؤالفين منهم و المخالفين فان اتباع الظن المنهي عنه عام للظن في الصدور و الدلالة و الاخذ بالقواعد المسلمة و للقضاء و الحكومات و التفرقة في غاية الضعف و ان خص بالاصول الدينية او قيد بقيد التمكن من العلم او اريد الاول اليه لان العامل بالظن بل الشك للاول اليه عامل عليه فهو المراد ثم المراد انه بعد ان قامت البديهة علي بطلان دعوي العلم دار الامر بين القول بجواز العمل بالظن المستفاد من تلك الاخبار او ترك العمل بها ثم العلم و الظن و باقي الادراكات من الامور الوجدانية فان وجدت كانت بديهية لاتحتاج الي دليل و الا لميؤثر في وجودها الدليل و لو جاء به جبرئيل كيف يثبت جوع الشبعان و ري الظمآن باقامة البرهان فلاينبغي البحث الا في الامكان و عدم الامكان و منها ان العمل بالظن قبيح عقلا فيكون قبيحا شرعا و فيه مع كونه جاريا علي غير مذهبهم ان القبح لو تم لجري في الدلالة و الصدور في جميع الامور و بطلان الفرق في غاية الظهور علي ان القبح فيه انما يعقل فيه مع عدم الاول الي العلم و قد بينا سابقا انه لاينكر العقل و العقلاء علي عبد امره مولاه بان يعمل علي رواية فلان عنه صدق او كذب او علي ما يظنه وافق الواقع او خالف لبعض الاغراض و من جملتها الاختبار فعمل بما امر و لاينكر علي المولي كيف امر و القول بقبح [ص 144] العمل بالظن عقلا علي الاطلاق كالقول بوجوبه كك ظ البطلان بل الظ ان العمل بالظن مع الاذن ادل علي العبودية من العمل بالعلم ثم لو كان ما ذكروه من القبح حقا لزم ترك العمل بتلك الروايات لقيام البديهة علي عدم افادتها العلم و لاينقلها القبح عن الظنية الي العلمية و منها ان العلم حجة باتفاق الفريقين و الظن لميقم دليل علي حجيته و فيه انه بعد قيام البديهة و الضرورة فلا حاجة الي طلب الدليل فان ثبوت حجيتها شاهد علي اعتبار ظنيتها فالآيات و الروايات و الضرورة الدالة علي حجيتها دالة علي اعتبار المظنون منها و منها ان لكلامهم نورا كما تواتر نقله في الجامعة و عن الرضا (ع) ان لكلامنا حقيقة و عليه نور فما لا حقيقة له و لا نور عليه فذلك الي الشيطان و فيه ان ذلك النور ان كان ظاهرا في جميع الاخبار فكيف يخفي علي اصحاب الأئمة فيحتاجون الي التثبت و النقد و العرض علي الكتاب و السنة ثم يقع الخلاف بينهم في التكذيب و التصديق و لمتزل طريقة العلماء علي ذلك قبل جميع الاخبار في الكتب عندهم و بعده ايضا عندنا فلعل ذلك النور انما ظهر بعد جمع الاخبار لا قبل و للاخباريين لا لغيرهم ثم لو ذكرنا بعض الروايات من غير سند لمن لميعثر عليها منهم خصوصا مثل روايات عمار لميهتدوا الي كونها من كلامهم بديهة و لا ريب في ان المراد منها خصوص بعض الكلمات او في خصوص بعض المقامات و منها ان الروايات قد عرض كثير منها علي الأئمة و كذا الكتب و فيه ان هذا العرض كان في البعض ثم ثبوته بطريق الآحاد فهو اول المسألة و منها ان الاصحاب قد نقدوا الاخبار و هذبوها و فيه ان ذلك لو كان تماما ( عاما خ ) انما صدر من الواحد بعد الواحد ثم لايعلم ان ذلك النقد هل كان لاخراج ما يعلم كذبه او يظن او لما لايعلم صدقه و لايعلم العمومية فيه [ص 145] و علم الناقد لايفيدنا العلم علي ان الانتقاد اذا كان متقدما من الاصحاب و صادرا منهم خلفا بعد سلف كيف لميعول اللاحق منهم علي نقد السابق حتي بقي النقد الي زمان المحمدين الثلاثة عندنا و عندهم و عندنا الي الآن فاي حاجة الي النقد الجديد و كيف كان نقد المحمدين و نحوهم اتحد الناقد او تعدد موجبا لعلمنا و لايكون نقد كل متقدم موجبا لعلم المتأخر اللهم الا ان يكون نقد المحمدين جاء به جبرئيل من رب العالمين و لو كان نقد كل واحد من المحمدين مفيدا للعلم فلم ينقد بعضهم ما نقده الآخر و يرد و اما الروائي فقد كان ينكر بعضهم رواية بعض و منها انها تفيد العلم لعرضها علي عمومات الكتاب و مطلقاته و عمومات السنة و مطلقاتها و موافقة القواعد الشرعية و فيه انه ان اريد بذلك الاول الي العلم صح و هو رأي المجتهدين و ان اريد حصول العلم علي الحقيقة فلا وجه له و انكاره مكابرة و منها ما تواتر في الاخبار ان حلال محمد (ص) حلال الي يوم القيمة و حرامه حرام الي يوم القيمة و الابدية منافية لجواز العمل بالادلة الظنية لان الظن مما يتبدل و يتغير و فيه انه لو بني علي ان الحكم لاينقسم الي ظاهري و واقعي و ان المراد بالحكم المستمر هو الواقعي و هو عام لحكم القضاة و ما يترتب علي الموضوعات و علي القواعد الشرعيات و ذلك لايوافق طريقة فيلزم اختلال في طريقة المسلمين من غير فرق بين المجتهدين و الاخباريين لان ثبوت وجوب العمل بالظن في الجملة مما اتفق عليه الفريقان و لمينكره احد من اهل الايمان و لايوافق مذهبا سوي مذهب التصويب علي ان الظ عدم الانطباق عليه بل فيه دلالة علي بطلانه لان المعني بالدوام علي الظ انما هو الحكم العام لان المتبادر من الحلال و الحرام هو المكلف به علي الوجه العام و هم لايقولون به ثم الظ من الاخبار ارادة [ص 146] نفي النسخ و عدم ظهور حكم واقعي جديد و هذا لاينكره احد فلا بد من البناء علي التقيد و منها ما ذكره بعض من ادخل نفسه في زمرة الاخباريين و هم براء منه كالمجتهدين لابداعه في الدين و طعنه و لعنه لاعاظم المشيدين لمذهب الأئمة الطاهرين بعد ما ذكر ما يدل علي ان حلال محمد صلي الله عليه و آله و حرامه ابديان من ان الاستدلال بشكل من الاشكال لايخفي عقمه علي الجهال و الاطفال حيث قال : كل حكم اجتهادي قابل للتغيير و كل حكم قابل للتغيير مخالف للشريعة الاسلامية الابدية فينتج كل حكم اجتهادي مخالف للشريعة الاسلامية ، و هذا القسم من الاشكال مما تهزأ به الاطفال لانا بعد ان بينا ان هناك حكمين ظاهري و واقعي و ان البديهة قائمة عليهما و انه لمينزل . . . يرجع اليهما كان المنع علي الصغري او الكبري لاختلاف الحكم باختلاف الجهة ثم رجوعه عن الاحكام و رجوع جميع الاخباريين مما لاينكره سوي المعاندين و اذا كان البناء علي هذه المغالطات و المزخرفات فلنقل ان دين محمد صلي الله عليه و آله منقسم الي القسمين بالضرورة و دين الاخباريين علي حسب ما يدعون قسم واحد فيلزم من هذا ان دين الاخبارية خارج عن دين محمد صلي الله عليه و آله و ما اشبه هذا الشكل باشكال كنا نمتحن بها الاطفال حال صغرنا فنقول من قال بربوبية فرعون قال بجسميته و من قال بجسميته محق و مثل من قال بنبوة مسيلمة الكذاب قال بجسميته و من قال بجسميته محق و بمثل من قال بخلافة فلان و فلان و فلان قال بجسميتهم و من قال بجسميتهم محق و نحو ذلك و فساد ما ذكره لايخفي عليه فضلا عن غيره و لكنه اراد التلبيس و العمل بالمثل المشهور اذا لمتستح فاصنع ما شئت و كيف يخفي علي جاهل فضلا عن عاقل انه كما ان الواقعي منه مستمر غير مقيد و منه ما هو [ص 147] مقيد بزمان كصلوة الفرائض الموقتات و صيام شهر رمضان او بحال دون حال كصلوة الحضر و السفر و كثرته و اكل الميتة للمضطر و هكذا و هذا يتغير بتغيرها كك الحكم الظاهري قد يدوم كما اذا بقي المجتهد علي اجتهاده حتي يموت و قد يتغير بتغير الحال كتغيير الاجتهاد فان اريد ان دين محمد صلي الله عليه و آله لايتغير بتغير الاحوال فهو خلاف الضرورة و ان اريد انه لايتغير مع بقائها فهو حق في الواقعي و الظاهري فالمراد اذاً ان دين محمد صلي الله عليه و آله واقعية و ظاهرية لايتبدل الدائم منه من دوامه و لا المقيد مع بقاء تقييده و منها ان الشريعة السمحة السهلة لاتلائم وجوب العمل بالظن و فيه ان سهولة الشريعة لايجوز وجوب طلب العلم مع عدم امكانه لحصول الشبهة بعد بعد العهد عن الأئمة الاحدعشر و حصول الغيبة الكبري للامام الثانيعشر روحي له الفداء بل في ايام الأئمة السابقين بعد اميرالمؤمنين عليه السلم لانهم في حكم الغائبين صلوات الله عليهم اجمعين ثم اي حرج و ضيق في ترتب الاحكام علي الظنون سيما اذا كانت ظنونا مخصوصة ثم ان الحرج اللازم علي فرضه مترتب علي حقيقة الظن و ليس للاخباريين محيص عنه و هم قائمون به و قاعدون نعم ان كان مترتبا علي الاسم فلكلامهم وجه و منها ان جواز الاخذ بالظن يفضي الي انبساط العذر لليهود و النصاري و نحوهم و فيه انه ان اريد انبساط العذر في الفروع فلا مانع و ان اريد في الاصول فلا معني للزوم ثم انه لو كان القطع الكاذب عذرا لعذروا في اصول دينهم و فروعه فان كان التعذيب مبنيا علي عدم التقصير فلا عذر مط و الا فالعذر ثابت في المقامين ثم ان ذلك وارد علي المجتهدين و الاخباريين لان احدا لايخ من العمل بالظن و لو في بعض الاصول الفرعية علي انه لازم لاهل [ص 148] الاديان السالفة اذ لايخ مذهب منهم عن العمل بالقواعد الظنية و الا تعطلت شريعتهم ثم انكار العمل به اي فائدة فيه بعد علم جميع العقلاء بان المنكر لميزل يعمل عليه و يسميه علما و منها انه يلزم من جوازه اثارة الفتن و الحروب و به اعتذر العامة عن قدمائهم و فيه انه لازم للطرفين و مجرد الاسم لايدفع ما ذكر علي ان الفتن قامت من ادعائهم العلم اكثر مما قامت بادعاء الظن ثم قيامها عن الاجتهاد الباطن لايقتضي قدحا في الاجتهاد الحق كما ان الصادر عن اعتقادهم الباطل لايصلح ان يعتذر عنه باعتقادنا الحق و منها ان الظن مداركه غير منضبطة و ما كان كك لايجوز العقل ان يجعل مدار التكليف عليه الي يوم القيمة و فيه مع كونه لايوافق طريقتهم انه لازم للطرفين و المدارك الظنية عند المجتهدين منضبطة اذ لايذهبون الي جواز العمل بكل ظن ثم مجرد اسم العلم لايقضي بالانضباط و منها ان الاجتهاد مبني علي حصول الملكة و هي خفية فكيف يجعل عليها مدار التكليف و فيه ان احكام الشرع و العرف تتعلق في الملكات في جميع الصناعات و في مكارم الاخلاق و لا خفاء فيها لدلالة الآثار عليها و الا لميتميز الكريم و الشجاع و البليد و نحوها عن مقابلاتها ثم ان جميع الادلة الدالة علي الرجوع الي العلماء تقتضي اشتراط الملكة و الا لميكونوا علماء لان مجرد الحفظ تستوي فيه العلماء و الاعوام و لاينقسم به المكلفون الي قسمين و منها انه لو جاز العمل بالظن و هو يستلزم جواز الخطأ لمتجب عصمة الامام لان وجوبها مبني علي انه يجب علي الله تعالي ايصال العباد الي الاحكام الواقعية و فيه ان ذلك لازم للجميع بناء علي بطلان التصويب لانه لا بد للجميع من العمل ببعض القواعد الظنية حتي في ايام النبي (ص) و ايام الانبياء و جعل الظن من الموضوعات ينافيه ما تواتر نقله عن الرواة من [ص 149] تخطئة بعضهم بعضا و تخطئة الامام لهم ثم ان دليل العصمة انه من الواجب ان يكون لله امين لايمكن ان يصدر عنه الخطأ او الخطأة لان امين الله علي تمام العالم في اقامة الحدود و الاحكام و القيام باصلاح النظام بحيث تطمئن به النفوس لايكون سوي الامام المعصوم و لا بد من ظهوره بين الانام الا ان يجب الخفاء لحكمة و هي غير خفية علي ادني العاقل و من جملة ما كان واجبا عليه لو كان ظاهرا قادرا قهر الكفار علي الاسلام و رفع الفتن بين الانام و رفع ظلم الظالمين لولا معارضة حكمة رب العالمين فيكفي في المقام ان الرجوع الي الظنون من قبيل الاضطرار لعدم بسط كلمة الأئمة الاطهار صلوات الله عليهم فانه في حال الظهور فضلاً عن الغيبة لايمكن كثرة التردد اليهم في الامور حتي يحصل العلم بالاحكام و يطلع علي حقايق الحلال و الحرام ثم علي ثبوت بطلان التصويب في البين و عدم احتساب الظن من الموضوعات يرد البحث علي الجانبين و منها انهم جعلوا عدم الدليل دليلا و هذا يتم لو لميكن لله في كل شيء حكم و قد دلت الاخبار علي ذلك و فيه ان ذلك لاينافيه لان الحكم التكليفي غير الواقعي فالمراد ان عدم الدليل فيما كان علي خلاف القاعدة دليل الحكم بالعدم ظاهرا لا واقعا ثم ذلك جار في جميع الشرايع و مرجعه الي مثل اصل البراءة و الاباحة ثم ذلك مبني علي الحكم الظاهري و منها ان اللطف واجب علي الله تع و التكليف بالعلم من اللطف و التكليف بالظن خلافه و منه انه لايجب علي الله جميع افراد اللطف بل ما فيه رفع الفساد و لو اوجبناه منعنا كون التكليف بالعلم لطفا له في زمان الغيبة او التقية و عدم تيسر التوصل الي العلم بل التكليف بالظن هو اللطف و خلافه خلاف اللطف و كون التكاليف و الاحكام حسنها و قبحها لاسباب واقعية تقتضي التكليف الواقعي لاينافي معارضة [ص 150] الجهات و الاعتبارات المقتضية للتكليف الظاهري و يكون النفع و الضرر دائرين مداره ثم هذا ايضا بناء علي عدم القول بالتصويب و هو قول عجيب لايرتضيه احد من الطرفين لازم علي الجانبين و منها ان الاجتهاد امر خفي فلايجوز بناء الاحكام الشرعية عليه و فيه انه ان اريد الخفاء علي المجتهد فممنوع و ان اريد الخفاء علي مقلديه فلا مانع علي رأي المجتهدين لان المقلد عندهم لايجب عليه النظر الي الادلة نعم يرد ذلك علي الاخباريين لانهم يوجبون عليه بالنظر الي الادلة و البراهين علي ان اسباب العلم اشد خفاء لاسيما علي المقلد لان حصول العلم له متعسر او متعذر مع ان الاجتهاد في الحقيقة لازم علي الطرفين و منكره مخالف في الاسم دون الحكم لان مجرد العلم بالصدور لايرفع الاحتياج الي بذل الجهد في معرفة الموضوعات و القواعد الشرعيات و التعارض و الترجيحات كما ان علم الصدور بالقرائن لايرفع الاحتياج الي بذل الجهد في تحصيل قوة الظن من وجوه اخر و منها انه اذا كان قول المجتهد حجة في حيوته فكيف لايكون كك بعد وفاته مع ان موته لايقتضي موت قوله و رأيه و قد كانا علي قولكم حجتين و الاعوام محكوم عليهم بالرجوع اليهما فيستصحب الجميع و فيه بعد الاغماض عن كونه مبنيا علي حجية الاستصحاب المنكر عندهم ان الاجتهاد من المناصب الشرعية الموقوفة علي النصب اذ لا حجية في الحقيقة الا في قول المعصوم فيلزم النظر في دليله فان عم عم و ان خص خص و القاعدة تقضي ان لايجب علي احد اتباع غيره و لا سماع قوله الا بامر من الله و رسوله و الضرورة و الاجماع انما قاما علي تقليد الحي و الظ من طريقة الامامية ذلك لانه لو كان تقليد الميت جائزا عندهم لعرف رجوعهم الي كلامهم و استغنوا عن الاحياء في كثير من احكامهم و لجري البحث فيما بينهم في [ص 151] تحقيق الفاضل و المفضول منهم و الاخبار الشاهدة علي وجوب التقليد متضمنة للفظ الحكومة او لفظ الرجوع و كلامهما ظاهران في تقليد الحي فكما ان القضاء لايقع من الميت كان الافتاء كك و كما انه يقع علي الغايب مع حيٰوته كان حكم المجتهدين علي نحوه و كما ان القضاة اذا تعددوا تخير الخصوم في الرجوع الي من شاؤا منهم كان حال المفتين مع المستفتين كك و كما انهم لو قضوا علي احد ثم ماتوا بعد القضاء استمر قضاؤهم عليه كان المفتون كك لاشتراكهما في الدخول تحت عنوان الرجوع و الحكومة و لايصدق في ذلك عنوان الرجوع الي الموتي لان ذلك من الرجوع الي الاحياء لان تعلق الفعل بالعنوان مبني علي التعلق به حين وجوده لا علي استمراره و التمسك باستصحاب حجية القول و الرأي لا وجه له لتغير الموضوع و حجيتهما حال حيوته لاتستدعي ثبوتها بعد وفاته لان موضوع الحكومة و الرجوع قد ارتفعا و كذا الحال في نصب الحكام و الامراء نعم ما كان محكوما به حال الحجية يجب العمل عليه لدخوله تحت الادلة و لان المراد الحاكم من حكمه عموم الاوقات علي المحكوم عليه و في الحقيقة هي نيابة و وكالة لا رواية و بالموت تنفسخ النيابة و الوكالة نعم عدم الفرق يلزم علي قول الاخباريين من جعل كون المفتي راويا فحاله كحال الرواة عندهم و قد تبين مما سبق ضعف قولهم و حالهم فيه في هذا المقام كغيره من المقامات علمهم مخالف لعملهم و منها ان المجتهدين قد يعملون بغير اقوال الائمة من قياس و نحوه و يدعون العمل بكثير من الاخبار و فيه ان الامر بالعكس فان الاخبارية تركوا العمل بوصية الأئمة و تحذيرهم العام بجميع الازمنة و جميع المكلفين من العمل باخبارهم الا مع العرض و النقد لان المغيرة و اباالخطاب لعنهما الله دسوا الاخبار الكاذبة في اخبارهم و اشتبه [ص 152] الامر علي الناس و لانه كثرت عليهم الكذابة و لكل امام رجل يكذب عليه كما اخبروا به و قلدوا في النقد المحمدين الثلاثة و نحوهم و تركوا العمل بالاجماع الكاشف عن قول المعصوم كما بيناه و بالاخبار الدالة علي حجية المذكورة في بابه و تركوا العمل باخبار التقسيم للمكلفين الي مفتين و مستفتين و قد عملوا بالظن من حيث هو ظن لعملهم بالاخبار الظنية المقطوع بظنيتها بزعم انها قطعية فهم عاملون بالظن من حيث هو ظن و المجتهدون انما عملوا بها من حيث الاول الي العلم و لتعديهم في الاحكام الخاصة بالثياب او الاواني او بعض المايعات و غير ذلك و ليس هناك ضرورة و الاجماع عندهم منكر فليس لهم سوي القياس و المجتهدون انما عملوا بقول الامام الذي قد دل عليه الاجماع و منها ان مذهب الاخباريين اوفق بالاحتياط و هذا من الاشتباه الظ فان الآخذين بالاحتياط هم المتأملون المتدبرون فيما يصلهم من الاخبار و لايعملون عليها الا بعد ان ينقدوها نقد الدرهم و الدينار و لايسمعون كلام كل ناطق و لايصغون الي كل ناعق و هم المجتهدون الذين شغلوا انفسهم في الليل و النهار و صرفوا الاعمار بنقد الاخبار و عرضها علي كتاب الله و سنة النبي المختار صلوات الله عليه و آله و منها انه لو جاز العمل بالظن لجاز بكل ظن و منها انه لو جاز العمل بالظن لجاز بالشك و الوهم و منها ان التكليف بالظن صفة نقص و الجواب عنها بل عن جميع ما مر واضح و ذكر هذه المغالطات بعد ان بينا ان عدم استفادة العلم من اكثر الروايات من البديهيات مقتض لعدم اعتبارها او ترك العمل بالاخبار التي شهدت البديهة بظنيتها و ماكان ينبغي لنا التعرض لهذه الشبهة السخيفة لكن اردنا ان لايتوهم احد ان دليلهم في الباب دليل معتمد او دليل ردهم علي المجتهدين يحق ان يطلق [ص 153] عليه اسم المستند و ما اشبههم في هذا المقام برجل كان عند بعض العلماء الاعلام فسأله عن اعراب جاء زيد فقال يحتمل ان جاء مبتدا و زيد خبر او جاء خبر مقدم و زيد مبتدأ مؤخر ثم عد اشياء من هذا القبيل و سكت فقال له ويلك اذا كانت هذه اجوبتك فلا وجه لانقطاع كلامك و مثل ذلك ينبغي ان يقال لاهل هذه الايرادات اذا كان بناؤكم علي هذا النوع من الايراد فينبغي ان لاتزالوا تعترضون الي يوم يبعثون و لهذا المقام تتمة يناسب ذكرها في مبحث الاجتهاد ، انتهي كلامه .
و قال صاحب النتايج : فان قلت ان الاخبار كلها او جلها كاخبار الكتب الاربعة مقطوعة الصدور فالظن الحاصل منها ظن خاص فباب العلم بالمعني الاعم مفتح غالبا قلنا ان الدليل علي ذلك ان كان تلك الاربعة من الثلاثة بالتواتر و لو غالبا سيما بعد اتفاق اكثر النسخ و هي مأخوذة من الاصول الاربعمائة التي كانت مشهورة بين الامامية في زمان الأئمة معولا عليها بينهم كما يشهد بذلك التتبع و اخبار الثقة الموجب للعلم اذا كان المخبر به امرا جليا و اخبار تلك الاصول كلها من المعصوم و الا لمااتفقت الامامية علي العلم بها و الاعتماد عليها بلو لو كان فيها كذب لردعهم المعصوم عن العمل بها لاطلاعه علي عملهم به في زمانه ففيه ان تلك الاصول ليست بايدينا اليوم حتي نعلم بالتتبع ان اخبار الكتب الاربعة هي اخبار تلك الاصول و الثقة المخبر بذلك لمنجده الا الفقيه بالنسبة الي كتابه الي الكتب الاربعة مع ان كون هذا الخبر ماخوذ من الاصل المجمع عليه ليس امرا جليا حتي يفيد اخبار الثقة عنه العلم اذ الاطلاع علي الاجماع امر صعب سيما عند هذا الخصم و هو الاخبار المنكر للاجماع لاصله و اطلاع المعصوم علي اخبار تلك الاصول مفصلا اول الكلام فكيف يكون تقريره هنا [ص 154] حجة و اجماع الامامية علي العمل بها لعله لاجل عملهم بالواحد و تبعضهم في جهة العمل فلايكشف عن قطعيتها عند جميعهم بل لو كان قطعنا بكون المخبر عن الامام ثقة لمنقطع بعدم سهوه لكون المخبر به امرا خفيا و قال و ان كان تاليف المشايخ الاربعة انما هو لفائدة هي هداية الناس كلهم كما يظهر من حملهم تعديلات علماء الرجال علي المعني الاعلي و اجماعات الشيخ علي المصطلح المشهور و انتفاع الكل لايكون الا بذكرهم الاخبار القطعية ليعمل بها كل احد حتي من لميعمل بالواحد ففيه ان القطعية عند المشايخ لايوجب القطع عند غيرهم مع احتمال كون غرضهم من التأليف انتفاع العاملين بالواحد مطلقا و غيره مع حصول العلم له فذكروا الآحاد و غيرها بل لايمكن قصدهم نفع الكل لما عرفت و القياس علي التعديل و نقل الاجماع مع الفارق لانهما لفظيان ينصرفان الي الفرد الظاهر و قال و ان كان المشايخ حكموا بصحة ما في مؤلفاتهم هذه و الصحيح عندهم هو المطابق للواقع لاصالة عدم النقل عن المعني اللغوي عندهم و الظاهر من حكمهم هو الحكم القطعي ففيه ان كون مرادهم ما ذكرت ظني و ان القطع عندهم لايوجب القطع لنا و ان كان ان الكافي عرض علي الامام عليه السلم و قال انه كاف للشيعة و سماه كافيا و هذا يكشف عن صحة جميع اخباره ففيه ان اصل العرض غير معلوم ثم التسمية غير معلومة و ان في تقريره ما في التقرير السابق هذا كله مضافا الي كثرة الاخبار في الاربعة و كثرة الوسائط و طول الزمان و وجود الاختلاف الكثير بينها و ان الكذابة كثيرا ما دسوا في اخبارهم مع احتمال السهو و النسيان في اصحاب الاصول و المشايخ سيما في المطالب العلمية فمتي علم او احتمل و لو وهما خطأ واحد في مجموع تلك الكتب الاربعة سرت الشبهة الي كل خبر فيها و خرج [ص 155] عن القطع فدعوي قطعية السند واهية فان قلت ان اخبار الاربعة قطعية الاعتبار بدليل خاص و هو شهادة المحمدين علي صحة ما فيها و كل شهادة حجة شرعية فباب العلم بالمعني الاعم منفتح قلنا كون ذلك شهادة لا اخبارا ممنوع و لا اقل من الشك فيه مع ان كون مرادهم من الصحة قطعية الصدور مظنون لا مقطوع و لعل مرادهم ما يعتمد عليه قطعيا ام ظنيا فشهادتهم علي قطعية تلك الاخبار غير قطعية لنا حتي نعمل بشهادتهم مع انه لا دليل علي حجية الشهادة في الاحكام الشرعية ، انتهي .
اقول لما كانت هذه المسألة هي مما يبتني عليه الدين و يقوم به الشرع المبين فاللازم علينا ان نذكرها بالتفصيل و ايراد الحق الفاصل في المقام و طريقة اهل البيت عليهم السلم فانهم النمرقة الوسطي التي اليهم يفيء الغالي و بها يلحق التالي و قد من الله علينا بها في هذه الآونة الاخيرة من الزمان ببركة مشايخنا الكرام اعلي الله لهم المقام فنفوا عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و قد بينوا هذه المسألة التي بايدينا علي الخصوص باوضح بيان و اسهل تبيان و كتبهم بها ملأي فمن كان يروم الحق فاني ارشده الي كثير منها فليطالعها بالدقة التامة فانه لا ريب ان كان له ادني انصاف و كان علي الفطرة الغير المغيرة و المبدلة يتضح له الحق الذي لا مرية فيه و الصراط المستقيم الذي لا شك يعتريه و اهم تلك الكتب و اطولها و اوفاها للمرام كتاب شرح النتايج لمولانا الكريم اعلي الله مقامه و كتاب الحجة القاطعة و علم اليقين و القواعد و السوانح و رسالة التسديد و كلها له اعلي الله مقامه و كتاب الحجة الساطعة لمولانا و سيدنا ناشر علوم آلمحمد بعد ابيه و النافي عنها تحريف الغالين و هو المرحوم الحاج محمد خان اعلي الله مقامه [ص 156] و كتاب الادلة العقلية لاخيه و القائم مقامه كافل ايتام آلمحمد عليهم السلم في زمانه و مرجع الخاص و العام في اوانه المرحوم الحاج زينالعابدين خان و كتاب الاجتهاد و التقليد لمولانا القمقام حجة الله علي الخاص و العام المزيف لآراء المجتهدين و المبطل لظنون الظانين سيدي و مولاي الحاج ابيالقاسم خان روحي فداه فانه كتاب شريف و مطبوع منتشر في اكثر البلدان فمن كان له عرق يضرب من الحق و الانصاف فليراجع امثال هذه الكتب فانه لا شك يقبل ما ادلي فيه من الحق الواضح و النهج المستقيم ان سبقت له من الله الحسني فالتفصيل الكلي يرجع اليها و الي غيرها مما لماذكر اساميها لا غير و انما اروي لك شيئا مختصرا منها هنا لضيق الوقت و عدم اتساع هذه الاوراق لازيد من ذلك .
فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ان الاخباريين و الاصوليين في هذه المسألة مخطؤن لعدم معرفتهم طريقة اهل البيت الحقة في هذا المقام اما اخباريوهم بادعائهم القطع بالصورة التي ذكروها و بالادلة التي سبق و ان بينوها و قد تلونا عليك قسما وافيا منها مخطؤن لان ادلتهم التي ذكروها لاتفي بالمراد و لاتوصلهم الا الي الظن و قد عملوا بالظن و سموه علما و ادلة الاصوليين كلها واردة عليهم فلو بنينا الامر كما بناه الاخباريون من تحصيل العلم العادي القطعي في المقام و الادلة التي نسجوها كل علي انفراده للجأنا الي ركن غير حصين و تمسكنا ببيت اوهن من بيت العنكبوت و من يخفي عليه تغير الايام و تبدلها و تتابع الليالي و تتطاول الدهور بيننا و بين العهد الاول و الصدر الابعد و الحادثات تجري امامنا في يومنا هذا و التحريفات و التبديلات تمر نصب اعيننا في كل وقت تكلم انت بكلمة امام جمع او امام اشخاص معدودة و انظر ماذا يكون مآلها بعد [ص 157] انصرافك من مقامك بل استطيع ان اقول لو لمتتفوه بكلمة ايضا انظر ماذا يفتري عليك من الاباطيل و الاضاليل التي انت منها بريء براءة الذئب من دم يوسف فالمزورون كثيرون و المفترون لايحصون بالاضافة الي السهو و النسيان و خطأ الكتاب و الاغراض و الامراض فبعد ذلك لااري المتمسكين بهذا النحو من الادلة الا كالغريق المتمسك بارجل الضفادع فالحق ان ادلة الاصوليين واردة علي الاخباريين و ادلتهم كل علي انفراده لايفيد الا الظن كما لايخفي علي الفطن الذكي لكن مع هذا الانصاف يقتضي ترجيح ادلتهم علي ادلة الاصوليين فانها و ان كانت ظنونا الا ان ظنونهم اقوي و يعملون بالاخبار و الآيات و لايتجاوزونها الي غيرها فهم ان شاء الله الي خير و لهم عاقبة محمودة و اما اصوليوهم العاملون بالظن فهم ايضا علي خطأ فبعد ان اوردوا ما اوردوه من الشكوك و الشبهات التي مر طائفة عظيمة منها كما تلاه عليك الشيخ جعفر النجفي و غيره لايبقي لهم ظن يعملون به لانه لا شك من توارد الشكوك و الشبهات علي ذهن الانسان ينتفي عنه الظن و يدخل في الشك فكما لو تراكمت الظنون و قوي بعضها بعضاً يحصل القطع كذا ايضا لو تراكمت الشبهات و الشكوك يرتفع الظن و يحصل الشك لا غير فالاصوليون عاملون بالشكوك في الحقيقة و يسمونها ظنونا فهم بتسميتهم ذلك متكلفون فانظر بالله عليك اذا كان الانسان عاملا بالشكوك فهل يحصل له ادني ثبات و هل يستطيع انسان ان يقول انه علي ادني حق لايمكن لمن كان له ادني عقل ان يقول انه علي حق و هو يعمل بالشك او الوهم بالاحري فلايمكن التعويل علي قولهم و الرجوع الي كتبهم و الانس بادلتهم اذ لاتفيد الا الوهم في كثير من الامور و الشك في غالبها و الظن في اقلها و لميك بناء العالم و عيش بني آدم علي الظنون او [ص 158] الشكوك او الاوهام و لا ريب ان بناءه علي اليقين بلا شك عند جميع الملل بل حتي عند الاطفال الذين لا عقل لهم كيف لا و انت لاتستأمن رجلاً علي درهم واحد اذا قال اني اظن ان اقدر علي حفظه لك فكيف تستأمنه علي دينك ان هي الا قسمة ضيزي اللهم الا ان تقول ان امر الدين اهون من امر الدنيا فتستبدل الذي هو خير و صلاح بالذي هو ادني و لايقول بذلك من له ادني مسكة من عقل و الا فكيف يستقر الانسان بقول من يقول اني افتيك بهذه المسألة و لست بمتيقن من ايصالك فيها الي الحق و اني علي ظن من ذلك او علي شك او علي وهم منها فهل بقول هذا تستقر و ان استقررت بقوله فما لك لاتأتمنه علي درهم واحد و ما لك لاتذهب معه اذا لمتكن تعرف الطريق الذي يوصلك الي مقصودك مع عدم معرفتك بالطريق و هو يظن انه يعرف الطريق و يظن انه موصلك الي المقصود و اذا سألك شخص و قال لك لم لمتذهب معه او لم لمتستأمنه تقول انه غير متيقن من معرفة الطريق بل متردد و اخشي ان يوردني المهالك و الظان او الشاك الذي لايعرف الطريق علي اليقين لايزيده كثرة المشي الا بعدا بالجملة و الله لااري الناس في امر دينهم الا متهاونين و ابئس بدين لايعدل امور الدنيا فضلاً عن ان يكون دونها و تبا لمثل هذا الدين و قرحا له فانه لا شك منقطع مجتث الاصل فبطلانه اظهر من الشمس و ابين من الامس لمن كان علي الفطرة المستقيمة و انت لو دققت ادلتهم و اقوالهم و طالعت من الجهة الثانية كتب مشايخنا اعلي الله مقامهم لعرفت علي القطع و اليقين ان القوم ما حادوا عن الحق الواضح و النهج الساطع الا لتركهم ما امرهم الله به و رسوله و حججه عليهم السلم و ذلك انهم لما طالعوا كتب العامة العمياء و كانت هذه الشبه و اضعافها مسطورة في كتبهم اوردوها مناصبة للحق و اهله و سترا [ص 159] لنور اوليائه سرت هذه الشبه اليهم و غفلوا عن اغراض العامة و مرادهم فخربوا عليهم بنيانهم و اخرجوهم مما كانوا علي من حلاوة الايمان و اليقين فخر عليهم السقف من فوقهم و احاط بهم نيران الاهواء و الظنون من جوانبهم و هم لايشعرون بل يحسبون انهم يحسنون صنعا و انت يا اخي اذا اردت الحق الذي لا محيص عنه و المفزع الذي لا مفر منه فاخلع عن نفسك العصبية البغيضة و ربقة التقليد الاعمي و فرغ نفسك لما يتلي عليك من الحكم و المواعظ الحسنة بعد ما تنزع عنها جميع ما يعوقها من الغرائب و الشكوك و الاوهام فانظر بصفاء فطرة و نقاء قلب فان يك حقا فلا شك تقبله و ان يك باطلا فلا ريب تضجره فأن النفس اذا كانت علي الفطرة و لمتتدنس بالامراض و الاعراض و القي اليها شيء من الحق تقبله قبول الظمآن للماء البارد و اما اذا كانت الاخري نعوذ بالله فلاينفعها شيء ابدا حتي لو وضعت الشمس في يمينها و القمر في شمالها لاتنفك عما انطوت عليه من الخبث و الاضاليل و الاباطيل فامثال هؤلاء يا اخي ميت الاحياء فماجعل الله لهم نوراً يمشون علي ضوئه و من لميجعل الله له نورا فما له من نور و انك لاتسمع من في القبور ان انت الا نذير .
بالجملة اقول ان الاصوليين و الاخباريين قد غفلوا عن مقدمة مهمة لها كل المدخل فيما نحن فيه فلو اطلعوا عليها بفطرتهم المستقيمة لماوقعوا فيما وقعوا فيه و ذلك انهم لميعرفوا اقسام العلوم و مشاعرها و حسبوا ان المشعر الذي يدركون فيه المبصرات و ينقضون به و يبرمون و يستدلون به علي مطالبهم هو كل العلم و يحسبون ادلتهم ادلة عقلية بها يصولون و يجولون و لميك هناك غير هذا و لايوجد علم غير ما تخيلوه من مجادلاتهم و الحال ان هناك حقايق و معاني كلية و صور جزئية لها مراتب مختلفة و قد خلق [ص 160] الله لدرك كل واحدة منها مشعرا خاصا بها فقد خلق لدرك الحقايق الخارجية المعراة عن المعنوية و الصورية مشعرا خاصا بها هو الفؤاد و لايتأتي درك الحقايق من غير هذا المشعر ابدا فمن وجد فيه هذا المشعر وصل الي درك الحقايق و عرفها و ان لميصل لميعرفها و مرتبة هذا الادراك تسمي المعرفة و يقابلها الجحود و خلق لدرك المعاني الكلية العقل فكل ما يوجد في هذا العالم من المراتب المعنوية الكلية فمن شأن العقل ادراكها لا شأن غيره و ادراك العقل يسمي اليقين و يقابله الظن و الشك و الوهم فلو تيقن انسان بمعني من المعاني الكلية عقلا بتوفر الادلة العقلية يتيقن و يجزم به و لايزحزحه عن يقينه احد و لو خالفه جميع من علي الارض و يوجد صور في الخارج متفاوتة في الرتبة و محل ادراكها النفس و لها مشاعر متفاوتة في الرتبة مشاعر باطنية و مشاعر ظاهرية تدرك الصور الخارجية علي اختلاف مراتبها فالعين مثلا تدرك الشبح بالانطباع فالحس المشترك يدركها منتزعة عن المادة و الخيال يدركها صورة لطيفة ثابتة و الفكر يدرك النسب بين الصور و المعاني و الوهم يدرك المعاني الجزئية بالجملة ادراك النفس بآلاتها متفاوت كل آلة تدرك بحسب رتبتها و الحاصل للنفس من ذلك العلم يعني اذا حضر النفس صورة ادركتها و علمتها و ان لميحضرها فيه جاهلة بها و هذا المشعر مشعر العلم و الذي عند الاصوليين هو من هذا لا غير و يجولون و يصولون و يبرمون و ينقضون به لا غير و هو عندهم الكل في الكل بالجملة و يقابل العلم الجهل يعني عدم حضور صورة عند النفس و لهذه المشاعر و المدركات الاشارة بقوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فدليل الحكمة و مشعرها الفؤاد و مشعر الموعظة الحسنة العقل و المجادلة بالتي هي [ص 161] احسن النفس و ان اردت الايضاح باكثر من ذلك فانظر الي المثل التالي : و هو اذا رأيت ماء مثلا في حوض مستدير فان له ثلاث مراتب مرتبة حقيقة و مرتبة معني كلي و مرتبة معني جزئي او صوري فانت اذا فتحت عينك التي هي الباب في ذلك و نظرت الي الماء في الحوض المستدير في وقت معين و مكان معين ينطبع في جليديتك منه صورة بالشكل الذي هو عليه خارجا و تنتقل تلك الصورة الي الحس المشترك منتزعة عن المادة و الطف ثم تترقي في اللطافة علي حسب المشاعر الباطنية الدقيقة كتفاوت شعلة السراج حتي تصل الي النفس فتدرك من هذه الصورة امرا جامعا تدركه مجردا عن المواد و المدد و الامكنة تدركه ماء ممتازا عن التراب سائلاً بالسيولة الخاصة به باردا رطبا فلاتستطيع النفس ان تدرك ازيد من ذلك اذ ان هذا شانها اما العقل فيدرك امرا كليا غير ما تدركه النفس اذا وصلت تلك الصورة اليه و ادت اليه النفس ما جاء لها من مشاعرها فيدرك العقل من هذا الماء الطهورية مثلا او العنصرية او الجسمانية مثلا فهذا الادراك شأن العقل اما الفؤاد فيدرك امرا فوق هذه الامور فهو يدرك امرا مجردا عن المعني كلي و الصور و المعاني الجزئية و يدرك هذا الماء الذي في الحوض من حيث هو هو لايوجد معه غيره و يدرك ذلك بلا كيف و لا اشارة و اعلم ان اليقين يجتمع مع المعرفة و الجحود و كذا العلم يجتمع مع المعرفة و الانكار و اليقين و الظن و الشك و الوهم العقلية اذ ان كمال مرتبة دنيا تجتمع مع جميع ما في العليا فقد تحضر الصورة عند النفس لكن لاتتيقن انها موافقة للواقع و قد تظن او تشك او تتوهم و قد تتيقن بموافقتها للواقع و كذا قد يتيقن العقل بامر من الامور و لكن ينكر ذلك بفؤاده و علي ذلك ورد قوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و قد لاينكر ثم اعلم ان الامور بلحاظ آخر [ص 162] ثلاثة اقسام و هي كليات و جزئيات و الجزئيات تنقسم الي قسمين و هما عاديات و شرعيات ( وضعيات ) اما كليات هذا العالم فهي العقليات التي يستدل عليها بالعقل و مشعرها العقل و قد مرت الاشارة اليها و اما العاديات فمشعرها النفس التي تدرك الصور الجزئية الجائية اليها من آلاتها و مشاعرها الظاهرية و الباطنية و تثبت بالادلة العادية التي هي من جنسها و اما الامور الوضعية الشرعية فهي امور موضوعة من قبل الشارع يتوصل الي ادراكها بالاسباب الموضوعة لها ، و لكل من هذه الامور يقين و ظن و وهم و شك و تجتمع مع بعضها البعض فقد يكون الانسان في الشرع متيقنا بشيء و يحصل له علم شرعي لكنه في العادة يمكن ان يكون متيقنا او ظانا او شاكا و لايضر اليقين الشرعي الظن او الشك او الوهم العادي كما لايضر اليقين العادي الظن و الشك و الوهم العقلي فكما يمكن ان يتيقن عادة بأمر من الامور كأن يتيقن بوجود النهار مثلا لتوفر ادلته لكنه يعجزه عن ان يثبت ذلك عقلا فليس له دليل عقلي علي وجود النهار مع ثبوته عادة فكذا يمكن ان يتيقن شرعا بأمر من الامور كأن يأتيه مثلا شاهدان عادلان و يشهدان بان هذا المال مثلا لزيد فيحصل من ذلك له علم شرعي و يقين شرعي بان المال له لكنه يمكن ان يكون في العادة ظانا او شاكا او متوهما بان المال لفلان و قد يحصل له اليقين بالطهارة لكنه بالعادة شاك كما لو تيقن بالطهارة شرعا و شك في الحدث يحصل له يقين شرعي بالطهارة و لايرتب اثرا علي شكه لكنه في العادة غير متيقن بل شاك و لايضر هذا الشك الحاصل عادة اليقين الشرعي ابدا بوجه من الوجوه لانهما في صقعين مختلفين لايضر احدهما الآخر و لايجوز الخلط بينها و ادخال ادلة بعضها مع البعض الآخر يعني لايجوز اثبات الامور الشرعية [ص 163] بالادلة العادية بل لا بد من اثباتها بالشرع و لايجوز اثبات الامور العادية بالعقل و يجب اثباتها بادلة عادية من جنسها و من رام اثبات العاديات بالعقليات او الشرعيات بالعاديات خبط في الامور خبط عشواء و دخل الي البيت من غير الباب و مثله كمثل الذي يريد ان يبصر بسمعه او يسمع بعينه او يلمس باذنه فان الله جعل لكل شيء بابا فمن لميأت ذلك الشيء من بابه ظل دهره تائها حائرا متخبطا و لما لميعرف الاصوليون هذه الامور و لميميزوا بينها تخبطوا في مسائلهم باجراء العقليات في العاديات و العاديات في الشرعيات فاطبقت عليهم الظنون و الشكوك فلميهتدوا الي العلم الحقيقي سبيلا فصار مثلهم كمثل الجالس تحت سقف محكم فاخذ يفكر ان سقوط هذا السقف من الامور الممكنة و الممكن ما تساوي طرفاه فهل من الممكن ان يسقط علينا في هذه الساعة فان سقوطه من المحتمل و ليس من المحال و لعله يسقط في هذه الساعة فالفرار من تحته امر راجح فيثب علي قدميه ذعرا و يفر فرار المعزي من الاسد الكاسر كالمجنون و ما ذلك الا لأنه اجري الامور العقلية في العاديات و لو اتبع الادلة العادية و لميتجاوزها الي غيرها لاستقر و لم يفر و كذا انهم لما اجروا الاحتمالات العقلية و العادية في الاخبار و الامور الشرعية قالوا بالظن و ان الاخبار لايحصل منها الا الظن و ليست الكتب الاربعة قطعية الصدور بل مظنونته و لو انهم تمعنوا و فكروا قليلا لزلزلوا في ظنهم فان هذه الاحتمالات العقلية و العادية و كثرتها لاتبقي لهم ظنا اذ لايحصل منها الا الشك او الوهم في الواقع اما مشايخنا اعلي الله مقامهم فلما من الله عليهم بمعرفة حقايق الامور وضعوا كل شيء موضعه و لميتجاوزوه الي غيره فهم اعلي الله مقامهم لايعملون بتصحيح الغير و لايذهبون الي ما ذهب اليه الاخباريون من قطعية الكتب الاربعة بادلتهم الظنية و انما اثبتوا بادلة كثيرة عقلية مستنيرة بالنقل و الاجماع و الآيات القرآنية و السنة الجامعة النبوية و اخبار العترة [ص 164] الطاهرة الصحيحة و آيات الآفاق و الانفس وجوب الاخذ بقول الثقة الذي عليه المعول في كل زمان و اوان و عليه المدار في الاعصار و الامصار و لولا ذلك لماقام النظام و لبطل القوام و لمااستقر احد بما عنده و لماامكنه ان يشتغل في كل امر يهمه في معيشته و عمله و ساير احتياجاته فوجوب الاخذ بقول الثقة امر لاينكره احد و ثابت عند جميع الملل في اثبات كل امر من الامور و لولا ذلك لضاق بالناس الخناق و لصعب المسلك و عمي المصدر و من تلك الامور اثبات صحة صدور الاخبار و الاحاديث و الروايات و الآيات المروية من اهل العصمة عليهم السلم و الرسول الاعظم صلي الله عليه و آله فالتعويل في صحة صدورها عنهم و الاعتماد علي الثقات الرواة عنهم فاذا روي لك ثقة رواية او كتابا قد وثق به و ضمن صحته فالواجب تصديقه لانه ثقة امين علي ما اؤتمن و وجوب تصديقه امر شرعي في الواقع و الحقيقة مع انه يحتمل في حقه السهو و النسيان و الخطأ و الغفلة عادة مضافا الي ما يحتمل في رواياته من دس الداسين و تغيير المغيرين و تبديل المبدلين و ذلك كله احتمالات عقلية او عادية و لما كان تصديق الثقة امرا شرعيا غير العقليات و العاديات و تلك الامور المذكورة احتمالات عقلية و عادية فلايجوز اذا اجراؤها في الشرعيات و اجراؤها في الشرعيات في غير محله لان اصقاعهما مختلفة و محالهما متفاوتة فكما لايجوز اجراء العقليات في العاديات فكذا لايجوز اجراء العقليات و العاديات في الشرعيات فبرواية الثقة يحصل لنا في الواقع علم شرعي و قطع وضعي و ان كنا في العادة ظانين او شاكين او متوهمين و لايضر هذه الاحتمالات العادية او العقلية اليقين و القطع الشرعي بوجه من الوجوه الاتري انه اذا قام الشهود العدول في الشرع علي اثبات السرقة علي عمرو مثلا فيجب علي الحاكم [ص 165] قطع يد السارق من دون تردد لانه قد حصل له العلم الشرعي بانه سارق لكن يمكن ان يكون عادة ظانا او شاكا او متيقنا بانه ليس بسارق و مع هذا فالواجب عليه اجراء الحكم و لايعطل الحد الذي قد اوجبه الله في مثل هذه الاحوال بالجملة لايضر الشرعيات الاحتمالات العادية و لا الاحتمالات العقلية و ثبوت الاخبار او الكتب الاربعة مثلا بالثقات و وجوب الاخذ عنهم امر شرعي فنحن نأخذ بقولهم كان الامر في العادة و العقل ما كان و هذا قطع و يقين شرعي نعم لو حصل تردد في الشرع مثلا كأن يروي ثقة رواية باثبات امر و يروي لك ثقة آخر رواية بالنفي فحينئذ يقع التردد لك فاما ان يقوي جانب احد الروايتين فيحصل لك الظن الشرعي و من الجهة المرجوحة الوهم الشرعي و اذا تساويا في الدلالة حصل الشك الشرعي و في مثل هذه الحالات يرجع الي الاخبار العلاجية التي قد القاها الينا ساداتنا عليهم السلم في الترجيح بينها .