فلو كانت هذه العقول حجة لمارأيت هذا الاصرار من الأئمة عليهم السلم بما لا مزيد عليه في تحريم الرجوع اليها و منها يعرف انه ليس المراد بحجية العقل و انه يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان المذكورة في اخبار العقل المتقدمة هذه العقول و الا لكان بين الطائفتين من الاخبار تعارض فاحش و تجتمع جميع هذه الاخبار بما قد بيناه في صدر المسألة ببركة مشايخنا الكرام اعلي الله لهم المقام فتبين ان المراد بالعقل و حجيته هو العقل الكلي و الشرعي و ليست هذه العقول الجزئية التي لاتخرج عن حد الشعور الظاهري الانساني حجة علينا و لاتدرك الحسن و القبح فاشتبه القمي و من لف لفه غاية الاشتباه بقولهم ان العقل فينا نظير الالهام فيه (ص) و لو كان ذلك كذلك لماوجدت الاختلاف الكثير [ص 29] بين ارباب هذه العقول الجزئية اذ ان قول النبي واحد لانه من عند الواحد و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فتراهم مختلفين في كل الامور التي قد حققوا فيها بين النقض و الابرام و كل منهم يستدل بدليل و يبرهن ببرهان يستظهر به علي خصمه فهذا و غيره من الطبايع و العادات و الشهوات و الاغراض التي تتكلم من ورائها العقول جعل نظرها حشوا رثا لايعتني به من كان له ادني مسكة في الدين المبين .
و اما قوله ان كلما يدرك العقل قبحه فلا بد و ان يكون من جملة ما نهي الله الخ ، فهو كلام سخيف اذا كان المراد به هذه العقول الجزئية فانها من دون اللجوء الي الشرع لاتميز الهر من البر فكيف تميز ان من قطع ثلاث اصابع من اصابع المرأة فيها الدية ثلاثون و من قطع اربعا فيها الدية عشرون و كيف تعرف سر جعل صلوة المغرب ثلاث ركعات و العشاء اربعة و الصبح اثنتين و كيف تعرف ان المسح علي ظهر القدم اولي من المسح علي باطنها فكيف يتجه قولهم كلما حكمت هذه العقول بحسنه كان من جملة ما امر الله به و كلما حكمت بقبحه كان عنده منهيا نعم لا شك ان الله لايأمر بالقبيح بل انما يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و لكن الشك في معرفة عقولكم القبح و الحسن فمن اين عرفتم ان كلما حكمت بحسنه كان عند الله حسنا و كلما حكمت بقبحه كان عند الله قبيحا و ما الميزان في ذلك فان الله يقول و زنوا بالقسطاس المستقيم فنحتاج الي ميزان قويم نزن به الغث من السمين .
فان قلتم كان الميزان في ذلك عقولنا قلت ان هذا دور ظاهر و قبحه عندكم معلوم لانكم تريدون اثبات حجية العقل و تقولون نستدل علي ذلك بالعقل و هو دور و ان قلتم نثبت ذلك بالشرع فهاتوا [ص 30] برهانكم ان كنتم صادقين و قد ذكرنا ان اخبار حجية العقل لاتنهض لكم دليلا لان المراد منها غير هذه العقول بالدليل الذي قدمناه و لا شك ان العقل الشرعي و العقل الكلي حجة و هما بالدرجة الاولي للمعصومين الاربعةعشر كما هو الظاهر من نفس تلك الاخبار اذا تدبر فيها المتدبر و امعن النظر فيها المعتبر كقوله اول ما خلق الله العقل و هو العقل الكلي و في حديث آخر اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر فالمراد منه اذا هو عقول المعصومين فهي التي تدرك الحسن و القبح و الثواب و العقاب و رضي الرب و سخطه و مع ذلك لايتكلمون الا بوحي من الله عز و جل و لو تقولوا عليه بالآراء و الاهواء اخذهم قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين و لقطعنا منه الوتين قال (ص) لو عصيت لهويت فهَذا شأنهم و هم معصومون من الزلل مبرؤن من النقص فلميبق بعد ذلك من الاخبار الا الاخبار الناهية عن اتباع الرأي و العقل في الدين و هي كثيرة قد تجاوزت حد التواتر باضعاف مضاعفة فوالله العظيم يحير الانسان ماذا يقول و لميرد في القرآن و لا في السنة و لا في اخبار العترة الطاهرة في تحريم مسألة من المسائل كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير و نكاح المحارم باكثر مما ورد في تحريم الرأي فكيف اخذوا بتلك مع انه لميرد فيها الا اخبار قليلة و آيات معدودة و تركوا هذه الآيات المتكثرة و الاحاديث المتضافرة و ما هو الا تسويل من الشيطان و اتباع العامة العمياء المجتثي الاصل المنقطعين عن آلمحمد عليهم السلم و المخالفين لهم في الاصول و الفروع و ما علينا نحن الا مخالفتهم في كل شيء لان طريقتنا غير طريقتهم و مذهبنا غير مذهبهم فانهم قد بنوا امرهم علي الاهمال و الانقطاع و الاجتثاث و نحن بنينا امرنا علي وجود الحافظ و الراعي و علي الثبات [ص 31] و اتباع اوصياء محمد المصطفي فنحن لنا راع و هم بلا راع و نحن لنا صاحب و هم ليس لهم صاحب فاختلفنا عنهم بالاصالة في الاصول فما لنا نتشبث بفروعهم و نأكل الميتة التي استطابوها و نحرم علينا الطيبات التي احلها الله لنا ان هي الا قسمة ضيزي ما لكم كيف تحكمون .
ثم انه اورد اعتراضا علي نفسه بقوله و قد يقال ان الثواب و العقاب علي الاطاعة و المخالفة الخ ، و اجاب عنه بقوله و فيه ان انحصار الاطاعة و المخالفة في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته دعوي بلا دليل الخ ، اقول يقضي الانسان من ذلك العجب فقوله دعوي بلا دليل دعوي بلا دليل و الدليل آية محكمة او سنة عادلة او فريضة قائمة فهاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و اما دعوي المعترض فمدعومة بالدليل و البرهان الم نرو لك سابقا جملة من الآيات و الاخبار في ذلك و ان اردت مزيدا علي ذلك فانظر الي قوله تعالي بنظر الدقة لايكلف الله نفسا الا ما آتاها فهل لايفيد ذلك الحصر في الخطاب الشفاهي لانه سبحانه قد منع من الآراء و العقول في آيات كثيرة كقوله تعالي و من اضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله و غيرها من الآيات التي قد تقدم ذكرها فلو كان المراد في الحقيقة من الاتيان في الآية الشريفة المعني العام الذي يشمل نظر العقول ايضا لالفيت الآيات متعارضة في ذلك ثم ان اخبار العترة الطاهرة ناصة علي ان المراد هو الخطاب الشفاهي و جاءت شارحة للآيات ففي الكتاب المبين قال ابوعبدالله عليه السلم في حديث بحسبكم ان تقولوا ما قلنا و تصمتوا عما صمتنا فانكم اذا قلتم ما نقول و سلمتم لنا فيما سكتنا عنه فقد آمنتم بمثل ما آمنا به و قال الله تعالي فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا و قال في حديث فوالله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيما بينكم و بين الله [ص 32] ماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا . اليس في امثال هذه النصوص دلالة علي حصر الامر في الخطاب الشفاهي و هل بعد قولهم عليهم السلم لميكلف العباد المعرفة و لميجعل لهم سبيلا و بعد قول الصادق عليه السلم عند ما سئل هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان . هل بعد قولهم هذا اشكال و شبهة لاسيما و انك تعلم بالضرورة ان هذه العقول مختلفة فبعضها تحسن اشياء و الاخري تقبحها و ليست محيطة بالاشياء من جميع جهاتها فتعلم بالحسن من جميع الجهات و القبح من جميع الجهات بل تعرف ما يقابلها معرفة ناقصة و كفي في ذلك قوله تعالي و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و الله يعلم و انتم لاتعلمون فكيف يجعل الله سبحانه الحكيم العدل هذه العقول مناطا لتحليل الحلال و تحريم الحرام و اقبح من ذلك قياس الرسول المنزه عن العصيان بالمرسل اليهم و جعله كاحد المخلوقين و جعل عقولهم الجزئية بمثابة الالهام او الوحي في الرسول و الله سبحانه و تعالي يقول ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي فانه في جميع احواله و افعاله تابع لامر الله و هو معصوم مطهر لايسبق الله بالامر و يفعل ما يؤمر فاذا كان شأن هذه العقول الجزئية هذا و تساوي فيما بينها و بين الرسول بل تجعل نظرها في كثير من الاحيان اعلي بكثير من نظر الرسول فهل يبقي اعتماد عليها او اعتناء بها فما هي الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فاذا جاء لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه .
قوله ان معني قولهم ان العقل و الشرع مطابقان الي ان قال و ترجيح المرجوح قبيح و الترجيح بلا مرجح محال الخ ، [ص 33] اقول نحن نقول ان العقل و الشرع مطابقان لكن ما المراد بالعقل فان كان المراد به هذا العقل الجزئي الذي هو بمعني الشعور عند كل احد متصف بالعقل و من دونه فلايسمي عاقلا و يسمي مجنونا فهذا لايطابق الشرع و ان طابقه احيانا فبتعليم خاص و بتربية من الشارع نفسه و ان كان المراد به هو العقل الكلي المعصوم عن الخطأ فذلك هو عقل المعصوم بلا ريب و لا شك بانك تعلم انهم لايريدون من العقل عقل المعصوم و يريدون عقولهم الجزئية و ما هي بحجة و لايعول عليها كما قدمنا و لاتطابق الشرع بوجه و كيف تطابق الشرع و الشرع يقول لاتقف ما ليس لك به علم و ينهي عن الرأي و الاجتهاد و الظنون و الاهواء بما ملأ الخافقين برهانا و دلالة فهل هذه العقول مطابقة للشرع و هم يريدون اثبات حجيتها خلافا له .
و اما قوله و ترجيح المرجوح قبيح الخ ، فذلك صحيح فان العقل اذا عرف معني علي اليقين في شيء من الاشياء و حكم عرف قبحه فترجيح المرجوح اي الحسن عليه قبيح و لكن الشأن في معرفة القبح و هذه العقول تطلبه و لاتدركه و ان ادركته فبفضل الشارع المربي لها فلو قيل ان العقل المربي بالنقل يدركها و يحكم بقبحها او حسنها فذلك من الجودة بمكان اذا استند الي الشرع لا بالاستقلال كما يزعمون .
قوله فتعيين الوجوب مثلا للصلوة و الزكوة و تعيين الحرمة للخمر و الخنزير انما كان بجهة مرجحة لذلك من حسن او قبح ذاتي او بحسب زمان او مكان الخ ، اقول ماادري ما مراده من الحسن او القبح الذاتي فان كان مراده بالذاتي الشخص الخارجي او ذاته الظاهرة مثلا فيمكن ان يكون له معني صحيح و لااظن انه يريد ذلك و يريد ما هو المتعارف بينهم من ان الحسن و القبح ذاتيان [ص 34] و ان الذات اي الحقيقة تتصف بهما بمجردها و هذا خطأ فاحش لان حقيقة الاشياء امر فوق الظاهر و لاتتصف بحسن و لا قبح و كل شيء في محله جميل و كل شيء في محله لايكون معه غيره و لايحتاج الي معلمة لتعيينه لانه ليس غيره معه و هو هو في محله و مكانه لايري غيره و غيره لايراه فلايحتاج الي اسم و لا الي رسم و المحتاج هو الظهور و المصداق فلما ظهر الي الخارج و احتك مع غيره احتاج الي اسم ليعرفه به من اراد معرفته و الا فهو من حيث ذاته لايحتاج الي معلمة و لا الي اسم و ليس بقبيح بل كل في مكانه حسن لانه خلق الله و ظهور الله سبحانه و تعالي و لذا قالت الحكماء لميكن في الامكان احسن مما قد كان فذاتيات الاشياء من حيث هي هي ليست بقبيحة و لا حسنة و لاتجري عليها الاحكام الخمسة فبالاقتران مع بعضها البعض تحصل لها حالات من تأثير بعضها مع البعض الآخر فاما ان يكون التأثير محسنا او مقبحا فبهذا اللحاظ جاءت الاحكام الخمسة مبينة لصلاح الاشياء و فسادها و معرفة الضار منها و النافع يكشف عن ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلم في الرد علي الاجتهاد و الرأي قال عليه السلم و من الدليل علي فساد قولهم بالاجتهاد و الرأي و القياس انه لنيخلو الشيء ان يكون يمثله علي اصل او يستخرج البحث عنه فان كان يبحث عنه فانه لايجوز في عدل الله ان يكلف العباد ذلك و ان كان تمثيلا علي اصل فلنيخلو الاصل ان يكون حرم لمصلحة الخلق او لمعني في نفسه خاص فان كان حرم لمعني في نفسه فقد كان ذلك فيه حلالا ثم حرم بعد ذلك لمعني فيه بل لو كان العلة المعني لميكن التحريم اولي له من التحليل و لما فسد هذا الوجه من دعواهم ان الله انما حرم الاشياء لمصلحة الخلق لا للخلق التي فيها الخبر ، فتبين من هذا الخبر الشريف ان الحسن و القبح [ص 35] ليسا بذاتيين كما ذهبوا اليه و ليسا علي ما اطلق القمي و من حذا حذوه و قد بينت لك هنا حاق الأمر علي طريقة مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم .
و اما قوله و اما العكس الخ ، فليس بصحيح و يعلم الحق مما مر من البيان فيما تقدم .
قوله و لقد اورد علي هذا القسم من الادلة العقلية وجوه من الاعتراض سخيفة الخ ، اقول السخافة في ادلته التي زعم انها عقلية لا في ادلة المعترضين كيف و ان اغلبها صادرة عن مهبط الوحي و معدن التنزيل فاستدلوا بالآيات المحكمة و السنة الواضحة و اخبار اهل البيت عليهم السلم النيرة اللائحة فان كانت هذه نعوذ بالله سخيفة فاقرأ السلام علي اهل الاسلام و انع اليها الناعي علي هذا الدين و احث التراب علي المسلمين نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .
ثم انه اورد من ادلة المعترضين عليه و علي امثاله هذه الآية الشريفة و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا ثم قال في الجواب انها من قبيل قوله ليهلك من هلك عن بينة الي ان قال فالمراد حقيقة و الله يعلم و ماكنا معذبين حتي تتم الحجة و لا ريب ان مع ادراك العقل الحجة تمام الخ ، اقول هذا تفسير بالرأي و الرسول يقول من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار و هذا الحديث من الاحاديث الواردة من طريق الشيعة و السنة يعني من الاحاديث المجمع عليها و انت قد فسرت القرآن برأيك ثم اي اعتبار في ادراك العقل حتي يكون مع ادراكه الحجة تامة و في ذلك الف كلام و قد مضي كثير من الادلة القاطعة الساطعة المستندة الي اخبار العترة علي عدم حجية هذه العقول و ليس الآية الشريفة جارية مجري الغالب كما زعم بل هي ظاهرة بل و صريحة [ص 36] في العموم فقوله و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا لايفهم منه من ادني له فهم التقييد بالغالب و من قيدها بذلك فقد فسر القرآن بالرأي كيف و ان الآيات الاخر شارحة و مبينة لها و كاشفة ان المراد بها العموم كقوله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و قد افادت الآية الشريفة حصر التكليف في الايتاء لا غير و ان قلت ان الايتاء هذا عام يشمل العقول ايضا قلت قد مر جواب ذلك فراجع .
و اما قوله ان الرسول لاعم من الرسول الباطن ، و استدلاله بالحديث الشريف و قد استدل به لانه تصور ان فيه دلالة علي ما ذهب اليه و ليس هناك و قد بينا فيما سلف ان المراد بالعقل هذا هو العقل المستند الي النقل و هو العقل الشرعي الذي هو نور الله و عليه جاء قوله عليه السلم اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و بهذا النور يعبد الله و ورد العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ، فليس في هذا الحديث دلالة علي مدعاه ابدا فالرسول لايعم هذه العقول الجزئية و المراد منه الرسول الظاهري كما في ساير الآيات الشريفة كقوله تعالي هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و غيرها من الآيات المذكور فيها الرسول الدالة بالصراحة علي الرسول الظاهري و لاينافي ذلك ان لها معاني اخر تنصرف الي بواطن حقة .
ثم ذكر بعد هذا كله ما يتعللون به في كل وقت و يتحججون من ان الآية ظاهرة و ادلته العقلية قطعية فلايعارض بها الدليل القاطع العقلي المحكم و بهذا ذروا الآيات و الاخبار ذروالريح الهشيم و ماادري اي عقل قاطع هل هذه العقول المتكلمة من وراء الطبايع و العادات و الشهوات و المتعارضة و المختلفة هي القاطعة و المحكمة فنسألهم اذا كانت قطعية فلم هذا الاختلاف الشديد و الجدال العظيم و تكفير [ص 37] البعض بعضا آخر و رمي بعض البعض الآخر بالالحاد و الامر القاطع هو الذي لايعتريه ريب و لا شك و اذا نظر الناظر الي هذه العقول المختلفة و الآراء المتشتة يعتريه كل ريب و شك فلايقر له قرار و لايعرف الليل من النهار و لايمكنه الثبات علي امر الا باللجوء الي ركن حصين و امر قويم و هو غير هذه العقول و هذا امر جبلي طبيعي في الانسان فلذا لميترك الله الخلق هملا و لميلجئهم الي الآراء و الاهواء فارسل لهم رسولا لقطع النزاع و زنة الافعال و الاعمال و تبيين الصالح من الضار و الحسن من القبيح و لولا ذلك لميميز احد هرا من بر و ما تري من استقلالك في بعض الامور فهو محض خيال و وهم و كله تعليم من عليم خبير اما بلا واسطة او وسائط متكثرة او غير متكثرة كما بينا ذلك كرارا .
ثم ذكر بعد ذلك من ادلة المعترضين بعض الاخبار الصريحة في المطلوب فذراها ذرو الريح الهشيم بقوله لا معني للتبليغ بعد ادراك العقل مستقلا فأنه تحصيل الحاصل ، و لا ريب انك قد عرفت مما سبق انه لايمكن للعقل الجزئي الاستقلال في ادراك الامور الا بالتعليم و هو قد غفل عن التعليم و تصور نفسه مجردا عنه و هو محض خيال لا غير و الاخبار التي ذكرها كلها صحيحة و واردة في محلها لايمكن الاعتراض عليها .
قوله مع ان البينة اعم من الشرع الخ ، كقوله الرسول اعم من الرسول الظاهر و الآيات ناصة بخلاف ذلك الاتري قوله تعالي لميكن الذين كفروا من اهل الكتاب و المشركين منفكين حتي تاتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فهل هذا الرسول هو عقولهم و هل هذه تتلو صحفا مطهرة و هل يوجد امر من الامور اصرح من ذلك .
ثم انه قد سلم الدلالة و خصصها بادلته المتقدمة و هو تخصيص بالعقول لايعبأ به و انحصار بيان المصلح و المفسد في الشرع مما لايعتريه شائبة ريب فلايستقل [ص 38] العقل بالانفصال عنه في معرفة المصلح من المفسد ابدا .
قوله اذ الظاهر مما آتاهم و عرفهم هو ما ارشدهم العقل اليه الخ ، اقول كل هذا تفسير بالرأي و من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار و نحن مأمورون بالرجوع الي اخبار العترة الطاهرة في تفسير القرآن فاذا راجعناها وجدنا اخبارهم المتضافرة كما قدمنا قسماً ليس باليسير منها تدل علي ان المقصود من الاتيان و التعريف هو تعريف الرسل و الانبياء و الاوصياء كقولهم عليهم السلم عند ما سئلوا هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة قالوا لا قيل فهل كلفوا المعرفة فقالوا لا علي الله البيان و قد تقدمت اخبار كثيرة دالة علي ذلك و شارحة للآيات مع ان الآيات ايضا يشرح بعضها بعضا لو تدبر فيها المتدبر و امعن النظر فيها الناظر بنية خالصة فماادري قوله اما الرواية الاخيرة فهي علي خلاف مطلب المورد ادل اي معني له بعد ملاحظة ما ذكرنا .
قوله و اما قوله كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي فلايدل علي ان كلما لميرد فيه نص فهو مباح و ان ادرك العقل قبحه كما توهم الي ان قال فلا بد من تخصيص كلمة شيء او تعميم النهي بحيث يشمل مناهي العقل انتهي . اقول يا لله و للآراء و الاهواء ماذا تفعل باهلها الشارع يقول كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نهي و في رواية اخري نص و كل من ادوات العموم فهل ان الشارع عليه السلم لايعلم ان كل من ادوات العموم فاحتاج الي عقولكم لتكشف ان مراده الخصوص ثم نقول لكم علي رسلكم و نسألكم لم لمتحرموا شرب الافيون و تدخين التنباكو مع ان هذه العقول تعرف بالبيان المضرات الكثيرة الناشئة من استعمال ذلك و يشدد الاطباء كثيرا في استعمالهما فان قلتم اطلقنا [ص 39] ذلك لاطلاق الشرع و عملنا باصالة البراءة و مقتضاها نفي التكليف عما لميصل الينا من الشرع حكمه فنقول لكم اذا ان الحديث علي عمومه و هو ناد بهذا الاصل و هو الاباحة غاية ما هناك انكم سميتموه باصل البراءة و لا مشاحة في الاصطلاح فلم خصصتم الشيء او عممتم النهي و ان قلتم انا عممنا النهي ليشمل مناهي العقول و اوامرها التي تستقل بادراك الحسن و القبح في بعض الاشياء مثل شم الورد و اكل الفاكهة و قبح الظلم و ما شاكله لا ما لايستقل به العقل قلت ما الفرق بينها و بين شرب الافيون و تدخين التنباكو و كلا الامرين واحد فان شرب الافيون فيه مضار كثيرة ظاهر للعيان و مضاره ظاهرا اكثر من منافعه حتي سماه مولانا الكريم اعلي الله مقامه سواد الوجه في الدارين فلم لمتحرموه فالعقول الجزئية هذه تنهي عنه اشد النهي فان قلتم لمنحرمه لاحتمال المنفعة الموجودة قلت فان كل الاشياء التي لميرد بها نص علي السواء في ذلك فانها كما تحتمل المضرة تحتمل المنفعة و العقول لما لمتكن لها احاطة كاملة و معرفة بالغة لايعول علي فهمها و لا معرفتها للضار و النافع فرجع الامر الي الشارع و هو قوله كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نهي فلايخصص الشيء و لايعمم النهي و كأني بكم تقولون ان حكم الاباحة هذا ثابت بالعقل القاطع لا بالاخبار الظنية فانها لاتفيد الا الظن فكما يحكم العقل علي وجوب الشيء عقلا كرد الوديعة او حرمته عقلا كالظلم او استحبابه كذلك كالاحسان فكذا حكمه بالاباحة في المنافع الخالية عن المضرة كشم الورد و اكل الفاكهة قبل ورود الشرع او الامور التي لميدرك حكمها العقل و لميصل بها نص او حكم قاطع من العقل فيحكم العقل هنا بعدم الوجوب و عدم الحرمة و هو المعبر عنه هنا باصل البراءة و كل ذلك بفضل العقل كما هو الحاصل من كلام القمي في آخر [ص 40] مبحث الكلام في الاباحة عند ايراده الاقوال المختلفة فيها و لما كانت هذه المسألة بحد ذاتها تحتاج الي تطويل كثير فانا سنذكرها في محلها الخاص بها و قد اشرنا اليها هنا استطرادا و تتميما للبيان و اقول مزيدا علي ذلك كما قدمنا سابقا ان الامور التي يستقل بها العقل علي زعمهم و التي لايستقل كلها تعليم من عليم خبير فلولا الشرع ماعرف العقل وجوب رد الوديعة و لا قطع بحرمة الظلم و لااستحب امورا كالاحسان و لا حكم باباحة شم الورد و اكل الفاكهة و لا باباحة ما لميصل به نص و انما كل ذلك لاجل انهم تصوروا انفسهم منقطعين عن الشرع و تصوروا انهم يتلذذون بامور بالانقطاع عنه كتلذذهم بالطعام و الشراب و شم الورد و معرفتهم بالطبع نفعها و قد غفلوا عن ان تلذذهم هذا انما هو بالطبع و الشعور الموجود حتي عند الحيوانات و هذا غير ما نحن فيه فانه ليس كلما يلتذ به الانسان و يأنس به طبعه حكمه عند الله الوجوب او الاستحباب و ليس كلما يأنف له طبعه و تنفر منه نفسه حكمه الحرمة او الكراهة و ما ذلك الا لان للاشياء قرانات و مناسبات كثيرة و النفس الانسانية الناطقة غير الامارة بالسوء و الروح غير البدن فربما يكون الشيء للبدن نافعا و لكن يضر الروح الانسانية اشد الضرر و ربما يكون الشيء مقوما للطباع و لكنه يبيد الايمان و يهلكه و يضره ارأيت لو قرب اليك طيب لا شك ان طبيعتك تحبه و تهواه و مع ذلك فقد كره الشارع بعض الاطياب و منها النرجس خصوصا للصائم و ما ذلك الا لانه طيب اعداء الشرع و ظني انه طيب المجوس و لايحب الشارع البر الرؤف ان يتلبس احباؤه بلباس اعدائه و من اجل ذلك حرم الفقاع مع عدم اسكاره لانه شراب يزيد و بنيامية فالمناسبات و الاقترانات لاتحصي و ليس كلما تصور نفعه بنافع و لا كل ما تصور [ص 41] ضرره بضار و ليس احكام الشرع موضوعة علي الظاهر فقط و هذه العقول الجزئية لاتعرف الا بعض الظواهر فقط و هي عن المناسبات الاخر و البواطن و ساير العوالم غافلة فكيف تستطيع اذا ان تشرع احكاما و تثبت لها امورا فاصل الاباحة ليس بالعقول ثابتاً و لا بهذا الشعور متحتما و انما قد ثبت بالشرع كما مر عليك الحديث الشريف و ما سوي ذلك فكله زبد زائل و قول باطل لا حجة فيه و لا ثمرة له و سيأتيك مزيد بيان في محله ان شاء الله فترقب .
و اما الاخباريون فقد ذهبوا الي خلاف ما ذهب اليه الاصوليون من عدم حجية العقل قال محمد امين الاسترابادي في كتابه الفوائد المدنية في الرد علي من قال بالاجتهاد و التقليد قال :
فائدة - الصواب عندي مذهب قدمائنا الاخباريين و طريقتهم اما مذهبهم فهو ان كل ما تحتاج اليه الامة الي يوم القيمة عليه دلالة قطعية من قبله تعالي حتي ارش الخدش و ان كثيرا مما جاء به صلي الله عليه و آله من الاحكام و مما يتعلق بكتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله من نسخ و تقييد و تخصيص و تأويل مخزون عند العترة الطاهرة عليهم السلم و ان القرآن في الاكثر ورد علي وجه التعمية بالنسبة الي اذهان الرعية و كذلك كثير من السنن النبوية صلي الله عيه و آله و انه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الاحكام النظرية الشرعية اصلية كانت او فرعية الا السماع من الصادقين عليهم السلم و انه لايجوز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر كتاب الله و لا ظواهر السنن النبوية ما لمنعلم احوالهما من جهة اهل الذكر عليهم السلم بل يجب التوقف و الاحتياط فيهما و ان المجتهد في نفس احكامه تعالي ان اخطأ كذب علي الله و افتري و ان اصاب لميوجر و انه لايجوز القضاء و لا الافتاء الا بقطع و يقين و مع فقده يجب التوقف و ان اليقين المعتبر فيهما قسمان يقين [ص 42] متعلق بان هذا حكم الله في الواقع و يقين متعلق بان هذا ورد عن معصوم فانهم عليهم السلم جوزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم عليه السلم و ان كان في الواقع وروده من باب التقية و لميحصل لنا منه ظن بما هو حكم الله تعالي في الواقع و المقدمة الثانية متواترة عنهم عليهم السلم و قال في موضع آخر : الفصل الثاني في بيان انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية اصلية كانت او فرعية في السماع عن الصادقين عليهم السلم و لي فيه ادلة الاول عدم ظهور دلالة قطعية و اذن في جواز التمسك في نظريات الدين بغير كلام العترة الطاهرة عليهم السلم و لا ريب في جواز التمسك بكلامهم عليهم السلم فتعين ذلك و الادلة المذكورة في كتب العامة و كتب متأخري الخاصة علي جواز التمسك بغير كلامهم مدخولة اجوبتها واضحة مما مهدناه و نقلناه لانطول الكلام بذكرها و دفعها و الدليل الثاني الحديث المتواتر بين الفريقين اني تارك فيكم الثقلين ان تمسكتم بهما لنتضلوا بعدي كتاب الله و عترتي اهل بيتي لنيفترقا حتي يردا علي الحوض و معني الحديث الشريف كما يستفاد من الاخبار المتواترة انه يجب التمسك بكلامهم اذ ح يتحقق التمسك بمجموع الامرين و السر فيه انه لا سبيل الي فهم مراد الله الا من جهتهم عليهم السلم لانهم عارفون بناسخه و منسوخه و الباقي منه علي الاطلاق و المأول و غير ذلك دون غيرهم خصهم الله و النبي صلي الله عليه و آله بذلك و الدليل الثالث ان كل طريق غير التمسك بكلامهم عليهم السلم يقضي الي اختلاف الفتاوي و الكذب علي الله تعالي و كل ما هو كذلك مردود غير مقبول عند الله لما تقدم من الروايات المتواترة معني و الدليل الرابع ان كل مسلك غير ذلك المسلك انما يعتبر من حيث افادته الظن بحكم الله تعالي او بنفيها و الدليل الخامس انه [ص 43] تواترت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلم بان مراده تعالي من قوله فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و من نظايرها من الآيات الشريفه انه يجب سؤالهم عليهم السلم في كل ما لم نعلم و الدليل السادس ان العقل و النقل قاضيان بان المصلحة في بعث الرسل و انزال الكتب دفع الاختلاف و الخصومات بين العباد ليتم نظام معاشهم فاذا كان من القواعد الشرعية جواز العمل بالظن المتعلق بنفس احكامه تعالي او بنفيها لفاتت المصلحة لحصول الاختلاف و الخصومات كما هو المشاهد و الدليل السابع التوقيع المنقول بطرق واضحة كما سيجيء بيانه المشتمل علي قول امام الزمان ناموس العصر و الاوان سلام الله عليه اما الوقايع الحادثة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله عليهم و نظائره من الروايات و الدليل الثامن قولهم عليهم السلم هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة و الدليل التاسع مبني علي دقيقة شريفة تفطنت لها بتوفيق الله تعالي و هي ان المعلوم النظرية قسمان قسم ينتهي الي مادة هي قريبة الي الاحساس و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و اكثر ابواب المنطق و هذا القسم لايقع فيه الاختلاف بين العلماء و الخطأ في نتايج الافكار و السبب فيه ان الخطأ في الفكر اما من جهة الصورة او من جهة المادة و الخطأ من جهة الصورة لايقع من العلماء لان معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الاذهان المستقيمة و لانهم عارفون بالقواعد المنطقية و هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة و الخطأ من جهة المادة لايتصور في هذه العلوم لقرب مادة المواد فيها ( الي ظ ) الاحساس و قسم ينتهي الي مادة و هي بعيدة من الاحساس ، من هذا القسم الحكمة الالهية و الطبقية و علم الكلام و علم اصول الفقه و المسايل النظرية الفقهية و بعض القواعد [ص 44] المذكورة في كتب المنطق كقولهم الماهية لاتتركب من امرين متساويين و قولهم نقيضا المتساويين متساويان و من ثم وقع الاختلاف و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الالهية و الطبيعية و بين علماء الاسلام في اصول الفقه و المسائل الفقهية و علم الكلام و غير ذلك من غير فيصل و السبب في ذلك ما ذكرناه من ان القواعد المنطقية انما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة اذ اقصي ما يستفاد من المنطق في باب مواد الا فيه تقسيم المواد علي وجه كلي الي اقسام و ليست في المنطق قاعدة بها تعلم ان كل مادة مخصوصة داخلة في اي قسم من تلك الاقسام بل من المعلوم عند اولي الالباب امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك و مما يوضح ما ذكرناه من جهة النقل الاحاديث المتواترة معني الناطقة بان الله اخذ ضغثا من الحق و ضغثا من الباطل فمغثهما ثم اخرجهما الي الناس ثم بعث انبياء يفرقون بينهما ففرقتهما الانبياء و الاوصياء فبعث الله الانبياء ليفرقوا ذلك و جعل الانبياء قبل الاوصياء ليعلم الناس من يفضل الله و من يختص و لو كان الحق علي حدة و الباطل علي حدة كل واحد منهما قايم بشأنه مااحتاج الناس الي نبي و لا وصي و لكن خلطهما و جعل تفريقهما الي الانبياء و الأئمة من عباده مما يوضحه من جهة العقل ما في الشرح العضدي للمختصر الحاجبي حيث قال في مقام ذكر الضروريات القطعية منها المشاهدات الباطنة و هي ما لايفتقر الي عقل كالجوع و الالم و منها الاوليات و هي ما يحصل بمجرد العقل كعلمك بوجودك و ان النقيضين يصدق احدهما و منها المحسوسات ما يحصل بالحس و منها التجربيات و هي ما يحصل بالعادة كاسهال المسهل و الاسكار و منها المتواترات و هي ما يحصل بالاخبار تواترا كبغداد و مكة و حيث قال في مقام ذكر الضروريات الظنية انها [ص 45] انواع الحدسيات كما نشاهد نور القمر يزداد و ينقص بقربه و بعده من الشمس فنظن انه مستفاد منها و المشهورات كحسن الصدق و العدل و قبح الكذب و الظلم و كالتجربيات الناقصة و كالمحسوسات الناقصة و الوهميات ما يتخيل بمجرد الفطرة بدون نظر العقل انه من الاوليات مثل كل موجود متحيز و المسلمات ما يتسلمه الناظرين من غيره و حيث قال في مقام ذكر اصناف الخطا في مادة البرهان : الثالث جعل الاعتقاديات و الحدسيات و التجربيات الناقصة و الظنيات و الوهميات مما ليس بقطعي كالقطعي و اجراؤها مجراه و ذلك كثير حيث قال في مبحث الاجماع و الجواب ان اجماع الفلاسفة علي قدم العالم عن نظر عقلي و تعارض الشبه و اشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير و اما في الشرعيات و الفرق بين القاطع و الظني بين لايشتبه علي اهل المعرفة و التمييز ، انتهي كلامه . فان قلت لا فرق في ذلك بين العقليات و الشرعيات و الشاهد علي ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين اهل الشرع في الاصولين و في الفروع الفقهية قلت انما نشأ ذلك من ضم مقدمة عقلية باطلة بالمقدمة النقلية الظنية او القطعية و من الموضحات لما ذكرناه من انه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادة الفكر ان المشائين ادعوا البداهة في ان تفريق ماء كوز الي كوزين اعدام لشخصية و احداث لشخصين من (كذا) آخرين و علي هذه المقدمة من اثبات الهيولي و الاشراقيين ادعوا البداهة في انه ليس اعداما للشخص الاول و في ان الشخص الاول باق و انما انعدمت صفة من صفاته و هو الاتصال و من الموضحات لما ذكرناه انه لو كان المنطق عاصما عن الخطأ من جهة المادة لميقع بين فحول العلماء العارفين بالمنطق اختلاف و لميقع غلط في الحكمة الالهية و في الحكمة الطبيعية و في علم الكلام و علم [ص 46] اصول الفقه و الفقه كما لميقع في علم الحساب و في علم الهندسة اذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة فنقول ان تمسكنا بكلامهم قد عصمنا عن الخطأ و ان تمسكنا بغيره لمنعصم عنه و من المعلوم ان العصمة عن الخطأ امر مطلوب مرغوب فيه شرعا و عقلا الاتري ان الامامية استدلت علي وجوب عصمة الامام بانه لولا العصمة للزم امره تعالي عباده باتباع الخطأ و ذلك محال لانه قبيح عقلا و انت اذا تأملت في هذا الدليل علمت ان مقتضاه انه لايجوز الاعتماد علي الدليل الظني في احكامه تعالي اصلا سواء كان ظني الدلالة و ظني المتن او ظنيهما و العجب كل العجب ان جمعا من الافاضل القائلين بصحة هذا الدليل رأيتهم قائلين بجواز العمل بالدليل الظني و نبهتهم علي تنافي لازميهما فلم يقبلوا فقلت في نفسي :
اذا لمتكن للمرء عين صحيحة فلا غرو ان يرتاب و الصبح مسفر
انتهي كلامه و قد اوردت ذلك انموذجا من كلام الاخباريين في الاستدلال علي نوع مطالبهم و اعلم انهم لرجوعهم الي الاخبار و تعويلهم علي الآثار احسن عاقبة ممن ذهبوا الي آرائهم و اهوائهم و اتبعوا العامة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة غفر الله لنا و لهم لكنهم مع هذا لميعضوا علي العلم بضرص قاطع فلذا وقعوا في الاشتباه في كثير من الامور التي تأتي علي شرحها و ما ذلك الا لجمودهم و عدم معرفتهم بحقايق الامور و دقايقها و اتوا من الطريق الاسفل الذي تكثر فيه قطاع الطرق فلذا تراهم قد شرعوا لانفسهم احكاما خاصة كالقول بوجوب الاحتياط فيما لا نص فيه و القول بالقياس الاستقرائي كما عليه صاحب الحدائق و غير ذلك من الامور و المسائل التي اشتبهت عليهم و من احتياطهم الكثير الذي في غير محله قولهم بحرمة التتن التنباكو و القهوة ( البن ) و غير [ص 47] هذه الامورالتي لميرد بها نص و المعصوم من عصمه الله و من جمودهم ايضا استدلال بعضهم علي ما قيل علي ان الارض ليست بكروية بانها لو كانت كروية لمابقي لحديث فضيلة صلٰوة الظهر في وقت الزوال خصوصية للزوم وجود الزوال في كل ساعات الليل و النهار و ما شاكل ذلك من البلادة التي طبعوا عليها كقولهم بحصول اسماء الله للنبي مستدلين علي ذلك ببعض الاخبار التي لميعرفوا الوجه فيها و ردهم علي الاصوليين في ذلك .
و اليك انموذجا آخر من طرز ادلتهم علي ابطال حجية العقل ففي مقدمة الحدايق نقلا عن كتاب الانوار للسيد نعمة الله الجزائري قال بعد ان ذكر طريقة الاصوليين و انهم مااعتمدوا في شيء من امورهم الا علي العقل و اذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون اولا الدلايل العقلية ثم يجعلون دليل النقل مؤيدا لها و عاضدا اياها فيكون المدار و الاصل انما هو العقل قال :
و هذا منظور فيه لانا نسألهم عن معني الدليل العقلي الذي جعلوه اصلا في الاصولين و الفروع فنقول ان اردتم ما كان مقبولا عند عامة العقول فلايثبت و لايبقي لكم دليل عقلي و ذلك كما تحققت ان العقول مختلفة في مراتب الادراك و ليس لها حد تقف عنده فمن ثم تري كلا من اللاحقين يتكلم علي دلائل السابقين و ينقضه و يأتي بدلائل اخري علي ما ذهب اليه و لذلك لاتري دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء و الافاضل و ان كان المطلوب متحدا فان جماعة من المحققين قد اعترفوا بانه لميتم دليل من الدلائل علي اثبات الواجب و ذلك ان الدلائل التي ذكروها مبنية علي ابطال التسلسل و لميتم برهان علي بطلانه فاذا لميتم دليل علي هذا المطلب الجليل الذي توجهت الي الاستدلال عليه كافة الخلايق فكيف يتم علي غيره مما توجهت اليه آحاد المحققين و ان كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به [ص 48] و اعتقاده فلايجوز لنا تكفير الحكماء و الزنادقة و لا تفسيق المعتزلة و الاشاعرة و لا الطعن علي من ذهب الي مذهب مخالف يخالف ما نحن عليه و ذلك ان اهل كل مذهب استندوا في تقوية ذلك المذهب الي دلايل كثيرة من العقل و كانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم و لميعارضها سوي دلايل العقل لاهل القول الآخر و دلايل النقل و كلاهما لايصلح للمعارضة لما قلتم لان دليل النقل يجب تأويله و دليل العقل لهذا الشخص لايكون حجة علي غيره لان عنده مثله و يجب عليه العمل بذلك مع ان الاصحاب رضوان الله عليهم ذهبوا الي تكفير الفلاسفة و من يحذو حذوهم و تفسيق اكثر طوائف المسلمين و ما ذاك الا لانهم لميقبلوا منهم تلك الدلائل و لميعدوها من دلائل العقل ، انتهي .
ثم ذكر الشيخ يوسف بعد هذا الكلام كلام الرازي في عدم حجية هذه البراهين المتداولة بين ارباب العقول مؤيدا لما ذهب اليه ثم قال بعد ذلك :
فان قلت فعلي ما ذكر من عدم الاعتماد علي الدليل العقلي يلزم ان لايكون العقل معتبرا بوجه من الوجوه مع انه قد استفاضت الآيات القرآنية و الاخبار المعصومية بالاعتماد علي العقل و العمل علي ما يرجحه و انه حجة من حجج الله سبحانه كقوله تعالي ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون في غير موضع من الكتاب العزيز اي يعملون بمقتضي عقولهم لآيات لقوم يتفكرون ، لآيات لاولي الالباب ، لآيات لأولي النهي ، انما يتذكر اولوالالباب ، لذكري لاولي الالباب و ذم قوما لميعملوا بمقتضي عقولهم فقال سبحانه افلاتعقلون ، و لكن اكثرهم لايعقلون ، ذلك بانهم قوم لايعقلون ، افلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها الي غير ذلك من الآيات الدالة علي مدح العمل بمقتضي العقل و ذم عكسه و في الحديث عن ابيالحسن عليه السلام حين سئل فما الحجة علي الخلق اليوم فقال عليه السلم العقل يعرف [ص 49] به الصادق علي الله فيصدقه و الكاذب علي الله فيكذبه و في آخر عن الصادق عليه السلم قال حجة الله علي العباد النبي و الحجة فيما بين العباد و بين الله العقل و في آخر عن الكاظم عليه السلم يا هشام ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالانبياء و الرسل و الأئمة و اما الباطنة فالعقول ، قلت لا ريب ان العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه و سراج منير من جهته جل شأنه و هو موافق للشرع بل هو شرع من داخل كما ان ذاك شرع من خارج لكن ما لمتغيره غلبة الاوهام الفاسدة و تتصرف فيه العصبية او حب الجاه او نحوهما من الاغراض الكاسدة و هو قد يدرك الاشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا و قد لايدركها قبله و يخفي عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفا له و مبينا و غاية ما تدل عليه هذه الادلة مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الاوهام العاري عن كدورات العصبية و انه بهذا المعني حجة الهية لادراكه بصفاء نورانيته و اصل فطرته بعض الامور التكليفية و قبوله لما يجهل منها متي ورد عليه الشرع بها و هو اعم من ان يكون بادراكه ذلك اولا و قبوله لها ثانيا كما عرفت و لا ريب ان الاحكام الفقهية من عبادات و غيرها كلها توقيفية تحتاج الي السماع من حافظ الشريعة و لهذه قد استفاضت الاخبار كما قد مر بك الاشارة الي شطر منها في المقدمة الثالثة بالنهي عن القول في الاحكام الشرعية بغير سماع منهم عليهم السلم و علم صادر عنهم صلوات الله عليهم و وجوب التوقف و الاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم و وجوب الرد اليهم في جملة منها و ما ذاك الا لقصور العقل المذكور عن الاطلاع علي اغوارها و احجامه عن التبلج في لجج بحارها بل لو تم للعقل الاستقلال بذلك لبطل ارسال الرسل و انزال الكتب و من ثم تواترت [ص 50] الاخبار ناعية علي اصحاب القياس بذلك و من الاخبار المؤكدة لما ذكرنا رواية ابيحمزة عن ابيجعفر عليه السلام في حديث طويل قال ان الله لميكل امره الي خلقه لا الي ملك مقرب و لا الي نبي مرسل و لكنه ارسل رسولا من ملائكته فقال له قل كذا و كذا فامرهم بما يجب و نهاهم عما يكره الحديث ، و منها رواية ابيبصير قال قلت ترد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب الله و لا سنته فننظر فيها فقال لا اما انك ان اصبت لمتوجر و ان اخطأت كذبت علي الله و منها حديث يونس عن ابيالحسن عليه السلم قال من نظر برأيه هلك و من ترك اهل بيت نبيه ضل و في حديث آخر عن اميرالمؤمنين عليه السلم ان المؤمن لميأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاه من ربه فاخذ به و في آخر لما قال السائل له عليه السلم ما رأيك في كذا قال عليه السلم و اي محل للرأي هنا انا اذا قلنا حديثا عن رسول الله صلي الله عليه و آله عن جبرئيل عن الله الي غير ذلك من الاخبار المتواترة معني الدالة علي كون الشريعة توقيفية لا مدخل للعقل في استنباط شيء من احكامها بوجه نعم عليه القبول و الانقياد و التسليم لما يراد و هو احد فردي ما دلت عليه تلك الادلة التي اوردها المعترض نعم يبقي الكلام بالنسبة الي ما يتوقف علي التوقيف فنقول ان كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة كقولهم الواحد نصف الاثنين فلا ريب في صحة العمل به و الا فان لميعارضه دليل عقلي و لا نقلي فكذلك و ان عارضه دليل عقلي آخر فان تأيد احدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي و الا فاشكال و ان عارضه دليل نقلي فان تأيد ذلك العقلي ايضا بنقلي كان الترجيح للعقلي الا ان هذا في الحقيقة تعارض في النقليات و الا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره و خلافا للاكثر هذا بالنسبة الي [ص 51] العقلي بقول مطلق اما لو اريد به المعني الاخص و هو الفطري الخالي عن شوائب الاوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام و ان شذ وجوده بين الانام ففي ترجيح النقلي عليه اشكال و الله العالم ، انتهي كلامه .
اقول قول صاحب الفوائد : الصواب عندي مذهب قدمائنا الاخباريين الخ ، صحيح لا غبرة عليه فيما ذكره فان خير الامور تلادها و شرها محدثاتها و القدماء من الاخباريين قد عولوا في جل امورهم علي الاخبار و متابعة الآثار و حرموا عليهم الظنون و الآراء التي ماانزل الله بها من سلطان فالواجب علي الانسان اتباعهم فيما طابق الحق و وافق الواقع لا في كل ما قالوا و ذهبوا اليه فان كثيرا من القدماء قد اشتبه عليهم كثير من مسائل الاصول و الفروع كالمفيد عليه الرحمة كما نقل عنه انه ذهب الي ان الله تع لايقدر علي غير مقدور العبد و كانكار الرجعة و عالم الذر و كالصدوق و شيخه ابنالوليد فانهما ذهبا الي جواز السهو علي النبي و غير ذلك كثير فلايجوز اتباع هؤلاء في امثال هذه الامور .
و اما قوله لايجب استنباط الاحكام النظرية من ظواهر كتاب الله و لا ظواهر السنن الي ان قال بل يجب التوقف و الاحتياط فيهما الخ ، فماادري ما مراده من التوقف و الاحتياط فان كان غرضه من ذلك التوقف و وجوب الاحتياط في عدم تفسير القرآن بالرأي و الهوي فذلك من الجودة بمكان و ان كان المراد وجوب الاحتياط في الامور التي لميرد بها نص عن اهل البيت عليهم السلم و كان له حكم ظاهر في الكتاب او السنة كظهور ساير الاخبار في معانيها و لم يكن هناك من اخبارهم المحكمة ما هو صارف عنه و لميقم اجماع علي خلافه و لمتخالفه بداهة العقول فكيف يمكن التوقف و الاحتياط فيه فان الشارع لا شك عالم بكل شيء محيط بالاحكام من جميع [ص 52] جهاتها عالم بما يحتاج اليه الرعية و لميترك شيئا نسيانا و لايغري بالباطل نعوذ بالله فلو لميرد ظاهر هذا الحكم لصرف عنه بصارف محكم من كلامهم عليهم السلام فلما لميصرف عنه بصارف و امرنا بالرجوع الي الكتاب و العرض عليه علمنا انه قد اراد الظاهر من ذلك و اقرنا عليه فنحن نعمل بامره في الواقع و رضاه و ما جاء عنه و ليس هذا عملا بالرأي فلايرد علينا الاخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي و الآمرة بالرجوع الي اهل البيت عليهم السلم و الاخذ بما ورد عن طريقهم فان ما قلناه هو وارد عن طريقهم لان طريق ايصالهم الاحكام الينا علي اقسام مختلفة منها ايصالهم بواسطة ضروري الاسلام و هو حجة بلا ريب لان آلمحمد عليهم السلم هم اهل الضرورة و منها بواسطة ضروري المذهب فاذا قامت ضرورة المذهب علي امر من الامور فهو حجة بلا شك فاذا ثبت حكم من الاحكام بهما فالواجب علي الانسان الاخذ به لانهم اهل الضرورة و قولهم حجة و كذا اذا ثبت بالاخبار المجمع عليها المتواترة او المستفيضة او الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية المورثة للعلم العادي فكل ذلك حجة بلا ريب و ان لميصل بهذه الطرق و وصل بما ذكرناه من امر الظاهر و لميصرفوا عنه بصارف نعلم انهم قرروه و ارادوه لاحاطتهم و علمهم و عدم تركهم ذلك نسيانا و هذا طريق ايضا من طرقهم فالتوقف هنا و الاحتياط لا محل له بوجه بل هو تشريع من عند النفس محرم علينا الرجوع اليه و التمسك به و هذه المسألة من المسائل التي اخطأ بها الاخباريون و سيأتي مزيد بيان علي ذلك فترقب .
و اما قوله و ان اليقين المعتبر فيهما قسمان يقين متعلق بان هذا حكم الله في الواقع و يقين متعلق بان هذا ورد عن معصوم الخ ، [ص 53] فهذا من امهات المسائل التي خفيت علي الاخباريين و الاصوليين كليهما و ذلك لعدم تمييزهم بين الاحكام الاولية الواقعية و الاحكام الثانوية النفس الامرية فيتصورون ان كلما صدر عن النبي و جاء عنه و سمع الناس من فلق فيه هو من الاحكام الواقعية و كلما جاء عن النبي او عن الائمة عليهم السلم متواترا مجمعا عليه و استمر طوال القرون و الاعصار هو من الاحكام الذاتية الاولية و كلما وصل الينا مما يحتمل التقية مثلا او يحتمل الكذب او الوضع و ما شاكل ذلك من الاحتمالات هو من الاحكام الثانوية و هذا خطأ فاحش اذ انه لايخفي علي كل عاقل ان النبي قد اتقي في كثير من اموره و من ذلك انه قد اقر علي كثير من احكام الجاهلية في بادئ امره و اخذ في ابطالها تدريجا و اقر علي التوجه الي بيت المقدس زمانا ثم نسخ ذلك و توجه الي الكعبة و اخر امر الولاية الي حجة الوداع مع ان امر الولاية اساس الدين و عليه قيام الشرع المبين و لولاه لماعد الرسول مبلغاً للرسالة و كل ذلك من باب التقية خوفا من ارتداد القوم و كذا كان يداري المنافقين مع معرفته بهم فلميفضحهم بل كان يعاملهم معاملة حسنة و لميظهر نفاقهم مع اطلاعه الكامل علي احوالهم كيف لا و قد قال الله سبحانه مخاطبا له و اعرض عن المشركين و قال ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم و قال لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فكل هذا من باب التقية بل ان امر النسخ قائم كله علي ذلك فيعلم من ذلك ان الاحكام الاولية ليست هي كما قالوا و انما اشتبه الامر عليهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان للشيء حالتين حالة ذاتية و حالة عرضية اما حالته الذاتية فهو ما عليه هو لايتغير و لايتبدل كزيد مثلا في ذاته فانه لايتغير و لايتبدل فزيد مثلا في حال صغره هو بعينه في حال شبابه و هو بعينه في [ص 54] حال شيخوخته فلاتغيره طروء الاعراض و لاتبدله عروض الامراض و له في هذه الحالة حكم لايتغير ابدا و لايتبدل بل هو ثابت له دائما و هذا هو حكم الحقايق و اما حالته العرضية فهي الحالة المتغيرة فاذا نظرت الي زيد في صغره مثلا تراه صغير القامة نحيف الجسم ضعيف البدن و لا شك تتغير هذه الحالة عند الشباب فتراه في حال شبابه غير ما كان في سن طفوليته كان ضعيفا فقوي و كان قصيرا فطال و كان دميما مثلا فحسن و كان مريضا فصح و كان امردا فاكتسي الشعر و كان رقيق الصوت فاصبح غليظه و هكذا فهذه حالات عرضية و لها حكمها و كلما طرأت عليه حالة يتغير الحكم بطروئها و لذا فان زيدا في حال طفوليته لايكون مكلفاً فاذا بلغ سن الرشد كلف و جرت عليه الحدود التامة و قس ساير الاشياء علي هذا فمثلا ان العسل حلو اما الخل فحامض و كل له حكمه بالنسبة الي ما هو عليه فاذا اختلط العسل بالخل افسده و صير له مزاجا آخر و حكما آخر فحكمه مع الاختلاط غير حكمه عند الانفراد و كل شيء اذا خلي و طبعه له حكم مخصوص به و اذا عرضه العرض يتغير بمقتضي ذلك العرض فيتغير الحكم تبعا لذلك فالاشياء جميعها لها هاتان الحالتان و لما علمنا ان الدنيا قد تغيرت و تبدلت منذ ان هبط آدم و قتل قابيل هابيل ارتفعت الاحكام الاولية و جرت الامور علي حسب الاعراض و الامراض الي زماننا هذا فالانبياء و الرسل من لدن آدم الي الخاتم جاءت بالحكم الثانوي المناسب للاعراض و لذا تري النسخ في الشرايع جاءت شريعة ابراهيم ناسخة لشريعة نوح و جاءت شريعة موسي ناسخة لشريعة ابراهيم ثم اتت شريعة عيسي ناسخة لشريعة موسي و نسخت الكل شريعة محمد صلي الله عليه و آله و هو صلي الله عليه و آله قد اظهر في زمانه بالتدريج ما يناسب اهله و بمقدار [ص 55] ما تقتضيه بناهم فان ناسبهم حكم من الاحكام بينه لهم و فرضه عليهم و اذا ترقوا عن ذلك و اصبح غير مناسب لهم نسخه صلوا مدة الي بيت المقدس و لما اصبح غير مناسب غيره الي الكعبة كما قد اقرهم في بادئ الامر علي اعمال قبيحة و لمينههم عنها كشرب الخمر مثلا فلما قوي الاسلام نهاهم عنه و حرمه الي غير ذلك من الامور التي لاتحصي و جري اهل بيته الآتون بعده مجراه في ساير الاحكام و كلهم صلوات الله عليهم قد جروا علي الحكم الثانوي للاشياء المناسب للاعراض فليس كلما تواتر و اجمع عليه هو من الاحكام الواقعية اذ يحتمل ان يكون قد استمر العرض فاستمر ذلك الحكم باستمراره فاشتبه الامر علي الاصوليين و علي الاخباريين معا فالواجب علينا في هذا اليوم طلب تكليفنا و حكم الله في حقنا و ما علينا طلب الحكم الواقعي الذاتي و لسنا مكلفين به و لابتحصيل العلم او الظن به فكلما ورد عن المعصوم عليه السلم و كان جامعا لشروط العمل نعمل به و هو تكليفنا و لانفحص عن الحكم الواقعي و لو علمنا تيقنا بالحكم الواقعي علي سبيل الفرض لايمكن لنا العمل به لاننا في هذا الزمان مرضي و تكليف المرضي غير تكليف الاصحاء الاتري ان المريض مثلا يعلم ان الصحيح يجب عليه الصلوة من قيام لكنه مريض و لايستطيع القيام فيجب عليه الصلوة جالسا مع علمه بحكم الاصحاء فلو تكلف القيام حرم عليه فاليوم حكمنا حكم المرضي و حكم المرضي غير حكم الاصحاء فكلام صاحب الفوائد هنا بان اليقين المعتبر في القضاء و الافتاء قسمان الخ ، خطأ اذا ان اليقين المعتبر في القضاء و الافتاء يومنا هذا هو الحكم الثانوي لا غير و لسنا بمكلفين بطلب الحكم الاولي ابدا و لايعتبر فيهما اليقين بالحكم الذاتي كما بينا لك و هذا من غفلتهم بالمسائل و عدم عضهم علي العلم بضرس قاطع .