فصل - في انه لا خروج بالسيف قبل قيام القائم عجل الله [ص 165] فرجه و ان من خرج فهو طاغوت ، فالعاملي عن الكليني بسنده الي عيص بن القسم قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول عليكم بتقوي الله وحده لا شريك له و انظروا لانفسكم فوالله ان الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فاذا وجد رجلا هو اعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه و يجيئ بذلك الرجل الذي هو اعلم لغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لاحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الاخري باقية يعمل علي ما قد استبان لها و لكن له نفس واحدة اذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فانتم احق ان تختاروا لانفسكم ان اتاكم آت منا فانظروا علي اي شئ تخرجون و لاتقولوا خرج فان زيدا كان عالما و كان صدوقا و لميدعكم الي نفسه و انما دعاكم الي الرضا من آلمحمد و لو ظهر لوفي بما دعاكم اليه انما خرج الي سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم الي اي شئ يدعوكم الي الرضا من آلمحمد عليهم السلام [ص 166] فنحن نشهدكم انا لسنا نرضي به و هو يعصينا اليوم و ليس معه احد و هو اذا كانت الرايات و الالوية اجدر الايسمع منا الا من اجتمعت بنوفاطمة معه فوالله ما صاحبكم الا من اجتمعوا عليه اذا كان رجب فاقبلوا علي اسم الله و ان احببتم ان تتأخروا الي شعبان فلا ضير و ان احببتم ان تصوموا في اهاليكم فلعل ذلك يكون اقوي لكم و كفاكم بالسفياني علامة و عنه بسنده الي سدير قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا سدير الزم بيتك و كن حِلْساً من احلاسه و اسكن ما سكن الليل و النهار فاذا بلغك ان السفياني خرج فارحل الينا و لو علي رجلك و عنه بسنده عن الفضل الكاتب قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام فاتاه كتاب ابيمسلم فقال ليس لكتابك جواب اخرج عنا الي ان قال ان الله لايعجل لعجلة العباد و لازالة جبل عن موضعه اهون من ازالة ملك لمينقض اجله الي ان قال قلت فما العلامة فيما بيننا و بينك جعلت فداك قال لاتبرح الارض يا فضل حتي يخرج [ص 167] السفياني فاذا خرج السفياني فاجيبوا الينا يقولها ثلثا و هو من المحتوم و عنه بسنده عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال كل راية ترفع قبل قيام القائم عليه السلام فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز و جل ، اقول قال الله عز و جل و لقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدي الله و منهم من حقت عليه الضلالة فكل نبي بعث امر بان يجتنبوا من يخرج بغير حكم الامام و اذنه في غير اوانه فانه يدعو الي الشيطان و من اصغي اليه و اجابه و خرج معه فقد اشرك بالله سبحانه فان الصادق عليه السلام يقول من اصغي الي ناطق فقد عبده ان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، فاتباع من خرج قبل قيام القائم عبدة الطاغوت و مشركون في شرع كل نبي و الخارج بنفسه طاغوت يدعو بالشيطان الي الشيطان و عنه بسنده عن عمرو بن حنظلة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول خمس [ص 168] علامات قبل قيام القائم الصيحة و السفياني و الخسف و قتل النفس الزكية و اليماني فقلت جعلت فداك ان خرج احد من اهل بيتك قبل هذه العلامات انخرج معه قال لا الحديث ، و عنه بسنده عن المعلي بن خنيس قال ذهبت بكتاب عبدالسلم بن نعيم و سدير و كتب غير واحد الي ابيعبدالله عليه السلام حين ظهرت المردة قبل ان يظهر ولد العباس بانا قد قدرنا ان يؤل هذا الامر اليك فماتري قال فضرب بالكتب الارض قال اف اف ما انا لهؤلاء بامام امايعلمون انه انما يقتل السفياني و عن الصدوق باسناده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام يا علي ان ازالة الجبال الرواسي اهون من ازالة ملك لمينقض ايامه و عن الطوسي بسنده عن الحسين بن خالد قال قلت للرضا عليه السلام ان عبدالله بن بكير حدثني عن عبيد بن زرارة قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام ايام خروج محمد بن عبدالله بن [ص 169] الحسن اذ دخل عليه رجل من اصحابنا فقال له جعلت فداك ان محمد بن عبدالله قد خرج فما تقول في الخروج معه فقال اسكنوا ما سكنت السماء و الارض فقال عبدالله بن بكير فان كان الامر علي هكذا و لميكن خروج ما سكنت السماء و الارض فما من قائم و لا خروج فقال ابوالحسن عليه السلام صدق ابوعبدالله عليه السلام و ليس الامر علي ما تأوله ابنبكير انما عني ابوعبدالله عليه السلام اسكنوا ما سكنت السماء من النداء و الارض من الخسف بالجيش و عنه بسنده عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال الزم الارض و لاتحرك يدا و لا رجلا حتي تري علامات اذكرها لك و مااراك تدركها اختلاف بني فلان و مناد ينادي من السماء و يجيئكم الصوت من ناحية دمشق الحديث ، و فيه علامات كثيرة لخروج المهدي عليه السلام و من كتاب الغارات لابرهيم بن محمد بن سعيد الثقفي بسنده عن رزين بن حبيس قال خطب اميرالمؤمنين عليه السلام بالنهروان الي ان قال فقام رجل فقال [ص 170] يا اميرالمؤمنين حدثنا عن الفتن ثم ذكر الفتن الي ان قال فقام رجل فقال يا اميرالمؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان قال انظروا اهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا و ان استصرخوكم فانصروهم توجروا و لاتسبقوهم فتصرعكم البلية ، ثم ذكر حصول الفرج بخروج صاحب الامر عليه السلام و اما ما رواه من سراير ابنادريس نقلا من كتاب ابيعبدالله السياري عن رجل قال ذكر بين يدي ابي عبدالله عليه السلام من خرج من آلمحمد فقال لاازال انا و شيعتي بخير ما خرج الخارجي من آلمحمد و لوددت ان الخارجي من آلمحمد خرج و علي نفقة عياله انتهي ، فلاينافي شيئا مما مر و لاينافي الاجماع فانه اذا كان باذنه و رضاه لا كلام فيه و اذا انفق هو علي عياله و ود ان يخرج كان باذنه و رضاه و هو حلال محلل يقينا و انما الكلام في زمان الغيبة و عن الكليني بسنده عن بشير الدهان عن ابيعبدالله عليه السلام قال قلت له اني رأيت في المنام اني قلت [ص 171] لك ان القتال مع غير الامام المفترض الطاعة حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير فقلت لي نعم هو كذلك فقال ابوعبدالله عليه السلام هو كذلك هو كذلك و عنه بسنده عن عبدالملك بن عمرو قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا عبدالملك ما لي لااراك تخرج الي هذه المواضع التي يخرج اليها اهل بلادك قال قلت و اين قال جدة و عبادان و المصيصة و قزوين فقلت انتظارا لامركم و اقتداء بكم فقال اي والله لو كان خيرا ماسبقونا اليه قال قلت له فان الزيدية يقولون ليس بيننا و بين جعفر خلاف الا انه لايري الجهاد فقال انا لااراه بلي والله اني لااراه و لكني اكره ان ادع علمي الي جهلهم و عنه بسنده عن الحسن بن العباس بن الحريش عن ابيجعفر الثاني عليه السلام في حديث طويل في شأن انا انزلناه قال و لااعلم في هذا الزمان جهادا الا الحج و العمرة الخبر ، و عن الصدوق بسنده الي ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام عن آبائه قال قال اميرالمؤمنين عليه [ص 172] السلام لايخرج المسلم في الجهاد مع من لايؤمن علي الحكم و لاينفذ في الفيء امر الله عز و جل فانه ان مات في ذلك المكان كان معينا لعدونا في حبس حقنا و الاشاطة بدمائنا و ميتته ميتة الجاهلية و باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث شرايع الدين قال و الجهاد واجب مع امام عدل و من قتل دون ماله فهو شهيد و عن الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه الي المأمون قال و الجهاد واجب مع امام عادل و من قاتل فقتل دون ماله و رحله و نفسه فهو شهيد و لايحل قتل احد من الكفار في دار التقية الا قاتل او باغ و لا اكل اموال الناس من المخالفين و غيرهم و التقية في دار التقية واجبة و لا حنث علي من حلف تقية يدفع بها ظلما علي نفسه ، الي غير ذلك من الاخبار و قد تضافر بذلك الآثار فاي امر اوضح من بطلان هؤلاء الفسقة الفجرة ام اي كفر ابين من كفر هؤلاء الكفرة ان في صدورهم [ص 173] الا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هو السميع العليم و قد قال النبي صلي الله عليه و آله ملعون من يترأس ملعون من يجد حب الرياسة في قلبه ملعون من حدث نفسه بالرياسة ، و هؤلاء الفجرة لما كان حب الرياسة في قلوبهم و لميستطيعوها بالثروة و المال و القهر و الغلبة ارادوا القاء شبهة بين الناس حتي يخضع لهم الرقاب و يطاوعهم الاشرار اشباه الكلاب فينالوا بذلك مطلوبهم و يستأكلوا الناس بهذه الدعاوي الكاذبة و الرياسات الباطلة و القاء الشبه بالتأويلات الفاسدة لاخبار اهل العصمة سلام الله عليهم و قد اخبر السادات عليهم من الله الصلوات عن حال هذا و اشباهه في اخبارهم علي ما رواه المجلسي عليه الرحمة في كتاب ذكر فيه اربعةعشر حديثا في حوادث آخر الزمان و ترجمها ففيها انه يظهر في آخر الزمان ستون كذابا كلهم يدعون النبوة و اثناعشر رجلا من آل ابيطالب يطلعون يدعون الامامة ، و لا شك ان هذا الرجل منهم فانه ادعي النبوة [ص 174] و نزول الوحي عليه و نزول الحلال و الحرام اليه كما قدمنا من نقل خرافاته و روي الشيخ اعلي الله مقامه في كتاب الرجعة عن المفضل عن الصادق عليه السلام ان كل بيعة قبل قيام القائم بيعة كفر و نفاق ، و انت خبير ان رجلا لو جاري لامية العرب و انشد علي وزنها و قافيتها يقولون انه شاعر و انشد قصيدة و جاري بها لامية العرب و ان لميقل اني شاعر تمويها او انشدت شعرا تلبيسا او جاريت لامية العرب خداعة فان الشعر و وزنه معلوم و منشده شاعر و ان لميتسم بالشاعر فهذا الرجل ابرز كتابا و ذكر فيه انه وحي من الله و فيه حلال و حرام و جاري به القرآن فاية باقية ابقي لميدع لنفسه امحض اسم النبوة يكفر الانسان و الفعل ابلغ من القول و لايكفر و زعم انه امر بالجهاد و يخرج واضعا سيفه علي عاتقه مكبرا من حول الضريح و لميؤمر بالجهاد احد من ائمتنا عليهم السلام و ان عليا عليه السلام قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين [ص 175] الباغين علي المسلمين و حسينا عليه السلام دافع عن نفسه و هذا الخبيث يدعي انه امر بالجهاد و انه امر ان يصعد سطح البيت و يؤذن في الناس هكذا يزهق الله الباطل و يفسد امره انه ذهب الي مكة و خاف اجتماع الناس فلميظهر امره و انكر البابية حين سأله بعض من عرفه فرجع خائبا خاسرا فسلب في عرض الطريق و رجع الي بلاده علي ما نقل و ان لميكن شئ من ذلك كفي به بطلانا و حمقا انه حمل ادلة بطلانه و علامات ضلالته و ارسلها الي البلدان ليفهم كل عاقل انه مبتدع كافر مدع للنبوة و الامامة و الرياسة و دبروا علي ظنهم تدبيرا و لكن ، تجري الرياح بما لاتشتهي السفن ، رأوا تداعي الفساد في البلدان و خلو العصر عن العلماء و ضيق ذرع الناس عن كثرة الجور و العناد و طلبهم تغير الامر ليلا و نهارا و ترقبهم حصول امر جديد و كثرة المصدقين للسلسلة الجليلة الشيخية و ما املأنا اسماع الناس من امر الركن الرابع فلبسوا علي بعض [ص 176] الجهلة امرهم و نسبوا انفسهم الي هذه السلسلة و تسموا بالباب و الركن و الذكر حتي يميل اليهم قلوب الشيخية و ينالوا باجتماعهم عليهم مطلبهم و القوا في الناس و شهروا انه العدل المرجو في آخر الزمان و انه مأمور عن صاحب الزمان صلوات الله عليه باقامة العدل و البرهان حتي يميل اليهم قلوب المترقبين لتغيير الامر و يبلغوا بذلك ما في قلبهم من الرياسة و هيهات هيهات يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره المشركون و نعم ما قال الشاعر :
لزين الدين احمد نور فضل تضاء به القلوب المدلهمة
يريد الحاسدون ليطفئوه و يأبي الله الا ان يتمه
فارادوا بذلك افساد امر هؤلاء السلسلة الجليلة و اخماد ذكرهم و ابطال امرهم و زعموا ان هذا الرجل بالنسبة الي الشيخ و السيد اجل الله شأنهما و انار برهانهما [ص 177] و بالنسبة الي سلمان و ابيذر و اضرابهما من كل عصر و قرن كالروح من الجسد و هم مأمورون ان يتوسلوا الي الله بولاية هذا الرجل و يتقربوا اليه به و يعبدوه نعوذ بالله كما قدمنا نقله من مقترفاته الركيكة هكذا يمحق الله الباطل و يحق الحق بكلماته و غفلوا عن ان لهم عليهم السلام في كل خلف عدولا ينفون عن دينهم تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و يكفيك في هذا الباب هذا المقدار و صلي الله علي محمد و آله الاطهار ما اختلف الليل و النهار .
في علامات النقباء و النجباء و هذا الباب من المهمات اذ قل ما ذكر في خطاب او دون في كتاب و نحن قد كتبنا مفصلا في اثبات وجودهم في كل عصر و جعلناه في تلو فصول فصل في الاستدلال عليه من الكتاب و فصل في الاستدلال عليه من السنة و فصل [ص 178] في الاستدلال عليه من دليل الحكمة و فصل في الاستدلال عليه من دليل الموعظة الحسنة و فصل في الاستدلال عليه من دليل المجادلة بالتي هي احسن و فصل في الاستدلال عليه من الامثلة الآفاقية و الانفسية من كلتيهما و فصل في الاستدلال عليه من اجماع جميع الملل و النحل علي لزوم الركن الرابع في كل شرع و امة و قد خرج كتاب لميسمح بمثله الدهور و ينبغي ان يكتب بالنور علي وجنات الحور و لكنا اقتصرنا هناك علي محض اثبات وجودهم و لزوم الايمان بهم و تولاهم و اتباعهم و لمنذكر فيه علامتهم حتي يعرفوا بها لعدم سؤال السائل عنها و لما كان وضع هذا الكتاب علي ابطال امر هذا المنتحل العنيد و امثاله من ساير المبطلين التزمت ذكر بعض علامتهم حتي لايلتبس علي المسلمين امرهم بعد ذلك و ان كان ،
اذا انبجست دموع في الخدود تبين من بكي ممن تباكي [ص 179]
و نعم ما قال الشاعر :
ثوب الرياء يشف عما تحته و ان التحفت به فانك عاري
و ان الله سبحانه لايصلح عمل المفسدين و قال لايفلح الساحر حيث اتي و يحق الله الحق بكلماته و يقطع دابر الكافر الا ان هذا الذي نكتب ايضا من اسباب ازهاقهم و لا قوة الا بالله و من آلات افساد امرهم و ابطال دعاويهم فانه ليس فيه شئ الا من كتاب الله و سنة نبيه و آثار آله صلوات الله عليهم فنذكر ما اردنا ايراده في تلو ثلثة فصول :
فصل - في معرفة مقام النقباء و النجباء علي سبيل الاجمال و الاختصار و اوصيك ايها الناظر في هذه الكلمات اولا ان تعلم ان كل مطلب من المطالب و ان جل و عظم لايكون حقا و لايجوز الاعتقاد به الا ان يكون موافقا لكتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و اجماع المسلمين فان هذه الثلثة لا شك فيها و لا ريب [ص 180] يعتريها و قد وقع عليها تقرير الله سبحانه و هي امور محسوسة يعرفها كل احد فهي الميزان القويم و القسطاس المستقيم و كلما حاد عنها حاد الي النار و يصلي قائله دار البوار جهنم يصليها و بئس القرار و اني لست اجاوزها رأس شعيرة بحفظ الله سبحانه و هدايته و القول الفصل المحكم اولا ان الله سبحانه لايوصف بصفة نبيه صلي الله عليه و آله و لاينزل الي حده و مقامه بذاته و النبي صلي الله عليه و آله لايوصف بصفة الامام و لاينزل الي حده و مقامه بذاته و الامام عليه السلام لاينزل الي رتبة الشيعة بذاته و لايوصف بصفتهم و من زعم شيئا من ذلك فهو مقصر مرتاب ناصب و كذلك الشيعة لاتصعد الي مقام الامام لا بذاته و لا بصفته فتكون اماما و الامام لايصعد بذاته و لا بصفته الي رتبة النبي صلي الله عليه و آله فيكون نبيا و النبي لايصعد بذاته و لا بصفته الي رتبة الازل جل شأنه فيكون ازلا و من زعم شيئا من ذلك فهو غال كافر مشرك [ص 181] فالله هو الاله الازلي القديم و النبي هو نبي كريم و الامام هو امام عظيم و الشيعي شعاعهم الفخيم و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون تعالي الله ان يتخذ ولدا سبحانه و تعالي عما يشركون و هذا هو المحكم الذي لا شك فيه في ظاهره و خافيه و من ابتغي وراء ذلك فاولئك هم العادون فما سمعت في تلو العبارات من كلمات متشابهات فردها الي المحكمات تهتدي الي البينات الواضحات و ليس ايرادي المتشابهات في اثناء العبارات من جهة تضليل او تعمية او نقص في البلاغات اذ ما من حكيم تكلم الا و في كلامه من المتشابهات و لكن يجبرها بالمحكمات حتي ان الائمة الهداة و سيد الكاينات و خالق البريات في كلامهم المتشابهات اذ رب مطلب لايمكن التعبير عنه الا باللفظ المتشابه و لا لفظ ادل عليه من المتشابه فتقتضي البلاغة الاتيان به لاداء ما يريد من غامض مراده و اياك ان تترك المحكمات و تتمسك كالذين في قلوبهم زيغ [ص 182] بالمتشابهات فتضل عن السبل الواضحات و قد اديت النصيحة و الله خليفتي عليك و لا قوة الا بالله العلي العظيم ، اعلم ان الله سبحانه كان و يكون في الازل اذ لا كان و لا يكون و لا ازل و لا اسم و لا صفة ممتنعا عن كل ما سوي ذاته الاحدية فليس معه شئ ابدا و هو صمد لميلد و لميولد و لميتحرك و لميتغير هو علي ما عليه كان اذ لا هو و لا كان ابدا ازلا اذ لا ابد و لا ازل غير ذاته الاحدية اذ لا احد سواه فتجلي لكل شئ حتي ماخلي من تجليه شئ و لميكن ظهور لشئ الا له لامتناعه عما سواه و تنزهه عنه فاحتجب بسبوحيته عما سواه و خفي بقدوسيته عما دونه مع انه لا ظهور الا له و لا نور الا نوره و لا صوت الا صوته فخفي لشدة ظهوره و احتجب لعظم نوره فسبحانه من خفي ما اظهره و تقدس من ظاهر ما استره فاخترع ما اخترع لا من شئ و ابتدع ما ابتدع لا لشئ لميخلقه من اصول ازلية و لا علي امثلة قديمة فبه احتجب منه و امتنع عنه فبحجب بعضهم عن [ص 183] بعض علمهم انه ليس بمحجوب عن احد منهم ابانة للخالق عن المخلوقين و ان الحجاب بينه و بين خلقه خلقه اياهم لامتناعه مما يمكن في ذواتهم و لامكان ذواتهم مما يمتنع عنه ذاته لافتراق الصانع من المصنوع فبالتهائهم باعيانهم المحدودة اللازمة لهم الممتنعة الانسلاب عنهم حجبوا عن الحاد و غفلوا عنه اذ الآلات تحد انفسها و الادوات تشير الي نظايرها فيمتنع عليهم بالبصاير المحدودة ان يدركوا غير المحدود و الزمهم الحدود فليسوا هم هم الا بها فهم لايدركون ما سويهم مما هو ليس من جنسهم و ذلك من اعلي الدرة الي اسفل الذرة علي شرع سواء فاول ما خلق لا من شئ و لا لشئ التجلي الاعظم الاعظم الاعظم فخلقه علي الموصوفية و بها احتجب عنها و هي حجاب العماء ثم علي الوصفية و بها احتجب ثانيا عنها و هي حجاب الضياء ثم علي الكينونة و بها احتجب عنها ثالثا و هي حجاب النور ثم تجلي بهذه الكينونة الاحدية و الآية الغيبية [ص 184] و عنوان الفردانية ثانيا و اشرق منه نور كاشراق شعاع الشمس من الشمس و حكي له جميع المقامات الثلثة و بها احتجب عنها ثم خلقه علي المعنوية الجبروتية و بها احتجب عنها رابعا و هي حجاب الدرة البيضاء و حجاب البهاء ثم علي البرزخية الكبري و بها احتجب عنها خامسا و هي حجاب الزعفران ثم خلق به محمدا صلي الله عليه و آله و احتجب بالتجلي و به عنه و به امتنع منه و كان مبدؤه في الاظلال و هي حجاب الزبرجدة الخضراء و حجاب السناء و آخر مقاماته الملك و به احتجب عنه و هو حجاب الكبرياء و المجد فبه احتجب في كل مقام عنه و به امتنع منه فلايمكن له صلي الله عليه و آله الوصول اليه و الادراك له من اعلي مشاعره الي غاية مداركه و لذلك قال صلي الله عليه و آله ماعرفناك حق معرفتك ، و هو سبحانه محجوب عنه به كما هو محجوب عن ادني الخلق فهو المحجوب عن الغيبة الممتحن بالحجاب ثم اذا كمل [ص 185] خلقه و تم وجوده تجلي الله سبحانه به للانبياء فخلقهم في مكان وجودهم و مراكز شهودهم و احتجب بالتجلي و به و بهم عنهم فاوقفهم من وراء حجبهم و احتجب بها عنهم لضعف ابصارهم عن درك انوار الحجب العليا و الاستار العظمي فحجب بعضهم عن بعض بحدودهم ليعلموا ان الحجب العلياء ليست بمحجوبة عنهم و انما هم موقوفون من وراء الحجاب اللازمون لظاهر الباب و الحجاب بينهم و بين الحجاب الاعظم خلقه اياهم و امتناعه مما يمكن في ذواتهم افتراقا للصانع من المصنوع و الحاد من المحدود و لما كانوا كذلك و لايحيطون بما هنالك تجلي لهم بهم و كلفهم بما عرفهم اذ لايكلف الله نفسا الا وسعها و ما آتيها و لما كان لهم مراتب من اعلي وجودهم الي آخر شهودهم فمنها ما هو محدود بالحدود الجسمية الملكية و منها ما هو محدود بالحدود النفسية الملكوتية و ليس لهم فوق ذلك مدرك وجودي يخصهم و الذي لايخصهم ليس منهم [ص 186] و لايمكن لواحد منها ان يتجاوز حده و يدرك فوق مبدئه و كل واحد منها من عالم الحدود و التمايز و الفصل و لاتدرك آلاتهم الا نظائرهم و لاتحد ادواتهم الا اشباههم و ما يدركون من غير محدود فانما هو وجداني لا وجودي فانهم محجوبون بالغيبة ممتحنون بالصورة و مخلوقون في الحد للحد بالحد فاني لهم بمدرك غير محدود وجودا و انما هو وجداني يعني يكشفون السبحات بعدم الالتفات مثل انك تنظر مرة بعينك الي ضياء السراج غافلا عن لونه و مرة تنظر الي لونه غافلا عن ضوئه و مرة تنظر الي هيئته غافلا عن لونه و ضوئه و مرة تنظر الي بعده او قربه او مكانه او وقته او جهته او رتبته و في كل واحد تغفل عما سواه بحيث لاتراه و ليس بان عينك منزهة عن اللون و الكم و الكيف و الوضع و الجهة و الرتبة بل هي مخلوقة فيها موجودة بها مجبولة عليها و انما تغفل عنها بعدم الالتفات و قصر الالتفات الي جهة خاصة منه و عينك [ص 187] من جنسه و هو من جنس عينك و لولا ذلك لمتدرك صفاته باجالة التفاتك فكذلك مبدؤ الانبياء هو نفسهم الملكوتية الالهية اذ موسي مثلا ممتاز من عيسي و نوح ممتاز من ابرهيم و الامتياز ليس الا بالحد و الصورة فما لميكن حد ليس موسي موسي و لا عيسي عيسي فهيئة موسي الممتاز بها عن عيسي موجودة من اول وجود موسي الي آخر شهوده و حيثما لا هيئة لا موسي ففوق الهيئة الموسوية لا مدرك لموسي و لا وجود و لا ذكر فاول مقام موسي من نفسه و هكذا كل موجود و لايمكن للشئ خرق حجاب نفسه و هي الحجاب الزبرجدة الخضراء التي كان النبي صلي الله عليه و آله ورائها و كان يتلألأ بخفقان و اضطراب و هو المشار اليه في حديث روي من الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل كم عرج برسول الله صلي الله عليه و آله فقال مرتين فاوقفه جبرئيل موقفا فقال له مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفا ماوقفه ملك قط و لا نبي ان ربك [ص 188] يصلي فقال يا جبرئيل و كيف يصلي قال يقول سبوح قدوس انا رب الملئكة و الروح سبقت رحمتي غضبي فقال اللهم عفوك عفوك قال و كان كما قال الله قاب قوسين او ادني قيل ما قاب قوسين او ادني قال ما بين سيتها الي رأسها فكان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لااعلمه الا و قد قال زبرجد فنظر في مثل سم الابرة الي ما شاء الله من نور العظمة الخبر ، اقول نور العظمة هو بعينه نور ذلك الحجاب اي النور المنطبع فيه من نور الجلال و الي ذلك الاشارة بقول رسول الله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره و اشعة من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانينالف سنة ثم سجد لله تعظيما ففتق منه نور علي عليه السلام فكان نوري محيطا بالعظمة و نور علي محيطا بالقدرة الخبر ، اقول هذه القدرة مؤخرة عن تلك العظمة اذ المراد بها القدرة الظاهرة و اليه الاشارة بقول علي بن الحسين عليه السلام في حديث ابيحمزة [ص 189] ان الله عز و جل خلق محمدا و عليا و الائمة الاحدعشر من نور عظمته ارواحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق يسبحون الله عز و جل و يقدسونه الخبر ، و بقول ابيجعفر عليه السلام في حديث جابر ان الله خلق اربعةعشر نورا من نور عظمته قبل خلق آدم باربعةعشرالف عام فهي ارواحنا و في حديث آخر له عنه عليه السلام كان الله و لا شئ غيره لا معلوم و لا مجهول فاول ما ابتدأ من خلق خلقه ان خلق محمدا و خلقنا اهل البيت معه من نوره و عظمته فاوقفنا اظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء و لا ارض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس الخبر ، و عن الثمالي عن ابيجعفر عليه السلام انه قال ان الله سبحانه تفرد في وحدانيته ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ثم خلق من ذلك النور محمدا و عليا و عترته ثم تكلم بكلمة فصارت روحا و اسكنها في ذلك النور و اسكنه في ابداننا [ص 190] فنحن روح الله و كلمته احتجب بنا عن خلقه فمازلنا في ظل عرشه خضراء مسبحين نسبحه و نقدسه حيث لا شمس و لا قمر و لا عين تطرف ثم خلق شيعتنا و انما سموا شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، و قد ذكرنا هذه الاخبار لتعلم ان مبدأ وجود محمد صلي الله عليه و آله و آله انفسهم الشريفة و مبدؤ وجود الانبياء انفسهم اللطيفة و كذلك مبدء وجود كل شئ نفسه و هي حجاب لايمكن خرقه لشئ وجودا و ان لميلتفت حينا ما الي حدوده وجدانا و ذلك حقيقة قد خفيت علي الاكثرين و لميفهموا مراد السلف من متشابهات كلامهم و لميردوها الي محكماتها و كذلك مبدء وجود محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته الممتاز بعضهم عن بعض هو مقام نفسهم الشريفة و العقل الخاص به هو ما انطبع في مرآة نفسه و كذلك العقل الخاص بكل واحد واحد هو ما انطبع في مرآة نفسه و ان كان بواسطة و اما ما فوق ذلك فهو عالم الامر و لا اختصاص له [ص 191] باحدهم صلوات الله عليهم بالجملة جميع ما ذكر في هذه الاخبار من مبدء وجودهم من حجاب الزبرجدة او نور العظمة او الاظلة او ظل العرش خضرا او جلال العظمة المراد به النفس كما برهنا عليه في مباحثاتنا و ساير رسائلنا و اول مقام كل شخص نفسه ذات الصور الجزئية بها يكون الشخص شخصا ممتازا عن غيره و اما ما فوق الصورة الشخصية لا امتياز و لا خصوصية لفرد دون فرد و لايمكن لاحد ان ينسلخ عن الصورة الشخصية وجودا حتي يدرك الشئ بكليته نعم يمكن عدم الالتفات الي الكثرة الشخصية وجدانا ، مثال ذلك ان الشئ مركب وجودا من وجود و ماهية و لايتفككان ابدا فيبطل الشئ و يخرج عن الاكوان الي الامكان فان ما دخل في الاكوان لايخرج الي الامكان ابدا و الوجود جهته الي ربه و الماهية جهته الي نفسه و مع ذلك هو قد يطيع و كل طاعة من جهة الرب و لاينسلخ الشئ عن جهة النفس حين يطيع و قد يعصي و كل معصية من جهة النفس [ص 192] و لاينسلخ عن جهة الرب حين المعصية و لكنه حين المعصية يستعمل تلك الجهة النفسية و تشيعها جهة الرب وجودا و حين الطاعة يستعمل جهة الرب و تشيعها جهة النفس وجودا و لاتتفككان في حال من الاحوال و انما يطيع بتغليب جهتها كونا و يعصي بتغليب جهتها كونا فكذلك يدرك الوحدة و الحقائق باستعمال جهتها و تغليبها و قطع النظر عن الكثرة و يدرك الكثرة و الصفات باستعمال جهتها و تغليبها و قطع النظر عن الوحدة و هو في كلا الحالين ليس له جهة وحدة صرفة غير مركبة مع جهة الكثرة و لا جهة كثرة صرفة غير مركبة مع جهة الوحدة فالشئ هو من النفس فما دونها و لها جهة عقلانية انطبعت في مرآتها من شبح الامر و فؤادية انطبعت فيها من ما في الامر من آية الله و عنوانه فآية الله ملقاة في الامر و شبح الامر مع ما فيه من المثال الملقي منطبع في النفس ففؤاد الشخص هو شبح ذلك المثال الملقي في الامر المنطبع في شبح [ص 193] الامر المنطبع في النفس و عقله هو شبح الامر الملقي في مرآة النفس و لو كان عقل الشخص كليا لكان اذا نظر بنظر عقلاني عقل من كل فرد بلا تخصص بفرد دون آخر و اذا نظر بفؤاده المجرد عن الكلية و الجزئية يكون هو حقيقة كل شئ و محرك كل شئ و اصل كل شئ و الحال خلافه و لذلك صار نبي يعلم شيئا لايعلمه نبي آخر و ولي يعلم شيئا لايعلمه ولي آخر مع ان كل واحد صاحب نظر فؤادي و عقلاني فتبين و ظهر ان فؤاد كل شئ فؤاد مخصوص به فهو محدود بحده و عقل كل شئ عقل مخصوص به محدود بحدوده و كلية العقول اضافية و تجرد الافئدة اضافي و العقل الكلي الحقيقي هو عالم الامر و الفؤاد المجرد الحقيقي هو مقام العنوان الحقيقي للعالم فافهم فانه عميق و هو علي خلاف ما فهمه الجاهلون فهذا الامر هو الذي لا تخصص له بشئ دون شئ و هذا العنوان هو الذي لا تخصص له بشئ دون شئ و عقل [ص 194] محمد صلي الله عليه و آله هو العقل الكلي بالنسبة الي ما دونه لا عالم الامر اذ هو محل مشية الله و وعاؤها و وكرها فافهم ان كنت تفهم فقد اسقيتك ماء غدقا و لاتزعم اني اذا ماغلوت قصرت فاني ان فهمت ما ذكرت ارقيتك الي مكان لميخطر ببالك ابدا و اصعدت الناس عما كانوا فيه الا انهم كانوا فيما كانوا عميانا و جهالة و كانوا يقولون ما لايجوز و انا ذكرت ما ذكرت بما يرضي الله به و رسوله و اعظم مما تريدون و تظنون او يبلغه اوهامكم فتبصر و لنرجع الي ما كنا فيه فان ما ذكرنا جري علي لسان القلم من باب ان الكلام يجر الكلام ، فنقول بعد ما تم وجود الانبياء و انتهوا الي شهودهم سطع من منتهي وجودهم الذي به تمامهم نور و شعاع به خلق الله المؤمنين و مبدؤهم انفسهم الطيبة الزكية فاحتجب الله بها عنهم و بها امتنع منهم ثم نزلهم الي آخر وجودهم الذي هو اجسادهم الطاهرة فبها احتجب الله عنهم و بها امتنع منهم و الزمهم في كل [ص 195] مكان حدهم و باحتجاب بعضهم عن بعض عرفهم في كل مقام انه غير محجوب عنهم بنفسه و انهم محجبون بانغمارهم في بحار الكثرات عن درك الحاد لهم في حدهم و لما كانوا كذلك استمحل لبوارع ثاقبات فطنهم درك مقام الانبياء و امتنع للطائف غايصات ذكاواتهم فهم رتبة الاولياء و لو ساروا في بوادي التفكر اياما و غاصوا في بحار التدبر اعواما اذ كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايعلو علي حده و ادواته تحد انفسها و آلاته تشير الي نظائرها و هكذا في كل رتبة من المراتب الطولية علي نحو ما ذكرنا ، ثم مقام الاناسي قد فهمت ان اعلاه مقام النفس و اسفله مقام الجسم و بينهما مقام الطبيعة و المادة و المثال و هذه ايضا هي الاشباح المنطبعة في مرآة الجسم فالطبيعة هي آية العنوان المنطبع في مرآة النفس و المادة هي آية العقل المنطبع فيها و المثال امر برزخي بين الظهور و المظهر كالروح البرزخ بين العقل و النفس و كما بينا في الفؤاد و العقل كذلك نقول هنا ان [ص 196] الطبيعة ليست بمجردة حقيقة و المادة بكلية حقيقة بل هما مخصوصتان بكل فرد فرد و ليست الطبيعة المجردة الشهودية المطلقة من مراتب كل فرد و لا المادة الكلية من مراتب كل فرد و لو كان كذلك لكان الواصل الي مقام المادة هو المتصور بكل الصور و الفاعل بكل الايدي و المستعمل لكل آلة و لكان يجب ان يدرك جميع ما في عالم الاجسام و المثال بحيث لايغادر عنه صغيرة و لا كبيرة الا احصاها جمعا في آن واحد لا علي سبيل التتابع مرة بعد اخري شيئا بعد شئ فان الطبيعة و المادة في الكل موجودتان في آن واحد و اذا كانتا ذواتي شعور اشعرتا من الكل في الكل بالكل الكل في آن واحد و الحال انه ليس كذلك فان الانبياء و الاولياء كانوا يغفلون عن جهات كثيرة فان قلت انهم لميبلغوا هذا المقام او بلغوا و لكن كان لهم حال عارض لا مستقر فيكذبك اصول المذهب ثم من الذي وصل الي ذلك المقام بعد و من يطمع ذلك بعد و ان قلت انهم كانوا واصلين [ص 197] الي مقام المادة و الطبيعة بل جايزين فيثبت ما ذكرت ان الطبيعة التي هي من مراتب الانسان التنزلية ليست مجردة و ان المادة ليست كلية بل هي الطبيعة الخاصة و المادة الخاصة و لذا صار مقامات الواصلين الي هذين المقامين مختلفة في السعة و الاحاطة و كان كل علي قدر معلوم و لكل منا مقام معلوم و خصوصيتهما تحصل في الجسد فانه ليس هناك مقام صورة و لذا اشتبه علي الجهال فزعموا تجرد واحدة و كلية اخري فهما شبحان منطبعان من مبدئهما الذي هو النفس في الجسم علي طبق ما ذكرنا في النفس حرفا بحرف و انما يستعمل الانسان احد ذينك الشبحين و يغفل عن غيره وجدانا فاذا استعمل احد الشبحين و غفل عن الغير وجدانا لايدل علي ان له مدركا ماديا او طبيعيا منفصلا عن الجسم و الصورة و يجب ان ينسلخ عن الجسم وجودا حتي ينظر بتلك المدارك الاتري انك قد تنظر الي شئ و انت غافل عن جميع حدوده و صوره ملتفت الي نفسه و حقيقته [ص 198] و انت في تلك الحال لا شك انك ناظر بحقيقتك اليه فان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و هذا المقام يحصل لكل احد في ادراك كل شئ و ليس في تلك الحال يدرك كل شئ اذا نظر بمدرك حقيقي و ليس ينسلخ عن جسمه فافهم ما اقول لك و اني كررت العبارة و رددت الاشارة لانه كان مطلبا بديعا لمتسمعه و لمتدركه ففي الحقيقة نفس و جسم و النفس هي التي تعبر عنها بالروح و الروح تعبر عنها بالنفس كقوله الله يتوفي الانفس حين موتها فلا شئ الا روح و جسم و كل انسان له روح و جسم روحه مجردة ملكوتية و جسمه مركب مادي ملكي و الروح لها ثلث مراتب فؤاد و عقل و اسفلها النفس و الجسم له ثلث مراتب طبع و مادة و اسفله الجسم فالفؤاد هو الظاهر و العقل هو الظهور و النفس هي المظهر و كذلك الطبع هو الظاهر و المادة هي الظهور و الجسم هو المظهر فالشبح المنطبع في مرآة النفس له جهتان جهة الظاهر و جهة الظهور و الشبح [ص 199] المنطبع في الجسم له جهتان جهة الظاهر و جهة الظهور فمثل الجسم و النفس كالمرآة الموضوعة تحت الشمس و الشبح المنطبع فيها كالشمس المنطبعة فيها و للشمس المنطبعة فيها المنصبغة بصبغها المتهيئة بهيئتها المخصوصة بها الممتازة عن الشمس المنطبعة في اختها التي هي بخلافها جهتان جهة الي الشمس و جهة الي اشراقها فجهتها التي هي الي الشمس هي الظاهرة و جهتها التي الي اشراقها هي الظهور و تلك الشمس و تلك المرآة هي التي اشار اليها علي عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و نريد بالمرآة نفس الشبح و هي المظهر فانت اذا نظرت الي المرآة مرة تنظر الي نفس المرآة و تغفل عن الشبح المنطبع فيها وجدانا مع ان الشبح موجود فيها كونا و مرة تنظر الي الشمس المنطبعة فيها من حيث انها ضوء و نور و مرة تنظر الي الشمس المنطبعة فيها من حيث الظاهرية للشمس غافلا عن انها ظهور شئ [ص 200] و شبح شئ بل تنظر الي الشمس و تري الشمس لكن في كل تلك الحالات لميقع نظرك الا علي المرآة و لمتر الا الشمس المنطبعة فيها و لمتدرك الشمس التي في السماء و هذه الشمس مخصوصة بهذه المرآة كونا الا انك تغفل عن خصوصية المرآة مثل انك ربما تنظر الي الثوب و تري صبغه و ربما تنظر الي الثوب و تري خامه غافلا عن لونه و ليس انك حينئذ ادركت كل خام في الدنيا و احطت بجميعها خبرا حيث نظرت الي الخام مجردا عن اللون و ربما تنظر الي الثوب مجردا عن كل حدوده و ذلك يحصل دائما لكل احد و ليس يدرك حينئذ كل خام في الدنيا و لايحيط بها اذ ادرك هذا مجردا فكذلك اذا التفت الي الجسم و النفس فربما ينظر الانسان بنظر مادي او طبيعي او عقلاني او فؤادي و يدرك المادة او الطبيعة او العقل او الفؤاد و مع ذلك لايحيط بجميع المواد و الطبايع و العقول و الافئدة فان كل شئ لايتجاوز حده و لايهتك حجاب نفسه [ص 201] غاية الامر يقطع النظر وجدانا عن جهة و ينظر الي جهة نعم الله سبحانه محيط بكل شئ بعلمه و قدرته و امره و حكمه و رحمته و معانيه و مشيته و ارادته و قدره و قضاه فلايعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و علمه بها جمعي لا تتابعي بان يعلم شيئا و يغفل عن شئ ثم يلتفت اليه فيخص به الفؤاد المجرد و العقل المطلق و الروح المطلقة و النفس المطلقة و الطبيعة المطلقة و المادة المطلقة و المثال المطلق و الجسم المطلق و هي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه و بينهم الا انهم عباده و خلقه فتقها و رتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه ، و ليس ذلك لاحد دونه و لما كان مطلق الشعور لها قال « بينهم الا انهم » تنبيها علي شعورها و اما العقل الكلي و الروح الكلية و النفس الكلية و الطبع الكلي و المادة الكلية و المثال الكلي و الجسم الكلي فهي من مقامات مشيته [ص 202] و امره و معانيه التي يتوسل بها ولاة امره المأمونون علي سره المستبشرون بامره الواصفون لقدرته المعلنون لعظمته « فالمعلنون للعظمة » مقام اجسامهم ، العظمة هي النفس و اعلانها في الجسم و اما « الواصفون للقدرة » فمقام نفوسهم فان القدرة مقام العقل و وصفها في النفس و اما « المستبشرون بالامر » فمقام عقولهم فان الامر هو مقام المشية و الاستبشار بها في مقام العقل و اما « المأمونون علي السر » فمقام افئدتهم فان السر هو مقام العنوان و استومنت عليه الافئدة و مقام ولاة الامر فوق ذلك اذ تلك صفاتهم ، و اما ما سوي هذه المقامات المطلقة و الكلية فهي مقامات الجزئيات التي لاتحيط بكل شئ خبرا و يعلم كل واحد شيئا و يغيب عنه شئ فالمقامات المطلقة مقامات الاحدية المشار اليها في الدعاء رب ادخلني في لجة بحر احديتك ، و المقامات الكلية مقامات الواحدية و هي المشار اليها في ذلك الدعاء و طمطام يم وحدانيتك ، و جميع ما سويهما مقامات الكثرات [ص 203] و الجزئيات و شئون التجليات و اطوار الظهورات و ليس شئ منها مرآة لتمام الاسماء و الصفات فان كل واحد منها مخصوص بحد خاص به امتاز عن ساير الجزئيات و سائل بلسان حده ما يقتضيه حده من خالق البريات و جاذب بطبع ما هو عليه من المبدء في كل الحالات فلايعطي الا ما يقتضيه و مااعطي الا ما يرتضيه لو كشف الغطاء لمااخترتم الا الواقع فالواحد اي العقل الكلي في كل رتبة من المراتب العرضية في المراتب الطولية نازل و هو قلب كل مقام و وسط الكل كما قال علي عليه السلام العقل وسط الكل ، و كلي كل رتبة عقل تلك الرتبة و سمي الله العقل قلبا حيث قال ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد كما قال موسي بن جعفر عليه السلام لهشام ان الله يقول في كتابه ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب يعني عقل ، فقلب كل رتبة عقلها و العقل وسط الكل و هو الواحد الذي لا ثاني له في تلك الرتبة لانه [ص 204] مركزها و المركز لايكون الا واحدا و سر صيرورته مركزا مع انه الكلي المحيط كما وصفه علي عليه السلام في حديث آخر العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهي علة الموجودات و نهاية المطالب ، و كذا ظهر في كل عالم بالاحاطة فان عرش كل عالم عقله و محيط به من جميع جهاته فسره ان محيط الدائرة ابعد اجزائها عن الوحدة و هو غاية الكثرة و مركزها و واحدها اشبه اجزائها بالوحدة الحقيقية التي هي صفة المبدء فالمركز هو الاقرب الي المبدء لوحدته و المحيط هو الابعد عن المبدء لكثرثه و كل متكثر محيط الدائرة و متوحدها مركزها فلما كانت ارض كل عالم ابعد اجزائه عن المبدء و غاية تكثره و نهاية بعده فكانت هي محيط الدائرة و لما كان عرش كل عالم اقرب اجزائه الي المبدء فكان مركزه الا ان المركز اي العرش لكثرة توحده و حرارته الحاصلة من قربه من المبدء و بساطته اقتضي الانبساط [ص 205] التام و الاحاطة الحسية و المحيط اي الارض لتكثرها و بردها الحاصل من بعدها عن المبدء و جمودها الحاصل من برد البعد انزوت و تكاثفت و صغرت حسا فوقعت في غاية البعد عن المبدء فاذا قلبت العالم و تصورت العرش داخلا و باطنا و الفرش خارجا و ظاهرا حصل لك المطلب و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد ، و ليس مرادي من هذا التصوير ان تخرج الفرش عن جوف العرش او تكبيره بل مقصودي ان تعلم ان العرش باطن و الفرش ظاهر و الباطن مركز محيط دائرة الظاهر فمظاهر الواحدية في كل عالم عرشه و عقله و وسطه و مركزه و قطبه و باطنه و قلبه و كثرات ذلك العالم هي الدائرة و ابعد اجزائها محيط الدائرة و ساير اجزائها كل في مقامه و حده و لنعم ما قال صاحب البردة :
و واقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم [ص 206]
و اما الاحد في كل عالم فهو مطلقه و هو غيب الواحد قد زيد فيه الواو لوقوعه في وسط الحدود الستة و صيرورته مركزها مستوليا عليها و اما غيبه المتعالي عن حدود هذه الدايرة فهو مقام الاحد في كل رتبة فمقامات الاحدية تختلف بحسب المراتب و غيب واحد كل مقام مقام الاحد و تجليه لاهل تلك الرتبة و هو يتجلي بالواحد و الواحد هو القائم مقامه في ساير تلك الدائرة في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار و لو شاء ان يتجلي بغير الواحد لفعل و لكنه جعل الواحد آية تعريفه و تعرفه فالواحد هو من اهل الاعراف الذي لايعرف الاحد الا بسبيل معرفته فمن عرفه فامامه يقين و من جهله فمقامه سجين فمن عرف الاحد من اهل الدائرة فانما عرفه بالواحد فانه لميتجل الا به و لميظهر الا فيه و كل ما سوي الواحد اي المركز في الدايرة هو مظهر التثنية و التثليث [ص 207] و التربيع و لايكشف شئ منها عن الاحد و لايسعه ان يستبد في معرفة الاحد لان الواحد هو صورة الاحد الانزع عن جميع الكثرات التي في ساير الاجزاء و ساير الاجزاء فيهم شركاء متشاكسون و الواحد سلم لاحد لايتوجه الي سواه و لايحكي و لايروي الا عنه و لايحكم بحكم الاحد في الدائرة الا الواحد و لايؤدي عنه الا هو و هو منه و اليه و له فالواحد نفس الاحد التي قابلت الصفوف و لمتكترث بالالوف اي صفوف الكثرة و الوفها و من يقل من اهل الدائرة اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم لانه لايؤدي عن الاحد الا هو و لايوصل اليه احد سواه فذلك الواحد كما بينا و شرحنا هو مقام الكلي في كل رتبة و الاحد هو مقام المطلق و كلاهما كما عرفت مخلوقان مربوبان الا انه سبحانه خلقهم هكذا اتقانا للصنع و احكاما للبدع و جريا علي نهج الحكمة و الصواب في البدء و الاياب و ذلك من كرم الكريم الوهاب ثم لما كان مقام الواحد [ص 208] مقام الكلي كما عرفت و اول مقام كل مخلوق جزئي نفسه فاذا تنزلت من مقام المركز الكلي وصلت الي مقام الجزئيات الا انها اضافية فكل جزئي من عرض الدائرة كلي بالنسبة الي ما دونه و جزئي بالنسبة الي ما فوقه و كل كلي قلب ما دونه و مركز دائرته و عقلها و باطنها و عليه تدور رحاها و ان كان بنفسه من اجزاء دائرة تدور علي مركز آخر و دائرة كل جزء و كل نقطة هي الاجزاء التي تفصلت فيها اسرار تلك النقطة و انطوت فيها جميع ما تفصلت في تلك الدائرة مثال ذلك دائرة الاجسام تدور علي الجسم الكلي و من اجزاءها الافلاك و العناصر و المولود منهما من الذهب و الفضة و الحديد و امثالها و الخشب و النجوم و امثالها و الفرس و البقر و الحمار و امثالها و الانسان و الكل يدور علي الجسم الكلي دورة واحدة و اما اذا نظرت الي الذهب مثلا هو نقطة من عرض الدائرة الا انه مركز دائرته و دائرته ما يصاغ منه من الحلي و الاواني و كلها تفاصيل نقطة الذهب [ص 209] دائرة عليه راجعة اليه قائمة به و من تلك الاجزاء مثلا الحديد و هو نقطة من عرض الدائرة الكبيرة الا انه مركز لدائرته و يدور عليه جميع ما يصاغ منه من المسحاة و المطرقة و العلاة و السكين و غيرها و كلها دائرة عليه راجعة اليه و هكذا فدائرة العالم تدور علي الواحد كما ذكرنا الا انك اذا تنزلت عن ذلك الواحد تري اجزاء اخر كل واحد منها مركز دائرة صغيرة دونه تدور عليه و تلك الدائرة تفاصيل شؤن تلك النقطة و تكثر وحدتها جارية علي طبعها مقهورة تحتها و هي مستولية عليها استيلاء الرحمن علي عرشه اي ملكه فاول ما يتفصل المركز الكلي الحقيقي يتفصل الي اربعة و ذلك سر سار في جميع الذرات في الدورات و حقيقة سر تفصيل الاحد الي الاربعة من المسائل المشكلة و قد فصلنا ذلك في رسالة كتبناها في جواب اسولة آقا محمدابرهيم الشيرازي و نشير الي ذلك هيهنا بقدر ما يتيسر ان شاء الله تعالي ، فاعلم ان الاحد سبحانه بنفسه لايتفصل [ص 210] و لايتنزل الي اربعة او غيرها و انما المتنزل و المتفصل هو الواحد الحادثي و الواحد في الحادث اثر فعله سبحانه اوجده لا من شئ و انت تعلم ان الحادث يلزمه التركيب و التأليف و الحد لان الاحد الحقيقي الغني عما سواه هو الازل سبحانه فالحادث لا بد فيه ان يكون له جهة الي ربه و جهة الي نفسه فانه محدود له مبدؤ و منتهي فمبدؤ وجوده مما يلي فعل ربه و هو اشبه الاشياء بفعله سبحانه لانه شئ بمشيته و منتهي وجوده هو غاية بعده عن فعل ربه و مقطع شهوده و ابعد مراتبه شبهاً بمشيته سبحانه فاعلاه في غاية اللطافة و النور و الكمال و الحرارة الممكنة في حده و اسفله في غاية الكثافة و الظلمة و النقص و البرودة الممكنة في حده و ذلك بديهي و انت تعلم ان جهته الي ربه ناظر الي ربه ابدا لا الي غيره فان بذلك النظر تشيئه و ثباته و وجوده و جهته الي نفسه ناظر الي نفسه ابدا لاينظر الي ربه ابدا و لذلك انقطع شهوده و انتهي وجوده و لمينفذ في [ص 211] ما دونه فهيهنا صار اثر الفعل في غاية البرودة النسبية و وصل الي السكون فلمينفذ فحصل هيهنا طبيعتان الحرارة و البرودة فالحرارة في الجهة العليا منه مما يلي الفعل و البرودة مما يلي النفس في الجهة السفلي و هما يابستان لاستقرار الجهة العليا في ظل الفاعل و عدم خروجها الي غيره و برد الجهة السفلي و جمودها و تكاثفها و انقباضها و هي المراد باليبس فيبس جهة النفس غير يبس جهة الرب و ليسا في الكيفية متشاكلين و هذا المعني ايضا مما لميعثر عليه الاطباء و الحكماء اذ وصفوا النار بالحرارة و اليبوسة و التراب بالبرودة و اليبوسة علي معني واحد كما يعلم من كيفية استنباطهم امزجة المركبات و اخذ التفاضل بين الرطب و اليابس و الحكم بالغالب مع انهم في موضع آخر وصفوا اليبوسة بعسر القبول للاشكال و الرطوبة بسرعة القبول للاشكال فقالوا بيبس التراب لعسر تشكله علي حسب المراد و برطوبة الماء لسرعة تشكله و قالوا ان الهواء ارطب لانه اسرع [ص 212] تشكلا علي المراد و علي حسب فعل المشكل من الماء فعلي ذلك نقول لهم ان النار كان يجب ان تكون ارطب من الهواء لانها ليست اجمد من الهواء و اغلظ بالبداهة بل هي الطف و ابسط و ارق من الهواء سبعين مرة حتي ان كرتها صارت تجري بمشايعة دوران الافلاك و ليس بحيث اذا ضغطها شئ او موجها لمتتشكل بل تتموج اكثر من الهواء بسبعين مرة فعلي هذا كان الواجب ان تكون النار ارطب من الهواء الا انهم نظروا الي فعلها في الابدان و ما هو اسفل منها و تجفيفها لها و من ذلك حكموا بيبسها و غفلوا عن ان تجفيفها للهواء و الماء كتجفيف الهواء الثوب الرطب و الماء مثلا و ذلك لانها تحيل الاجزاء اللطيفة في الهواء و الماء الي جنسها و تصعدها الي كرتها و تبقي الاجزاء الكثيفة في مركزها فبذهاب الاجزاء اللطيفة التي مقتضيها السيلان يصير الباقي جافا يابسا منجمدا كاجماد الهواء الطين و جعله اياها مدرا يابسا فالنار بهذا المعني ينبغي ان تكون [ص 213] ارطب من الهواء و اذا كان هذا سبب اليبس كان اللازم ايضا ان يكون الهواء يابسا و ان قيل ان الهواء بممازجته يسيل الجامد نقول لهم ان النار ايضا بممازجتها و غلبتها يسيل الجامد فانها سيالة فمعني اليبوسة في النار غير معني اليبوسة في التراب و كيفيتها غير كيفية يبوسة التراب فمعني يبوسة النار عدم ميلها الي شئ سوي ربها و استقرارها في ظل فاعلها و سيلانها الظاهر لاجل شدة مطاوعتها لامر فاعلها و سيلان الهواء ايضا لاجل مطاوعته لامر ربه كالماء الا ان النار اشد سيلانا لانها اشد مطاوعة لربها و الهواء اشد سيلانا من الماء لانه اطوع لربه من الماء و لكنه اغلظ من النار لانه اقل مطاوعة من النار و اما الماء فهو اشد سيلانا من التراب لانه اطوع من التراب و التراب اغلظ من الماء لانه ابطأ مطاوعة من الماء فسيلان الجواهر و جمودها و شدتهما و ضعفهما من جهة كثرة القرب الي المبدء و قلته لا شئ آخر و اما اليبس [ص 214] و الرطوبة فهو معني آخر غير السيلان الظاهر فمعني يبس التراب جمود نظره و حصر توجهه الي نفسه و معني يبس النار جمود نظرها و حصر توجهها الي ربها فلما كانت النار محصورة النظر الي ربها طالبة للصعود اليه و التراب محصور النظر الي نفسه طالبا للنزول امتنع الايتلاف بينهما عادة و جريا علي مقتضي العادة الربانية في حكمته فاحتيج في التركيب و الايتلاف الي رابط بينهما و الرابط لا بد و ان يكون له مناسبة الي كل واحد من الطرفين فيكون من حيث الاعلي مناسبا للنار فيكون حارا كالنار الا انه ينظر الي غير ربه من حيث الاسفل و من حيث الاسفل مناسبا للتراب فيكون باردا كالتراب الا انه ينظر الي غير نفسه اي ربه من حيث الاعلي و هذا النظر هو المراد من الرطوبة لا السيلان الظاهر و سرعة القبول للاشكال كما عرفت فحصل هنا طبيعتان اخريان الحرارة الرطبة و البرودة الرطبة فالاولي طبيعة الهواء و الثانية طبيعة الماء فهذا الرابط الف بين الطبيعتين [ص 215] الاوليين الحرارة اليابسة و البرودة اليابسة فامكن الامتزاج و الارتباط بينهما فدار الاعلي علي الاسفل بالفعل و الاسفل علي الاعلي بالانفعال فتم الكون و ثبت العين و ارتفع الشقاق من البين و كذلك تقدير العزيز العليم فان من حادث الا هو مركب من هذه الطبايع الا انها في المجملات علي الاجمال و في المفصلات علي التفصيل و في الغيب غيبية و في الشهادة شهادية و في الملك ملكية و في الملكوت ملكوتية و في الجبروت جبروتية و في السرمد سرمدية في كل شئ بحسبه فكانت هذه الطبايع في المركز مندمجا بعضها في البعض علي اشرف انحاء الاجمال و البساطة و الاعتدال الصرف الممكن في دائرة الاكوان و لذلك قلنا ان العقل ليس له مزاج خاص بل هو معتدل بين جميع الامزجة فمرة قلنا انه حار يابس و عبرنا عنه بالنار الماسة لزيت النفوس و قلنا ان الاسم المربي له قابض و مرة قلنا انه حار رطب و الاسم المربي [ص 216] له الرحمن و صرفنا اليه قوله عليه السلام اول ما خلق الله روحي ، و مرة قلنا انه بارد رطب و لذلك روي ان الماء يزيد في العقل و ان الاسم المربي له المحيي و مرة قلنا انه بارد يابس و المزاج السوداوي يجذب العقل و الفهم و مابعث الله نبيا الا و هو ذو مرة سوداء صافية و قلنا ان الاسم المربي له المميت و انه الموت الاول و الفناء الاول في جنب الله و انما كل ذلك لاجل ان فيه جميع الطبايع و يظهر بكلها من جهات مختلفة فالعقل الذي هو مركز الكون و كعبته و قطبه فيه هذه الطبايع الاربع علي ما عرفت فاذا تفصل في الدائرة اول ما يتفصل يتفصل الي اربع طبايع منفصلة كلية لا غير فينقلب الامر فيصير العرش رحمانا اي يصير ذلك الواحد الذي كان عرشا ذا انوار اربعة للاحد و كان الاحد بالنسبة اليه رحمانا مستوليا رحمانا بالنسبة الي ما دونه لانه اجمال بالنسبة اليه و ان كان تفصيلا بالنسبة الي الاحد و الرحمن اسم مشتق من [ص 217] الرحمة الواسعة يشمل الجهات الاربع كلها فانها اعطاء كل ذي حق حقه فالجهات الاربع موجود في الرحمن علي جهة صلوح الظهور بها فان معناه الرحمة و هي مأخوذة فيها الظهور بالجميع و التعلق بالكل فاذا تفصلت الرحمة و تنزلت و تعلقت بالقوابل و انحدت فيها و انبسطت عليها ظهرت باربع لان القوابل اربع كما اشرنا اليه من مراتب الاثر فالرحمة الرحمانية تتفصل اولا الي اربع و كل واحد من هذه الاربع مركز دائرته و قطب رحاه تدور عليه كما ذكرنا مكررا و ينقلب الامر ثالثا فيصير كل واحد رحمانا علي عرش دائرته مستويا عليها و هي تدور عليه علي التوالي و هو يدور عليها علي خلاف التوالي و كلتا الحركتين تورث الكرة لانها علي المركز و القطب لا المحور المورثة للدواير فاختص كل واحد من الاربع بجهة و انقسمت الدائرة العظيمة الي اربع جهات و صاروا هؤلاء الاربعة اركان العالم و اوتادها و كل واحد [ص 218] كعبة جهته تدحي ارض جهتها من تحتها و هي ام قريها و ابوها الاحد الذي فوقها الذي هو الواحد بالنسبة الي ما فوقها فمنه بدؤها و اليه عودها و هو جهتها الي ربها و وسيلتها الي باريها و وجهتها الي الله سبحانه التي بها يسألون الله و وجه الله اليهم الذي به يتوجه لطائفها الي الله سبحانه و به يتوجه الله اليهم ثم كل واحد من هذه الاربعة في جهته ينقلب احدا و يتجلي كل واحد في صقعه بوحدات كثيرة و هي تصير عرشه الذي عليه يستوي في تلك الجهة و هكذا كلما ينزل الامر يصير اركان العرش اكثر و كثرة تركيب الواحد اقوي و اشد و كل واحد واحد نسبي و عرش نسبي علي نحو ما عرفت مجمل القول فقد طال الكلام الي ما شاء الله فلنرجع الي ما كنا بصدد بيانه في هذه الرسالة و هو بيان مقام النقباء و النجباء ، اعلم ان كل اثر في كل رتبة له مراتب و مقامات بها تجلي العالي له و هو اسم العالي و صفته فلايسمي الا [ص 219] باسمه و لايضاف الا اليه و لاينسب الي سواه و له مراتب تخصه و تسمي باسمه اما هذه المراتب اي مراتب حيث الاثرية لا المؤثرية فلا بد و ان يكون له مبدؤ و منتهي بحسب مقامه كما هو ظاهر لاهله و قد بينا ان مبدء كل شئ نفسه و منتهاه جسمه و عرضه و ذكرنا ان النفس فيها من اشباح المبادي العليا علي حسبها و يختلف الناظرون اليها وجدانا و الا في الوجود هو هو مركب محدث محتاج و كذلك الجسم فيه من اشباح المبادي الوسطي بحسبه و يختلف الناظرون اليها وجدانا لا وجودا علي ما بينا و هذه النفس التي هي المبدء هي التي اشار اليها علي عليه السلام حيث قال الاعرابي يا مولاي و ما النفس اللاهوتية الملكوتية قال عليه السلام قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بدءت و عنه وعت و اليه دلت فاشارت و عودها اليه اذا كملت و شابهت و منها بدءت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي [ص 220] و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق ابدا و من جهلها ضل و غوي فقال السائل يا مولاي ما العقل قال العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهي علة الموجودات و نهاية المطالب ، تدبر في قوله عليه السلام « جوهرة » لانها لاتقوم بذات مؤثرها و لا ما دونها « بسيطة » يعني ليست بمركبة من المواد العنصرية و الا ففي نفسها فهي مركبة الاتري انه يسميها بشجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي مع كثرة اختلافها « حية بالذات » يعني بنفسها حية بما خلقها الله لا بحيوة غيرها بخلاف الجسد فانه حي بغيره و هو النفس و النفس حية بالذات فان مؤثرها ليس بحيوة لها تحل فيها و ما دونها لاتصير حيوتها فهي حيوة و الحيوة حية بنفسها لا بغيرها كما ان النور نوراني بنفسه لا بنور آخر و لايريد به انه قديم و قوله عليه السلام « اصلها العقل منه بدءت و عنه وعت » اي استمعت [ص 221] و استفاضت و قبلت « و اليه دلت و اشارت » اذ كانت اثره و آيته و آية كل شئ دليله يدل علي معناه و يشير الي فحواه « و عودها اليه اذا كملت و شابهت » فانها لما قيل لها ادبري ادبرت حتي خمد نارها و انطفي نورها فلما قيل لها اقبل قامت تستكمل و تسير الي مبدئها الذي منه بدؤها و بالالقاء للانحرافات و الكثرات و القرانات الادبارية بالعلم و العمل تشابه مبدئها شيئا بعد شئ في اللطافة و البساطة الي ان تعود الي ما منه بدءت كما بدءت اول مرة « و منها بدءت الموجودات » لانها هي المبدء كما كررنا فيه القول كما روي من المجلي عن النبي صلي الله عليه و آله بدءت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و قال علي عليه السلام انا النقطة تحت الباء ، و الباء مقام النفس و هي مبدؤ الاشياء لا العقل و هي الكرسي الذي وسع السموات و الارض « و اليها تعود بالكمال » لان منها نزلت فاليها رجعت بعد التصفية كما مر قال الله تعالي كما بدأكم تعودون [ص 222] فهي مبدء الموجودات و معادها و العقل مبدأ النفس و معادها « فهي ذات الله العليا » و هي الذات الحادثة بها تجلي لعبده و عرف نفسه به و لذا قال سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و قال و في انفسكم افلاتبصرون و قال النبي صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه ، و في الانجيل اعرف نفسك تعرف ربك ، و النفس هي هذه الملكوتية اللاهوتية و هي ذات الله المخلوقة العليا و هي ذات لما ذكرنا انها جوهرة شريفة مضافة الي الله و العليا لانها اعلي الاشياء و مبدؤها « و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي » لانها الحجاب الاخضر و فيها الكثرات و الشعب العلمية « من عرفها لميشق ابدا » لانه عرف ربه و من قال لا اله الا الله وجبت له الجنة « و من جهلها ضل و غوي » و لميبلغ مقام السابقين ، و لمنك بصدد شرح هذا الحديث و انما اردنا الاشارة و الايماء الي المطلب فهذه النفس هي [ص 223] مبدؤ الاثر و هي غير العقل بل منه بدءت و اليه تعود و هي ذات الاثر و جوهره ، فالنقيب هو الذي استجاب دعوة اقبل و لبي و خوطب فوعي فتخفف لللحاق فافلح بالتلاق و فاز بالسباق فتزكي بالعلم و العمل و خرق حجاب الامل حتي شابه جواهر اوائل العلل و اعتدل مزاجه و صحّ منهاجه و فارق الاضداد حتي شارك السبع الشداد فعاد الي ما منه بدء و انما العود في هذه المقامات ليس عود وجودي يعدم الرتبة الدنيا و يلحق العلياء بل كل رتبة في مقامها و حدها و انما يصفي الدنيا تصفية ينطبع فيها شبح العليا و كلما كثرت التصفية صار ما يقع فيها اعلي مما وقع اولا حتي اذا صارت الدنيا كهيئتها يوم خلقت في صفائها و للطافتها انطبع فيها مبدؤ النفس و اعليها فح يكون واقفا في مبدء الوجود مطلعا علي الغياب و الشهود ، و الاشارة الي نوع هذه التصفية انك اذا ركبت العناصر تركيبا اعتداليا ظهرت فيها الروح النباتية و ذلك اذا صار تلك [ص 224] المادة الحاصلة الطف من الجمادات فاذا ازدادت صفاء و اعتدالا حتي صارت بصفاء فلك القمر ظهرت فيها روح فلك القمر و تحيي فاذا ازدادت نعومة و صفاء حتي صارت بصفاء فلك عطارد ظهرت فيها روح عطارد المدركة للامثلة الجزئية لمساواتها معها فاذا ازدادت نعومة و لطافة حتي صارت بلطافة فلك الزهرة ظهرت فيها روح فلك الزهرة المدركة للمواد الجزئية لمساواتها معها و اذا ازدادت صفاء و لطافة حتي صارت بلطافة فلك المريخ ظهرت فيها روح فلك المريخ المدركة للطبايع الجزئية لمساواتها معها و اذا ازدادت صفاء و لطافة ظهرت فيها روح فلك المشتري المدركة للصور العلمية الجزئية النفسانية لمساواتها معها و اذا ازدادت نعومة و صفاء ظهرت فيها روح فلك زحل المدركة للمعاني الجزئية العقلانية لمساواتها معها في الرتبة فاذا ازدادت صفاء و اعتدالا و نضجا ظهرت فيها روح فلك الشمس المدركة للمواد الكلية من حيث اسفلها و للطبايع [ص 225] الكلية من حيث اعلاها لمساواتها معها في الرتبة فاذا ازدادت نعومة و لطافة حتي صارت بصفاء الكرسي ظهرت فيها النفس الكلية المدركة لجميع العلوم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فاذا ازدادت صفاء و لطافة و نعومة ساوت العرش و ظهر فيها العقل الكلي المدرك للمعاني الكلية و هذان المقامان لايحصل الا لمحمد و آله عليهم السلام فلايصير جسم احد مما سويهم بلطافة الكرسي و العرش و لايكون احد من غيرهم كليا ابدا قال الصادق عليه السلام اول من سبق الي بلي رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك انه اقرب الخلق الي الله و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل عليه السلام لما اسري به الي السماء تقدم يا محمد فقد وطئت موطئا لميطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل و لولا ان روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لماقدر ان يبلغه و كان من الله عز و جل كما قال قاب قوسين او ادني اي [ص 226] بل ادني انتهي ، بل كان مقام محمد صلي الله عليه و آله في الرسالة و النبوة منتهي الكرسي لما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه اسري به من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي مسيرة شهر و عرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسينالف عام في اقل من ثلث ليلة حتي انتهي الي ساق العرش فدنا بالعلم فتدلي فدلي له من الجنة رفرف اخضر و غشي النور بصره فرأي عظمة ربه عز و جل بفؤاده و لميرها بعينه فكان كقاب قوسين بينها و بينه او ادني انتهي ، فجعل نهاية عروجه الي ساق العرش و هو الكرسي و اشار الي ذلك ايضا انه دنا بالعلم و بقوله فدلي له من الجنة و بالرفرف الاخضر و بقوله رأي عظمة ربه فان كل ذلك من مقام الكرسي و كذلك في حديث عن الصادق عليه السلام فكان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لااعلمه الا و قد قال من زبرجد فنظر في مثل سم الابرة الي ما شاء الله من نور العظمة انتهي ، مع انه في صدر الخبر يقول فاوقفه [ص 227] جبرئيل موقفا فقال له مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفا ماوقفه ملك مقرب و لا نبي الخبر ، و عن الرضا عليه السلام لما اسري به الي السماء و بلغ عند سدرة المنتهي خرق له في الحجب مثل سم الابرة فرأي من نور العظمة ما شاء الله ان يري و عن الباقر عليه السلام قال فلما انتهي الي سدرة المنتهي تخلف عنه جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله صلي الله عليه و آله يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تخذلني فقال تقدم امامك فوالله لقد بلغت مبلغا لميبلغه خلق من خلق الله قبلك الخبر ، و قد عرفت من حديث اميرالمؤمنين ان سدرة المنتهي مقام النفس قد صعد النبي صلي الله عليه و آله اليه و لميتجاوز ساق العرش و لولا ان روحه و نفسه من ذلك المكان لميصعد اليه فهو صلي الله عليه و آله في مقام الرسالة و النبوة لميكن جسده الطف من سدرة المنتهي اي الكرسي فلميتجاوزه هو و لميصل اليه احد فليس جوهر احد يساوي في اللطافة سدرة المنتهي و لما [ص 228] كان الشيعة خلقوا من فاضل طينتهم يمكن لهم ان يتساووا في الصفاء و اللطافة فلك زحل و فلك المشتري و ليس لهم ان يصيروا باعتدال فلك الشمس نعم يمكن للانبياء ان يصيروا باعتدال فلك الشمس و صفائه و نضجه و لكن لا لكلهم بل لاصحاب الشرايع الاربعة الذين هم حملة العرش من الاولين فعن علي بن ابرهيم حملة العرش ثمانية لكل واحد ثمانية اعين كل عين طباق الدنيا ، اقول اعينهم الثمان مراتبهم الثمان و لما كان المقام مقام الكلية صارت كل عين طباق الدنيا و قال في حديث آخر حملة العرش ثمانية اربعة من الاولين و اربعة من الآخرين فاما الاربعة من الاولين فنوح و ابرهيم و موسي و عيسي و اما من الآخرين فمحمد و علي و الحسن و الحسين ، اقول اما الاولون فهم اولون في الظهور الدال علي تأخرهم في الوجود و اما الآخرون فهم آخرون في الظهور الدال علي تقدمهم في الوجود و ليس هؤلاء الثمانية يحملون العرش علي السواء في المقام بل الآخرون في مقام [ص 229] الكرسي يحملون اركانه الاربعة العليا و الاولون في مقام الفلك الرابع الذي هو السابع حقيقة يحملون الاركان الاربعة الدنيا في مقام البيت المعمور فالاولون من الملائكة العالين و الآخرون من الكروبيين بالجملة مقامات النقباء لايتجاوز الفلك السادس اي فلك زحل لتكثرهم و تعددهم فمقامهم مقام العقل الجزئي و هم في الجنة السادسة الجنة العالية تحت العدن المخصوصة بمحمد و آله عليهم السلام التي لا حظيرة لها اذ لا ارتباط و لا نسبة لها بغيرها و هؤلاء اصحاب العمل لما قد ظهر فيهم من امثلة آلمحمد عليهم السلام الملقاة في هويتهم و صاروا بذلك حملة الاسماء الثمانية و العشرين في غيبهم و شهادتهم فتجلي البديع في عقولهم و الباعث في نفوسهم و الباطن في طبيعتهم و الآخر في جوهرهم و الظاهر في شكلهم و الحكيم في جسمهم و المحيط في قلبهم و الشكور في صدرهم و الغني في دماغهم و المقتدر في مخهم و الرب في عاقلتهم و العليم في عالمتهم و القاهر [ص 230] في واهمتهم و النور في جوف قلوبهم و المصور في خيالهم و المحصي في فكرهم و المبين في روحهم و القابض في نارهم اي صفرائهم و الحي في هوائهم اي دمهم و المحيي في مائهم اي بلغمهم و المميت في ترابهم اي سودائهم و العزيز في دورتهم المعدنية و الرزاق في دورتهم النباتية و المذل في دورتهم الحيوانية و القوي في دورتهم الملكية و اللطيف في دورتهم الجنية و الجامع في دورتهم الانسانية و رفيع الدرجات في استكمالاتهم في المراتب الانسانية فبهذه الاسماء الثمانية و العشرين يفعلون ما يشاؤن من التصرفات في الكينونات من المبدء الذي هو العقل الي النهايات فاذا غلب اسماؤ الله فيهم بحيث استمكنت في باطنهم و ظاهرهم و ملأت اطباق وجودهم اعطتهم اسمها و رسمها و وصفها فصارت عندها كالحديدة المحماة المتلاشية الانية الفانية المضمحلة كما قال الشاعر :