و اما ما تخيله بعضهم في هذه المسألة من ان امر الولاية و المحبة فريضة مثل ساير الفرائض بلا تفاوت فهو اشتباه و ليس الامر كذلك فان امر الولاية اصل و ساير الفرائض فرعه و المثل علي ذلك شخص زيد فانك تلاحظ فيه روحا و اعمالا اخر فبالعين يبصر و باليد يعطي و يأخذ و بالرجل يمشي و هكذا و جميع هذه الاعمال من الروح فلو لم‌تكن له روح لماامكنه ان يعمل اي عمل من الاعمال فكذلك الامر هنا ، فان كانت في الشخص روح الولاية و المحبة عمل اعمال الخير كالصلوة و الصيام و ساير الخيرات و ان لم‌تكن فيه فلايصدر منه امثال هذه الاعمال و ان رأيت منه في الظاهر عملا و خيرا فهو مصطنع و هباء منثور و كان مثل هذه الدمي الافرنجية التي تطرف عينها و تتحرك يدها و لكن هذه الحركة ليست من روحها لعدم وجود روح فيها فليس لها حركة من نفسها و لا ثواب لها ، هذا هو مثل الولاية و ساير اعمال [ص 148] الخير فالقول بان كليهما فريضة صحيح لكن الولاية فريضة لو لم‌تكن لعدمت جميع اعمال الخير و تلك الاعمال فريضة ايضا و لكنها لو كانت بغير ولاية لماكانت من الشخص نفسه و التحقيق في ذلك قد يأتي فيما بعد ان شاء الله .

س ١٠ - من قال ان الامام هو العلة المادية و الصورية و الفاعلية و الغائية للعوالم فهل هذا القول صحيح او لا ؟

الجواب - من اعظم مسائل الحكمة البحث في العلل الاربعة و بيان ذلك يحتاج الي تفصيل ايضا و هو مشكل و لايفيد العوام و لكن لا محيص من توضيح مختصر و لو ان الاغلب لما لم‌تكن لهم معرفة بالاصطلاحات فيمكن ان لايلتفتوا و لكن امتثال الامر العالي هو بنفسه عبادة . فاقول علة كل شيء سببه فان حصلت عليه امكنك الوصول اليه و قد حقق الحكماء بان كل موجود في العالم له علل اربعة و تحقيقهم صحيح لأن كل [ص 149] خلق و موجود مركب من مادة و صورة و ليس لله خلق بسيط مفرد في ملكه و كل شيء مركب و الذين قالوا العقل و ما فوقه بسيط الحقيقة لم‌يعرفوا ما قالوا و عبارتهم لا معني لها ايضا لأن العقل اذا كان بسيطا فما الذي فوقه و ما الذي تحته و ما كان له فوق كان محدودا به و ان كان محدودا فهو مخلوق و الله ليس بمحدود و المخلوق المحدود له مادة و صورة مادته الموجود الممكن الذي يصنع منه الموجود الثاني مثل الكوز الذي يصنع من مادة الطين فالطين مادة للكوز و سبب به وصلنا الي الكوز فالطين هو العلة المادية للكوز و اما صورة الكوز فهو الشكل و المثال الذي صنعنا الكوز علي مثل صورته و هذه الصورة صارت علة لتحقق الكوز فيقال لها العلة الصورية فالمادة و الصورة هما ركنا الكوز لان الكوز قائم بهما فلو عدم احدهما عدم الكوز ، لذلك يعدان علة و العلة اذا عدمت عدم المعلول لأنه اذا عدم الطين عدم الكوز و اذا عدمت [ص 150] صورة الكوز لم‌يتعين الطين بتعين الكوز بدون الصورة و لايسمي باسم الكوز و الاسماء جميعها علي الصورة لا علي المادة و الطين وحده ليس بكوز و لا بطاس و لا صحن ، و يوجد سبب آخر لوجود الكوز و هو حركة يد الفاخور فانه يأخذ من الطين بقدر معين و يديره بصورة الكوز في قالبه المعين حتي يصير كوزا فلو عدم الفاخور و عدمت حركة يده لماتركبت مادة الطين و صورة الكوز بنفسهما و لماوجد الكوز لان كل شيء اذا كان معدوما فلايمكنه ان يوجد نفسه و يصنعها و لا بد من صانع آخر فصنع الفاخور و حركته امر لازم و صانع الكوز و فاعله هو الفاخور و ان كان الفاعل الحقيقي هو الله و لكن يجريه علي يد الفاخور و حركة يده فحركة الفاخور هذه هي العلة الفاعلية للكوز التي بدونها لايوجد الكوز و اما السبب الرابع فهو غاية الكوز و خاصيته و نتيجته و فائدته او بأي لغة شئت فقل و هو المقصود الاصلي الذي من اجله اوجده الفاخور [ص 151] فلو لا وجوده لماتحمل الفاخور هذه الزحمة و هذه يقال لها في الاصطلاح العلة الغائية فهذه اربع علل لا بد و ان تكون سابقة علي كل موجود و لا بد و ان تكون لكل عوالم الوجود التي هي محل السؤال بداهة لأن جميع العوالم خلق الله و قد اوجدها من العدم الي الوجود و جميع ما سوي الله كلية خلقه فالخلق اي كان يلزمه هذه العلل الاربعة و الآن لا بد و ان نعرف هل ان علة وجود ما سوي الله ذات الاحد القديم او انها في نفس الخلق ، فاقول ان ذات الاحد جل شأنه ليست علة للخلق لأن الله ليس مادة لخلقه حتي يقترن بالصور مثل الطين الذي يصنع منه الكوز فليس لله صورة حتي يصنع الخلق مثلها و ذات الله ليست فعلا و حركة حتي تتعلق بالخلق فتكون علة فاعلية و ذاته ليست مقتضيا و داعيا حتي تكون غاية للخلق و الاقتضاء فعل و هو ممتنع في ذات الاحد و الموحد العارف من ينزه الله و ينفي جميع الصفات عنه ، كما قال اميرالمؤمنين [ص 152] كمال التوحيد نفي الصفات عنه . و اقول بعبارة اخري ان العلة و المعلول مضافتان و كل واحد منسوب الي الآخر و كما تري ان اصول حروف لفظي العلة و المعلول واحدة يكون الامر في معناهما هكذا و لا بد من ذكر المعلول في العلة و ذات الاحد اجل من ان يذكر فيها غيرها و هي منزهة عن ذلك لأننا نقول اذا كانت الذات علة و هي قديمة كانت المعلولات قديمة ايضا لان الله لايكون علة ناقصة فلا بد و ان يكون علة تامة و المعلول لايتخلف عن العلة التامة فالمعلولات معه و لا بد و ان تكون قديمة و هذا الفرض بالضرورة باطل ، و نقول ايضا ان العلية وصف و الصفات في الله منفية و هكذا فان لنا انواعا من الادلة و اختصار الكتاب يمنع من الاطناب و نقول ان الله ليس بعلة بل هو خالق العلة كما تقرأ في دعاء العديلة كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة و في الخبر علة ما صنع صنعه فالظاهر ان علل الخلق موجودة في نفس الخلق الا ان لنا نظرين في [ص 153] هذا المقام فمرة ننظر الي جميع ما سوي الله من غير ملاحظة مراتب الخلق و صفاتهم المختلفة اعم من ان تكون كلية او جزئية عليا او سفلي شريفة ام وضيعة حسنة ام قبيحة اولي ام ثانية ام ثالثة فلاننظر الي اي واحدة من هذه المراتب و ننظر الي صرف الخلقية و الموجودية لأي شيء كان ففي هذا النظر نقول كل شيء مخلوق بنفسه و جميع علله موجودة في نفسه لأنا قد علمنا بان ذات الله لاتكون علة للخلق و ليس غير خلق الله شيء يكون علة للخلق فلا علاج من وجود العلة في نفس الخلق و علة وجود كل موجود نفسه و بنفسه اقتضي الوجود فوجد و لما كان المطلب عميقا فلا بد للقارئ من ان يجمع حواسه لأني لااستطيع البيان باسهل من ذلك و اقول ان الموجود في نفس موجوديته لايحتاج الي شيء ابدا الا الي ايجاد الله و قبوله فان قبل الوجود وجد و ان لم‌يقبل لم‌يوجد و من المعلوم انه ليس له اقتضاء الوجود و ليس في ذات الله اقتضاء و لا جبر [ص 154] ايضا بل عدل صرف و الله لايوجد شيئا بالجبر و القسر فلا جبر و لا تفويض ايضا بل امر بين امرين يعني ان لم‌يوجد الله الموجودات فلاتنوجد و الموجودات ان لم‌تقبل الوجود فلاتنوجد ايضا و ان كان فهم المطلب مشكلا فصحيح هو مشكل الا ان كيفية الخلقة علي ما قال الله و رسوله هو ما ذكرنا ففي هذا النظر وجدت الموجودات بنفسها و لا فاصلة بين الله و الخلق ، حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما . و لنا نظر آخر و هو في الاصطلاح نظر شرعي او نقول شرع كوني و ذلك النظر الذي ذكرنا هو نظر كوني اما في نظر الشرع فالموجودات ينظر اليها من حيث الصفة و الرتبة فبعضها اعلي و بعضها اسفل و بعضها اول و بعضها ثان و بعضها مؤثر و بعضها اثر و بعضها منير و بعضها نور و بعضها فاعل و بعضها مفعول و بعضها منسوب و بعضها منسوب اليه و بعضها مضاف اليه و بعضها مضاف و بعضها حسن و بعضها قبيح و بعضها مفيد و بعضها مضر و هكذا ففي هذا [ص 155] النظر لانري الموجودات في صف واحد بل لها مقدم و تال و اول ما يري في كل شيء بهذا النظر امر الله و فعله نافذ في كل شيء و قدرته المستطيلة التي قام بها كل شيء كما تقرأ في الدعاء : كل شيء سواك قائم بامرك . ففي هذا النظر تري امر الله اولا لم‌يبق لغيره باقية و لم‌يخرج عن امره خارج يعني كلما نظرت الي شيء وجدت امر الله قبله يعني وجد بامره لا بنفسه فهذا المقام مع كونه خلقا لكنه خلق في غاية الوحدة و البساطة بحيث لاتري معه غيره و صار هذا المقام مقام ظهور الاحدية لله و ذكره الله باسم الواحد قال تعالي و ما امرنا الا واحدة . و صار واحدة لأنه لم‌يذكر معه غيره من ساير الخلايق و ليس في عرضه غيره بل كلما تري فهو مخلوق بهذا الامر و دون درجة هذا الامر و من شعاع هذا الامر و لا بد من ضرب مثل للتفهيم ، فاقول انظر في مراتب الاعداد فعد من الواحد الي ما استطعت من العد فكل عدد تراه تري الواحد ظاهرا فيه و لا شيء [ص 156] غيره و ان لم‌يكن الواحد لم‌يكن اي عدد و لم‌يكن للاثنين و الثلاثة و الاربعة وجود خارجي غير تكرار الواحد في جميعها و لا شيء غير الواحد و جميع الاعداد قائمة و متقومة به و ليست في عرضه بل وجدت بسببه و لو لم‌يكن الواحد لم‌يكن اي عدد و الآن هي موجودة بالتفاته و في النسبة بين الواحد و ساير مراتب الاعداد يصدق قول الشاعر جيدا :

باندك التفاتي زنده دارد آفرينش را اگر نازي كند از هم بپاشد جمله قالبها

و كذلك لاحظ في جميع صفاتك و افعالك و اعمالك الصادرة منك فان الظاهر من جميعها و الفاعل في جميعها نيتك و ارادتك و امرك و لا شيء غيرها فان اعطت اليد فامرك اعطي و ان مشت الرجل فامرك مشي و ان نظرت العين فامرك نظر ، فامرك ظاهر في جميع هذه الاعمال . و في الحديث لا عمل الا بنية ، فمن هذه الامثال امكنك ان تدرك في الجملة وحدانية امر الله و احاطته و ظهوره من [ص 157] وراء جميع الموجودات و ان تلاحظ عليته بالنسبة الي ما دون درجته ، الاتري انك اذا سألت من اي شخص لماذا عملت هذا العمل ؟ قال لك قلبي اراد ، لماذا اعطيت ؟ قلبي اراد ، لماذا ذهبت ؟ قلبي اراد ، لماذا جئت ؟ قلبي اراد فارادة قلبك و نيته هي علة جميع الافعال لا القلب نفسه و هو لايكون علة الاشياء لأن القلب لايريد اكثر من شيء واحد و الله الذي خلق جميع القلوب ليس له اكثر من ارادة واحدة و امر واحد و قد قال : و ما امرنا الا واحدة . و قد اوجد القلوب علي صفته فلايريد القلب اكثر من شيء واحد و لم‌يجعل الله للاشخاص قلبين ، ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، لأنه اراد من خلقه ان يكونوا آية توحيده و يدلوا علي وحدانيته فصارت الارادة علة جميع الافعال و هي في كمال الوحدة و التفرد و الوحدانية و الآئية للوحدة و اما الاعمال المختلفة و الخلق المختلف المشاهد فهو من الخلق لا من الخالق ، فارادة الله و امره واحد و لكن القابليات مختلفة مثل ما ان [ص 158] المطر من السماء واحد و لكن اختلاف النباتات من الارض ،

كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما

فاذا عرفت هذه المقدمات اقول العلية صفة هذا الامر الواحدة الذي يظهر في كل موجود علي حسبه و يجعل نفس ذلك الموجود علته و الفاعل و الجاعل هو الله الذي خلق قابليات الموجودات و هي ليست بمستقلة كما زعم بعض الحكماء حيث قالوا ان الماهيات غير مجعولة و لم‌يعرفوا المطلب ، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا . و بهذا الكلام ترتفع شبهة جمع آخر من المتكلمين ايضا الذين تصوروا ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و هي التي صارت بصورة الاعيان الطيبة و الاعيان الخبيثة النجسة و ليس الامر كذلك بل حركتها و صفتها هي التي ظهرت في بطن كل موجود و قابلية نفس الموجود و صورته و صفته التي ظهرت بقدرة الله [ص 159] مثل الصورة التي تشاهدها في المرآة فأصل الشبح من شعاع الشاخص و مثاله و اما لونه الخاص الظاهر فهو من نفس المرآة لا من شعاع الشاخص ، بالجملة ان هذه البيانات لتمام المطلب الذي كنا بصدده و قد كان كلامنا في ان في النظر الثاني اول ما نري امر الله الواحدة و مشيته فانه يري قبل خصوصيات الموجودات و هو سابق عليها و تراه اولا ثم تري ساير الموجودات بعده كلا في درجته المخصوصة به و نحن نتكلم اولا في الخلق الاول فنقول اين علله الاربعة و قد قلنا ان الله لايكون علة خلقه و ساير الموجودات خلقت بهذا الامر الواحدة فلاتكون علة له لأنها خلقت بواسطته فهي بعده فعلة الامر الاول و الخلق الاول نفسه بامر الله و حكمه كما قال الامام عليه السلام : خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية . فجميع العلل الاربعة في نفسه و العلة الغائية نفسه لان العلة الغائية لكل شيء ظهور كمال الله و هو بنفسه كمال الله الكامل الذي ليس فوقه [ص 160] كمال و جميع كمالات الله التي لا نهاية لها موجودة فيه و هو غير فاقد لكمال و كذا العلة الفاعلية موجودة فيه ايضا فان الله جعل نفسه سببا له و مرجحة لوجوده و كذلك العلة المادية هي مادته نفسه لعدم وجود مادة سابقة قبله و هو مخلوق لا من شيء و لو كانت مادة اخري لكانت هي الخلق الاول و كذلك لايوجد صورة غير نفسه و جميع الصور خلقت بواسطته و علي كل حال لايوجد سواه شيء .

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

و اعلم ان جميع هذه الصفات و العلل في هذا المقام هي في غاية الوحدة و البساطة بحيث لايمكن التمييز بينها الا بالوجدان و اما في الوجود فليس غير امر الله الواحدة موجودا و اما في مراتب انواره و اكوان الموجودات الخاصة فان كل واحدة من هذه العلل تظهر في المراتب الدنيا واضحة ، و اول مقاماتها مقام [ص 161] الفؤاد و الحقيقة و آية معرفة الله و مقام نفس الله و عين الله و مقام ظهور العلة الغائية التي هي معرفة الله فان الله خلق جميع الخلق للمعرفة . و الثاني مقام العقل الذي اعلاه ظهور فاعلية الله و يده الباسطة و اول الاكوان ، كما قال اول ما خلق الله العقل و هذا الحديث لاينافي ما قلنا من ان اول ما خلق الله امره لان الامر خلق ايضا و هو قبل جميع الاكوان و اما العقل فهو اول الاكوان المحسوس بالخلقية . و الثالث مقام اسفل العقل و يسمي بالروح ايضا و هو مادة جميع الكاينات و العلة المادية . و الرابع مقام النفس الكلية و هو مقام الصورة و لما لم‌يكن غرضي بيان هذه المطالب امسكت عن التفصيل و الاستدلال و تمام المطلب هو ان العلل الاربعة لجميع العوالم موجودة في نفس المشية فهي منشأ جميع العلل و هي العلة الغائية و الفاعلية و المادية و الصورية غاية الامر كل علة في مرتبتها و المشية صار لها جميع المراتب لأن من المعلوم اذا لم‌تكن ذات الله [ص 162] جل شأنه علة الموجودات و العلية صفة الخلق كانت العلية المطلقة الكلية غير المتناهية صفة المشية فانها العلة التامة التي لاتفقد اي كمال من كمالات الله ، و اما ساير الصفات التي دون درجتها لما كانت كل واحدة لها جهة نقص لامحالة فلايثبت لها علية تامة و لو ان كل درجة خاصة بالنسبة الي ما دونها علة تامة و لكن الجامع و الحاوي لجميع العلل و منشأها مشية الله لأن جميع المشاءات خلقت بسببها و الشواهد و الدلايل علي ذلك كله موجودة في الاخبار و لاحتياجنا في ترجمة ذلك و توضيحه الي تفصيل كثير اعرضنا عن ذكرها اختصارا و مع ذلك فانا لم‌نخرج عن مضمون الاخبار و الآن بعد ما تبين ان جميع العلل موجودة في الخلق الاول و هو منشأ و مبدأ جميع الاشياء اقول هذه المسألة ايضا ثابتة في العقل و الحكمة و هي ان الخلق الاول واحد و ليس بمتعدد و لا شيء غير كمال الله المطلق كما عرفت في مراتب الاعداد بان الواحد واحد لا اثنان و اذا لاحظنا [ص 163] في اخبار آل‌محمد عليهم السلام رأينا انهم عليهم السلام عبروا عن هذا الواحد و عن هذا الخلق الاول باسماء مختلفة و لا مانع من ان يكون شيء له اسماء متعددة و لكل اسم جهة البتة و حكمة ليس هنا محل ذكرها فان لها تفصيلا ففي بعض المواضع قالوا عليهم السلام المشية و في بعضها قالوا الارادة و في بعضها قالوا الامر و في بعضها قالوا الحكم و في بعضها قالوا اول ما خلق الله العقل و في بعضها قالوا اول ما خلق الله الماء و في بعضها قالوا اول ما خلق الله جوهرة و هكذا و في بعضها قالوا اول ما خلق الله النور و في بعضها قالوا اول ما خلق الله نور النبي صلي الله عليه و آله و في بعضها قالوا اول ما خلق الله محمد و آل‌محمد عليهم السلام و الاخبار التي ذكروا فيها اسم محمد و آل‌محمد عليهم السلام اكثر و هي مطابقة للكتاب ايضا و قد سمي الله النبي في كتابه اول العابدين و خاتم النبيين و هذه الاخبار بلغت حد التواتر و زيادة و عليها اجماع الشيعة و السنة [ص 164] و ضرورتهم و لا منكر لها و الحمد لله حتي اني سمعت ان جماعة من العامة يذكرون في اذانهم بان النبي (ص) اول ما خلق الله و علي كل حال فانه محل اجماع و لا منكر له فلاتظنن ان هذه الاسماء المختلفة لأشياء متعددة فتظن ان اول ما خلق الله متعدد ، كلا فان اول ما خلق الله ليس بمتعدد و الاخبار كلها صحيحة ايضا و بأي اسم ذكر فهو لجهة من الجهات بينها العلماء الاعلام في كتبهم و لما صاروا عليهم السلام اول ما خلق الله بضرورة المسلمين ثبت لهم جميع مختصات ذلك المقام بدون شبهة ، نعم الذي يكون سبب شبهة و وحشة لجماعة هو ما يتخيلونه من ان هذا النوع من الفضائل مختص بمقام بشرية النبي او الامام الظاهرية فانه ولد في يوم معين و ارتحل عن الدنيا في يوم معين و كانت فيه لوازم البشرية من الاكل و الشرب و النوم و غير ذلك فعند ذلك تأخذهم الوحشة بانه كيف يكون هذا البشر الذي هو ظاهرا مثل ساير البشر اول ما خلق الله و كيف يكون علة لجميع [ص 165] العوالم فتكون جميع العوالم قائمة به و نحن قد بينا سابقا ان جميع ذلك وارد في القرآن و الاخبار المعتبرة من الفريقين و المسلم مكلف بان يقبلها و جميعها ايضا موافقة للعقل و المنطق الا انها مختصة بمقام اول ما خلق الله لا مقام بشريتهم الشخصية و مقام بشريتهم الشخصية يحكي ذلك المقام كما تحكي المرآة الحجرية الشمس السماوية و ليس ذلك بامر محال فان نور الشمس بعينه اذا وقع في المرآة اضاء و سخن و صار له جميع خواص الشمس و صح اطلاق اسم الشمس عليه بل اذا كان النور اضعف من نور المرآة اطلق عليه اسم الشمس ايضا و لايلزم من ذلك كفر و لا محال ، ألست تقول لنور الشمس الذي يظهر علي اعلي الجدار جاءت الشمس و ذهبت الشمس و طلعت الشمس و غربت الشمس و كل هذه الاسماء تطلقها علي النور و ليس علي الشمس ذاتها فلماذا هؤلاء يوقعون الناس في الوحشة و لماذا يتعجبون من قول الله و الرسول بل لا بد و ان يبذلوا [ص 166] قصاري جهدهم في ان يفهموا الناس معني الاخبار و الآيات و المقصود منها حتي تكون لهم معرفة بالتدريج و نقول اليس حجة الله تكون بذلك اكمل بان يريهم آية في عرصة الخلق الظاهر تكون مظهر علم الله غير المتناهي و مظهر قدرته التامة المستطيلة و مظهر رحمته و عزته و مظهر سلطنته و مظهر جميع صفاته الكمالية ؟ لا ريب ان حجته بذلك تكون اتم و معرفته التي هي العلة الغائية تكون اكمل و نحن باجمعنا نعرف هذه الكلية بان كل صفة من صفاته و كل كمال من كمالاته اذا لم‌يظهره الله لخلقه في العرصة البشرية ظل خلقه جاهلين به و صارت معرفتهم بربهم ناقصة لأن ذات غيب الغيوب لم‌يرها و لم‌يعرفها احد و لايخبر عن الله الا رسل البشر و السلام .

س ١١ - ما مقصودكم من الركن الرابع و هل هو شخص معين ؟

الجواب - مقصود علمائنا و اساتيذنا من الركن الرابع [ص 167] الولاية و البراءة اللذين ذكرهما جميع علمائنا المتقدمين و المتأخرين و اعتقدوا وجوبهما و ليس المقصود منه شخصا معينا بل المراد منه موالاة اولياء آل‌محمد عليهم السلام و البراءة من جميع اعدائهم و هو عقد القلب الذي ذكرتم من ان جميع المسلمين لا بد و ان يكون في نيتهم و عملهم بينهم و بين الله موالاة اولياء اهل البيت و معاداة اعدائهم و الله القاهر الغالب شاهد علي و علي اساتذتي صدق الناس ام لم‌يصدقوا انه لم‌يكن لنا قصد غير هذا و لايكون ، غاية الامر يوجد فرق واحد و هو ان جماعة من العلماء المتقدمين لا كلهم عدوا الولاية و البراءة من الفروع و جماعة آخرين من العلماء المتقدمين و مشايخنا عدوها من اصول الدين و لا ريب ان لهم ادلة علي ذلك البتة و اما ان مرادنا من الركن الرابع شخص معين فهو تهمة الصقوها بنا و اشاعة اشاعوها لتشويش الاذهان علينا و القاء الاختلاف بيننا و معاداة الحكام و العلماء لنا و علي الله اظهار [ص 168] كذب هذه التهم و ان الله لايصلح عمل المفسدين .

س ١٢ - لماذا سميتم التولي و التبري ركنا رابعا ؟

الجواب - لأن اول الدين معرفة الله و الثاني معرفة النبي (ص) المبلغ من جانب الله و الثالث معرفة خلفائه الائمة الاطهار صلوات الله عليهم و الحافظين دينه و الرابع موالاة اوليائهم و البراءة من اعدائهم و يدخل فيه لزوم اتباع علمائهم و النصيحة لجهالهم و عدم التخلف عن جماعة المسلمين و ان لم‌يكن الشخص المسلم في قلبه محبة لاولياء آل‌محمد فلايتبع العلماء و لاينصح الصغار و الجهال و ينقطع حبل الاسلام بالكلية و يتفرق المسلمون و المرء مع من احب .

س ١٣ - هل انكم لاتعتقدون بالمعاد من اركان الدين و من ضروريات الاسلام ؟

الجواب - لماذا لانعتقد فانا نعتقد بان المعاد من ضروريات الاسلام و نعتقد بان منكره كافر و قد بينه اساتذتنا في اغلب كتبهم ضمنا و في كتبهم المستقلة [ص 169] و لكن لما كان المعاد من فروع النبوة و النبوة جعلناها ركنا لم‌نفصل كثيرا و يكفي ركن النبوة عن المعاد كما انه يكفي عن الاقرار بالرجعة ايضا و بما ان انكار اقوال النبي عن علم هو انكار نفس النبي صلي الله عليه و آله فلا مانع من جعل جميع ذلك ركن الدين و هو صحيح و علي كل حال كل من انكر المعاد او شيئا من جزئياته التي هي ضروري الاسلام لاسيما جسمانيته فهو كفر و نحن ان لم‌نعده من اصول الدين فهو للاختصار و لأنه مما جاء به النبي و كذا العدل لم‌نعده من اصول الدين للاختصار و لأنه من صفات الله و هو داخل في ركن التوحيد و صفات الله غير العدل كثيرة ايضا و انكار كل صفة من صفاته كفر و لذلك تري العلماء السابقين لم‌يعدوها لعدم لزوم عدها و لدخولها في معرفة الله و توحيده و اما ذكرهم للعدل بخصوصه فلانه لما كثر الجبرية من العامة و كانت الشيعة مختلطة بهم خافوا علي اطفالهم ان يكونوا جبرية فلذلك جعلوا العدل من [ص 170] اصول الدين تعليما لأطفالهم و مستضعفيهم حتي يعتادوا عليه و يعلموا ان الجبر ليس من اعتقاد الشيعة و ما ذكرناه كتبه جماعة من العلماء المتقدمين و تفصيله يوجب التطويل .

س ١٤ - انكم جعلتم المعاد الذي وردت به مئات الآيات و الروايات و هو في غاية الاهمية و ذكر دائما بعد الايمان بالله ( يؤمنون بالله و اليوم الآخر ) من فروع النبوة و لم‌تجعلوه ركنا مستقلا فأي مانع من جعل التولي و التبري الذي لم‌ترد به الا روايات معدودة من فروع الامامة و عدم جعله ركنا مستقلا ؟

الجواب - المقصود الاصلي هو الاعتقاد و عقد القلب و الايمان بهذه الاركان او الشروط او الاصول او المواد او اي اسم شئت ان تسميها فانه لا دخل لهذه الاسماء و الاصطلاحات و لا التعداد الذي ذكروا او الذي ذكرنا في اصل الاعتقاد و ذلك ان الرجل المسلم لا بد له من المعرفة بان هذه الامور من لوازم ايمانه و لا بد و ان [ص 171] يعتقد بها عن فهم الا ان المعاني لما كانت تسبك في قالب الالفاظ للتفهيم رأوا ان الانسب لفظ الركن لمناسبات هناك و لا مانع من عد التولي و التبري من لوازم معرفة الامامة كما ان اصل الامامة بنفسه من لوازم النبوة و اصل النبوة ايضا من لوازم التوحيد و قد جري تحقيق جماعة من العلماء المتقدمين علي ذلك و لذلك عد بعضهم اصل الدين واحدا و هو التوحيد و جعل ساير الشروط او الاركان من لوازمه و عد بعضهم التوحيد و النبوة لانهما عقليان و لا بد للمكلف من معرفتهما بعقله و بعضهم اضاف الولاية اليهما لحصول الامتياز به بين الشيعة و السنة و اضاف مشايخنا و جماعة آخرون من علماء السلف التولي و التبري الي الاصول و جعلوهما من اركان الدين لاهميتهما و كثرة التأكيد عليهما في الاخبار الواردة و التشديد الوارد في القرآن و انتم اعلم بان هذه الايام ايام غيبة و النبي قد ارتحل عن العالم و الامام المعصوم المنتظر عجل الله فرجه غاب و الامر [ص 172] علي الظاهر مفوض الي العلماء و رواة الاخبار فلو لم‌يؤكد و يوضح لزوم الولاية و البراءة و اصالتهما لمااجتمع المسلمون مع توفر هذه الاسباب الشيطانية و الضعف الذي عرضهم بسبب غيبة الامام حول العلماء الاعلام الذين هم مركز العلم و الايمان و عماد الاسلام و سناده و لمااخذوا الدين و مسائله عنهم و لبقوا في الجهالة و وقعوا في فخاخ الخارجين عن الاسلام و شكوكهم و شبهاتهم و تمزق اجتماعهم و تفرقوا كما صاروا الي ذلك فعلا تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي و اني اقسم بالله لو سامحوا في مسألة الولاية و البراءة و لم‌يذكروها لثلم في الاسلام ثلمة عظيمة لايسدها شيء و السد السديد و الحربة المجابهة التي تصد تفرقة المسلمين هي احكام امر الولاية و البراءة لا غير الاتري الادنياء و عابدي الدنيا كم و كم يسعون في الاجتماعات لمنفعتهم الزايلة التي لاتبقي الا ايام قلائل فلماذا يعد المسلمون هذا الدستور العظيم الموضوع عليه اساس [ص 173] الاسلام سهلا و لايدركون ان الاجتماع لايفيد الا تقارب القلوب و لاتتقارب القلوب الا بالمحبة القلبية و لاتحصل المحبة القلبية الا بان يعلم بان الله و النبي و الامام ارادوا ذلك و اكدوه كثيرا .

و اما ما قلتم من انه لم‌ترد به الا روايات معدودة فانه من المقطوع به انكم لم‌تراجعوا جميع اخبار الباب كما اني ايضا لم‌اطلع عليها كلها و لكن روي في مجلد واحد من الكتاب المبين تأليف المرحوم عمي الأكرم هو انموذج للاخبار الواردة في هذا الباب ما يزيد علي الف و خمسمائة حديث معتبر في لزوم ولاية الشيعة و الاولياء و الفضائل التي عدوها لأوليائهم خاصة و لو راجعتم البحار و العوالم رأيتم ما لايحصي و لو راجعتم اخبار العامة و ما رووه في امامة اميرالمؤمنين (ع) و الائمة الطاهرين (ص) و ولايتهم لرأيتم في اغلبها انهم ذكروا شيعتهم معهم و كتاب غاية المرام تأليف عالم آل‌محمد المرحوم السيد هاشم التوبلي يحتوي علي [ص 174] آلاف من احاديث العامة في ذلك و هو انموذج في هذا الباب مع انه لم‌يرو جميع الاخبار و كذلك كتاب اثبات الهداة بالنصوص و المعجزات تأليف فقيه آل‌محمد المرحوم الشيخ الحر العاملي التي لايوجد اكثر من نسخة واحدة تحت متناول يد احد علي حسب اطلاعي و رأيت نسخة منه في مكتبة الآستانة الرضوية روي فيها اخبارا لاتعد و لاتحصي من ٤٠٠ كتاب معتبر من كتب العامة في فضائل اهل البيت عليهم السلام و قد قرنوا عليهم السلام في كثير من تلك الاخبار اسمهم مع شيعتهم و علي كل حال لنا آلاف من الادلة في اصالة الولاية و البراءة لو اردنا ذكر بعضها لاحتجنا الي كتاب مستقل و اما ان جماعة من علماء السلف عدوا مسألة الولاية من الفروع فليس بعجب فانهم في تلك الادوار السابقة مع وجود السلطة بيد الآخرين و ضعف الشيعة ماكانوا يستطيعون ان يذكروا اسم ائمتهم صريحا فكيف بشيعتهم و عملنا اليوم لايقاس بهم و من اجل ان علماء السلف [ص 175] كانوا في تلك الاوقات في تقية متزايدة لايمكن كتمان الحقايق بالجملة مع ان التفصيل في هذا الكتاب غير مطلوب الا اني تنبهت في هذا الوقت علي ان هذه الرسالة الضئيلة لما انها تعرض بمحضر العلماء الاعلام و حجج الاسلام احببت ان اذكر شيئا من طراز استدلالي المأخوذ من طريقة المرحوم جدي الامجد اعلي الله مقامه و سبكه في كتاب الفطرة السليمة المصنف في الاعتقادات و في الاستدلال علي اصالة الركن الرابع و مسألة الولاية و البراءة حتي اذا ما وقع موقع تحسينهم استقبلته بالشكر و السرور ان شاء الله مع اني اسعي في تمام الاختصار و به نكتفي في معرفة طريقتنا في هذا النوع من الاستنباطات . فاقول ان من الثابت و المبرهن عليه عند المسلمين قاطبة ان القرآن كتاب ديننا و لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فمن اخذ دينه من القرآن كان ثابتا كما ان القرآن ثابت الي يوم القيمة و من اخذ دينه من افواه الناس ازالته الناس و اتلف عمره عبثا ، [ص 176] من اخذ دينه من افواه الرجال ازالته الرجال و اذا راجعنا القرآن رأيناه حكم علي الذين آمنوا بالله و الرسول و الحجج بان يوالوا اولياءهم و يعادوا اعداءهم كما قال : المؤمنون و المؤمنات بعضهم اولياء بعض . و هذا حكم بصورة الاخبار و رأيناه قال : ان الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله و الذين آووا و نصروا اولئك بعضهم اولياء بعض . و كأنه في هذه الآية خص المؤمنين بهذا الشرف و كفاهم فخرا ان الله سماهم حزبه و اعوانه و انصاره فقال : و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون . فالذين يحبون بعضهم البعض الآخر لله فاولئك هم حزب الله ثم نري ان الله هدد المؤمنين و حذرهم و نهاهم عن موالاة الكفار و النواصب و المنافقين حيث يقول : لايتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة و يحذركم الله نفسه و اليه المصير . فانظر كيف هددهم [ص 177] الله و اخرجهم من حزبه و اثبت لهم النفاق و قال : بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ، ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا . فانظر انه تعالي جعل عزة المؤمن في الولاية و البراءة و قال : يا ايها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين ، اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و لن‌تجد لهم نصيرا . اقول و خاطب في هذه الآية الشريفة المؤمنين من باب ظاهر اقرارهم بانهم اعتبروا انفسهم مؤمنين و يوضح ذلك آية الاخري حيث يقول : تري كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم ان سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما انزل اليه مااتخذوهم اولياء و لكن كثيرا منهم فاسقون . و يقول ايضا : يا ايها الذين آمنوا لاتتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من اصحاب القبور . و يقول ايضا : يا ايها [ص 178] الذين آمنوا لاتتخذوا عدوي و عدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة و قد كفروا بما جاءكم من الحق . و قال : يا ايها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا و لعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم و الكفار اولياء و اتقوا الله ان كنتم مؤمنين . و يوجد آيات اخر ايضا في هذا المقام تتضمن امتحانات شديدة نعوذ بالله و نسأله تعالي بحق اوليائه الطاهرين المحسنين المقربين صلوات الله عليهم ان يخرجنا من هذه الامتحانات مخلصين و يحفظ ديننا و ان لايلجأنا الي انفسنا ، و قال : يا ايها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم و اخوانكم اولياء ان استحبوا الكفر علي الايمان و من يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون . و قال ايضا في آية اخري : ان الظالمين بعضهم اولياء بعض و الله ولي المتقين و في آية اخري شدد الامتحان اكثر فقال : لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان [ص 179] و ايدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون . اقول هذه بعض الآيات التي ذكرها الله تعالي في الولاية و البراءة و نحن للاختصار لم‌نستقصها كلها و الذي اعتقده ان اغلب القرآن نازل في ذلك فظهر من هذه الآيات الصريحة ان الولاية و البراءة شرطان من شروط الايمان من اعتقد بهما فهو مؤمن و من انكرهما فهو كافر و لا شيء من فروع الايمان بهذه الدرجة و غاية ما يحكم به علي تارك ساير الفروع هو الفسق و لانحكم بكفر تارك فريضة من الفرائض الا بعد العلم بانه ماتركها الا بعد ان علمها و ثبتت لديه ثم انكرها لان انكارها انكار رسول الله و منكر الرسول (ص) منكر ركن من اركان الاسلام فهو كافر و اما امر الولاية و البراءة وفقا للآيات الشريفة فهو فوق هذه المراتب و فوق جميع الشرايع و من ترك الولاية يكفر بلا مهلة كما قال تعالي : الذين كفروا [ص 180] بعضهم اولياء بعض : و قال : ان المنافقين و المنافقات بعضهم من بعض . و قال : و من يتولهم منكم فاولئك منهم . فمن والي عدو الله او عادي ولي الله فهو كافر و منافق في الحال بلا مهلة و بهذا اللحاظ لاتساويه ساير الشرايع و يكون هذا الاصل عديلا لساير الاركان و ان كان بالنسبة اليها مهما كان فرعا و لكنه بالنسبة الي ساير الفرائض هو اصل و من متممات ولاية الله و الرسول و الحجج صلوات الله عليهم فان حصلت هذه الولاية قبلت ساير الشرايع و الا فلا و ليس من الله في شيء . هلادققت في هذه الآية : قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني ، يعني ان لم‌تكن محبة فلا متابعة و لا اطاعة ، و لنمسك عن التفصيل باكثر من ذلك في الاستدلال بالقرآن فان هذا القدر يكفي . و اما الاخبار فانها ليست محصورة و انما هي خارجة عن حد الاحصاء و نذكر بعضها انموذجا و تيمنا ، منها ما في تفسير البرهان عن الكافي في حديث وضع الاذان [ص 181] عن عمرو بن اذينة عن ابي‌عبدالله عليه السلام فذكر معراج النبي صلي الله عليه و آله قال ، فلما عرج الي السماء الاولي قالت الملائكة يا محمد كيف اخوك اذا نزلت فاقرأه السلام قال النبي افتعرفونه قالوا كيف لانعرفه و قد اخذ ميثاقك و ميثاقه منا و ميثاق شيعته الي يوم القيمة علينا و انا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم و ليلة خمسا و كذلك قالت ملائكة السماء الثانية الي آخر الخبر . و قال العسكري (ع) في تفسير الآية الشريفة : الذين ينقضون عهد الله ، عهد اخذ لله بالربوبية و لمحمد صلي الله عليه و آله بالنبوة و لعلي عليه السلام بالامامة و لشيعتهما بالجنة و الكرامة . و في تفسير الآية : و اذ آتينا موسي الكتاب و الفرقان ، قال اوحي الله بعد ذلك الي موسي يا موسي هذا الكتاب قد اقروا به و قد بقي الفرقان فرق ما بين المؤمنين و الكافرين و المحقين و المبطلين فجدد عليهم العهد به فاني قد آليت علي نفسي قسما حقا لااتقبل من احد ايمانا و لا عملا الا مع الايمان به ، قال موسي [ص 182] ما هو يا رب ؟ قال الله عز و جل يا موسي تأخذ علي بني‌اسرائيل ان محمدا خير النبيين و سيد المرسلين و ان اخاه و وصيه عليا خير الوصيين و ان اولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق و ان شيعته المنقادين له المسلمين له اوامره و نواهيه و لخلفائه نجوم الفردوس الاعلي و ملوك جنات عدن ، قال فاخذ عليهم موسي ذلك فمنهم من اعتقده حقا و منهم من اعطاه بلسانه دون قلبه فكان المعتقد منهم حقا يلوح علي جبينه نور مبين و من اعطي بلسانه دون قلبه ليس له ذلك النور فذلك الفرقان الذي اعطاه الله عز و جل موسي و هو فرق بين المحقين و المبطلين الخبر . اقول كان هذا ميثاق الملائكة و الامم الماضية فلننظر ما ميثاق هذه الامة . و في حديث آخر عنه عليه السلام ان الله خاطب يهود المدينة قال قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بك بعد سماعهم ما اخذ علي اوائلهم لك و لأخيك علي عليه السلام و لآلكما و لشيعتكما بئسما يأمركم به ايمانكم ان تكفروا بمحمد [ص 183] و تستخفوا بحق علي و آله و شيعته ان كنتم مؤمنين . اقول في حديث ايمان حارث بن كلدة الثقفي الطبيب الذي زعم انه جاء ليداوي جنون النبي و ذكر له اشياء بالتفصيل الوارد في الخبر الي ان دعا النبي شجرة فأتت قال فنادت اشهد ان لا اله الا الله ثم شهدت للنبي صلي الله عليه و آله بالرسالة ثم شهدت لعلي عليه السلام بالوصاية ثم قالت و اشهد ان اولياءك الذين يوالونه و يعادون اعداءه حشو الجنة و ان اعداءك الذين يوالون اعداءك و يعادون اولياءك حشو النار فنظر رسول الله صلي الله عليه و آله الي الحارث بن كلدة فقال يا حارث أومجنون يعد من هذه آياته فآمن حارث و حسن اسلامه الخبر . فانظر ان الشهادة بالولاية قرنت في جميع المواضع بالشهادة بالولاية و النبوة و الربوبية و رأيت في حديث الاعرابي و الضب المشهور ان الضب نطق فقال اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله و اشهد ان اخاك هذا علي بن ابي‌طالب علي الوصف [ص 184] الذي وصفته و ان اولياءه في الجنان يكرمون و ان اعداءه في النار يهانون فآمن الاعرابي و قال انا اشهد بما شهد به هذا الضب و اسلم جماعة من اليهود و شهدوا بهذه الشهادة ، الخبر . ثم انا نري ان عليا عليه السلام لقن الاسلام بهذا النحو كما في حديث الطبيب اليوناني حيث لقنه الاركان الاربعة بالتفصيل المذكور فآمن و كذلك في حديث الراهب و الراهبة اللذين اسلما علي يد ابي‌ابرهيم عليه السلام فلقنهما الاركان الاربعة بالنحو المتقدم فآمنا و نحن للاختصار لم‌نذكرهما . و روي عن الكاظم عليه السلام انه قال حروف الاسم الاعظم اربعة : الاول لا اله الا الله ، الثاني محمد رسول الله ، الثالث نحن ، الرابع شيعتنا ، انتهي . اقول و بهذا المعني اخبار كثيرة وردت في بيان اخذ الميثاق في عالم الذر و الاخبار الواردة بهذا الترتيب و المعني كثيرة خارجة عن نطاق هذا الكتاب و انظر في اخبار تلقين الاسلام لحمزة بن عبدالمطلب و خديجة الكبري تجد النبي (ص) لقنهما [ص 185] الاسلام في اول ايامه بهذا الترتيب و لاحظ اخبار سؤال نكير و منكر تجد ان سؤال القبر عبارة عن هذه الاربعة و ما اصرح حديث جيش بن المعتمر المروي في مجالس المفيد عن علي عليه السلام حيث ذكر علامة اوليائه قال يا جيش من سره ان يعلم امحب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا و ان كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا ، الي آخر الحديث الذي ذكر فيه ميثاق عالم الذر و لا ريب انكم رأيتم حديث شرايع الاسلام عن الصادق (ع) و حديث الرضا الذي كتبه للمأمون في الشرايع قال في عيون الاخبار و خرايج الراوندي لا ايمان لمن لا ولاية له . و من اعجب العجاب بعد هذا كله قول بعضهم لنا مع انه لم‌ير هذه الاخبار انكم استحدثتم الركن الرابع مع انه كان في اول الاسلام بل كان سابقا في زمان بني‌اسرائيل و لم‌يجئ به مشايخنا الا انه كان لايذكر للناس الا قليلا قبل زمانهم لمنع سلطان العامة و كان العلماء الاعلام السابقون [ص 186] عالمين به و قد اثبتوه في كتبهم و ابقوه لنا شكر الله سعيهم و ما اكثر ما روي في اخبار العامة من هذه الروايات بحيث امتلأت به الكتب و لئلايخلو كتابنا منها نروي حديثا واحدا نقله رواتهم فلقد روي ابن عبدربه في العقد الفريد قال رسول الله تختم بالعقيق فانه اول جبل اقر لله بالوحدانية و لي بالنبوة و الرسالة و لك بالوصاية و الامامة و لشيعتك بالولاية . اقول هذا خطاب النبي لامير المؤمنين (ع) و بهذه المناسبات جعل هذا الركن اصلا لا فرعا و مع ذلك نقول انهم ذكروا ذلك لأهل العلم في مقام التحقيق و التدقيق العلمي و لكن المقصود الاصلي هو الاقرار و العمل و عقد القلب و بكل اسم شئت ان تسميه فسمه اذ لا مناقشة في الالفاظ و لقد طرأت في خاطري نكتة اذكرها في خاتمة كلامي مزاحا فاقول حالنا جميعا و حال عامة الناس اننا نعتقد بالفرايض و السنن الصامتة التي لانتصور وصول ضرر من ناحيتها اكثر و احسن و اسرع و نقر بفرض [ص 187] الصلوة و الصيام و الحج و استحباب زيارة المعصومين و اولاد الائمة مثلا قبل غيرها من الفرايض و السنن لأنا لانخشي من جهتها حصول تكلف او تكليف علي خلاف انفسنا و كذلك الامر في التعظيم و التكريم الذي نصنعه للعلماء علي حسب ما امر الشارع المقدس و هو فطرينا ايضا و مع ذلك نعظم الموتي من العلماء و نكرمهم اكثر من العلماء الاحياء و ما اكثر ما نوقد احيانا من الشموع و السرج علي قبر العالم الميت احتراما له و لكن اذا كان العالم حيا متقيا جامعا للشرايط و في غاية الفقر و الاضطراب فلانذكره و كلما مضت السنون علي عالم ميت او مؤمن ميت اكثر و كان من متقدمي المتقدمين ازداد احترامه اكثر او اذا كان كتاب قديم جدا كان اعتباره اكثر عندنا و كل ذلك من تلك الحالة العامة فاننا لانحتاط و لانخشي من القدماء الماضين و قلوبنا في راحة منهم فانهم لا غرض لهم معنا لذلك نحترمهم و هذا سر ايمان الناس سريعا بشجرة او صخرة لاتضر و لاتنفع [ص 188] و يقدمون ما يقدمون لها من القرابين و المصروفات لأن الصخرة او الشجرة لاتأمر و لاتنهي و لاتكلف ، لكن العالم الحي او الرجل المؤمن و الاخ الديني و ان كان صاحب مقام شامخ فلانحترمه ذلك الاحترام و لانتقرب منه الا قليلا لانه ذو لسان فنخشي ان يكلفنا و يأمرنا و ينهانا او له المسكين حاجة و يزحمنا بها و من ذلك ما نحن فيه فان محبة الاخ المؤمن لاسيما اذا كان من اهل العلم و الكمال في الايمان فريضة و اتباعه واجب و الرد عليه رد علي الله و رسوله و مع ذلك فان فطرتنا لاترضي بان نهتم بهذه الفريضة العظيمة التي فيها الخير و النجاة في الدنيا و الآخرة و نخشي من العالم و لانحضر دروسه الا قليلا او لانحضر اصلا و اذا حضرنا طالبناه باجرة او راتب مع انا اذا ذهبنا الي السينما او الملهي او المقهي لاستماع الغناء نبذل لذلك الدراهم . بالجملة حالاتنا هذه من الفطرة المبدلة و لا بد من التصدي لأصلاحها و لاتيأس ان شاء الله و لا بد من الالحاح في المقال حتي تمتلأ الآذان [ص 189] و اني اوصيكم ان تجتهدوا في مسألة الولاية و البراءة ما استطعتم جزاكم الله خير جزاء المحسنين و السلام عليكم و علي جميع المؤمنين .

س ١٥ - من قال اني مقر بامامة الائمة عليهم السلام و مؤمن بولايتهم و لازم ذلك ولاية اوليائهم و البراءة من اعدائهم و اعتقد بذلك في قلبي الا اني لااعتبر التولي و التبري من اركان الدين بل اعتبره من لوازم و فروع مودة اهل البيت عليهم السلام فما عقيدتكم في قائل هذه المقالة و اعتقاده و كيف تعتبرونه بنظر المذهب ؟

الجواب - نظري المذهبي هو نظركم و اني اعتبر مثل هذا الشخص مؤمنا مواليا لآل‌محمد عليهم السلام و لايبعد لمثل هذا الشخص علي القطع و اليقين ان كان له تتبع و ممارسة في اخبار اهل البيت سلام الله عليهم مثلي ان يعتقد به ركنا من الاركان لان المؤمن ليس له نظر غير اتباع آل‌محمد عليهم السلام غاية ما هناك قد تختلف [ص 190] الانظار العلمية احيانا و لا اشكال و علي كل حال مثل هذا الشخص رجل مؤمن و هو اخي و انا اخوه ان رضي لأنه لا اختلاف في اصل الموضوع و قد ذكرت ذلك ايضا في جواب السؤال السابق .

س ١٦ - هل ان مقصودكم من لزوم موالاة اولياء اهل البيت عليهم السلام و البراءة من اعدائهم هو المعني الواقعي للولاية و البراءة يعني عقد القلب او لزوم الاتيان بلفظ الركن الرابع ؟

الجواب - لااقول ابدا بأنه لا بد من ذكر لفظ الركن الرابع حتما و ليس ذلك اعتقادي و تمام المقصود هو عقد القلب باي لفظ كان و لا مشاحة في الاصطلاح و الله الواحد هو الشاهد ان ذلك اعتقاد مشائخي المتقدمين ايضا و ان سمعتم غير ذلك فهو تهمة و قد صرحوا بذلك في كتبهم و اني اقابلكم بالمثل فارجو باصرار بان لايترك هذا اللفظ ايضا لأنه قد علم كما ذكرت بان هذا اللفظ ليس بكفر و لا بدعة بل له جهات مناسبة و رجحان [ص 191] و باعتقادي لا بد من ترك الناس مختارين اللهم الا اذا خالفوا الشرع فلا بد من تذكيرهم ان امكن .

س ١٧ - ما هو تكليف عوام الشيعة بالنسبة الي فروع الدين في ايام الغيبة و الي اي شخص يرجعون ؟

الجواب - لا فرق بين تكليف عوام الشيعة بالنسبة الي فروع الدين او اصول الدين في ايام غيبة الامام عليه السلام او ظهوره و كلا الحالين سواء و قد قال الله : ان الدين عند الله الاسلام . يعني التسليم للنبي صلي الله عليه و آله و خلفائه الاثني‌عشر عليهم السلام المنصوص عليهم و لفظ الدين و الاسلام اعم من الاصل و الفرع و كلاهما من الدين و طاعة الله و النبي صلي الله عليه و آله و الائمة المعصومين صلوات الله عليهم فريضة باصل الشرع ، اما في زمان حضور النبي صلي الله عليه و آله او احد المعصومين صلوات الله عليهم فنأخذ معالم الدين عنهم ، و اما في غيبتهم فنأخذها من الرواة الثقات الذين تشرفوا بالحضور عندهم و سمعوا منهم و اخذوا [ص 192] عنهم مسائل الدين كما كان عليه عمل المسلمين في زمان النبي (ص) و عمل الشيعة في زمان الائمة الاطهار (ص) و ورد القرآن الكريم بذلك قال تعالي : فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون . فوجب علي ساير المسلمين القبول منهم و الاخذ عنهم و قد قال تعالي في صفة النبي : يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين . و هذه صفة جميع المؤمنين لا بد لهم ان يؤمنوا بالمؤمنين و يصدقوهم و معني الايمان هو تصديق المؤمنين .

و اما في مثل زمان غيبة الامام عليه السلام هذه و يد الشيعة قاصرة من التعلق بحجزته فانه ترك كتاب الله فيما بيننا و هو الميزان القويم و الصراط المستقيم و فيه جميع الفرائض و السنن و الاصول و الفروع و النبي و الائمة الطاهرون الراسخون في العلم الذين قد عرفهم النبي للشيعة شرحوا و فسروا ما هو الضروري منها و امرونا بالرجوع الي تلك الاخبار و المراد من السنة [ص 193] عند الشيعة اقوال النبي و الائمة الاطهار و كتاب الله و العترة لايفترقان ابدا و لا بد و ان يكونا مقترنين و نأخذ بكليهما فالمرجع الكتاب و السنة و من الادلة اجماع المسلمين ايضا و هو لايخالف القرآن و الاخبار البتة و الدليل العقلي حجة اذا لم‌يخالف كتاب الله و السنة الجامعة و اخبار الآحاد التي هي محل عمل العلماء و قام عليها اجماعهم و لم‌ترد من الطرق غير الموثوق بها و الدليل العقلي عندي ما صدقت صحته جميع العقول لا ما اختلفت فيه الانظار و لو اختلفت فيه الانظار لكان المرجع فيه ايضا الكتاب و السنة ، قال تعالي : فان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر . و الكتاب و السنة لرفع الاختلاف فالدليل العقلي الذي لم‌تصدقه جميع العقول و اختلفت فيه لايمكن العمل به ، بالجملة في مثل هذا الزمان كل من تعلم من الشيعة العلوم الضرورية التي بينها العلماء الاعلام و توفرت فيه الشروط الاخري [ص 194] الخارجية من العمل و التقوي و الصدق و الوثاقة و القوة القدسية و امكنه ان يستنبط الحكم الشرعي من ادلته المذكورة و يستوضحه فهو مجتهد مستقل في العمل لأنه اخذ حكم الله و رسوله من مأخذه و علي عوام الشيعة تقليد مثل هذا الشخص العالم و الفقيه يعني عليهم ان يأخذوا منه مسائل دينهم و يعملوا بها و امثال هؤلاء الاشخاص في زمان الغيبة حكام الشرع و صفتهم العامة ما ذكره صاحب الزمان عجل الله فرجه في جواب من سأل عن المرجع في الحوادث الواقعة فكتب : اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله . اقول و في اخبار اخر بينوا الصفات اللازمة في رواة الاخبار نروي بعضها : ففي فصل الخطاب عن الوسائل في ضمن حديث تلقاه جميع العلماء بالقبول ، ينظران الي من كان منكم ممن قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما [ص 195] فاذا حكم بحكمنا فلم‌يقبل منه فانما استخف بحكم الله و علينا رد و الراد علينا الراد علي الله و هو علي حد الشرك بالله فقوله ( الي من كان منكم ) يعني من الشيعة اذ لايمكن اخذ الدين من غير الشيعة لأنه لايعتمد عليهم و اما توثيق علماء الرجال بعض الرواة من غير الشيعة فانه عندي محل نظر لان معرفة الوثاقة ادعاء علم الغيب و الروايات التاريخية لايحصل منها الا الظن لا اكثر و هو غير الظن الخاص الحاصل من الادلة الشرعية و لا دليل لنا علي العمل بمثل هذا الظن و المحقق انه ليس من الشيعة فاي وثاقة له فلو كان ثقة لماخان نفسه ، و اما عمل العلماء بالحديث الموثق احيانا فانه بالانضمام الي القراين الاخر و قد نهوا في اخبار اخر عن القبول منهم و من قوله ( منكم ) يعلم انه لا بد و ان يكون صاحب محبة ايضا كما ورد في فصل الخطاب عن الوسائل ان رجلين من الاصحاب كتبا الي ابي‌الحسن الاول عليه السلام عمن نأخذ معالم ديننا فكتب اليهما : فهمت ما [ص 196] ذكرتما فاعتمدا في دينكما علي كل مسن في حبنا و كل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما ان شاء الله تعالي بالجملة ليس قصدي التفصيل الكثير و لنرجع الي معني الحديث الشريف قال ( و روي حديثنا ) يعني لا حديث غيرنا ( و نظر في حلالنا و حرامنا ) يعني يكون متتبعا فيها ( و عرف احكامنا ) يعني ان النظر وحده لايكفي فلا بد و ان يكون من اهل الفهم و ما اكثر اهل الدرس و النظر و لكن ليس لهم فهم و سليقة و قالوا عليهم السلام في حديث نحن لانعد الرجل منكم فقيها حتي يعرف معاريض كلامنا . و قالوا في حديث ، حتي يعرف اللحن . و في حديث عن صاحب الزمان عجل الله فرجه : لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا . اقول المسألة مفصلة كثيرا و غرضي الاختصار و ان كان من الممكن ذكر الجواب بتمامه في سطرين و لكن اللايق بي و المناسب لي ذكر اعتقادي مع الدليل و اختتم الكلام بذكر سطر جامع من حديث مفصل [ص 197] للعسكري عليه السلام في صفة العلماء ، قال عليه السلام فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه . فصار تكليف عوام الشيعة في زمان غيبة الامام عليه السلام الرجوع الي مثل هؤلاء الاشخاص و اخذ دينهم منهم .