فلما عرف الجواب و ظهر له الصدق و الصواب استزاد البيان للارتساخ في النفس و زيادة البصيرة

فقال يا سيدي زدني فقال الرضا عليه السلام اياك و قول الجهال اهل العمي و الضلال الذين يزعمون ان الله جل و تقدس موجود في الآخرة للحساب و في الثواب و العقاب و ليس بموجود في الدنيا للطاعة و الرجاء و لو كان في الوجود لله سبحانه نقص و اهتضام لم‌يوجد في الآخرة ابدا و لكن القوم تاهوا و عموا و صموا عن الحق من حيث لايعلمون و ذلك قوله عز و جل و من كان في هذه اعمي فهو في الآخرة اعمي و اضل سبيلا يعني اعمي عن الحقايق الموجودة و قد علم ذووا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الا بما هيهنا و من اخذ علم ذلك برأيه و طلب وجوده و ادراكه عن نفسه دون غيرها لم‌يزدد من ذلك الا بعدا لان الله عز و جل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون و يعلمون و يفهمون .

( اقول خ‌ل ) اخذ عليه السلام لزيادة بصيرة عمران و تأكيده ما نبه عليه السلام ان الله عز و جل يوجد بصفته و يدرك بآياته و يوحد بعلاماته و يظهر لكل من طلبه في كل وقت و اوان و مكان و طور و حال من احوال الانسان و ان الراحل اليه قريب المسافة و انه لايحتجب عن خلقه و انما تحجبهم الآمال و الاعمال دونه فقال عليه السلام و اياك و قول الجهال اهل العمي و الضلال الذين جهلوا عظمة الله و قدرته الظاهرة في اوليائه التي تكشف عن حقيقة معرفته لخلقه و عمي ابصار قلوبهم باغشية الانية و حجبها فضلوا عن الطريق و زعموا ان الله جل و [ص 258] تقدس موجود في الآخرة للحساب و ليس بموجود في الدنيا الم‌يعلموا اعماهم الله ان وجود الشئ عند الشئ بحقيقته دل علي اتحادهما في الرتبة و علي كون الواجد علي ( اعلي خ ) رتبة من الموجود فكيف يتصور هذا المعني بالنسبة الي الواجب القديم الذي فنيت الاشياء عند ظهوره و اضمحلت عند سطوع نوره و قد ظهر و تجلي لموسي بن عمران عليه السلام بمقدار سم الابرة من نور شعاع من اشعة عظمته المخلوقة فدك الجبل و خر موسي صعقا و مات بنواسرائيل فكيف كان الامر لو ظهر لهم بنور عظمته المخلوقة فضلا عن نور ذاته و الاثر لا ذكر له عند المؤثر فكيف يوجد المؤثر بذاته عند الاثر فاذن يكون المؤثر اثرا و الاثر مؤثرا فلايفرق اذن بين الخالق و المخلوق و المنشيء و المنشأ ( المشيئ و المشاء خ ) فعلي هذا فلايمكن فرض وجوده اي ظهوره للاثر بذاته حتي يدركه بحدود انيته و قواه و مشاعره من رؤية عين و لمس كف و ( او خ ) احاطة قلب تعالي ربي ( الله خ ) عما يقولون علوا كبيرا و اما وجوده تعالي بحقيقته الظاهرة باسمائه و صفاته فهو في كل اوان و مكان لايختص بالدنيا و الآخرة و لو كان في وجوده سبحانه و تعالي نقص و اهتضام لم‌يوجد في الآخرة ابدا لان النقص لم‌يزل و ان لم‌يكن هناك نقص في ظهوره و وجوده فلا معني لوجوده في الآخرة لا الدنيا و كذلك لو ثبت ان وجود الذات عند الآثار نقص و اهتضام للذات لاستلزام ذلك اتحاد الصقع و الاقتران لم‌يزل ذلك النقص ثابتا في جميع الاحوال و كل الاوقات فلايمكن وجوده في الآخرة ايضا و لكنا لما اثبتنا النقص في الظهور بذاته و الوجود [ص 259] بكنهه عند الاثر فبطل وجوده و رؤيته في الآخرة ايضا كما كان في الدنيا و اما وجوده سبحانه باسمائه و صفاته و تجليات ظهوراته فذلك لم‌يفقده شئ في حال من الاحوال و وقت من الاوقات في الدنيا و الآخرة بل لايري نور سوي نوره و لايشاهد ظهور غير ظهوره و في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك كما قال مولينا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون ( تكون خ ) الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبك نصيبا و قال عليه السلام تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ فانت الظاهر لكل شئ بكل شئ ه‍ ، نعم هو سبحانه هو اظهر من كل ظاهر و ابطن من كل باطن لانه اظهر من كل ظاهر و انما خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره فاذا كان كذلك فكيف يمكن ظهوره في الآخرة لا الدنيا و اذا كان الوجدان الذاتي فكيف يكون في الآخرة و الدنيا و لكن القوم كما قال عليه السلام تاهوا و عموا و صموا عن الحق من حيث لايعلمون طريق الانتقال و العبرة من الخلق الي الخالق و من الابداع الي المبدع لكي يتضح لهم الامر في الدنيا كما يتضح لهم في الآخرة و ذلك قول الله عز و جل و من كان في هذه اعمي فهو في الآخرة اعمي و اضل سبيلا يعني اعمي عن الحقايق الموجودة فلايبصرها و لايعقلها ثم اراد عليه السلام ان يبين اصلا من الاصول الحقيقية التي يلقون الي شيعتهم من قولهم عليهم السلام [ص 260] علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا او عليكم التفريع و بابا من الابواب التي ينفتح منها الف باب من الحق و الصواب فقال عليه السلام و روحي فدائه قد علم ذووا ( اولوا خ ) الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الا بما هيهنا و ذلك هو قول مولينا الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ذلك قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الحديث ، و الاشارة الي مجمل مراده عليه السلام ان العالم الاسفل دليل علي العالم الاعلي و ذلك ان الله تعالي لما انزل الخلق من الخزائن الي الخزائن و اوقفهم في المقامات العديدة و العوالم الكثيرة لقوله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فلما اوقفهم في المقام الاسفل و هم مكلفون باقرار العالم الاعلي و اعتقاد وجوده و احواله ما دام هم في العالم الاسفل فلما نزلوا احتجبوا عن الاعلي فلايلتفتون اليه الا ببيان جديد من نوع مقامهم و رتبتهم و الا لم‌ينتفعوا ( لم‌يلتفتوا خ ) كما قال عز و جل و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و لما كان البيان من الله عز و جل دون غيره كما قال تعالي و علي الله قصد السبيل و قال تعالي لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و لما كان بيانه تعالي لبلاغ حجته و اكمال نعمته يجب ان يكون اجلي البيانات و اظهرها و اعليها حتي لايدانيه بيان و لاتعتريه زيادة و لا نقصان و كان ذلك هو البيان الحالي دون المقالي فوجب عليه تعالي في [ص 261] الحكمة ان يجعل العالم الاسفل علي هيكل العالم الاعلي و هيئته و مثاله ليدل عليه كمال الدلالة علي حسب مقامه و مرتبته في السفلية لينظر الناظر اليه و يتوجه الي العالم الاعلي و لايتوقف بالنظر اليه قاصرا نظره اليه ليكون واقفا عن السير و منقطعا عن الترقي و يكون دائم النظر الي الاعلي ليصل الي المقام المعد للسالكين السائرين ان الله اعد لعباده المتقين ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و لذا تراه سبحانه جعل مراتب خلقه و مقامات محدثاته مع كثرتها و اختلافاتها ( اختلافها خ ) و تباين احوالها و اوضاعها و حركاتها و سكناتها متطابقة متناسقة ينبئ احدهما ( احدها خ ) عن الآخر ذلك تقدير العزيز العليم سبحان الذي اتقن كل شئ ثم لما علم سبحانه جمود الخلق و ركودهم و انهم لايلتفتون الي ما هو الاصلح ( الاصح خ ) و لايتوعون لدقائق الحكم قارن البيان الحالي بالبيان المقالي اتماما للحجة و اكمالا للنعمة ثم ارشدهم و نبههم بتطابق العوالم و توافق المراتب ليسهل لهم طريق الطلب و لايعسر عليهم نيل المطلب فقال في كتابه العزيز ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور اي انقطاع و تخالف و تباين ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير و قال عز و جل ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون قل انظروا ماذا في السموات و الارض و ماتغني الآيات و النذر عن قوم لايعلمون و امثالها من الآيات كثيرة و كذلك الروايات كقوله عليه السلام لما سئل [ص 262] عن الدليل علي ( الي خ ) وحدة الصانع قال عليه السلام اتصال التدبير و تمام الصنع و غيرها و لو اردنا ذكر الروايات لطال بنا الكلام و خرجنا عن المقام فاذا كان كذلك فيكون الدنيا التي هي العالم الاسفل دليلا علي الآخرة التي هي العالم الاعلي بالنسبة اليها و الله سبحانه و تعالي يقول كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابها فلو كان الله تعالي يوجد في القيمة و الآخرة لوجب ان يوجد ايضا في الدنيا لحكم التطابق و التوافق الا ان نحو ( بحر خ ) الوجود يختلف في الشدة و الضعف كنعيم الآخرة و اليمها كلها موجودة في الدنيا بنحو اضعف مع ان الامر ليس كذلك و الله سبحانه منزه عن الرؤية و المشاهدة كيف و هو سبحانه و تعالي نص علي ذلك بقوله لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و اما قوله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة فالمراد بها النظر الي الذين نظرهم نظر الله و ( و النظر اليهم هو النظر الي الله خ ) طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله قال الله تعالي الذين يبايعونك انما يبايعون الله ، من يطع الرسول فقد اطاع الله و غير ذلك فزيارته ( فزيارة رسول الله خ ) صلي الله عليه و آله زيارة الله و النظر اليه هو النظر الي الله و هكذا يؤول الآيات الدالة علي بعض التشبيهات و الدليل علي التأويل قوله تعالي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و لا شك ان الرؤية و المشاهدة من صفات المخلوقين و من صفات الاجسام ايضا تعالي ربي عما يقولون ثم لما كان القاعدة التي قررها عليه السلام و الاصل الذي اصله و ان كان عاما شاملا لجميع المراتب و المقامات و الاحوال [ص 263] الا ان ذلك لمن عرف نوع الاستدلال و يفرق بين المقال و الحال و يعرف جهة الدلالة و لاينظر الي الاسفل من حيث نفسه و انما ينظر اليه من حيث الاعلي و لما كان الناس قد انسدت عليهم هذا الباب و اشتغلوا بالملاهي و فاتتهم معرفة الاشياء كما هي فلا رخصة لهم ان ينظروا الي هذا الدليل الذي هو من نوع دليل الحكمة الذي هو اعلي الادلة و ارفعها و ادقها و اغمضها الا بهداية و ارشاد العالم الذي لايجهل و الناظر الذي لايغفل و الحكيم الذي لايغفل و لايخطي و لايسهو ليحصل له اليقين انه اصاب وجه الدلالة و عرف الاستدلال و هو قوله تعالي و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون اي العالمون بالامثال و وجه كونه ( كونها خ ) مثلا و جهة المناسبة و طريق الانتقال من المثل الي الممثل و اما غير المعصومين سلام الله عليهم اجمعين فلا قطع و لا يقين في كونه عالما في الحقيقة و الواقع و لايحصل اليقين الا ببيان المعصوم عليه السلام و تعليمه لشيعته لنوع الاستدلال فانهم سلام الله عليهم قالوا نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و ساير الناس غثاء فلايجوز لاحد الاستدلال بتلك الادلة الغامضة الدقيقة التي لايهتدي اليها الا الاقلون برأيه و ادراك نفسه فان رأيه منقطع دون هذا المقام و سر هذا الاستدلال اصله عند العقل المستوي و المرتفع و هكذا صاعدا الي اعلي مراتب الفؤاد و اني للواقفين مقام الجسم و الطبيعة و النفس نيل ذلك المقام و الوصول الي حقيقة المرام الا بتسديد خبير مطلع و بصير هادي و لذا قال عليه السلام قد علم ذووا الالباب اشارة الي اهل القلوب و اصحاب العقول الناظرين اليها و العاملين علي مقتضاها ( بمقتضاها خ ) لا كل [ص 264] احد من اهل العلوم و اصحاب الرسوم و لذا نبه عليه السلام الي شرط الاستدلال حتي لايوقع الخلق في الشبهة فقال روحي فداه و من اخذ علم ذلك برأيه و طلب وجوده و ادراكه عن نفسه دون غيرها لم‌يزدد من ذلك الا بعدا و هو كما قال عليه السلام لان مقام الخلق دون مقام هذا الدليل فليس لهم التوغل فيه من حيث انفسهم بل يجب عليهم متابعة من عنده هذا الدليل فان الله تعالي جعل علم ذلك عند قوم يعقلون و يعلمون و يفهمون و ليس اولئك الا آل‌محمد عليهم السلام الطيبون الطاهرون المعصومون لانهم خزان ( خزائن خ ) علم الله و مهابط فيض الله و حملة وحي الله و احصي الله فيهم علم ما كان و ما يكون و هو قوله تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين و هم الكتاب الناطق عن الله تعالي و هو تعالي يقول و كل شئ احصيناه كتابا و فيه تبيان كل شئ و فيه تفصيل كل شئ و مافرطنا في الكتاب من شئ و امثالها من الآيات و ان عندهم علم الكتاب كما قال الصادق عليه السلام و علم الكتاب كله هنا و اشار الي صدره الشريف في تأويل قوله تعالي قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب فاذا كان كذلك فلا محيص و لا معدل عنهم فكل من سويهم يجوز فيه الغلط و السهو و الخلط فاذا لايعبؤ بقوله و لا اعتناء في استدلاله من نحو هذا الاستدلال كما وقع لبعض القاصرين حيث تنبهوا الي صحة الاستدلال و ماتنبهوا و مااهتدوا الي نوع الاستدلال و شرطه فعموا و صموا و تاهوا مثل قولهم ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات استجنان الشجرة في النواة و مثل قولهم ان الله تعالي كالمداد و [ص 265] الخلق كالصور الطارية علي المداد و انه تعالي كالبحر و الخلق كالامواج و هكذا من الامثال الباطلة و الادلة الواهية و ذلك من عدم مراعاتهم للشرط و ليس المراد انه يأخذ علم ذلك من الامام عليه السلام علي جهة التقليد بل المراد انه ينظر بصافي فطرته الي الامثال المضروبة و البيانات الحالية فاذا عرف حكما من تلك الامثال لايعتمد علي ما فهمه ( فهم خ ) حتي يزنه بالميزان الذي جعل الله سبحانه للخلق حتي يزنوا به عقولهم و افكارهم و ادراكاتهم و جميع احوال معاشهم و معادهم كما قال عز و جل و زنوا بالقسطاس المستقيم و لاتبخسوا الناس اشيائهم و لاتعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين و قال ايضا عز و جل و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان و امثال ذلك من الآيات و الروايات في هذا المعني كثيرة فاذا عرفت هذا عرفت ان الذي لم‌يقم عليه اجماع المسلمين و اجماع الفرقة المحقة و اجماع العقلاء الكاشفة لايجوز لاحد ان ينظر عليه ( اليه خ ) برأيه ان الرأي لم‌يجعل الله الا لنبيه صلي الله عليه و آله و ذلك ايضا حسب تسديد الله تعالي حيث قال تعالي خطابا لنبيه صلي الله عليه و آله فاحكم بينهم بما اراك الله فاذا لايجوز القول الا بعد القطع بان فيه رضاء الله تعالي بالقطع الحقيقي الواقعي فكل من يجوز عليه السهو و الغلط و الخطأ لم‌يحصل القطع بان ما فهمه ( فهم خ ) فيه رضاه سبحانه فوجب الوزن بالرجوع الي الذي عصمه الله تعالي من الخطأ و الزلل في القول و العمل رزقنا الله متابعتهم و التمسك بحبلهم .

قال عمران يا سيدي الاتخبرني عن الابداع خلق ام هو غير خلق قال [ص 266] الرضا عليه السلام بل خلق ساكن لايدرك بالسكون و انما صار خلقا لانه شئ محدث و الله الذي احدثه فصار خلقا له و انما هو الله و خلقه لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فما خلق الله عز و جل لم‌يعد ان يكون خلقه و قد يكون الخلق ساكنا و متحركا و مختلفا و مؤتلفا و معلوما و متشابها و كل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز و جل و اعلم ان كل ما اوجدتك ( اوجد تلك خ ) الحواس فهو معني مدرك للحواس و كل حاسة تدل علي ما جعل الله عز و جل لها في ادراكها و الفهم من القلب يجميع ذلك كله .

( اقول خ‌ل ) ثم ان عمران (ره) لما علم ان الابداع و المشية و النور و التأثير و الارادة و الفاعلية بل الفاعل او غير ذلك من الاسماء امر متوسط بين الخالق و المخلوق عرض له سؤال في حق هذا المتوسط هل هو خلق ام غير خلق و غرضه انه لايجوز ان لايكون خلقا لانه ينافي التوحيد و ادلة التوحيد يبطله و اذا كان خلقا كان محتاجا الي متوسط آخر بناء علي عدم جواز الاستثناء في القواعد العقلية و كما يحتاج المخلوق الي الواسطة كذلك الواسطة من حيث المخلوقية اذ العلة في الكل ( كل خ ) واحد مشتركة فيلزم حينئذ الدور او التسلسل و ايضا هذا المتوسط مرتبط بذاته بمبدئه الذي هو وجود الخالق و بمنتهاه الذي هو وجود المخلوق فيوهم وحدة هذا المتوسط بين الطرفين سراية لوازم المخلوقية من المحدودية و التقدير و غيرهما من صفات المخلوقين الي وجود الخالق تعالي الله و ايضا يلزم انقلاب المخلوق الي الخالق و الخالق الي المخلوق فيعدم التأثير و الايجاد ضرورة اتحاد المقترنين الملتقيين في الرتبة و [ص 267] اتحاد الرتبة يفسد العلية و المعلولية و ايضا يلزم انفعال الخالق بتلك الرابطة لاجل الاقتران و التحديد و التركيب و غير ذلك فلذا سأله عليه السلام و قال يا سيدي الاتخبرني عن الابداع خلق ام هو غير خلق فان علي كلا التقديرين يلزم المحذور المذكور فاجابه عليه السلام فقال انه خلق ساكن لايدرك بالسكون و حاصل الجواب ان الابداع هي الحركة الايجادية و الحركة في ذاتها لم‌تنته الي الذات لان بين المنتهي و المنتهي اليه لا بد من نسبة و اقتران فليست في الذات حركة حتي تنتهي اليها فانتهاؤها حينئذ الي نفسها و قد قال مولينا الصادق عليه السلام في المشية ان الله تعالي خلق الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها ففاعلية الذات انما هي بنفس الفعل ففيه جهتان جهة فاعلية و جهة مفعولية و كلاهما حادثان وقعا في رتبة الحدوث و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها لان الاثر ينسب الي ظهور الذات او الذات الظاهرة و لذا تراه لايدل الا عليها كالكاتب فانه يدل علي الذات الظاهرة بالكتابة فنسبة الاشياء الي ذلك الظهور و ذلك الظهور لايحتاج الي ظهور آخر ( الآخر خ ) بل الظهور ظهور بنفسه و المظاهر مظاهر بالظهور فينقطع الدور و التسلسل كما قالوا في الوجود بانه لو كان متحققا في الخارج لكان موجودا و الموجود هو من له الوجود فننقل الكلام الي ذلك الوجود فيدور او يتسلسل و اجابوا بان موجودية الوجود بنفس الوجود لا بامر آخر فاوجده الله بنفسه لا من شئ ثم اوجد الاشياء به و كذلك حكم النية فان العمل لايتحقق [ص 268] بدونها و هي لا شك انها عمل لا بد لها من نية فيلزم الدور و ( او خ ) التسلسل و اجابوا بان النية في تحققها لايحتاج الي نية و هي بنفسها نية يعني نية النية نفسها و لهذا مثال ( امثال خ ) كثيرة غير هذا ( ذلك خ ) لايجد الجاهل لها مقالا فان قلت فاذا كان كذلك فاي حاجة الي توسط هذا الخلق اذا صح ان توجد الاشياء بنفسها قلت قد ورد عنهم عليهم السلام ان الله تعالي اقام الاشياء باظلتها اي بحقائقها و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام بل تجلي لها بها فكل شئ فيه اسم يشتق من نفس ذلك الشئ الحادث الا ان الاشياء في سلسلة الجعل و الاحداث و بطلان الطفرة فيها العالي و السافل و وجود العالي من تمام قابلية السافل للوجود فصارت الاشياء يترتب بعضها علي بعض و يقترن بعضها ببعض و ينبعث بعضها عن بعض و يصدر بعضها عن بعض و هكذا و لما كان الله سبحانه كاملا في الوحدة المطلقة البسيطة فوجب ان يكون اول خلقه كاملا مطلقا مهيمنا علي جميع من بعده من الخلق حتي يكون دليلا عليه تعالي و لما ثبت ان الكمال كله في الوحدة و النقص كله في الكثرة وجب ان يكون ذلك الخلق الاول واحدا منطويا فيه الكثرات و هي لا وجود لها و لا تحقق الا بالذكر في ضمن تعلق ذلك الواحد و كلما سواه كله دائما يبرز من ذلك الذكر الي عالم الكون و لا نفاد له و لا انقطاع و هو قوله تعالي كل يوم هو في شأن و قول الصادق عليه السلام شؤن يبديها لايبتديها و ذلك الواحد الذي في رتبة اسفله ذكر الامكانات و الحوادث كلها هو الابداع و الاختراع و المشية و الارادة و آدم الاول و فلك الولاية المطلقة و عالم فاحببت ان [ص 269] اعرف و الرحمة الواسعة الكلية و الشجرة الكلية و الاسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره و الازلية الثانية و المحبة الحقيقية و صبح الازل مبدأ المبادي و غاية الغايات التي تنتهي اليه التعلقات و غير ذلك من الاسماء التي ذكرتها مشروحة مفصلة في اللوامع الحسينية و قد عرفه الامام عليه السلام بانه خلق ساكن لايدرك بالسكون اما كونه خلقا فبمعني خلق الذي هو الفعل لا الخلق الذي هو المصدر فاذا كان الابداع قد سبق كل شئ لايجوز ان يكون مصدرا فانه مسبوق بالفعل علي ما هو الحق في المذهب من كون المصدر مشتقا من الفعل و كونه عاملا في المصدر و وقوع المصدر تأكيدا و صفة للفعل و كون المصدر مفعولا مطلقا الذي قد تعلق به الفعل و كون المصدر اسما و الاشياء كلها مجعولة مخلوقة بالفعل كما قال الصادق عليه السلام في الحديث المتقدم خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و كون الفعل حركة بسيطة و المصدر حاصلا من الحركة و هو الاثر الواقع بالمفعول الي غير ذلك من الاحوال و الامور المقتضية لاشتقاق المصدر و فرعيته للفعل فاذا كان كذلك وجب ان يكون المراد من الخلق هو ( هو خلق الذي هو خ ) الفعل و هو ساكن اي ثابت مستقل اصل تدور عليه جميع الكائنات بقول مطلق و لذا عبروا عنه بالكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و ركدت لها البحار و خمدت لها النيران الي غيرها مما هو مذكور في الادعية متفرقة فيكون هو الساكن الثابت المستقل الغير المضمحل الذي اذا نسبته الي ما تحته من المراتب لايتغير و لايتبدل و لايختلف باختلافها [ص 270] و لايتغير بتغيرها و لاينفعل بحركاتها و تأثيراتها و انقلاباتها كالشمس فانها بالنسبة الي القمر و سائر الكواكب ثابتة مستقلة لاتختلف باختلافها و الكواكب تختلف باختلافها و تنفعل بانفعالها و هكذا فالابداع هو الاصل الذي هو القطب الذي كل الممكنات له بمنزلة الكرات و الدواير كلها علي اختلافها تتحرك و تدور حول القطب و هو ساكن لايتحرك بحركة الكرات و الدوائر و ذلك واضح معلوم ان شاء الله ( تعالي خ ) و لما كان في قوله عليه السلام خلق ساكن افادة امرين احدهما السكون بمعني الاستقلال كما فسرنا و هو المراد و ثانيهما هو السكون الذي ضد الحركة و ليس بمراد و الاول ايضا علي اطلاقه ليس بمراد لان السكون بمعني الاستقلال المطلق و حركة الاشياء عليه و استمدادها منه يورث التفويض بمعني العزلة و التعطيل و لم‌يكن ذلك من مذهب اهل البيت عليهم السلام اشار عليه السلام الي نفي المعنيين و اثبت المراد المطابق للواقع المقرون بالصدق و السداد بقوله عليه السلام لايدرك بالسكون يعني لاتتوهم ان الساكن المذكور في قولي خلق ساكن هو علي معني السكون بمعني الوقوف و الركود حاشا و كلا لان السكون مسبوق بالحركة اذ لا شك انهما موجودان و الحركة اشرف من السكون لانها حيوة و السكون موت و انها نور و انه ظلمة و انها تورث الذوبان و رفع الاوساخ و التلطيف و دفع ( رفع خ ) الفضولات و احراق الاخلاط الفاسدة و انه يورث اضداد ما ذكرنا كله و الطفرة في الوجود باطلة فوجب ان تكون الحركة مقدمة علي السكون و يكون السكون منتهي اليه الحركة في التعلق فلو جعلنا السكون في هذا المقام [ص 271] عبارة عما هو ضد للحركة كان الابداع مسبوقا بامر آخر هذا خلف فليس المراد به السكون المذكور حيث لم‌يسبقه شئ و لما لم‌تكن منزلة بين الحركة و السكون كان الابداع هو نفس الحركة الايجادية التكوينية و قد قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في الفعل انه ما انبأ عن حركة المسمي فالفعل هو نفس الحركة الايجادية و ( الحركة و خ ) هي لا تحقق و لا وجود لها اصلا الا حين صدورها و بقائها هو ايجادها هي ( هو خ ) عين الفقر و الاحتياج بحيث لا تذوت لها في آنين و مفتقرة دائما ابدا سرمدا الي حافظ و مقوم و موجد و مصدر و محدث لها اذ لا شئ في التصرم و التفصي ( التقضي خ ) و التجدد باعظم من الحركة فلولا المتحرك ( المحرك خ ) لم‌تكن شيئا فاذا ثبت ان الفعل نفس الحركة فارتفعت شبهة الاستقلال و واهمة التعطيل و الاعتزال و ظهر ان الابداع هو الخلق المستقل الثابت بالنسبة الي من دونه من سائر الخلق و اما بالنسبة الي المبدأ الحق سبحانه و تعالي ( فانه خ ) فان مضمحل فقير ( متغير خ ) محتاج آن وجوده آن بقائه فيحتاج الي المدد الجديد ( مدد جديد خ ) آنا فآنا و شيئا فشيئا و هذا هو القدرة الكاملة و العظمة البالغة حيث اقام الذوات و الصفات و الجواهر و الاعراض و المفارقات و المقارنات و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و السموات السبع و الارضين السبع و ما فيهما و ما بينهما و ما فوقهما و ما تحتهما كل ذلك بحركة فانية مضمحلة متجددة متصرمة متقضية ذلك تقدير العزيز العليم و لما كان عالم الالفاظ و الحروف ( كما ذكرنا سابقا خ ) علي طبق عالم الذوات حرفا بحرف عرفوا الفعل اللفظي بانه كلمة مستقلة مقترنة باحد الازمنة الثلاثة فكلمة مستقلة تشير الي قوله عليه السلام خلق [ص 272] ساكن و مقترنة تدل علي التجدد و التصرم فان الزمان متجدد متصرم متقضي ( منقض خ ) كالحركة و لذا كانت الحركة مشروطة بالزمان و لما كانت الاوضاع اللفظية علي طبق الحقائق المعنوية جعل الفعل متحركا غير ساكن للبيان و الاشارة الي انه هو الحركة الكونية الايجادية و اما الاستقلال فيظهر من معلومية اصالة الفعل في العمل فلايحتاج الي اشارة في اللفظ فان علم النحو و اللغة لايتم الا بان الفعل هو الاصل في العمل و التأثير و انه المبني الذي لايؤثر فيه العوامل و كل عامل انما يعمل بتبعية الفعل و مشابهته و الفعل لايقع معمولا الا بمشابهة الاسم و هذا القدر يكفي في دلالته علي الاستقلال فلو كان مع هذا ساكنا يوهم الاستقلال و لذا حركوه لتحقيق هذه الدقيقة و الاشارة الي هذه اللطيفة ، و اما المصدر فلما كان اول متعلق للفعل و اول حامل لاثره و هو المفعول الاول المطلق بل هو المفعول في الحقيقة دون ما سواه علي ما صرح به النحاة و المفعول طبعه البرودة و السكون و الخضوع و هو منتهي اليه الحركة فوجب ان يكون ساكنا و انما خص السكون بالوسط لانه هو الاصل و القلب الذي تدور ( يدور خ ) عليه باقي الحروف و الاطراف فروع متممة كالقلب و سائر الاعضاء و الجوارح و كالفلك الخارج المركز و المتممين الحاوي و المحوي ففي سكون الوسط اشارة الي ان المصدر حقيقته المفعولية و الوقوف و محل تعلق الفعل و مهبط الفيض فهو ساكن يحفظ ( بحفظ خ ) فيض الفعل اذا ورد عليه فاذا تحرك ماانحفظ الفيض و بطل المفعول و هذا السكون لاينافي الحركة الذاتية الجوهرية فوجب سكون الوسط و اما الآخر فيطرء [ص 273] عليه الاحوال بحسب القرانات الخارجية من العوارض الذاتية الطارية عليه فقد يظهر له مقام الفؤاد و هو مقام اطعني اجعلك مثلي اقول للشئ كن فيكون تقول ( و تقول خ ) للشئ كن فيكون فيرتفع حينئذ عن المقام الاسفل الي المقام الاعلي فيشابه اوائل جواهر علله فيكون مرفوعا علي غيره من المقامات و المراتب او يكون مرفوعا عن مقام المدارك و القوي و الحواس و المشاعر لانه في مقام لايقع عليه اسم و لا صفة و الكل مراد في كل مقام و لانطول الكلام بشرحه و قد يظهر له مقام العقل المرتفع و المستوي و اعلي المنخفض و هو مقام العبادة و الطاعة و الانقياد فينتصب لذلك و يكون منتصبا للهداية و الارشاد و علما للحق و الصواب و اعرابه النصب و قد يظهر له مقام النفس علي مراتبها السبعة فيحتجب عن المشاهدة و اللقاء و يشتغل بالنفس و الهوي و ما تقتضيه الانية و غير ذلك فلايلي الفعل حينئذ فينكسر و ينخفض و ينجر و هذه احوال تطرء علي آخره في الظهورات التعلقية بحسب اعماله و اقباله و اقترانه بغيره و اما هو بنفسه ساكن فان مضمحل مثاله الهواء فانه بالطبع حار رطب يقينا لكن ريح الدبور حار يابس و ريح الصبا بارد رطب و ريح الجنوب حار رطب و ريح الشمال بارد يابس و هذه الاحوال كلها تطرء عليه بالقرانات الخارجية و كذلك المصدر اسكنوا وسطه لبيان مفعوليته و حركوا آخره لبيان ترقياته و تنزلاته بالاعمال و انه بالترقي و التنزل هو ساكن الوسط لايخرج عن مقامه و لايتنزل ( لايتجاوز خ ) عن حده و لايتعدي مبدئه و هو قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون [ص 274] فافهم فقد اطلعتك علي باب من السر ينفتح منه الف باب فاشرب صافيا و افهم راشدا ، ثم ان الابداع في تحققه له مراتب و هي كما ذكرنا سابقا من حكم الحلين و العقدين و اجزاء ( اجراء خ ) الرطوبة و اليبوسة و ترتيبها و غير ذلك مما هو مشروح في سائر رسائلنا و مباحثاتنا و له مراتب باعتبار التعلق و هذا الاعتبار في مقامين احدهما مقام تعلقاته لاتمام الشئ من مادته و صورته و نسبة المادة الي الصورة و نسبة الصورة الي المادة و اول الاقتران الذي هو مقام الايلاج و تمام القران ( الاقتران خ ) الذي هو مقام الغشيان و كمال الشئ و ظهوره مشروح العلل مبين الاسباب و منه تحققت الايام السبعة في الاسبوع فالاحد للاول و الاثنين للثاني و الثلثاء للثالث و الاربعاء للرابع و الخميس للخامس و الجمعة للسادس و السبت للسابع و ذلك هي المراتب المذكورة في الروايات الدالة علي ان الشئ لايتم و لايكون الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و امضاء و اجل و كتاب و الستة الاولي هي الايام الستة التي خلق فيها الشئ و هي ايام الفعل و جهات تعلقاته و قد قال ( الله خ ) عز و جل و ذكرهم بايام الله ، و ثانيهما مقام ظهور الابداع الذي هو الفعل بحسب التعلق و عدمه و صلوحه للتعلق مع فقد الشرايط و هو بهذا الاعتبار ينقسم الي سبعة اقسام لان الفعل اي الابداع لما اوجده الله سبحانه بنفسه بقي متعلقا بالامكان و مظهرا للعظمة البالغة و الرحمة الواسعة للقادر السبحان فاوجد الله سبحانه به الامكانات و الاذكار علي جهة العموم فلما ان الله سبحانه بني امره في ايجاده للاشياء علي الاختيار [ص 275] و نفي الجبر و الاضطرار صار يتعلق الابداع بايجاد الاشياء حسب اتمام شرائطه و قابليته للوجود فالذي تمت شرائطه و كملت قابليته و تعلق به الفعل هو المسمي بالماضي و الذي ماتمت شرائطه و ماتحققت و لكنها تتحقق ( تحقق خ ) فيما بعد و يوجد محتوما فذلك هو المضارع بمعني الحال و الاستقبال و الذي تمت شرائطه و كملت و حصل القران و التعلق قبل الالزام و الامضاء فذلك هو الامر حيث ان الابداع الكلي يؤمر بالتعلق لما تمت الاسباب الموجبة للتعلق و الذي ماتمت شرائطه و لم‌يتعلق لاجل ذلك هو الجحد و الذي لايجوز تعلق الفعل به و احداثه لعدم اقتضاء المصلحة في النظام فذلك هو النفي و الاغلب ان العدم هنا محتوم و الذي لاينبغي التعلق ( للتعلق خ ) و لايجوز بمنع الابداع عن التعلق و الاقتران فذلك هو النهي و هذا اعم من ان يستمر العدم الي ان يبلغ حد المحتومية او ينقلب الاسباب و الشرايط فتوجب التعلق ليكون امرا و الذي تمت الشرايط و بقي واقفا بباب الاذن هل يؤذن له للتعلق ( في التعلق خ ) ام لا للامكان او لمانع اقوي و بسبب للمنع اعظم فذلك هو الاستفهام و لما كانت هذه السبعة جهات الابداع و حدودها قد تشعبت منه تشعب الاعضاء و الجوارح من القلب و تشعب الاغصان من الشجرة و الاولاد من الوالد سميت هذه المراتب فعلا كما هو الواقع لكنها جزئية اضافية و اشتقت من الفعل الكلي اولا و بالذات فالفعل الماضي هو الاصل لكونه مقام جف القلم بما هو كائن و سائر الافعال كلها مشتقة منه او قل ان المضارع اي المستقبل و الحال مشتق من الماضي و باقي الافعال كلها مشتقة من المضارع [ص 276] و الاصل في هذه السبعة فعلان الماضي و المضارع و الماضي هو الثابت الدائم المستمر الغير المتغير و الغير المتكثر و حكمه حكم العرش الذي هو الثابت الغير المختلف و لذا يسمونه بالفلك الاطلس و المضارع هو المتكثر المختلف المتعدد الظاهر بالحكم التفصيلي و حكمه حكم الكرسي الظاهر بالكواكب و البروج و المنازل و لما كان الكرسي مقام المفعول و هو اغلظ و اكثف من مقام الفعل المتعلق به كانت التفاصيل الظاهرة في الكرسي اثني‌عشر و التفاصيل الظاهرة للفعل ( في الفعل خ ) ستة و هي اذا فصلت و كررت و ثنيت يكون اثني‌عشر و الفعل الماضي اذا كرر و ثني يكون اثنين فيكون المجموع اربعة‌عشر و بها يظهر يد الله و وجه الله و الوهاب و الجواد فوجب اربعة‌عشر في المفعول ليكون كل واحد حامل وجه من الاربعة‌عشر الذي في الفعل و اما المصدر فانه مشتق من الفعل الماضي لا كاشتقاق المضارع منه من اشتقاق الاغصان من الشجرة و اشتقاق الاعضاء من القلب بل اشتقاقه منه اشتقاق الشعاع من المنير و الاثر من المؤثر و لذا كان المصدر اسما مباينا للفعل بينونة الصفة عند وقوعه ( وقوع خ‌ل ) المفعول المطلق التأكيدي ( التأكيد خ ) و المضارع فعلا منه مترتبا عليه ترتب البدل مع المبدل منه فثبت ان اشتقاق المضارع من اصل الحقيقة و اشتقاق المصدر من رسم الصفة و الاسم الفاعل و الاسم المفعول و اسماء الافعال و المفعول ( او اسم الفاعل و المفعول خ ) اشتقا من المصدر اشتقاق الفعل المضارع من الماضي و لذا كان المصدر مبدأ اشتقاقهما و الذي يقول هما مشتقان من الفعل اما لم‌يظهر له سر الحقيقة في ذلك او [ص 277] مراده بالفعل هو المصدر في مقام التأكيد و بينونة الصفة في مقام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فافهم و لنا ان نقول ان المصدر مشتق من الفعل المضارع في الحقيقة و لكن لما كان الفعل المضارع مشتقا من الفعل الماضي قلنا ان المصدر مشتق منه بطي الوسائط ثم لما ذهبت بعض الاوهام الي ان الاعيان الثابتة اشياء غير موجودة و غير مكونة و لكنها ثابتة في غيب الذات قديمة غير مجعولة كما قال صاحب الكلمات المكنونة و الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات و مندرجة فيها اندراج اللوازم في الملزومات و قال ايضا و الاعيان الثابتة عينه الغير المجعولة و قال في سر سر القدر ان تلك الاعيان ليست امورا خارجة عن ذات الحق بل هي ذاتيات و انيات للحق و ذاتيات الحق لاتقبل الجعل و التغيير و الزيادة و النقصان فعندهم الاشياء ثلثة ذات الحق سبحانه من حيث هو و ذات الخلق و الاعيان الثابتة الغير المجعولة و قال صاحب الاسفار تبعا لغيره من الحكماء ان الوجودات ثلثة الوجود الحق و هو الوجود بشرط لا و الوجود المطلق و هو الوجود لا بشرط و الوجود المقيد و هو الوجود بشرط شئ فالاول وجود الواجب تعالي و الثالث وجود الحادث الممكن و الثاني المتوسط هو الوجود المنبسط و هو مع الواجب واجب و مع الممكن ممكن و مع الشئ شئ و مع اللاشئ لاشئ و مع الموجود موجود و مع المعدوم معدوم و هو الرابطة بين الحادث و القديم فاثبتوا ثالثا ليس بخالق و لا مخلوق و لا موجود و لا معدوم و لا حادث و لا قديم و المتكلمون قالوا ان المفاهيم [ص 278] خمسة واجب الوجود لذاته و واجب الوجود لغيره و ممتنع الوجود لذاته و ممتنع الوجود لغيره و ممكن الوجود لذاته قالوا لايجوز ممكن الوجود لغيره و الا لزم انقلاب الواجب و الممتنع ممكنا و هذا لايصح و لم‌يتحاشوا عن قلب الممكن واجبا و ممتنعا و اثبتوا لهذا التقسيم احكاما و فروعا حتي قسم المنطقيون الكليات الي ستة اقسام و جعلوا واجب الوجود قسما من الكلي الذي له افراد كثيرة لكنها منحصرة في الفرد كالشمس فانه ايضا كلي منحصر في الفرد الا ان الفرق بين الشمس و ذات الله سبحانه هو ان سائر افراد الشمس ممكنة غير موجودة و سائر افراد الواجب ممتنعة و اما في كونهما فردين لكلي فهما سواء و جعلوا ممتنع الوجود ايضا قسما من الكلي الذي له افراد غير متناهية الا انها ماوجدت و لو في فرد كالعنقاء فانه ايضا كلي افراده غير متناهية لكنها ماوجدت اصلا و الفرق بين العنقاء و الممتنع الذي يمثلون له بالشريك لله تعالي ان افراد العنقاء ممكنة لم‌توجد و افراد شريك الباري ممتنعة لم‌توجد و غير ذلك من الخرافات التي قد بسطنا القول في كثير من رسائلنا و اجوبتنا للمسائل و مباحثاتنا في ابطالها و تزييفها و انها لايوافق مذهب اهل البيت عليهم السلام و قال بعضهم و هو قول المشهور بينهم ان الوجود مشترك بين الواجب و الممكن بالاشتراك المعنوي و ان اسماء الله سبحانه المشتقة كالعالم و القادر و غيرهما من مشتقات الاسماء بل اسماء الله تعالي كلها مشتقة و ليس فيها اسم جامد ابدا لان [ص 279] الجمود لايكون الا عن برودة و يبوسة و الاسم المنتسب الي الله سبحانه فيه حرارة و رطوبة فاين الجمود من الذوبان و اين الموت من الحيوة فالقول بان لفظ الجلالة جامد من اسخف الاقوال و قد صدر ذلك عن ( من خ ) جمود القريحة و خمود الطبيعة و قالوا ان الاسماء المشتقة كلها كليات صدقها علي الافراد بالاشتراك المعنوي فالواجب سبحانه و تعالي فرد من ذلك الكلي و الممكن ايضا فرد منه و الكلي لا شك انه من حيث هو غيرهما و مقومهما و ثالثهما تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا و غير ذلك من الاقوال التي تؤل الي الواسطة و المنزلة بين الواجب و الممكن او اثبات اقسام اخر غير الواجب و الممكن و هذه الاوهام لما كانت مخالفة لمذهب اهل الحق عليهم السلام و قد شاعت و ذاعت بينهم بحيث لايرون الفضل لمن لم‌يعرف تلك الاقوال الفاسدة و المذاهب السخيفة الكاسدة اراد عليه السلام بابي هو و امي ابطال هذه الاقوال الكاذبة الباطلة فقال روحي فداه و انما هو الله و خلقه لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما اتي عليه السلام بانما كلمة الحصر تأكيدا للامر و انه ليس الا هذا و غيره باطل و ليس الا الله و خلقه سبحانه و تعالي و لم‌يذكره بطريق القسمة بان يقول عليه السلام الموجودات منحصرة في قسمين حق و خلق ارشادا الي ان القسمة تستلزم وجود ما نفاه عليه السلام من الثالث بينهما فان المقسم هو الثالث غيرهما و يلزم ( يستلزم خ ) التقسيم التحديد و بينونة العزلة فان المقسم شئ واحد تطرء عليه الحدود و العوارض و تجعله اقساما مختلفة و تثبت له احكاما متضادة و هي المقصود من بينونة [ص 280] العزلة و يكون كل قسم مركبا من حصة من ذلك المقسم و من تلك الحدود و العوارض المشخصة و يكون بين الاقسام تضاد و هو المقصود من القسيم ( القسم خ ) اي الضد و يكون في كل من الافراد المركبة فعل و انفعال و اقتران و افتراق و تأثير و تأثر و ضم و توليد و غيرها من الاحوال الامكانية و يكون وجود الافراد زائدا علي ذاتها لان لها وجود في المقسم مستقلا و يكون الافراد متولدا من اب و هو المقسم و من ام و هي الاعراض و الحدود المشخصة و هكذا من سائر الاحوال الناقصة الثابتة لاهل النقصان فمن جعل الله سبحانه و تعالي فردا من كلي او قسما من مقسم كما فعلوا في تقسيم الموجود الي الواجب و الممكن و المفهوم الي واجب و ممتنع و ممكن و غير ذلك مما اشرنا الي بعض منها فقد اثبت له تعالي كل تلك الامور التي قد قلنا انها من لوازم الافراد فيثبت لله تعالي التركيب و الولادة و الضدية و الانفعال و الاقتران و ان يكون له وجود زايد تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا فمن اثبت القسمة اثبت هذه الاحوال الامكانية و قولهم بان هذا التقسيم من حيث المفهوم لا من حيث المصداق غلط فاحش فان المفهوم ان اخذ من حيث كونه آلة للتوجه الي الله القديم سبحانه و تعالي فلايجوز ان يثبت له حينئذ ما ينافي القدم و ان لم‌يصل اليه كما انك في العبادة تتوجه الي الله تعالي و لا شك ان الذي ادركته من المعبود جل جلاله غير الذات البحت و الذي ادركته حادث من الحوادث كما قال مولينا الصادق عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و مع [ص 281] ذلك لااريك تثبت للذي ادركته و توجهت اليه احوال الحدوث و الامكان و ما ذلك ( ذاك خ ) الا لانك جعلته وجها له تعالي و آلة تتوجه بها اليه فالوجه لايخالف ذي ( ذا خ ) الوجه فلايجوز حينئذ اثبات القسمة و الاقتران و الانفعال و غير ذلك و ان اخذ المفهوم لا من حيث كونه وجها للتوجه الي المعبود الحق جل جلاله بل من حيث كونه حادثا من الحوادث و خلقا من المخلوقات فلايجوز ان تجعل القديم المقابل للامكان قسما من هذه المفهوم الا ان تسمي الحادث قديما و الوجود عدما اذا لا قسمة بين الامكان و الممكنات و هل يجوز تسمية الحادث بالقديم ام لا مبني علي القول بتوقيفية اسماء الله تعالي و عدمها ثم لو كان مرادهم الاصطلاح ماجاز الاختلاف و القول بجواز الاشتراك و عدمه و القول بصحة القسمة و عدمها لضرورة صحة الاشتراك و القسمة في الامكان كما هو المعلوم بالعيان و لايخفي علي الانسان فمن هذه الجهة عدل عليه السلام عن التعبير بصورة القسمة و اتي بصورة الحصر و قال انما هو الله وحده و لا شك ان القادر الفياض المطلق لا بد له من الفيض و النور و الاثر و هو عبارة عن الخلق فاذا ثبت وحدة الصانع الواجب سبحانه و تعالي فكلما سواه خلقه و الخلق لايذكر مع الذات البحت ليشملهما ( ليشملها خ ) مقسم واحد فبطل الاشتراك و الاقتران و الانفعال و غير ذلك لانه كله فرع الذكر و الوجود في الرتبة فاذا ثبت الاثرية امتنع الذكر في رتبة المؤثر فاذا امتنع الذكر امتنع الاقتران و الاشتراك و الانفعال و غيرها فاذا امتنعت هذه الامور امتنعت القسمة و امتنع ايضا قولهم بالوجود المنبسط و الاعيان الثابتة و غيرها و لو اردنا تفصيل المقال في هذه الاحوال لطال بنا الكلام [ص 282] و خرجنا عما نحن فيه و قد ابطلنا هذه العقايد الفاسدة بما لا مزيد عليه في كثير من مباحثاتنا بحيث صار من ضروريات مطالبنا عند الناظر في كلماتنا و في كلام الامام ( عليه السلام خ ) نفي صريح لها بحيث لايحتمل الانكار فازال شبهة عمران في الابداع الذي هو المتوسط بين الخالق و المخلوق بانه لا منزلة بينهما و كلما سوي الله تعالي خلقه و لايحتاج المجعول الاول في احداثه و ايجاده الي آخر كما ذكرنا و ازال ايضا عن قلب عمران جميع ما كان يعتقده المتكلمون من الامور التي اشرنا الي بعض منها بنفي ان يكون شئ غير الله و غير خلقه ثم قال عليه السلام تأكيدا و تثبيتا للحق الواقع فما خلق الله عز و جل لم‌يعد ان يكون خلقه يعني كلما خلق الله عز و جل لايتعدي عن رتبة المخلوقية و لايعدو مقامه و مرتبته الي مقام اعلي فيكون المخلوق خالقا و الممكن واجبا كما يظهر من كلمات القوم و السنة حالهم من القول بالاقتران و الاشتراك و القسمة فان اثبات كل هذه الاحوال اخراج للممكن عن حد الامكان و رفع الي حد القدم سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا ثم اشار عليه السلام الي حدود الخلق و اطوارهم بقول مجمل حتي يعرف عمران ان كون الشئ مستقلا ثابتا يتقوم به غيره لايدل علي انه ليس بمخلوق و انما هو قديم بل هو خلق للقديم سبحانه و تعالي اقامه بنفسه و اقام غيره به فمن نظر اليه بعين الاستقلال فقد صغر عظمة القديم الخالق و لذا قال عليه السلام و قد يكون الخلق ساكنا و متحركا و مختلفا و مؤتلفا و معلوما و متشابها و الخلق الساكن هو القطب و هو الذي قوام غيره به فكل جوهر بالنسبة الي [ص 283] عرضه ساكن و كل عرض بالنسبة الي جوهره متحرك و في كل ( و كل خ ) شئ جوهر و عرض و كل شئ متحرك و ساكن و لما كانت الجواهر كلها تنتهي الي جوهر الجواهر و مبدء المبادي الذي قال الشاعر في حقه :

يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض

فيكون هو الساكن في الحقيقة دون غيره و لما كان لكل احد سكون و حركة استدرك القول هنا و اجمل عليه السلام بقوله و قد يكون الخلق ساكنا و متحركا بعد ما قال في المشية انها خلق ساكن لايدرك بالسكون و كذلك السكون الثابت للخلق ايضا لايدرك بالسكون كالمشية حرفا بحرف و العرض علي اقسام لانا قلنا ان العرض ما يقوم بالغير و القيام علي اربعة اقسام قيام صدوري كقيام الكلام بالمتكلم و الصورة بالشاخص المقابل و الاشعة بالمنير و هكذا كل اثر بالنسبة الي مؤثره و قيام عضدي ركني تحققي و هو قيام المركب باجزائه و قيام الاجزاء من حيث التركيب بعضها بالآخر و قيام عروضي و هو قيام الصفات اي الهيئات من الالوان و الكيفيات و الكميات من الطول و العرض و العمق و غيرها من الاعراض بمحالها و موضوعاتها من الاجسام و غيرها و قيام ظهوري و هو قيام ظهور العالي بنفس السافل الذي هو نفس السافل الذي هو نفس العالي الذي هو ظهور العالي و الاعراض لاتخلو بجميع مراتبها و احوالها و اوضاعها و احكامها عن هذه الاربعة و هي متقومة بجواهرها متجوهرة بها و منتهية اليها و لذا لايصح ان يطلق علي الله الجوهر لعدم انتهاء شئ اليه تعالي كما ذكرناه مرارا فاذا ثبت ان الجوهر هو القطب الساكن [ص 284] فيكون الاعراض هي المتحركات فالمتحرك هو العرض فمن قال ان الحركة انما تقع في العرض و لاتقع في الجوهر و اراد هذا المعني من حكم الدائرة و القطبية و سكونها بمعني استقلالها بالاضافة فحق لا شك فيه و لا ريب يعتريه اذ الحركة لا بد لها من منتهي تنتهي اليها و ذلك المنتهي اليه يجب ان يكون ساكنا عند المتحرك حتي تقع الحركة اليها و لما كانت الاشياء لاتنتهي الي القديم انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و لما كان اهل كل مرتبة يستمدون مما هو من نوع تلك الرتبة فتكون الاقطاب متعددة و كل قطب من حيث هو قطب ساكن و من حيث هو دائرة متحرك فلم‌تزل الاشياء في الحركة و السكون و الابتداء و الانتهاء الي ما لا نهاية ( له خ ) من المداء فظهر لك من هذا البيان المكرر ان المتحرك هو السافل و الساكن هو العالي و قد نعكس ( ينعكس ل ) الامر و نقول ان المتحرك هو العالي لان الحركة دليل الحيوة و السكون دليل الموت فيكون الحي هو القريب من المبدأ و الميت هو البعيد و وجه آخر ان العالي معطي ( معط خ ) مقبل مفيض فهو المتحرك الي جهة السافل و السافل هو القابل الحافظ لما يرد عليه من فيض العالي فهو اذا ساكن راكد واقف ثابت و المتحرك هو النار و الساكن هو الماء و المتحرك هو الهواء و الساكن هو الارض فباعتبار الحركة و السكون يجري في كل شئ و كل ذرة من ذرات الوجود بكل جهة فافهم الاشارة و لاتقتصر علي العبارة و المختلف هو الاجزاء المتباينة المتضادة في الجعل الاول من الوجود و مقتضاه الذي هو العقل و النفس المطمئنة و آثارها و صفاتها [ص 285] و كلياتها هي الملائكة الخمسة و السبعون المذكورة في جنود العقل و الماهية و مقتضاها الذي هو الجهل و النفس الامارة بالسوء و صفاتها و كلياتها هي الشياطين الخمسة و السبعون المذكورة في جنود الجهل فظهرت من غلبة كل واحد منهما علي الآخر الذوات الطيبة و الخبيثة و قد ذكرنا عند ذكر الحروف الثمانية و العشرين المستوية الذوات الطيبة من العقل و النفس الي آخر المراتب و عند ذكر الحروف المعكوسة الذوات الخبيثة الملعونة من الجهل و تحت الثري و الثري و الطمطام و جهنم الي آخر المراتب و جميع الاختلافات انما نشأت من هذين الاصلين الذين هما خليجان من بحر واحد في الاختلاف بين الحق و الباطل و اما الاختلاف في جهات الحق فبالاطوار الستة التي هي المشخصات من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الزمان و المكان و كذلك الاختلاف في جهات الباطل من هذه الستة فاذا نظرت الي الشئ من حيث طبايعه و اجزائه و جزئياته و مراتبه و احواله و حدوده و اوضاعه و شؤنه تراه مختلفا غاية الاختلاف و اذا نظرت الي الجانب الجمعي الذي قد طوي كل تلك الحدود و الاوضاع بحيث اضمحلت ملاحظة تلك التفاصيل معه فكان شيئا واحدا جامعا مملكا يشار اليه باشارة واحدة تراه مؤتلفا غاية الايتلاف و الايتلاف دليل اعتدال المزاج و الاختلاف دليل فساده و لذا ورد عنهم عليهم السلام ماتناكرتم الا لما بينكم من الذنوب و تري في دولة الباطل كمال التناكر و الاختلاف بين الموجودات و ينعكس الامر في دولة الحق حتي يرعي الذئب و الغنم في مكان واحد و لايتعرض الذئب للغنم و الصقر و [ص 286] الحمامة يعيشون في عش واحد و وكر غير متعدد فان محبة الله تعالي تجمع القلوب المختلفة و هو قوله تعالي و اذكروا اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها و قوله تعالي لو انفقت ما في الارض جميعا ماالفت بينهم و لكن الله الف بينهم فالتأليف وجه الواحد و التنكير و الاختلاف وجوه متعددة في البطلان و الطغيان و هو قوله تعالي و ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا و التأليف تمام الشئ و كماله و الاختلاف من جانب النقصان و عدم التمام و التأليف شفاء من كل داء و الاختلاف سم قاتل و هو قوله تعالي و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و في الدعاء يا من اسمه دواء و ذكره شفاء و ذكره و اسمه كل شئ ينسب اليه تعالي و ما لاينسب اليه تعالي فليس فيه اسمه ( فليس اسمه خ ) و ذكره فليس فيه شفاء بل سم قاتل و قد نفي الله سبحانه الاختلاف عن نفسه و الاختلاف شكل المثلث و لذا كان شكل الخراب و الدثور و الوبار و الهلاك و هو ابو الاشكال الغالب عليه الوحدة العادة لكل الكثرات التي بها يحصل التأليف و الايتلاف و الايتلاف شكل المربع الذي به الاجتماع و التأليف و الاقتران و الازدواج فان المربع يحصل من الاثنين المؤتلفين المرتبطين و هو قوله تعالي و من آياته ان جعل لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة و قوله تعالي و من كل شئ خلقنا الزوجين لبيان التربيع و لم‌يقل فردين فان الواحد الفرد و الاثنين من غير الاربعة قد دل علي استحالتهما العقل و النقل و الوجدان و الاختلاف [ص 287] حكم الصورة و اصله و منبعه العلة الصورية و هو فصل الخطاب و هو قوله تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و قوله تعالي قل هو نبأ عظيم انتم عنه معرضون و قول النبي صلي الله عليه و آله مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و قد قال سبحانه في القمر و قدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب و الايتلاف حكم المادة و هي المقترنة بالصورة و المتممة لها و اصله و ينبوعه في العلة المادية و لذا قال تعالي ترجي من تشاء منهن و تؤوي اليك من تشاء و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك و جاز له صلي الله عليه و آله ان يأخذ ما شاء و ينكح ما اراد من الزوجات من غير عدد و لم‌يجز لعلي عليه السلام مع فاطمة عليها السلام سواها و هكذا ( هذا خ ) حكم الاختلاف و الايتلاف يجري في الاشياء كلها و كل شئ فيه اختلاف و ايتلاف كما ان كل شئ ساكن و متحرك و جوهر و عرض و قد اشرت الي نوع المراد و عليك استخراج ( باستخراج خ ) الكنز من الرمز .