و اما المعلوم فالمراد به المحكم الظاهر الدلالة واضح المحجة بحيث ليس فيه شبهة و ( و لا خ ) ارتياب و هو النص الجلي الواضح العلي الذي لايحتمل الخلاف مطلقا او في اصطلاح يقع به التخاطب و القوم جعلوا المحكم اعم من الظاهر و النص و لايبعد ذلك لان النص هو الحجة البالغة الذي ليس لاحد فيه مهمز و لا لقائل فيه مغمز و هو المحكم المتقن الذي خلقت طينته من عليين و هي الطينة التي ليس لاحد فيها نصيب قد ازال و ابطل نور تلك الطينة الالهية كل ظلمة و شبهة و نكارة و جهل و دنائة و رذالة فلم‌يبق الا [ص 288] المعروفية المطلقة و المعلومية التامة لانه ( لانها خ ) حينئذ صفة المعلوم المطلق و المعروف الذي ليس فيه نكارة و الظاهر الذي ليس فيه خفاء فبقي معلوما لا جهالة و لا جهل فيه و لذا صار كما في الزيارة الجامعة حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كبر شأنكم و تمام نوركم و صدق ( حسن خ ) مقاعدكم و ثبات مقامكم و شرف محلكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصتكم ( جاهكم خ ) لديه و قرب منزلتكم منه الزيارة ، فلو كان في تلك الحقيقة نوع خفاء و جهة شبهة و ظلمة لم‌يظهر هذا الظهور لكل احد .

و اما الظاهر فهم جماعة خلقت قلوبهم اي افئدتهم من تلك الطينة بحيث لا فرق بينهم و بينها الا انهم آثارها و اشعة انوارها و عبدها رقا و طاعة و خلقت اجسامهم اي مقام تعينهم و انيتهم الذي هو مقام صورهم و حدودهم المشخصة من دون تلك الطينة فبذلك سرت فيهم جهة ظلمة و بتلك الجهة اختفوا و لم‌يظهروا بالكلية الا ان جهة نورانيتهم لما كانت غالبة بقوا في مقام الظهور الذي يستفاد منه الظن بخلاف الاولين فانهم النصوص القاطعة و البراهين الواضحة و الانوار اللامعة و الحجج البالغة فالناظر ( فالظاهر خ ) اليهم لايزال علي بصيرة و هداية و رشاد ( ارشاد خ ) قاطع متيقن بالمراد و اما شيعتهم المخلصون و ان كانوا نورانيين الا انهم ليسوا بتلك المثابة فلايستفاد منهم من الطمأنينة و السكون مثل ما يستفاد من المعصوم الطيب الطاهر فافهم .

[ص 289] و اما المتشابه فهو الذي تتعارض فيه الجهات المتضادة فلايدري الناظر اي الجهات مراده فيسلك بذلك سبيل الباطل سيما اذا توغل فيها و ذلك لايكون الا عند وقوفه مقام الاختلاف و التضاد و ان يكون له فطرتان فطرة ( اصلية خ‌ل ) الهية و فطرة عرضية معوجة فمرة ينظر الي الاولي الاصلية و مرة ينظر الي الثانية السفلية فيشتبه عليه النظران و من تعارض النظرين و تعاكسهما يحصل الظن و الوهم و الشك و الوسوسة و الريب و الزيغ و العناد و الجهل و الحمق و امثالها من الملكات الردية و قد ذكرنا ( شرحت خ ) تفاصيل هذه الاحوال في مسئلة العلم و حقيقته و منشأ تحققه و من اراد ذلك فليراجعها او المتشابه ضد المحكم بمعني النص و الظاهر الذي ذكرنا فان اهل الباطل و الائمة الذين يدعون الي النار عندهم من الباطل ما يشابه الحق فيلقون علي الضعفاء و يضلونهم عن السبيل و هو قوله تعالي فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و هم الذين يطلعون علي سرائرهم الخبيثة و بواطنهم القبيحة فلاتحجبهم ظواهرهم عن مشاهدة بواطنهم و قد يكون الشئ الواحد محكما من وجه و متشابها من وجه آخر كما في الساكن المتحرك و المختلف المؤتلف و هذه الامور الستة التي ذكرها عليه السلام كلها يجري في الشئ الواحد بحسب المقامات ثم لما ذكر عليه السلام حدود الخلق من حيث الاستقلال و عدمه و من حيث الوحدة و عدمها و من حيث المعلومية و عدمها و ظهر من تلويح كلامه عليه السلام ان المعلومية هي [ص 290] علة الايتلاف و التشابه علة الاختلاف او بالعكس اي الايتلاف و الوحدة و الاجمال علة المعلومية و الاختلاف و التضاد و الكثرة علة التشابه و المعلومية علة السكون و التشابه علة الحركة اراد ان يبين عليه السلام بطلان ما ذهب اليه بعض الاوهام الفاسدة انها تدرك الاعدام و الممتنعات و شريك الباري و انها تدرك مفهوم واجب الوجود و ينتزع منه الصفات و ان المصادر السيال ( السيالة خ ) لا وجود لها كالفوقية و التحتية و امثالها حتي قال بعضهم بعدمية مفهوم القدم و الحدوث و الوجوب و الامكان و امثالها فقال عليه السلام و كل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز و جل معناه كما قال مولينا الصادق عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم فكل شئ يقع عليه حد و تمييز ( يتميز خ ) سواء كان في الذهن او في الخارج باي نحو من الانحاء يكون و هو مخلوق لقوله عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فالممكن المخلوق لايدرك الا ما كان ممكنا مخلوقا فلايسعه ادراك الواجب و الممتنع لانه ليس بواجب و لا ممتنع و فرض المحال حينئذ محال لان الفارض ممكن و ماتسميه ( نسميه خ ) محالا و ممتنعا كل ذلك لجهة امكانه و الا فكل ما ليس عندنا لانقدر عليه و لو فتح هذا الباب جاز ادراك الواجب سبحانه و تعالي و قد اجمع المسلمون علي استحالته و لما نص الله عز و جل علي ان كل شئ له خزائن عديدة ( هو خ ) يتنزل من الاعلي الي الاسفل فما ندركه في مداركنا و مشاعرنا و قوانا و حواسنا كل ذلك قد نزل من عالم آخر الينا فهو من الخارج مع ان كل ما يأتينا اما من كتاب الابرار في عليين او من كتاب الفجار في سجين و لايمكن ان يدرك ما لم‌يكن مكتوبا في احد الكتابين و هو قوله تعالي [ص 291] ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون فاذن بطل ما حكموا بعدميته و ان الذهن يدرك ما ليس بموجود في الخارج ثم اراد عليه السلام ان يفصل المدارك و المشاعر و ما يخص كل مشعر بادراكه و ان كل ما تفهمه الحواس و تدركه فهو ما في رتبة تلك الحاسة اي صفة الامر الخارجي و صورته قد انتقشت في مرآة تلك الحاسة فهي تنظر الي الخارج بما فيها و تحكم عليه بما عندها و هذا باب واسع في العلم فقال روحي فداه و اعلم ان كلما اوجدتك الحواس فهو معني مدرك للحواس و هذا هو الاشارة الي الشق الثاني من الكلام من ان ما تؤدي اليك الحواس هو المعني المدرك لها الموجود في رتبتها الآخذة شبح الامر الخارجي علي حسب ما عندها من الاستقامة ( و الاعوجاج خ ) و الاختلاف و الايتلاف و غير ذلك و لذا تختلف الافهام و الاوهام في الشئ الواحد فيحكم ( فيحاكم خ ) كل بخلاف ما حكم به الآخر بل يختلف فهم الشخص الواحد في الشئ الواحد فلو كان ما في الذهن هو الذات و الحقيقة لمااختلفت فلما اختلفت الحواس في ادراك الشئ الواحد علمنا ان ما عندها الرسم و الشبح لا الذات و الحقيقة فابطل عليه السلام بذلك مذهب القائلين بان الاشياء انما تدخل في الذهن بحقايقها لا باشباحها و بين عليه السلام ان الادراك باحداث الشبح لا غير ذلك و لذا قيده بقوله روحي فداه فهو معني مدرك بالحواس ( للحواس خ ) فافهم و اشار الي الشق الاول من الكلام بقوله عليه السلام و كل حاسة تدل علي ما جعل الله عز و جل لها في ادراكها و اعلم ان اختلاف المشاعر دليل علي اختلاف الادراكات و اختلافها دليل ( علي خ ) اختلاف المدركات و اختلاف القوي باختلاف المدركات دليل علي ان [ص 292] بين الادراك و المدرك لا بد من مناسبة ذاتية تصحح تخصيص الادراك و لذا جعل الله سبحانه للاجسام اي لادراكها الحواس الظاهرة الجسمانية من السامعة و الباصرة و اللامسة و الذائقة و الشامة و كل قوة جعلها الله سبحانه لادراك جهة من الجهات الجسمانية فالسامعة للاصوات و الباصرة للالوان و اللامسة للخشونة و اللين و الذائقة للطعوم و الشامة للروايح و هذه الخمسة هي العمدة في عالم الاجسام و تأخذ تلك القوي شبحا من كل سنخ بهذه الآلات و تؤدي الي بنطاسيا و هي الحس المشترك العالم البرزخ بين عالم الاجسام و الارواح و تدرك الصور الغيبية بمعونة الصورة الخارجية مثل استدارة الشعلة الجوالة و غير ذلك و هذه القوي تؤدي الي الخيال و هو في البطن المؤخر من التجويف الاول للدماغ كما ان الحس المشترك في البطن الاول من التجويف الاول و قالوا ان الخيال هو خزانة الحس المشترك و ليس له ادراك غير الحاملية و الخازنية و ليس بصحيح بل الخيال قوة مدركة للصور الغيبية المنتزعة من الصور الشهودية او ما من شأنه ذلك و هي يستمد ظاهرها من جسم فلك الزهرة و باطنها من باطن فلك الزهرة اي من روحها و لايبعد ان يكون المفكرة مقدمة علي المخيلة لان بابها فلك العطارد ( عطارد خ ) بغيبه و شهادته و باب الخيال الزهرة بغيبها و شهادتها و لا شك ان فلك عطارد اقرب الي عالم الشهادة من الزهرة و وجب مطابقة الفرع مع الاصل قالوا في وجه التخلف ان المفكرة هي قوة يجمع بين المختلفات و يفرق بين المؤتلفات و يضم المعني بالصورة و يضم الصورة بالمعني فاذا كان كذلك [ص 293] وجب ان يكون محلها الوسط و هو البطن الاول للتجويف الثاني فان الوهم الذي يدرك الصور الغيبية في البطن الثاني للتجويف الثاني و الخيال الذي يدرك الصور الشهودية في البطن الثاني للتجويف الاول فالفكر يتوسط بينهما و يأخذ عنهما و قالوا ايضا علي ان الصورة باردة رطبة و المعني بارد يابس و المثلث الذي للدماغ قاعدته الي جهة الجلد و الحواس الظاهرة و رأسه الي الباطن ( البطن خ ) فكلما هو اقرب الي القاعدة اكثر برودة و رطوبة فلذا صار الحس المشترك في البطن الاول من التجويف الاول ثم بعده الخيال لانه صورة محضة ثم الفكر لانه صورة و معني و ضم و تأليف ثم جمع و تفريق و غير ذلك ثم الواهمة و هي التي تدرك الصور الغيبية المعنوية ثم الحافظة فانها خزانة للمعاني الغيبية ثم العاقلة و هي في البطن الثاني من التجويف الثالث و قال بعضهم ان فيه المحركة ( المتحركة خ ) و الاول هو الاولي فان العاقلة تأخذ و تستمد من فلك زحل و هو اعلي الافلاك و اقصاها و الحافظة و هي مخزن العلم تأخذ و تستمد من فلك المشتري و هو تحت فلك زحل و الواهمة محل المعاني اي الصورة ( الصور خ ) المنتزعة من عالم الغيب مثل عداوة زيد و محبته و صداقته و هكذا من الامور الغيبية التي لاتظهر في الحس الجسماني و هي تستمد من المريخ الذي تحت المشتري و المتخيلة محل الصور و الهيئات المنتزعة من عالم الشهود تستمد و تأخذ من فلك الزهرة و هو تحت المريخ و المفكرة محل ترتيب و جمع و صوغ و هدم تستمد من فلك عطارد و هو تحت الزهرة و الحس المشترك محل الصور البرزخية و هي تستمد علي [ص 294] ما افهم من باطن جوزهر القمر و هو تحت عطارد فاقترنت الاسباب بالمسببات و العلل بالمعلولات و لي كلام طويل عجيب في هذه القوي و ترتيبها و مداركها و صورها و هيئاتها و في تصحيح ما قال القوم و تزييفه تركت ذكره للتطويل و صونا عن اصحاب القال و القيل و هذه القوي كل قوة تدل علي ما جعله الله فيه فالحس المشترك تدل علي الصور البرزخية و الخيال علي الصور الغيبية علي التفصيل الذي ذكرنا ثم اراد عليه السلام ان يبين ان هذه الحواس و القوي و المدارك ليست بمتأصلة مستقلة بل لها اصل نشأت كلها منه و تعود اليه و هي آلاته يستعملها في مهماته مما يحتاج اليها في عالم التفصيل و ذلك الاصل هو القلب و لذا قال عليه السلام و الفهم من القلب يجمع ذلك كله و القلب و ان كان له اطلاقات كثيرة الا ان المراد في هذا المقام هو العقل الكلي الخاص بالشخص و هو وجه من روح القدس و نسبته الي بدن الانسان و قواه و مشاعره نسبة روح القدس اي العقل الكلي الي هذا العالم فانه قد خلقه الله تعالي من اقباله و ادباره و شؤنات اطواره و كذلك العالم الانساني خلقه الله سبحانه من شعاع ذلك العقل فخلق باقباله و ادباره الجزئي جميع مراتب كل شخص من الاشخاص الجزئية فهو الاصل في جميع المراتب و هي كلها عنه تصدر و اليه ترد و الحكم لله العلي الكبير و القلب جوهرة نورانية ( الهية خ ) بدت من الاختراع الاول مجردة عن المادة الملكوتية و الجسمانية و الشبحية و البرزخية و عن المدة المقدارية المثالية و المدة الزمانية و اول نور مشرق من صبح الازل و آدم الثالث و اول ولد تولد من آدم الثاني [ص 295] الذي هو الوجود المقيد اعني الماء النازل من سحاب المشية الذي به كل شئ حي و من حواه ( حوائه خ ) ارض الجرز و ارض القابليات اي الماهية الاولي خلقه الله سبحانه من اربعة اجزاء من رطوبة ماء بحر الصاد اول المداد و جزء واحد من يبوسة ارض القابلية الاولي الارض الطيبة ثم مزج بينهما باسمه الحي ثم عقدهما باسمه القابض ثم اخذ من هذا المجموع جزئين و مزجهما مع جزء واحد من ارض الجرز و الارض المقدسة ثم عركهما بحرارة اسمه النور مع الرطوبة اي رطوبة اسم الله المبين ثم عقدهما بذلك مع قوة اليبوسة اي يبوسة اسم الله القابض فتمت خلقته و كملت صنعته ثم سجد لله تحت عرش ربه فركع مسبحا بحمد ربه و قام قائما معلنا بالثناء عليه تعالي و ذلك هو العقل و هو القلب و ( و هو خ ) اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو القلم في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو عبد من عباد الله قائم في طاعة الله صورته هيكل التوحيد و صفته الرضا و التسليم و مقامه الركوع و طبيعته البرودة و اليبوسة في ظاهر ذاته و البرودة و الرطوبة في ظاهر فعله و الحرارة و اليبوسة في اصل ذاته و ادراكه المعاني الكلية و مخزنه كل الوجود بالذكر كالانسان المذكور عند جميع الافراد و الجزئيات الغير المتميزة في رتبة مقامه و دليله الموعظة الحسنة و سبيله اليقين و طريقته التقوي و علم الطريقة و صفته ( صفة خ ) الاستقامة و ذكره سبوح قدوس ربنا و رب الملائكة و الروح و معرفته اسماء الله الحسني و صفاته العليا و نفي الاضداد و الانداد و معرفة الصفات الثبوتية و السلبية و شغله العبادة فلايتوجه الا الي المعبود بالحق وحده لا شريك له [ص 296] و ثمرته العصمة عن الخطاء فطوبي لمن لاحظ حرمته و اقتطف ثمرته و قوله لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و ان كل ما جاء به محمد ( صلي الله عليه و آله خ ) حق لا شك فيه و حكمه الاحتياط لتحصيل اليقين و مكانه كل الممكن لان العقل اول شئ برز في الوجود بمشية الله سبحانه و مادة امره الكوني و خطابه الشفاهي فلم‌يبق في الامكان الكوني مكان الا و قد وسع نوره و ظهر ظهوره و الاشياء كلها خفيت و اضمحلت عند سطوة جبروته و لذا سمي عالم الجبروت و وقته الدهر و هو الوقت الثابت المستمر الذي يجمع المختلفات و يفرق المجتمعات الزمانية و لونه البياض في صفته و السواد في ظاهر ذاته و الحمرة في باطن حقيقته مقبل علي الله عز و جل مطيع لامره و نهيه اذ لايجد في مقام ذاته ما يصرف نظره عن الله تعالي اذ ما عداه كله باطل و ذكره لايقاوم تأصل الذات فلايمكن التوجه الا اليه تعالي فلما كان كذلك احبه الله و اكرمه و ملكه هذا العالم و سخر له كل شئ فالاشياء آلات و قوي له يصرفها فيما يشاء كما يشاء بما يشاء و القلب حقيقة وحدانية اجمالية و الصدر تفصيل ذلك الاجمال و تمييز ذلك الابهام و به تظهر الجهات و الحيثيات فتفاصيل القلب في الصدر و تفاصيل الصدر في الدماغ فالصدر جامع للجهات المتشتة المختلفة في الدماغ عن ( من خ ) القوي المذكورة و القلب جامع ما في الصدر فقوله عليه السلام و الفهم من القلب يجمع ذلك كله نظر الي طي الواسطة و رجوع الاشياء الي مباديها و القلب هو اصل العوالم و ترجع الملائكة بالاخبار اليه في ليلة القدر و ليلة الجمعة و كل آن و وقت و هو الجامع لتشتتات اخبار الملائكة كما تخبر الحواس القلب في كل آن و وقت و دقيقة اخبار ما ترد علي [ص 297] كل حاسة و تجمع ( تجتمع خ ) الاخبار كلها عند العقل و القلب و هكذا تعرض الملائكة اعمال الخلايق و اطوارهم و حركاتهم و سكناتهم و اصولهم و فروعهم و اكوارهم و ادوارهم كلها علي قلب العالم فهو الحافظ للعالم عن الاندراس كما ان كلما يصل الي البدن بالقلب و كلما يرد عليه باطلاع القلب و يستخبر عند الورود و قبل الورود و لايعزب عن علمه مثقال ذرة في ارض جسده من حركات الشراين و ( سكون خ ) الاوردة و لا في السماء سماء الارواح و الغيوب فافهم ضرب المثل و تلويح الامام عليه السلام في لحن الخطاب فقد قالوا عليهم السلام نحن لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له فيعرف اللحن فقد اثبت بابي هو و امي في هذا الكلام الموجز المختصر ما لاتسعه العبارة و تضيق به الاشارة الا اني في كتمانها لفي واسع العذر فان اهل هذا الزمان حرموا علي انفسهم خيرا ما له عوض و امرا ما له ثمن حفظنا الله و اياكم عن شرور انفسنا و ( عن خ ) سيئات اعمالنا .

قال عليه السلام و اعلم ان الواحد الذي قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد و تقدير و كان الذي خلق خلق اثنين التقدير و المقدر و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق فجعل احدهما يدرك بالآخر و جعلهما مدركين بنفسهما و لم‌يخلق خلقا شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده فالله تبارك و تعالي فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لايعضده و لايكنه و الخلق يمسك بعضه بعضا باذن الله و مشيته و انما اختلف الناس في هذا الباب حتي تاهوا و تحيروا و طلبوا الخلاص من الظلمة في وصفهم الله بصفة انفسهم [ص 298] فازدادوا من الحق بعدا و لو وصفوا الله عز و جل بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم و اليقين و لمااختلفوا فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم قال عمران يا سيدي اشهد انه كما وصفت و لكن بقيت لي مسئلة .

( اقول خ‌ل ) لما بين عليه السلام خلق عالم الوجود المطلق و اشار الي العلل الاربع من حيث هي و معلولاتها بقوله ساكن و هو العلة الفاعلية و مؤتلف و هو العلة المادية و مختلف و هو العلة الصورية و معلوم و مجهول و هو العلة الغائية علي احد الوجوه و المتحرك اشارة الي نفس المعلول من حيث هو معلول اراد عليه السلام ان يفصل مراتب المعلول و ان يشرح حاله و نسبته الي العلة و لما اتفقت كلمة العقلا ان بين العلة و المعلول لا بد من مناسبة و مرابطة بها يصح تخصيص كل مفعول بالجعل دون الآخر و لم‌يتضح المراد من هذه المناسبة و العلة توهموا ان العلة هي ذات الله تعالي فاضطربوا لوجه مناسبته بمخلوقاته و معلولاته ( معلوماته خ ) مع كونه هو الواحد الاحد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد و هو قولهم بالربط بين الحادث و القديم فقال بعضهم و هم الصوفية القائلون بوحدة الوجود ان ذات العلة واحدة من غير تكثر و اختلاف لكنه يتطور بالاطوار و يتعين بالحدود و التعينات اظهارا لكماله و اثباتا لاسماء جلاله و جماله و ارائة نفسه في مرايا القوابل و الاستعدادات لان الجميل يبتهج بجماله اذا رآه في المرآة فصح الربط بل الخلق ليس شئ سواه كالمداد الظاهر بالحروف و البحر الظاهر بالامواج و قالوا ان هذا لاتستلزم النقص كما ان [ص 299] الشمس تشرق علي النجاسات و القاذورات و لاتتكيف الشمس بكيفياتها و لاتتنجس بها و لما رأي الآخرون ان هذا المذهب هو الخروج عن مذهب اهل الاسلام بل عن جميع المذاهب و الملل كما قال الشيخ علاء الدولة السمناني في حاشيته علي الفتوحات عند قول ابن‌عربي سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها قال يا شيخ ان الله لايستحيي من الحق ( الخلق خ ) يا شيخ لو قيل ان فضلة الشيخ عين وجود الشيخ لاتسامحه بل تغضب عليه فكيف يجوز لك ان تنسب هذا الهذيان الي الملك الديان تب الي الله تعالي لتنجو من هذه الورطة الوعرة التي تستنكف عنها الطبيعيون و الدهريون و قال بعضهم في الربط باثبات الاعيان الثابتة لذلك و لاثبات علمه بالاشياء قبل خلق الاشياء فان كون علم الله عين ذاته تعالي ضروري و ان العلم يستدعي المعلوم لانه من قبيل الاضافة لا شك فيه و حدوث الاشياء مما لا خلاف لاحد فيه فلو جعلنا المعلومات هي المحدثات انتفي العلم ( القدم خ ) في القديم للاصل الذي عندهم من حكم الاضافة و لو جعلنا عين الذات و قلنا بقدم الاشياء فلايسعنا ذلك لضرورة الحدوث فاحتاجوا لان يثبتوا للاشياء تحصلا ذكريا في الازل في ذات الحق سبحانه حتي تكون معلومة له تعالي قبل خلقه الخلق ثم يكون تلك الاذكار علة الربط و اختصاص كل مجعول بجعل خاص حسب معلوميته في العلم الازلي سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و قال الآخرون في حقيقة الربط بان معطي الشئ لايجوز ان يكون فاقدا له و الا لزم المحال فيجب ان تكون الاشياء كلها في ذاته بوجه اشرف و ان لايسلب عن ذاته تعالي امر [ص 300] وجودي و الا لزم التركيب فيكون بسيط الحقيقة كل الاشياء و قال الآخرون بان الاشياء لا تحقق لها و لا ثبات و لا وجود و انما هي اوهام و خيالات يتوهمها و يتخيلها الانسان فالوجود هو الله و الاشياء موجود بالانتساب اليه و قالوا ان وجود زيد اله زيد كما تقول ماء مشمس بالشمس هي الاصل و الحرارة انما حصلت بالانتساب و قال الآخرون بالتوقف و التحير و قد طرق سمع عمران هذه الاقوال الفاسدة و العقايد الباطلة اراد عليه السلام ان يبطل هذه الاقوال و يبطل هذا المحال و يزيل تلك الكدورات فقال روحي فدائه و اعلم ان الواحد قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد فالواحد هو الذي لا كثرة فيه لانهما متناقضان لايجتمع احدهما مع الآخر و اما الواحد الذي فيه الكثرة فاطلاق الواحد عليه من باب المجاز و التوسع و كلما فيه الاثنينية و المغايرة كثرة يجب سلبها و نفيها عن الواحد الحقيقي فاذن لا ذكر للكثرة فيه بوجه من الوجوه فاين النسبة و اين الربط و اين الاعيان الثابتة فان كانت له ( لها خ ) جهة غير جهة الذات ينفع اثباتها للغرض الذي عندهم فان لم‌يكن لها الا جهة الذات و هي عبارة اخري للذات لم‌ينفع اثباتها ابدا لان الربط لم‌يحصل و المناسبة ماتحققت ضرورة انها بين الامرين و النسبة تستدعي المنتسبين فاذا امتنع الذكر امتنع النسبة فامتنع بذلك التعين الذي ذكره الملاحدة الصوفية فان التعين و المتعين مقترنان و الاقتران ينافي الوحدة الحقيقية فان كان معطي الشئ يعطي عما في ذاته اذا لنفد ذاته و لنقص و ان كان يعطي عما في قدرته و احداثه و ملكه فهو فاقد المعطي [ص 301] في ذاته و تمثيلهم بالسراج و الاشعة ( علي ما يفهمون خ ) لايتم الا في الفاعل الموجب و الفاعل بالطبع كما يزعمون و اما الفاعل المختار فلايجري شئ من ذلك نعم المعطي لايجوز ان يكون فاقدا للشئ في ملكه و في قدرته و علمه و اما علمه فيجب ان يكون فاقدا لها لا علي نحو يلزم التحديد علي ما زعموا كما قال عليه السلام ان الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه و كلما يصدق عليه اسم شئ ماخلا الله باطل فقوله عليه السلام واحد ابطل جميع ما ذكروا و هدم كل ما اسسوا و شيدوا ثم اردف قوله عليه السلام اتماما للحجة و اكمالا للنعمة بالتقييد بقوله الواحد الذي قائم بغير تقدير فهو تفصيل لما اجمله بقوله الواحد ثم اردف عليه السلام هذا التنزيه عند الخلق لبيان انه تعالي حين ايجاد الخلق منزه عن كل القرانات و النسب و الاوضاع فهو تعالي منزه عن التقدير و التحديد قد خلق خلقا محدودا مقدرا فابطل بذلك قول المشائين و اصحاب العقول العشرة من القول بان الواحد من حيث هو واحد لم‌يصدر منه الا الواحد فقد ذكر عليه السلام ان الواحد من حيث كونه واحدا منزها عن التقدير و التحديد خلق ( خلق خلقا خ ) مقدرا محدودا و لا شك انه متكثر و في الدعاء لايشغله خلق شئ عن خلق شئ و لا علم شئ عن علم شئ و لايفوته شئ و لايؤده حفظ شئ نعم المناسبة بين العلة و المعلول ثابتة و هي في الظاهر بين المعلول و صفة العلة و فعلها الاتري الكتابة فانها معلولة لك و هي لاتدل الا علي استقامة حركة يدك او اعوجاجها و اما علي ذاتك فلاتدل عليها ابدا و لذا لايستدل بحسن الخط علي حسن ذات [ص 302] الكاتب و بقبح الخط علي قبح ذات الكاتب نعم يستدل بهما ( بها خ ) علي استقامة حركة يده و اعوجاجها كما اشرنا اليه فالمناسبة بين الاثر و صفة المؤثر لا بين الذات و الآثار تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و اما في الواقع فالعلة هي الفاعل و الخالق و هما صفتان للفعل لا صفتان للذات و قد اجمع عليه الشيعة المخلصون المقتفون لآثار ائمتهم الهداة المعصومين سلام الله عليهم اجمعين فاذا فالمناسبة بين الفعل و المفعول لا بين الذات و المفعول فالذات تحدث الفعل بنفسه بلا كيف و لا اقتران و لا ربط ثم يحدث المفعولات به بعد ما احدث ذكرها فيه فيناسبه كل مفعول بما فيه من ذكره و اسمه و لايصح السؤال عن كيفية احداث الفعل اذ لا كيف هنا لان الكيف مخلوق به و لايجري عليه ما هو اجراه و هو السابق علي الكيف و الكم و الزمان و المكان و الاولية و الآخرية و الابتداء و الانتهاء و غيرها فلايوصف بها و قد نص مولينا الرضا بذلك في حديث الارادة لما سئل عليه السلام عن الفرق بين ارادة الله و ارادة المخلوقين قال عليه السلام الي ان قال و اما ارادة الله فاحداثه لا غير فانه ( لانه خ ) لايروي و لايهم و لايفكر و انما يقول للشئ كن فيكون بلا لفظ و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له ه‍ ، فاذا بطل السؤال عن كيفية ايجاد الفعل كما بطل السؤال عن كيفية حقيقة ( كيفية كيفية خ ) كنه الفاعل و الخالق سبحانه و تعالي فالله هو المنزه عن التقدير و التحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد و تقدير اخذ في احداث الوجودات المقيدة و كلياتها و اول خلق دخل في الوجود بالتقدير و التحديد اي بالحدود و الهيئات المتميزة المتشخصة سواء [ص 303] كانت معنوية او شخصية فاول الوجودات المقيدة هو العقل الاول و هو الذي قال النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله عقلي و اول ما خلق الله القلم و اول ما خلق الله روحي و الكل بمعني واحد و هو اول الوجودات المقيدة لا مطلق الوجود فان المشية سابقة عليه ثم اراد عليه السلام ذكر كيفية احداث العقل و غيره من الوجودات المقيدة فقال عليه السلام و كان الذي خلق خلق خلقين ( الذي خلق خلقين خ ) اثنين التقدير و المقدر و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق ، التقدير يراد به الحدود و الهيئات و الاوضاع و الهندسة و المقدر يراد به المادة المطلقة و الهيولي الاولي و هو الوجود ( الموجود خ ) الذي هو اثر المشية و هو المصدر الذي تشير ( نشير خ ) اليه دائما فالله سبحانه خلق اولا الوجود الذي هو المقدر فان الحدود و الهيئات انما ترد و تطرء عليه فهو المقدر فخلقه الله سبحانه بجعل مستقل اولا و بالذات ثم خلق التقدير و هو الصورة و هو الماهية و الانية بتبعية جعل الوجود الذي هو المقدر ثانيا بجعل عليحدة ثم الف بينهما و خلق النسبة الارتباطية ثالثا ثم الزم بينهما اي الزم الماهية الوجود و مزج بينهما و جعلهما شيئا واحدا حتي صدق عليه خلقا واحدا مقدرا بتحديد و تقدير رابعا فتم بذلك العقل و كل شئ علي هذا المجري و هو صنع الله تعالي في كل شئ الا ان الاشياء تختلف بالهيوليات فالهيولي الاولي للعقل و الثانية للنفس و الثالثة للطبيعة و الرابعة للمادة الجسمانية و الخامسة للصورة المثالية و السادسة للجسم و هكذا و كل واحد منها يصدق عليه انه مخلوق مقدر بتحديد و تقدير فابطل عليه السلام بقوله خلق اثنين [ص 304] التقدير و المقدر قول الحكماء القائلين بعدم مجعولية الماهيات التي هي التحديد و التقدير في هذا المقام فانه عليه السلام صرح بانه مخلوق ثم اشار بقوله اثنين ان له جعلا آخر كجعل الوجود لا كما يقولون انه جعل واحد تعلق بالوجود ثم انجعلت الماهية به من غير حاجة الي جعل آخر غيره كما قالوا في الاربعة و الزوجية فان الزوجية في تحققها و تكونها عندهم لايحتاج الي جعل آخر غيره و يكفيها جعل الاربعة و هذا القول خروج الله سبحانه عن السلطنة و الحكمة و تكذيب لله ( له في قوله خ ) تعالي الم‌تر الي ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا و لا شئ في التابعية باعظم من الظل و هو سبحانه جعل جعله منسوبا الي نفسه من غير جعل الشمس التي هي ( الذي هو خ ) الوجود و تمام الكلام في ذلك في شرح الفوائد لشيخي و استادي ادام الله حراسته و لانطول الكلام بذكره و مرادنا الاشارة الي اشارات كلام الامام عليه السلام ليتفطن الناظر و يستبصر الطالب و قوله عليه السلام و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق ، يحتمل معنيين احدهما ما ذكرنا من ان المراد بالمقدر هو الوجود و التقدير هو الماهية و علي هذا اما الوجود فلا شك انه ليس فيه لون و لا وزن و لا ذوق لانه مجرد عن الحدود و الاوضاع و اما الماهية فهي خطوط و حدود اذا تعلقت بالمقدر المحدود يتولد بذلك اللون و الذوق و الوزن و الا فهي من حيث هي ليس لها ( له خ ) لون مرئي و لا وزن موزون مقدر و لا ذوق لانه ( لانها خ ) محض الهيئة فلاتظهر آثارها الا بالتعلق و اللون و الذوق و الطعم انما [ص 305] تحصل من اقتران الوجود بالماهية لا بكل واحد منهما كما لايخفي و ثانيهما ان يكون المراد من التقدير هو الفعل الخاص المتعلق بالشئ حين ايجاده و بعبارة اخري هي الرأس المختص بالشئ من المشية الكلية و لا شك انه ليس له وزن و لا لون و لا ذوق و ذلك معلوم و كونه مخلوقا ايضا معلوم لايحتاج الي البيان و لما كان الوجود و الماهية لاينفك احدهما عن الآخر و لاينفك خلق حادث عنهما لما ثبت ان كل شئ حادث مركب من جزئين فربما يرد علي هذا القول اعتراض و هو ان كل واحد من الجزئين حادث فيجب ان يكون مركبا من جزئين الوجود و الماهية و هما ايضا حادثان فيحتاجان الي جزئين آخرين و هكذا فيتسلسل و لايتم خلق مخلوق لانه موقوف بوجود اجزائه و كل جزء موقوف وجوده علي اجزاء فلا تناهي في مبدأ الاجزاء فلا وجود للاجزاء فلا وجود للمركب فيجب ( فيحتاج خ ) انتهاء الاجزاء المركبة الي جزء واحد بسيط و الادلة العقلية و النقلية تبطل كل بسيط مفرد غير الذات البحت سبحانه و تعالي فاراد عليه السلام دفع هذا الاعتراض و قال ( عليه السلام خ ) و جعل احدهما يدرك بالآخر و جعلهما مدركين بنفسهما يعني انه تعالي جعل كل واحد منهما شرطا لوجود الآخر فلايتحقق احدهما الا بالآخر فادراك احدهما بالآخر و الادراك بمعني الوجود و الوصول فاحدهما لايوجد الا بالآخر فليس لاحدهما وجود مستقل بدون الآخر فالوجود تحققه و ظهوره بالماهية و الماهية تحققها و تأصلها بالوجود فوجود الوجود نفسه و ماهيته ربطه بالماهية و وجود الماهية نفسها و ماهيتها [ص 306] ربطها بالوجود فلا وجود لاحدهما الا بالآخر و لايحتاج كل واحد منهما الي آخر منفصل بل قوام احدهما بالآخر و قوام الآخر به علي حد الدور المعي و الاحكام المتضايفة و المتساوقة مثل اللبنتين المعتمدة احديهما بالاخري فادراك كل واحد منهما بالآخر و ادراك الآخر به كما قال الصادق عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها فانقطع التسلسل فالماهية وجودها لايكون الا بالوجود المقترن بها و الوجود لايكون الا بالماهية المقترنة به فاذا انفصل احدهما عن الآخر بطلا و انعدما فاذا اجتمعا تحققا و ائتلفا ذلك تقدير العزيز العليم ثم قال عليه السلام تأكيدا و تثبيتا لما ذكره عليه السلام و جعلهما مدركين بنفسهما اشار الي محل التمايز و قال عليه السلام و ان كان احدهما يقوم بالآخر الا ان لكل واحد منهما ادراك غير الآخر و ذلك الادراك منسوب الي نفس كل واحد منهما لا بشئ آخر اذ لا شئ غيرهما في الوجود المقيد و لاينزل الوجود المطلق اليه و لايصعد المقيد الي المطلق فصار ادراك كل من الوجود و الماهية بنفسهما لان كل واحد منهما متخالفان في الذات و الصفات و الافعال و الآثار فكيف يكون ادراك احدهما بالآخر فالوجود نور محض و ادراكه النور و الخير و الرشد و الهداية و الحق و الصواب و الماهية ادراكها اضداد ذلك فهي اصل الظلمة و الشرور و القبايح و الوجود مقام الوحدة و الماهية رتبة الكثرة و الوجود مقام الاجمال و الماهية مقام التفصيل و الوجود مقام الايتلاف و الماهية مقام الاختلاف و الوجود المقبل علي ( الي خ ) الله و الماهية هي المعرضة عنه الا اذا اسلمت و الوجود [ص 307] وزيره العقل صاحب الجنود الخمسة و السبعين من الملئكة و الماهية وزيرها النفس الامارة بالسوء صاحب الجنود الخمسة و السبعين من الشياطين فاذا كان كذلك فلايكون ادراك كل واحد منهما بالآخر لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و انما يكون ادراك كل واحد منهما بنفسه دون الآخر و هذا دليل علي ان المراد بقوله عليه السلام في الفقرة الاولي فجعل احدهما يدرك بالآخر انه تعالي جعل احدهما يقوم بالآخر لان الوجود فعل و الماهية انفعال و لايقوم الفعل الا بالانفعال و لا الانفعال الا بالفعل فلما اقترنا و وجدا و تأصلا استقل كل واحد منهما بادراك نفسه و مقتضياته و احواله و لايشارك الآخر نعم قد يتفق لكل واحد منهما حركة عرضية بتبعية الآخر فاشار صلوات الله عليه و آله و علي آبائه و ابنائه الطاهرين الي كيفية قوامهما و تحققهما و وحدتهما و اجتماعهما و كثرتهما و افتراقهما و اختلافهما و اتفاقهما و تباينهما في هاتين العبارتين المختصرتين و لو اردنا شرح حقيقة الحال بمقتضي المقال لاحتاج الي كلام مبسوط طويل لايسعني الآن ذكره و تفصيله فاقتصرت بالاشارة بحذف العبارة . ثم اراد عليه السلام ان يبين قاعدة كلية مطردة يشمل ( يشتمل خ ) جميع احوال الامكانات و المكونات فقال عليه السلام و لم‌يخلق خلقا شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده و هذا معلوم واضح فلذا اتفقت كلمة الكل علي ان كل ممكن زوج تركيبي و ذلك لان الحادث لا بد له من جهة يشير بها الي نفسه و جهة يشير بها الي ربه و صانعه لانا نجد بالضرورة اذا رأينا اثرا انتقلنا بها ( به خ ) الي وجود مؤثره و تلك [ص 308] الدلالة شئ موجود في ذاته و نقش فحواني ( فهواني خ ) في حقيقته و لولا ذلك لمادل عليه و لو جاز ان يدل شئ علي شئ بدون وجود جهة ذلك الشئ فيه لدل كل شئ علي كل شئ و هو في البطلان بمكان فوجب ان يكون في الاثر امرا وجوديا يدل علي مؤثره و قد ننظر الي الاثر و نشتغل بحدوده و اوضاعه و احكامه فنغفل حينئذ عن مؤثره فيكون الحاجب جهة اخري بالضرورة و لايخلو حادث و اثر عن هاتين ( تلك خ ) الجهتين و هما علة التركيب فالجهة الاولي التي هو دليل المبدأ هو المسمي بالوجود و الجهة الثانية الحاجبة هي الماهية و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع عنها ( منها خ ) و قول السجاد عليه السلام و انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك و كل شئ قابل لاثر المؤثر ففيه شيئان قابلية و اثر المؤثر و في كل شئ جهة رفع و انخفاض و هكذا فاذا وجد شيئان وجدت اربعة و اذا وجدت اربعة وجدت ستة‌عشر و هكذا الي ما لا نهاية له من الاطوار و كل جهة تقتضي حكما غير ما تقتضي الجهة الاخري فيكون كل شئ جامع مملك ( جامعا مملكا خ ) جميع ما في العالم كله من القرانات و الاوضاع فان الاعداد الغير المتناهية في البدو و العود اصلها الثلاثة و كل تلك الاعداد جهات ظهورات الثلاثة و اطوار تعيناته في صورة التربيع و التكعيب و الجذر و غير ذلك و لما كان كل شئ اصله الجهتان كانت فيه تلك الاحوال كلها الا ان بعضها ظاهر و بعضها كامن يحتاج لاظهارها الي مرجحات و متممات و مكملات و غير ذلك و الا فكل شئ جامع لكل شئ لان كل شئ مركب من شيئين فافهم و قوله عليه السلام لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته [ص 309] يبطل قول اهل الاعداد ان الواحد ليس من الاعداد و الاعداد كلها تحصلت منه فيكون اول الاعداد عندهم اثنين و قال بعضهم و هو فيثاغورس الحكيم ان اول الاعداد ثلثة لا اثنان لان الاثنين زوج و الفرد اشرف من الزوج و لايجوز ان يكون المبدأ زوجا لبطلان الطفرة فوجب ان يكون ثلثة و لم‌يتفطنوا الي قول مولينا ( و امامنا خ ) عليه السلام ان الله سبحانه لم‌يخلق فردا قائما بنفسه و كيف يكون الواحد موجودا في عالم الحدوث و الحادث مخلوق و هو سبحانه ماخلق فردا بل خلق ما خلق زوجا فاين الواحد اذا حتي لايكون من الاعداد و لم‌يعرفوا ان الواحد هو الثلاثة التي غلبت عليها جهة الوحدة فخفيت المراتب الاخر عند ظهور سلطان الوحدة كما تسمي الرجل بالخلط الغالب عليه فتقول صفراوي او سوداوي او بلغمي او دموي مع انه لايخلو من شئ من هذه الاخلاط و كذلك الوحدة العددية فان اصلها الثلاثة غالبة عليها المبدأ الذي هو ظهور الوحدة و لذا كان الفاعل مرفوعا و انما قلنا ثلثة لانها اول ما يظهر من مبادي مراتب الشئ لان الشئ في اول ما تعلق به الجعل و خلقه الله سبحانه كانت له جهة الي ربه و جهة الي نفسه و الحقيقة المتوسطة الجامعة للجهتين الجاري ( الحاوي خ ) عليهما حكم خلط الطتنجين و التقاء العالمين فهذا اول النظر للشئ و النظر الثاني للشئ نظر اجتماع القابل و المقبول و تفصيل النسبة الارتباطية بينهما فيكون بهذا النظر اربعة فالاثنان اربعة و الواحد ثلثة و هما الاصلان كالعرش و الكرسي و سائر الاعداد كالافلاك السبعة و العناصر و المتولدات و غيرها فروع و تفاصيل لهما منهما تشعبت و بهما تأصلت و تقومت و اليهما عادت اذا كملت ، فبين [ص 310] عليه السلام ان الواحد الذي لا ثاني له و لا تكثر فيه بوجه ابدا ليس في عالم الامكان و الا لكان خلق الله سبحانه فردا قائما بنفسه و هذا مع ان الادلة القطعية من العقلية و النقلية تبطله لايعقل و لايتصور و اما قولهم بان الاشياء علي قسمين مركبات و بسائط فالمراد بها بسائط المركبات لا مطلقا و لو اريدت مطلقا فالمراد بها الاضافيات و كلما هو تركيبه اقل بالنسبة الي ما دونه قالوا انه بسيط و لذا قالوا في الافلاك انها بسائط و المجردات كذلك مع ما في كل منهما من التركيب و التأليف علي ما بينا و شرحنا في سائر المباحث و اجوبة المسائل و اما الآية التي في النفس التي لاتظهر الا بكشف السبحات و ازالة الانيات و قطع الاضافات فهي قد غلبت عليها جهة الوحدة بحيث اشتغلت ( اشغلت خ‌ل ) الناظر عن مشاهدة الكثرات و هو قوله عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد لا انها في الواقع بسيطة ( بسيط خ ) مع ان البساطة و عدم التركيب ايضا سبحة من السبحات التي يجب كشفها كيف و ان حقيقتنا التي هي محل تلك الآية خلقت من شعاع نور الانبياء عليهم السلام و لا شك ان الشعاع يحكي جهة السفلي من المنير ففيه ظهور تركيب المنير و زيادة و قد يكون المنير ايضا شعاعا لمن هو اعلي منه فتكون التركيبات متراكمة متكثرة الا ان الناظر لايريها و لايلتفت اليها لا انه يري عدمها و مثاله نور السراج لا ظهور له عند الشمس و الكواكب لا ظهور لها عند طلوع النير الاعظم و مثل كلمة التوحيد قولك لا اله الا الله فانها حروف مؤلفة محدودة حادثة مركبة اذا اطلقتها لاتتوجه منها الا الي الواحد الاحد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد و كذلك [ص 311] الاسماء الالهية المؤلفة المركبة من الالفاظ و الحروف المصوغة بهيئات و اوضاع مع ان المتوجه اليه بهذه الاسماء و المقصود منها ليس الا الذات البحت القديم الازلي الذي لايقترن بشئ و لايتصل بشئ و هذا لايدل علي بساطة حادث و انفراده بل يدل علي قهر العظيم الجبار القهار الذي بظهوره يبطل ما سواه و بنوره يحترق ما عداه سبحانه من عظيم ما اعظمه و من عزيز ما اعزه لا اله الا الله هو له الحكم و اليه ترجعون فثبت لك ان الوحدة المحضة خاصة له تبارك و تعالي لاتدخل في عالم الامكان و اما قوله عليه السلام في الصحيفة السجادية لك يا الهي وحدانية العدد ، فالمراد به ان وحدة العدد ملك و خاصة بك لان اللام للاختصاص و التمليك لا انها لك في ذاتك فافهم . ثم اراد عليه السلام ان يبين ان التركيب و الكثرة من علامة الحدوث و من خواصه لايكون الا فيه و اما القديم فلايجري فيه التركيب لان مبني التركيب وجود الجهتين في الشئ جهة المبدأ و جهة نفسه و اما الذي لايستند الي شئ اصلا و هو المستقل الثابت الذي وجوده لذاته بذاته في ذاته فلايكون فيه جهة الغير اصلا فيكون واحدا و لذا قال عليه السلام للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده لان التركيب لايكون الا بمزج شيئين متضادين لا متوافقين من كل جهة فان المائين اذا اختلطا لايتحقق التركيب و انما هما شئ واحد و اما الماء مع التراب فهناك يكون التركيب فان التراب من جهة اليبوسة ضد للماء من جهة الرطوبة و ان كانا متلائمين متوافقين من جهة البرودة فبتلك الجهة تحقق التركيب و هكذا القول في كل شئ [ص 312] مركب فان جهة التركيب جهة التضاد و التخالف فاذا كان كذلك فكل مركب تدل علي ان له صانعا ركبه و مزجه لان الاجزاء من حيث هي بينها تضاد و لا شك ان المتنافيين كل واحد اذا خليا و طبعهما يميل الي جهة خلاف الآخر و لايتوافقان ابدا بوجه من الوجوه سواء قلنا باختيار الاشياء و ادراكها او قلنا بعدم الاختيار فان الطبيعتين المتضادتين من حيث هما تنفر احديهما عن الاخري فالمزج و الامتزاج و الاختلاف اقوي دليل علي ان ثالثا قهرهما و مزج بينهما كما قال النبي صلي الله عليه و آله في الرد علي الثنوية التي قالوا بالهين يزدان و اهرمن من جهة التضاد الواقع في الاشياء فابطل ( صلي الله عليه و آله خ ) قولهم و اثبت الها واحدا خالق الضدين و الجامع بينهما بالتركيب و التأليف و هو قوله تعالي و اذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا الآية ، فالتركيب المفتقر الي الاجزاء و الهيئات مضافا الي ما ذكرنا دليل علي الحدوث و كل حادث دليل علي محدث و خالق فلما اراد الله سبحانه اظهار قدمه و حدوث ما سواه و ذلك لايكون من قبل ذاته فيكون بآثاره فجعل الآثار انفسها مؤلفة مركبة لتدل علي مؤثر قديم بسيط ليس بمركب و لا مختلف ثم بين عليه السلام نتيجة المقدمات السابقة و قال ( عليه السلام خ ) فالله تبارك و تعالي فرد لا ثاني معه يقيمه و لايعضده و لايكنه فان الحاجة الي الغير اما من جهة الصدور او من جهة التحقق و الوجود او من جهة العروض و الوقوف و المحل و الله سبحانه ليس بمخلوق حتي يحتاج الي غيره ليصدر عنه و يقيمه ذلك الغير و لا مركب حتي يحتاج في تحققه الي [ص 313] اجزاء و هيئة تأليفية و لا ضعيف الذات و ضعيف البنية حتي يحتاج في تحققه الي حافظ يكنه و يحفظه و يستره فالفقرة الاولي اشارة الي القيام الصدوري و الثانية الي القيام العضدي ( الركني خ ) و الثالثة الي القيام العروضي و اما القيام الظهوري فلا ريب ان ظهور العالي بالسافل ثم قال عليه السلام و الخلق يمسك بعضه بعضا باذن الله و مشيته و هو قوله تعالي و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع الآية ، و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و قال ايضا عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و قال الحسين عليه السلام و روحي فداه يا من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في رحمانيته كما كانت العوالم غيبا في عرشه محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار و قد تقدم الكلام في معني امساك ( امساس خ ) الخلق بعضهم ببعض و اما قوله عليه السلام باذن الله و مشيته فليس هذا الاذن اذن السلطان لوزيره في فعل الاشياء و تدبير الامور و لا كاذن السيد لعبده في فعل شئ من الاشياء و لا كاذن الموكل لوكيله بل هذا الاذن هو الامداد الوجودي و اعطاء غيبي و شهودي به قوام الاشياء و تحققه و ذلك هو اذن النار للشعلة في الاضاءة و اذن الذات لليد في الكتابة و لذا تري الفعل منسوبا الي الذات و اسناد الفعل الي المأذون مجاز كما اذا قلت اليد كتبت فهذا مجاز و اما اذا قلت زيد هو الكاتب فهو حقيقة مع ان الكتابة اقامها زيد بالحركة و الحركة اقامها باليد و اليد اقامها بنفسها قال عليه السلام خلق [ص 314] الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و قال تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها فهذا حقيقة و قال تعالي قل يتوفيكم الملك الموت الذي وكل بكم و هذا مجاز مع ان الله سبحانه لايتوفي بذاته و انما هو بالملك و هكذا قال تعالي قل الله خالق كل شئ و هو الحقيقة و قال ايضا هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون و هذا هو الحقيقة و قوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني و هذا هو المجاز و قوله تعالي و الله خير الرازقين و تبارك الله احسن الخالقين و هذا هو المجاز و المعني في الجميع واحد فالله سبحانه هو الذي يمسك الاشياء بعضها ببعض و هو الممسك لها حقيقة و نسب الامساك الي الخلق بقوله عليه السلام و الخلق يمسك بعضه بعضا مجازا و اتي بالاذن و المشية لبيان سر غامض كتمانه في الصدور خير من اظهاره في السطور و لانطول الكلام بذكره لعدم احتمال الناس الذين يوسوس في صدورهم الخناس فالمشية مشية تكوينية و هي امر الله الفعلي الذي اشتق منه امر الله المفعولي فبالفعلي قامت السموات و الارض قيام صدور و بالمفعولي قام قيام تحقق قال تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره قال تعالي قل الروح من امر ربي ، و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و قال ايضا تعالي ينزل الملائكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الروح من امر ربي و قال مولينا الصادق عليه السلام من قال نحن خالقون [ص 315] بامر الله فقد كفر ، فالامر ثلثة امر فعلي و امر مفعولي و امر عرفي قال تعالي و ما امرنا الا واحدة فافهم الاشارة بلطيف العبارة و كم من خبايا في زوايا و تعيها اذن واعية ثم لما ابان الحق و كشف الصدق و اظهر عليه السلام مستسرات الغيوب و اوضح عن سر باطن باطن القرآن ( سر باطن القرآن خ ) بقوله عليه السلام و الخلق يمسك بعضه بعضا و ازاح العلل و الطغيان من افهام اشباه الانسان بقوله باذن الله و مشيته و دل عليه السلام علي حقيقة السر اراد عليه السلام ان يبين وجه احتجاب الخلق عن هذه الحقائق و عدم اطلاعهم بهذه الدقائق فقال روحي له الفداء و انما اختلف الناس في هذا الباب حتي تاهوا و تحيروا و طلبوا الخلاص من الظلمة في وصفهم الله سبحانه بصفة انفسهم ، فنظروا الي جهة ماهياتهم المدبرة و انياتهم المعرضة فالتفتوا الي الحدود و سلكوا سبيل الجحود فوصفوا الله سبحانه بصفات المخلوقين و هو سبحانه و ان كان يعرف بالخلق و لكن كما ذكرنا سابقا بصفته التي جعلها عارية عندهم و هي صفته تعالي فاذا نظروا اليها نظروا اليه تعالي بوصفه الذي اراد من الخلق و اذا نظروا الي جهات انفسهم و حدود ذاتهم ( ذواتهم خ ) من دون كشف سبحاتهم وقعوا في الضلالة و الجهالة و لذا قالوا ان واجب الوجود كلي و ان الوجود مشترك معنوي او ( و خ ) انه تعالي جزئي حقيقي يجامع جزئي الاضافة ( الجزئي الاضافي خ ) او انه جزئي لايجامع او انه كل الاشياء او ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات استجنان الشجرة في النواة او انها مندرجة فيها اندراج اللوازم في الملزومات او ( و خ ) ان الله سبحانه هو الواحد المتعين باطوار التعينات او انه معطي الاشياء و ليس [ص 316] فاقدا لها او ان الله هو الفاعل بذاته المباشر للاشياء كذلك او انه تعالي عين مشيته و ارادته او انه تعالي معزول عن خلقه و وكل امر الخلق و الرزق و الاحياء و الاماتة علي الامام و فوض الامر اليه عليه السلام و امثالها من العقايد الفاسدة و الاقوال الباطلة التي نشأت كلها من مشاهدة انفسهم و وصفوا الله سبحانه بصفات انفسهم الملعونة فنسوا تلك النفس التي من عرفها فقد عرف الله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و لما كانت النفس المنكوسة هي علة الكثرة و الاختلاف و الاضطراب جعل عليه السلام الاختلاف منسوبا اليها ثم اشار ( عليه السلام خ ) الي النفس العليا التي هي نفس الله تعالي فقال عليه السلام و لو وصفوا الله عز و جل بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم و اليقين لان الله تعالي جعل عندهم مشعرين مشعر لاجل معرفته تعالي و لان يصفوه بما عرفهم الله تعالي بذلك المشعر و هو وصف الله تعالي لخلقه بخلقه و تجليه لهم بهم كما قال عليه السلام بل تجلي لها بها و مشعر لاجل معرفتهم انفسهم بحدود انياتهم و ماهياتهم و حقائقهم فلو استعملوا المشعرين لظهر لهم الحق من البين فوصفوا الله بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم و استراحوا عن الاختلاف و وضعوا كل شئ في موضعه و جعلوا كل شئ في مستقره لكنهم زاغوا فازاغ الله قلوبهم فهم ناكسوا رؤسهم عند ربهم ثم قال عليه السلام و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و الصراط المستقيم هو الامام عليه السلام لدلالة الاخبار المتواترة و العقول المستنيرة كما فصلنا [ص 317] في شرح الخطبة فمن وفقه الله و هداه الي متابعة الامام عليه السلام فقد بلغ الامر و تم الكلام و نجي من الاختلاف و وقف علي حقيقة النجاة و هذا التوفيق لايكون الا بالاقتداء بهم و الاقتفاء بسنتهم و سلوك سبيلهم ذللا و هو قوله تعالي و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله و قال تعالي هذا صراط علي مستقيم لان المعصوم عليه السلام ناظر الي الواحد و العاصي ينظر الي الكثير فالاختلاف من جانب الكثرة لا من جانب الوحدة كما قال عز و جل رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا و هذا معلوم لايحتاج الي ( الاطناب خ ) و البيان . فلما عرف عمران ما ذكره عليه السلام و انه جري علي كمال المعرفة البالغة و الحكمة الكاملة التي جري عليها النظام و التكوين و ابتني عليها حقيقة الدين صدق و سلم و قال اشهد انه كما وصفت و لكن بقيت لي مسئلة