قال عليه السلام سل عما اردت قال اسئلك عن الحكيم في اي شئ هو و هل يحيط به شئ و هل يتحول من شئ الي شئ او به حاجة الي شئ قال الرضا عليه السلام اخبرك يا عمران فاعقل ما سئلت عنه فانه من اغمض ما يرد علي المخلوقين في مسائلهم و ليس يفهمه المتفاوت عقله ( فهمه . خ ) العازب علمه و لايعجز عن فهمه اولوا العقل المنصفون اما اول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل ان يقول يتحول الي ما خلق لحاجة الي ذلك و لكنه عز و جل لميخلق شيئا لحاجة و لميزل ثابتا لا في شئ و لا علي شئ الا ان الخلق يمسك بعضه بعضا و يدخل بعضه في بعض و يخرج منه و الله جل و تقدس بقدرته [ص 318] يمسك ذلك كله و ليس يدخل في شئ و لايخرج منه و لايؤده حفظه و لايعجز عن امساكه و لايعرف احد من الخلق كيف ذلك الا الله عز و جل و من اطلعه عليه من رسله و اهل سره و المستحفظين لامره و خزانه القائمين بشريعته و انما امره كلمح البصر او هو اقرب اذا شاء شيئا فانما يقول ( فيقول . خ ) له كن فيكون بمشيته و ارادته و ليس شئ من خلقه اقرب اليه من شئ و لا شئ ابعد منه من شئ افهمت يا عمران قال نعم يا سيدي فهمت و اشهد ان الله علي ما وصفت و وحدت و ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده المبعوث بالهدي و دين الحق ثم خر ساجدا نحو القبلة و اسلم .
( اقول خل ) حاصل سؤال عمران رحمه الله اني علمت بما استفدته من كلماتك الشريفة و حججك البالغة ان علة حدوث كل حادث انما هي حدوث ارادته و مشيته و ابداعه من الفاعل الاول و ان هذه العلة خلق متوسطة بينه و بين مفاعيله ثم لا شك في ان الداعي الي توسيط هذه الواسطة انما هو حكمة الفاعل و كونه مراعيا لصلاح حال مفاعيله لانه سبحانه و تعالي غير محدود الذات و غير محصور القدرة و القوة فلو تجلي لكل مخلوق بتمام قدرته و قوته و سطع عليه بتمام انوار ذاته لادي ذلك الي افناء ذلك الشئ و اعدامه فكان يكون حينئذ ايجاده للشئ اعداما له فلذلك جعل الحكيم تعالي شأنه بحكمته بينه و بين كل مخلوق واسطة خاصة من فعله هي ارادته المختصة به الموجهة نحو تكوينه و جعل برحمته لتلك الواسطة طرفين طرف عال متعلق بكينونته تعالي علي سبيل الاستمداد و سافل طالع من افق وجود المراد علي سبيل الامداد و [ص 319] هكذا جعل ملاك وجود كل ذي سبب سببه و قدم المتقدم و اخر المتأخر و رتب المراتب المترتبة ( المرتبة خ ) بالطبع من افاعيله كما يشعر اليه قوله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و قوله تعالي انا خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فمن ملاحظة هذه الحكمة و الترتيب ينقدح لي هناك شك آخر و هو ان هذا الحكيم الذي يتوسل بخلق الارادة الي خلق المراد و يتسبب بوجود السبب الي وجود ذي المسبب ( السبب خ ) و يتحول من شأن الي شأن و ينتقل من فعل الي فعل هل يجوز ان يقال انه يتنزل من مرتبة ذاته الي مرتبة شؤناته و ينتقل من مرتبة الي مرتبة اخري و كيف يحيط به شأن بعد شأن او كيف يجوز ان يكون به حاجة في خلق المتأخر الي خلق المتقدم او في ايجاد المسبب الي ايجاد سببه او في انشاء المراد الي انشاء ارادته و جواز هذه الظنون في حقه تعالي يؤدي الي ما يقوله الوجودية من طائفة الصوفية القائلين بالتنزلات و التطورات و تطوير الخالق باطوار المخلوقات فان المريد اذا تنزل الي مرتبة ارادته المتطورة بطور مراده لزم ان يتطور المريد ايضا بطور مراده و هذا قول يشمئز منه قلوب اهل التوحيد و من هذه الجهة سئل ما سئل انما عدل عن طور الاعتراض الي طور السؤال اظهارا لكمال الادب و مراعاة لحق التعظيم اذ لاينبغي الاعتراض و التشكيك مع الامام عليه السلام و ليس معه الا السكوت و الصمت و لذا قال [ص 320] تعالي خطابا لامير المؤمنين عليه السلام فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و لذا قال رحمه الله اسألك عن الحكيم في اي شئ هو و هل يحيط به شئ كما يزعمون انه يتطور بالاطوار و يتعين بالتعينات و لا شك ان الحدود محيطة بالذات و الصور مكتنفة للمادة و هل يتحول ( يحول خ ) من شئ الي شئ بجعل الاسباب و اجراء الحكم و المسببات علي نحوها مرة يسخن و مرة يبرد و مرة يرطب و مرة ييبس و مرة يظهر و مرة يخفي و كل يوم هو في شأن هل في الانتقال الي هذه الشؤن و الاطوار له حاجة يستكمل بها او لسر و مصلحة اخري و اما تفسير جوابه عليه السلام فهو ان ملاك جواز القول بتنزل الفاعل و تحوله في مراتب شؤناته و اطواره في افعاله انما هو احتياجه الي فعله اي كون الفاعل في جوهر ذاته او في كمال ذاته مقتضيا لان يفعل فيكون مثل هذا الفاعل فاعلا موجبا غير مختار و يكون ارادة الفعل جزءا من ذاته او لازما لذاته و علي كل تقدير يكون الارادة من صفات ذاته لامتناع انفكاكه عنه فمثل هذا الفاعل يكون مستكملا بفعله لان حاله فيما يقتضيه بارادته كحال النطفة فيما يقتضيه بطبيعته من الصورة ( الصور خ ) الانسانية او ( و خ ) كحال طبيعة المريض فيما يقتضيه من كمال الصحة فهذا المريد لكونه قبل نيل مراده ناقصا و يصير بنيل مراده تاما متي نال مراده هوي و انحدر اليه و تنزل من طوره السابق علي نيل المراد الي الطور اللاحق به بعده فجوهر ذات هذا الفاعل يتذوت بفاعليته اي يستكمل به علي نحو تذوت المادة بالصورة و [ص 321] بكمالاتها فهذا الفاعل يكون فاعلا من وجه و منفعلا من وجه آخر و يكون احتياجه و تحوله و تنزله من الجهة الثانية لا من الجهة الاولي و ايضا لو كان الفعل بالتنزل كان له حالتان حالة قبل التنزل و حالة بعد التنزل و يلزم ان يكون متكثرا لذكر صلوح التعينات فيه و يلزم ان يكون محلا اما للحوادث او لغيرها و يلزم منه الانفعال و القبول و غير ذلك من النقائص و اما الفاعل الكامل الاحدي الذي لايفعل الا بغيره و لايقصد الا بارادته و فعله و لايريد الا تكميل غيره فارادته و مراده خارجان عن ذاته و غرضه من فعله غير عائد الي ذاته اصلا فلايجر بفعله لنفسه نفعا و لايدفع به عنه ضررا و انما يفعل الفعل و يوجب علي نفسه الفاعلية من اجل رحمانيته و بالجملة فالله عز و جل لميخلق شيئا لحاجة منه الي ذلك لانه في ذاته ليس في محل محتاج الي الاستكمال بالصورة و لا علي صورة ناقصة مقتضية له فهو لميزل قائما بوحدانيته لا في شئ و لا علي شئ و ليس اقتضاؤه لفاعلية ( لفاعليته خ ) اقتضاء ضروريا ناشيا من احتياج ذاته الي فعله بل هو اقتضاؤ رحماني اختياري ناش من احتياج الخلق بعضه الي بعض و كون بعضه ممسكا لبعض فيدخل بعض الخلق في بعض و يخرج بعض الخلق من بعض فيمسك الداخل بالخارج و يمسك ( يستمسك خ ) الخارج بالداخل و الله جل جلاله يمسكهما جميعا من غير دخول فيهما و لا خروج عنهما و لايؤده حفظهما و لايعجز عن امساكهما و لايعرف احد من الخلق ذلك الامساك من غير دخول و لا خروج الا الله جل جلاله و من اطلعه ( عليه خ ) من اهل سره و لما كان هذه المسألة و هي كيفية نظام الصنع و تدبير الايجاد [ص 322] و كون كل حادث ممكن متقوم و متحقق بالله عز و جل غير مستغني ( مستغن خ ) عنه ابدا في حال من الاحوال و لا استقلال لاحد من الخلق دونه تعالي و ذلك كله بالله سبحانه من غير ربط و لا نسبة و لا اتصال و لا انفصال و لا توافق و لا تخالف و لا تساو و لا بينونة و لا تغير و لا انتقال و لا غير ذلك من الاحوال و لما كان فهم هذه المسألة من الامور الصعبة المستصعبة الدقيقة نبه عليه السلام عمران اولا عن دقتها و غموضها حتي يتوجه اليها بكله و فرغ لها قلبه و لايتوهم انها من المسائل السهلة ليتساهل في فهمها و التوجه اليها فيفوته المقصود و لذا قال عليه السلام و روحي فدائه اخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فانه من اغمض ما يرد علي المخلوقين في مسائلهم انما وصفها عليه السلام بالاغمضية لابتنائها علي سر الخليقة و نسبة المخلوقات الي اسبابها و مباديها و نسبة الجميع الي الله سبحانه و تعالي و لا شك ان الله سبحانه لا كيف له و لا اشارة اليه و هو سبحانه خلق الكيف بمشيته و ارادته فهما اذا لا كيف لهما لانهما قد سبقا الكيف و الاين و الاولية و الآخرية فلايجري عليهما ما اجريا و لما كان الكيف من الاعراض فخلق الجوهر مقدم عليه فلا كيف له في ذاته و الا لكان الكيف جوهرا مع انه عرض بلا اشكال فاذا اراد الانسان ان يعرف هذه الحقايق و سر الايجاد و كيفية احداث الحق سبحانه و تعالي الخلق وجب ان يصعد عن عالم الكيف و الصعود عن عالم الكيف يقتضي قطع النظر عن جميع القوي و المشاعر و الحواس من القوي العقلية و الروحية و النفسية و الخيالية و الفكرية و الوهمية و غيرها من الآلات و الادوات و الاحوال و ينظر بعين لايحجبها حد عن حد و نازل عن صاعد و عال عن [ص 323] سافل و سافل عن عال و مجرد عن مادي و قريب عن بعيد و اصل عن فرع و مجتمع عن متفرق و متفرق عن مجتمع و عدم عن وجود و وجود عن عدم و جهة عن جهة و مشعر عن مشعر و يري و يسمع من كل الجهات و يتوجه بكل الحيثيات اما سمعت قول ( كلام خ ) مولينا الباقر عليه السلام لميكن خلوا من الملك قبل انشائه فاثبت للملك الوجود قبل وجوده حين عدمه و كلام مولينا الصادق عليه السلام ما معناه ان ابالهب لميكن كافرا قبل ان يعرض عليه التكليف فلما كفر كان في ارادة الله ان يكفر فاثبت القبل في البعد و البعد في قبل لان المقام مقام ليس فيه قبل و لا بعد فمعرفة كيفية الصنع و الايجاد و سر الامر بين الامرين و كيفية علم الله تعالي ( سبحانه خ ) بالاشياء قبل وجود الاشياء لايعرف الا بهذا البصر الحديد الذي هو الآن مغطي عليه لان الشئ لايعرف الا بما هو عليه فيعرف ذو الكيف بالكيف و الذي لا كيف له يعرف بانه لا كيف له فاذا عرفت المكيف بعدم التكييف و الغير المكيف بالكيف لماعرفت شيئا منهما و لذا قالوا عليهم السلام امرنا سر لايفيده الا سر و سر مقنع بالسر فمن حاول معرفة هذه الدقائق يجب ان ينظر بعين تنكشف عندها الحقائق و الا فلايزداده كثرة التعمق الا ضلالا و زيادة السير الا بعدا فلما كان النظر بتلك العين لتغطيتها بالحجب و الاستار لايتيسر الا للاوحديين و بدونها لاتحصل البصيرة و اليقين وصف عليه السلام هذه المسألة بالاغمضية و اخذ يبين لعمران ما به ثبت ( يثبت خ ) الحق الواقعي لا ان يعرفه فان بين الاثبات و التعريف فرق واضح لايستلزم احدهما الآخر الاتري انه يمكنك ان تثبت للاعمي [ص 324] وجود النهار و طلوع الشمس و لايمكنك ان تعرفه و تريه النهار و تعرف اياه الشمس و لذا تري الشيعة يلجئون بالادلة القطعية الي نفي الجبر و التفويض و القول بالامر بين الامرين و اما دون معرفة هذه المنزلة خرط القتاد و هكذا الكلام في كثير من المسائل فظهر ان الاثبات لايستلزم التفهيم فلما بين عليه السلام غموض هذه المسئلة و دقتها اراد عليه السلام ان يبين صفات الذين يفهمون و الذين لايفهمون ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لينبه الغافل و يوقظ النائم و يرشد المسترشد و يتم الحجة علي الجاحد المعاند فقال عليه السلام و ليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه و لايعجز عن فهمه اولوا العقل المنصفون ، المراد بالعقل مطلق الفهم و الادراك و التعقل لا العقل الذي في مقابلة النفس و المتفاوت العقل هو الذي نظره الي الحدود و القيود و التعينات التي هي محل الاختلاف و الاضطراب و النظر الي القياسات و البرهانيات و الجدليات و المغالطات و الشعريات و المقدمات و النتايج و اللوازم و الملزومات و ساير الاختلافات فان الذي واقف في هذه المقامات يتفاوت عقله و ادراكه فيثبت و ينفي ما اثبت ثم يثبت ما ينفي و هكذا من الامور التي تلزمها الاشكال و الاقيسة و النظر الي اللوازم القريبة و البعيدة و امثالها من مقتضيات دليل المجادلة بالتي هي احسن ، فالذي لايتفاوت عقله هو الذي نظره الي الفؤاد يري كل شئ بنفس ذلك الشئ فلايحتاج الي تقديم مقدمات و تحصيل نتيجة حتي يشتبه عليه ترتيب المقدمات فيختلف و يتفاوت ادراكه و اما اولوا الافئدة فنظرهم [ص 325] ( مقصور خ ) الي الله سبحانه و تعالي و عملهم ( علمهم خ ) كما قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله اجل ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به فاذا عرفوا الله بالله و عرفوا الخلق بالله فمن اين يأتي الاختلاف لانه ليس من عند غير الله ( لانه من عند الله خ ) كما قال عز و جل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فليس الاختلاف عند الله فليس عندهم لانهم عند الله قال تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون . و اما العازب حلمه فهو الذي بلغ مقام الفؤاد و اتصل بالمراد فشاهد مقاما لا كيف و لا كم و لا اشارة و لا عبارة و لا جهة و لا قبل و لا بعد و هذه الاوصاف ( الاوضاع خ ) هي التي كان يسمعها انها لله تعالي و وجدها في نفسه فغاب عنه حلمه ( حكمه خ ) و سكونه و تأمله في نفسه و فقره و احتياجه و استعجل و قال ان الوجود هو ذات الله سبحانه و الحدود اعراض عرضت الوجود و تكثرت كالماء المنجمد و البحر المتموج كما قال شاعرهم :
و ما الخلق في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع
و لكن يذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماء و الامر واقع
و قال ايضا :
و البحر بحر علي ما كان في القدم ان الحوادث امواج و انهار
فلما وصل الي ذلك المقام مقام الفناء فقال اني انا الله و انا الله بلا انا و سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها و سبحاني ما اعظم شأني و امثالها من الكلمات التي كلها كفر و زندقة نعوذ بالله و هؤلاء هم الذين عزب حلمهم فاستعجلوا و تعدوا عن الطور و قالوا هذا معني داخل في الاشياء لا كدخول شئ في شئ و خارج عنها لا كخروج شئ عن شئ فالله سبحانه [ص 326] رفع لهم العلم حتي بلغوا هذه الدرجة القصوي و لميضع لهم الحلم حتي تاهوا و وقعوا في اسفل درك من الجحيم و قد قال تعالي في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و كان كلامه عليه السلام اشارة الي هذا الحديث الشريف و هو لعمري تمام الكلام في هذا المقام فان الناظر في مقام الحدود و الصور و الاختلافات ( الاختلاف خ ) و النسب و القرانات و سائر الكيفيات لاينال فهم هذا المطلب الذي هو خارج عن الحدود و الاوهام و اليه الاشارة بقوله المتفاوت عقله و لا كل من وصل مقام الفؤاد و لميعرف مقام الفؤاد و لميعرف مقام نفسه فيصغر عظمة ربه و ينسب الذليل الحقير المهان و يجعله الرب القاهر العظيم المنان و هو العازب حلمه ثم اشار عليه السلام الي الناظرين العارفين الذين يفهمون و يعرفون فقال عليه السلام و روحي فدائه و لايعجز عن فهمه اولوا العقل المنصفون و العقل هو العقل المرتفع لا المستوي و لا المنخفض بل الاعلي من المرتفع الذي هو مقام الفؤاد و باب المراد و رتبة الوداد و محل الاتحاد و المنصفون هم الذين انصفوا من نفسهم ( انفسهم خ ) و عرفوها بانها مخلوقة مدبرة مرزوقة و لميتعدوا طورهم و لميستعجلوا بل عرفوا ان هذا الوصف الذي شاهدناه هو وصف معرفته تعالي جعله عندنا لنعرفه به و ليس هو ذات الحق تبارك و تعالي فانه اجل و اعز و اكرم من ان يقترن بشئ او يتصل به حد سبحانه سبحانه سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و هؤلاء هم الذين فتح الله عن ابصارهم و بصائرهم فعرفوا الحيث و الكيف [ص 327] و اللم فعرفوا مفصولهم و موصولهم و ما يؤل اليه امورهم و هم اهل للعلم و معدنه و خزنته و ورثة العلماء و هم النقباء النجباء بهم يرفع الله البلاء و القضاء ثم اخذ عليه السلام في البيان للاشارة الي نوع المراد و اثبات الحق الواقعي الحقيقي و ان لميعرفوا بالفؤاد فاذا ثبت الحق عند احد و اقر به و اعتقده فيوشك ان ( انه خ ) يفتح له باب فهمه علي جهة القطع و اليقين و قد مر الفرق بين اثبات الشئ و تفهيمه و ان احدهما لايستلزم الآخر فقال عليه السلام اما اول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل ان يقول يتحول الي ما خلق لحاجة الي ذلك ، فجعل عليه السلام آخر سؤاله اولا لكون الكلام عليه ( فيه خ ) قليلا و ليس معتد ( معتدا خ ) به كثيرا حتي يفرغ منه سريعا و يشتغل بالجواب عما هو اهم و اعظم و قد شرحنا هذه الفقرة في اول الحديث لانه ذكر عليه السلام هذا الكلام هناك و مراده عليه السلام انه تعالي لو خلق ما خلق لحاجة لجاز ان يقال انه يتحول الي ما خلق لحاجة الي ذلك و يتغير من حال الي حال و من نقصان الي زيادة و من زيادة الي نقصان مثل الافعال الطبيعية كالنطفة فانها تتحول الي المضغة لحاجتها اليها و كذلك المضغة تتحول الي العظام و هكذا و اما الذي لايتحول من حال الي حال فليس فعله لحاجة منه الي ذلك الفعل كالسراج الذي يصدر منه الاشعة مثلا اذ فعل السراج للشعاع ليس لحاجة منه اليه و لذا لاينقلب ( لايتقلب خ ) و لايتحول و انما هو لمحض الجود و اما المحتاج فهو بنفسه يتحول من حال الي حال لسد حاجته و غناء فقره و ذلك واضح معلوم و التحول و الانتقال و الحاجة دليل النقصان و ما كان كذلك لايجوز ان يكون [ص 328] وجوده عين ذاته لذاته بذاته في ذاته من غير انتظار امر آخر فان ذاتي الشئ لايتخلف فلو كان الوجود و التحقق الذي يحصل بعد بفعل ذلك الشئ لتخلف ذلك الوجود عنه ( منه خ ) فلميكن الوجود من حيث هو ذاتيا له لمكان التخلف فالذي وجوده ذاته لذاته بذاته لايتخلف و لايتحول و لايتغير و لايتبدل و لايطرء عليه حالة و لمتختلف عليه الحالات و لميتغير بالزيادة و النقصان و لميتركب و لميتجزء و لميتقسم و لميتصل و لمينفصل و لاتجري عليه الاحوال و الاوصاف و الكثرة و التضاد و التناقض و النفي و الاثبات و سائر احوال الامكان و ذلك كله لان الوجود ذاته لذاته بذاته لا غير ذلك و قد كتبت رسالة لقرة العين بلا مين الولي الحبيب العلي الآميرزا محمدعلي في هذا المعني و ذكرت ان عينية وجوده تعالي يقتضي سلب جميع احوال الامكان عنه بالدليل القطعي و من اراد معرفة ذلك مفصلا فليراجع تلك الرسالة فان فيها ما يشفي العليل و يبرد الغليل ثم قال عليه السلام اشارة الي الجواب عن سؤاله الاول و لميزل ثابتا لا في شئ و لا علي شئ الا ان الخلق يمسك بعضه بعضا ، يعني هو سبحانه لميزل ثابتا كائنا متحققا لا في شئ و الا لكان محاطا و ذلك الشئ محيطا و المحيط اعلي من المحاط و هو محدود متناه فيكون مركبا و مفتقرا و لا علي شئ ليكون محلا له و مقرا فيكون محمولا و الحامل اقوي من المحمول و اعظم ثم اراد عليه السلام ان ينزه الله سبحانه عن الاقتران و مباشرة الاشياء فقال الا ان الخلق يمسك بعضه بعضا و يدخل بعضه في بعض و يخرج منه يعني ان النسبة و الارتباط حاصلة في الاشياء [ص 329] بعضها مع بعض و لما كانت الطفرة في الوجود باطلة و وصول السافل الي رتبة العالي كذلك جعل الاشياء بحيث يجري افعاله تعالي فيها بها فيخلق سبحانه بفعله و مفعوله فامسك سبحانه الارض بالسماء و امسك السماء بالنجوم و النجوم بالعناصر النورية ( النورانية خ ) و العناصر بالقوي المقارنة و القوي بالارواح و الطبايع بالنفوس و النفوس بالارواح و هي الرقايق ( بالرقايق خ ) و الرقايق بالعقول و العقول بجزئيها و هما المادة و الصورة و الصورة بالمادة و المادة التي هي الهيولي الاولي و الوجود و الفؤاد بالمشية و الفعل و الفعل بنفسه فانتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و امسك سبحانه الجماد بالنبات و النبات بالحيوان و الحيوان بالملك و الملك بالجن و الجن بالانسان و الانسان بالانبياء و الانبياء بآلمحمد سلام الله عليهم و آلمحمد بمحمد صلي الله عليه و آله و محمدا صلي الله عليه و آله بالمشية و المشية بنفسها و امسك سبحانه المركبات بالاجزاء و الاجزاء بالمركبات و الاعراض بالجواهر و اظهر الجواهر بالاعراض و هكذا ترتيب الوجود و نظام كافة الخلق كلها مرتبطة بعضها ببعض و هو قوله تعالي و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله و تفصيل المقال في شرح هذه الاحوال يؤدي الي الاطناب المؤدي الي الملال ثم اراد عليه السلام ان يبين ان الخلق في هذا الامساك ليسوا مستقلين و لا الامر مفوض و موكول اليهم و لا هم معزولون عن الخالق سبحانه و تعالي كيف و لو كان كذلك لفسدوا و بطلوا و اضمحلوا و انعدموا بل لا قوام لهم و لا تذوت [ص 330] ( لهم خ ) و لا تحقق بهم الا بالله العلي العظيم فقال عليه السلام و الله جل و تقدس بقدرته يمسك ذلك كله اما القدرة الذاتية فانقطع دونها الكلام لانها ذات الله عز و جل فلا سبيل لاحد من المخلوقين اليها و اما القدرة الفعلية التي استطال بها علي كل شئ فهي في مقام الفعل بل هي نفس الفعل و لا كيف لها حتي يعرف و يبين بالكيف فاذن فهو ( هو خ ) سبحانه يمسك الاشياء و يمدها بامداد جديد لاتفقده الاشياء طرفة عين و الا لانعدموا و بطلوا فالاشياء كلها واقفة بباب اذنه سبحانه لاتجري اللوازم علي الملزومات الا باذن منه سبحانه جديد و لايقع الشرط علي المشروط الا باذن جديد و لايؤثر فاعل في مفعوله الا باذن منه جديد و اذا ( فاذا خ ) جعلت القطن اليابس مثلا علي النار بلا مانع لاتحرقه النار الا باذن جديد و قد قال مولينا الصادق عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة منها فقد كفر و في رواية اخري فقد اشرك سبحان من قهر الاشياء بقدرته فلايتحقق في عالم الامكان شئ حقيرا كان ام جليلا صغيرا كان ام كبيرا الا بمشيته تعالي و قدرته و كل شئ خاضع له و كل شئ خاشع له و كل شئ محتاج اليه و هو الغني المتفرد و فقر الاشياء في كل حال و كل آن و كل وقت الا انه سبحانه و تعالي يسد حاجة كل محتاج و يمد كل فقير بمدده من غير ان يدخل في الاشياء او ان يخرج منها او يقترن بها و اليه الاشارة بقوله عليه السلام و ليس يدخل في شئ و لايخرج منه و لايؤده حفظه و لما كان هذا المعني مما لايعرف و لايدرك [ص 331] الا بسر الفؤاد الذي هو عين الله تعالي اعارها خلقه ليعرفوه تعالي بها و يعرفوا آثاره و افعاله و خلقه من حيث صدورها عن فعله و هي كما ذكرنا مجردة عن النسب و الاشارات و الحدود و التعينات و النظر بتلك العين علي الحقيقة خاصة اهل الخصوص الذين جاء في حقهم النصوص جعل عليه السلام فهم هذا المعني مما يختص باولئك الاطهار الابرار فقال عليه السلام و لايعرف احد من الخلق كيف ذلك الا الله عز و جل و من اطلعه عليه من رسله و اهل سره و المستحفظين لامره و خزانه القائمين بشريعته و هذا الدخول ( هو خ ) عين الخروج من جهة الدخول من جهة الخروج و القرب هو عين البعد و البعد عين القرب من جهة البعد من جهة القرب و الظهور عين الخفاء و الخفاء عين الظهور من جهة الخفاء من جهة الظهور و اني للواقفين مقام الحدود و الرسوم ادراك هذه العينية و جمع ( جميع خ ) هذه الاضداد و النقايض ( النقائص خ ) و لايكون ذلك الا لمن خرج عن عالم الحدود و دخل في عالم الشهود ممن اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و نظروا الي نور العظمة بقدر سم الابرة فطوت لهم الجهات و الحيثيات فرأوا البعد في عين القرب و الدخول في عين الخروج و الظهور في عين الخفاء و ليس اولئك الا من اطلعه الله علي غيبه كما قال عز و جل و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء و قال ايضا عز و جل عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و الغيب عن الابصار و البصائر ذلك النور الباهر الذي قال اميرالمؤمنين عليه السلام [ص 332] لكميل اطفئ السراج فقد طلع الصبح فالصبح غيب لايظهر الا بعد كشف ظلمات الليل و هو شؤنات الكثرة و الرسل علي سبيل الحقيقة اهل المجاز و علي سبيل المجاز هو الحقيقة كما روي في تفسير قوله تعالي فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا فعن النبي صلي الله عليه و آله اما النبييون فانا و اما الصديقون فاخي علي بن ابيطالب و اما الشهداء فعمي حمزة و في رواية اخري هو الحسين بن علي عليهما السلام و اما الصالحون فابنتي فاطمة و ذريتها الطيبون و في رواية اخري و حسن اولئك رفيقا هو القائم المنتظر عجل الله فرجه و سهل مخرجه و جعلنا من اعوانه و انصاره و انما قلنا علي سبيل المجاز لان اطلاق الجمع علي المفرد عندهم مجاز و انما قلنا علي سبيل الحقيقة اهل المجاز فمرادنا ان نجعل الجمع علي عمومه فالمراد بالرسل كافة الانبياء بل الملائكة عليهم السلام و انما قلنا لهم اهل المجاز لانهم التابعون المخلوقون من شعاع انوار آلمحمد صلي الله عليه و عليهم و التابع مجاز للمتبوع و المراد بالرسل ما هو اعم من التوسط في الوحي التكويني و التشريعي و هم اهل السر و قد جعل الله سبحانه سر توحيده الذي هو سر الاسم الاعظم عندهم و بذلك فضلوا علي العالمين كما في الدعاء و بالاسم الذي جعلته عندهم و به ابنتهم و ابنت فضلهم من فضل العالمين حتي فاق فضلهم فضل العالمين جميعا فبذلك السر نالوا من ( في خ ) التوحيد ما لمتنله ايدي احد من الخلق كما قال النبي صلي الله عليه و آله يا علي ماعرف الله الا انا و انت و هم [ص 333] المستحفظون لامره و هو الامر الفعلي و المفعولي و قد قال عز و جل في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فكلما سوي الذات وسعه القلب المطهر لان الذات الازل سبحانه و تعالي لايسعه شئ و كل السوي داخل في عموم حيطة ( قول خ ) كن الذي هو الامر الفعلي و تأكيده و صفته التي هي الامر المفعولي و هم محل لذلك الامر كالحديدة المحماة بالنار فانها محل لآثار النار و ظهوراتها و النار هي الفعل فهم محل للفعل و قد قالوا سلام الله عليهم نحن محال مشية الله و السنة ارادته فاذا عرفت هذا فالله سبحانه يقول انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قال تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و غيرهما من الآيات و لايمكنني اتكلم في هذا المقام اكثر من هذا الكلام لما اري في قلوب الناس من وسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس و الحكم لله العلي الكبير و هم عليهم السلام خزانه القائمون بشريعته في الشرعين اي الشرع الوجودي و الوجود الشرعي و معني الخزان انهم ام الكتاب او ان عندهم ام الكتاب و علم الكتاب و مافرطنا في الكتاب من شئ فكل خير و حق و مدد وجودي و امدادي و استمدادي كله مخزون عندهم ثم منهم ينشر للعباد ( في العباد خ ) و البلاد كما في الزيارة و اشهد ان الحق لكم و معكم و فيكم و بكم و فيها ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه فافهم راشدا و اشرب صافيا و هؤلاء هم الذين عرفهم الله سر هذه المسألة اي الدخول و الخروج و القرب و البعد من غير اقتران و انتساب و ارتباط [ص 334] و عقل كل احد عاجز عن فهمه و هم المختصون به دون سواهم و هذا من الاحاديث التي قالوا عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد حتي الملك المقرب او النبي المرسل او المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمل قال عليه السلام نحن نحتمله و هذا الحديث اي حديث اميرالمؤمنين عليه السلام داخل لا بالممازجة و خارج لا بالمباينة و في الآخر ( اخر خ ) داخل لا كدخول شئ في شئ و خارج لا كخروج شئ عن شئ خاص ادراكه و فهمه بهم سلام الله عليهم يخاطب به بعضهم بعضا كما صرح به الامام الرضا عليه السلام في هذا الكلام الشريف و اما البيان الظاهري لاهل الرسوم في تحقيق هذا الدخول و الخروج فهو انه سبحانه و تعالي داخل في الاشياء بآثار فعله و اسمائه و صفاته بحيث كانت الاشياء كلها مظاهر اسمائه و صفاته و كل حادث من الحوادث دال علي اسم من اسمائه داخل في حقيقته بل هو عين حقيقته فيعرف الله به و هو سبحانه و تعالي خارج عنها بذاته و حقيقته فان الاشياء كلها لا ذكر لها عنده كما صرح به قول مولينا الباقر عليه السلام كما في الكافي ان الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه ، هذا في الذات لا ان هذه النسبة اي نسبة البينونة موجودة في الذات كلا و حاشا و انما اردت التعبير عن نفسي بل الاشياء لا ذكر لها هناك حتي تسلب و تنفي او تثبت و توجد فالنفي و الاثبات و السلب و الايجاب كلاهما منتفيان في رتبة الذات و لذا قال عليه السلام خارج لا كخروج شئ عن شئ اذ لاتجد شيئا ينفي عن الآخر الا و ذلك الآخر مذكور في الشئ الخارج غير الحق القديم [ص 335] تبارك و تعالي اذ لا ذكر لغيره عنده و غيوره تحديد لما سواه و هذا ( فهذا خ ) هو البيان الرسمي لهذا الكلام الشريف و اما البيان الحقيقي فكما قال عليه السلام و روحي له الفداء لقد كلت دونه البصائر و الابصار ان في ذلك لذكري لاولي الابصار و يجوز ان تقول ان شيعتهم المخلصين و اولياءهم المقربين يدخلون معهم بالتبعية لانهم منهم لقوله تعالي فمن تبعني فانه مني فيشملهم الاعلام و المعرفة و لو بحسب مقامهم و رتبتهم فيعرفون رشحا من قطرات بحار تلك الانوار لانهم ممن جاسوا خلال تلك الديار و ذلك بعد ان يظهر لهم سر من نور العظمة و يكشف عنهم حجب الانية و اولئك الاقلون اعز من الكبريت الاحمر و ذلك البيان لايكتب في السطور و انما يكتم في الضمائر و الصدور ثم قال عليه السلام تأكيدا للبيان و زيادة للتبيان انما امره كلمح البصر ( بالبصر خ ) او هو اقرب اذا شاء شيئا فانما ( ان خ ) يقول له كن فيكون بمشيته و ارادته يعني ان تراه من تحقق الاسباب و اجراء احكام المسببات و الفور و التراخي في الازمنة و الساعات و التقديم و التأخير في الحالات ليس لاجل ان الله عز و جل لايقدر علي الفعل الا بالتدريج كلا بل امر الله واحد و تحققه كلمح البصر او هو اقرب اي بل اقرب بقرب لا نهاية له فان آصف بن برخيا اتي بعرش ملكة سبا من اليمن الي الشام في اقل من لمح البصر بسر حرف من حروف الاسم الاعظم الذي نسبته الي هذا الامر الفعلي الذي ذكره عليه السلام نسبة جزء من مأةالفالفالف الفالفالفالف جزء من رأس الشعير و استغفر الله عن التحديد بالقليل فكيف اذن نسبة الامر الاول الايجادي [ص 336] الذي كل الاشياء ( شيء خ ) انما تحققت به و انما ذكره لمح ( كلمح خل ) البصر اقتداء بكتاب الله و انما ذكره الله عز و جل لكون هذا ( هذه خ ) اقرب الاشياء عند الناس فيما يفهمون و يعقلون و بالجملة فامر الله تعالي واحد جاري ( جار خ ) اوجده الله تعالي لا من شئ و لما اراد في الحكمة ان يخلق الاشياء بالاختيار و يترتب الاسباب جعل لظهور ذلك الامر اسبابا تظهر شؤن ذلك الامر الموجود المتحقق و لذا قال عليه السلام في تفسير قوله تعالي كل يوم هو في شأن قال عليه السلام شؤن يبديها لايبتديها و مثاله نور الشمس فانه موجود اذا وجد الشمس الا ان لظهوره اسبابا من الاجسام الكثيفة كالجدار و الارض و غيرهما و اما النور فموجود واحد متحقق كلمح البصر او هو اقرب فنور الشمس هو مثال الامر الفعلي في مقام و المفعولي في مقام آخر و ظهوره بحسب وجدان الجسم الكثيف يتراخي و يتقدم و يتأخر كذلك الموجودات فاصل الفيض التكويني الذي منه سبحانه قد تحقق و وجد و اما القابليات و الماهيات التي تحصل بقرانات الصور و الطبايع و الهيئات و الاوضاع و الاسباب و المسببات التي تحققها به تعالي لا منه فهي التي تتقدم و تتأخر فيظهر ذلك النور الامري فيها علي حسبها متقدما و متأخرا فامره واحد جاري ( جار خ ) مستمر بلا انقطاع ابد الابد و دهر السرمد و التغييرات ( التغيرات خ ) بالقابليات و هو احد معاني قوله عليه السلام جف القلم بما هو كائن او نقول امر الله سبحانه في ايجاد الكائنات المكونات من الازل الي الابد الي يوم القيمة و ما وراءها الي ما لا نهاية له كل ذلك عند الله سبحانه موجود قد تعلق به الامر الايجادي و التكويني [ص 337] بدون تراخي زمان و انما هو كلمح البصر او هو اقرب لان الله سبحانه لايستقبل و لاينتظر و لايتجدد عنده شئ لميكن قبل و لايجري عليه المضي و الحال و الاستقبال فكل شئ عنده موجود حين وجوده قبل وجوده و لكنا ( لكن خ ) نحن لما كان ليس لنا تلك الاحاطة فنتقلب في الاحوال و نشاهد الماضي و الاستقبال و الحال و لا كذلك القادر الحي القديم المتعال و هذا احد معاني قوله عليه السلام جف القلم بما هو كائن و لاتتوهم انه كما يقولون ان الله قد فرغ من الامر ( لانه خ ) قد احدث ما احدث سبحانه سبحانه سبحانه و تعالي عما يقولون لا تعطيل لفيضه و لا نفاد لمدده و لا انقطاع لجوده و ليس هنا مضي و لا حال و لا استقبال فكيف يتصور فرغ و مضي هذا قول اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فهو سبحانه اذا نسبت الاشياء اليه تعالي فهي عند فعله و قدرته منقطعة محدودة و اما هي في نفسها فلا انقطاع لها و لا لتجددها و هو قوله تعالي عطاء غير مجذوذ و كلي ( كل خ ) هذه الاحوال الغير المتناهية كلها احوال الامر الذي بين الكاف و النون في قول كن و هو نهر يجري من هذين البحرين بحر الكاف و النون و العرش علي ذلك الماء و يجري كالفلك علي ذلك البحر الذي هو النهر و لا نهاية لذلك النهر و لا نفاد لذلك السير و هو يسير و هذا يجري من بين الجبلين جبل الكاف و جبل النون و هما حرفان قد تكلم ( بهما خ ) متكلم القدرة فلنقبض العنان فللحيطان آذان و تعيها اذن واعية و هذا الامر المؤلف من الحرفين عنده تعالي اقرب من لمح البصر بما لا نهاية له سبحانه من عظيم [ص 338] ما اعظمه و من قدير ما اقدره كذلك الله ربنا لا اله الا هو له الحكم و اليه ترجعون ثم بعد ما اوضح عليه السلام الحق و بين الصدق و ابان عن اضمحلال الحوادث و استقلال الحق القادر بما لا مزيد عليه اراد ان يزيل ما ربما يتوهم ان هذه الترتيبات الكائنة في الوجود من العلل و الاسباب بعضها اقرب الي الله تعالي من الآخر حتي تعلق الجعل به دون غيره قال عليه السلام و ليس شئ من خلقه اقرب اليه من شئ و لا شئ ابعد منه من شئ لما ذكره عليه السلام سابقا ( من خ ) ان الاشياء لا نسبة لها مع الذات و الروابط كلها منقطعة عنده فاين نسبة القرب و البعد ثم ان نسبة الحوادث و المفعولات كلها الي قدرة الفاعل و هيمنته و استيلائه نسبة واحدة ليس شئ اقرب منه الي شئ و لا ابعد منه كذلك و هو القادر المهيمن المستولي علي الكل بنسبة واحدة و القادر علي تقديم ما قدم و تأخير ما اخر لكنه سبحانه لما خلق الاشياء علي جهة الاختيار و التكليف و جعل لها قوابل و استعدادات و تمكينات و تمكنات و اسبابا لينالوا بها تلك القابليات فمن مقدم بقابليته و مؤخر بها و تابع بقابليته و متبوع بها و سافل بها و عال بها و هكذا فنسب الاشياء بعضها ببعض متفاوتة و اما بالنسبة اليه تعالي و قدرته و هيمنته و استيلائه نسبة واحدة و حكم واحد لا اختلاف فيه كما قال عز من قائل ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و غيرها ( غيرهما خ ) من الآيات و في الحديث في تفسير الرحمن علي العرش استوي قال عليه السلام استوي علي العرش فليس شئ اقرب منه الي شئ و هذا معلوم واضح و اما سر [ص 339] اختلاف القابليات و تفاوت الاستعدادات و وجه التقدم و التأخر فهو من اصعب ما يرد علي العلماء و قد شرحت هذه المسئلة بما يمكن ان يبين و يقال في اجوبة المسائل التي فيها اثبات النبوة الخاصة و الولاية الخاصة بدليل العقل .
فلما ابان عليه السلام عن حقيقة التوحيد بما ليس عنه مزيد قال أفهمت ( فهمت خ ) يا عمران بما ارشدتك اليه من نور الحق و حقيقة الصدق و لما عرف عمران ذلك و وجد البيان بيانا لايمكن لغيره عليه السلام ان يأتي بمثله و اتي بمخ الصدق و محض الحق و اشار الي عجائب من الاسرار و لوح الي غرائب من العلوم و الانوار و رأي الحق واضحا كالشمس في رابعة النهار و ادركته عناية الله الواحد القهار فصدق و سلم و قال نعم يا سيدي فهمت و اشهد ان الله علي ما وصفت و وحدت و ان محمدا صلي الله عليه و اله عبده المبعوث بالهدي و دين الحق ثم خر ساجدا نحو القبلة و اسلم .
الي هنا انتهي ما اردنا شرحه من هذا الحديث الشريف الذي هو من معضلات ( و قد اعضل الامر اشتد و استغلق و المعضلات الاخبار الشدايد خ ) الاخبار و لكنا نذكر تمام الحديث تيمنا و تبركا و ان كان ليس فيه ما يحتاج ظاهرا الي الشرح و ان كان كلامهم عليه السلام كله منطويا لاسرار لاتحتملها ( بالاسرار لاتتحملها خ ) اولو الافئدة و الابصار فلنذكر الحديث :
قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون الي كلام عمران الصابي و كان جدلا لميقطعه عن حجته احد قط لميدن من الرضا عليه السلام احد منهم و لميسئلوه عن شئ و امسينا فنهض المأمون و الرضا عليه السلام فدخلا و انصرف الناس و كنت مع جماعة من اصحابنا اذ بعث اليّ محمد بن جعفر فاتيته فقال لي يا نوفلي امارأيت ما جاء به صديقك لا [ص 340] والله ماظننت ان علي بن موسي خاض في شئ من هذا قط و لا عرفناه به انه كان يتكلم بالمدينة او يجتمع اليه اصحاب الكلام قلت قد كان الحاج يأتونه فيسئلونه عن اشياء من حلالهم و حرامهم ( حلال و حرام خ ) فيجيبهم و ربما كلم من ( كلمن خ ) يأتيه بحاجة فقال محمد بن جعفر يا ابامحمد اني اخاف عليه ان يحسده هذا الرجل فيسمه و يفعل به بلية فاشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء قلت اذا لايقبل مني و مااراد الرجل الا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه عليهم السلام فقال لي قل له ان عمك قد كره هذا الباب فاحب ان تمسك من هذه الاشياء لخصال شتي فلما انقلبت الي منزل الرضا عليه السلام اخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم عليه السلام ثم قال حفظ الله عمي ما اعرفني به لم كره ذلك يا غلام صر الي عمران الصابي فاتني به فقلت جعلت فداك انا اعرف موضعه و هو عند بعض اخواننا من الشيعة قال فلا بأس قربوا اليه دابة فصرت الي عمران فاتيته به فرحب به و دعا بكسوة فجعلها عليه و جمّله و دعا بعشرةآلاف درهم فوصله بها فقلت جعلت فداك حكيت فعل جدك اميرالمؤمنين عليه السلام قال عليه السلام هكذا يجب ثم دعا عليه السلام ( بالعشاء خ ) فاجلسني عن يمينه و اجلس عمران عن يساره حتي اذا فرغنا قال لعمران انصرف بصاحبنا و بكر علينا نطعمك طعام المدينة فكان عمران بعد ذلك يجتمع اليه المتكلمون من اصحاب المقالات فيبطل امرهم حتي يجتنبوه ( يجيبوه خ ) و وصله المأمون بعشرة آلاف درهم و اعطاه الفضل مالا ( و جمّله خ ) و ولاه الرضا عليه السلام صدقات بلخ فاصاب الرغائب .
هذا آخر الحديث و الحمد لله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا ( و خ ) قد فرغ من تسويد هذه الاوراق منشيها و مؤلفها عصر يوم الاثنين السابع ( صبح يوم الجمعة خ ) من شهر شوال المكرم في سنة ١٢٤١ حامدا مصليا مسلما مستغفرا .
تمت .