[ص 56] و اما ما ذكر في الفصل الثاني من قوله عدم ظهور دلالة قطعية و اذن في جواز التمسك في نظريات الدين بغير كلام العترة الطاهرة عليهم السلام الخ ، فللاصولي ان يقول قد ظهر لي ادلة علي خلاف ما تقول و هو يستدل بادلة عقلية و نقلية يزعم انها تدل علي مطلوبه و محض عدم ظهور دلالة لك ليس بدليل يقنع الخصم و اما ما استدل به من الاخبار علي انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في الرجوع الي الاخبار ، فللاصولي ان يقول انك استدللت بالاخبار علي حجية الاخبار و هو دور ظاهر فما الجواب ، هذا و ان الاخبار قد اتت الينا من الأئمة الاطهار عليهم السلم بعد ما يزيد علي الالف سنة فيحتمل التحريف و خطأ الكتبة و النسيان و الدس و الوضع و ساير الاحتمالات فيها فكيف يمكن اليقين بمعانيها و انتم تعملون باليقين علي زعمكم و هذه الاحتمالات قائمة فبسببها لايطمئن الانسان بها فمن اين اتاكم اليقين و كيف اتاكم و لميأتنا فما الجواب و انا اقول ايضا ان هذه الاحتمالات لا شك واردة و تدخل الذهن قسراً لوجود اسبابها بل اقدر ان اقول ان الاصولييين متكلفون في تحصيل الظن من هذه الاخبار و هي بسبب هذه الاحتمالات و بعد العهد و تغير الايام و تبدلها لاتفيد الا الشك فما جواب الاخباريين و لا ريب انه ليس لهم جواب مقنع و لا دليل يقطع ايراد المورد و ما ذلك الا لنظرهم الي الامور من حيث الاسفل و انهم لميأتوا البيوت من الابواب بل جاؤا من طريق يكثر فيه قطاع الطرق و لذا تراهم يعملون بالظن و يسمونه يقينا و هل تراجيحهم في كتبهم الفقهية الا من هذا الباب لكن الله لميخل ارضه من عالم ينفي عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و لولا ذلك لفسد الامر و ضاق المسلك و عفت اعلام الدين و درست سبله فلميبق قليل و لا كثير [ص 57] و لذلك من الله علينا ببركة مشايخنا العظام و لضالضنا الفخام اعلي الله مقامهم فجاؤا في هذه الآونة الاخيرة مشيدين لاركان الدين مبطلين تحريف المحرفين مجددين لشرع سيد المرسلين نافين عنه ما عرضه من تغيير المغيرين و لميتسن لاحد الجواب عن هذا الايراد علي الوجه الاكمل و النهج الاقوم الا لهم فلقد جاؤا من غير هذا الطريق لقد جاؤا من طريق السماء بادلة سماوية لاتحتمل الشك و الريب بوجه من الوجوه فقد اثبتوا لذلك دليل التسديد الذي هو نور كل بصير و مصباح كل سالك و هدي لكل من اراد الهداية فقد نظروا الي الامور من الجهة العليا و تدبروا في آيات الآفاق و الانفس و مشوا بمصباح العقل المستنير بالنقل و تصفحوا الآيات و الاخبار بكل ما اعطاهم الله من قوة فاستنبطوا من كل ذلك بادلة متساندة متعاضدة يعضد بعضها بعضا هذا الاصل الاصيل فصنفوا فيه التصانيف الكثيرة و الرسائل الغفيرة و من شاء فليراجع آخر علم اليقين و رسالة التسديد الخاصة في ذلك لمولانا القمقام و سيدنا العلام و حجة الله علي الخاص و العام الحاج محمد كريم خان اعلي الله مقامه و رفع في جنان الخلد اعلامه و اذكر لك هنا ملخصا منه تبركا و تيمنا و التفصيل موكول الي كتبه الشريفة في ذلك .
فاعلم ان الله سبحانه و تعالي احد فرد صمد لميتخذ صاحبة و لا ولدا لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و هو غني عن العالمين بوجه مطلق لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه فخلق الخلق جودا و كرما منه و ماخلقهم ليستفيد منهم بل خلقهم ليستفيدوا منه كما قال سبحانه في الحديث القدسي ماخلقتكم لاربح عليكم بل خلقتكم لتربحوا علي فخلق الخلق لكي يعرف [ص 58] و بمعرفته يتم الربح كما قال سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و العبادة هنا هي المعرفة كما هو في التفسير الوارد عن اهل البيت عليهم السلم و لما اقتضت حكمته ان يخلق الخلق جهالا في بادئ الامر كما هو المشاهد و الجاهل لايعرف شيئاً و لايقدر علي تعليم نفسه كما هو المعروف و لايقدر ان يستفيد المعرفة من غير معلم و من غير واسطة ارسل الله سبحانه الرسل معلمين للخلق مرقّين لهم من ظلمات الجهل منقذيهم من الظلالة و الغواية فعلي ذلك جاءت تتري فلايخلو زمان منهم و لو خلا زمان من واحد منهم لفسدت الحكمة و اصبح خلقة الخلق عبثا و لغوا و لعبا و ماكان الله بلاعب و لا عابث لتجرد الخلقة عن الغاية في ذلك الزمان و لايصدر ذلك عن الحكيم و هو الحكيم فوجب اذا في كل زمان مرشد و معلم و لايخلو زمان منه و يجب ان يكون عالما من عند الله متصفا بصفاته اذ لو لميكن متصفا بصفاته لميكن رسولاً منه فاتصف بصفات الله من العلم و المعرفة الحكمة و القدرة و الاحاطة و معرفة المصلح و المفسد و الضار و النافع و ما كان و ما يكون و الطهارة من العيوب و العصمة من الذنوب انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا و لولا ذلك لماامن منهم صدور الفساد و لاحتاجوا الي غيرهم عند نقصهم صفة من صفات الكمال و لمااطمأن احد بهم اذ كان يحتمل في حقهم الخطأ و الزلل فوجب لذلك ان يكونوا معصومين عن الخطأ و الزلل عالمين بما يحتاج اليه الخلق مقتدرين علي بيان ما يصلحهم و ايصال الحق اليهم و لولا ذلك لمتكن حجة الله كاملة و هو يقول في كتابه قل فلله الحجة البالغة بل و لماوسع الخالق ان يحتج علي خلقه و وسع الخلق ان يحتجوا عليه نعوذ بالله فاذا وجب وجود مثل هذا الشخص في كل زمن و في كل قرن [ص 59] قرن لئلاتبطل حجج الله و بيناته فوجب ان يكون هو الحافظ لاوامر الله و نواهيه المطلع علي ما يصلح الخلق و ما يفسدهم المحيط باعمالهم و افعالهم لانه خليفة الله في خلقه و حجته في بريته و هو السبب الاعظم و السبيل الاقوم لان الخلق لايستطيعون لضعفهم التلقي من الله من دون واسطة و لا شك انه يوجد في زماننا مثل هذا الشخص و هو ما قامت عليه ضرورة المذهب و هو صاحب العصر و الزمان فهو الحافظ للدين المقوم للشرع المبين الموصل كل من جاهد في سبيل الله الي الحق اليقين الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فلايخفي عليه شيء من امر الخلق و اعمالهم و افعالهم و من المعلوم انه لميك يوجد بين ظهراني الخلق في هذا الزمان من اوامر الله و نواهيه علي الظاهر الا كتاب الله و اخبار العترة الطاهرة و قد امر علي لسان الرواة عنه بالرجوع اليها و الاخذ عنها بقوله اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و هو مع ذلك يشاهدنا و ما نعمل و ما نصنع نعمل بهذه الاحاديث و نحلل و نحرم بها و نرجع في كل امورنا اليها و لميظهر صارفا يصرف عنها و لا ناهياً ينهي عن الرجوع اليها و هو المطلع علينا الناظر الي ظاهرنا و خافينا فنعلم من ذلك انه قد قررنا و سددنا علي ذلك فهي الحجة اذا فيما بيننا و بين الله فان قلت انها تحتمل الاحتمالات التي ذكرتها قلت و ان احتملت ما احتملت فان الحق فيها و منها و اليها و هذه الاحتمالات لاتضرها بوجه اذا كان تكليفنا فيها كيف و انها احتمالات عقلية و الاحتمالات العقلية لاتجري في الامور العادية و لو اجريتها في العاديات لاصبحت من المجانين فلايضرنا هذه الاحتمالات بعد ذلك لان من وراء هذه الاخبار الامام المسدد المؤيد لكل من جاهد في سبيله الموجب علينا بها ما اوجبه و المفترض [ص 60] علينا بها ما افترضه و القائل لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا فاذا وجدنا خبراً من الاخبار قد رواه ثقة من الثقات نعمل به بارد القلب ثلج الفؤاد لان من ورائه الحجة المشاهد لنا المقرر عملنا فكان هذا الحديث لميروه الراوي من فلق فيه بل صدر من فلق فم الامام بنفسه فنعمل بقول الامام نفسه لانه المتكلم من فم الراوي و الراوي آلة له لا غير فلايضرنا احتمال المحتملين و شك الشاكين و ريب المرتابين .
و لكل ما قلنا شواهد من الآيات و الاخبار نذكر قسما منها تيمنا و تبركا ففي الكتاب المبين سئل ابوعبدالله عليه السلم فقال لنتخلو الارض ساعة الا و فيها امام قال لاتخلو الارض من الحق و قال لاتخلو الارض من الحق و قال ابوعبدالله عليه السلم من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و سئل عن قول الله عز و جل قل فلله الحجة البالغة فقال الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل من اهل الكتاب فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه لان الله تعالي اكرم و اعدل من ان يعذب احدا الا بحجة ثم قال جعفر بن محمد و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتي يبين لهم ما يتقون و عن ابيعبدالله ان جبرئيل عليه السلم نزل علي محمد صلي الله عليه و آله بخبر عن ربه عز و جل فقال له يا محمد لماترك الارض الا و فيها عالم يعرف طاعتي و هداي و يكون نجاة فيما بين قبض النبي الي خروج النبي الآخر و لماكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة و داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء و قال اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبة خطبها بالكوفة اللهم لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و [ص 61] يعلمونهم علمك لئلايتفرق اتباع اوليائك ظاهر غير مطاع او مكتتم خائف يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلن يغيب عنهم مبثوث علمهم و ادابهم في قلوب المؤمنين مثبتة و هم بها عاملون الخطبة ، و عن ابيجعفر عليه السلم قال ان الارض لاتبقي الا و منا فيها من يعرف فاذا زاد الناس قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و لولا ان ذلك كذلك لميعرف الحق من الباطل و عن الصادق عليه السلم قال المنذر رسول الله و الهادي اميرالمؤمنين عليه السلم و بعده الائمة عليهم السلم و هو قوله و لكل قوم هاد اي في كل زمان امام هاد مبين الخبر ، و عن الاسود بن سعيد قال كنت عند ابيجعفرعليه السلم فقال مبتدأ من غير ان اسأله نحن حجة الله و نحن باب الله و نحن لسان الله و نحن وجه الله و نحن عين الله في خلقه و نحن ولاة امر الله في عباده ثم قال يا اسود ان بيننا و بين كل ارض ترا مثل تر البناء فاذا امرنا في امر جذبنا ذلك التر فاقبلت الينا الارض بقليبها و اسواقها و دورها حتي ننفذ ما نؤمر فيها من امر الله و عن الصادق عليه السلم قلت جعلت فداك فهل يري الامام ما بين المشرق و المغرب قال يا بن بكير فكيف يكون حجة علي قطريها و هو لايراهم و لايحكم فيهم و كيف يكون حجة علي قوم غيب و لايقدرون عليه و كيف يكون مؤديا عن الله و شاهدا علي الخلق و هو لايراهم و كيف يكون حجة عليهم و هو محجوب عنهم و قد حيل بينهم و بينه ان يقوم بامر ربه و الله يقول و ماارسلناك الا كافة للناس بشيرا يعني به من علي الارض و الحجة من بعد النبي يقوم مقامه صلي الله عليه و آله و هو الدليل علي ما تشاجرت فيه الامة و الاخذ بحقوق الناس و القيام بامر الله و المنصف لبعضهم من بعض فاذا لميكن معهم من ينفذ قوله و هو يقول سنريهم [ص 62] آياتنا في الآفاق و في انفسهم فاي آية في الآفاق غيرنا اراها الله اهل الآفاق و قال و ما نريهم من آية الا هي اكبر من اختها فاي آية اكبر منا الخبر ، و في التوقيع الرفيع انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء انتهي . و الاخبار بهذه المعاني كثيرة جدا جاوزت حد التواتر فاذا كان روحي فداه غير مهمل لمراعاتنا و هو عالم بسرنا و خافينا و مطلع علينا و علي اعمالنا و هو المتكلم من وراء كل متكلم فاذا تكلم ثقة بحديث فهو المتكلم من ورائه و الآمر لنا فاي احتمال تحتمل و اي شك تشك نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل فنكون في ذلك كأننا في حضرته الشريفة نسمع قوله و نعمل بامره فهو المسدد المؤيد و لا شك انه لايسدد كل احد بل يسدد كل من جاهد في سبيل الله و في سبيل اعلاء كلمة آل الله كما قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، فبهذا الدليل تنكسر الشكوك و الشبهات و تنهزم الوساوس و الاحتمالات التي ماانزل الله بها من سلطان فان رجعنا الي الاخبار فبهذا و ان عولنا عليها فبما ارانا الله من نور تسديده و تأييده و الحمد لله رب العالمين و اذا كان الامر كذلك فلا فرق عندنا بين حضور الامام و غيبته ففي كلا الحالتين هو المسدد و المؤيد و هو الآمر و هو الناهي و نحن نأخذ بقوله فان كان يحتمل في قوله الاحتمالات المذكورة عند حضوره و لايضر ذلك فكذلك لايضرنا الآن هذه الاحتمالات ابدا .
و اما تحقيقه الذي حققه في علم المنطق و انه غير عاصم لمادة الفكر عن الخطأ فلا شك انه تحقيق انيق و هو جدير بالاتباع و لا حاجة الي الاستشهاد بقول المخالفين كالعضدي و امثاله علي بيان الحق و يكفي قول آلمحمد عليهم السلم في المقام .
[ص 63] و اما استنتاجه بقوله ان تمسكنا بكلامهم قد عصمنا عن الخطأ و ان تمسكنا بغيره لمنعصم عنه الخ ، فلا ريب انه صحيح و لكن الشأن في مقدار التمسك بكلامهم عليهم السلم و كيفيته ،
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاك
فلو كان حقيقة متمسكا باقوالهم و كلامهم لماوقع في اشتباهات كثيرة و اخطاء عظيمة سنأتي علي بيانها كل في محله و مقامه اللايق به و من ذلك يظهر انه لميكن متمسكاً حقيقة بكلامهم و مع هذا فان عاقبتهم ان شاء الله الي خير فان نيتهم اتباع آلمحمد عليهم السلم و تقصيرهم او قصورهم في بعض المسائل مغفور ببركتهم عليهم السلم .
و اما كلام السيد نعمةالله الجزائري المتقدم و استدلاله علي بطلان حجية الدليل العقلي فجيد لا غبرة عليه الا ان كلامه المتقدم علي هذا الاستدلال لايخلو من شائبة الاشكال كقوله في رده علي الاصوليين ما هذا لفظه : مثل قولهم ان النبي صلي الله عليه و آله لميحصل له الاسهاء من الله تعالي في صلوة قط تعويلا ( علي ظ ) ما قالوه من انه لو جاز السهو عليه في الصلوة لجاز عليه في الاحكام مع وجود الدلائل الكثيرة من الاحاديث الصحاح و الحسان و الموثقات و الضعفاء و المجاهيل علي حصول مثل هذا الاسهاء و علل في تلك الروايات بانه رحمة للأمة لئلايعير الناس بعضهم بعضا بالسهو و سنحقق هذه المسألة في نور من هذا الكتاب انشاء الله تعالي الي آخر ما قال ، و قد اشتبه عليه الامر في ذلك و هذا من غفلتهم و عدم معرفتهم بلحن الاخبار و ما تنطوي عليه الآثار فان الاخبار الدالة علي ما ذكر اشبه باخبار العامة الذين امرنا بمخالفتهم في كل شيء و هذه المسألة يومنا هذا بحمد الله من ضروريات المذهب بحيث [ص 64] لايرتاب فيها شيعي و لقد صنف مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم فيها الرسائل و اثبتوا العصمة التامة لمحمد و آله صلوات الله عليهم فمن اراد ذلك فليراجعها بالجملة الاصوليون في هذه المسألة علي حق و ادلتهم معتبرة لايعتريها ريب و انما قلنا بعدم حجية الادلة العقلية اذا لمتستند الي الشرع و اذا استندت الي النقل فاي عيب فيها بالجملة اخطأ الاخباريون في كثير من المسائل لقصورهم و جمودهم و افرطوا في ردهم علي الاصوليين في كثير من المواضع بغير حق كما سيأتيك الكلام عند شرح المسائل ان شاء الله تعالي .
و اما تحقيق صاحب الحدائق فالظاهر منه انه جعل العقل الفطري حجة و ان المراد بالاخبار او الآيات المادحة للعقول هي العقول الفطرية غير المغيرة بالاوهام الفاسدة و العصبية و حب الجاه و غيرها من العادات و الطبائع الرذيلة لا هذه العقول المشوبة بانواع السجايا الرذيلة و الطباع الخسيسة و استشكل اخيرا في ترجيح الدليل النقلي علي الدليل العقلي بالمعني الاخص اي العقل الفطري الخالي عن شوائب الاوهام فيما اذا تعارضا و اذا تعارض الدليلان النقليان و تأيد احدهما بدليل عقلي و ان كان بالمعني الاعم فالترجيح للمؤيد بالدليل العقلي و انت لو دققت النظر فيما قلناه سابقا لارتفع لك هذا الاشكال و عرفت ان العقل الفطري و ان كان صافياً و علي الفطرة التي خلقه الله عليها لكن ليس له احاطة كاملة من جميع الجهات و انما هو بمثابة المرآة الصيقلية اذا قابلت بها المبصرات انطبعت فيها و قبلتها فكذلك العقل الفطري اذا القي اليه من اوامر الشارع و نواهيه امر من الامور عرفه و لمينكره و ليس له احاطة تامة و معرفة بالاشياء من جميع الجهات حتي يكون مناطاً لتشريع الاحكام و تعريف الحلال و الحرام فهو اذا عرف شيئاً يمكن ان تغيب عنه اشياء كثيرة [ص 65] لميحط بها علما و من اجل ذلك قال الله سبحانه و فوق كل ذي علم عليم و في الحديث الشريف لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره و في رواية لقتله فالعقول الفطرية في الاشخاص متفاوتة و ليس لها احاطة تامة فمن اجل ذلك احتاج الناس الي ارسال الرسل و انزال الكتب لتبيين الحلال و الحرام لما للرسل و الانبياء من الاحاطة و المعرفة بحقايق الاشياء فمن الخطأ ايضا ان يجعل العقل الفطري مناطا للترجيح بين الاخبار المختلفة فضلا عن العقل بالمعني الاعم ، نعم اذا قامت علي ذلك بداهة العقول و لمتنكره فلا ريب في ان ذلك حجة و هو قول الكاظم عليه السلم او قياس تعرف العقول عدله و ما سوي ذلك لايمكن الرجوع اليه نعم لاننكر ان العقول الفطرية تدرك بعض الامور علي الحقيقة و يمكن لها ان تعرف احكام بعض الاشياء لكن مجرد معرفتها بذلك من دون مجيء شرع موافق لها ليست بحجة لما قدمنا لك من عدم احاطتها بالاشياء من جميع الجهات فان للاشياء مقارنات و اضافات و نسبا لايحيط بها الا من خلقها و من اطلعه الله علي ذلك و جعل فيه العقل الكلي المحيط بالاشياء من جميع جهاتها فهو الحجة لا غير المتر قول اميرالمؤمنين عليه السلم لو لمار رسول الله (ص) يمسح علي ظاهر القدم لظننت ان باطنهما اولي بالمسح من ظاهرهما هذا و هو اول ما خلق الله و اول ما برأ فكيف يمكن بعد هذا جعل العقول الفطرية حجة تامة علي الانفراد ،
هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا
هذا و ان اخبار العقل المادحة له ليست مخصوصة بالعقل الفطري فقط و انما الاخبار الواردة في العقل كما قدمنا علي اقسام كما بينها مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم و كما تقدم بيانها مستوفي فيما سبق فقسم منها وارد في العقل [ص 66] الشرعي و قسم وارد منها في العقل الكلي و قسم منها وارد في العقول الجزئية التي هي مناط التكليف فصاحب الحدائق قد غفل عن ذلك و لميعرفه و تنبه الي العقل الفطري فقط و لميتنبه الي غيره .
و اما قول المصنف في رده علي الاخباريين بقوله و هذا في الاصل و الفرع غير معقول لان امتثال الامر اللفظي لايجب الا لحكم العقل ، فلقائل ان يقول ان هذه العقول لا شك كانت جاهلة فكيف وسعها ان تمتثل الامر اللفظي و خلقت وحشية في بادئ الامر فكيف امكنها معرفة اوامر الشارع و نواهيه فلا ريب انها ريضت بالآداب و التعاليم و رباها الشارع علي اخلاقه و فواضله فبسبب التربية عرفت و بسبب التعليم علمت و اقرت فان سبق لواحد من الله الحسني و تربي بالتربية الشرعية صار بمثابة مرآة صافية تحكي الاشباح علي ما هي عليه و لاتنكرها فان القي اليه من الشارع امر عرفه و قبله و ان لمتسبق له من الله الحسني لخبث طبعه و كدورة مرآته حكي امر الشارع علي الضد فانكره فاخلد الي الارض و اتبع هواه فامتثال الامر اللفظي يعود الي الشارع نفسه لانه المربي و المثير لرواقد العقول و لولا تربيته و تعليمه ماظهرت هذه العقول من اكمامها و لبقيت في حيز الخفاء و لكان اربابها بالحيوانات اشبه و بالوحوش امثل فتبصر بصرك الله و اخلع عن رقبتك ربقة التقليد الاعمي فلقد طال الكلام في هذا المقام و صلي الله علي محمد و آله خير الانام .
قال : الثاني - ان الاخباريين يجوزون تأخير البيان عن وقت الحاجة و ممن صرح به عنهم المولي محمد امين الاسترابادي رحمه الله في الفوائد المدنية و الشيخ سليمان بن عبد الله جعلها من فروق الاخباري و الاصولي و منعه [ص 67] المجتهدون كافة .
اقول قال الشيخ محمد امين الاسترابادي في الفوائد المدنية في الفصل الاول في ابطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس احكامه تعالي عند ذكره تفسير الآية الشريفة فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون قال ما هذا لفظه :
و في تفسير قوله تعالي انه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون منها رواية فضيل عن ابيعبدالله عليه السلم الذكر القرآن و نحن قومه و نحن المسؤلون و منها رواية الوشا عن ابيالحسن الرضا عليه السلم قال سمعته يقول قال علي بن الحسين عليهما السلم علي الأئمة من الفرض ما ليس علي شيعتهم و علي شيعتنا ما ليس علينا امرهم الله عز و جل ان يسألونا قال فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فامرهم ان يسألونا و ليس علينا الجواب ان شئنا اجبنا و ان شئنا امسكنا و منها رواية احمد بن محمد بن ابينصر قال كتبت الي الرضا عليه السلم كتابا فكان في بعض ما كتبت قال الله عز و جل فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و قال الله عز و جل و ماكان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون فقد فرضت عليهم المسألة و لميفرض عليكم الجواب قال قال الله تبارك و تعالي فان لميستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون اهواءهم و من اضل ممن اتبع هواه و انا اقول مضمون هذه الرواية الشريفة متواتر معني و ما اشتهر في كل اصول العامة و كتب اصول الخاصة من انه لايجوز تأخير البيان كما هو الواقع عن وقت الحاجة انما يتجه علي مذهب [ص 68] العامة حيث قالوا بعده صلي الله عليه و آله (كذا) فذكره في كتب اصول الخاصة من باب العجلة و قلة التأمل في اسرار المسألة و من المعلوم ان هذه الرواية الشريفة المتواترة معني و كل فتوي واردة منهم عليهم السلم في باب التقية ناطقة ببطلان تلك القاعدة الاصولية ابطلناها باحاديث متواترة عن العترة الطاهرة عليهم السلم و الله ولي التوفيق لايقال البيان من باب التقية نوع من البيان لانا نقول ولا (كذا) معني القاعدة بيان ما هو الواقع و ثانيا انه قد لميرد عنهم عليهم السلم جواب اصلا لايقال فيلزم الحرج حينئذ علي شيعتهم لانا نقول طريق الاحتياط مسلك واسع و الناس ملهمون برعايته عند حيرتهم في كل ما يهتمون به ، الي آخر ما ذكر .
و قال الشيخ يوسف في مقدمة الحدائق : تتمة - قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب رضوان الله عليهم قواعد اخر بنوا عليه الاحكام مع كون جملة منها مما يخالف ما هو الوارد عنهم عليهم السلم و جملة اخري مما لايوجد له مستند في المقام فمنها قولهم انه لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة مع انه قد استفاضت النصوص عنهم (ع) في مواضع منها في تفسير قوله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بما يدفع هذه القاعدة حيث قالوا صلوات الله عليهم ان الله قد فرض عليكم السؤال و لميفرض علينا الجواب بل ذلك الينا ان شئنا اجبنا و ان شئنا سكتنا نعم هذه القاعدة انما تتجه علي مذهب العامة لعدم التقية في اخبارهم و قد تبعهم من اصحابنا من تبعهم فيها غفلة و لو قيل انه مع عدم جوابهم عليهم يلزم الحرج قلنا انما يلزم ذلك لو لميكن ثمة مخرج آخر كيف و قد تقرر عنهم عليهم السلم قاعدة جلية في امثال ذلك و هو سلوك جادة الاحتياط كما اسلفنا بيانه و اوضحنا برهانه و نقل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح عن شيخه العلامة [ص 69] الشيخ سليمان البحراني قدس سرهما انه كان يقول لو ورد علينا في مثل هذه المسألة الف حديث لماعملنا لانه معارض لما قام عليه الدليل العقلي و النقلي من عدم جواز تأخير البيان عن الحاجة . و هو كما تري اجتهاد صرف و تعصب بحت فان الدليل النقلي المطابق للدليل العقلي الذي هو عبارة عما دل من الاخبار علي وجوب بذل العلم كقوله تعالي ان الله لميأخذ علي الجهال عهدا بطلب العلم حتي اخذ علي العلماء عهدا ببذل العلم و ما اشتهر من قوله صلي الله عليه و آله من كتم علما الجمه الله بلجام من نار الي غير ذلك مخصوص بما رواه ثقة الاسلام في الكافي بسنده الي عبدالله بن سليمان قال سمعت اباجعفر عليه السلم يقول و عنده رجل من اهل البصرة يقال له عثمان الاعمي و هو يقول ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم اهل النار فقال ابوجعفر عليه السلم فهل ( فهلك ظ ) اذن مؤمن آل فرعون و مازال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا فليذهب الحسن يمينا و شمالا فوالله مايوجد العلم الا ههنا ، و نحوه روي في كتاب بصائر الدرجات و لعل الحسن البصري حيث انه من جملة النصاب و رؤس ذوي الاذناب كان يعرض بهم عليهم السلم في عدم جوابهم عن بعض الاسئلة كما يدل عليه الاخبار السابقة و في هذين الخبرين دلالة علي جواز تأخير البيان مع التقية حتي بالنسبة الي غيرهم ايضا و ح فتلك القاعدة و ما يطابقها من الاخبار مخصصة بما ذكرناه من الاخبار و كان شيخنا العلامة المشار اليه قصر النظر علي عموم الاخبار المتقدمة من حيث دلالتها علي عدم وجوب الجواب عنهم عليهم السلم سواء كان لتقية ام لا و بذلك تحصل المنافاة للقاعدة المذكورة و بما ذكرنا لك من الخبرين المذكورين ينكشف عن تلك الاخبار غشاوة العموم و تمحض بمقام التقية كما [ص 70] لايخفي ، انتهي .
اقول هذه عمدة ادلة الاخباريين في اثبات مطلبهم .
و اما الاصوليون فالظاهر انهم مجمعون علي خلاف ذلك و اثبات القاعدة المذكورة كما يشعر بذلك كلام القمي في القوانين حيث قال :
ذهب اصحابنا و جميع اهل العدل الي امتناع تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة لاستلزامه تكليف ما لايطاق و اما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه اقوال ثلاثة المشهور الجواز و فصل بعضهم فجوز في غير ما له ظاهر و اما ما له ظاهر كالعام و المطلق و الامر الظاهر في الوجوب فلايجوز منه تأخير البيان رأسا و اما مع البيان الاجمالي فلابأس ، الي آخر ما قال .
و كذا ذكر صاحب النتايج حيث قال :
و لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة علي الاصح للسفه و في جوازه عن وقت الخطاب الي وقت الحاجة مطلقا كما هو المشهور ام لا مطلقا ام فيما عدا المجمل اقوال ، انتهي .
و لماعثر لهم علي ادلة اخر غير ما ذكروا هنا من ادلتهم العقلية و غير ما ذكر صاحب الحدائق نقلا عن الشيخ سليمان البحراني من الادلة النقلية المتقدمة و وجه استلزام ما لايطاق علي اصطلاح الاصوليين هو ان المكلف مكلف بالاتيان بالمراد منه مع عدم علمه بالمكلف به فهذا يلزم تكليف ما لايطاق و قول صاحب النتايج علي الاصح مشعر بان خلاف ذلك صحيح غاية ما يتصور ان ما ذهب اليه اصح و كذا انه مشعر بعدم الاتفاق علي هذه القاعدة المذكورة .
بالجملة الظاهر ان كلا الاخباريين و الاصوليين في هذه المسألة مخطؤن في طرز بيانهم و طريق استدلالهم .
اما ما يرد علي الاخباريين في طريق استدلالهم فهو علي ما اذكر لك هنا فاعلم ان الله سبحانه لا مقتضي له من ذاته فخلق الخلق بمقتضي سؤالهم و لو كان المقتضي من الله سبحانه للزم منه الحدوث نعوذ بالله فجري امره علي [ص 71] الاسباب و المسببات ابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب و علي الفواعل و القوابل و علي المقتضي و المانع فاذا وجد بحضرته مقتضي لشيء من الاشياء و فقد المانع اعطاه الله بكرمه و جوده ما يستحقه و لميمنعه لانه قال ادعوني استجب لكم و قال قل لايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فاستجابة الدعاء من وعده سبحانه و الله سبحانه لايخلف الميعاد و كذا اذا وجد بحضرته المانع و لميوجد المقتضي فيستجيب دعاء المانع لانه عبد من عباد الله و قد دعا بلسانه فلايترتب علي ذلك شيء و يبقي علي ما كان عليه و اذا وجد المقتضي و المانع كلاهما هذا يدعو بلسانه الاقتضاء و ذاك يدعو بلسانه المنع فيستجيب للمقتضي بقدر اقتضائه و يمنع المانع علي قدر منعه و ما ربك بظلام للعبيد فانهما كليهما عبدان مملوكان لله و قد سأل كل واحد منهما مسألة فاجابه الله عز و جل كما قال سبحانه و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداعي اذا دعاني فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فعلي اي حال اذا وجد بحضرته السائل و سأل و فقد المانع يستجيب الله سبحانه كما وعد و جري اولياؤه و رسله علي ذلك لانهم محال اوامره و نواهيه و ظاهره بين الخلق فكيف يتصور تأخير البيان عن وقت الحاجة علي انا لانلزم الاستجابة من الله سبحانه و لانحتم عليه شيئاً اذ لايسأل عما يفعل و هم يسألون و لو شاء ان يدخل المؤمن النار او الكافر الجنة لفعل فالتحتيم عليه سوء ادب و خروج عن الجادة المستقيمة و الشرع القويم و لذا قال الرسول لام سعد لاتحتمي يا ام سعد علي الله اما تري ان النار مقتضاها الاحراق و قد الزم الله لها الحرارة و اليبوسة و مع هذا رفع هذه الخصوصية عنها عند ما القي فيها ابراهيم عليه السلم و جعلها عليه بردا و سلاما فلايحتم عليه شيء و لذا نقول ان قول [ص 72] الاصوليين لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سوء ادب منهم علي اولياء الله فكأنما قد حتموا عليهم ان لايؤخروا البيان عن وقت الحاجة و لو قالوا لايؤخر الله او حججه البيان عن وقت الحاجة لكان جيدا .
بالجملة اصل المسألة و حقيقة المطلب ما قدمنا لك من ان الله بحسب لطفه و وعده و رحمته و شفقته لايمنع سائلاً سأله من الاستجابة فانه لايخلف الميعاد و هذه المسألة صحيحة اصلا و معني وقت الحاجة هو علم الله سبحانه بالمقتضيات مع رفع الموانع فماذا يجيب الاخباريون عن ذلك فان قالوا الاخبار المتكثرة الواردة عن اهل العصمة عليهم السلم التي قد تقدمت و قد تضمنت انه ليس عليهم الاجابة و عليكم السؤال بوجه مطلق هي التي تمنع من ذلك قلت لقد علمتم شيئا و غابت عنكم اشياء فما الذي اعلمكم ان السؤال كان في وقت الحاجة و ما الذي ادراكم ان الاجابة كانت صالحة للسائل فلعله لو اجاب الامام عليه السلم السائل لهلك لوجود المانع من الاجابة اما من نفس السائل او من الخارج و الامام اعلم بمصلحة غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم او جمع بينها لتسلم فالسائل قد سأل علي الظاهر لحاجة لكن وقت الحاجة لمايحن و الجهل هنا اولي له من العلم و قد يكون في العلم هلاكه و علي ذلك ما ورد في الحديث الشريف انه سأل المعلي اباعبدالله عليه السلم عن حق المؤمن فقال سبعون حقا لااخبرك الا بسبعة فاني عليك مشفق اخشي ان لاتتحمل و عن احمد بن محمد بن ابينصر قال سألت اباالحسن الرضا عليه السلم عن مسألة فابي و امسك ثم قال لو اعطيناكم كل ما تريدون كان شرا لكم ففي كل ذلك ان وقت الحاجة في الحقيقة لميحن اوانه و لميجئ وقته لامور هم اعلم بها و ان تصور الحاجة في الحقيقة هنا محض فرض لا غير فعلم من ذلك [ص 73] ان الاخباريين مقصرون في بيانهم مفرطون في اعتراضهم علي الاصوليين و كانما لميعرفوا من الامور الا الاحتياط فبنوا عليه امرهم في كثير من المسائل و كانما هو سهم يضربونه في اي مكان وقع سواء كان بمحله او غير محله و لو قيل ماذا تقول فيما روي عن ابن بكير قال دخل زرارة علي ابيعبدالله عليه السلم فقال انكم قلتم لنا في الظهر و العصر علي ذراع و ذراعين ثم قلتم ابردوا بها في الصيف فكيف الابراد بها و فتح الواحه ليكتب ما يقول فلميجبه ابوعبدالله عليه السلم بشيء فاطبق الواحه و قال انما علينا ان نسألكم و انتم اعلم بما عليكم و خرج الخبر ، و هذا الخبر يدل دلالة واضحة علي تأخير البيان عن وقت الحاجة قلت انك تصورت انه وقت الحاجة و ليس به و ذلك محض فرض لا غير فان الامام اعلم بقرانات الامور و نسبها و صلاحها و فسادها و ما يصلح السائل و ما يفسده و ليس كلما سأل السائل كان في الحقيقة محتاجا الي الجواب و لو قلت انه في الظاهر محتاج الي الجواب قلت لك ذلك صحيح فقد يتفق ظاهرا تأخير البيان عن وقت الحاجة و ليس هذا بطلان الاصل الذي قدمنا لك ذكره فانا في الحقيقة ضعفاء العقول لانعرف الامور علي حقايقها و لا نميزها علي ما وضعها الله عليه فلانعرف وقت الحاجة كما لانعرف كيفية السؤال فقد يتفق لنا المسألة في غير محلها و في غير وقتها فلايجيبون و قد يتفق لنا المسألة في محلها و قد حان لنا المعرفة بها فيجيبون و هم اعلم بمصلحة اتباعهم و مواليهم و اعلم باقتضاء المقتضيات و منع الموانع فتلخص من ذلك ان في الاصل لايؤخر الله البيان عن وقت الحاجة و كذلك حججه المتخلقون باخلاقه و اما ظاهرا فقد يتفق ذلك الي وقت العمل ظاهراً .
و اما الاصوليون فلتأسيسهم هذه القاعدة بالرأي مخطؤن و تحتيمهم علي الله ما حتموه مبطلون [ص 74] و اقتفاؤهم في ذلك اثر العامة و ضربهم بالاخبار عرض الجدار مما يجلب الهم و يضيق له الصدر و تشمئز به النفس غفر الله لهم و تجاوز عن سيآتنا و سيآتهم .
قال : الثالث - ان الاصوليين يجرون اصالة البراءة في الشبهة الحكمية التحريمية و الوجوبية و الاخباري يوافقهم في الثانية دون الاولي .
اقول قال الشيخ يوسف البحراني في مقدمة الحدائق الناضرة كلاما جامعا لادلة الاخباريين في ذلك و بيانا لاصل المسألة ما هذه لفظه :
اعلم ان البراءة الاصلية علي قسمين احدهما انها عبارة من نفي الوجوب في فعل وجودي الي ان يثبت دليله بمعني ان الاصل عدم الوجوب حتي يثبت دليله و هذا القسم مما لا خلاف و لا اشكال في صحة الاستدلال به و العمل عليه اذ لم يذهب احد الي ان الاصل الوجوب لاستلزام ذلك تكليف ما لايطاق و الاخبار الدالة علي ان ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و الناس في سعة ما لميعلموا او رفع القلم عن تسعة اشياء و عد منها ما لايعلمون و ثانيهما انه عبارة عن نفي التحريم في فعل وجودي الي ان يثبت دليل بمعني ان الاصل الاباحة و عدم التحريم في ذلك الفعل الي ان يثبت دليل تحريمه و هذه هي البراءة الاصلية التي وقع النزاع فيها نفيا و اثباتا فالعامة كملا و اكثر اصحابنا علي القول بها و التمسك في نفي الاحكام بها حتي طرحوا في مقابلتها الاخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الاخبار الموثقة كما لايخفي علي من طالع كتبهم الاستدلالية كالمسالك و المدارك و نحوهما فالاشياء عندهم اما حلال خاصة او حرام خاصة و جملة علمائنا المحدثين و طائفة من الاصوليين علي وجوب التوقف و الاحتياط فالاشياء عندهم مبنية علي التثليث حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك و ربما نقل ايضا القول بان الاصل التحريم الي ان تثبت الاباحة و هو ضعيف و الحق الحقيق بالاتباع و هو المؤيد [ص 75] باخبار اهل الذكر صلوات الله عليهم هو القول الثاني و لنا عليه وجوه الاول ان ما عداه قول بلا دليل فيجب اطراحه و ادلة الخصم لاتنهض بالدلالة كما سيتضح لك ان شاء الله تعالي الثاني استفاضة الاخبار بان للّٰه في كل واقعة حكما شرعيا مخزونا عند اهله حتي ارش الخدش و الجلدة و نصف الجلدة و ح فاذا كان جميع الاحكام قد ورد فيها خطاب شرعي فكيف يصح التمسك باصالة العدم و الاستدلال به ، نعم الاستدلال بذلك انما يتجه علي مذهب المخالفين القائلين بان جميع ما جاء به النبي (ص) اظهره للصحابة و لميكتم شيئا منه لا عن الابيض و لا الاسود و لا خص احدا دون احد بشيء من علومه و لميقع بعده فتنة اوجبت اخفاء شيء مما جاء به صلي الله عليه و آله فالمجتهد اذا فحص و فتش عن الادلة الشرعية و لميقف علي دليل ذلك الحكم يجب عنده الجزم بنفي ذلك الحكم و يكون التمسك بالبراءة الاصلية علي نفيه كما قالوا عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي لعدم الحكم و بعبارة اخري عدم وجود الدليل دليل علي العدم و اما عندنا معاشر الامامية فحيث استفاض في اخبارنا بل صار من ضروريات ديننا انه اودع علومه عند اهل بيته و خصهم بها دون غيرهم و استفاض ايضا انه لميبق شيء من الاحكام جزئي و لا كلي الا و قد ورد فيه خطاب شرعي و حكم الهي و ان جميع ذلك عندهم و انهم كانوا في زمن تقية و فتنة فقد يجيبون عن السؤال بما هو الحكم الشرعي الواقعي تارة و قد يجيبون بخلافه تقية و قد لايجيبون اصلا فلايتجه اجراء هذا الكلام و لا صحته في هذا المقام و لا تمام هذه القاعدة و لا ما يترتب عليها من الفائدة و لايمكن التمسك بالعدم الاصلي الذي هو عبارة عن عدم تعلق التكليف و وقوعه بالكلية و ما ذكرنا سابقاً من صحة الاستدلال بالقسم الاول من قسمي البراءة الاصلية علي [ص 76] نفي الوجوب في فعل وجودي لا باعتبار عدم الحكم واقعا بل لعدم وصول الحكم و للزوم تكليفنا بذلك مع عدم العلم بالحكم للحرج المنفي بالآية و الرواية و للاخبار المشار اليها ثمة نعم ما ذكروه يتم عندنا فيما يعم به البلوي من الاحكام كما نبه علي ذلك جملة من علمائنا الاعلام و اليه اشار المحقق في المعتبر حيث قال في بيان معاني الاستصحاب الثاني ان يقال عدم الدليل علي كذا فيجب نفيه و هذا يقع فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف انتهي الثالث استفاضت الاخبار بتثليث الاحكام حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك و لو تم ما ذكروا من العمل بالبراءة الاصلية المقتضي لدخول ما دلت عليه في الحلال البين لميبق للقسم الثالث فرد يندرج تحته و لماكان للتثليث وجه بل يتعين القول بالتثنية و هو الحلال و الحرام خاصة و الاخبار بخلافه الرابع الاخبار المتكاثرة بل المتواترة معني انه مع عدم العلم بالحكم الشرعي بحسب السؤال منهم عليهم السلم او من نوابهم و الا فالتوقف و الوقوف علي جادة الاحتياط و لو كان للعمل بالبراءة الاصلية اصل في الشريعة لماكان لامرهم (ع) بالتوقف وجه الخامس انه قد ورد عنهم عليهم السلم جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها و لميذكروا البراءة الاصلية في جملة تلك الطرق بل قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة بعد التوافق في جميع طرق الترجيح علي الارجاء حتي يلقي امامه معللا له بان الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و ح فاذا كان الواجب مع الاتفاق علي جميع تلك الطرق هو ترك الحكم عن كل منهما و التوقف فاي ترجيح باصالة البراءة التي ذكروها اذ لو كانت دليلا شرعيا علي العدم و موجبة لترجيح ما اعتضد بها لترجح بها هنا احد [ص 77] الجانبين و ما ربما يظهر من كلام بعض الاجلاء من ان ذلك مخصوص بالمنازعات في الاموال و الفرايض و المواريث كما يعطيه صدر الخبر و هو قول السائل سألت اباعبدالله (ع) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين او ميراث ففيه اولا ان خصوص السؤال لايخصص عموم الجواب كما تقرر عندهم و ثانيا ان هذه الترجيحات التي ذكرها عليه السلم لميخصها احد من الاصحاب بالاخبار المتعارضة في خصوص هذه الاشياء التي ذكرها بل يجرونها في كل حكم تعارضت فيه الاخبار كما لايخفي علي من جاس خلال تلك الديار و ذاق لذيذ تلك الثمار . احتج بعض فضلاء متأخري المتأخرين بان القول بالبراءة الاصلية مما يدل عليه الآية و الاخبار كقوله تعالي خلق لكم ما في الارض جميعا و قول الصادق عليه السلم كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي ، قال علي انا لانعني بالبراءة الاصلية عدم التكليف بالكلية لظهور فساده بما استفاض في الاخبار انه لا حكم من الاحكام الا و قد ورد فيه خطاب شرعي و انما نعني بها عدم تعلق التكليف بنا و اصالة براءة الذمة منه لعدم الوقوف علي دليله اذ لاتكليف الا بعد البيان و لعين ما تقدم من الاخبار المشار اليها في المعني الاول من معاني البراءة الاصلية و اجاب بتخصيص الشبهة و التثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار و اما ما لميرد فيه نص فليس من الشبهة في شيء و علي تقدير تسليم كونه شبهة و شمول تلك الاخبار له يخرج بالاخبار الدالة علي ان كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي و نحوه . و ما ذكره قدس سره محل نظر اما الآية المذكورة فالجواب عنها اولا ما عرفت في المقام الاول من ان محل الاستدلال من القرآن العزيز هو ما كان محكم الدلالة و الآية المذكورة مجملة محتملة لمعان عديدة كما سيظهر لك و ثانيا انه قد روي في تفسيرها عن [ص 78] اميرالمؤمنين صلوات الله عليه قال خلق لكم ما في الارض فتعتبروا به الحديث ، و علي هذا يسقط الاستدلال رأسا و ثالثا ان غاية ما تدل عليه انه سبحانه خلق ما في الارض لاجل منافع العباد الدينية و الدنيوية باي وجه اتفق و ذلك لايستلزم اباحة كل شيء و مجرد خلقه للانتفاع لايستلزم حلية ما لميرد في حليته نص لجواز الانتفاع به علي وجه آخر اذ لا شيء من الاشياء الا و فيه وجوه عديدة من المنافع و لئن سلمنا الدلالة فالتخصيص قائم بما قدمنا من الاخبار كما قد خصت بغيرها مما لايخالف فيه الخصم و اما الرواية فمن وجوه ايضا عديدة احدها ان هذا الخبر و ما ضاهاه مما استدلوا به اخبار آحاد لاتفيد الا الظن و المسألة من الاصول المطلوب فيها القطع عندهم و ثانيها ان هذا الخبر و ما شاكله موافق للعامة لدلالتها علي التثنية في الاحكام بالحل و التحريم و انه لا وجود للتشابه فيها و انه لا توقف و لا احتياط في شيء من الاحكام كما هو مذهبهم فالاخبار التي قدمناها علي التثليث و التوقف و وجوب الاحتياط في بعض و هو المتشابه و قد تقرر في اخبارنا وجوب الاخذ بخلافهم فان الرشد فيه و ثالثها ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي و عدم حصول العلم و الحال ان النهي موجود فيما اشرنا اليه آنفا من الاخبار و هو النهي عن القول بغير علم في الاحكام الشرعية و النهي عن ارتكاب الشبهات و حصل ايضا العلم منها و هو العلم بالاحتياط في بعض افراد موضع النزاع و التوقف في بعض و علي هذا يكون مضمون هذا الخبر و امثاله مخصوصا بما قبل كمال الشريعة او بمن لميبلغه النهي العام المعارض لهذه الاخبار فيبقي الآن مضمونها غير موجود عند العلماء العارفين بمعارضاتها و رابعها الحمل علي الخطابات الشرعية و حاصل معناه ان كل خطاب شرعي فهو باق علي [ص 79] اطلاقه و عمومه حتي يرد فيه نهي في بعض افراده يخرجه عن ذلك الاطلاق مثل قولهم كل شيء طاهر حتي تعلم انه قذر و كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتي تعلم الحرام بعينه و نحو ذلك من القواعد الكلية و الضوابط الجلية و خامسها ان العمل بهذا الخبر و ما شابهه خلاف الاحتياط و ما يقابلها موافق للاحتياط فانه لا خلاف في رجحان الاحتياط في المقام و انما الخلاف في وجوبه او استحبابه فالنافون للبراءة الاصلية علي الوجوب و المثبتون لها علي الاستحباب و الاخبار الدالة علي الا بالاحتياط في الدين اوضح دلالة و اكثر عددا فالعمل بها ارجح البتة . و اما قوله علي انا لانعني باصالة البراءة الي آخره ، فان فيه انه خروج عن ظاهر العبارة بل عن تصريحاتهم بذلك كما لايخفي علي من راجع كلامهم فان مرادهم بالاباحة هي الاباحة الاصلية التي هي عبارة عن عدم تعلق التكليف لكن هذا القائل حيث استشعر الايراد بالاخبار التي اشرنا اليها التجأ الي القول بما ذكره مع ان فيه ايضا ان الاباحة الشرعية احد الاحكام الشرعية المتوقفة ايضا علي الدليل و لا دليل علي اباحة ما لا نص فيه و الآية و الخبر اللذان هما عمدة ادلة اولئك القائلين بالحجية قد عرفت ما فيها و اما الاخبار التي استند اليها في عدم تعلق التكليف بنا حتي يظهر دليله فهي محمولة علي المعني الاول من معنيي البراءة الاصلية كما ينساق للناظر من ظواهر الفاظها لا المعني الثاني منها لمعارضتها بالاخبار المستفيضة التي اشرنا اليها آنفا من حيث دلالتها علي وجوب الكف و التثبت في كل فعل وجودي لمنقطع بجوازه عند الله تعالي و اما جوابه بتخصيص الشبهة و التثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار بناء علي ظنه انحصار الدليل في مقبولة عمر بن حنظلة و نحوها ففيه ان [ص 80] الاخبار دالة علي ما هو اعم بل صريحة في الفرد الذي ندعيه و من ذلك ما رواه في الفقيه من خطبة اميرالمؤمنين عليه السلم حيث قال ان الله حد حدودا فلاتتعدوها و فرض فرائض فلاتنقضوها و سكت عن اشياء لميسكت عنها نسيانا فلاتتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها ثم قال (ع) حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك الحديث ، و من المعلوم ان السكوت عنها انما هو باعتبار عدم النص عليها بالكلية و في حديث الطيار عن الصادق عليه السلم لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحكموكم فيه علي القصد و بمضمونه اخبار عديدة و ح فلايتجه ما ذكره من اخراج ما لميرد فيه نص من الشبهة علي تقدير شمول تلك الاخبار فان الدليل علي دخوله في الشبهة ليس مختصا بعموم اخبار الشبهة كما توهمه بل خصوص هذه الاخبار الناصة عليه بخصوصه الآمرة بالتوقف فيه و الرد الي اصحاب العصمة سلام الله عليهم و اما الاخبار التي ادعي الاستناد اليها و التخصيص بها فقد عرفت وجه الجواب عنها مفصلا . انتهي كلام صاحب الحدائق و هو انموذج جامع من كلام الاخباريين في استدلالهم علي مرادهم و ردهم علي الاصوليين و تفنيد ادلتهم .
و اليك انموذجا آخر من كلام الاصوليين في طرز استدلالهم علي البراءة الاصلية و اعلم انهم يطلقون الاصل علي معان كثيرة كما ذكر القمي في القوانين مرجعها الي اربعة الدليل و القاعدة و الاستصحاب و الراجح ، اما الدليل فهو الكتاب و السنة ، و اما القاعدة فكقولهم الاصل في البيع اللزوم و الاصل في تصرفات المسلم الصحة و الاصل خلو ذات المكلف عن التكليف المشكوك فيه او العقوبة و المؤاخذة المشكوك فيهما او بعبارة اخري ان لا تكليف الا بعد البيان او وصول [ص 81] البيان الينا بعد الفحص و الطلب بقدر الوسع فيما يحتمل فيه الحكم المخالف للاصل للزوم التكليف بما لايطاق لولاه ، و اما الاستصحاب فهو كاستصحاب البراءة السابقة في حال الصغر او الجنون او حالة علم فيها عدم اشتغال الذمة بشيء مثل البراءة عن المهر قبل النكاح ، و اما الراجح فكقولهم الاصل في الكلام الحقيقة يعني انه لو خلا الكلام من القرينة الصارفة عن الموضوع له فالراجح هو المعني الحقيقي ، و اصالة البراءة هنا تتجه علي ثلاثة معان مما ذكر و هي القاعدة و الاستصحاب و الراجح و قد استشكل القمي بعد ان ذكر التفصيل المتقدم ذكره بتصرف قليل منا جعل اصالة البراءة قسما علي حدة لان الاصوليين جعلوا استصحاب البراءة السابقة و القاعدة المستفادة من العقل و النقل و هي لا تكليف الا بعد البيان او هي بمعني آخر ان عدم الدليل دليل علي العدم دليلين علي حدة و اصل البراءة لايغايرهما و كذا لو جعل الاصل بمعني الراجح فانه لايخرج عن القسمين فان الترجيح اما باستصحاب الحالة السابقة او بالقاعدة المتقدمة ثم ذكر بعد ذلك ما هذا لفظه :