رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر [ص 231]
فصاروا اسماء الله الحسني و امثاله العليا و وجوهه في الوري لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لما عملوا بامر الله سبحانه صاروا مصداق قوله تعالي في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون ، و صاروا بذلك عين الله و لسان الله و جنب الله و يد الله كما روي عن ابيجعفر عليه السلام ان الله جل جلاله قال مايتقرب الي عبدي بشئ احب الي مما افترضته عليه و انه ليتقرب الي بالنافلة حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته ، فاذا بلغ هذا المبلغ صار من المحسنين الذين قال الله فيهم فلما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين فاثبت الله الحكم و العلم للمحسنين و جعل الاحسان الاستواء و هو الاعتدال و مظهر الرحمانية المستوية علي العرش [ص 232] بان لايكون شئ اقرب اليه من شئ فما لميستو الانسان علي عرش ما دونه جاير عن قصد الحق المصيب و لايقدر علي العدل في الحكم بين الرعية و من لميعدل فهو ظالم فاذا استوي عدل و قال الله سبحانه لاينال عهدي الظالمين اي ينال العادلين المستوين و عهد الله هو الولاية و الاستواء اي الاستيلاء و يشهده الله خلق السموات و الارض و يصير عضدا له سبحانه لما قال تعالي بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا يعني اشهد العادلين المستوين خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و اتخذهم عضدا في اصدار افعاله و اظهار اوامره و نواهيه كما اتخذ النار الدخان المكلس عضدا في اظهار انارتها و احراقها و تكليسها و اشراقها و اشهدته خلق الانوار و الاشعة و انالته العهد اي الاستيلاء عليها و القيام مقامها فيها في الاداء و صارت عينه و لسانه و سمعه و يده يقول للاشعة كن فيكون فاذا صار كذلك [ص 233] بلغ مقام الشفاعة و ملكها لقوله تعالي لايملكون الشفاعة الا من شهد بالحق و هم يعلمون يعني شهد حقايق الاشياء بالحق الذي صار عينه التي ينظر بها بالجملة لما كانت هذه الرسالة تقع في ايدي كل صنف من الناس من المتحملين و غير المتحملين لايسعني البيان اكثر من ذلك فلنقبض العنان فان للحيطان آذانا فمقام النقباء مقام فلك زحل السعد الاكبر في باطنه و النحس الاكبر في ظاهره لانه باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و هو رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو كوكب اميرالمؤمنين عليه السلام ، و اما مقام النجباء فغايته فلك المشتري الفلك الخامس مظهر باطن الكرسي صاحب العلوم الجزئية و هؤلاء اصحاب العلوم لا الحكوم فانه لا حكم و لا امر الا لله سبحانه و مظهر امر الله و حكمه سبحانه العقل و هو وكر مشية الله لايتحرك الا بالله و لايفعل الله الا به و اما النفس فهي مقام الانفعال و القابلية و الائتمار و ليس [ص 234] له من الامر شئ ان الله يخلق ما يشاء و يختار ماكان لهم الخيرة من امرهم و هم اسماؤ النقباء و صفاتهم و مظاهر تجلياتهم و السنة تعبيراتهم و اصحاب تفاصيلهم و حملة شرايعهم فالنقباء هم حملة الاوامر الكونية و النجباء هم حملة الاوامر الشرعية و كما ان النقباء في الكون امرهم امر الله و نهيهم نهي الله و لسانهم لسان الله و يدهم يد الله و قولهم قول الله و فعلهم فعل الله كذلك هؤلاء في الشرع امرهم امر الله و نهيهم نهي الله من رد عليهم فقد رد علي الله و هو علي حد الشرك بالله و لسانهم في الاداء لسان الله المعبر عن الله من اصغي اليهم فقد عبد الله و من طعن عليهم فقد طعن علي الله و الجلوس اليهم جلوس الي الله و زيارتهم زيارة الله و صلتهم صلة الله و سرورهم سرور الله و اذاهم اذي الله و حبهم حب الله و بغضهم بغض الله و لقاؤهم لقاؤ الله و قد حق فيهم قول رسول الله صلي الله عليه و آله فضل العالم علي العابد كفضلي علي ادناكم و قوله عليه [ص 235] السلام ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة و قوله عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا ، و هؤلاء العدول الذين اعتدلوا في التشريع بالاخذ بالاوامر و الانتهاء عن الزواجر و المواظبة علي النوافل و الفرائض و استووا في الامتثال علي نفوسهم و اطمأنت نفوسهم تحت اوامر العقل و نواهيه و سلموا له تسليم العبد الذليل للمولي الجليل و صاروا مصداق قوله تعالي ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا و قوله تعالي قد افلح المؤمنون الذين هم في صلوتهم خاشعون و الذينهم عن اللغو معرضون و الذينهم للزكوة فاعلون و الذين هم لفروجهم حافظون الا علي ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغي وراء ذلك فاولئك هم العادون و الذين هم لاماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم علي صلواتهم [ص 236] يحافظون اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون و قد روي في عدة اخبار ان المؤمنين هنا هم النجباء المنتجبون اصحاب النجائب يوم القيمة بالجملة كلما جري للنقباء من الفضل في الكون جري لهؤلاء في الشرع فجميع الفضل الظاهر لهم و ان النقباء عن وصف الواصفين اجلون و عن نعت الناعتين اعظمون كما روي في عدة اخبار ان المؤمن لايوصف و ليس لي الآن اقبال لازيد من ذلك لاشتغال القلب بالسفر مع ان ذكر ازيد من ذلك لاينبغي في هذه الرسالة فلنكتف بما ذكرنا في مقام النقباء و النجباء و اما عددهم و تفاصيل مراتبهم و رؤساؤهم و اتباعهم فلسنا هيهنا بصدد بيانه و قد ذكرنا شطرا منه في رسالتنا المسماة بالزام النواصب فمن اراد ذلك فليراجعها و غرضنا من ذكر هذه الجملة في هذه الرسالة ان يعتبر معتبر و يدكر مدكر ان الامر عظيم و الخطب جسيم ، و لا كل من حاز الجمال بيوسف ، و لا كل من ادعي [ص 237] يليق به ، و ان كان كل يدعي وصلا بليلي و لكن ، و ليلي لاتقر لهم بذاكا ، و :
كل من يدعي بما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان
و امتحانه :
اذا انبجست دموع من خدود تبين من بكي ممن تباكي
فصل - في صفات النقباء و النجباء و احسن ما ورد في الباب حديث همام و اذكره بطوله لكثرة محصوله ففي الكافي بسنده الي يونس عن ابيعبدالله عليه السلام قال قام رجل يقال له همام و كان عابدا ناسكا مجتهدا الي اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يخطب فقال يا اميرالمؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر اليه فقال يا همام المؤمن هو الكيس ● الفطن بشره في وجهه و حزنه في قلبه اوسع شئ صدرا و اذل شئ نفسا زاجر عن كل فان حاض ● علي كل حسن لا حقود و لا حسود و لا وثاب و لا سباب و لا عياب [ص 238] و لا مغتاب يكره الرفعة و يشنأ ● السمعة طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت وقور ذكور صبور شكور مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة ● رصين ● الوفا قليل الاذي لا متأفك ● لا متهتك ان ضحك لميخرق ● و ان غضب لمينزق ● ضحكه تبسم و استفهامه تعلم و مراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة لايبخل و لايعجل و لايضجر و لايبطر ● و لايحيف في حكمه و لايجور في علمه نفسه اصلب من الصلد ● و مكادحته احلي من الشهد لا جشع ● و لا هلع ● و لا عنف و لا صلف ● و لا متكلف و لا متعمق جميل المنازعة كريم المراجعة عدل ان غضب [ص 239] رفيق ان طلب لايتهور ● و لا يتهتك و لايتجبر خالص الود وثيق العهد وفي العقد شفيق وصول حليم خمول قليل الفضول راض عن الله عز و جل مخالف لهواه لايغلظ علي من دونه و لايخوض فيما لايعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين لايخرق الثناء سمعه و لاينكي ● الطمع قلبه و لايصرف اللعب حكمه و لا يطلع الجاهل علمه قوال عمال عالم حازم لا بفحاش و لا بطياش وصول في غير عنف بذول في غير سرف لا بختال ● و لا بغدار و لايقتفي اثرا و لايحيف بشرا رفيق بالخلق ساع في الارض عون للضعيف غوث للملهوف لايهتك سترا و لايكشف سرا كثير البلوي قليل الشكوي ان رأي خيرا ذكره و ان عاين شرا ستره يستر العيب و يحفظ الغيب و يقيل العثرة و يغفر الزلة لايطلع علي نصح فيذره [ص 240] و لايدع جنح ● حيف ● فيصلحه امين رصين تقي نقي زكي رضي يقبل العذر و يجمل الذكر و يحسن بالناس الظن و يتهم علي العيب نفسه يحب في الله بفقه و علم و يقطع في الله بحزم و عزم لايخرق به فرح و لايطيش به مرح ● مذكر للعالم معلم للجاهل لايتوقع له بائقة ● و لايخاف له غايلة كل سعي اخلص عنده من سعيه و كل نفس اصلح عنده من نفسه عالم بعيبه شاغل بغمه لايثق بغير ربه قريب وحيد جريد يحب في الله و يجاهد في الله ليتبع رضاه و لاينتقم لنفسه بنفسه و لايواني في سخط ربه مجالس لاهل الفقر مصادق لاهل الصدق موازر لاهل الحق عون للغريب اب لليتيم بعل للارملة ● حفي باهل المسكنة مرجو لكل كريمة مأمول لكل شدة هشاش ● بشاش ● لا بعباس [ص 241] و لا بجساس صليب ● كظام بسام دقيق النظر عظيم الحذر لا يبخل و ان بخل عليه صبر عقل فاستحيي و قنع فاستغني حياؤه يعلو شهوته و وده يعلو حسده و عفوه يعلو حقده لاينطق بغير صواب و لايلبس الا الاقتصاد مشيه التواضع خاضع لربه بطاعته راض عنه في كل حالاته نيته خالصة اعماله ليس فيها غش و لا خديعة نظره عبرة و سكوته فكرة و كلامه حكمة مناصحا متباذلا متواخيا ناصح في السر و العلانية لايهجر اخاه و لايغتابه و لايمكر به و لايأسف علي ما فاته و لايحزن علي ما اصابه و لايرجو ما لايجوز له الرجاء و لايفشل في الشدة و لايبطر في الرخاء يمزج الحلم بالعلم و العقل بالصبر تراه بعيدا كسله دايما نشاطه قريبا امله قليلا زلله متوقعا لاجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منفيا جهله سهلا امره حزينا لذنبه ميتة شهوته كظوما غيظه صافيا خلقه آمنا [ص 242] منه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما امره كثيرا ذكره يخالط الناس ليعلم و يصمت ليسلم و يسأل ليفهم و يتجر ليغنم لاينصت للخير ليفخر به و لايتكلم ليتجبر به علي من سواه نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته فاراح الناس من نفسه ان بغي عليه صبر حتي يكون الله الذي ينتصر له بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة ليس تباعده تكبرا و لا عظمة و لا دنوه خديعة و لا خلابة ● بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن بعده من اهل البر فصاح همام صيحة ثم وقع مغشيا عليه فقال اميرالمؤمنين اما والله لقد كنت اخافها عليه و قال هكذا تصنع المواعظ البالغة باهلها فقال له قايل فما بالك يا اميرالمؤمنين فقال ان لكل اجلا لايعدوه و سببا لايجاوزه فمهلا لاتعد فانما نفث علي لسانك [ص 243] شيطان انتهي ، و غير ذلك من علامات المؤمن و صفاته كثيرة قد وردت بها الاخبار و صدرت فيها الآثار عن الائمة الابرار عليهم صلوات الله في اطراف الليل و آناء النهار قد طوينا الكشح عنها خوف الاطالة و لقلة الفرصة و كفي بما ذكرنا عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن تذكر و دون اقل قليل هذه المحامد خرط القتاد و انا اجمل لك هنا بعض ما ينبغي ذكره في المقام و لا قوة الا بالله العلي العظيم ، اعلم ان الانسان لو عاش عمر نوح و اراد اصلاح نفسه من قبايح صفاتها و تحليها بهذه المكارم لمايقدر عليه فان الواجب في هذه الصفة ان تكون سجية للانسان و ملكة له حتي تصدر عنه من غير كلفة و في صيرورة صفة واحدة من هذه الصفات طبيعية له يحتاج الي عمر طويل يجاهد نفسه فيها حتي يحملها عليها و تطمئن له فيها و ترضي بها حتي تصدر عنها بغير كلفة و مشقة و ميل و طبع منها فضلا عن ساير المكارم و الصفات و اني لاحد ان يعمر هذا [ص 244] العمر الطويل حتي يحمل نفسه علي كل هذه الصفات كرها و يستعملها فيها صبرا حتي تصير لها سجية و طبعا تصدر عنه في كل حالاته في اوقات الليل و آناء النهار وَ اَنّي وَ اَنّي فلا بد لذلك من امر آخر يكون هو قطب هذه المحامد و ينبوع هذه المكارم يجاهد في طلبه المؤمن و يسعي في تحصيله حتي يملك ذلك الامر فاذا ملكه تبعته هذه المكارم و المحامد و تيسرت له من غير كلفة و مشقة في اقرب وقت و مثال ذلك اذا كان ينبوع يجري منها انهار و جداول كثيرة و كانت كدرة و الانهار و الجداول الجارية منها ايضا كدرة فمن رام ان يصفي نهرا من هذه الانهار و مد عمره مدي الدهور و الاعصار و جد و اجتهد في جميع الليل و النهار ماقدر علي تصفيته فانه يصفي منه كل غرفة وصلت اليه في اناء مثلا و هو يجري كدرا لا نفاد له فاني و متي يقدر ان يصفي هذا النهر حتي يتحول عنه الي غيره و اما اذا جاء و عالج العين و اخرج ما فيها [ص 245] من حمأ و وحل و غطاها عن الاغبرة و الاهبية صفت و جرت صافية في كل الانهار مرة واحدة من غير كلفة و لا مشقة او كما اذا غلب في المزاج الرطوبة مثلا و اورثت للانسان لقوة و فالجا و لكنة في اللسان و خفقانا و رعشة و صمما و بلادة و دوارا و خدرا و نسيانا و حمي مواظبة و امثال ذلك و اراد الانسان ان يعالج نفسه هل يمكن رفع مرض من هذه الامراض و لو بعد حين ما لميدفع عن نفسه الرطوبة بمسهل فان تلك هي العلة الفاعلية لهذه الامراض و ما دامت العلة باقية يجري معلولها منها و يلزمها فكيف يمكن لاحد دفع ضوء بالحيل ما دام المنير منيرا مشرقا حتي يرفع المنير و يطفئه و كذلك ان هذه الاخلاق السيئة و الصفات القبيحة لها علة فاعلية في البدن و هي النفس الامارة بالسوء و ما دامت النفس امارة بالسوء علي حالها لايمكن لاحد ان يمنع آثارها غاية الامر يتصرف تصرفا ما في القابل و يمنع ظهور اثرها و الداعي له [ص 246] باق و الميل اليه ثابت مثال ذلك من يشتهي الزنا فيريد رفعه يجبّ نفسه و يمتنع عن الزنا بسبب ذلك و لايقدر علي اظهاره و لكنه يشتهي ذلك و يحب او كمائل الي الخمر و هي معه فيجاهد نفسه و يكفأها و لميبق له خمر يشربها فلايقدر علي شربها و تتوق نفسه اليها و تشتهيها و تهويها و لايقدر علي علاج و ذلك لايجدي له نفعا و لايورث لنفسه كمالا غاية الامر لايظهر منه شئ من ذلك و هو فاعل له و فعله غير ظاهر كما اذا كانت شمس مشرقة و لا كثيف فهي مشرقة منيرة و نورها غير ظاهر لا غير موجود فصاحب النفس الامارة هو فاعل جميع القبايح و الكباير و الصغاير و المكاره و ان لميظهر منه بعضها لمانع او خوف او عذر او عدم آلة او تقية من الناس فهو فاعل لجميعها و اذا اردت ان تعرف انك اذا تركت معصية او فعلت طاعة من اي جهة هو فتصور انك تريد ان تفعل المعصية او تترك الطاعة و انظر ماذا الذي يحجزك عنه [ص 247] فان وجدت اول ما يتبادر الي ذهنك عذاب الله و سخطه فاعرف انك تاركه لله و الا فاعرف انك تاركه او فاعله لغيره و هو الذي يمنع من ظهور الاثر و الا فالعلة الفاعلية باقية فعالة فالمعالج لنفسه يجب ان يعالج النفس كلية فاذا صلحت لاتؤثر الا الحسن و اذا بقيت فاسدة لاتؤثر الا السيء و مايجديك نفعا ان لايظهر و علي ذلك اغلب المتعففين مساوون مع الفاسقين و فاعلون ما يفعلون و يكتب لهم اعمالهم و ان كانوا لايعملون و كذلك اذا صلحت النفس هي عاملة بجميع المحاسن و المحامد و المكارم و ان لميظهر منه شئ من ذلك الا اقله و هذا هو سبب خلود الابرار في الجنة و خلود الفجار في النار و يوم القيمة ترفع موانع الفريقين و يظهر لهم الاعمال رأي العين و يحكم لكل واحد بما ظهر له و عليه بعد رفع المانع انظر الي ما رواه جابر عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال لي يا جابر يكتب للمؤمن في سقمه من العمل [ص 248] الصالح ما كان يكتب في صحته و يكتب للكافر في سقمه من العمل السيء ما كان يكتب في صحته ثم قال قال يا جابر ما اشد هذا من حديث و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان العبد المؤمن الفقير ليقول ارزقني حتي افعل كذا و كذا من البر و وجوه الخير فاذا علم الله ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الاجر مثل ما يكتب له لو عمله ان الله واسع كريم و عنه انه سأل اباعبدالله عليه السلام عن حد العبادة التي اذا فعلها فاعلها كان مؤديا فقال حسن النية بالطاعة و عن ابيهاشم قال قال ابوعبدالله عليه السلام انما خلد اهل النار في النار لان نياتهم كانت في دار الدنيا ان لو خلدوا فيها ان يعصوا الله ابدا و انما خلد اهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها ان يطيعوا الله ابدا فبالنيات خلد هؤلاء و هؤلاء ثم تلا قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته قال علي نيته و عن سفيان بن عيينة عن ابيعبدالله [ص 249] عليه السلام في حديث و النية افضل من العمل الا و ان النية هي العمل ثم تلا قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته يعني علي نيته ، و هذا معني قول رسول الله صلي الله عليه و آله من تمني شيئا و هو لله رضا لميخرج من الدنيا حتي يعطاه ، فانه ربما لميعطه في ظاهر الدنيا حتي يموت لكن يثبت له و يثاب عليه في الآخرة و اما ما روي عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليه السلام قال لو كانت النيات من اهل الفسق يؤخذ بها اهلها اذا لاخذ كل من نوي الزنا بالزنا و كل من نوي السرقة بالسرقة و كل من نوي القتل بالقتل و لكن الله عدل كريم ليس الجور من شأنه و لكنه يثيب علي نيات الخير اهلها و اضمارهم عليها و لايؤخذ اهل الفسق حتي يفعلوا ، فذلك له احتمالان و علي كل احتمال معني فان اخذ اهل الفسق اعم من الكافر فذلك تقية منه عليه السلام لما مر من حديث جابر في قوله ما اشد هذا من حديث فان مسعدة بن صدقة [ص 250] عامي كما عن الخلاصة او بتري كما عن الكشي و سوء ادبه في التسمية ظاهر فان الشيعة لاتسمي اباعبدالله باسمه الشريف ادبا و انما يكنون او يلقبون و ان اخذ اهل الفسق من الشيعة فمعناه ان النية السيئة عارضية لهم لاتكتب لهم و النية الحسنة ذاتية تكتب لهم و ذلك لما دل عليه الكتاب و السنة و دليل العقل المستنير بهما كما ذكرنا بالجملة ما دامت النفس امارة بالسوء هي فاعلة جميع القبايح و صاحبة جميع المذام ظهرت منه او لمتظهر قال الله سبحانه قد افلح من زكيها و اطلق سواء ظهر منها كل الخير او لميظهر و قد خاب من دسيها و اطلق سواء ظهر منها كل الشر ام لميظهر فرب قليل العمل لعارض هو عامل جميع الخيرات و رب قليل الشر لعارض هو عامل جميع الشرور فالواجب اصلاح النفس الامارة التي هي العلة الفاعلية لجميع الشرور و هي لاتكون امارة الا اذا كان العقل مغلوبا و اذا صار مغلوبا هو بفرده لايستطيع ان يقهر النفس [ص 251] الغالبة و ذلك كالطبيعة المقهورة عند غلبة المرض لاتستطيع دفعها و تحتاج الي معالج خارج و تقوية خارجية و كذلك العقل الضعيف لايستطيع بنفسه ان يقوي نفسه فان الفاعل في الجسد حينئذ و العامل هو النفس و لاتعمل الا القبيح و لاتمد الا ما تقتضيه و ذلك المدد مضعف للعقل لانه علي خلاف طبعه فبالتضعيف المستمر لايتقوي العمل قل كل يعمل علي شاكلته و ان الله سبحانه ما لميهيئ لتقوية العقل اسبابا لميكلفه به و التكليف ثابت فالسبب موجود و ذلك السبب هو قطب الاعمال و مركزها و نقطة دايرتها فاذا عمل به المؤمن و ادام حصلت للنفس تزكية تجعلها راضية مرضية فحينئذ في دفعة واحدة يصلح جميع شئونها و اطوارها و صفاتها الاتري ان الملك الذي يبطر و يطيش و يتبختر و يتكبر و يظلم و يغصب و يشتم بسلطنته اذا عزل عن الملك ينفي عنه كل ذلك في دفعة واحدة و يصير ذلولا في يوم واحد هكذا [ص 252] النفس اذا عزلت عن استيلائها تتذلل في يوم واحد و لايقدر علي عزلها عقلها الذي صار من رعيتها و انما يعزلها سلطان اقوي منها يصول عليها بسلطان الله و حوله و قوته بالجملة النجباء و النقباء لما انقادوا لسلطان الله و تذللوا لعزة الله و راقبوا الله في جميع آناء الليل و اطراف النهار و اشرق علي قلوبهم انوار وجه الله احرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من انفسهم فان كيد الشيطان عند الله ضعيف و يد الله فوق ايديهم فزكي انفسهم بقدرته و سلطانه حتي اطمئنت و رضيت و ارتضيت فصارت تصدر عنهم جميع اعمال الخير و تظهر عليهم جميع الصفات الحسنة بلا تكلف و لا مشقة و صارت سجيتهم و طبيعتهم عليها فكل ما يفعلون طاعة فان تكلموا فكلامهم ذكر و ان سكتوا فسكوتهم عبرة و ان قاموا قاموا بالخدمة و ان قعدوا قعدوا عن ما لايعنيهم و ان نظروا نظروا للاعتبار و ان غضوا غضوا عن الحرام و عن عيوب المسلمين و ان اصغوا [ص 253] اصغوا الي ما لايضرهم و ينتفعون به و ان اعرضوا اعرضوا عما يضرهم و لاينفعهم و ان قربوا قربوا للنفع او الانتفاع و ان بعدوا بعدوا خوفا علي دينهم و هكذا اذا اعتدلت النفس و استوت و اطمأنت يصير كيانها الطاعة كالملئكة الذين لايهمون بمعصية ابدا و كيانهم علي الطاعة لا لاجل انه ليس فيهم مقتضي المعصية اصلا بل لاجل انه مضمحل عديم الاثر بالنسبة الي مقتضي الطاعة فلما سلم لامر الله و توكل عليه و خضع لديه و اشرق عليه نور سلطنته و هو الغالب القاهر القادر المقتدر المستولي علي كل شئ لمتطق النفس قواما دونه فتلاشت و اضمحلت كما لميطق الجبل تحت انوار التجلي فتضعضع و اندك و تلاشي حتي صار هباء منثورا لايحجب ما وراه و لايستر ما عداه و ينفذ فيه انوار مولاه بعد ان كان جبلا كثيفا ظلمانيا فافهم ما ذكرت فلايسعني البيان اكثر من ذلك لضيق المجال و عدم اقتضاء الحال و تبلبل البال للتهييء للحل و الارتحال ، [ص 254] فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فلاتغتر بادعاء كل مدع فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و ليس ذلك بمحض سكوت رجل او وقاره او كثرة صلوته و صومه فرب رجل معتاد بهذه العبادات لايسعه تركها من باب العادة كتعمق بعض الموسوسين في الوضوء و الغسل و الصلوة حيث لايسعه ترك التعمق و ذلك لوسواسه لا لتقواه فان التقوي نور اذا حصل في رجل لايختص بعبادة دون اخري بل يتقي الله في جميع اموره فعن ابيبصير قال قلت لابيعبدالله عليه السلام ان عيسي بن اعين يشك في الصلوة فيعيدها قال هل يشك في الزكوة فيعطيها مرتين و عن عبدالله بن سنان قال ذكرت لابيعبدالله عليه السلام رجلا مبتلي بالوضوء و الصلوة و قلت هو رجل عاقل فقال ابوعبدالله عليه السلام و اي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من اي شئ هو فانه يقول لك من عمل [ص 255] الشيطان ، و رب رجل عود نفسه علي السكوت و الوقار و الصلوة و الصوم و الذكر و بعض الاخلاق الحسنة من باب المكر و الخدعة و صيد الناس كما ذكر العسكري عليه السلام في تفسيره رواية عن علي بن الحسين عليه السلام فانه قال اذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هدئه و تمادي في منطقه و تخاضع في حركاته فرويدا لايغرنكم فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا و ركوب الحرام منها لضعف نيته و مهانته و جبن قلبه فنصب الدين فخا لها فهو لايزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من الحرام اقتحمه و اذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويدا لايغرنكم فان شهوات الخلق مختلفة فما اكثر من ينبو عن المال الحرام و ان كثر و يحمل نفسه علي شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما فاذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لايغرنكم حتي تنظروا ما عقدة عقله فما اكثر من ترك ذلك اجمع ثم لايرجع الي [ص 256] عقل متين فيكون ما يفسده بجهله اكثر مما يصلحه بعقله فاذا وجدتم عقله متينا فرويدا لايغرنكم حتي تنظروا امع هواه يكون علي عقله او يكون مع عقله علي هواه و كيف محبته للرياسات الباطلة و زهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا و يري ان لذات الرياسة الباطلة افضل من لذة الاموال و النعم المباحة المحللة فيترك ذلك اجمع طلبا للرياسة حتي اذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم و بئس المهاد فهو يخبط عشواء يقوده اول باطله الي ابعد غايات الخسارة و يمده ربه بعد طلبه بما لايقدر في طغيانه فهو يحل ما حرم الله و يحرم ما احل الله لايبالي ما فات من دينه اذا سلمت له الرياسة التي يتقي من اجلها فاولئك الذين غضب الله عليهم و لعنهم و اعد لهم عذابا مهينا و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله و قواه مبذولة في رضاء الله يري الذل مع الحق [ص 257] اقرب الي عز الابد من العز في الباطل و يعلم قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان تبع هواه يؤديه الي عذاب لا انقطاع له و لا زوال فذلكم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الي ربكم فبه فتوسلوا فانه لاترد له دعوة و لاتخيب له طلبة انتهي ، و رب رجل قد تعلم بعض علوم آلمحمد عليهم السلام ليستأكل به الناس و يماري به السفهاء و يكرم عند الاغنياء فهو في كلامه به خطيب مصقع يستشهد بالآيات و يستدل بآثار سادة البريات و يأتي بالبينات و يتعاون باقوال العلماء و القادات و قلبه اظلم من الليل المدلهم لايريد بذلك الا ان يعد في عداد العلماء و يحسب من زمرة الحكماء و يحمده الجهال و العوام و يركب علي اعناق الانعام فاذا حصل له هذا المقام يأنف ان لايجيب بما ليس له علم و يرده الي اهله فيزيد علي ما عنده من الحق الذي [ص 258] لايعتقد به نفسه اضعافه من الاباطيل و امثاله من الاضاليل و هو افسق الفسقة و اكفر الكفرة لاضلاله الانام و ابداعه في الاسلام و ربما يضم الي ذلك وقارا و تؤودة و سكونا و حلما و تخاضعا ليسلم له رياسته و لاينكر عليه من اعماله و يشهد علي ذلك ما رواه العسكري عليه السلام في تفسيره قال فقال رجل للصادق عليه السلام فاذا كان هؤلاء العوام من اليهود لايعرفون الكتاب الا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم الي غيره فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم و هل عوام اليهود الا كعوامنا يقلدون علماءهم فان لميجز لهؤلاء القبول من علمائهم لميجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقال بين عوامنا و بين علمائنا و بين اليهود و عوامهم و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة اما من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذم عوامهم و اما من حيث افترقوا فلا قال فبين لي ذلك يا ابن رسول الله قال عليه السلام ان عوام [ص 259] اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح و باكل الحرام و الرشاء و بتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به اديانهم و انهم اذا تعصبوا ازالوا حقوق من تعصبوا عليه و اعطوا ما لايستحقه من تعصبوا له من اموال غيرهم و ظلموهم من اجلهم و عرفوهم يقارفون المحرمات و اضطروا بمعارف قلوبهم الي ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لايجوز ان يصدق علي الله و لا علي الوسائط بين الخلق و بين الله فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه و من قد علموا انه لايجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته و لا العمل بما يؤديه عمن لميشاهدوا و وجب عليهم النظر بانفسهم في امر رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كانت دلايله اوضح من ان تخفي و اشهر من ان لاتظهر لهم و كذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب علي حطام الدنيا و حرامها و اهلاك [ص 260] من يتعصبون عليه و ان كان لاصلاح امره مستحقا و بالترفق بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاهانة مستحقا فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فان من يركب من القبايح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة لهم و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت لذلك لان الفسقة يتحملون عنا فهم يحرفونه باسره لجهلهم و يضعون الاشياء علي غير وجوهها لقلة معرفتهم و آخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم الي نار جهنم و منهم قوم نصاب لايقدرون علي القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا و ينقصون عند نصابنا [ص 261] ثم يضعفون اليه اضعافه و اضعاف اضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن برءاء منها فيتقبله المستسلمون من شيعتنا علي انه من علومنا فضلوا و اضلوا و هم اضر علي ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد علي الحسين بن علي عليهما السلام و اصحابه فانهم يسلبونهم الارواح و الاموال و للمسلوبين عند الله افضل الاحوال لما لحقهم من اعدائهم و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بانهم لنا موالون و لاعدائنا معادون يدخلون الشك و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب لا جرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لايريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لميتركه في يد هذا الملبس الكافر و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به علي الصواب ثم يوفقه الله للقبول منه فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة و يجمع علي من اضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة و قال قيل لاميرالمؤمنين عليه السلام من خير خلق الله بعد ائمة [ص 262] الهدي و مصابيح الدجي قال العلماء اذا صلحوا قيل فمن شرار الخلق بعد ابليس و فرعون و نمرود بعد المسمين باسمائكم و الملقبين بالقابكم و الآخذين لامكنتكم و المتأمرين في ممالككم قال العلماء اذا فسدوا هم المظهرون للاباطيل الكاتمون للحقايق و فيهم قال الله تعالي اولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون ، الي غير ذلك من الاخبار فلاينبغي للانسان الفطن الذكي ان يغتر بكثرة علم احد و تنميقه الكتاب و ترشيقه الخطاب و تزيينه الانادي و حضور الناس عنده من كل حاضر و بادي و لا بتحنك رجل في برنسه و قيامه الليل في حندسه و تقصيره الخطوات و غضه الاصوات و غمضه الاعين و ليه الالسن فان كل ذلك يمكن ان يكون من النفاق و دقة الاخلاق و لايكون له في الآخرة من خلاق هيهات هيهات علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور ،
ثوب الرياء يشف عما تحته و ان التحفت به فانك عاري [ص 263]
و لنذكر هنا فصلا آخر في تمييز المحق من المبطل و نختم به الكتاب لقوم يذكرون فها ان ختامه لمسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون .
فصل - اعلم انك اذا تدبرت في هذا العالم و رأيت صنع الله المتقن المحكم بحيث قد حارت الالباب من اتقان صنعه و حسرت الافهام من احكام امره و رأيت ان كل شئ وضع في موضعه و رأيت كل ظاهر علي طبق باطنه و رأيت ان الله كيف اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و جعل لكل شئ دليلا و لكل دليل سببا و لكل سبب شرحا و لكل شرح بابا و اجري كل شئ علي نهج الحكمة و الصواب و جعل لكل واحد مبدءا و مآبا و الزم كل منير نوره و كل مؤثر اثره و كل مظلل ظله و اعطي كل شئ ما يقتضيه و اجراه علي ما باقتضائه يرتضيه فجعل ما يقتضي الثبات و الدوام ثابتا دائما و ما يقتضي الزوال و الانقضاء زائلا منقضيا و ما يقتضي الرفعة [ص 264] رفيعا و ما يقتضي الضعة وضيعا و ما يقتضي الكمال كاملا و ما يقتضي النقص ناقصا و ما يقتضي الحسن حسنا و ما يقتضي القبح قبيحا و ما يقتضي الخزي خزيا و ما يقتضي العفة عفيفا مستورا و ما يقتضي العزة عزيزا و ما يقتضي الذلة ذليلا و ما يقتضي الغني غنيا و ما يقتضي الفقر فقيرا و هكذا علي اختلاف القوابل لما كان جوادا و غنيا مطلقا اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق ما يليقه و ماظلم ربك احدا و مازوي عن احد ما ينبغي له و انت تري ان القوابل ايضا مختلفة و الاستعدادات متشتتة فلاتستوي الحرارة و البرودة و لا اليبوسة و الرطوبة و لا السعادة و الشقاوة و لا الحسنة و السيئة و لا المنير و النور و لا الظل و لا الحرور و لا الكثيف و لا اللطيف و لا غيرها من الاضداد كما هو بين ظاهر لكل ناظر فاذا تدبرت في جملة ذلك و عرفت حكمة الحكيم و غناه المطلق تعلم ان قابلية السعادة و قابلية الشقاوة ضدان لاتأتلفان فان [ص 265] قابلية السعادة عليينية و قابلية الشقاوة سجينية و قابلية السعادة نورانية و قابلية الشقاوة ظلمانية و قابلية السعادة خير و قابلية الشقاوة شر و قابلية السعادة لطيفة و قابلية الشقاوة كثيفة و قابلية السعادة علوية و قابلية الشقاوة سفلية و هكذا و الله الغني العدل الحكيم يفيض علي كل منهما بحسب ما يقتضيه و يمد كلا منهما الي ما يرتضيه كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و قال ام نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار و قال افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون اما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم جنات المأوي نزلا بما كانوا يعملون و اما الذين فسقوا فمأويهم النار كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها و قيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون و لنذيقنهم من العذاب الادني دون العذاب الاكبر لعلهم يرجعون و قال هل يستوي الاعمي و البصير ام هل تستوي الظلمات و النور [ص 266] و قال افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمي انما يتذكر اولوا الالباب و قال ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون الي غير ذلك من الآيات الدالة علي عدم التسوية بين الفريقين فالمؤمن المنبئ عن الله لايمكن ان يلتبس امره بالكافر المنبئ عن الشيطان هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح اجاج فالمؤمن هو الذي ينبئ عن الله و يطيع امر مولاه و يخالف هواه و يمده الله من انوار عظمته و جلال كبريائه و يؤيده بروح القدس و يسدده و يرفع الاختلاف عن اقواله و اعماله و يلقي عليه مثاله و نوره و بهاءه و يمن الله عليه بالدوام و الثبات و الفلاح و الفوز و الطهارة و العصمة و الدفع عنه و الوقار و السكينة و استجابة الدعوة و الوقع و العظمة في قلوب المؤمنين كما قال الصادق عليه السلام ليونس بن ظبيان في حديث طويل شريف ان اولي الالباب الذين [ص 267] عملوا بالفكرة حتي ورثوا منه حب الله فان حب الله اذا ورثته القلوب استضاء به و اسرع اليه اللطف فاذا انزل منزلة اللطف صار من اهل الفوائد فاذا صار من اهل الفوائد تكلم بالحكمة و اذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة فاذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فاذا عمل بها في القدرة عمل في الاطباق السبعة فاذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في لطف و حكمة و بيان فاذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته و محبته في خالقه فاذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبري فعاين ربه بقلبه و ورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء و ورث العلم بغير ما ورثته العلماء و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون ان الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت و ان العلماء ورثوا العلم بالطلب و ان الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع و طول العبادة فمن اخذ بهذه السيرة اما ان يسفل و اما ان يرفع و اكثرهم الذي يسفل و لايرفع اذا لميراع حق الله و لميعمل بما امره به فهذه صفة من لميعرف [ص 268] الله حق معرفته و لميحبه حق محبته فلاتغرنك صلوتهم و صيامهم و رواياتهم و علومهم فانهم حمر مستنفرة ثم قال يا يونس اذا اردت العلم الصحيح فعندنا اهل البيت فانا ورثناه و اوتينا شرح الحكمة و فصل الخطاب الخبر ، و هو حديث شريف فاني يشتبه امر مثل هذا الرجل بغيره و
كل من يدعي بما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان
و اما المنافق و الكافر الملبس علي المؤمنين فليس من الله و لا الي الله و يمده الله من سجين و يضربه بالاختلاف في علمه و اخلاقه و احواله و الانقطاع و ادحاض الحجة و يأتي عليه بمن يبطل امره و يدحض حجته و يخزيه و هو العذاب الادني له دون العذاب الاكبر و محال ان يفلح او يفوز او يدوم و لانمنع ان يكون المؤمن مقهورا و مظلوما و مغصوبا عليه و مستأثرا عليه او مبتلي بالشدايد و الاعراض و الامراض فان ذلك لا دخل له في حقية احد و ان البلاء فاكهة المؤمن و انما نريد بما ذكرنا ما يتعلق [ص 269] بدينه و دليله و حجته فالمؤمن لايكون مقهورا في دينه بان يقهره ناصب و لايبتلي بالشدايد و الاعراض في دينه و لايغلب احد عليه و لاتدحض حجته عليه و كذلك لانمنع ان يطول دولة الباطل و ان يكون منعما مترفا كبيرا رأيسا و انما المراد انقطاع امره في برهانه و ذلته في دينه و ادحاض حجته و هذا الامر واجب في حكمة الله التي خلق خلقه عليها و قد انبأ عن ذلك في كتابه منها ما مر و منها قوله تعالي لايفلح الساحرون و قوله لايفلح الساحر حيث اتي و قوله ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحق الله الحق بكلماته و لو كره المجرمون و قوله جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و قوله بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و قوله و يريد الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين الي غير ذلك من الآيات فالباطل لا بد و ان يظهر بطلانه [ص 270] في الدنيا قبل موته لامحة فان الله لايغري عباده بالباطل و لايقررهم عليه و لو امهل الباطل حتي يفعل ما يشاء و يلبس علي الخلق كيف يشاء و لايظهر بطلان امره فاذا لايبقي له حجة علي العباد و لصار لغوا ارسال الرسل و انزال الكتب و التكليف و الجنة و النار و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا بل جعل علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و علي كل باطل اجتثاثا و علي كل خطاء ظلمة لايشتبه علي من له ادني مسكة اللهم الا ان يكون في القلب مرض و في العين عمي و في الاذن صمم لايدرك ذلك فحينئذ ربما يشتبه عليه الامر و عليه الحجة بمرض قلبه و عمي عينه و صمم اذنه و نعم ما قال الشاعر : قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ، و الا :
فثوب الريا يشف عما تحته و ان التحفت به فانك عاري
قال علي عليه السلام يقين المرء يري في عمله ، فلايشتبه [ص 271] ابدا المطوق بالعاطل و الطل بالوابل و الماء بالسراب و السماء بالتراب و ما ذكرنا من الدليل كان من الموعظة الحسنة .
و ان شئت الاستدلال عليه من المجادلة بالتي هي احسن فاعلم ان الانسان مركب من مادة و صورة و مادته الوجود و صورته الماهية كما برهنا عليه في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و الوجود جهة الشئ الي ربه و جهة وحدته و بساطته و نوره و خيره و كماله و الماهية هي جهة الشئ الي نفسه و جهة كثرته و تركيبه و ظلمته و شره و نقصه و كل منهما حادث مفتقر لوجود التركيب المستلزم للافتقار و الحدوث فكل منهما مستمد من ربه دائما ما به قوامه و ثباته و دوامه فان لسان استعداد كل شئ من جنس ما هو عليه فلسان استعداد الوجود يسأل دائما ما به يتقوي و يتزايد من النور و الخير و الكمال و الثبات و الدوام و لسان استعداد الماهية يسأل دائما ما به تتقوي و تتزايد من الظلمة و الشر و النقص و الفناء [ص 272] و الزوال و لسنا نريد بالفناء و الزوال عدمها و انما المراد فناء حالاتها و تقلباتها فان الوجود اقرب الي الوحدة و الازل فيقتضي قلة انقلاب حالاته و كثرة استمرار حاله الذي هو عليه بخلاف الماهية فانها ابعد من المبدء و الازل فتقتضي كثرة الانقلاب في الحالات و الاختلاف لانها مستلزمة للكثرة بالجملة كل واحد منهما مستمد ما هو من جنسه و لما كان الوجود اثر المشية و الاثر لا بد و ان يكون من جنس صفة مؤثره و هو آية تعريف الله سبحانه الذي عرف به نفسه لخلقه وجب ان يكون امداد الوجود مناسبة لاوصاف الله سبحانه من القهر و الغلبة و العزة و القدرة و الدوام و الثبات و هكذا و لما كانت الماهية جهة انقطاع الشئ عن ربه و لا مشابهة لها مع الجبروت و اللاهوت و ليست بوصف الله سبحانه و انما هي وصف الحدوث وجب ان يكون امدادها مما يليق بها و ذلك ظاهر ان شاء الله و كل واحد منهما ليس له الا ما سعي اي طلب و عمل [ص 273] و طلبه قوله و عمله فانه اما ان يطلب قولا او عملا فكل واحد منهما مستمد بعمله و يجزي بعمله سيجزيهم وصفهم و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و الانسان مركب من الوجود و الماهية تركيبا يمكن له استعمال كل واحد من جزئيه و العمل بمقتضي كل واحد فمهما مال الانسان و عمل بمقتضي وجوده و اطاع و رغب الي الله سبحانه تشيعه الماهية قهرا لاستمحال الانفكاك و مهما ترددت الماهية بين الانفكاك و العمل بمقتضي طبعها او المطاوعة اختارت المطاوعة فان في الانفكاك فناؤها و عدمها فتطاوع قهرا و تعمل عمل الوجود فاذا عمل الوجود بمقتضي نورانيته و طاوعته الماهية في عمله استمد الوجود من ربه ما يناسبه من النور و الخير فامده الله بالذات و استمدت الماهية بالعرض فالوجود يتقوي بالمدد الذاتي و الماهية تضعف بالمدد العرضي الغير المناسب لمزاجها مثال ذلك الحرارة و البرودة اذا تركبتا و امددت الحرارة بالحرارة تتقوي الحرارة في [ص 274] كل مدد و تضعف البرودة الي ان يبطل مقتضاها و لاتقدر علي التبريد بوجه فيدخل بذلك في محفل المسخنات و الحرارات فاذا صار ينزل المدد علي حسب اقتضاء الوجود و ضعفت الماهية و تلاشت و اضمحلت و الوجود هو آية تعريف الله سبحانه و تعرفه و اسمه و رسمه و صفته و الله غالب علي امره يصير الانسان قويا بالله سميعا بصيرا بالله ثابتا بالله نورا بالله خيرا بالله كاملا بالله غالبا بالله و هكذا ساير ما يليق بالربوبية و اما اذا عمل الانسان بمقتضي الماهية و ادام العمل بمقتضاها و طاوعها الوجود في عملها استمدت بمقتضاها و نزل المدد علي حسبها اليها فتقوت به و ضعف الوجود في كل مدد الي ان يصير الوجود مضمحلا متلاشيا لميبق منه الا بقدر امساك التركيب فحينئذ يكون آية الشيطان و ان كيد الشيطان كان ضعيفا فحينئذ يفتقر الانسان بالشيطان و يضعف به سميعا بصيرا به زائلا به ظلمانيا به شرا به ناقصا به مغلوبا به و هكذا فلو كان [ص 275] العالم خاليا عن اللطخ و الخلط و المزج لماكان يخفي امر احدهما علي احد من الناس فان اعمال المؤمن كلها نعيم و حور و قصور و لذة ابدية و اعمال الكافر كلها حيات و عقارب و جهنم و عذاب ابدي و لايشتبه احدهما بالآخر و لكن في عالم اللطخ و المزج قد يلتبس الامر علي من في قلبه مرض و في عينه عمي و في سمعه وقر و لكن لايشتبه لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فان الله سبحانه كلا يمد هؤلاء و هؤلاء بذاتيتهما و اللطخ و الخلط امر عرضي زايل لا بقاء له و العرضي لايغلب الذاتي ابدا و العرضي ثوب شفيف يحكي ما وراءه ابدا فلايخفي الذاتي ابدا ، فاذا عرفت ذلك فاعتبر من امر هذا المتلبس الكافر كيف ادعي عظيما و اقترف فخيما و كيف ضربه الله بالعمي و السفه حتي حمل اسباب بطلان امره و فساد طريقه و علامات شقاقه و نفاقه و افترائه علي الله و علي رسوله و الائمة عليهم السلام علي رسله و ارسلهم في اطراف [ص 276] البلدان حتي لايشتبه امره علي من لميكن في قلبه مرض و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون ثم اخمد ناره و ابطل امره و قرضه و قطع دابره و ظل متبعوه حياري لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا كذلك يهدي الله المتقين و يضل الله الظالمين و يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد ثم لما كان هذا المطلب الذي ذكرنا في هذا الفصل باب كل خير و سبيل كل نجاة لو حفظته و تدبرت فيه لوجدته دليلا علي اثبات رسالة الرسل و نزول الكتب و اثبات امر كل ولي و صفي ثم تنتظر دائما تقرير الله سبحانه لعباده فاين ما وقع التقرير و ثبت التصديق من الله لاحد في دينه و امره الذي يدعيه تصدقه انت ايضا تبعا لمشية الله و رضاه و من وجدت الله ابطل امره و افسد ادعائه بالبراهين الواضحة و الادلة البينة تنكره تبعا لمشية الله و رضاه و هذه طريقة لايضل سالكها و لايتيه الآخذ بها ابدا و لما كان القلب مشغولا بالتهييء [ص 277] للسفر الي مشهد الرضا عليه السلام و كان متبلبلا لميسعني التفصيل من دليل الحكمة و الاستشهاد بالآيات و الآثار الكثيرة و اقتصرت علي ما كتبت و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و ناصبيهم و غاصبي حقوقهم اجمعين و ثبتنا الله و ساير المؤمنين بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .