[ص 1]

رسالة ازهاق الباطل

في رد الباب المرتاب

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّٰه الرّحمٰن الرّحٖيم

الحمد للّٰه حمداً يذر حمد الحٰامدين ورٰاءه ، و يملأ اطبٰاق ارضه و سمٰاءه ، حمداً لا حمد فوقه و لا كلام ، و لا غٰاية دونه و لا مرٰام ، حمداً ليس له حد محدود ، و لا نعت موجود ، و لايحصي له عد ، و لا غاية له و لا امد ، و هو الواحد الاحد ، الفرد الصمد ، متوحداً في سلطانه ، متفرداً في علو شانه ، عجز افهٰام الحكمٰاء عن درك مائيته ، و كل السن الفصحٰاء و البلغاء عن وصف مٰاهيته ، جل عن ان تدركه الاوهٰام ، او تحيط به الاحلٰام ، كل مٰا توهم غيره ، و كل مٰا ادرك بنفسه خلقه ، موصوف بالايات ، معروف بالعلامٰات ، لم‌يزل و لايزال وحدانياً ازلياً قبل بدو الدهور ، و بعد صروف الامور ، لايبيد و لاينفد ، غني مطلق ، و ممتنع حق ، [ص 3] احاط بما سوٰاه علماً ، اذ لا سوٰاه فيما عدٰاه ، من مبدئه الي منتهٰاه ، و قد استغني علمه في نفسه عن المعلوم ، و سمعه عن المسموع ، و بصره عن المبصر ، و قدرته عن المقدور ، كما قد استغني ذاته جل من هو هكذا و لا هكذا غيره ، لٰاكان خلواً من الملك قبل انشائه ، و لايكون منه خلواً بعد ذهابه ، فتجلي لا بحركة بعد سكون ، و لا بنطق بعد سكوت ، و لا بزوال بعد قرار ، و لا بظهور بعد استتٰار ، و لم‌يقترن به بعد احدٰاثه ، فهو علي مٰا كٰان عليه قبله و معه و بعده ، و لا كيف لذلك كما لا كيف له ، اذ به اجري الله مٰا سوٰاه ، و لايجري عليه مٰا هو اجرٰاه ، و به عرف نفسه له ، و به بمن عداه لمن عدٰاه ، فكيف يوصف بما سوٰاه ، حٰاشٰاه ثم حٰاشٰاه ، جل عن مخالفة الاضدٰاد ، و عز عن مشٰاكلة الاندٰاد ، و سبيل التعبير ، في التسطير و التقرير ، لدي النبيه ، لاخرٰاجه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه ، فيخرجه عن التعطيل لمكٰان قوابله ، و ينزهه عن التشبيه لوجود فوٰاعله ، و بذلك ظهر الوجود ، و قام الشهود ، و تجلي [ص 4] المعبود ، و الا فكمٰال التوحيد نفي الصفٰات بالتجريد ، و كشف سبحٰات الجلال و التحديد ، و من وصفه فقد حده ، و من حده فقد عده ، و من عده فقد ثناه ، و من ثناه فقد جزاه ، و من جزاه فقد الحد فيه ، و اشهد شهٰادة ظاهرهٰا المصٰاص ، و باطنهٰا الاخلاص ، انه العدل الذي لا جور فيه ، و القسط الذي لا ظلم يعتريه ، قد احٰاط بما سوٰاه بعلمه ، و فطرهم علي حسب مشيته ، و سوٰاهم علي هيئة ارٰادته ، و فصلهم علي طبق قدره ، و ركبهم بقضائه ، و ابرزهم بامضٰائه ، و انزلهم في خزائنه باذنه ، و حصرهم في اجله ، و اثبتهم في كتابه ، فاعطي كل معلوم كيٰانه ، و الزم كل مكون عيٰانه ، و فرع علي كل عيٰان اقرٰانه ، قسم حدود الدهر علي الاستوٰاء ، و ابرز شهوده من العمٰاء ، و اخذ عهوده علي الوفا ، بعد مٰا خير كل شئ باختيٰاره ، و فتح عيون اعتبٰاره ، و حفظ جميع مٰا لهم و بهم و فيهم و منهم بصوٰاحب اقداره ، و هو المالك لما ملكهم ، و القادر علي مٰا اقدرهم عليه ، و اولي بهم من انفسهم ، ثم دعاهم بلسٰان المثال الملقي في [ص 5] هوياتهم في كل رتبة و مقام الي الاقرار بمعٰاني بيٰانه ، و دخول بابه بدلالة امنائه و اركٰانه ، و التوسل اليه بنقبائه ، و التسليم لنجبٰائه ، فاجٰابوا في اكوٰانهم طائعين ، و لبوا دعوته ضٰارعين ، فالبسهم شعٰار الكيان ، و ردٰاهم برداء العيٰان ، و انتجبهم في الاسرار و الاعلٰان ، و استسعاهم اليه ، و استقبلهم بما لديه ، فاقبلوا يسرعون اليه حثيثا ، و يسعون نحوه سريعاً ، حتي ان الجبٰال تحسبهٰا جٰامدة و هي تمر مر السحٰاب ، و متوجهة اليه بكلهٰا و لو من وراء الحجٰاب ، ففنيت انفسهم عند سطوع انوٰاره ، و اضمحلت اعيٰانهم عند لمعٰان بروق اسرٰاره ، حتي خنست الاغيٰار ، و فاضت الانوار ، و عمرت الديٰار ، و ظهر الملك القاهر الجبٰار ، و هم بين سٰابق في الاجٰابة قد علٰا بسبقه ، و بين لاحق قد دنا بحقه ، فاقامهم ثانياً في مشهد الاقتران ، و اوقفهم في موقف الامتحٰان ، و انتجب بعدله السٰابقين ، و خاطب بهم اللاحقين ، و فتح لهم الابواب ، و نادٰاهم من ورٰاء الحجٰاب ، فاقامه مقامه في ساير عوٰالمه في الادٰاء ، اذ كٰان لاتدركه [ص 6] الابصٰار ، و لاتحويه خواطر الافكٰار ، و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرٰار ، فدعٰاهم الي مٰا دعٰاهم من التوحيد ، و الاقرار بالنبي المجيد ، و الاعتراف بالولي الحميد ، و الايواء الي الركن الشديد ، فاذعنوا له اذعٰان العبيد ، و استسلموا له استسلٰام الفريد ، اذ بذلك التسليم استقر عيٰانهم ، و بذلك الاذعٰان ثبت كيٰانهم ، ثم دعٰاهم الي الاقرٰار بالنقباء المؤتمنين ، و النجبٰاء الممتحنين ، فهنالك هٰاجت الضغائن ، و ثارت السخٰائن ، و جٰاء الاختلاف ، و رفع الائتلاف ، و تشتت الاوصٰاف ، و ضٰاق المصٰاف ، فمن مقر قد فاز باقرٰاره ، و منكر قد خاب بانكٰاره ، و متوٰاضع قد ترفع باستسلٰامه ، و مستكبر قد وضع باستعظامه ، فلا الذي اطاع استغني عن هدٰايته و اقداره ، و لا الذي عصي سبق امدٰاده و اظهٰاره ، فتح لهم العينين ، و هديهم النجدين ، و سخر لهم الكونين ، و اصحبهم الارٰادتين ، و امسكهم باليدين ، ليجزي الذين اسٰاؤا بما عملوا ، و يجزي الذين احسنوا بالحسني ، فمن صعد فباصعٰاده و احسٰانه ، و من نزل فبارخائه و خذلانه ، [ص 7] قد انعم علي الفريقين ، و اولي علي الصنفين ، فمنهم من استعمل فيوضه و امدٰاده في سبل محبته و هدٰايته ، و منهم من صرف نعمه في طرق غوٰايته و ضلٰالته ، و الصلوة علي محمد المبعوث من البحبوحة العلياء ، المذروء قبل كل موجود من ارض او سمٰاء ، القائم به بذاتيته ، و الغائب عن درك البصٰائر بهويته ، الذي اله في تجليه البصٰاير ، و تحير في ظهوره المشاعر ، المغتمس في لجة بحر الاحدية ، المتجلي بالتجليٰات الواحدية ، الظاهر في الكينونة الاحمدية ، و النازل في الصورة المحمدية ، الذي جل عن ان يدرك بالاوهٰام ، و عز عن ان يحيط به الاحلٰام ، و تعالي عن وصف الوٰاصفين ، و تعظم عن نعت الناعتين ، صلّي اللّٰه عليه ابد الابدين و دهر الدٰاهرين صلوة تكون له رضٰا ، و لواجب حقه علي الخلق اداء و قضٰاء ، و علي منتهي الكلام ، و غاية المرٰام ، و اقصي مٰا يقع عليه الاشٰارات ، و اعلي مٰا يؤتي عنه بالتعبيرات ، العمٰاء المطلق ، و الابهٰام الحق ، غاية الغٰايات ، و نهٰاية النهٰايات ، و سيد [ص 8] السٰادات ، و قائد القادٰات ، القاهر القادر المالك الغالب ، مطلوب كل طالب ، علي بن ابيطالب عليه صلوات الله ملأ المشارق و المغارب ، و بعدد كل شاهد و غائب ، و علي سٰاير المقامٰات ، و باقي العلٰامٰات ، و الايات البينات ، اغصٰان شجرة الواحدية ، و فروع الدوحة العلوية ، النابتة في ارض العصمة الفاطمية ، شهور حول اللاهوت ، و عدد سٰاعٰات المٰاهوت ، و حروف لا اله الا الله في الملكوت و الناسوت ، جهٰات الاشٰارات ، و موٰاقع التعبيرٰات ، و لاسيما صٰاحب باطن الولاية ، و قيم العنوان و الاية ، آخذ العهود للاثار ، و مؤكد الموٰاثيق للانوٰار ، مظهر الغيوب في الشهود ، و مبين الموجد في الوجود ، مثبت العمٰاء للسناء ، و مرئي المثني في الثناء ، جٰاعل العلل في المعلولات ، و وٰاضع سمٰات المبدء في الغايٰات ، الغالب القاهر القادر المقتدر ، القائم الغايب المنتظر ، عجل الله فرجه ، و سهل مخرجه ، و اذهب بضيٰاء وجهه الظلام ، و كشف بضوء بريق سيفه غيٰاهب الطغام ، و رفع بظهوره الفتن ، و قشع ببروزه سحٰائب المحن ، امين ، يا رب [ص 9] العٰالمين ، و علي عناصر العبٰاد ، و اركٰان البلٰاد ، و اشرف الاوتاد ، ابد الاباد ، الي يوم التناد ، و علي السٰادة الهدٰاة ، و القادة الرعٰاة ، و الذابين الحمٰاة ، المأخوذة لهم الموٰاثيق و العهود ، القائمين مقام المعبود ، اصحٰاب الالوية و الاثار ، و معمري الديٰار ، و مذهبي الاكدٰار ، و رافعي الاغيٰار ، صلوات الله عليهم في الاعلان و الاسرٰار ، و لعنة اللّٰه علي طوٰاغيت الايام ، و فراعنة الاعصٰار و الاعوٰام ، و نوٰاصب العدٰاوة للهدٰاة الاعلٰام ، لاسيما اصولهٰا المجتثة ، و عناصرها الخبيثة ، اللات و العزي ، و منات الثالثة الاخري ، مٰا دٰامت الخضراء علي الغبرٰاء ، و تجلي العمٰاء في الضيٰاء .

و بَعْد يقول العبد الاثيم ، و الفاني الرميم ، كريم بن ابرهيم ، ان البٰاعث علي تحرير هذه الرقوم المسطرٰات ، و تنميق هذه الحروف و الكلمات ، نفي تحريف بعض الغالين ، و انتحٰال جمع من المبطلين ، و تأويل جم من الجٰاهلين ، و رفع غائلة قوم من المبتدعين ، الذين ظهروا في سنة احدي و ستين ، من الثالثة‌عشرة من المئين ، من [ص 10] هجرة خاتم النبيين ، عليه و اله صلوٰات المصلين ، و ذلك انه بعد مٰا غاب بدر الهدي ● ، و افل شمس التقي ، و انهد ركن من اركٰان الدين ، و ثلمت ثلمة في الاسلام و المسلمين ، الذي بكت علي فقده السموات العلي ، و الارضون السفلي ، و الوحوش في الارض و الطيور في الهوٰاء ، و تزلزل منه اركٰان العرش الي الثري ، اعني به السيد السند ، و الحبر المعتمد ، صاحب الركن الرابع ، و الضيٰاء اللامع ، و النور السٰاطع ، و العلم البٰارع ، الهٰادي الشٰارع ، اعني به السيد القمقام ، و علم الاعلٰام ، و حكم الحكٰام ، و غاية المرام ، الذي كٰان يشد اليه الرحٰال ، و يفد اليه الرجٰال ، اعني به الحبر العٰالم ، فخر الاكٰابر و الاعٰاظم ، و مجد الاعٰالي و الافاخم ، مفخر آل هٰاشم ، السيد السند سيدنا و موليٰنا السيد كٰاظم ، اجل الله شانه ، و انار في العٰالمين برهٰانه ، [ص 11] و اختل بفقده النظام ، و تزلزل باعرٰاضه اركٰان الاسلام ، و انهد بوفاته اسٰاطين الاعلٰام ، و بقينا في اصطلام اللأوٰاۤء ، و احٰاطة الاعدٰاء ، و غلبة اللئام ، و استيلٰاء الطغام ، و غوٰاشي الظلٰام ، فتنة منه سبحٰانه للمستسلمين له طمعاً او خوفاً ، و ابتلاء منه جل شأنه للمنافقين المسلمين كرهٰا ، و اظهٰاراً منه تعٰالي قدره الضغاين الكٰامنة في الصدور ، و ابداء منه لطفت خبرته الاحقٰاد المستجنة و الشرور ، و استنطاقا منه عظمت قدرته عجمٰاء النفوس و الغيوب ، و استخراجاً منه عزت قوته كوٰامن القلوب ، فانه اجل الله شأنه و انار برهٰانه كٰان مجمع الفضٰائل ، و معدن محٰاسن الخصٰائل ، حتي انه في العلم بحر لايسٰاحل ، و طمطام لايسٰاجل ، و في الجود سحٰاب مطير ، و بحر غزير ، و في كرم المحٰاسن و الاخلاق ، في جميع عصره طاق ، و في حسن الجوٰار ، احسن من في الديٰار ، و في السير و الاداب ، خير من ركب الاقتاب ، و في السيٰاسة ، كأنه حقيقة الريٰاسة ، و في صحبة الاصحٰاب ، من اشرف الاطيٰاب ، [ص 12] و بالجملة كٰان بحيث ،

لو جئته لرأيت الناس في رجل و الدهر في سٰاعة و الارض في دٰار

و لاجل ذلك شد اليه الرحٰال ، و وفد اليه الرجٰال ، و سٰار اليه اهل الاقاليم و الافاق ، و انجذب اليه النفوس كالغريم المهيم المشتٰاق ، كل يستمطر شآبيب فضله ، و يستدر ضروع نعمه ، فمنهم من اتاه ، طمعاً في دنياه ، و منهم من جٰاءه ، لادب شاءه ، و منهم من سٰار اليه ، طمعاً في علوم لديه ، و منهم من لاذ بسدته ، خوفاً من شديد معرته ، و منهم من نزل بفنائه ، طالباً لعظيم الٰائه ، و منهم من طلب علومَه ، ليرجع الي بلده و يسود قومَه ، و منهم من رٰاقبه لتعلم السيٰاسة ، لاستكمٰال مٰا في نفسه من الريٰاسة ، و منهم من اظهر له الخلوص ، لتعلم الاكسير ليهطع الي اهله و هو امير ، و منهم من طلب منه علم الاعداد و الحروف ، ليحوز به التصريف المالوف ، و منهم من اتاه ، خشية من مولٰاه ، معرضاً عن دنياه ، طالباً تعمير اخرٰاه ، تاركاً لهوٰاه ، مؤثرا رضٰاه ، و هكذا لكل [ص 13] وٰاحد منهم خيٰال ، و قل من طلب منهم الله المتعٰال ، و هو اجل الله شأنه امتثالاً لقوله تعٰالي ، هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حسٰاب ، ينفق في سبيل الله من كل بٰاب ، علماً بانه لا نفاد لخزائن اللّه الوهاب ، ينفجر العلم من جوٰانبه ، و يمطر الكرم من سحٰائبه ، ينادي باعلي صوته جوده و كرمه مشهوراً ، كلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و مٰاكٰان عطاء ربك محظوراً ،

فراحتا الدهر من فضفاض رحمته مملوءتان و مٰا للفيض تعطيل

فسالت اودية بقدرهٰا ، و استفاضت كل نفس بحسبهٰا ، لم‌يرجع احد منهم خائباً ، و لم‌ينقلب طالب منهم خاسراً ، فمار الكيل ، و جٰانب الجنف و الميل ، الي ان استخلصه الله فدعاه ، و اجٰاب دعوته و لبٰاه ، فاراد الله سبحٰانه لاصحٰابه اجرٰاء سنة الماضين ، و محنة السٰالفين ، كما قال بسم الله الرحمن الرحيم الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا و هم لايفتنون ، و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن [ص 14] اللّٰه الذين صدقوا و ليعلمن الكٰاذبين ، فاجري الله لسٰانه حين سأله عن الخليفة بعده سٰائله ، بقوله ان لله امْراً هو بٰالغه ، و اشٰار احيٰاناً بما اشٰار ، اذا استعلمه بعض المسلمين و استشار ، ليهلك من هلك عن بينة ، و يحيي من حي عن بينة ، فلما استأثر جوٰار ربه و مولٰاه ، و خفي الملاذ بعده لمن وٰالاه ، و لم‌يعلموا الي من الغاية و المفزع ، و من الذي بعده المفر و المرجع ، اتخذ كل رهط منهم لانفسهم مرجعاً ، و كل قوم مفزعاً ، و انتشر قوم منهم في الاقاليم و البلدٰان ، و تفرق جمع منهم في القفار و العمرٰان ، و تاهوا في البوٰادي و القفار ، و البرٰاري و الديٰار ، الي ان التم جمٰاعة منهم في شيرٰاز ، و ارادوا لانفسهم الاجلال و الاعزاز ، ففكّر مفكرهم و قدر ، فقتل كيف قدر ، ثم نظر ، ثم دبّر و استكبر ، و طلب الريٰاسة و استأثر ، و ظن في نفسه علماً يؤثر ، فاعرض عن ربه و ادبر ، و قال انا الذكر الاكبر ، و النور الانور ، و الضيٰاء الازهر ، و باب القائم المنتظر ، و الف لهم كتاباً ذا سور ، فسٰاجل به كتاب [ص 15] الله المجيد ، و فرقانه الحميد ، و قال انه اوحي اليه كتاب جديد ، و الف لهم صحيفة عٰارض بهٰا زبور ال الرسول الامين ، عليهم صلوٰات الله ابد الابدين ، و الف خطباً قابل بهٰا خطب اميرالمؤمنين ، عليه صلوات المصلين ، و زعم علي مٰا روي عنه انه لا ظهور بعدُ للقائم المنتظر ، و انما خروجه بالشعٰاع و الاثر ، ثم فرق رهطه في اطرٰاف البلٰاد ، ليخبروا العبٰاد ، فانتشروا في البلدٰان ، و سافروا في اطرٰاف العرٰاق و الايرٰان ، حتي ملأوا بهٰا الاصقٰاع ، و اولجوهٰا في الاسمٰاع ، و دعوا الناس الي بيعته ، زعماً منهم ان جميع الخلق كرعيته و شيعته ، فتارة ذكروا انه يأتي العرٰاق في محرم ، و يدخل جوف الحرم ، واضعاً سيفه علي عٰاتقه ، يدعوا الي قائده و سٰايقه ، و يخرج مكبراً من حول الضريح ، ليداوي القلب القريح ، و يقاتل الروم ، و يقتلهم علي العموم ، و مرة قالوا انه في يوم نيروز ، و له فيه ظهور و بروز ، فاستنفروا الناس الي العرٰاق ، و استلحقوهم ميقات يوم التلٰاق ، فخرج الناس كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة ، و سعوا الي [ص 16] العراق ، من غير قود و لا سيٰاق ، و اتبع اخرهم اولهم بالالتحاق ، كأنهم شٰاء مطفرة ، قد طفرت من جعفرة ، لا لامر الله يعقلون ، و لا من اوليٰائه يقبلون ، حكمة بالغة فماتغن النذر ، و حسبك شٰاهداً علي بطلانهم ، تسليم العوام لشٰانهم ، و قد وصفهم الله في كتابه بقوله لو كٰانوا يعلمون ، ان هم الا كالانعٰام بل هم اضل اولئك هم الغافلون ، و اين‌مٰا ذكر اللّٰه الاكثر ، ذكرهم باخس ذكر و اشر ، و مدح القليل ، في كل تنزيل و تأويل ، و من البيّن ان ،

بغاث الطير اكثرهٰا فرٰاخاً و ام‌الصقر مقلٰاة نزور

و لما رأي بعض المتوسطين ، تزاحم الجٰاهلين ، و انثيٰال المبطلين ، علي هؤلاء المبتدعين ، ترددوا و ارتابوا ، و خسروا و خٰابوا ، و لم‌يدعهم الي ذلك الّا جبلة النفس السٰاكنة الي الكثير ، المستوحشة من القليل ، فانهٰا مخلوقة في الكثرة و التحديد ، مضٰادة لمعني الواحد الفريد ، فتستأنس الي جنسهٰا ، و تستوحش من ضدهٰا ، مع انه قال علي عليه السلم لايستوحشنك في طريق الحق قلة اهله ، فان الناس اجتمعوا [ص 17] علي مائدة شبعهٰا قليل ، و جوعهٰا طويل ، ثم كثر بهذه الاخبٰار و اشبٰاههٰا لغطهم ، و شاع في الانادي و المحٰافل لغوهم ، و تكٰاتب بهٰا اهل البلدان ، و تحٰادثوا بهٰا في كل خراب و عمرٰان ، كأنهم همج رعٰاع ، و لكل ناعق اتبٰاع ، و ذهب سعي الهدٰاة فيهم الي الضيٰاع ، كأنهم جديدوا الاسلٰام و الايمٰان ، و عن طرقه و شوارعه عميٰان ، و كٰانوا الي الٰان عن ذكرٰي كتبه و شرايعه صمٰان ، لم‌يلجئوا فيه الي ركن شديد ، و لم‌يفزعوا منه الي ولي شهيد ، و مثلهم في ذلك مثل بني‌اسرٰائيل و البقر ، حيث ذهب موسي حتي يأتي بالاثر ، و ابقي فيهم هرون المستضعف المضطر ، فتركوه و اتخذوا العجل الهاً اكبر ، ان في ذلك لذكري و معتبر ، فتذكرت الخبر ، الذي جٰاء في الاثر ، عن سٰادات البشر ، عليهم صلوات الله الملك الاكبر ، من وجوب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فقد روي عن رسول الله صلي الله عليه و اله اذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العٰالم علمه فمن لم‌يفعل [ص 18] فعليه لعنة الله ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلم عن ابائه قال قال علي عليه السلم ان العٰالم الكٰاتم علمه يبعث انتن اهل القيمة ريحاً تلعنه كل دابة من دواب الارض ، و عنهم عليهم السلام انهم قالوا اذا ظهرت البدع فعلي العٰالم ان يظهر علمه فان لم‌يفعل سلب نور الايمان ، فرأيت ان حفظ الدين ، و صيٰانة ايمٰان المؤمنين ، بنفي تحريف الغالين ، و انتحٰال المبطلين ، و تأويل الجٰاهلين ، من اشرف شرايع الدين ، و اصلح عمل في الشرع المبين ، و استخرت الله فيه رب العٰالمين ، راجياً منه سبحٰانه ان يجعله سبب بصٰارة للمتقين ، و تذكرة للمعتبرين ، و يحسبنا بهٰا من الذابين ، عن ناموس سيد النبيين ، و الدافعين عن حرم خير الوصيين ، و الحٰامين لحمي الائمة الطاهرين ، عليهم صلوٰات المصلين ابد الابدين ، و دهر الداهرين ، و سميته بازهٰاق البٰاطل و فيه ثلثة ابوٰاب :

البٰاب الاول

في ان القران كلٰام صدق لايمٰاثل ، و نور حق لايشٰاكل ، [ص 19] و ان من زعم انه يقدر علي ان يأتي بمثل القرآن كٰافر ، و في بوٰادي الهلاك سٰاير ، و مٰا يتعلق بذلك و فيه فصول :

فصل - في بيٰان معني الكلام و المعني و مراتبهمٰا ، اعلم ان الكلٰام بالقول المطلق تنزل العٰالي و ظهوره في رتبة الدٰانٖي فكل عال بالنسبة الي دٰانيه غيب و معني و كل دان بالنسبة الي عٰاليه شهود و صورة علي مٰا لايخفي و من البين ان الشهٰادة علي طبق الغيب و المعني علي طبق الصورة و مٰا من صورة الا و قد نزلت من معني لبطلان الطفرة و مٰا من معني الا و قد ظهر بصورة لعدم الظهور الا بالكثرة و المعني في اللفظ كالروح في الجسد و في الحقيقة اللفظ روح مجسم و المعني جسم مروح فاختلف بذلك مراتب الالفاظ و المعٰاني و صٰار امرهمٰا اضافياً فكل لفظ معني دٰانيه و كل معني لفظ عاليه و لعلك عرفت بذلك ان غاية المعٰاني عالم العقول و غاية الالفاظ عالم النفوس لما قد تضٰافر ان العقل اول مٰا [ص 20] خلق الله فلٰا معني فوقه فهو معني المعاني و غاية الغايات و منتهي النهايات و مبدؤ الموجودات و اول المذروءات فهو آخر المعاني و اولها و لما كان النفس اول تنزله و ظهوره بالصور كانت النفس اول الالفاظ و آخرها فالعقل هو باطن البواطن و لا باطن فوقه و الجسم هو الظاهر لا ظاهر دونه الا ما يتصرف فيه علي نحو ظاهر الظاهر و ذلك خارج عن المحل المقصود و من العقل الي اللفظ الجسماني الخزائن التي نزل منها الكلام و هو آخر المقام و كلام كل متكلم ينبعث من نفسه و يتدرج نزولا الي ان ينزل الي عرش قلبه ثم ينزل الي شمسه ثم منها ينزل الي افلاك صدره و دماغه و منها الي ارض مخه ثم منه يأخذ النخاع و الاعصاب ثم منها تأخذ العضلات و توصل الي اللحم و العظم في العضو فتنطق اللحا و اللسان و الاسنان و الرية بما ينطق فهذا النطق السفلي علي صورة النفس العلوية و هيئتها فكان المنطوق نفس جسمانية و النفس منطوق دهري نفساني فلذلك صار كل كلام دليل عقل [ص 21] المتكلم به و كل كلام ينزل بعلم المتكلم به فكلام الله سبحانه ينزل بعلم الله كما قال تعالي شأنه ام يقولون افتريه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فان لم‌يستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله و ان لا اله الا هو فهل انتم مسلمون و كلام غيره ينزل من اعلي مراتبه الي ادناها بعلمه لما عرفت كما عرفت و لذلك لم‌يتكلم الانبياء و الرسل اممهم في مقام التبليغ الا علي قدر عقولهم فعن النبي صلي الله عليه و آله انا معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم و سر ذلك انهم نزلوا الي رتبة اممهم لكي تدركهم الابصار و تحيط بهم خواطر الافكار و تمثلهم غوامض الظنون في الاسرار فظهروا في عالم العقول بعقولهم و في الارواح بارواحهم و في النفوس بنفوسهم و في الطبايع بطبعهم و في المواد بمادتهم و في الاجسام بجسمهم فقال قائلهم انما انا بشر مثلكم فالمتكلم للامم الذي يصغون اليه و يسمعون [ص 22] صوته و يرون شخصه هو النازل في رتبتهم المصور بصورتهم و هو يتكلم علي حسب عقولهم فآخر بواطن معاني ما اسمعهم عقلهم كما ان ظاهر ما اسمعهم لفظهم فان من شئ يسمعه احدهم الا و يمكنه البلوغ اليه و النظر فيه و الاحاطة بظاهره و خافيه علي حسب ما اراد منه المتكلم معه له لا لغيره و لما كان للانبياء مراتب فوق الامم حتي ان افئدة الامم خلقت من شعاع اجسامهم و لهم فوق اجسامهم مراتب بحسبهم فهنالك لهم لالفاظهم معان تخصهم لايشاركهم في فهمها احد لان كل شئ لايجاوز ما وراء مبدئه و لايتعدي حده و مقامه و غاية مراتب الامم في درك المعاني عقلهم و في درك الحقايق فؤادهم و هو من شعاع اجسامهم و اثر ظواهرهم و لايبلغ الشعاع رتبة المنير و الاثر مقام المؤثر فيمتنع عليهم درك تلك المعاني التي تخص الانبياء فلهم من المعاني التي تخصهم ظاهر و باطن و باطن باطن الي سبعة ابطن يتفاضل فيها الانبيٰاۤء و الرسل [ص 23] لايعلمها احد سواهم و كذلك لمحمد و آل‌محمد عليهم السلام معان تخصهم علي حسب مراتبهم و مقاماتهم من جسمهم الشريف الي عقلهم اللطيف و ليس لاحد من الانبياء درك معني من تلك المعاني فان افئدتهم من شعاع جسم فاطمة صلوات الله عليها و الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايحيط بموجده فتلك المعاني تخصهم صلوات الله عليهم يتفاضلون فيها علي حسب مقاماتهم فالكلمة التي يتكلم بها محمد صلي الله عليه و آله مثلا « خلق الله الماء طهورا لاينجسه شئ الا ما غير لونه او ريحه او طعمه » يريد منها معان يمكن للرعية دركها و الاحاطة بها و معان يمكن للانبياء و الرسل دركها و لايمكن لمن دونهم من الرعية الاطلاع عليها و معان تخصّه و آله صلوات الله عليهم و لايمكن للانبياء و الرسل دركها و الاطلاع عليها و اما ما تكلم به الله سبحانه له معان يفهمها المؤمنون علي حسب [ص 24] مقامهم و معان يفهمها الانبياء و الرسل علي حسب درجاتهم و معان يطلع عليها محمد و آله سلام الله عليهم و معان هي في علم الله سبحانه الامكاني لم‌تنزل بعد الي عالم الاكوان و منها امر النبي صلي الله عليه و آله بالاستزادة بقوله رب زدني علما و كان يستزيد منها صلوات الله عليه و آله آنا فآنا و لا غاية لذلك و لا نهاية و هو الذي اشار اليه الله سبحانه كلما وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و منه يزادون في كل ليلة قدر و ليلة جمعة و في كل ساعة و حين كما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث طويل ان رسول الله صلي الله عليه و آله لما اسري به لم‌يهبط حتي اعلمه الله جل ذكره علم ما قد كان و ما سيكون و كان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر و كذلك كان علي بن ابي‌طالب عليه السلام قد علم جمل العلم و يأتي تفسيره في ليلة القدر كما كان مع رسول الله صلي الله عليه و آله الخبر ، [ص 25] و عن المفضل قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام ذات يوم و كان لايكنيني يا باعبدالله فقلت لبيك جعلت فداك قال ان لنا في كل ليلة جمعة سرورا قلت زادك الله و ما ذاك قال انه اذا كان ليلة الجمعة وافي رسول الله العرش و وافي الائمة معه و وافينا معهم فلاترد ارواحنا الي ابداننا الا بعلم مستفاد و لولا ذلك لنفد ما عندنا و عن ابي‌بصير قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول انا لنزاد في الليل و النهار و لو لم‌نزد لنفد ما عندنا ، و في هذه المعاني اخبار كثيرة اقتصرنا بالقليل خوف التطويل و لا شك انهم لايزادون فيما قد كان او سيكون فان جميعها عندهم كفلقة جوزة في كف واحد منا و انما يزادون من تلك العلوم الالهية التي لم‌تنزل بعد من صقع الامكان الي عرصة الاكوان و كما ذكرنا من مراتب علوم محمد و آله صلوات الله عليهم اجمعين و علوم الانبياء و المؤمنين فلعلم الله سبحانه ايضا مراتب ادناها الامكان مقام ام‌الكتاب و اللوح المحفوظ ثم [ص 26] علم الاجل يليه من فوقه ثم علم الاذن ثم علم الامضاء ثم علم القدر ثم علم الارادة ثم علم المشية و هذه السبع شئون علم الواحدية ثم فوقه مما يليه علم الاحدية ثم علم الالوهية ثم علم الهوية ثم علم الذات و هذه العلوم الاثناعشر من ما يخص به الاله الاكبر ليس الاحاطة بها من حد البشر و هذه العلوم هي التي اشار الله اليه في كتابه العزيز ان الله عنده علم الساعة و ينزل الغيث و يعلم ما في الارحام و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا و ماتدري نفس باي ارض تموت ان الله عليم خبير ، اما قوله ان الله عنده علم الساعة فالساعة في الظاهر هي يوم القيمة سمي بالساعة فانه آن واحد كلمح بالبصر او هو اقرب و هو المعاد الذي هو عين المبدأ فسماه بالساعة لتشمل المبدأ و المعاد معا و المراد منه جميع المقامات الخمسة التوحيدية من الذات الي الواحدية فان المراد بهذه الذات غير الذات القديمة و انما المراد بها مبدؤ المبادي و ذات الذوات و جميع تلك العلوم [ص 27] السبعة فالساعة جميعها لانها محضر الكل من حيث المجموع فهي ساعة لاهوتية ليس لها آن ثان ابدا و انما هي ساعة و آن واحد لا غاية لها و لا نهاية و لاتأتي لها ساعة ثانية فعنده هذا العلم لايطلع عليه احد سواه ، و ينزل الغيث هو غيث الوجود الراجح النازل من سحاب الرحمة فاشار بالانزال الي علم المشية و الارادة و القدر و القضاء و الامضاء و الاذن و الاجل و الكتاب فانه سبحانه قبض بمشيته اربعة اجزاء من رطوبة الرحمة و بارادته جزءا من يبوستها فعفنهما بتقديره و عقدهما بقضائه سحابا مزجي و جعله ركاما و امطره بامضائه و نقله من كل حال الي آخر باذنه و امسكه في كل مقام باجله و اوقعه علي ارض الامكان بكتابه فبين بقوله ينزل الغيث جميع هذه المراتب و المقامات فانه اشار هيهنا ان علم تكوين الوجود الراجح هو انزال الغيث و فصل في آي اخر كيفية ايجاد الغيث و ان الكتاب يفسر بعضه بعضا فقال في آية و هو الذي [ص 28] يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون و قال الم‌تر ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله ، و قوله و يعلم ما في الارحام هي ارحام القوابل الامكانية التي انزلت فيها نطفة الغيث من صلب بعلها و ظهره و هو المشية بقول مطلق فالله سبحانه يعلم ما في ارحام القوابل الامكانية و لايعلمها غيره لانها لم‌تتكون بعد و هذا غاية قوس النزول فاولها تكون السحاب و آخرها الاقتران بالارحام و الاختفاء فيها و هي آخر تكون المقبول ، ثم اخذ سبحانه في القوس الصعودي و مراتب القابل فاشار اليه بقوله تعالي و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا اي ماتدري نفس من تلك النفوس الحاصلة في الارحام بعد صيرورة نطفة الغيث علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم مكسي باللحم ثم منشأ بخلق آخر ثم [ص 29] جنينا ذا نفس ناطقة قدسية ماذا تكسب غدا في الصعود و كيف تقبل الامداد النازلة من سماء المشية هل لايبدو و يتم و يبلغ غايته و منتهاه او يبدو فلايتم و لايكمل و هذا العلم ايضا من العلم الامكاني ، و ماتدري نفس باي ارض تموت و ماتدري نفس من تلك النفوس الامكانية باي ارض من اراضي القوابل الصعودية تموت لتبعث في ارض اعلي منها فانّها ما لم‌تمت من ارض اجسامها بحسبها لم‌تبعث في ارض مثالها و ما لم‌تمت في ارض مثالها لم‌تبعث في ارض مادتها و هكذا فلاتدري نفس باي ارض من اراضي اجسامها في سيرها الي مثالها و اراضي مثالها في السير الي مادتها و هكذا تموت و تكسر و تفكك لتصاغ صيغة اخري ليوم ساعتها و قيامها في ارض مبدئها لسر البداء و عدم الامضاء فهذا العلم ايضا من مراتب القوابل الامكانية ، فهذه الآية جمعت جميع مراتب النزول و الصعود و المقبول و القابل الامكانية و الساعة المهيمنة علي جميع المراتب من المبدأ الي المنتهي و لايعلم شيئا [ص 30] من ذلك احد من اهل الاكوان لانها لم‌يكن بعد و علمها مخصوص بالله سبحانه و هو الذي اشار اليه سبحانه و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و محمد و آله عليهم السلام يستزيدون من ذلك العلم و ينزل عليهم منه في كل آن و حين و ذلك العلم مما يعلمه الله سبحانه و يقصده من القرآن و لايعلمه غيره من خلقه الا بتعليم خاص من الله سبحانه و اما ما في عرصة الاكوان فيعلمه محمد صلي الله عليه و آله و يعلمه عترته عليهم السلام سواء كان مما كان او يكون الي يوم القيمة و قد تضافر علي ذلك الآثار و الادعية الواردة عنهم عليهم السلام و بالجملة لم‌اكن قاصدا لذكر هذه الامور في هذه الرسالة و انما جرت علي لسان القلم استطرادا فاذا كلام كل متكلم ينزل من مقام نفسه الي آخر مقامات شهوده و ليس له ان يقصد به ازيد من ذلك فكلام المؤمنين اوله نفوسهم و آخره اعراضهم و غاية معانيه عقولهم و كلام الانبياء اوله [ص 31] نفوسهم و آخره اجسامهم في المخصوص بهم و اجسام المؤمنين و اعراضهم في الاعم و كلام محمد و آله صلوات الله عليهم اوله نفوسهم الشريفة و آخره اجسامهم اللطيفة في المخصوص بهم و آخره اعراض المؤمنين في الاعم و اول كلام الله سبحانه نفسه القائمة فيه بالسنن و آخره الامكان في المخصوص به و آخره اجسام المؤمنين و اعراضهم فيما شاء الله كيف ما شاء الله و قد عرفت ان كل كلام معني ما دونه و لفظ ما فوقه الاتري ان لفظ الاسم كلمة و زيد اسم و المصداق الخارجي زيد و ذاته موصوفة بالمصداق فتبصر به امرك حتي يأتيك البيان .

فصل - في كيفية صيرورة الكلام معجزا لايمكن الاتيان بمثله و الفرق بينه و بين ما ليس بمعجز ، اعلم ان كل ظاهر جاذب لباطن خاص به يناسبه علي حسب لطافته و كثافته و شدة اعتداله و قلته فكلما كان الظاهر اشد اعتدالا و اقوي تركيبا و اكثر صفاء حكي باطنا [ص 32] اعلي و اشرف و الطف و اقوي و اعدل علي حسبه و كلما كان اضعف اعتدالا و تركيبا و اقل صفاء حكي باطنا ادني و اخس و اكثف و اضعف علي حسبه و ذلك ان الظاهر وعاء الباطن و مرآته الحاكية له و القابل الجاذب له و لا بد من مناسبة بينهما فمهما ائتلفت العناصر و اعتدلت نحو اعتدال تقوت و صفت و اعتدلت بحيث صارت قابلة لجذب الروح النباتية من المبدء و حاكية لها و مظهرة لها و مصدرة لآثارها و منشأة لافعالها و بهذا الاعتدال لاتحكي الروح الفلكية و لاتجذبها و لاتظهرها لشدة كثافة جواهرها و غلظة بسايطها التي لاتكاد تنفعل للنفس الفلكية فاذا لطفت و رقت و اعتدلت و صفت حتي ساوت صفاء فلك القمر جذبت النفس الفلكية و استنزلها اليها فحكي صفاتها و اظهر افعالها فالتركيب الاول كان معتدلا و لولاه لم‌يظهر النفس النباتية المستعلية عليها و هذا التركيب ايضا معتدل و لولاه لم‌يظهر النفس الحيوانية المستعلية [ص 33] عليها الا ان جواهر الاول كثيفة غليظة غير مطاوعة للنفس الفلكية و جواهر الثاني لطيفة و هكذا مهما لم‌تلطف و لم‌تصف بحيث تساوي فلك الزهرة لم‌تظهر فيها روحه ابدا و ان كان معتدلا في حد ذاته فان الصفاء شرط بحسب كل مقام مزيدا علي الاعتدال و هكذا كلما صفت و اعتدلت حتي ساوت فلكا من الافلاك يظهر فيها روحه الي ان تصير بصفاء عرش الرحمن و اعتداله فيتعلق بها عقله الكلي ثم تصفو الي ان تلقي عنها الحدود و الكثرات لان الشئ بكثافته المستلزمة لبرده المستلزم لانقباضه يقبل الحد فكل ما صفي قل برده و كلما قل برده اتسع و هكذا يقل برده و يتسع حتي يضمحل برودته و يبطل حكمها فيخرج الشئ عن الحد المستلزم للبرد فلاينحد فلما صفت الجواهر و اعتدلت غاية الاعتدال حتي فنيت البرودات المستلزمة للضيق و الانقباض اتسعت حتي خرجت عن الحد و ساوت الجسم الكلي و الجسم المطلق و لاتتعداه بعد ذلك و [ص 34] حينئذ يتعلق بها الفؤاد و نور الله و تدخل في المتوسمين و هكذا تصعد في اللطافة شيئا بعد شئ و ليس لها غاية و لا نهاية و فيه قوله تعالي كلما وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و محبته هي خلوص الحبيب و شدة فنائه و اضمحلاله في المحبوب و مجانبته الاغيار و كشفه الاستار و انغماسه في الانوار فالمحبة هي الانجذاب الحاصل من صفاء الحبيب نحو المحبوب و علي هذا المثال اذا اعتدلت هذه العناصر و كان لها نوع صفاء اقتضي تعلق الروح الجمادية بها فلما زاد اعتدالها و صفائها تعلق بها الروح النباتية فلما زاد اعتدالها و صفائها تعلق بها الروح الحيوانية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح الجنية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح الانسانية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح النبوية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الحقيقة المحمدية و اذا ازدادت صفاء و اعتدالا يترقي شيئا بعد شئ و ليس للسير الي الله غاية و لا نهاية [ص 35] و لايصل الساير اليه ابدا ابدا نعم اذا ازدادت نعومة و لطافة و صفاء و اعتدالا تعلق بها المقامات و العلامات و الآيات و العنوانات الي ان تزداد في كل ذلك حتي يظهر منها المجهول المطلق و العماء الحق و هكذا الي ما شاء الله ففي كل مقام و رتبة لا بد من اعتدال و صفاء يناسب ذلك المقام علي ما اشرنا اليها و لعلك عرفت من هذا البيان ان مراتب التصفية تدريجية مرتبطة متصلة بعضها ببعض و ليست علي نحو الطفرة و بين كل مقامين منها برزخ لامحة فلما جاوز القابل مثلا صفاء الانسان و اعتداله و لمايبلغ صفاء الانبياء و اعتدالهم يكون له بينهما حالة برزخية لامحة و في هذه الحالة يحكي مقاما اعلي من مقام الانسان و اسفل من مقام الانبياء و يكون بذلك برزخا بين الانبياء و الانسان كما روي انه عرضت النبوة و الحكمة علي لقمان فقبل الحكمة و عرضتا علي داوود فقبل النبوة و هذا البرزخ يحدث في القابل اذا نزل المؤثر و الاثر اليه بظهورهما [ص 36] من جهة ان كل شئ فيه معني كل شئ فجميع المراتب ثابتة في كل شئ و كلما يصفو الشئ و يزداد اعتدالا يظهر عليه سر كان فيه كامنا و يبدو منه آثاره و هذا معني نزول العالي في الداني فان نزول العالي الي الداني ليس بذاته و انما هو بظهوره الذي هو نفس الداني و لاجل ذلك امكن البرزخ بينهما اي بين المقامين في رتبة و ان لم‌يكن برزخ بين الاثر و المؤثر حقيقة فيمكن البرزخ بين كل رتبتين من ادني المراتب الي اعليها و ذلك البرزخ هو المعبر عنه بالراجح في كل مقام بحسبه فان كل عال واجب بالنسبة الي دانيه و كل دان جايز بالنسبة الي عاليه و عبر عن البرزخ بينهما بالراجح ، فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان من الظواهر الالفاظ و الحروف و الكلمات المعروفة و هي ايضا علي طبق الالفاظ و الحروف و الكلمات الكونية فربما تتركب الحروف في عالم الالفاظ تركيبا لايصلح لحكاية اكثر من عالم المثال فليس لها الا معني واحد و باطن [ص 37] واحد و ربما تتركب تركيبا اعدل من الاول و اصفي فتدل علي عالم المواد ايضا و ربما تتركب تركيبا اعدل من ذلك و اقوم فتدل علي عالم الطبايع ايضا و هكذا الي ان تتركب تركيبا اعدل و اقوم و اصفي فتحكي مع جميع ذلك الفؤاد ايضا و هذا غاية ما في الرتبة الواحدة ثم تترقي في الاعتدال و الصفاء و القوام حتي تدل علي جسد الانبياء ايضا ثم تزداد في ذلك الي ان تدل علي مثالهم و موادهم و طبايعهم و هكذا الي افئدتهم ثم تترقي الي ان تزداد اعتدالا و تركيبا الي ان تدل علي اجسام آل‌محمد عليهم السلام ايضا ثم هكذا تزداد اعتدالا و صفاء و قواما الي ان تدل علي امثلتهم و موادهم و طبايعهم و هكذا الي ان تدل علي حقايقهم ثم تزداد نعومة و اعتدالا و صفاء الي ان تدل علي الصلوحات الامكانية و الكتاب و الاجل و الامضاء و القضاء و القدر و الارادة و المشية و هكذا تزداد نعومة و صفاء و اعتدالا في نهج التركيب و ملايمات التأليف الي ان تدل علي مقامات الواحدية و الاحدية و الالوهية و الهوية و الذات كما كانت الجواهر [ص 38] العنصرية في تركيباتها حرفا بحرف الاتري ان من العناصر قد تتألف و تكون شجرا و قد تتألف و تكون حيوانا و لايدل جسد النبات علي ما يدل عليه جسد الحيوان مع ان كليهما من العناصر الاربعة و قد تتألف و تكون انسانا و لايدل جسد الحيوان علي ما يدل عليه جسد الانسان مع ان كليهما من العناصر و قد تتألف و يكون منها جسد نبي و لايدل جسد الانسان علي ما يدل عليه جسد النبي و قد تتألف و يكون منها جسد محمد صلي الله عليه و آله و لايدل جسد النبي علي ما يدل عليه جسد محمد صلي الله عليه و آله و هكذا و ليس ذلك الا من تفاوت مراتب الصفاء و حذف الزوايد و الغرايب و حسن التأليف علي ما يليق بكل روح و يحتاج اليه كل روح في اظهار صفاتها و اجراء افعالها و هكذا جواهر الحروف تختلف ارواحها التي هي معانيها بحسب اختلاف ايتلافها و تركيبها و صفائها بحذف الزوايد و الغرايب اللفظية و الوصفية منها و [ص 39] بحسب حسن صوغها و سوءه فلا كل احد يقدر ان يؤلف الفاظا و حروفا تدل علي ازيد من عقله و مقامه و حده و امثل لك في ذلك مثالا ان البناء يقدر علي ان يؤلف اللبن و الطين و الماء حتي يجعل بناء يستقر فيه الاجسام و يدل كل جزو من بنائه علي ما يستقر فيه بحسب تأليفه و تركيبه مثلا يدل بيت من بيوته علي انه المضيف و يحل فيه الضيف و بيت علي انه لاجل ان يحل فيه النساء و بيت علي انه لاجل المخزن و بيت علي انه لاجل الاصطبل و بيت علي انه لاجل الانبار و بيت علي انه لاجل المطبخ و هكذا كل جزو منه يدل علي شئ من الاشياء التي ينبغي ان يحل فيه فالبناء يقدر ان يؤلف من حروف اللبن و روابط الطين لفظا هكذا يدل علي ما ينبغي ان يحل فيه و لايقدر ان يؤلف من الماء و التراب حتي يجعله بيتا يحل فيه الروح النباتية و الحيوانية و الانسانية و هكذا فان هذا التأليف لايحصل بالآلات الجسمانية و الجوارح الجسدانية فلايمكن [ص 40] ذلك التأليف باليد و الرجل و يحتاج الي جارحة طبيعية و هي خارجة عن قدرته و لا تصرف له فيها الا من كان له تصرف فيها و الطبيعة بحكمه و جارحة من جوارحه فهو يمكنه تركيب العناصر بحيث يحل فيها الروح النباتي و هو كالملك المؤلف للنبات و اما هذا الملك لايقدر ان يؤلف العناصر بحيث يحل فيها الروح الفلكية لان جواهر ملك النبات طبيعية و في تأليف العناصر حتي تصير بيتا للحيوان يحتاج الي جارحة حيوانية فلكية فليس له ذلك و انما هو شأن الملائك الافلاكية و هكذا و هكذا الامر في الالفاظ حرفا بحرف الاتري ان العامي الذي ليس له نفس علامة لايقدر ان يؤلف الحروف تأليفا تدل علي مسئلة من المسائل العلمية و الذي له نفس علامة في الفقه و ليس له نفس علامة بالاكسير لايقدر ان يؤلف كلمات و حروفا تدل علي علم الاكسير و ان كان جميع الالفاظ من الحروف و يمكن في الامكان جميع انحاء اقتراناتها [ص 41] و لكن لا كل احد يقدر علي كل تركيب الاتري ان تركيب العناصر بجميع انحائه كان ممكنا و لكن لا كل احد كان يقدر ان يؤلف منها ما يشاء فكذلك الانسان لو اجتمعوا يقدرون علي ان يؤلفوا من الحروف ما يمكن لادق جوارحهم و هو عقلهم و لايقدرون علي تأليف لايتصرف فيه جارحة العقل اتري يتصرف جارحة اليد في تأليف النبات فهكذا لايتصرف جارحة عقول الاناسي ان يؤلفوا بها من الكلام تأليفا يدل علي جسد الانبياء و يحل فيه لان ذلك فوق شهاداتهم و مراتب مقاماتهم و قدرة جوارحهم و اما النبي فيقدر ان يؤلف من الحروف تأليفا يدل علي اجسادهم او امثلتهم او غيرها من مراتبهم و لكن لو اجتمع الانبياء كلهم لايقدرون ان يؤلفوا حروفا تدل علي جسد آل‌محمد عليهم السلام لانه فوق شهادتهم و تصرف جوارحهم و لكن هم بانفسهم يقدرون ان يركبوا حروفا و كلمات تدل علي اجسادهم و هكذا و هم ايضا لو اجتمعوا كلهم لايقدرون ان [ص 42] يؤلفوا كلمات و حروفا تدل علي ما يخص به سبحانه من المقامات و الصفات قال النبي صلي الله عليه و آله انت كما اثنيت علي نفسك لااحصي ثناء عليك ، و بذلك صارت اسماؤ الله و صفاته توقيفية و اتفقوا عليه و ان لم‌يعرفوا وجهه و ذلك لانه لايقدر احد ان يؤلف تأليفا يدل علي صفاته سبحانه و مقاماته غيره سبحانه فهو يقدر علي تأليف ذلك بجوارح الهية لاهوتية فيؤلف ما يشاء كيف يشاء حتي يدل علي صفاته و مقاماته ثم يعرفها خلقه و يأمرهم ان يدعوه بها و يتوسلوا اليه بها كما خلق النبي صلي الله عليه و آله و عرفه خلقه ليتوسلوا اليه به فلو اجتمع اهل السموات و الارض علي ان يؤلفوا اسما من اسمائه سبحانه لايقدرون عليه و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا انظر في ظاهر ظاهر هذا الخبر و اعرف المقصود سئل اميرالمؤمنين عليه السلام بم عرفت ربك قال بما عرفني نفسه قيل و كيف عرف نفسه فقال لايشبهه صورة و لايحس بالحواس و لايقاس بالناس قريب في [ص 43] بعده بعيد في قربه الخبر ، و في الدعاء يا من دل علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و ايضا في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لم‌ادر ما انت و قال الرضا عليه السلام ساجدا سبحانك ماعرفوك و لاوحدوك فمن اجل ذلك وصفوك سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك و لااشبهك بخلقك انت اهل لكل خير فلاتجعلني من القوم الظالمين و كتب ابوالحسن عليه السلام ان الله اعلي و اجل و اعظم من ان يبلغ كنه صفته فصفوه بما وصف به نفسه و كفوا عما سوي ذلك ، الي غير ذلك من الاخبار و ادلة الاعتبار فليس لاحد ان يصفه بوجه من الوجوه الا ان يصف الله بشئ نفسه و يعرفه خلقه ثم يتوسلوا به اليه و يصفوه به و الا فلايمكن لاحد فلعلك عرفت بذلك انه لايقدر ان يؤلف كلمات و حروف مثل تأليف القرآن و لو اجتمع عليه اهل الارضين و السموات من الجن و الانس و الملائكة و الانبياء و الرسل و الائمة الطاهرين [ص 44] و محمد خاتم النبيين عليهم صلوات المصلين فلايقدرون علي تركيب حرفين من الكتاب علي النهج الذي ركب الله سبحانه و علي الوضع الذي وضعه الله و لاتزعم ان لفظة قال مثلا قاف و الف و لام و كل العرب كان يقول و نحن ايضا نقول فان مثلك في ذلك مثل من صنع وردة من الخرق و المفاتيل و زعم انه كالورد النابت و هو ينبت و ما صنعت لاينبت و هو حي و هذا ميت و هو يؤثر و هذا لايؤثر الاتري انك لو اهنت بمكتوب قال علي انه من القرآن كفرت و لو اهنت به علي انه قولي لم‌تكفر و لو لم‌تكن في تلك الكلمة روح لمااثرت هذا التأثير الاتري انه يؤخذ من القرآن ما يشاء لما يشاء و يوضع في الالواح و يرقي به و يؤثر و يشفي و لايؤثر قولك « قال » ابدا في رقي و لا غيره و هل ذلك الا لاجل ان في كلامه تعالي روحا و ليس في كلامك روح و ان القرآن يجيئ يوم القيمة بهيئة رجل و يشفع لكل من تمسك به في دار الدنيا و كلامك ليس هكذا و انما [ص 45] ذكرنا هذه الجهات لمن كان مسلما و عرف انه معجز و اراد ان يعرف سره و اما غير المسلم فيتحدي بان يأتي بمثله و لايقدرون علي ان يأتوا بسورة من مثله و ذلك لانهم لايسلمون ان كلمتهم ايضا لاتكون مثل كلمة الله فيتحدون بسورة و بعشر سور و انما ذلك لصعوبة تفهيمهم ان مثل الكلمة ايضا لايمكن صدوره من غيره سبحانه و الا لو اجتمع جميع اهل السموات و الارض علي ان يؤلفوا كلمة من كلمات القرآن حتي لفظة فرعون مثلا ماقدروا عليه فان في تركيب القرآن خصوصيات لايقدر احد ان يؤلف الحروف عليها الا الله سبحانه بجوارح سرمدية و آلات لاهوتية الاتري ان لفظة فرعون منك يحرق و لا حرج و لفظة فرعون من القرآن لاتمس بغير طهر و لفظة فرعون من القرآن شفاء من كل داء و امان من كل خوف و حفظ من كل سوء و ليس من غيره هكذا و بالجملة خلقة القرآن كخلقة محمد صلي الله عليه و آله فكما انه لايقدر احد ان [ص 46] يخلق مثل محمد صلي الله عليه و آله لايقدر احد ان يأتي بمثل القرآن و عدم القدرة علي الاتيان بمثله علي وجهين وجه يمكن ان يؤتي بمثل صورته و ليس له تلك الروح و قسم لايمكن ان يؤتي بمثل صورته ايضا فان حسن تأليفه و تركيبه فوق طاقة المخلوق اما ما يمكن الاتيان بمثله صورة فالكلمات و الحروف التي اذا تكلم بها وحدها لايعرف انها من القرآن بنفسها من غير قرينة كلفظة « كان » مثلا فمثلها يؤتي بمثلها صورة و لكن لا روح لما اتوا به و لا دلالة له علي المقامات و العلامات اللاهوتية و اما ما لايمكن الاتيان بمثله ابدا فهو ما يفهم انه قرآن اذا قرء و هو مقدار سورة الكوثر و التوحيد مثلا فليس لاحد ان يأتي بمثله لا صورة و لا معني و لو اجتمع عليه الانس و الجن فانه تركيب الهي بجوارح ربانية و ادوات سبحانية و مثله بعينه مثل ساير الخلق فانهم و ان كانوا يقدرون علي ان يأتوا بشبه صورة بعض الاشياء فانهم لايقدرون [ص 47] ان يأتوا بمثل اكثرها صورة و جميعها معني و انما يقدرون علي تأليفات عرضية لايسمن و لايغني من جوع و اني لهم بالتأليفات الحقيقية و التركيبات الاصلية فتبين و ظهر ان لتأليف القرآن خصوصيات من تقديم حرف علي حرف و تأخير كلمة عن كلمة و آية عن آية و سورة عن سورة و خصوصيات كل حرف ● من قلقلتها ١ و همسها ٢ و جهرها ٣ و اطباقها ٤ و انفتاحها ٥ و شدتها ٦ و رخاوتها ٧ و استعلائها ٨ و انخفاضها ٩ و ذلاقتها ١٠ و صموتها ١١ و صفيرها ١٢ و لينتها ١٣ و منحرفها ١٤ و مكررها ١٥ و هاويها ١٦ و مهتوتها ١٧ و فتحها و رفعها و خفضها و سكونها و مدها و ظهورها و خفائها و ناريها و هوائيها و مائيها و ترابيها [ص 48] و متواخيها و متناكرها و نورانيها و ظلمانيها و مذكرها و مؤنثها و نظايرها و غرايزها و ناطقها و صامتها و معجمها و مهملها و متعاديها و يابسها و فاتحها و جامدها و تامها و رسلها و علماها الكملين و علماها الادنين و ملوكها و صالحيها و اغنياها و فقراها و اشقياها و عوامها و حمليها و ثوريها و جوزائيها و سرطانيها و اسديها و سنبليها و ميزانيها و عقربيها و قوسيها و جدييها و دلويها و حوتيها و قمريها و عطارديها و زهريها و شمسيها و مريخيها و مشترويها و زحليها و مداخلها الصغيرة و الكبيرة و المتوسطة الكبري و المجموعية و الاكبر و الاكبر الاعظم و الاكبر الاكبر و بسوطها العددية و الحرفية و قواها و منسوبات المنازل و هي شرطين و بطين و جبهة و زبرة و صرفة و نعايم و بلدة لناريها و هقعة و هنعة و ذراع و غفر و زبانا و اكليل و اخبية لهوائيها و نثرة و طرفة و قلب و شولة و مقدم و مؤخر و رشا لمائيها و سماك و عوا [ص 49] و دبران و ثريا و ذابح و بلع و سعود لترابيها و هكذا ساير متعلقات الحروف مما ينتسب و الساعات و الايام و الشهور و الاعوام و القرون و المعادن و الاقاليم و المواضع و البر و البحر و غير ذلك مما يطول بذكرها البيان و متعلقات الكلمات من المعروف و المجهول و الاسم و الفعل و الحرف و المعرفة و النكرة و المنصرف و غير المنصرف و الصحيح و المعتل و المفرد و التثنية و الجمع و المؤنث و المذكر و التصاريف و الاشتقاقات مما يطول بذكرها البيان و متعلقات التركيب من الاضافة و الحال و التميز و النعت و العطف و الفاعل و المفعول و الاسناد و الابتداء و الاخبار و الاسم و الخبر و غير ذلك مما هو معروف و غير ذلك من متعلقات البيان و المعاني و الفصاحة و البلاغة و الصناعات العروضية و انطباقها علي العلوم الالهية و الطبيعية و علي علم الرياضي من النجوم و الرمل و الجفر و الهندسة و الحساب و الاعداد و ساير متعلقات كل واحد و حيازتها علم الشريعة و [ص 50] الطريقة و الحقيقة منطبقا بعضه علي بعض و انطباقها علي الكتاب التكويني من الف‌الف عالم و اشتمالها علي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و تضمنها جميع الحالات و العلوم ، اجمل لك القول لايوجد كمال و لا حسن الا اشتمله القرآن و ركب علي احسن ما يمكن في الامكان بل كل كلمة كلمة منه يشتمل علي ما يشتمل عليه الكل الم‌تسمع حديث الصادق عليه السلام عن ابيه عليه السلام في تفسير الصمد علي نهج الحروف الي ان قال لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز و جل حملة لنشرت التوحيد و الاسلام و الايمان و الدين و الشرايع من الصمد و كيف لي بذلك و لم‌يجد جدي اميرالمؤمنين عليه السلام حملة لعلمه حتي كان يتنفس الصعداء الخبر ، و الم‌تسمع ما روي عن علي عليه السلام ان كل ما في القرآن في الحمد و كل ما في الحمد في البسملة و كل ما في البسملة في الباء و كل ما في الباء في النقطة و انا النقطة تحت الباء ، و الم‌تسمع انه [ص 51] قال لو شئت لاوقرت سبعين بعيرا من تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم ، الي غير ذلك من خصوصيات تفاسير القرآن بحيث تحير فيه العقول و تفاسير الحروف المقطعة علي معان عجيبة و اسرار غريبة و ما فيها من الآيات القوارع و الرقي و العوذ و التأثيرات و العزايم و الاستخدامات للجن و الملائكة و الكواكب و رقي الهوام و الدواب و غير ذلك مما لايخفي علي اهله و هو مع ذلك في الظاهر مرتبط بالارتباط الظاهري و في الباطن بالباطني و في التأويل بالتأويلي و اذا صرفته الي اي علم و عرفته ينصرف اليه مرتبطا مؤتلفا و في كل وجه كلام منطبق علي العالم هيهات هيهات من الذي يقدر ان يلاحظ جميع ما ذكر في وضع كل حرف و ذاته و في وضع كل كلمة و ذاتها و في وضع كل تركيب و ذاته و لمن الاحاطة بتمام ملك الله حتي يراعي فيه الانطباق علي جميع ملك الله و لمن تلك الجارحة المركبة لهذه الحروف علي هذا النهج و انت لو شئت ان تركب [ص 52] الحروف بجارحة وهمك ها هو لايحيط بكل شئ فربما ينطبق كلامك علي شئ و ينفك عن باقيه او تركبه بجارحة نفسك فهكذا او عقلك فهكذا بل لو اجتمع جميع النبيين لايقدرون ان يؤلفوا كلاما ينطبق علي جميع علم الله بل محمد و آله سلام الله عليهم و ان كانوا يقدرون علي تطبيق كلامهم علي جميع المكونات و لكن لايقدرون علي تطبيقه علي جميع الامكانيات و الافاعيل و المقامات و العلامات و الآيات و الامكانات التي لم‌تكن بعد و الله يعلم انها لو كانت كيف كانت تكون فمما ذكرنا و شرحنا و بسطنا علم ان خلقة القرآن مثل خلقة محمد و علي و الائمة عليهم السلام و لذا تواتر الخبر اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و هو الثقل الاكبر و عترتي و هم الثقل الاصغر ، فاذا القرآن هو خليفة رسول الله و لايخلف احد احدا الا ان يكون من طينته و نوره و جنسه و لا فرق بين علي و القرآن الا انه ظهر بصورة انسان و القرآن ظهر بصورة الكتاب [ص 53] بل هو رجل واحد ظهر بصورتين و لذا يأول الكتاب في الباطن في جميع الآيات بعلي عليه السلام و هو الكتاب المبين حقا ظهر بصورتين بالصورة الانسانية التي هي الكتاب الصغير او الوسيط الكوني و بصورة القرآن التي هي الكتاب التدويني اسمع ما رواه مكحول عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اوليس كتاب ربي افضل الاشياء بعد الله عز و جل ، فاذا كان افضل الاشياء بعد الله عز و جل و محمد هو الافضل صلي الله عليه و آله ثم علي فهو محمد و هو علي فكيف يماثل محمد و علي عليهما السلام بل القول بامكان وجود كتاب مثل القرآن هو بعينه القول بامكان وجود مثل محمد صلي الله عليه و آله و القول بامكان انزال الله كتابا بعد القرآن مثله القول بامكان انزال الله نبيا بعد محمد صلي الله عليه و آله مثله و القول بامكان كتاب آخر مثل القرآن قول بامكان صيرورة مبدء الاشياء اثنين [ص 54] و الخاتم اثنين فان القرآن هو مبدء الكتب و خاتمها كما ان محمدا صلي الله عليه و آله مبدؤ الاشياء و خاتمها و لما كان القرآن افضل الاشياء بعد الله سبحانه كان محيطا بجميع الاشياء و متضمنا لها و لاجل ذلك قال سبحانه مافرطنا في الكتاب من شئ و لفظة شئ نكرة واقعة في سياق النفي تفيد العموم بقدر سعة علم المتكلم و قال تبيانا لكل شئ و لفظة كل يفيد العموم بقدر علم المتكلم و سعته و قال لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم بقدر علم الناطق به بالبداهة و قال و لقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل و هو من ادوات العموم بقدر احاطة الناطق و هكذا فاين ذكر كل هذه الامور و جميع ما في علم الله من شئ في القرآن لولا ما اذكر اتراه انه قد كذب لا والله صدق الله العلي العظيم و صدق رسوله النبي الكريم و نحن علي ذلك من الشاهدين و في الخبر ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و ان كل شئ في [ص 55] القرآن فاذا قال الله سبحانه كل شئ في القرآن و ماتركنا فيه ذكر شئ و هو الناطق مع احاطته و سعة علمه انظر بعين عقلك هل يسع احدا ان يقول اني آتي بكتاب مثل القرآن فعلي هذا هو الله المحيط بجميع الامكان حتي وضع في كتابه كل علمه سبحان الله عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين .