و الحق انه بالمعنيين اللذين ذكرناهما ( يعني استصحاب البراءة و القاعدة المستفادة من العقل و النقل ) حجة شرعية و مقتضاه نفي التكليف و رفع الحكم المشكوك فيه و هو مختار اكثر العلماء و ذهب جماعة الي التوقف و لزوم الاحتياط ثم ان الاستدلال باصل البراءة اما فيما يستقل العقل بالحكم باباحته قبل وصول الشرع كشم الورد و اكل الفاكهة اولا و الثاني اما ورد فيه نصان متعارضان او لميرد فيه نص اصلا فالاباحة في القسم انما يثبت بالعقل و فايدة التمسك باصل البراءة نفي منع الشارع ما لميثبت المنع بدليل يقطع العذر اذ قد بينا فيما سبق ان حكم العقل بالاباحة لاينافي ان يكون في ذلك الشيء مفسدة كامنة [ص 82] لايظهر الا ببيان الشرع و ان احتمال ذلك لايضر فلا بد لمن يدعيه من اثباته فالتمسك باصل البراءة حقيقة انما هو لاجل نفي ذلك لا لاثبات الاباحة العقلية و اما ما لايستقل العقل بالحكم باباحته كالتكفير حال الصلوة مثلا و عدم وضع الانف علي الارض حال السجود فاصل البراءة تنفي الحرمة في الاول لو لميثبت النص عليها و الوجوب في الثاني فيبقي الفعل في الاول و الترك في الثاني مسكوتا عنه عند العقل لانهما ليسا كشم الورد و اكل الفاكهة و لكن يلزمه البقاء علي مقتضي البراءة الاصلية و ان لميحكم العقل بالرخصة فيه او نقول يتم الحكم بالاباحة ح بالشرع مثل قوله (ع) كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي كما انه يمكن في القسم الاول ايضا اثبات الاباحة بالشرع بامثال ذلك ايضا و ما ذكرناه من الحصر في اثباته بالعقل انما كان مضافا الي اصل البراءة لا الي الشرع و من ذلك يظهر حال ما ورد فيه نصان متعارضان متساقطان و سيجيء الكلام في تفصيل المقام ثم ان المحقق (ره) بعد اختياره حجية اصل البراءة في كتاب الاصول مط خصها في المعتبر بما يعم البلوي و توجيهه ان العادة تقتضي بانه لو كان حكم من الشارع فيما يعم به البلوي لنقل الينا فيحصل الظن من عدم الوجدان بعدم الوجود بخلاف غير ما يعم به البلوي و هذا الكلام انما يناسب زمان الغيبة و ما يشبهها كما هو المهم المحتاج اليه لنا لا اول زمان صدور الشرع و توجيهه علي مذهبنا من صدور جميع الاحكام عن النبي صلي الله عليه و آله و كونها مخزونة عند الأئمة عليهم السلم و انه لميبق شيء الا و قد صدر حكمه عنه (ص) ان مراد المحقق ان فيما يعم به البلوي يحصل الظن بان الحكم الذي صدر فيه عنه (ص) انما هو الاباحة اما بتصريحه (ص) و لكنه لكونه غير محتاج اليه لموافقته للاصل لمينقل الينا و اما بتقريره لما هو [ص 83] مقتضي الاصل بخلاف ما لايعم به البلوي فانه يحتمل ان يكون حكمه الصادر عنه (ص) مخالفا للاصل و لكن لميصل الينا لعدم توفر الدواعي و انت خبير بانه انما يحسن نكتة و علة للحكم بالاباحة الشرعية و عدمه بالخصوص و لكنه لاينافي ذلك كون حكم ما لميعلم حكمه من الشارع بالخصوص هو البراءة للزوم التكليف بما لايطاق لولاه و ان المثمر في البيان هو البيان الواصل الي المكلف لا مطلق البيان و مقتضي ان التكليف لايصح الا بعد وصول البيان لايتفاوت فيه الامران و بالجملة الحق و التحقيق جواز التمسك باصل البراءة فيما لميبلغ الينا فيه نص سواء كان مما يحتمل الوجوب او الحرمة و اقتصر الاخباريون علي ما يحتمل الوجوب و غير الحرمة و حكموا بلزوم التوقف في غيره و مرادنا بالنص هو الدليل الشرعي و ان كان هو العقل القاطع كما مر في البحث الاول و ان فرض قلة انفكاكه عن النص الشرعي و حجية اصل البراءة هو مذهب المجتهدين و ما يتراءي في الكتب الفقهية مثل كتب الفاضلين و غيرهما من التوقف في الفتوي و يقولون فيه توقف او تردد او نحو ذلك فليس قولا بوجوب التوقف منهم او العمل عليه بل مرادهم بيان تعارض الامارات من الطرفين فيظهرون انه محل التوقف عندهم من حيث خصوص المسألة بالنظر الي الدليل الخاص و ان كان فتواهم و عملهم بعد ذلك الرجوع الي الاصل و التخيير و سنشير الي ان اخبار التوقف ايضا تحمل علي ذلك اي علي التوقف في الخصوص فالمجتهدون و الاخباريون كلاهما متوقفون في الحكم من حيث الخصوص ثم يختلفون في حكم الواقعة بعد ذلك من حيث انها مجهول الحكم فذهب المجتهدون الي البراءة الاصلية و الاخباريون الي لزوم الاحتياط و كيف كان فالاقوي و الاظهر هو العمل علي البراءة الاصلية و ادعي عليه الاجماع [ص 84] جماعة منهم الصدوق (ره) في اعتقاداته في باب الحظر و الاباحة في الاشياء المطلقة قال اعتقادنا في ذلك ان الاشياء كلها مطلقة حتي يرد في شيء منها نهي . فيظهر منه انه دين الامامية و عن المحقق (ره) انه قال : ان اهل الشرايع كافة لايخطؤن من بادر الي تناول شيء من المشبهات سواء علم الاذن فيها من الشرع او لميعلم و لايوجبون عليه عند تناول شيء من المأكل ان يعلم التنصيص علي اباحته و يعذرونه في كثير من المحرمات اذا تناولها من غير علم و لو كانت محظورة لاسرعوا الي تخطئته حتي يعلم الاذن انتهي . و ايضا يحكم العقل بعدم التكليف الا بعد البيان و يدل عليه الكتاب و السنة اما الكتاب فقوله تعالي و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و المتبادر منه انا لانعذبهم علي ما يفعلون حتي نبلغهم الاحكام ببعث الرسول و بعد ملاحظة ما سبق في البحث الاول يظهر ان المراد الافعال التي لا حكم للعقل فيها بالامر و النهي او نقول ان الرسول اعم من الظاهر و الباطن و عدم التعذيب كناية عن انه ليس هناك ايجاب و تحريم حتي يبعث رسولا و الا فيلزم انفكاك اللازم عن الملزوم و الاخبار عن العفو عن المؤاخذة عن جميع المحرمات و ترك الواجبات الي زمان يستلزم القاء الايجاب و التحريم الي ان قال ثم ان نفي الايجاب و التحريم من الشارع يستلزم الرخصة في الفعل و الترك و احتمال ذلك للاحكام الثلاثة الباقية لايضر اذ المراد من اصل البراءة نفي احد الحكمين سواء استلزم المقام بعد ذلك ثبوت الاستحباب او الكراهة او الاباحة بالمعني الاخص فان المراد ان الاصل براءة الذمة عن الوجوب و الحرمة قبل وصول ما يدل عليها الينا سواء وصل مطلق الرجحان او المرجوحية ام لا و قوله تعالي ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و التقريب فيه يظهر مما تقدم و كذلك قوله تعالي [ص 85] لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و امثالها من الآيات الدالة علي عدم المؤاخذة الا بعد البيان و اما السنة فمثل ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب جواز القنوت بالفارسية عن الصادق عليه الصلوة و السلام كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي و رواه الشيخ (ره) ايضا و في روايته امر او نهي و دلالته ظاهرة فان المراد كل شيء مطلق عنانه مقيد بزجر الشارع بحيث لايمكن تناوله فيجوز تعاطي فعله و تركه حتي يثبت منع و زجر بسبب قيد الشارع و حبسه بنهيه عنه و المراد من النهي في حديث في حديث الصدوق اعم مما تضمنه الواجب من النهي عن الترك و حمل الرواية علي استصحاب اطلاق الحكم الوارد من الشرع حتي يثبت التقييد او علي ما لايحتمل التحريم فانه وفاقي او علي ما يعم به البلوي لحصول الظن فيه كما مر او نحو ذلك من المحامل البعيدة تأويلات بعيدة لا داعي الي ارتكابها لضعف معارضاته كما سيظهر ان شاء الله تع و ما رواه الصدوق في التوحيد في الصحيح عن حريز عن الصادق عليه الصلوة و السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله رفع عن امتي تسعة الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لايطيقون و ما لايعلمون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لمينطقوا بشفة ، و رواه في اوائل الفقيه ايضا فان رفع المؤاخذة عما لايعلمون ظاهر في الاباحة الشرعية و ما رواه في الكافي في باب حجج الله علي خلقه في الموثق عن ابيالحسن زكريا بن يحيي عنه (ع) ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ، فان المراد وضع تكليفه عنهم او وضع المؤاخذة و هذا يشمل محتمل الوجوب و الحرمة و لا وجه لتخصيصه بمحتمل الوجوب ، الي غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة علي عدم التكليف و المؤاخذة الا بعد العلم مثل قوله (ع) ايما امرء ركب [ص 86] امرا بجهالة فليس عليه شيء و قوله (ع) الناس في سعة ما لميعلموا و نحوهما اقول ثم ذكر صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلم قال كل شيء فيه حلال و حرام فهو حلال لك ابدا حتي تعرف الحرام منه بعينه انتهي ، و اعترض علي الاستدلال بها فيما لا نص فيه فيما اشتبه حكمه الشرعي و انما هي ظاهرة فيما اشتبه موضوع الحكم ثم شرح ذلك و بينه و مثل لذلك باللحم المشتري من السوق الذي لايعلم انه مذكي او ميتة و هو حلال بمقتضي الرواية المتقدمة لعدم العلم بانه داخل تحت اي القسمين الذين علم حالهما فلو ارتفع الجهل و حصل العلم فلايحتاج بعد ذلك الي دليل آخر شرعي في معرفة الحكم و هذا غير الشبهة الحكمية فانها تكون من جهة عدم الدليل اصلا كشرب التتن مثلا او من جهة تعارض الدليلين ثم ذكر توجيها للرواية المتقدمة بحيث تشمل الشبهة في نفس الحكم الشرعي و تنظر فيه .
و ذكر كلاما طويلا في عدم دلالته علي الشبهة الحكمية و استعان لذلك بما روي عن الصادق عليه الصلوة و السلام كل شيء هو لك حلال حتي تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل يكون الثوب عليك فقد اشتريته و هو سرقة او المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه او خدع فبيع او قهر او امرأة تحتك و هي اختك او رضيعتك و الاشياء كلها علي هذا حتي يستبين لك غير ذلك او يقوم به البينة و حرف كل ذلك الي الشبهة في الموضوع دون الحكم ثم ذكر في آخر هذا البيان بقوله : ثم مما ذكرنا ظهر لك ان الاصل في شبهة الموضوع ايضا اصالة البراءة و الظاهر انه لا خلاف فيه حتي من الاخباريين و وجهه ظاهر مما مر ثم ذكر بعد ذلك ادلة الاخباريين علي وجوب التوقف مثل قوله تع : و لاتقف ما ليس لك به علم ، و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و امثالهما و قول ابيالحسن موسي عليه السلم [ص 87] اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه و كقول ابيعبدالله عليه السلم لايسعكم فيما نزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت له و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلم حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله تع فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ، و حديث التثليث المشهور بين الخاصة و العامة و هو قول الرسول (ص) حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجي من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات فهلك من حيث لايعلم ، ثم اجاب عن هذه الادلة بما هذا لفظه :
و الجواب عن ادلة الاول القول بموجبها اذ نحن ايضا نكف عن حكم ما لمنعلم حكمه بالخصوص و الذي نحكم به هو حكم ما لمنعرف حكمه بالخصوص من حيث انا لانعرف حكمه بالخصوص لا من حيث هو بالخصوص فنحن لانحكم فيما لا نص فيه الا بما علمنا من الكتاب و السنة و الاجماع و هو اصالة البراءة فان قلت اخبار التوقف مطلقة و لا وجه لتقييدها بما ذكرت بل مقتضاها التوقف عن الحكم فيما لانعلم حكمه بالخصوص خصوصا و عموما قلت : اولا ان من تتبع تلك الاخبار يظهر له ان مرادهم عليهم السلم من ذلك المنع عن العمل بالقياس و لانطيل الكلام بذكر تلك الاخبار و ان شئت فراجع الي مظانها من كتاب الكافي و غيره و اكثر الكتب جمعا لذلك هو كتاب وسائل الشيعة في ابواب القضاء و لا ريب ان القياس انما يثبت حكم الجزئيات لا الكليات و ثانيا ان المعارضات مما دل علي اصل البراءة اقوي سندا و دلالة و اعتضادا بالكتاب و السنة و العقل و العمل بل الاجماع و الموافقة للملة السمحة السهلة و نفي العسر و الحرج و الضرر فهي اولي بالتقييد و التأويل فحاصل البحث انكم تقولون ان حكم المشتبه [ص 88] و ما لايعلم حكمه بالخصوص هو التوقف لهذه الاخبار و نحن نقول هو اصالة البراءة لتلك الاخبار و الادلة و ادلتنا اقوي فنطرح ادلتكم او نقول غاية الامر تساوي الطرفين فيرجع الي ما تعارض فيه النصان و سيجيء ان المختار فيه التخيير فيرجع الي اصالة البراءة ايضا و ثالثا ان دلالة تلك الاخبار علي الوجوب ممنوعة بل الظاهر من كلها او من ملاحظة مجموعها الاستحباب و الاولوية و نحن لانمنعه بل نقول باستحباب الاحتياط و الترك فيما يحتمل الحرمة و التوقف في العمل و الفتوي و العمل علي الاحتياط و لايخفي ما ذكرنا علي من لاحظها ادني ملاحظة فانها مذكورة في سياق الوعظ و التزهيد و الترغيب في الخبر و الردع عما سعي ان يصير موجبا للدخول في الحرام لا النهي و الزجر الصريح في الحرمة و رابعا ان بما ذكرنا يحصل الجمع بين الادلة جمعا قريبا لايشمئز منه الافهام المستقيمة بخلاف ما لو حمل علي ظواهر ما ذكرتم فان حمل اخبار اصل البراءة علي خلاف ظاهرها مثل حملها اما علي شبهة الموضوع او علي ما يحتمل الوجوب لا ما يحتمل الحرمة بعيد بل لايمكن جريانه في بعضها مثل قوله (ع) ايما امرء ركب امرا بجهالة حيث ورد في لبس المخيط للاحرام و حكاية التزويج في العدة المذكورة في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج الآتية في حكم الاحتياط و كك حملها علي التقية لاختلاف العامة في المسألة و خامسا نقول ان ذلك حيث يمكن الرجوع الي الأئمة عليهم السلم كما يستفاد من بعض او الي اصحابهم و كتب اخبارهم و نحن نقول ان من شرائط العمل باصل البراءة الفحص و البحث عن الدليل لا مط كما سيجيء و سادسا يمكن ان يقال ان ذلك حكم ما لا نص فيه قبل الاطلاع بما صدر عنهم في حكمه من الاباحة . [ص 89] و اما حديث التثليث فالجواب عنه اما اولا فانه لايدل علي الحرمة بل انما يدل علي ان ارتكاب الشبهة مظنة الوقوع في الحرام الواقعي و اذا وقع في الحرام الواقعي فهو يهلكه بالخاصية كالسهم المجهول او ان من ارتكب جميع الشبهات فلاينفك عن فعل الحرام و علي فرض استلزام ذلك الحرمة انما يدل علي الحرمة اذا استوعب جميع الشبهات و هو غير محل النزاع بل النزاع في مطلق الشبهة و كل ما صدق عليه لا جميعها فلايفيد ذلك ازيد من الكراهة كالنهي عن الصرف لخوف الوقوع في الربا و عن بيع الاكفان لخوف الوقوع في محبة موت الناس و امثال ذلك و الحاصل ان مطلب المستدل اثبات المؤاخذة و العقاب الاخروي في ارتكاب ما لا نص فيه و هذا لايدل عليه ، و اما ثانيا فنقول ان ما لانص فيه ليس بشبهة للادلة المتقدمة غاية الامر ان يق انه شبهة من حيث الحكم بالخصوص و اما من حيث العموم و انه من جملة ما لاتعلم حكمه فحكمه الواضح البين هو الحلية سيما فيما هو منفعة خالصة و لايدرك العقل فيها مضرة و لو فرض فيها مضرة كامنة لاتعلمها فارتكابها من جهة الاعتماد علي رخصة الشارع لعله ترياق لهذا السم الكامن فيه فلا مانع من القول باستحباب الاجتناب فيما لا نص فيه من جهة جهالة حكمه بالخصوص و كك الكلام في شبهة الموضوع و فيما تعارض فيه النصان فللكل جنبتان يستحب الاجتناب عنها من جهة الخصوصية و يجوز ارتكابها من جهة عموم الادلة فيما لانعلم ، و اما ثالثا فالعمل بهذا الحديث يوجب حرمة الموضوع المشتبه ايضا و القول بان اكل الفاكهة الغير المنصوصة حرام لهذا الحديث و اكل مال العاشر الذي معيشته من العشور حلال اذا احتمل وجود الحلال فيه غريب بل هذه الرواية في موضوع الحكم الشرعي اظهر من غيره و حمل ما مر من الادلة المبيحة لما لا نص فيه علي [ص 90] الشبهة في موضع الحكم و حمل هذه علي نفس الحكم كما تري فكما يرد هذه الرواية نقصا علينا ترد عليهم ايضا ، و اما رابعا فعلي فرض دلالتها علي الحرمة تحملها علي الاستحباب كما هو ظاهر سياقها ايضا لكون ما ذكرناها من الادلة اقوي من جهات شتي كما مر فان قلت ان مقبولة عمر بن حنظلة التي ذكر فيها هذا الحديث ذكر الصادق عليه الصلوة و السلام فيها اولا من جملة وجوه التراجيح بين الاخبار تقديم المشهور علي الشاذ معللا بانه المجمع عليه و المجمع عليه لا ريب فيه ثم قال و انما الامور ثلثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الي الله تع و رسوله (ص) قال رسول الله صلي الله عليه و آله حلال بين الي آخر ما ذكرنا و هذا يدل علي وجوب ترك الشبهات فان تعليل الامام عليه السلم تقديم المجمع عليه بانه لا ريب فيه و بان الشاذ النادر من الامر المشكل الذي لايجوز القول به و يجب رده الي الله و رسوله صلي الله عليه و آله يدل علي وجوب ترك الشبهة قلت استدلاله (ع) بكلامه في هذا المقام ابداء للحكمة و وجه المنع عن اتباع الامر المشكل فان وجه منع رسول الله صلي الله عليه و آله عن الشبهة انما كان هو الوقوع في الحرام فاذا كان الوقوع في الحرام مع الجهالة منشأ للمنع فمع معلومية الحق المجمع عليه و ثبوت الحجة فهو اولي بالمنع فاذا كان ذلك مكروها فيكون هذا حراما و ان لمنوجه المقام بذلك فلا بد ان نقول بعدم وجوب العمل بالمرجحات المذكورة في هذه المقبولة و ان العمل عليها يكون مستحبا و انتم لاتقولون به و ان جعلتم المراد من الشبهات في قوله (ع) نظير الشاذ النادر فيما نحن فيه فنحن ايضا نقول بحرمتها فلا نزاع بيننا و انما النزاع فيما تكافأ الاحتمالان او الامارتان بالنسبة الي الشرع و ما استدل عليه [ص 91] الصادق عليه الصلوة و السلام ليس كك ، و اما خامسا فلأن الظاهر من بعض الروايات انه لا عقاب علي الشبهات منها ما رواه علي بن محمد الخراز في كفاية النصوص علي ما نقل عنه بسنده عن الحسن عليه الصلوة و السلام انه قال في جملة حديث ان في حلالها اي الدنيا حسابا و في حرامها عقابا و في الشبهات عتابا فانزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يغنيك ان كان حلالا كنت قد زهدت فيها و ان كان حراما لمتكن اخذت من الميتة و ان كان العتاب فالعتاب سهل يسير هذا الكلام فيما لا نص فيه و اما الكلام فيما تعارض فيه النصان فالمختار منه ايضا اصالة البراءة عن تعيين احدهما و التخيير في العمل بايهما اراد و سيجيء الكلام فيه في باب التراجيح ، الي آخر ما ذكر .
اقول قول صاحب الحدائق : فالعامة كلا و اكثر اصحابنا علي القول بها الخ ، مشكل لان لقائل ان يقول من اين علمت ان اقوال العامة باسرها علي ذلك هل تصفحت اقوالهم جميعا و هي كثيرة متفرقة في الاقطار و الامصار قد اندرس بعضها و تفرق البعض الآخر و هم بانفسهم قد عجزوا عن ضبط اقوالهم فكيف يمكن ادعاء ان العامة قاطبة علي ذلك مع انه قد نقل في شرح الفوائد المكية حكاية تدل علي خلاف بعضهم قال في ضمن استدلاله علي وجوب التوقف و الاحتياط بما هذا لفظه :
و رأيت في آخر جمع الجوامع و شرحه من كتب اصول الشافعية حكاية حسنة في هذا المقام فاستمع لها ففي جمع الجوامع اذا خطر لك امر فزنه بالشرع فان كان مأمورا فبادر فانه من الرحمن و ان كان منهيا فاياك فانه من الشيطان و ان شككت أمأمور ام منهي فامسك . في شرح الفاضل بدرالدين الزركشي له : القسم الثالث ان تشك في كونه مأمورا و منهيا فالواجب الامساك عنه لقوله صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك ، و انما [ص 92] اقتصر المصنف علي هذه الاحوال الثلاثة لانها قطب العلم و عليها تدور رحي العمل و قد بلغني عن بعض الائمة انه رأي في ابتداء امره في المنام انه حضر الجامع فوجد فيه متصدر فجلس ليقرأ عليه فقال كيف تقرأ علي و قد علمك الله المسائل الثلاث فانتبه و اتي معبرا فقال اذهب فستصير اعلم اهل زمانك فان المسائل الثلاث التي اشار اليها امهات العلم في قوله صلي الله عليه و آله و سلم الحلال بين و الحرام بين و بينهما امور مشتبهات الحديث ، انتهي كلامه . و انا اقول ايها الناظر اللبيب انظر كيف انطقهم الله بالحق من حيث لايدرون ، الي آخر ما ذكر .
اقول جاء الملا محمد امين بهذه القصة لانه قد وجد فيها نوع تأييد لما ذكر فاذا كان الامر كذلك فيشكل البت علي ما ذكره صاحب الحدائق فلايمكن له اثبات ذلك حتي يمكنه الاستدلال من هذا الطريق علي وجوب مخالفة العامة كما دلت عليه الاخبار المتكثرة هذا و ليس كل مجمع عليه عندهم باطل بالكلية ما لميظهر بطلانه بالدليل مع انا نسلم له ان هذا الاصل اعني البراءة الاصلية بهذا اللفظ قد جاء من قبل العامة العمياء و اخذه الاصوليون منهم بلا روية و اجروه في مذهبهم و هو و ان كان له معني صحيح علي ما ستعرف لكن لفظه خبيث و صورته قبيحة لميذكر اسم الله عليها و هي من الاسماء التي سماها الخلق كما قال سبحانه ان هي الا اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان فنزاع مشايخنا مع الاصوليين من حيث اللفظ لا غير و اما اصل المعني فثابت اذا كان المقصود منه الاباحة الشرعية .
و اما قوله حتي طرحوا في مقابلتها الاخبار الضعيفة باصطلاحهم الخ ، اقول هذا حق فقد عدوا هذا الاصل من الادلة العقلية فاذا عارضه خبر ضعيف طرحوه و لا شك ان هذا من افراطهم في المسائل و تقليدهم العامة من حيث يشعرون [ص 93] و من حيث لايشعرون و قد قدمنا ان لا حجة للادلة العقلية مهما كانت اذا لمتستند الي نقل يعاضدها و الي شرع يساندها فالاصوليون من اصحابنا فيما ذهبوا اليه مفرطون .
قوله جملة علمائنا الاخباريين و طائفة من الاصوليين الخ ، اقول قد نقل في الحاشية معلقا علي هذا الكلام ان منهم الشيخ قدس سره في كتاب العدة الي ان قال و مثله ايضا المحقق في المعتبر و قد مر في كلام القمي الآنف الذكر نقلا عن المحقق و لميعين الكتاب كلام مفاده حجية اصل البراءة و لستادري انه في كتاب المعتبر عدل عن هذا القول او له في المسألة قولان و الظاهر علي ما نقل القمي عنه انه اختار حجية اصل البراءة في كتاب الاصول مط و خصها في المعتبر بما يعم البلوي ثم ذكر القمي عند نقل كلامه توجيهه علي ما ذهب اليه .
و اما قوله ان ما عداه قول بلا دليل الخ ، فليس بسديد فان اصل البراءة اذا كان باللفظ الذي نقوله نحن اعني الاباحة الشرعية فيما لا نص فيه هو الحق الذي لا مفر عنه المدعوم بالادلة الشرعية من الكتاب و السنة و ادلة العقل المستنير بالنقل كما سيتضح لك ذلك ان شاء الله تعالي و اما ادلة الاخباريين هنا فليست في الحقيقة بادلة و قد اشتبه عليهم الامر لعدم تمييزهم بين المجهول و المشكوك و بين الذي لا نص فيه و بين ما تعارض فيه نصان و تصورهم الفاسد بان الترك فعل عدمي و لميعرفوا انه ايضا فعل وجودي و ليس بفعل عدمي بحت و لذا يقال للمتعمد في الترك تارك و لايقال للنائم او للساهي عن الصلوة مثلا تارك .
و اما قوله الثاني استفاضة الاخبار بان للّٰه في كل واقعة حكما شرعيا مخزونا عند اهله الخ ، [ص 94] فلا ريب ان ذلك كذلك و ان كل شيء له حكم من الله و قد قال الله سبحانه في محكم كتابه المجيد فيه تبيان كل شيء و لا رطب و لا يابس الا في كتاب و هنا لايصح التمسك باصالة العدم و قاعدة عدم وجود الدليل دليل علي العدم قاعدة اصلها العامة العمياء و كل ذلك صحيح و جيد لكن مع هذا كله انك ذكرت ان الأئمة سلام الله عليهم و الرسول (ص) كانوا في زمن تقية و فتنة فقد اخفوا كثيرا من الاحكام بسبب ذلك و لسنا نقول انا لسنا بمكلفين و لانقول كما يقوله العامة ان عدم وجود الدليل الشرعي دليل علي العدم فيجرون بذلك اصالة البراءة بل نقول نحن مكلفون باوامر الشارع و نواهيه فاذا امر اطعنا و اذا نهي عن شيء تجنبنا فذمتنا مشغولة باوامر الشارع و نواهيه و العبد لا بد و ان يكون مشغول الذمة بالعبادة فالاصل حقيقة الاشتغال بالعبودية لكن ماذا نصنع اذا اخفي الحجج عليهم السلم احكاما للتقية لمتصل الينا او ذكروا احكاما فالقي الشيطان فيها ما القي و ازالها عن موضعها بتحريفه فلم تصل الينا علي النهج القويم و الصراط المستقيم فلا شك انها بالنسبة الينا قد خلت عن الحكم لعدم وصوله الينا بعد ان اجتهدنا في التفتيش عنه فما تكليفنا آنذاك فلا ريب اننا اذا رجعنا الي الكتاب نجده قد ذكر لايكلف الله نفسا الا وسعها ، و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و كذلك قد تواترت الاخبار معني بذلك فقالوا علي الله البيان و سئلوا هل وجد في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقالوا لا فقيل فهل كلفوا المعرفة فقالوا لا علي الله البيان و قالوا رفع عن هذه الامة تسعة و عد منها ما لايعلمون و غير ذلك من الاخبار المتواترة العامة و قالوا ايضا كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص و في رواية نهي فيستفاد من كل ذلك ان تكليفنا في عدم وصول الحكم الينا الاطلاق و لولا ذلك للزم العسر و الحرج المنفيان بالآيات [ص 95] و الاخبار كقوله تعالي ماجعل عليكم في الدين من حرج و التفريق بين ما يعم به البلوي فالنفي و بين ما لايعم به البلوي فالتوقف و الاحتياط يحتاج الي دليل و هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و البرهان آية محكمة من كتاب الله المجيد و حديث مجمع عليه من الرسول الحميد او خبر صحيح من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم و اذ ليس فليس .
فقول صاحب الحدائق نعم ما ذكروه يتم عندنا فيما يعم به البلوي من الاحكام الخ ، كلام فاسد لعدم دليل يسانده و عندي ان ذلك تخصيص من غير مخصص و ترجيح من غير مرجح فان الآيات و الاخبار تدل علي العموم و لاتحتمل التخصيص و التخصيص بالعقول و الادلة الاعتبارية لايترتب عليه اثر بوجه من الوجوه و من ذلك ما ذكره في الحاشية بقوله : من ان عدم الدليل يدل علي العدم و التمسك بالبراءة الاصلية علي عدم الحكم واقعا يتم عندنا في الاحكام التي يعم بها البلوي كوجوب قصد السورة و وجوب نية الخروج من الصلوة بالتسليم و نحوهما فان المحدث الماهر اذا تتبع الادلة حق تتبعها في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر لعموم البلوي بها و لميظفر بما يدل علي ذلك يحصل له الجزم او الظن القوي عند بعض بعدم الحكم ، الخ ما قال . و اقول ما الفرق بين الامور العامة البلوي و غيرها اذا كان لميصلنا فيها نص اذ المفروض عدم وصول النص الينا في كليهما فنحن لا شك جاهلون بحكمها علي الحقيقة و حكمها في حقنا الاطلاق لما وردت به الاخبار و كيف يمكن علي زعمكم فيها التوقف و الاحتياط و ليس الترك فيها باولي من العمل اذ كلاهما فعلان وجوديان و اذا اوجبنا الترك هنا يحتمل لنا الوقوع في الحرام بتركنا الواجب فمن الذي اعلمكم ان حكم المسألة في الحقيقة عند آلمحمد (ع) لميكن الوجوب و انتم بتوقفكم و ترككم [ص 96] قد تركتم الواجب فالامر في الحقيقة اذا لميرد نص من الشارع يحتمل الاحكام الخمسة و الانسان لايمكنه الترك و الفعل معا فاما ان يفعل فيحتمل وقوعه في الحرام او المكروه او يترك فيحتمل ان يترك الواجب او المستحب و لايخلو من ذلك فالترك فعل وجودي و الذاهب اليه مشرع له شرعا بهواه من دون دليل نعم لا شك في التوقف في اصل الفتوي اما كيف يمكن الاحتياط فيها و الاحتياط هنا ترجيح احد الجانبين اما الترك و اما الفعل و انتم ترجحون الترك فهل لكم دليل علي ذلك فان قلتم الاخبار الآمرة بالاحتياط تنص علي ذلك قلت اولا لم لمتعمموها في الكل و لم خصصتموها في الامور التي لاتعم بها البلوي و التخصيص من دون مخصص من الشارع باطل لانه رأي و اجتهاد و ان قلتم قد وردت اخبار بالاحتياط فما موضعها و ما محلها و نحن قد تصورنا ان موضعها ما ذهبنا اليه قلت سيجيء البيان عن ذلك مفصلا و سنعرفك عن محالها و مواضعها قريبا عاجلا ان شاء الله تعالي .
قوله : الثالث استفاضت الاخبار بتثليث الاحكام الي قوله و لو تم ما ذكروا من العمل بالبراءة الاصلية المقتضي لدخول ما دلت عليه في الحلال البين لميبق للقسم الثالث فرد يندرج تحته ، الخ . اقول هذا الموضع من المواضع المهمة التي اشتبه فيها الاخباريون و ذلك لعدم تمييزهم بين الامور المشتبهة و بين المجهولة و سقوا الجميع بماء واحد و اعرف انت اذا لميعرفوا و لميميزوا بان المجهول غير المشتبه فان المجهول عدم حضور شيء عند النفس فاذا لميحضرك شيء بالاصالة فانك جاهل فانت مثلا جاهل بوجود الصين اذا لميبلغك خبر عنه فتقول اني جاهل و لاتقول اني شاك او في شبهة من وجودها كيف و انت لميحضرك بالفرض شيء من ذلك نعم اذا قام لك دليلان احدهما يثبت وجود [ص 97] الصين و الآخر ينفيه و كانا متساويين في الدلالة فحينئذ تقع في الشبهة و الشك فتقول اني شاك مرتاب في وجود الصين و عدم وجودها و كل ذلك اذا حضر لديك دليلان و تساويا في القوة و اما اذا اختلفا في قوة الدلالة فيحصل من الدليل الاقوي الظن و من الاضعف الوهم و علي اي حال محل الشبهة هو قيام دليلين مختلفين علي امر من الامور لا عدم حضور شيء عند النفس فمحل اخبار التثليث فيما اذا حصل شيء مما قدمنا مما قام عليه دليلان او ما شابه ذلك من نظايره فقوله لميبق للتثليث وجه يندرج تحته في غير محله لانك قد عرفت انه يندرج في المواضع المشتبه فيها الاحكام بسبب عروض ما هو باعث علي الاشتباه اما وجود النصوص المختلفة او خبر له معان متعددة لايعرف منها المخرج او ما شابه ذلك من امثاله و ليس ما لا نص فيه من الشبه التي جعله الاخباريون من الاخبار في تثليث الاحكام .
قوله : الرابع الاخبار المتكاثرة المتواترة معني انه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب السؤال الخ ، اقول يعني بذلك الاخبار الآمرة بالسؤال عنهم عليهم السلم مع عدم العلم و مع عدم السؤال التوقف و التثبت كما مر عليك جملة منها في كلام القمي كقول ابيعبدالله عليه السلم لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت له و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلم حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون انتهي ، و قد اعدنا الحديث الشريف تبركا و تيمنا و لكونه كما ذكر القمي اوضحها دلالة علي المقصود عند الاخباريين فاقول لا ريب في ان لكل واقعة حكما من الله مخزونا عند آل بيت محمد عليهم السلم و قد اكمل [ص 98] الله الدين فقال اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي فالدين كامل و احكام المسائل عند اهلها واضحة ناصعة اما نحن فجاهلون بجلها و قد فرضوا علينا المسألة و لا بد من السؤال من اهل الذكر و هذا كله صحيح في محله لكن يجب السؤال عند الامكان من السؤال اما يومنا هذا بعد رحلة النبي و الاوصياء و غيبة الحجة فلا يمكننا السؤال عنهم و لا من نوابهم فالسؤال عنهم يومنا هذا موضوع عنا و اما وجوب التوقف و الاحتياط اما في اصل الفتوي فلا شك فيه و يجب علينا السكوت و عدم الافتاء بشيء و قد قالوا عليهم السلم اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه و قد امرنا بالتثبت و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلم كما في الحديث الشريف المتقدم فتثبتنا و رددنا علم ذلك كله اليهم بسكوتنا و عدم افتائنا بشيء من الاحكام بآرائنا فماذا تريدون منا و اما العمل فلايمكن لنا اجتناب الترك و الفعل معا فان رجحنا الترك احتمل لنا الوقوع في الحرام لاحتمال تركنا امرا واجبا و ان عملنا يعني اخترنا العمل مرجحين له احتمل لنا الوقوع في الامر الحرام فما حكمنا هنا في هذه الطخية العمياء و اذا رددنا ذلك اليهم عليهم السلم و فتشنا اخبارهم نجد الامر واضحا بلا غبار و هو قولهم عليهم السلم فيما لا نص فيه كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص و في النصوص المختلفة حكمه السعة كما في الكتاب المبين سئل ابوعبدالله عليه السلم عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في امر كلاهما يرويه احدهما يأمر باخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع قال يرجئه حتي يلقي من يخبره فهو في سعة حتي يلقاه ، فالامور النازلة بنا سواء كانت مما لا نص فيه او ما فيه نصوص مختلفة حكمها التوقف في الفتوي و الرد الي ائمة الهدي عليه السلم و الارجاء اليهم و السعة في العمل [ص 99] كما بينوا ذلك في كثير من اخبارهم مع انا لانقول ايضا بان السعة و الاباحة هو حكم كل المجهولات في الحكم الاولي بل له حكم خاص به عند اهل البيت عليهم السلم غاية ما هناك اخفوه عنا خوفا من فرعون و ملائه و بينوا لنا وجه العمل فيما اذا اتفق لنا شيء من ذلك و لميتركونا هملا و لميصعبوا علينا التكليف و اما قوله و لو كان للعمل بالبراءة الاصلية اصل في الشريعة لما كان لامرهم بالتوقف وجه فانك قد علمت الوجه في التوقف و هو التوقف في اصل الفتوي و اما في العمل فحكمه السعة لكون المرء لايمكنه التجرد عن الفعل و الترك كليهما فان توقف و لميعمل عد تاركا و الترك فعل وجودي و ليس علي ما يزعمون انه فعل عدمي و لذا تشتق له فعلا و تقول ترك و قد غفلوا عن هذا المعني و ان عمل احتمل له الوقوع في الحرام و لايسعه ان يتخلص من هذين الحالتين و لجوؤهم الي التوقف لكونه فعلا عدميا محض خيال فاسد لا غير .
قوله : الخامس انه قد ورد عنهم جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها و لميذكروا البراءة الاصلية الخ ، اقول ان آخر مقبولة عمر بن حنظلة قوله عليه السلم : اذا كان كذلك فارجه و قف عنده حتي تلقي امامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و الله المرشد انتهي اقول و هو نص في التوقف في الشبهات و لايمكن التوقف هنا الا بترك الفتوي و اما ايجاب الاحتياط هنا فهو خلاف الاحتياط لانه تعيين احد الشقين و نحن مأمورون بنص الحديث الشريف و بنص غيره بالتوقف عن التعيين لانه شبهة و مريب و ليس من دين الله و دين الله ان ما رخص فيه تجعله مرخصا فيه و ان ما جعله مستحبا تحكم باستحبابه و ما جعله مكروها تلزم كراهته و ما جعله حراما توجب حرمته و هكذا ما جعل [ص 100] حكمه التوقف تلزم التوقف فيه و حكمك بالاحتياط وجوبا ايجاب ما لميوجبه الله سبحانه لانك قد عينت احد الشقين بايجابك الاحتياط فليس ذلك من التوقف و اما في العمل فلايخلو الانسان من الترك و الفعل و لذا فان حكم ذلك السعة كما وسعوا علينا الامر صلوات الله عليهم بقولهم يرجئه حتي يلقي من يخبره فهو في سعة حتي يلقاه و السعة هنا لا شك في العمل .
و اما كلام صاحب الحدائق في الرد علي الاصوليين في هذه المسألة من عدم ورود الاخبار بالترجيح باصالة البراءة علي متعارف الاصوليين من اسقاط الحديثين المتعارضين و الرجوع الي الاصل فجيد متين لانه حكم ماانزل الله به من سلطان و قد خالفهم في ذلك مشايخنا الكرام اعلي الله لهم المقام و مع مخالفتهم لهم لايلزمهم ما الزم الاخباريون به انفسهم من ايجاب الاحتياط كما مر عليك البيان .
و اما قوله و ما ربما يظهر من كلام بعض الاجلاء الي قوله ففيه اولا ان خصوص السؤال لايخصص عموم الجواب كما تقرر عندهم الخ ، فماادري ما مرجع الضمير في عندهم هل هم الاصوليون ام غيرهم و كيف كان فان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل كلام مأخوذ عن آلمحمد عليهم السلم كما روي في الكتاب المبين عن تفسير الصافي في شرح قوله تعالي و الذين يصلون ما امر الله به ان يوصل عن الصادق عليه السلم نزلت في رحم محمد و آلمحمد و قد تكون في قرابتك ثم قال فلاتكونن ممن يقول للشيء انه في شيء واحد انتهي ، فالعبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحل لكن الكلام في الحديث الشريف في الحكومة و اجاب الامام عليه السلم عنها و ذكر الحكومة فقط بقول ان الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما في الحديث و [ص 101] اورعهما و لايلتفت الي ما يحكم به الآخر الي آخر الحديث الشريف فانه كما تري جار في الحكومة و يشكل تعديته الخ الرواية ، فالمورد نظر الي هذا و ايراده في محله لكن مع هذا ان التوقف في الشبهات امر لازم و قد دلت عليه اخبار اخر فلا اشكال في الاخذ به هنا لكن علي ما ذكرنا من ان التوقف في الفتوي و العمل علي السعة و لايجب الاحتياط .
و اما قوله ثانيا ان هذه الترجيحات التي ذكرها عليه السلم لميخصها احد من الاصحاب بالاخبار المتعارضة في خصوص هذه الاشياء التي ذكرها الخ ، اقول لعلهم يجرونها لما شاهدوا في ساير الاخبار الاخر و لميكتفوا بهذا الخبر وحده فان لهذه الترجيحات ذكرا في ساير الاخبار الاخر كمرفوعة زرارة في قوله خذ بقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك و اعلم اني لااريد الدفاع عن المورد بل غرضي ان اوضح لك ان طرز استدلال صاحب الحدائق هنا ليس بجيد مع ان هذه المرجحات الواردة في هذه المقبولة او في مرفوعة زرارة يشكل الاخذ بها من جهات عديدة سنبينها لك اذا سمح لنا الوقت في محله ان شاء الله تعالي .
و اما رده علي من احتج بالآية الشريفة خلق لكم ما في الارض جميعا فجيد لا مشائبة فيه لانها عامة و متشابهة يشكل الاستدلال بها علي المراد مع ما ورد التفسير عن اهل البيت عليهم السلم كما اشار اليه هنا صاحب الحدائق بما يدحض حجة الاصوليين .
و اما ما ذكره في الرد علي استدلالهم بقول الصادق كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي بقوله : ان هذا الخبر و ما ضاهاه مما استدلوا به اخبار آحاد لاتفيد الا الظن الخ ، فليس في محله لان استدلالهم ليس بمنحصر في هذه الرواية و ما ضاهاها [ص 102] فقط بل بروايات عديدة مطابقة لها و يشهد بها العقل السليم و الطبع المستقيم فلنرو لك جملة من الاخبار المعاضدة لها ففي الكتاب المبين عن فصل الخطاب قال ابوعبدالله عليه السلم ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قال من عمل بما علم كفي ما لميعلم و عن ابيعبدالله عليه السلم عن اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث السفرة فقيل يا اميرالمؤمنين لايدري سفرة مسلم او سفرة مجوس فقال هم في سعة حتي يعلموا و قال اميرالمؤمنين عليه السلم ان الله حد حدودا فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقضوها و سكت عن اشياء و لميسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها و قال رسول الله صلي الله عليه و آله رفع عن امتي تسعة الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لمينطق بشفة و قال الصادق عليه السلم الاشياء مطلقة ما لميرد عليك امر و نهي و قال كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نهي و في حواشي البحار من غوالي اللئالي قال الصادق عليه السلم كل شيء مطلق حتي يرد فيه نص انتهي . اقول الاخبار الاخيرة صريحة في الاطلاق و مؤيدة بالاخبار المتقدمة عليها بل عندنا كلها في الواقع صريحة في ذلك لان ما حجب الله علمه عن خلقه فلا شك انه مرفوع عنهم و ان المعرفة من صنع الله لا صنع العبد و علي الله البيان و هو تعالي ارحم من ان يكلف العباد ما لميوصل اليهم العلم فاذا كان غير عالم بتكليف او بحكم فلا ريب انه معذور بالاخبار المتواترة و لايستطيع الي العمل سبيلا لانه خال الذهن عن المعلوم فكيف يمكنه الاحتياط علي زعم الاخباريين و كيف يقدر علي الاحتياط مع الجهل بالحكم و هل ان ايجاب الاحتياط هنا الا تشريع من عند النفس و ايجاب ما لميوجبه الله [ص 103] و متي اوجب الله ذلك و اين اوجبه و علي لسان من فرضه و كيف يكلف الجاهل و هو لايستطيع حيلة الي المعلوم في حال كونه جاهلا ما لكم كيف تحكمون علي انا لانقول كما يقول به البعض من ان ما لا نص فيه فتكليفنا فيه الاباحة الاصلية بمعني عدم تعلق التكليف بنا اصلا نعوذ بالله بل نقول نحن مكلفون باوامر الشارع و نواهيه و عباد مملوكون لله رب العالمين فاذا كان العبد عبد الله تعالي مملوكا له فلايتصور ان يكون في حال من الاحوال خالياً عن التكليف فهو لا شك مكلف بعبودية الله مشغول الذمة باوامره و نواهيه فلا شك ان الاصل هو الاشتغال يعني اشتغال الذمة بالعبادة و اشتغال الذمة باوامر الشارع و نواهيه و ما رأيت من انا نبيح الامور الغير المنصوصة فباباحة الشارع لها فاصل الاباحة عندنا ثابت بالشرع و هو اصل شرعي و حكم ثانوي من الشرع و تكليف منه لا غير مع انا ايضا لانقول ان الجاهل معذور مطلقا حتي يتمسك كل جاهل باصل البراءة فيبيح كل شيء بهذه الحجة فلايعرف الدين بل نقول يجب علي الجاهل المسألة في كل ما لايعلم و يجب عليه التفقه في الدين كما قال الصادق عليه السلم تفقهوا في الدين و لاتكونوا كالاعراب و قال ايضا لوددت ان اصحابي ضربت رؤسهم بالسياط حتي يتفقهوا في الدين ، و لعلي نقلتهما بالمعني فيجب المسألة و البحث عن الحلال و الحرام و مع عدم العثور علي شيء فالاصل الذي لا شك فيه الاباحة بامر الشارع فاي ايراد يرد علينا بعد ذلك هذه هي طريقة مشايخنا الكرام اعلي الله لهم المقام خذها اليك قرير العين ثلج الفؤاد فانها هي النهج الواضح و الجادة المستقيمة .
و لقد وجدت كلاما جامعا في هذا المقام لسيدنا الامجد و عمادنا الاقوم النافي عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين سيدنا و ملاذنا و من [ص 104] عليه في كل الامور اعتمادنا المرحوم السيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه و هو كلام جامع قد ادعمه بالادلة العقلية و النقلية احب ذكره هنا تبركا و تيمنا ليقطع به عذر كل معتذر و انكار كل منكر و ان كان يطول بذكره المقام قال اعلي الله مقامه في رسالته في الادلة الاربعة عند ما سأله السائل هل الاشياء التي لمتصل الينا من الشرع حكمه فالاصل فيه هو الحرمة او التوقف او الحلية كالغليان قال بعد ان ذكر كلاما طويلا في الاستدلال علي ان الاصل هي الاحكام الاربعة الحرمة و الكراهة و الوجوب و الاستحباب و ليس هناك امرا خامسا في الحقيقة لايكون احد هذه الاربعة و انما وجد الخامس اي الاباحة لضعف الخلق و عدم احاطتهم بكل جزئي من هذا العالم فقال اعلي الله مقامه :
و اما اذا اردت الوجه الحقيقي فاسمع لما يتلي عليك ان هو الا وحي يوحي و ليس وراء ذلك كلام فنقول اعلم ان الحدود الالهية التكليفية صور شرعية يتحدد بها الشئ و الحكم الزام تلك الصورة اياه باقتضائه فالشيء المحكوم عليه هو مجموع تلك الصورة و ذلك الشيء الذي هو المادة او كالمادة فقبل تحقق الصورة يبقي ذلك الشيء مطلقا معري عن كل تلك و صالحا للتقيد بها و هذا لا اشكال فيه ثم ان الحدود الجارية علي الاشياء علي انحاء منها حدود تلزمها من حيث نفسها و اقتضاء كينونتها من حيث مراتبها و شئونها و ذاتها و منها حدود تلزمها من حيث انتسابها الي غيرها و اقترانها معه و افتراقها عنه علي ما هو عليه في الواقع الوجودي و منها حدود تلزمها مع الجميع باعتبار علم الآخر به و تعلقها به اذ حدود الشيء الواحد باعتبار العلم و الجهل تختلف الاتري من واقع الاجنبية جاهلا فانها حلال عليه و لو انعقدت نطفة ليست نطفة حرام و ذلك الولد ليس بولد الزنا بخلاف ما لو كان عالما فانه ينعكس الامر و كك الصائم يأكل و [ص 105] يشرب جاهلا بحيث يشبع و يروي و لايبطل صومه و لا قضاء عليه و لا كفارة بخلاف ما لو كان عالما فان عليه القضاء و الكفارة و هذا لا ريب اذا علمت هذه المراتب الثلاثة فاعلم ان كل مرتبة ثانية حدود المرتبة الاولية و تلك المرتبة الاولية بمنزلة المادة الثانية و ان كانت مصورة في مرتبتها كالخشب فانه مركب من المادة و الصورة لكنه مطلق بالنسبة الي السرير و الصنم و الباب و غير ذلك فالشيء من حيث هو قبل التعين و التصور قابل لكل صورة مطلق لا بشرط فلما تصور و تعين تقيد و لايشمل الآخر و هذا الشيء المصور المقيد في رتبته قبل الاقتران بالآخر الذي يقيد الحدود الثانوية مطلق بالنسبة الي الرتبة الثانية صالح للتقيد بكل قيد و حد في المقام الثاني غير محكوم علي شيء مما في هذه المرتبة فيكون المجموع المركب من الحد و المحدود مادة للحدود الثانوية سواء طابقت الاولي ام خالفت او ناقضت و ذلك كالصدق فانه من حيث هو طيب طاهر حلال يوصل صاحبه الي اعلي مقامات القرب و الكذب فانه من حيث هو رجس نجس خبث منتن حرام يوصل صاحبه الي اسفل دركات البعد لكن اذا اضيف مع الآخر ينقلب الحكم فاذا اضيف الصدق الي هلاك المؤمن فيكون حينئذ من حيث هذا الوصف رجسا نجسا باطلا حراما و الكذب اذا اضيف الي نجاة المؤمن في الله يكون حلالا طيبا طاهرا مباركا و لا ريب فيه فاذا قطعت النظر الي الاضافة و رجع كل منهما الي صقعه و رتبته سقط الحكم الثانوي و رجع الي الاولي فكك هذا المجموع باعتبار علم المكلف و جهله به يختلف حكمه و يتجدد حده فيكون ذلك المجموع مادة او بمنزلة المادة المطلقة للحدود الثالثة فاذا قطعت نظرك عن علم المكلف رجع ذلك الشيء الي صقعه و سقطت الاحكام المتعلقة بتلك الرتبة رأسا فتكون حينئذ الرتبة الاعلي [ص 106] الاولي مطلقة بالنسبة الي السفلي الثانية فالشيء مطلق بالنسبة الي الحدود الاولية الثابتة له من حيث هو و لولا تلك الحدود لاجريته في كلما يصلح له و لايأبي عن ذلك و الشيء المحدود بالحدود الاولية الذاتية مطلق بالنسبة الي حال الاقتران فلولا الحدود الثانية الثابتة له من هذه الحيثية لاجريته الي ما يصلح له من حيث الاقتران علي الاطلاق و كك المحدود بالحدود الثانوية مطلق بالنسبة الي الحدود الثالثة الثابتة له من حيث علم المكلف به و تمكنه عليه فلولا تلك الحدود لاجريته فيما يصلح و لايأبي عن ذلك و للاشارة الي هذا السر المخفي قال عليه السلم كل شيء لك مطلق حتي يرد عليك امر او نهي و لنوضح لك المراد بذكر المثال و يضرب الله الامثال للناس و ما يعقلها الا العالمون فنقول ان الذات و الجوهر المجرد عن الصفات المخلوق اولا قبل الصور و التعينات مطلقة عامة شاملة لكل الصور و الحدود و ليس بحد اولي من الحد الآخر بالنسبة اليه و ينتسب الي الكل و ينتفي عنه فاذا تحددت بالحدود الجنسية و تصورت بصورها فامتازت لكن كل حد من هذه الحدود الجنسية مطلق بالنسبة الي الصور النوعية فتصلح كل حصة من الحيوان مثلا لكل من الانسان و الفرس و البقر و امثالها طاهرا فيجوز لك ان تنسب كل حصة الي الكل و تنفي عنه و هذا المحدود بالحدود النوعية مطلق بالنسبة الي الحدود الشخصية فتنسب كل حصة الي كل هذه الحدود و تنفي عنها مما استجن فيها من امكان كل تلك الحدود فاذا تشخص بالمشخصات الجزئية ارتفع العموم و اختص كل حصة بما لها من الصور فتقول زيد و عمرو و بكر و غير ذلك فتدبر في هذا المثال تجد الامر واضحا و ان اردت اوضح من ذلك اذ ربما يستشكل لتصورك و لغرابة المطلب و بعده عن الافهام فلنمثل لك مثالا مطابقا في بادي النظر [ص 107] فنقول ان الشيء من حيث هو هو مع قطع النظر عن ملاحظة كيفيته معه مطلق يصلح لكل طبيعة و كل لون فاذا اضفت اليه الحرارة و اليبوسة اقتضي الحمرة فحكمت عليه انه احمر و اذا اضفت اليه الحرارة و الرطوبة اقتضي الصفرة فحكمت عليه بها و اذا اضفت اليه البرودة و اليبوسة اقتضي السواد فحكمت عليه به هذا اصول الالوان في الجملة و براهينه مذكورة في العلم الطبيعي هذا حكم كل واحد من حيث نفسه فاذا اضفت بعضها الي الآخر يختلف حكمه فتحكم عليه بحكم آخر مثل ما اذا اضفت الصفرة الي السواد تحصل الخضرة فتحكم عليه من هذا الاقتران بالخضرة و اذا اضفت الصفرة الي البياض تحصل الحمرة و اذا اضفت السواد الي البياض تحصل الزرقة و هكذا هذا حكمه من حيث الاقتران الواقعي و اما حكمه باعتبار ظهوره في المراتب مع هذه الالوان و هو مثال علم المكلف فان العلم ظهور صورة المعلوم في مرآة خيال العالم فيختلف باختلاف المرآة فلون الابيض يري في المرآة البيضاء ابيض و في السوداء اسود و في الحمراء احمر و في الخضراء اخضر و في الصفراء اصفر و في العوجاء اعوج فقبل مقابلته بالمرآة يصلح ان يتلون بالاحمر و الاخضر و الاصفر و الاستقامة و الاعوجاج الي غير ذلك من احوال المرآة فلايمكنك قبل المقابلة ان تحكم عليه بشيء من هذه الالوان فيسقط اعتبار حكم المرآة فهو قبل مقابلة المرآة اياه مطلق بالنسبة الي الصور المنطبعة فيها لايجري عليه من حيث المقابلة قبلها حكمه نعم بعد ما ظهر في مرآة من المرايا اختص حكمها به فافهم فانه تمام الامر فظهر لك مما شرحنا ان الاشياء و ان كانت لها حدود من حيث انفسها و حدود من حيث اضافتها الي المكلفين لكنها مطلقة بالنسبة الي علم المكلفين بها و تمكنهم عليها فاذا فقد احد الشرطين اللذين هما تمام قابلية تلك الحدود انتفي المشروط المقبول نعم اذا حصل العلم و المكنة [ص 108] هنا لك حصلت المقابلة التامة فيلزمهم الحكم و يترتب عليه مقتضاه من السعادة و الشقاوة و اما قبل ذلك فالناس المكلفون في سعة من ذلك هذا حكم الوجدان الصحيح الصريح و تطابقت عليه الآيات و الروايات عن سادة البريات مثل قوله تعالي و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و قوله تعالي ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و قوله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و قوله تعالي و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتي يبين لهم ما يتقون و قوله تعالي معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و قوله صلي الله عليه و آله رفع عن امتي ما لايعلمون و قوله صلي الله عليه و آله ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قوله عليه السلم ايما امرء ركب امرا بجهالة فليس عليه شيء و قوله صلي الله عليه و آله رفع عن امتي ما لايعلمون و قوله صلي الله عليه و آله الناس في سعة ما لميعلموا و قوله عليه السلم كل شي مطلق حتي يرد فيه نهي كما رواه الفقيه (ره) حتي يرد امر او نهي كما رواه الشيخ (ره) و قوله عليه السلم حين سئل عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها اهي مما لاتحل له ابدا فقال لا اما اذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو اعظم من ذلك فقلت باي الجهالتين اعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه ام بجهالته انها في عدة فقال عليه السلم احدي الجهالتين اهون من الاخري الجهالة بان الله حرم ذلك عليه و ذلك انه لايقدر علي الاحتياط معها فقلت فهو في الاخري معذور قال نعم الحديث ، و قوله صلي الله عليه و آله ان الله احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم و قوله عليه السلم في قول الله عز و جل و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتي يبين لهم ما يتقون قال عليه السلم حتي يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه قال [ص 109] فالهمها فجورها و تقواها قال بين لها ما تأتي و ما تترك و قال انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا قال عرفناه اما آخذ و اما تارك و عن قوله تعالي و اما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي و هم يعرفون و في رواية بينا لهم و في رواية عبدالاعلي اصلحك الله هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة قال فقال لا فقلت فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و قوله عليه السلم ليس علي خلقه ان يعرفوا و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوا و رواية عبدالاعلي بن اعين قال سألت اباعبدالله عليه السلم من لميعرف شيئا فهل عليه شيء قال لا و رواية حمزة بن الطيار عن ابيعبدالله عليه السلم قال لي اكتب فاملأ علي ان من قولنا ان الله يحتج علي العباد بما آتاهم و عرفهم ثم ارسل اليهم رسولا و انزل عليهم الكتاب فامر فيه و نهي و قوله عليه السلم ان الحجة لايقوم لله علي خلقه الا بامام حتي يعرف و الروايات في هذا المعني كثيرة لاتحصي بل لاتجد خبرا و لا آية من كتاب الله الا و رأيته شاهدا علي هذا المدعي بل الكون و الخلق و الرزق و الحيوة و الموت مابنيت الا علي هذا و السر فيه ما ذكرت لك من دليل الحكمة . انتهي كلامه الشريف الذي يستحق ان يكتب بالنور علي وجنات الحور .