شرح كتاب الفاروق و الحق
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج السيد علي الموسوي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي سيدنا محمد و آله الطاهرين و شيعتهم الانجبين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين و دهر الداهرين الي يوم الدين .
اما بعد فيقول العبد الفاني صريع الآمال و الاماني علي بن عبدالله الموسوي اني لما وفقت للثم العتبة السنية عتبة مولاي و سيدي العالم العلام و الحبر الفهام الحاج ابيالقاسم خان بن المرحوم العلامة الحاج زينالعابدين خان اعلي الله مقامه و قد كان من رغبته الطيبة و حرصه الشديد علي فائدة المحصلين و التلاميذ حثهم علي التمرين في العلوم و التدريب في الرسوم حتي يثبت ما حصلوه و تعلموه في ذهنهم و يكون ملكة في النفس ليكون ثابتا فيها لذلك فاني رأيت شرح هذه المسائل من الكتاب المسمي بالفاروق و الحق المشتمل علي ست و ثمانين مسألة في الفرق بين الاخباريين و الاصوليين افضل شيء للتمرين علي الاصول في الفقه و التدريب لحفظها في الذهن و هذا ابان الشروع في المقصود و العون من الله الودود و ببركة الائمة الطاهرين و شيعتهم الأنجبين .
فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم :
بسم الله الرحمن الرحيم
قال السيد محمد بن سيد فرجالله الدسفوري في كتابه المسمي بالفاروق و الحق المشتمل علي ست و ثمانين مسألة في الفرق بين الاخباريين و الاصوليين ما هذا نصه :
- اول ما نحرره من اختلافهم البحث في حجية دليل العقل فان الاصوليين [ص 3] ذهبوا الي حجيته خلافا للاشاعرة المنكرين لادراك الحسن و القبح العقليين و اما الاخباريون فيسلمون ادراك العقل لهما الا انهم ينكرون حجيته و لهم كلامان احدهما انه لايدرك رضي الله و سخطه ثانيها انه يقطع بذلك ايضا لكن لاتجب علينا اطاعته كما لاتجب اطاعة القطع الحاصل من الرؤيا و هذا في الأصل و الفرع غير معقول لان امتثال الامر اللفظي لايجب الا لحكم العقل .
اقول قال القمي في القوانين في مبحث الادلة العقلية انه كما تبين عندنا معاشر الامامية وفاقا لاكثر العقلاء من ارباب الديانات و غيرهم من الحكماء و البراهمة و الملاحدة و غيرهم بالادلة القاطعة و البراهين الساطعة بل بالضرورة الوجدانية التي لايعارضها شبهة و ريبة ان العقل يدرك الحسن و القبح بمعني ان بعض الافعال بحيث يستحق فاعله من حيث هو فاعله المدح و بعضها بحيث يستحق فاعله كذلك الذم و ان لميظهر من الشرع خطاب فيه و يظهر عنده هذا الحسن و القبح في المواد المختلفة علي مراتبهما المرتبة فيها بحسب نفس الامر فقد يدرك في شيء حسنا لايرضي بتركه و يحكم بلزوم الاتيان به و في بعضها قبحاً يحكم بلزوم تركه و قد يجوز الترك في بعضها و الفعل في بعضها و هكذا فكذلك من الواضح انه يدرك ان بعض هذه الافعال مما لايرضي الله بتركه و يريده من عباده بعنوان اللزوم و بعضها مما لايرضي بفعله و يريد تركه بعنوان اللزوم و انها مما يستحق بها عن الله المجازاة ان خيرا فخير و ان شرا فشر الي ان قال و قد عرفت ان العقل يحكم بازيد من ذلك ايضا مع ان المستفاد من الاخبار الواردة في العقل و الجهل ايضا هو ذلك و انه مما به يثاب و يعاقب و انه مما يكتسب به الجنان و غيره ذلك مع انه يمكن ان يقال بعد ما ثبت ان لكل امر من الامور حكما من الله تعالي بالضرورة و الاخبار و ثبت [ص 4] من الاخبار انها موجودة عند المعصومين و ان لميصل الينا كلها ان كل ما يدرك العقل قبحه فلا بد ان يكون من جملة ما نهي الله تعالي عنه و مايدرك حسنه لا بد ان يكون مما امر به فاذا استقل العقل بادراك الحسن و القبح بلا تأمل في توقيفه علي شرط او زمان او مكان او مع تقييده بشيء من المذكورات فيحكم بان الشرع ايضا حكم به كذلك لانه تعالي لايأمر بالقبيح و لاينهي عن الحسن بل انه يأمر بالعدل و الاحسان و ينهي عن الفحشاء و المنكر قد يقال ان الثواب و العقاب انما يترتبان علي الاطاعة و المخالفة لا غير و الاطاعة و المخالفة لايتحقق الا بموافقة الاوامر و النواهي من الكتاب و السنة و مخالفتهما و حيث لا امر و لا نهي و لا خطاب فلا طاعة فلا ثواب و لا عقاب و فيه ان انحصار الاطاعة و المخالفة في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته دعوي بلا دليل بل هما موافقة طلب الشارع و مخالفته و ان كان ذلك الطلب بلسان العقل و نظير ذلك ان الله تعالي اذا كلف نبيه (ص) بواسطة الهام من دون نزول وحي من جبرئيل (ع) و اتيان كلام و امتثله فيقال انه اطاع الله جزما فان العقل فينا نظير الالهام فيه (ص) الي ان قال ثم ان معني قولهم ان العقل و الشرع مطابقان فكلما حكم به الشرع فقد حكم به العقل و بالعكس ان كلما حكم فيه الشرع بحكم لو اطلع العقل علي الوجه الذي دعي الشارع الي تعيين الحكم الخاص في ذلك الشيء لحكم العقل موافقا له و ذلك لان الحكيم العدل الذي لايفعل القبيح لايصدر عنه القبيح و ترجيح المرجوح قبيح و الترجيح بلا مرجح محال فتعيين الوجوب مثلا للصلٰوة و الزكٰوة و تعيين الحرمة للخمر و الخنزير انما كان لجهة مرجحة لذلك من حسن او قبح ذاتي او بحسب زمان او مكان او شخص و تلك الجهة علة تامة لاختيار ذلك الحكم اما بذاتها او مع ملاحظة [ص 5] قيد من زمان او مكان او غيرهما فلو فرض اطلاع عقولنا علي تلك العلة علي ما هي علة لحكم فيه مثل ما حكم به لسان ظاهر الشرع و ما يتوهم انه قد يكون في اصل الفعل رجحان لكنه يأمر به امتحانا للعبد فهو لاينافي ما ذكرنا اذ نفس الابتلاء ايضا مصلحة و ان لم يكن في نفس المأمور به مصلحة مع انه قد يكون المراد بالامر محض الامتحان مثل حكاية ابراهيم (ع) فالمصلحة انما هي في الامتحان لا في الذبح الي ان قال و اما العكس اعني كلما حكم به العقل فقد حكم به الشرع فيتصور له تقريران احدهما ان ما حكم العقل بحسنه و قبحه بعنوان لزوم الفعل و عدم الرضا بالترك او بالعكس او غيرهما من الاحكام فيحكم الشرع به بمعني ان العقل دل علي انه مطلوب الشارع و مراده و نحن مكلفون بفعله او مبغوضه و مكروهه و نحن مكلفون بتركه و يثيبنا علي الاول و يعاقبنا علي الآخر .
اقول و هو قد استظهر هذا التقرير و لا حاجة الي ذكر التقرير الآخر و قال ايضا بعد كلام :
و قد اورد علي هذا القسم من الادلة العقلية وجوه من الاعتراض سخيفة لايليق كثير منها بالذكر اعرضنا عنها و اقواها امور احدها قوله تعالي و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا فانها تدل علي نفي التعذيب الا بعد بعث الرسول و تبليغه فلايكون ما حكم العقل بوجوبه او حرمته واجبا شرعيا او حراما شرعيا بل هو اباحة شرعية . و قال في الجواب بعد ان ذكر ردودا و اعتراضات قال فالتحقيق في الجواب عن الآية انها من قبيل قوله ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لا تكليف الا بعد البيان و نحو ذلك و لما كان اغلب التكاليف الشرعية مما لايستقل به العقل فاكتفي في الآية بذكر الرسول فالمراد حقيقة والله يعلم و ماكنا معذبين حتي تتم الحجة و لا ريب ان مع ادراك العقل الحجة تمام او [ص 6] نقول ان الرسول اعم من الرسول الباطن كما ورد ان لله تعالي حجتين حجة في الباطن و هو العقل و حجة في الظاهر و هو الرسول مع ان الآية ظاهرة و فيه الف كلام و لايعارض بها الدليل القاطع من حكم العقل فيما يستقل الي ان قال : و ثانيها الاخبار التي دلت علي انه لايتعلق التكليف الا بعد بعث الرسل ليهلك من هلك عن بينة و يحيٰي من حي عن بينة و علي ان علي الله تعالي بيان ما يصلح للناس و ما يفسد و علي انه لايخ زمان عن امام معصوم (ع) ليعرف الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم و علي ان الله يحتج علي العباد بما آتاهم و عرفهم ثم ارسل اليهم رسولا و انزل اليهم الكتاب فامر فيه و نهي امر فيه بالصلوة و الصيام الحديث و لايخفي ضعف الاستدلال بها و يظهر الجواب عنها مما قدمنا فان المراد من بعث الرسل هو التبليغ و لا معني للتبليغ بعد ادراك العقل مستقلا فانه تحصيل الحاصل نعم هو لطف و تأييد و تأكيد كموعظة الواعظين في التكاليف السمعية التي صار كثيرا منها من ضروريات الدين مع ان البينة اعم من الشرع و التعليل يفيد انحصار البينة في الشرع و هو لايتم الا فيما لايدركه العقل سلمنا الدلالة لكنها مخصصة بالادلة المتقدمة و بيان ما يصلح و يفسد لاينحصر في بيان الرسول فقد بين الله تعالي كثيرا من المصالح و المفاسد بسبب خلق العقل و تعريف المصلح و المفسد ينحصر في المعصوم (ع) اذا لميكن بحيث يدركهما العقل فهو في غير ما يستقل به العقل و اما الرواية الاخيرة فهي علي خلاف مطلب المورد ادل اذ الظاهر مما اتاهم و عرفهم هو ما ارشدهم العقل اليه اذ المذكور في الخبر من اوامر الكتاب و نواهيه هو مثل الصلٰوة و الصيام مما لايستقل به العقل و لا دلالة في الخبر علي ان المراد ان الاحتجاج لايتم الا بمجموع الامرين من الاتيان و التعريف و ارسال الرسل و اما قوله (ع) كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي فلايدل علي ان كلما لميرد فيه نص مباح و ان ادرك [ص 7] العقل قبحه كما توهم بل المراد منه ما لايدركه العقل فلا بد اما من تخصيص كلمة شيء او تعميم النهي بحيث يشمل مناهي العقل ، الي آخر ما ذكر من تفصيلاته الطويلة العريضة .
اقول لما كانت حجية دليل العقل مبتنية علي ادراكه الحسن و القبح كما نبه عليه المدقق القمي في اول كلامه فجدير بنا ان نتكلم اولا في ذلك فهل ان العقل يدرك الحسن و القبح ام لا و النزاع هنا مع الاشاعرة المنسوبين الي ابيالحسن الاشعري المنكرين لادراك العقل المدح و الذم و المسلمين لادراكه الحسن الموافق للغرض او الملائم للطبع و القبح المقابل لهما و ليس النزاع هنا مع الاخباريين فانهم ظاهرا مسلمون لادراك العقل الحسن و القبح لكنهم منكرون لحجيته و امكنك ان تدرك ان المراد من العقل الذي يستدلون به علي ادراكه للحسن و القبح هو العقل الجزئي الذي هو الشعور المميز بين الاشياء الذي استووا فيه مع العقلاء من ارباب الديانات الاخر كاليهود و النصاري و المجوس و ساير الحكماء من البراهمة و الملاحدة و غيرهم كما اشار القمي الي ذلك في اول ما سطرناه من ادلته علي حجية العقل .
و اما ادلتهم علي ذلك فتتلخص بما ذكره صاحب النتايج بعد ان اصل اصله الاصيل و هو ادراك الحسن و القبح و ان الحسن يطلق علي ما يوافق الغرض و علي ما يلايم الطبع و علي صفة الكمال و علي ما يمدح فاعله في العاجل اما مطلقا بحيث يشمل فعله تعالي او مع استحقاق فاعله الثواب في الآجل فيختص بغيره تعالي و علي ما لا حرج في فعله فيشمل ما عدا الحرام و ما عدا المرجوح تحريما و كراهة و القبيح يقابله في كل هذه فقال بعد ذلك مستدلا علي اصله في محل النزاع : و هو المعني الرابع مما ذكر ، اي المدح و الذم قال :
[ص 8] لنا علي الاول في موضع النزاع اولا بداهة الذم عند كل عاقل علي الظلم و العدوان و المدح لفاعل الاحسان و توهم كونه ناشئا عن الانس بالشرع كمدح المصلي او عن العادة كذم الرجل المتلبس بلباس النساء او عن صفة نقص او كمال او عن مخالفة الغرض و موافقته كقبح قتل زيد عند اوليائه و حسنه عند اعدائه عن ملائمة الطبع و منافرته مدفوع بانا نري قبح الظلم و ان قطعنا النظر عن الشرع بل عندنا في الاديان و ان فرضنا اعتبار الناس به بل عدو زيد يذم قاتله ظلما لاجل ظلمه و ان كان موافقا لغرضه او ملائما لطبعه و اما جعله من صفة النقص فلا وجه له لانه من الافعال لا السجايا فيذم فاعله و لو فعل مرة و لو سلمنا قلنا غرضنا اثبات القبح بمعني الذم و ان تسبب عن صفة النقص و ثانيا انه لولاه لماامتثل المكلفون باوامر الله و نواهيه لاحتمال كذبه اذ حكم العقل بامتناعه منه تعالي انما هو لقبحه لا لعدم قدرته فاذا لميحكم العقل بقبحه لميحكم امتناعه فلايوثق بوعده و وعيده فلايمتثل المكلف و هو باطل باتفاق الخصم و يكون التكليف حينئذ سفها و التمسك في اثبات العلم بعدم صدوره عنه تعالي بجريان عادته علي الصدق مردود بنقل الكلام لا بد و الامر حيث لميكن عادة فمن اين حصل العلم بالصدق الاغلبي حتي يحصل العلم العادي مع انه لايتم الا في حق قليل من المكلفين او يكون الصدق موافقا لغرضه مدفوع بان الكذب لعله موافق لغرضه كما عليه المتصوفة و بانه لايقول بكون احكامه معللة بالاغراض و بانه ما الدليل علي امتناع صدور مناف الغرض منه او بكونه ملائما لطبعه زيف بكونه منزها عن الطبع و بانه من اين علم منافرة الكذب لطبعه و لا معاشره و بانه ما الدليل علي صدور منافرة الطبع منه او يكون الكذب صفة نقص و الصدق صفة كمال و هو منزه عن النقايص مستجمع للكمالات ضعف بان الصدق او الكذب من اوصاف [ص 9] الافعال الظاهرة و هو الكلام لا الاوصاف الباطنة كالعلم و الجهل حتي يسمي صفة فالتسمية بالصفة خلاف المصطلح اقول سلمنا لكن النقص في صفات الافعال ليس الا القبح و بان مجرد كونه صفة نقص لايوجب عدم صدوره منه بل لا بد من ادراك العقل انها ليست من صفاته تعالي فان ادعيت انه يدرك ذلك ايضا فقد ثبت المطلوب فتأمل و ان قلت ان الاجماع دل علي تنزيهه من صفات النقص قلت نقلنا الكلام الي الاجماع فان كان حجيته بنفسه فهو ممنوع او لاجل الكشف عن الشرع فلعله كذب او العقل فالمطلوب ثابت و لو قيل يكفي في لزوم الامتثال احتمال صدقه دفعا للضرر المحتمل قلنا يمكن كون وعده في محل الوعيد و عكسه فاحتمال الضرر مشترك و ايضا لزوم دفع الضرر المحتمل ان كان بالشرع فلعله كذب او بالعقل فالمطلوب ثابت نعم للاشعري ان يقول بناء علي مذهبه ان حصول الوثوق اضطراري او يقول انه لا ضير في تكليف السعة عند عدم الوثوق و ثالثا و رابعا انه لولاه لم يعلم الفرق بين النبي و المتنبي و لميعلم صدق النبي المعلوم نبوته لاظهار المعجزة علي الكاذب او ارساله رسولا كاذبا و التاليان باطلان باتفاق الخصم و يكون بناء المسلمين علي امكان العلم بهما و بلزوم كون ارسال الرسل و التكليف سفها و عبثا الا ان يقول انه بمجرد الاطلاع علي صدور الخوارق منه يحصل العلم بنبوته و ان ديدن الناس علي ذلك و ليس اتكالهم علي حصول العلم علي الدليل العقلي المذكور الذي لايفهمه الا الاقل من المكلفين او ان العلم بالامرين اضطراري و لمكان الجبر لكنك خبير بان الجبر مخالف للعيان مع ان الخصم يعترف بحقية شريعتنا و ببطلان التكليف بما لايطاق شرعا للآية الشريفة لايكلف الله نفسا الا وسعها و لازم ذلك بقاء التكليف [ص 10] و فقد التكليف بما لايطاق فلا جبر حينئذ بل ظاهر الآية ان للمكلف حالة وسع و حالة عدم و الجبر يستلزم حصر الحالة في واحده . انتهي تحقيقه الانيق .
اقول لا ريب ان المراد بالعقل عندهم كما قدمنا و كما يظهر من بياناتهم هو الشعور الذي هو مناط التكليف و من دونه يسمي الانسان مجنونا لا عاقلا و علي ذلك جاءت الانبياء و كلفت الناس بما كلفتهم من الشرايع و الاحكام علي حسب عقولهم . فهل ان هذا العقل يدرك الحسن و القبح قال صاحب النتايج انه يدرك لبداهة الذم عند كل عاقل علي الظلم و العدوان و المدح لفاعل الاحسان من دون الاستناد الي الشرع و الانس به اقول كيف يمكنه ذلك و قد خلق اولا جاهلا و جاء الي الدنيا ضعيفا لايقدر علي شيء و لايتفهم شيئا و لو ترك و شأنه كان بالحيوانات اشبه و الي الوحوش اقرب لايميز هرا من بر فاحتاج الي المربي و المعلم بداهة و من دون المعلم و المربي لايمكنه ان يعلم شيئاً ابدا فالفضل يرجع الي المعلم المربي لا غير و ان ادرك شيئا فبتعليمه و الا فانه اذل و احقر من ان يعلم شيئاً بنفسه لضعفه و جهله و قد علمه المعلم كلية ان وضع الامور موضعها هو من العقل و خلاف ذلك هو الجهل فالذي يضع الشيء موضعه هو العادل و الذي لميضعه موضعه هو الظالم فسرت هذه الكلية في الناس جميعهم علي حسب مذاهبهم و تعليم رؤسائهم و انبيائهم الذين ارسلوا لتربيتهم و تعليمهم و ارشادهم من لدن آدم الي يومنا هذا حتي صار هذا الامر بديهيا فتعاليم الانبياء يومنا هذا مبثوثة بين الناس و منتشرة بين العباد و اخذ الناس منهم بواسطة و بغير واسطة فنحن لاندرك حسنا و قبحا الا بفضل هذه التعاليم و الاستناد اليها فماادري اي عقل يدرك حسنا و قبحا لميكن مسبوقا بتعليم احد و انما يتصور بعضهم انه يدرك حسنا من دون [ص 11] تعليم او قبحا من دون ارشاد لغفلته عن مبدأ الامر و يجد نفسه شاعرا بشعور غافلاً عن الاكتساب و التعلم و هو محض خيال لا غير و ما زعمه صاحب النتايج من ادراكه الظلم بداهة فلانتشار قبح الظلم بين الناس بسبب التعاليم المذكورة بحيث اصبحت من البداهة بمكان فتصور نفسه مجردا و غفل عنها فادركها بنفسه و هو محض خيال ، فالعقل يدرك كلية بعض الممدوحات و بعض المذمومات علي حسب ما اخذ و تعلم من الانبياء و اما انه يدرك كل ممدوح و كل مذموم فلا و ربك فانه لايدرك و اي دليل ادل علي ذلك من اختلاف العقلاء بعضهم مع بعض فتري بعضهم يثبت شيئا و ينفيه الآخر و تري احدهم يبرم امرا و ينقضه الآخر فافراد الحسن و القبح كلية او افراد الظلم كلية ليس لهذه العقول الجزئية فيها مجال نعم يوجد امور كلية متفق عليها يعرفها كل من ولج هذه العرصة بفضل التعاليم المذكورة و اما الافراد المتكثرة فلايمكن لها ادراكها و ان ادركت بعضها فبتعليم خاص بها .
و ان قلت ان مشايخكم اعلي الله مقامهم لمينكروا ان حسن الاشياء و قبحها عقلي بل استدلوا علي ذلك كثيرا و قالوا ان ادراكها شأن العقل لا شأن غيره و ردوا علي الاشاعرة القائلين بعدم المناسبة الواقعية في الامور التوقيفية و جعلوا كلها امورا جعلية قلت لميكن قصدهم اعلي الله مقامهم من العقل الذي يدرك الحسن و القبح هو هذا العقل الجزئي الذي هو العاقلة التي هي من مشاعر النفس بل عندهم العقل علي اقسام ثلاثة عقل شرعي و عقل كلي معنوي و عقل جزئي .
فالعقل الشرعي هو ما وردت به الاخبار المتكثرة من قبيل العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و ما سواه جهل باصطلاح الانبياء عليهم السلام ففي فصل الخطاب في الوافي قال علي عليه [ص 12] السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله عز و جل خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لميطلع عليه نبي مرسل و لا ملك مقرب فجعل العلم نفسه و الفهم روحه و الزهد رأسه و الحياء عينه و الحكم لسانه و الرأفة همته و الرحمة قلبه ثم حشاه و قواه بعشرة اشياء باليقين و الايمان و الصدق و السكينة و الاخلاص و الرفق و العطية و القنوع و التسليم و الشكر ثم قال عز و جل له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له تكلم فقال الحمد لله الذي ليس له ضد و لا ند و لا شبه و لا كفو و لا عديل و لا مثل الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل فقال الرب تبارك و تعالي و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احسن منك و لا اطوع لي منك و لا ارفع منك و لااشرف منك و لااعز منك بك احيي و بك آخذ و بك اعطي و بك اوحَد و بك اعبَد و بك ادعَي و بك ارتجَي و بك ابتغَي و بك أُخاف و بك أُحذَر و بك الثواب و بك العقاب فخر لله عند ذلك ساجدا فكان في سجوده الف عام فقال الرب تبارك و تعالي ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفع فرفع العقل راسه فقال الهي اسألك ان تشفعني فيمن خلقتني فيه فقال الله عز و جل للملائكة اشهدكم اني قد شفعته فيمن اخلقه فيه و قيل لابيعبدالله عليه السلم ما العقل قال ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قيل فالذي كان في معوية فقال تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل و قال من كان عاقلا كان له دين و من كان له دين دخل الجنة و ذكر له رجل مبتل بالوضوء و الصلوة و قيل هو رجل عاقل فقال و اي عقل له و هو يطيع الشيطان فقيل له و كيف يطيع الشيطان فقال له سله هذا الذي يأتيه من اي شيء هو فانه يقول لك من عمل الشيطان . اقول اغلب الاخبار الواردة في العقل جارية علي هذا العقل و المراد بها هذا [ص 13] العقل المحبوب لله عز و جل الغير المفتر عن عبادته و التفكر في آياته تعالي و لايعصيه سبحانه طرفة عين ابدا فيؤيد من كان فيه و يسدده بحيث لايقع في الخطأ لانه وجه من وجوه روح القدس الذي لايسهو و لايلهو و لا ريب ان هذا العقل درجاته مختلفة في المؤمنين كل علي حسب ما اختاره ففي المؤمنين الممتحنين اقوي منه في غير الممتحنين كل علي حسب مقامه و مرتبته و ما حكاه من ذلك العقل و في السابقين اشد ظهورا منه في اللاحقين و ما منا الا له مقام معلوم و حقيقته عند محمد و آله الذين هم محال مشية الله و اوكار ارادته و مواضع اوامره و نواهيه و قد غفل القوم عن هذا لعدم انسهم بالاخبار و رجوعهم الي عقولهم الجزئية لا غير و اما العقل الذي في معوية فقد عرفت ان الامام عليه السلم وسمه بالنكراء و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل و هذه النكراء موجودة عند اغلب اهل الدنيا من الملل الخارجة عن الاسلام و الداخلة المخالفة للنهج الواضح و السراط المستقيم و به اخترعوا المخترعات و نفذوا في الاقطار و سخروا ما سخروا من امور الدنيا و حللوا الذرات فكل هذا لايخرج عن الشعور و العقل الجزئي الغير المربي بتربية العقل الشرعي و اي عبرة بالنكراء و هذا العقل اذا لميكن مستندا الي الشرع و كيف يعرف وجوه الحلال و الحرام بالاستقلال و هو في الحقيقة جهل صرف و اي جهل اعظم من ان لايعرف الانسان ربه و لايعبده و لو حلل الذرات و صعد الي السموات المتصعد السموات الشياطين من قبل الميفرقوا بين المرء و زوجه امااجتمعت لهم الدنيا و زخرفها اماسخروا الناس في الاقطار و الامصار فكل هذا بالنكراء و الجهل باصطلاح اهل الشرع بالجملة .
و اما العقل الثاني الذي هو مدرك المعاني [ص 14] الكلية فهو ما وردت به الاخبار ايضا ففي الكتاب المبين عن العوالم عن النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله العقل و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي قال يا مولاي و ما العقل قال جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و عن البحار عن علي بن ابيطالب عليه السلم قال سئل النبي صلي الله عليه و آله مما خلق الله عز و جل العقل قال خلقه ملكا له رؤس بعدد الخلايق من خلق و من ( لم ظ ) يخلق الي يوم القيمة و لكل رأس وجه و لكل آدمي رأس من رؤس العقل و اسم ذلك الانسان علي وجه ذلك الرأس مكتوب و علي كل وجه ستر ملقي لايكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتي يولد هذا المولود و يبلغ حد الرجال او حد النساء فاذا بلغ كشف ذلك الستر فيقع في قلب هذا الانسان نور فيفهم الفريضة و السنة و الجيد و الردي الا و مثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت . اقول و الاخبار بهذا ايضا كثيرة عدلنا عنها للاختصار و يعبر عن هذا العقل بتعبيرات اخر قد تضمنت بيان ذلك كتب مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم في كتبهم الحكمية و المراد منها معني واحد كقولهم في احاديث اخر اول ما خلق الله الماء و اول ما خلق الله العرش و اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و علي ذلك اخبار كثيرة و ما الي ذلك من تعبيرات فهذا العقل اول ما خلق الله بالمشية و هو العقل الكلي و يوجد منه في كل شخص وجه من وجوهه كما في الحديث الشريف المتقدم يدرك به المعاني الكلية علي حسب مقامه و درجته و به يجزم بالامور و يتيقن و اذا تيقن لايعدل عن اليقين و لو خالفه جميع من علي الارض و هو النور الذي ينظر به المؤمن و عليه قوله عليه السلام [ص 15] اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هو دليل الموعظة الحسنة من قوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنه و جادلهم بالتي هي احسن و هذا العقل هو المراد بقول الكاظم عليه السلم كما روي في فصل الخطاب مخاطبا لهشام يا هشام ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل و الانبياء و الأئمة و اما الباطنة فالعقول الخبر ، و صرفه القوم الي العقول الجزئية و الشعور العادي فخبطوا في المسألة و لو كان المراد في الحقيقة هذه العقول لالفيت الاخبار كلها متعارضة فقد تواترت او جاوزت حد التواتر بالنهي عن اتباع العقول و الاهواء و الآراء بما لا مزيد عليه كما يأتيك روايتها و ايراد الآيات في ذلك قريبا ان شاء الله فالعقل الكلي هو الذي يدرك حقايق الاشياء الكلية بذاته و الجزئية بآلاته الظاهرة و مشاعره الباطنة و يعرف كل شيء في محله و مقامه و حيوثه و مقارناته و اضافاته و هو مطابق للنقل في كل ادراكاته و هنا كلما حكم به النقل حكم به العقل و كلما حكم به العقل حكم به النقل فانه لايخالف احدهما الآخر و عليه قول اميرالمؤمنين عليه السلم العقل عقلان مسموع و مطبوع فلاينفع مسموع اذا لميك مطبوع كما لاتنفع الشمس و ضوء العين ممنوع لا ما تصوره الجاهلون و هذا العقل و النقل كدعامتين قائمتين رأس كل واحدة مستند الي رأس صاحبتها .
و اما العقل الثالث و هو العقل الجزئي الشعوري فهو مدرك من مدارك النفس و هو العاقلة و مشعر المجادلة بالتي هي احسن و هذا هو مشعر القوم الذي به يتجادلون و ينقضون و يبرمون و لو دخل معهم يهودي او نصراني و قرأ ما يقرؤن لجادل كما يجادلون و نقض كما ينقضون و ابرم كما يبرمون فجعله [ص 16] القوم حجة بينهم و بين ربهم و تصوروا انه يدرك الاحكام بالاستقلال و به يستطيعون تشريع الحلال و الحرام في الامور التي لميرد بها نص بل حتي في الأمور المنصوصة اذا خالف النصوص عقولهم ضربوا بالنصوص عرض الحايط لان عقولهم لاتوافقها و عندهم كل ما حكم به العقل حكم به النقل و لما خالف العقل النقل اخذ بالعقل لانه قطعي و النص ظاهر فيترك و لايعبأ به فاحلوا ما حرم الله و حرموا ما احل الله غفر الله لنا و لهم بالجملة هذا المشعر هو مناط التكليف و عليه ورد الحديث الشريف عن الرضا عليه السلم لايعبأ باهل الدين ممن لا عقل له فلو فقد الانسان هذا العقل لدخل في زمرة المجانين ممن سقط عنهم التكليف بالكلية و هذا العقل يدرك المعاني الجزئية المستندة الي المسموعات و المبصرات الخارجية و بها يستنبطون من مداليل الالفاظ ما يستنبطون و هذا لما كان جزئيا و ليس محيطا بالاشياء لايدركها و لايعرفها حق المعرفة و لايعرف الا ما قابله و في الغالب يحضره شيء و تغيب عنه اشياء سيما و قد اثرت العادات و الطبايع عليه فهو ينظر من ورائها و يبصر من خلفها فكلما ادت الطبايع و العادات اليه حكم بمقتضاها و هذا بلاء عظيم فلذا تري كل قوم يحسنون ما يوافق طبعهم و يقبحون من يخالفهم في ذلك الاتري في هذه الايام كيف يحسنون السينمات و الملاهي و الخمور و الموسيقي حتي اذا تفوهت بكلمة و قلت مثلا ان الموسيقي مضرة مثلا يضحكون عليك و يستهزؤن بك و ما ذلك الا لانسهم بالعادة و شوقهم الكثير الي ما تشتهيه النفوس لا بل لو قلت ان الصلوة ممدوحة و يحصل للانسان بها كمال و جمال ضحكوا عليك و سخروا منك فاي عبرة بهذه العقول مع انهم في ساير العلوم و الفنون قد بلغوا الي اعماقها و توغلوا في حقيرها و جليلها فكيف امثال هذه [ص 17] العقول تدرك ان اخذ دية المرأة مثل دية الرجل ظلم و نصفها احسان و عدل او ان المسح علي ظهر الرجل اولي بالمسح من باطنها او ان صلٰوة الظهر مثلا ثلاث ركعات قبيح و اربع احسان مثلا و ماادري كيف دفع صاحب النتايج الاعتراض الذي يمكن ان يعترض عليه من مدخلية الانس بالعادات و موافقة الغرض و مخالفته و ملائمة الطبع و عدم ملائمته في التأثير في عقول الناس ايقول انها لاتؤثر فاذا كيف اثرت العادات في عرب الجاهلية و طافوا بالبيت عراة و وأدوا البنات خوف العار و كل ذلك كان عندهم مستحسناً مع انهم كانوا في ذلك الوقت غاية في البلاغة و الفصاحة و الشعور و كذا كيف حسن عند الافرنج الرقص و انواع الملاهي و جعلوا في حماماتهم النساء حلاقات و مدلكات هذا يجامع هنا حلاقه و ذاك يلاعب و يرقص هناك مع اخري بحيث كان عندهم مستحسنا و ينكرون غير ذلك و قيل ان حكماء اليونان اذا اتفق لهم عرس يرقص جميع قبيلة العروسين عراة و قيل ايضا ان جزيرة في الهند النساء فيها يسترن اثداءهن و يكشفن فروجهن فالعقول هذا شأنها من دون الشرع و ان رأيت انك تدرك قبح الظلم من دون الرجوع الي الشرع ظاهرا فهذا لما قدمناه من تعاليم الانبياء المبثوثة بين الناس بحيث اصبحت شيمة و عادة لهم لا غير و اما الطبايع و العادات و الشهوات و الشقاوة و الالحاد و ما شاكل ذلك فلها كل التأثير كما قدمت لك و من جرائها اصبح نظر العقل لايعبأ به و بسببها اختلفت العقول و الا لأتلفت لانها نور العقل الواحد و لذا اوجب الشارع الرجوع الي الشرع في كل جزئي و جعل ميزانا لنا نزن به الاعمال المحبوبة لله فنعملها و المبغوضة له فنتجنبها و من دون ذلك الميزان لايمكن ان يستقر العالم علي قرار ابدا بوجه من الوجوه بل تكون خلقة العالم لغوا نعوذ بالله [ص 18] من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .
و ان قلت هلايوجد عقل مجرد عن الطبايع و الشهوات و العادات فان هو وجد فهلايدرك الحسن و القبح قلت لاانكر انه يوجد عقل جزئي صرف ليس مشوبا بالعادات و الطبايع لكن مع هذا هو جزئي و يدرك بعض الاشياء و حسنها او قبحها فيدرك ما حضره و ما قابله و ما انطبع فيه علي حسب وسعه و طاقته و ليس كل ما يدركه انسان عاقل حسنا هو حسن عند كل عاقل و الله سبحانه تعالي يقول فوق كل ذي عليم عليم و في الحديث لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره او لقتله و من اجل ذلك جعل الميزان بين الناس لوزن معارفهم و مطابقتها مع ذلك الميزان القويم ليعرف صحتها من سقمها و لايعول علي ما فهمه من دون المطابقة لان فهمه مهما كان لايخرج عن عقله الجزئي المحيط بما شاهده و حضره فلعل هناك امورا و نسبا و قرانات يجهلها فمن اين علم بصحة ما شاهده و ما حضره و علي اي حال لايمكن الاستدلال بادراك عقل من العقول لامر من الامور علي الكل لانه باطل بالضرورة و العيان فدعوي القوم في ذلك اخص من مدعاهم فكم من امر تحسنه هذه العقول و قد قبحه الشرع و تحلله هذه العقول و قد حرمه الشرع و اما ادراك كل حسن و كل قبيح بالنسبة الي الاشياء بعضها مع بعض فهذا شأن العقل الكلي المحيط بالاشياء من جميع جهاتها و هو يدرك كل شيء في مقامه و حده حسنا لا قبيحا بل غاية في الحسن اذ ليس في الامكان احسن مما كان بالنسبة الي هَذا اللحاظ و بهَذا البيان يندفع اساس ما اسسوه من ادراك هَذه العقول الجزئية المشوبة بانواع العادات و البلايا و الشهوات للحسن و القبح و بهَذا يبطل جميع ما فرعوا عليه من حجية العقل و ما يترتب علي ذلك من تفريعات و اما قوله و اما جعله من صفة النقص فلا وجه له لانه من الافعال [ص 19] لا السجايا فيذم فاعله و لو فعل مرة فمن السخافة بمكان و مراده من ذلك ان جعل الظلم صفة نقص فيكون من السجايا التي يدرك نقصها كل احد لا وجه له لانه صفة الفعل فلايقاس علي السجايا انظر الي السخافة فنقول له لو كان علي سبيل الفرض سجية فما الميزان في ادراك السجايا الحسنة من السجايا القبيحة و قد قدمنا ان كل ذلك بتعليم خاص و قد غفل الناس عن هَذا التعليم و لو كان صفة علي فرض لماكان ادراكه القبح او الحسن بالانفراد و انما هو بالاستناد الي المعلم كما مر .
و اما قوله و ثانيا انه لولاه لماامتثل المكلفون باوامر الله تعالي و نواهيه لاحتمال كذبه الخ ، فاسخف من ذي قبل فان هَذه العقول السخيفة هي التي تحتمل الكذب من الله نعوذ بالله و تقول ان صدور الكذب من اللّٰه ليس بالممتنع المحال بل من المقدور و الآن يحكم العقل بقبحه منه تعالي و لولا ادراكه القبح لاحتمل صدوره من اللّٰه نعوذ باللّٰه من بوار العقل و قبح الزلل و اما العقل المستنير بالنقل الذي هو نور الله فلايحتمل ذلك بوجه من الوجوه بل عنده من المحال فرض ذلك و صاحب النتايج لميكن من اهل هذه المقامات و لميخطر علي قلبه شيء منها و لعمري ان التصدي للرد علي اقواله بالتفصيل تطويل بلا طائل و بقية اقواله كاولها و قد تصدي لردها بالتفصيل سيدي و مولاي العلام حجة الله علي الخاص و العام الآغا حاج محمد كريم خان (اع) عند شرحه علي النتايج فمن اراد ذلك فليراجع الشرح الشريف فانه و لله الحمد كلام مستوفي في الهداية لكل من اراد الهداية و نور واضح لمن اراد الرشاد و صراط مستقيم لمن ابتغي السداد و مع هذا فان كل استدلالاته يعلم بطلانها بالرجوع الي ما قدمناه فان اقل ما يقال فيها انها اخص من المدعي و لاتثبت لهم امرا عاما او قاعدة كلية يجرونها في كل امر لميرد به نص فيحكمون بما يشاؤن .
[ص 20] و انظر الي سخافة قوله ثالثا و رابعا انه لولاه لميعلم الفرق بين النبي و المتنبي الخ ، فان لقائل ان يقول ان هذه العقول بعد ما ارتاضت و تعلمت بتعاليم الانبياء و قد خلق الانبياء اولا هداة للبشر و خلق الخلق بعدهم و ارسلوا معلمين لهم و مرشدين و لميكن الخلق خاليا عن الحجة و المعلم يوما كيف و هم من نسل آدم و آدم كان نبيا و هو قبلهم فتعلم الناس منهم بالتدريج كما يعلم الابوان الطفل بالتدريج فبسبب هذا التعليم و الارشاد يعلمون المعجز من غيره و الصادق علي الله من الكاذب عليه فاي عيب يرد علي هذا الكلام و لايلزم منه دور علي ما يقولون بالجملة تحقيقاتهم الانيقات كلها من هذا القبيل و علي الله قصد السبيل و منها جائر .
و لنرجع الآن الي ما استدل به القمي من الادلة في حجية العقل :
قوله كما تبين عندنا معاشر الامامية وفاقا لاكثر العقلاء من ارباب الديانات الخ ، اقول ان ارباب الديانات و غيرهم من الحكماء و البراهمة و الملاحدة ليسوا بعقلاء فان العقل باصطلاح اهل الشرع هو ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و ما سواه نكراء و شيطنة شبيهة بالعقل و ليست بعقل فاي حجة في عقول امثال هؤلاء الملاحدة و كيف تسمهم بالعقل و اي عقل لمن يكفر بربه حتي تأخذهم مؤيدين لك و مسددين و قد قال الصادق عليه السلام كما تقدم من كان عاقلا كان له دين و من كان له دين دخل الجنة ، فامثال هؤلاء عندنا ليسوا بعقلاء و العقلاء ما وصفهم الله و وصفهم الرسول صلي الله عليه و آله بما وصفهم و تقدمت الاخبار بذكرهم .
و اما قوله فكذلك من الواضح انه يدرك ان بعض هذه الافعال مما لايرضي الله بتركه الخ ، فممنوع اما اولا فلانه لايدرك ذلك بالاستقلال من دون الاستناد الي الشرع و ما تري من ادراكك [ص 21] لبعض مراضي الله و بعض مساخطه مثلا فذلك بتعليم خاص كما قدمنا سابقا و انت قد غفلت عن التعليم و تصورت نفسك مجردا و هذا محض خيال لا غير و اما ثانيا فما الدليل علي حجية ادراكك بان هذا مرضي لله سبحانه فان كان العقل فهو محل النزاع فيلزم منه الدور و ان كان الملل الخارجة و البراهمة فلا عبرة بهم و ان كان النقل فالحجة النقل لا العقل و اما ثالثا فان هذه الشبهة التي وقعتم فيها شبهة عامية فهم الذين استدلوا بهذه الادلة لتكثر لهم مدارك الاحكام حتي يقابلوا بها اهل الذكر عليهم السلم و ذلك لانهم بنوا امرهم علي الانفصال عنهم و الانقطاع الي اهوائهم و آرائهم و تصويب ما عليه خلفاؤهم و رؤساؤهم رؤساء الضلال فارادوا ان يستدلوا بادلة لتكثر لهم بها مدارك الاحكام و لما خافوا قول قائل انكم خالفتم رسول الله و سنته و كتاب الله و احكامه حيث نهيا عن العمل بالرأي و الظن قالوا كلما حكم به العقل حكم به الشرع و ان العقل يدرك الثواب و العقاب و بذلك ضربوا بالنصوص عرض الحايط و التجؤا الي آرائهم و عقولهم و لذلك كثر اختلافهم حتي كثر المورد عليهم من انفسهم كما هو المنقول عن ابنعربي فانه قد انكر عليهم اشد الانكار فعمل بالخبر الضعيف و جعله احسن بكثير من رأي اصحاب الرأي و الاجتهاد و لميجوز العمل بالقياس و الاستحسان فعلي اي حال هذا ديدن العامة من قديم و قد رد عليهم آلمحمد عليهم السلم في رواياتهم المتكثرة و مجادلاتهم المتضافرة بل و قد قامت الضرورة من المذهب ان مذهب آلمحمد عليهم السلم هو غير مذهب العامة العمياء و علي خلاف طريقتهم و من اجل ذلك امروا شيعتهم بمخالفتهم في كل شيء فقالوا خالفوهم فما هم والله من الحنيفية علي شيء و قالوا لميبق في ايديهم الا استقبال القبلة فان كنا شيعة لهم فلا بد من [ص 22] ترك هذه الاستدلالات و الرجوع الي الآراء و ان كنا شيعة اولئك نعوذ بالله فلا حرج علينا اذا و مصيرنا معلوم و مرجعنا مفهوم و اما رابعا فان قوله و انها مما يستحق بها عن الله المجازاة ان خيرا فخير و ان شرا فشر الخ ، و يعني بذلك ان عمل بمقتضي امر الله الذي يرضي بفعله و الذي قد عرفه بعقله فينبغي علي الله ان يجازيه بالخير و العكس بالعكس فهذا لا شك قياس الخالق المنزه عن اوهام الخلق بالمخلوقين الاتري انهم يقولون في الاستدلال علي ان العقل يدرك الثواب و العقاب بان المولي ليس عادلا اذا لمينتقم من عبده الظالم لعبده المظلوم و بذم من ترك انقاذ الغريق المحسن اليه مع قدرته عليه معللين بان جزاء الاحسان هو الاحسان و كل هذا قياس الخالق بالمخلوق و الله سبحانه و تعالي يقول لايسأل عما يفعل و هم يسألون و يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون فالله سبحانه متعالي عن خلق لاتدركه الابصار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فهو غير محدود بحد و لميلتزم بشيء من الاشياء و لميوجب عليه شيئاً و قد خلق الخلق جودا و فضلا و كرما منه تعالي و هو المتفضل المنان المتطول الحنان و كل نعمه ابتداء و كل احسانه تفضل فلايكون مضطرا الي شيء ابدا بوجه من الوجوه فلايلتزم بثواب و لا عقاب و لايستحق احد منه ثوابا و لا عقابا بل و لو اراد ان يعذب انبياءه و رسله لكان له ذلك اذ لايسأل عما يفعل و يحكم ما يشاء و يختار و ليس لاحد معه اختيار الاتري الي دعاء السجاد عليه السلم الهي و عزتك و جلالك و عظمتك لو اني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمدا ابدا بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر [ص 23] اخفي نعمة من نعمك علي و لو اني كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارضين دما و صديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من حقك علي و لو انك الهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلايق اجمعين و عظمت للنار خلقي و جسمي و ملأت طبقات جهنم مني حتي لايكون فيها معذب غيري و لايكون لجهنم حطب سواي لكان ذلك قليلا في كثير ما استوجبه من عقوبتك انتهي . فاذا كان سيد الساجدين و زين العابدين عليه السلم كذا يدعو و كذا يقول فما شأننا نحن العصاة الجفاة الآبقون كيف نتحكم بآرائنا و عقولنا و نقيس الخالق القادر بخلقه الضعفاء و كذا لو اراد ان يدخل كافرا جنته لفعل ايضا و لايكون منه قبيحا و لايسأل عما يفعل ابدا فنوع هذه الاستدلالات كلها جارية في الخلق الضعيف و لايقاس بها الخالق المتعالي عن ادراك المخلوق فليس كلما عمل الانسان خيرا يستحق من الله الثواب و ليس كلما عمل من شر يستحق منه العقاب اذ ليس ذلك واجبا عليه تعالي و ايجاب ذلك عليه خروج عن الدين و قد نهي الله عن ذلك في كتابه و نهي النبي (ص) في سنته بقوله (ص) لاتحتمي يا ام سعد علي الله .
و ان قلت انه لو لميدرك الثواب و العقاب و ان ادراكه حجة فلم يعذب عبدة الاوثان فلقد دلت اخبار كثيرة و ايات غفيرة علي عذاب عبدة الاوثان فبمقتضاها يكون ادراكه حجة فكيف انكرت ذلك و ان انكرت حجية ادراكه في الجزئيات فهل تنكرها في العقايد و نحن مأمورون في الاعتقادات بالرجوع الي العقل اذ لايجوز فيها التقليد قلت لقد عرفت شيئاً و غابت عنك اشياء ، اما اولا فلقد قدمنا ان الحجة من الله سبحانه علي خلقه قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و لميخل زمان عن الحجة كيف و ابوهم آدم و قد كان نبياً و آثاره [ص 24] بين الخلق مبثوثة فعبدة الاوثان لا شك و لا ريب انهم يدركون اشياء كثيرة بفضل التعاليم الالهية التي قد وردتهم علي السن الانبياء و الرسل فهم يدركونها اما بواسطة او بغير واسطة فليس من شك ان الانبياء و الرسل قد راضوا اذهان الخلق و علموهم و ادبوهم بشتي الطرق فان قبلوا ما وصل اليهم و سلموا لهم كانوا منعمين و ان خالفوا كانوا معذبين و لو فرضنا وجود انسان هناك و لميصل اليه شيء بالاصالة و لميعرف شيئاً و لميرسل اليه رسول و لميعلمه احد فهذا لا حجة للّٰه عليه و ليس بمكلف لقول الله سبحانه و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و قال ابوعبدالله عليه السلم ستة اشياء ليس للعباد فيها صنع المعرفة و الجهل و الرضا و الغضب و النوم و اليقظة و قال عليه السلم لميكلف العباد المعرفة و لميجعل لهم سبيلا و قيل له عليه السلم هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان . الي غير ذلك من الاخبار الدالة علي هذا المطلب و اما ثانيا فان سلمت عدم ادراك العقول للامور الجزئية فلا ريب انها لاتدرك الامور الكلية ايضا بالاستقلال و انما جعلت العقول كمرايا فاذا صفيت عن الاعراض و الامراض بتعاليم الانبياء و تأديبهم الناس قبلت ما القي فيها من الاشباح فتدرك الكليات بفضل تلك التعاليم فان كانت تلك المرايا مستقيمة صافية و علي الفطرة التي خلقها الله سبحانه كان ما ينطبع فيها مستقيما و حكته علي ما هو عليه و ان كانت علي خلاف ذلك و كانت كدرة معوجة حكت ما القي فيها معوجا و علي خلاف الواقع فالعقول هذه جعلت بين الناس لادراك ما القاه اليهم الانبياء و قد جاؤا اليهم من عند الله عز و جل بتعاليم و آداب فاثاروا بذلك رواقد عقولهم [ص 25] و ما كان كامنا في قوابلهم فان لميغيروا و لميبدلوا صدقوا بما القي اليهم و ان انحرفوا عن ذلك و غيروا و بدلوا انكروا و كذبوا و استحقوا بذلك العذاب و لا مجال ايضا للعقول في الامور الكلية الا بالاستناد الي الانبياء و لا ريب بعد استنادها اليهم تدرك الكليات و العقايد و اما الجزئيات فلاتدركها ابدا و لاتعرف ثوابا و لا عقابا الا بتعليم خاص و اي عيب يرد علينا في ذلك و لايلزم علي ما قلنا دور و لايرد علينا ايراد ابدا بوجه من الوجوه .
و اما قوله مع ان المستفاد من الاخبار الواردة في العقل و الجهل ايضا هو ذلك ، فاشتباه محض و الاخبار الواردة في ذلك علي ثلاثة اقسام كما تقدم الكلام فيما سبق و لميكن المقصود منها هذه العقول الجزئية المتلبسة بالعادات و الطبايع الغارقة في حضيض الشهوات و اراضي الغضب و الالحاد و انما المقصود منها العقل الشرعي او العقل الكلي الذي هو عقول المعصومين عليهم السلم كما يظهر من لحنها و من معانيها فهي الجوهر الدراك المحيط بالاشياء من جميع جهاتها العالم بالشيء قبل كونه و ليس غيرها و الاخبار الدالة علي اشتراط العقل في التكليف كقول رسول الله (ص) اذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فانه يجازي بعقله و غيرها من الاخبار الجارية في هذا المضمار ليست دالة علي حجية ادراك هذه العقول ابدا فان المراد منها كما تقدم الكلام عليه هو الشعور الذي يناط به التكليف و من دونه يكون الانسان مجنونا فلايكون مكلفا و لا محلا لاوامر الشارع و نواهيه و لما لميدققوا في الاخبار و لميتفحصوا فيها و لمينظروا فيها بنظر الدقة و الاعتبار خلطوا بينها و لميميزوا و لميعرفوا المقصود منها فتصوروا ان المراد بها عقولهم .
[ص 26] و لذا تري القمي يقول بعد كلام طويل فان العقل فينا نظير الالهام فيه (ص) ، فلو كان ذلك كذلك لمانهي الله سبحانه و تعالي عن اتباع العقول و الآراء و العمل بالظنون و الاهواء و لمانهي الرسول صلي الله عليه و آله في سنته الجامعة و آلمحمد عليهم السلم في اخبارهم التي بلغت حد التواتر و لنرو لك شطرا منها حتي تعرف الحق فيما نقول .
اما الآيات فقوله تعالي ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لميأذن به الله و قال تعالي ان يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي و قال تعالي و من اضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله و قال تعالي بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم و قال تعالي و لاتتبع الهوي فيضلك عن سبيل الله و قال تعالي و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمهتدين و قال تعالي ثم جعلناك علي شريعة من الامر فاتبعها و لاتتبع اهواء الذين لايعلمون انهم لنيغنوا عنك من الله شيئا و قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين الي غير ذلك من الآيات الكثيرة بل كل الآيات الناهية عن العمل بغير علم التي قد تجاوزت علي سبعين آية كما عدها الحر العاملي تدل علي ذلك .
و اما السنة الدالة علي ذلك فكما في الكتاب المبين عن فصل الخطاب روي انه لما نزل قوله اذا جاء نصر الله قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله قضي الجهاد علي المؤمنين في الفتنة بعدي الي ان قال يجاهدون علي الاحداث في الدين اذا عملوا بالرأي في الدين و لا رأي في الدين انما الدين من الرب امره و نهيه و عن علي عليه السلم قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلاث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون [ص 27] الذين يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لايعملون برأيهم فاولئك ما عليهم من سبيل .
و اما اخبار العترة الطاهرة فكثيرة جدا منها ما في الكتاب المبين عن علي عليه السلم ان المؤمن لميأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاه عن ربه فاخذ به و قال ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد افامرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم عنه فعصوه ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل الله دينا تاما فقصر الرسول صلي الله عليه و آله عن تبليغه و ادائه و الله سبحانه يقول ما فرطنا في الكتاب من شيء و قال فيه تبيان كل شيء و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و ان القرآن ظاهره انيق و باطنه عميق لاتفني عجائبه و لاتنقضي غرائبه و لاتكشف الظلمات الا به و عن ابنصدقة عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلم ان عليا عليه السلم قال من نصب نفسه للقياس لميزل دهره في التباس و من دان الله بالرأي لميزل دهره في ارتماس و عنه عن ابيه عليهما السلم قال قال اميرالمؤمنين عليه السلم لا رأي في الدين و قال علي بن الحسين عليه السلم ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في [ص 28] نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم و قال ابوعبدالله عليه السلم في قول الله عز و جل اهدنا الصراط المستقيم يقول ارشدنا للزوم الطريق المؤدي الي محبتك و المبلغ الي رضوانك و جنتك و المانع من ان نتبع اهواءنا فنعطب او نأخذ بآرائنا فنهلك و قال ما احد احب الي منكم ان الناس سلكوا سبلا شتي منهم من اخذ بهواه و منهم من اخذ برأيه و انكم اخذتم بامر له اصل و عن ابنصدقة قال قال لي جعفر بن محمد من افتي الناس برأيه فقد دان بما لايعلم و من دان بما لايعلم فقد ضاد الله حيث احل و حرم فيما لايعلم و قال اياك و خصلتين فيهما هلك من هلك اياك ان تفتي الناس برأيك او تدين بما لاتعلم و قال في قول الله و من اضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله يعني من يتخذ دينه رأيه بغير هدي من امام من ائمة الهدي . الي غير ذلك من الاخبار الكثيرة المتجاوزة حد التواتر و الناهية عن الآراء و الاهواء و العمل بهذه العقول .