و قوله عليه السلام و لله المثل الاعلي ، في بيانه وجوه كثيرة تضيق بها الدفاتر الا انا نذكر في هذا المقام بعضا من تلك الوجوه تنبيها لنوع المراد : احدها ان المراد بالمثل هو الصفة و المراد ان لله سبحانه و تعالي الصفة العليا يعني كلما تذكر له صفة و تبين له اسما فانه تعالي اعلي من ذلك لاتحيط به الواصفون كما قال عليه السلام ضلت فيك الصفات و تفسخت دونك النعوت و حارت في كبريائك لطايف الاوهام و هو قوله عز و جل سبحان ربك رب العزة عما يصفون و قوله تعالي فلاتضربوا لله الامثال ان الله يعلم و انتم لاتعلمون فان الصفة المطابقة لاتمكن الا بعد الاحاطة فاذا امتنعت الاحاطة امتنع التوصيف فكلما نصف و نقول و نبين فانه عندنا او ذاتنا فهو سبحانه و تعالي صفته اعلي من ذلك و لما مثل الامام عليه السلام لتقريب الافهام و لبيان ما كتب الله سبحانه لخلقه من وصفه في الالواح الآفاقية و الانفسية و كان قد يتوهم متوهم ان هذا المثال هو المثال الحقيقي و التوصيف هو التوصيف الواقعي رفع عليه السلام هذه الواهمة بقوله ( عليه السلام خ ) و لله المثل الاعلي اقتداء بكتاب الله العزيز .
و ثانيها انه لما امتنعت معرفة الذات الاقدس و هو سبحانه و تعالي انما خلق الخلق ليعرفوه لقوله عز و جل كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت [ص 160] الخلق لكي اعرف ، و كانت المعرفة بغير الاحاطة او الاتحاد ممتنعة و امتنع نزول القديم الي الحدوث و صعود الحدوث الي القدم وجب عليه سبحانه في الحكمة ان يعرف الخلق نفسه تعريف رسم و يعرف الخلق انفسهم ليميز العابد من المعبود و الطالب من المطلوب فجعل سبحانه و تعالي و له الحمد و الشكر الخلق مجمع العالمين و ملتقي البحرين بحر الوحدة و بحر الكثرة بحر الكمال و بحر النقصان و جعل سبحانه الوحدة له ( لها خ ) مراتب و الكمال ايضا له مراتب كالنقصان و الكثرة ليعرف الخلق بالكمال الظاهر فيهم بهم ربهم و بالنقصان انفسهم و لما كان الرب سبحانه و تعالي فوق رتبتهم فوجب ان يثبتوا له اعلي ما يجدون في انفسهم اي في رتبة الامكان من الكمال التام الذي لايجدون اعلي منه و هذا الكمال و ان لميكن لايقا بحضرة ( لحضرة خ ) الجمال و الجلال الا ان هذا الذي هو عندهم و هو سبحانه قال معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فمهما اثبت له سبحانه و تعالي كمالا يجد في تصوره و فرضه ما هو اكمل منه فهو الكافر الخارج عن الدين و مهما اثبت له سبحانه كمالا يجد وراءه حدا انتهي اليه المعرفة و اثبته لا بالنهج الذي يدركه و بالطور الذي يعرفه و يعرف من هو مثله ممن هو في عالم الامكان فذلك هو الدين الخالص فالمثل الاعلي له سبحانه و ان كان هو سبحانه منزها عن الجميع و الي هذا الذي اشرنا اليه يشير قوله تعالي سبحان الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين فاستثني وصف المخلصين و اثبتها له ( لها خ ) و نفي وصف غيرهم و لما كان هذا الاستثناء يوهم ان وصفهم لايق بجلال قدسه ازال سبحانه [ص 161] هذه الواهمة بقوله سبحان ربك رب العزة عما يصفون و لما كان في هذا التنزيه توهم ان المخلصين خارجون عن حد الديانة و الايمان اظهر سبحانه و تعالي عنهم الرضا بقوله و سلام علي المرسلين فبين سبحانه ان وصفهم و ان لميكن لايقا للحضرة الاحدية الا انهم اتوا باقصي ما عندهم من الكمال و هو قول مولانا الباقر عليه السلام و لعل النمل الصغار تزعم ان لله زبانيتين لما رأتهما كمالا لما اتصف بهما و يلوح الي جميع ما ذكرنا قوله تعالي الكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي و قوله تعالي و يجعلون لله ما يكرهون و قوله تعالي و اذا بشر احدهم بالانثي ظل وجهه مسودا و هو كظيم يتواري من القوم من سوء ما بشر به ايمسكه علي هون ام يدسه في التراب الا ساء ما يحكمون و امثالها من الآيات الكثيرة فاذا فالمثل الاعلي لله سبحانه هو الذي يثبته سبحانه و ذلك المثل خلق من مخلوقاته و ملك من مماليكه و اللام للتمليك كما في قوله عليه السلام في الصحيفة لك يا الهي وحدانية العدد ، فبين عليه السلام لعمران ان هذا المثل الذي ضربت لك و الصفة التي بينتها لاجل تفهيمك خلق من مخلوقاته و هو غاية وسعنا و مبلغ علمنا كما قال الصادق عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و هو الكمال المطلق الذي نحن ندركه .
و ثالثها ان المراد بالمثل الاعلي هو نفس الامام عليه السلام كما في الزيارة الجامعة و المثل الاعلي و الدعوة الحسني و حجج الله علي اهل الدنيا و الآخرة و الاولي ، فالامام عليه السلام هو المثل بكل المعاني و الوجوه [ص 162] من معاني المثل فان السراج الوهاج هو الذي قال عز و جل يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و قال تعالي مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم فاذا كان هو السراج الوهاج كان جميع ما سواه اشعته و النسبة ( نسبه خ ) كما ذكره عليه السلام قبل هذا فلانعيده لما في قلبي و اما المرآة و الشاخص المقابل فهو السراج الظاهر بالاشعة فان المقابل من حيث هو كذلك غير الذات البحت البات الخالص فكلما سوي الذات مما ينسب اليها صفة لها فعلية لا ذاتية و اعلي الصفات و اكملها هو المثل الاعلي و هو المذكور في الزيارة فلنقبض العنان فللحيطان آذان .
فعاد الرضا عليه السلام الي مجلسه و دعا بعمران فقال عليه السلام سل يا عمران قال يا سيدي الاتخبرني عن الله تعالي هل يوحد بحقيقة او يوحد بوصف قال الرضا عليه السلام ان المبدأ الواحد الكائن الاول لميزل واحدا لا شئ معه فردا لا ثاني معه لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا مذكورا و لا منسيا و لا شئ يقع عليه اسم شئ من الاشياء غيره و لا من وقت كان و لا الي وقت يكون و لا بشئ قام و لا الي شئ يقوم و لا الي شئ استند و لا في شئ استكن و ذلك كله قبل الخلق اذ لا شئ غيره و ما اوقع عليه من الكل فهي صفات محدثة .
[ص 163] اقول ان فيما ذكره الامام عليه السلام و روحي له الفداء سابقا عن نفي النسبة و الارتباط بينه و بين خلقه و ان الخلق حوادث انقطع ذكرهم في القديم فهم هناك في حكم الامتناع فاذن ليس ظهور المؤثر في الاثر الا بالصفة التي هي نفس الاثر لا بالذات و الحقيقة لان الذات اذا ظهرت بطلت الآثار و انعدمت كما قال عليه السلام ان لله سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشف واحد منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من الخلق ، فاذا كان هذا حال الحجب فما ظنك بالذات فاذن كيف يوجد بحقيقة ( بحقيقته خ ) و لكنه لما قد رسخت في ذهن عمران تلك القواعد الباطلة و العقايد الفاسدة لميلتفت الي الاشارات و الدقايق بل التصريحات في اول النظر و اول البحث و لذا سأل عن الله سبحانه هل يوحد بحقيقة او يوحد بوصف و هذا السؤال له معنيان بقرائة يوحد بالحاء المهملة احدهما ان حقيقة الخلق و الحق واحدة مشتركة و انما التوحيد و التفريد بالوصف بانه سبحانه موصوف بالوحدانية و غيره موصوف بالكثرة فتوحيده سبحانه ليس بحقيقة ذاته بحيث لا ذكر لما سواه عنده و لو فرضا و صلوحا كما هو مقتضي القول بوحدة الوجود و عليه حملوا قول اميرالمؤمنين عليه السلام ليس بينه و بين ساير خلقه بينونة عزلة بل بينونة صفة يعني ان ذاته تعالي ليست مباينة لذات الحوادث و انما المباينة في صفة الوجوب و الامكان و اما الذات من حيث هي هي ليست الا هي تصلح لعروض الوجوب و الامكان و لذا جعلوا الوجوب و الامكان من المفاهيم الاعتبارية و هذا هو مقتضي القول بالاشتراك المعنوي في الوجود و ساير الصفات بين الواجب و الممكن و هذا ايضا مقتضي القول بان الواجب [ص 164] كلي منحصر في الفرد و ان مفهوم الواجب لايأبي عن الصدق علي الكثيرين و ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات الاحدية و ان المفهوم ينقسم الي الواجب و الممكن و الممتنع و ان الخلق من سنخ الحق سبحانه و ان اشرف الموجودات و اعلاها واجب الوجود و اسفل الموجودات و ادناها الهيولي و ما بينهما متوسطات كلما قرب الي الاعلي كان اعلي و كلما قرب الي الاسفل كان اسفل و ان الاشياء في ذاته تعالي بوجه اشرف فان موجد الشئ ليس فاقدا له و ان بسيط الحقيقة كل الاشياء و امثالها من الاقوال الباطلة كلها يرجع الي ما سأل عمران من ان الله يوحد بحقيقة او بوصف فان عند هؤلاء التوحيد بالوصف لا بالحقيقة الا ان منهم يقول بذلك بلسان مقاله و منهم من يقول بلسان حاله و ثانيهما ان توحيد الخلق اياه سبحانه هل هو بحقيقة الذات بحيث ادركوها و نالوها و وجدوها علي ما هو عليه من التوحيد و التفريد ام لا بل لايمكنهم ذلك و انما توحيدهم له سبحانه باعتبار ظهوره بصفة من الصفات و تجلي من التجليات كما هو شأن معرفة الاثر المنفصل عن ظهور فعل المؤثر فان الاثر حامل صفة و اسم للمؤثر يعرفه بها و لايمكن ان يصل الي ذات المؤثر فمنتهي توحيدهم الوصول الي ذلك الاسم بسر الرسم لا حقيقة الذات كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له فيكون توحيده الخلق حينئذ بالصفة لا بالحقيقة و في بعض النسخ يوجد بالجيم المعجمة بالبناء علي المجهول و المراد بالوجود الظهور بالوجود للغير اذ لا شك بانه موجود بذاته في ذاته عند ذاته و اما عند الغير فهل هو كذلك [ص 165] او يوجد بالصفة و الاسم و الرسم كما في الدعاء ليس بموجود اي عند الغير و الا فليس غيره في الحقيقة موجودا سواه لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و لما كانت هذه المسألة من امهات المسائل و مهماتها اذ عليها يبتني جميع قواعد الدين و فيها وقع الاشتباه العظيم و الاختلاف الشديد بين المسلمين و مااكتفي عمران بالاشارة في الجواب و فهمه بلحن الخطاب كما فعل عليه السلام غير مرة اراد عليه السلام بسط المقال في هذه الاحوال و توضيح الكلام في الجواب فقال ( عليه السلام خ ) ان الكائن الاول لميزل واحدا لا شئ معه في رتبة ذاته و الاشياء كلها اي الممكنات و الامكانات باسرها في مرتبة ذاته تعالي معدومة ممتنعة لا ذكر لها فيها اصلا فكان فردا لا ثاني له في الصفات و لا في الذات فهو الاول الذي ليس له ثاني ( ثان خ ) فهو دائما اول كما في الصحيفة السجادية كذلك انت الاول في اوليتك و علي ذلك انت دائم لاتزول فاذا كان كذلك فآخريته هي اوليته و بالعكس لا بالاضافة الي شئ من الاشياء و صفة من الصفات و قران من القرانات فاذن لا ثاني له مطلقا لا معلوما مدركا للمشاعر بجهة من الجهات و اعتبار من الاعتبارات و لا مجهولا اي شيئا ثابتا لاتدركه المشاعر و لاتحويه الضماير اذ المفروض عدم الغيرية لاستدعاء الازلية و ذاتية الوجود اياه ( اياها خ ) و لا محكما اي امرا لا شبهة فيه و المتقن المحكم ( المحكم المتقن خ ) الموجود علي كمال الاعتدال و الاستقامة الجاري علي محض الحكمة من وضع كل شئ في موضعه و لا متشابها بخلاف ما ذكرنا الجاري علي خلاف الاعتدال بحقيقة ما هو اهله بالنسبة الي الاول و الا [ص 166] فالمتشابه ايضا من المحكم و لذا نقول اعوجاج الجيم من الاستقامة و الله سبحانه جعل هذا الاختلاف و عدم الاعتدال من الاستقامة و احكام الصنع كما في قوله تعالي و من يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما فاذن لا متشابه اصلا كما قال عز و جل صنع الله الذي اتقن كل شئ و هذا مقتضي المشية الحتمية و تقسيم الكتابين اي التدويني و التكويني الي المحكم و المتشابه كما في قوله تعالي هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات الآية ، و قوله تعالي ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل الآية ، من مقتضي المشية العزمية فالمحكم مأخوذ من القبضة المأخوذة باليمين و المتشابه مأخوذ من القبضة المأخوذة بالشمال و ان كان كلتا يديه يمين فافهم فاذن لا ذكر للاشياء في الذات فلا محكم هناك و لا متشابه و لا مذكورا بالامكان او الكون في رتبة العقول و الارواح و النفوس و الطبايع و المواد و الامثال و الاشباح و الاجسام و الاجساد و الاعراض و الصور و الهيئات و المقادير و هكذا متسافلا و كذلك متصاعدا الي مقامات الفؤاد و نقطة الكلمة و الفها و حروفها و كلمتها نفسها و دلالتها و قرانات حروف بعضها ببعض و وقوع الدلالة علي قلب المخاطب و الاطوار الحاصلة من تلك الايقاعات و الالزامات و ظهورات الاسماء و حقيقتها و مواقعها و محالها و هكذا ساير المراتب اذ كلما هو مذكور في هذه المراتب و المقامات ممتنعة في مرتبة الذات فلا مذكور [ص 167] سواه الا و هو مخلوق فلايكون معه و لايكون هو تعالي موصوفا به و لا منسيا اي متروكا معرضا عنه كما في قوله تعالي اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و قوله تعالي نسوا الله فنسيهم او منسيا غير مذكور بالاضافة اذ كثير من الاشياء يكون مذكورا في مقام و عالم و منسيا في عالم آخر مثل ما يوجد ذكره الامكاني و لميكون في الكون مثل سعادة الاشقياء و شقاوة الانبياء و محو القيمة و غيرها و قد تكون اشياء مذكورة في عالم العقول و لميتشخص و لميتصور في عالم فهي هناك منسية و هكذا قس المراتب و المقامات و اما المنسي بحيث لا ذكر له في مرتبة من المراتب حتي في الامكان فلا وجود له اصلا بوجه من الوجوه لان متعلق الجعل لايكون عدما بحتا و الحادث بنفسه لايتكون و لو فرض التكون فهو مذكور في محل التكون و القديم لايكون وجوده الا ذاتيا متأصلا مذكورا عنده فلايكون سبحانه منسيا و لا شئ ( شيئا خ ) يقع عليه اسم شئ من الاشياء غيره بعد ما فصل عليه السلام بذكر بعض الاشياء ثم اجمل و ذكر جامع العقول ( القول خ ) و هو انه تعالي ( سبحانه خ ) ليس شيئا يقع عليه اسم شئ من ساير الاشياء غيره تعالي و كلما وقع عليه اسم فهو حادث لان الاسم يقتضي الارتباط بينه و بين المسمي و كلما فيه ارتباط و اقتران حادث فبقي القديم هو الذي لا اسم له و لا رسم مع ان الاشياء كلها اسماء له ،
خفي لافراط الظهور تعرضت لادراكه ابصار قوم اخافش
و حظ عيون النجل من نور وجهه لادراكه حظ العيون الاعامش
فكل شئ غيره مما يقع عليه اسم شئ من الاشياء الموجودة الممكنة او [ص 168] المكونة فهو خلقه و الخلق الحادث لايصح ان يكون مقترنا بالقديم الازلي و لا ان يكون موجودا معه فلما بين عليه السلام تنزيهه سبحانه عن مطلق الاقتران و كون الشئ معه في الازل و هذا التنزيه هو الاصل و الاس الاساس في التوحيد لكن بشرط ان يكون بلا اشارة اما اذا كان مع الاشارة فليس بتنزيه و انما هو تحديد و لاجل عدم الفرق بين المقامين اشتبه الامر علي جماعة من الفحول فقالوا بالجمع بين التشبيه و التنزيه فرارا عن التحديد و التجسيم فوقعوا فيهما و ضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء الطريق و لما ذكر عليه السلام حكم التنزيه اراد عليه السلام ان يبين تذوته سبحانه و استقلاله و انه باين عن صفات المخلوقين متاصل و متقوم بمحض ذاته لا بشئ سواها ( شيء سواه خ ) فقال عليه السلام و لا من وقت كان و لا الي وقت يكون اي يكون له اول و آخر قد تحدد بالوقت و الزمان كالممكنات اذ لا بقاء لها الا بالوقت و هو من اجزاء العلة الصورية و الشئ لايقوم الا بالمادة و الصورة و لا بشئ قام من القيامات الاربعة القيام الصدوري كقيام المعلول بالعلة و الاثر بالمؤثر و الكلام بالمتكلم و الشعاع بالمنير و القيام الركني العضدي كقيام الصورة بالمادة و قيام الشئ بالمادة و الصورة و القيام الظهوري كقيام المادة بالصورة و ظهور الشمس بالارض و الجدار و القيام العروضي كقيام الاعراض بالجواهر كالالوان و الهيئات بالاجسام و قد بسطنا القول في هذه القيامات في تفسيرنا علي آية الكرسي و كتابنا اللوامع الحسينية فان فيهما في هذا البحث اسرار عجيبة غريبة لاتتحملها العقول و الافهام الا بعناية خاصة من الملك العلام [ص 169] و لا الي شئ يقوم اي يكون تقومه و تحققه منتهية الي شئ من الاشياء كالذوات السيالة المتجددة التي اذا انتهت الي غاية كمالها و حفظت الصورة في اضمحلالها استقلت ككون الانسان ترابا ثم دخانا ثم سحابا ثم مطرا ثم ثمرا ثم كيلوسا ثم كيموسا ثم دما ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم اكتساءه لحما ثم انشاءه خلقا آخر فلما انتهت فطرته و خلقته الي هذه الصورة و الهيكل استقلت و قامت بالروح فلايزال كذلك لاتفقد هذه الصورة و الهيئة و الروح ان كان من اهل الايمان المستقر و لا كذلك ربنا عز و جل لاتعتريه الاحوال و لا الي شئ استند كيف و هو سبحانه سند من لا سند له و ذخر من لا ذخر له و استناده تعالي بذاته لا بشئ ( لشيء خ ) سواه و الا لميكن وجوده عين ذاته لذاته بذاته هذا خلف و استناد الاشياء كلها بفعله تعالي اذ لا اقتران لها بذاته جل و علا لانها هناك معدومة و العدم البحت لايقترن بالوجود الصرف و لا في شئ استكن و هذا واضح و لما كانت هذه الامور التي نفاها عليه السلام عنه تعالي بعضها مما يثبت له تعالي بضرورة الاسلام و الايمان بل بضرورة العقل مثل كونه تعالي معلوما و مجهولا و مذكورا و خالقا و فاعلا و الخالقية تستند الي الفعل و الخلق و لولاهما لميتحقق الاسمان و كونه تعالي علة للاشياء و العلة من حيث هي تستدعي المعلول فصح التضايف و التساوق و كونه تعالي عالما و هو يستدعي المعلوم و كونه تعالي مريدا و هو لايكون الا و المراد معه و امثالها مما يوصف هو تعالي به و ذلك ينافي ما نفاه عليه السلام كليا بقول مطلق اراد عليه السلام ان يذهب هذه الواهمة و يبطل هذا الايراد و يوضح هذا الاشكال بقوله عليه السلام [ص 170] و ذلك ( هذا خ ) كله قبل الخلق اي ما ذكرنا من الامور المنفية من كونه تعالي ليس بمعلوم و لا مجهول و لا مذكور و لا منسي و لا محكم و لا متشابه و غير ذلك انما هو قبل الخلق اذ لا شئ غيره حتي يكون باعتبار ذلك الغير معلوما او مجهولا او مذكورا او يجعل له اسما يدعوه بذلك هو هو و لا سواه فاذا كان كذلك تنفي عنه تعالي جميع الصفات و الاسماء التي فيها نسبة و ارتباط و اقتران و اما وصفه تعالي بتلك الاوصاف و اثبات بعض تلك الامور فانما هو بعد الخلق و نسبته اليه تعالي فيكون معلوما عندهم بالآثار مجهولا بالذات مذكورا عندهم يذكرونه تعالي عند الطلبات و دواعي ( داعي خ ) القابليات فحصول هذه الاسماء انما هو عند الخلق و مع الخلق و اما قبل الخلق فلا اسم و لا ذكر و لا مذكور و لما كان في هذا ( كان هذا خ ) الجواب توهم ( يوهم خ ) تغييره تعالي بخلقه و تجدد الحالات له تعالي و قد قامت الضرورة علي بطلانه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لمتسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا اراد عليه السلام رفع هذه الواهمة فقال روحي له الفداء و ما اوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم اي ما اوقعت عليه تعالي من الصفات و الاسماء بقول مطلق فهي ليست ذاتية توصف الذات بها حتي يلزم التغيير و تجدد حال له و تفاوته قبل الخلق و بعد الخلق و انما هي صفات و اسماء حدثت عند تعلق فعله تعالي بمفعولاته فهي حادثة منتهية الي الفعل لا الي الذات فهي صفات الافعال لا صفات الذات و لكن الفعل لما كان مضمحلا و فانيا عند الذات لا ذكر له معها ينتقل الذهن عند ملاحظة [ص 171] هذه الصفات الي الذات و لذا قالوا ان الذات غيبت الصفات و هذه الذات الملحوظة المدركة بتلك الاوصاف ليست هي كنه الذات و انما هي مثالها الذي نسميه بالذات الظاهرة و هي الذات المعبرة ( المعتبرة خ ) في المشتقات و تمام الكلام في هذا المقام في شرح الخطبة الطتنجية فاذا لايلزم التغيير و الاختلاف المتوهم و لما كان الممكن كما قال مولينا الصادق عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم فلايصل احد الي كنه الذات و صرف الحقيقة اين التراب و رب الارباب اتي عليه السلام بلفظ الكل اي كل الاسماء و الصفات مما فيه اقتران و ارتباط كما في صفات الاضافة و الخلق ام لا كما في صفات القدس مما تدركه و تعرفه و تتلفظ به و تلاحظه و تتوجه اليه كل ذلك صفات محدثة احدثها الله تعالي لك لتعرفه ( لتعرف خ ) بها و هي المثال الذي القاه في هويتك كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و لذا قال عليه السلام و ترجمة اي بيان و تعليم للخلق يفهم بها من يفهم التوحيد و المعرفة و سائر العقايد قال تعالي و علي الله قصد السبيل و قال ايضا تعالي لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و لذا قال عليه السلام في خطبته في التوحيد في مجلس المأمون اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و ذاته حقاقة و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه .
قال عليه السلام و اعلم ان الابداع و المشية و الارادة معناها واحد و اسماؤها ثلثة و كان اول ابداعه و ارادته و مشيته الحروف التي جعلها اصلا [ص 172] لكل شئ و دليلا علي كل مدرك و فاصلا لكل شكل و بتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق او باطل او فعل او مفعول او معني او غير معني و عليها اجتمعت الامور كلها و لميجعل للحروف في ابداعه لها معني غير انفسها يتناهي و لا وجود لها لانها مبدعة ( مبتدعة خ ) بالابداع و النور في هذا الموضع اول فعل الله تعالي الذي هو نور السموات و الارض و الحروف هي المفعول بذلك الفعل و هي الحروف التي عليها الكلام .
اقول لما وصف الحق سبحانه بما هو عليه مما وصف نفسه لنا بنا ما هو عليه قبل الخلق و بعد الخلق و احكام الصفات الارتباطية و الاضافية و احكام صفات القدس الغير المنوطة بالاضافة و الارتباط و بيان كيفية اطلاق الصفات و الاسماء عليه تعالي و معرفة المراد منها و ان المخلوق لاينتهي الا الي المخلوق و ان الشئ لايقرء الا حروف نفسه و ذكر ما لايجوز وصفه سبحانه عليه ابدا و ما يجوز وصف فعله عليه حين الفعل و ما لايجوز عليه و غير ذلك من احوال التوحيد كلها اراد عليه السلام ان يبين لعمران حقيقة الجعل و المجعول فقال عليه السلام اشارة الي الاول و اعلم ان الابداع و المشية و الارادة معناها واحد و اسماؤها ثلثة و ذكر عليه السلام ايضا ليونس بن عبدالرحمن علي ما رواه في الكافي بالفرق بين المشية و الارادة فانه عليه السلام قال يا يونس اتدري ما المشية قال لا قال عليه السلام هي الذكر الاول اتدري ما الارادة قال لا قال عليه السلام هي العزيمة علي ما يشاء قال اتدري ما القدر قال لا قال عليه السلام هو الهندسة و وضع الحدود و صرح مولينا الصادق عليه السلام [ص 173] بالفرق حين قوله لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر اه ، فيجب ان تكون المشية غير الارادة حتي تعد قسما آخر و في قول علي بن الحسين عليهما السلام ( في الصحيفة خ ) فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة ، اشارة الي الفرق حيث نسب القول و الامر الي المشية و نسب النفي و النهي و الانزجار الي الارادة و في كلام مولينا الكاظم عليه السلام صراحة بالفرق بما لا مزيد عليه كما في الكافي عن معلي بن محمد قال سئل العالم عليه السلام كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء و العلم متقدم و المشية ثانية و الارادة ثالثة و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالعلم بالمعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء فبالعلم علم [ص 174] الاشياء قبل كونها و بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشائها قبل اظهارها و بالارادة ميز انفسها في الوانها و صفاتها و بالتقدير قدر اقواتها و عرف اولها و آخرها و بالقضاء ابان للناس اماكنها و دلهم عليها و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها و ذلك تقدير العزيز العليم اه ، ففي هذا الحديث الشريف و امثاله من الاحاديث تصريح بان المشية غير الارادة و اما مغايرة الابداع للارادة فلمنقف في اخبارهم و آثارهم ما يدل علي ذلك فالوجه في الجمع بين هذه الاخبار و بين قوله عليه السلام علي ما في هذا الحديث الشريف بعدم الفرق انهما اذا اجتمعتا افترقتا و اذا افترقتا اجتمعتا فاذا قلت شاء و اراد فالفرق بينهما ان المشية هي مبدأ الكون و الفعل المتعلق بالوجود اي المادة الاولية و الهيولي الاولي و لذا قال عليه السلام هي الذكر الاول اذ لايصح ان يكون الشئ مذكورا في ذاته تعالي و انما يكون مذكورا في رتبة الحدوث و لما كانت ( كان خ ) الحوادث كلها لاتخلو من المادة و الصورة و تنتهي في جميع احوالها اليهما و المادة لا شك انها ذات و اصل و الصورة عرض طار عليها فيكون وجود المادة من تمام قابلية الصورة للتمكين من التكوين فتكون المادة في التكوين مقدمة علي الصورة و لما كان الفعل انما كان عند المفعول و هو قول مولينا الصادق عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه كان اول الذكر التكويني ( التكوين خ ) الحدوثي للاشياء الفعل المتعلق بالمادة التي هي الوجود الاجمالي الامر الواحد المنبسط الساري في اطوار الحدود و التعلقات الجاري فيها جريان البحر في الامواج فهو الماء الاول الذي كان [ص 175] العرش اي المشية عليه اي ظاهرا فيه و مستويا عليه فافهم و لما كانت المادة اي الوجود لا تحقق و لا تأصل لها الا بالماهية التي هي الصورة لتحقق التركيب الذي هو رسم كل الحوادث الممكنات و تحقق الضدين الذي به يباين القديم عن المخلوقات فتكون الماهية علة ثبات الوجود و تحققه و ظهوره الكوني فيكون الفعل المتعلق بالصورة عبارة عن العزيمة التي تؤكد ذلك الذكر ( للذكر خ ) الاول و تثبته و قد ( لذا خ ) قال عليه السلام ان العزيمة هي الارادة و لما كان الاجمال مقدما في الوجود علي التفصيل و الوحدة علي الكثرة و الوجود علي الماهية كانت المشية اصلا تحققت بها الارادة و لما كان ما هو اقرب الي المبدأ الحق اشد تأصلا و ثباتا و ما هو ابعد اشد اضمحلالا و دثورا و فناء كان الوجود و الامر و الاثبات و القول منسوبة الي المشية و النهي و العدم و النفي و الماهية منسوبة الي الارادة و لما كان بهما تحقق الشئ لايكفي احدهما في ايجاد الشئ و تكوينه جعل لهما اسما ظاهرا واحدا و هو كلمة كن و الكاف لاستدارتها التامة و لكونها تمام الواحد الظاهر فيه الاحد اسم للمشية و النون لنقصان الاستدارة و لكونها تمام العشرة الظاهرة فيها مراتب التوحيد في عالم الكثرة و الاختلاف اسم للارادة و هما اصلان يدور عليهما الاكوان و الاعيان و لكن لما كان بينهما كمال الاتصال بحيث لايقوم احدهما بدون الآخر و لايتم الشئ الا بهما بل هما اسمان لفعل واحد باعتبار متعلقين فان الفعل باعتبار تعلقه بالوجود سمي مشية و باعتبار تعلقه بالماهية سمي ارادة فالفعل واحد في المقامين و التعدد في التعلق صار احدهما يطلق علي الآخر عند الوحدة [ص 176] و الافتراق فاذا قلت المشية و اطلقت صح ارادة الارادة منها و اذا قلت الارادة و اطلقت صح ارادة المشية منها و الدليل علي صحة الاطلاق هذا الحديث الشريف و الاخبار الكثيرة الواردة لحدوث الارادة فان في كثير منها لفظ الارادة وحدها و في الاخري المشية وحدها مع ان المقصود هما معا كما في التوحيد عن مولينا الرضا عليه السلام ان المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان الله لميزل شائيا مريدا فليس بموحد اه ، فصح الامر كما ذكرنا بما ذكرنا لما ذكرنا و كذلك الحكم في الخالق البارئ المصور فان هذه الاسماء الثلثة اذا ذكرت متفرقا جازت ارادة كل واحد منها من الآخر فيكون اسماء ثلثة لها معني واحد و اما اذا ذكرت مجتمعة فالخالق هو الفاعل بالمشية و البارئ هو الفاعل بالارادة و المصور هو الفاعل بالتقدير و كذلك الخالق و الفاعل اذا اجتمعا افترقا ( افترقتا خ ) فصح اطلاق كل منهما علي الآخر و اما اذا اجتمعا افترقا ( افترقتا خ ) فالخالق هو محدث المادة و الفاعل هو محدث المادة و الصورة معا و لذا يقال ان الله خالق الخير و الشر كما في الحديث القدسي المذكور في الكافي و في قوله تعالي قل الله خالق كل شئ الشامل بعمومه للكل و لايقال ان الله تعالي فاعل الشر او فاعل القبيح سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و كذلك الحكم في الخالق و الجاعل اذا افترقا كان لهما معني واحد و اذا اجتمعا كان الخالق بمعني محدث المادة و الجاعل بمعني محدث الصفات و اللوازم و الهيئات و الصور و ملزم الصورة ( للصورة و خ ) للمادة و الجامع بين اللوازم و ملزوماتها و هو قوله تعالي الحمد لله الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور و بمعني المقلب و المصير كما في قولك جعلت الطين خزفا و كذلك الحكم في الاسم و الصفة فاذا افترقا اطلق كل منهما علي الآخر و لذا لما سئل مولينا الرضا عليه السلام عن الاسم [ص 177] قال عليه السلام الاسم صفة لموصوف و اذا اجتمعا افترقا فالصفة هي صرف ( حرف خل ) ظهور الموصوف و مشاهدته من غير التفات الي جهة مخصوصة و هو قوله عليه السلام صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له فالصفة هي الدليل و الكاشف و اما الاسم فهو ظهور المسمي في محل خاص كالقائم اسم للظاهر بالقيام و القاعد اسم للظاهر بالقعود فاذا اطلقت هذه الاسماء و توجهت الي صرف الذات و لمتلتفت الي جهة من الخصوصيات فهي الصفة فاذا لاحظت الظهور في تلك المحال و الاماكن فهي اسم و اما اطلاقهم الصفة علي نفس المصادر التي هي المبادي للاسماء المشتقة و الاسم علي نفس تلك الاسماء و المشتقات فجهل بالواقع و حقيقة الامر فان الصفة اذا اطلقت علي تلك المبادي لايريدون من هذا الاطلاق الا جهة ظهور المؤثر الفاعل في تلك المبادي لا من حيث نفسها فانها من حيث نفسها حجاب لا صفة فملاحظتها من تلك الجهة هو المشتق و هو الذي ذكرنا لك آنفا فافهم فان هذا المقام ليس موضع استقصاء هذا المرام و اما الابداع و الاختراع فقالوا انهما ايضا كذلك فاذا افترقا كان كل منهما يطلق علي الآخر و اذا اجتمعا فالاختراع هو الخلق لا من شئ اي لا من مادة اي احداث المادة بنفسها و الابتداع هو الخلق و الايجاد لا لشئ اي لا لغاية و لا علي احتذاء مثال اي خلق الصورة الاولي التي نسميها القابلية الاولي بلا صورة قبلها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ابتدع ما خلق بلا مثال سبق و لا تعب و لا نصب و قال سيد الساجدين ( عليه السلام خ ) في الصحيفة و ابتدعت المبتدعات بلا احتذاء فاذا كان متعلق الابتداع الصورة فيكون متعلق [ص 178] الاختراع المادة فيكون الاختراع قبل الابتداع و النسبة كالنسبة بين المشية و الارادة فبالاختراع كان الابتداع و مما يؤيد ما ذكرنا و يشيده ما في كلام سيد الساجدين في الصحيفة في دعاء عرفة انت الذي ابتدء و اخترع و استحدث و ابتدع و احسن صنع ما صنع فجعل الاختراع عند الابتداء فهو الذكر الاول و ظهور الحدوث و الافتقار و الكثرة لما كانت في الصورة و الماهية نسب اظهار الحدوث و المكونات الي الابتداع و ذلك ما كنا نبغ فتم الصنع علي احسن النظام بهما اي بالاختراع و الابتداع و لذا اردفهما عليه السلام بقوله و احسن صنع ما صنع فالاختراع هو احداث المادة و الابداع هو احداث الصورة و قولي احداث المادة و الصورة مسامحة في التعبير و الا فالاختراع هو الفعل المتعلق بالمادة و ( و المحدث لها خ ) الابداع هو الفعل المتعلق بالصورة و الاحداث هو المصدر الحاصل من الفعل فافهم ثم انه عليه السلام انما قارن الابداع بالمشية و الارادة و جعله معهما علي معني واحد لنكتة و هي اثبات توضيح حدوث المشية و الارادة من كلامه عليه السلام بما لايخفي علي احد فان الابداع هو الاحداث لا من شئ اتفاقا و لا احد من العلماء بل و من العقلاء قال بقدم الابداع فاذا كان الابداع المتفق علي حدوثها هو بمعني الارادة و المشية فكيف يتصور مع ذلك قدمهما و لذا فسر عليه السلام الارادة في موضع آخر علي ما في الكافي بالاحداث و قال عليه السلام و اما ارادة الله فاحداثه لا غير لانه لايروي و لايهم و لايفكر و انما يقول للشئ كن فيكون الحديث .
قوله عليه السلام و كان اول ابداعه و ارادته و مشيته الحروف التي جعلها [ص 179] اصلا لكل شئ ، اعلم ان الحروف علي ما هو المعروف عند الناس كما حملوا عليه الحروف المذكورة في هذا المقام اربعة اقسام :
احدها الحروف الرقمية و يسمونها بالنقشية و هي امور حصلت من انبساط الالف اللينية باطوار الحدود و القيود من انحاء الاعوجاجات و الاستقامة كما قالوا ان الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان الاختراع الاول المشية و الثاني الالف من الحروف و الابداع الاول الارادة و الابداع الثاني الباء من الحروف و قالوا معني كون الالف اختراعا انها نزلت بتكررها فكانت عنها الباء و الاصل في الالف انها لا حركة لها فلما تنزلت بالحركة حدثت عنها الالف القائمة المتحركة التي طولها الفالف ذراع كما كانت الالف اللينية قبل تنزلها بالحركة طولها الفالف قائمة ثم مالت الالف المتحركة علي الباء فحدثت من ميلها الجيم و الباء نزلت بتكررها فكانت عنها الدال و مالت علي الدال فحدثت الهاء و هكذا ساير الحروف انما حصلت و وجدت من هذين الاصلين اللذين هما الالف و الباء .
و ثانيها الحروف اللفظية فهي امور حصلت من الهواء المأخوذ الي الجوف المتحصص في مبدء الفم الذي هو الحلق الي منتهاه الذي هو الشفة بالضغط و القرع و القلع و القمع فتحصل صور و اشكال محفوظة قائمة بالهواء يؤلف منها ما اراد اللافظ و يركبها بمناسبة المعني الذي يريد ان يظهره بها فاذا الفها و ركبها كانت الهيئة المجموعة المؤلفة مرآة قابلت وجه قلب المتكلم و اشرق ذلك المعني الموجود في القلب علي تلك المرآة و انطبعت صورته في الحس المشترك و منه الي الخيال و منه الي النفس و [ص 180] منه بانتزاع الصورة الشخصية الي العقل فما في اللفظ من المعني شبح للمعني الاصلي و ما في قلب المخاطب من مفهوم اللفظ شبح الشبح و سيأتي لهذا الكلام زيادة بيان ان شاء الله تعالي .
و ثالثها الحروف العددية و هي تطلق علي قوي الحروف من الاعداد التي هي لها بمنزلة الارواح و منها تستخرج الروحانيات و الملائكة العلويات و الخدام السفليات و يعمل بها انحاء ( انواع خ ) التصرفات و تطلق ايضا علي حروف القوي و الاعداد مثلا ( مثل خ ) الميم اربعون و يؤخذ حروفه و هي هكذا : ا ر ب ع و ن ثم يؤخذ حروف قواه هكذا : و ا ح د م ا ت ي ن ا ث ن ي ن س ب ع ي ن س ت ة خ م س ي ن ، و علي هذا القياس سائر حروف القوي من حروف الثلث و الربع و الخمس الي آخر الكسور التسعة .
و رابعها الحروف الفكرية و هي صور الحروف المتنزلة من عالم الغيب الي ( عالم خ ) المعاني العقلية و تسمي بالحروف العقلية و الجبروتية و المتنزلة منها الي الرقايق الروحية و منها الي الصور الشخصية النفسية المجردة و منها الي الصور الشبحية المثالية البرزخية و تطلق ايضا علي معاني الالفاظ و الحروف المتنزلة من تلك المراتب الي عالم الشهود و الاجسام ( الاجساد خ ) و اطلاقات الحروف علي ما هو المعروف عند علماء الفن و غيرهم لاتخلو عن هذه الاربعة و كل هذه الاربعة ( و هذه الاربعة كلها خ ) متأخرة عن خلق الذوات و حقايق الموجودات المتأخرة عن الابتداع و الاختراع لان هذه الحروف في الحقيقة امثال و صفات و حكايات للذوات و قوالب لظهورها بآثارها فكيف تكون اصلا و اول مخترع كما صرح به الامام عليه السلام و ذكر [ص 181] انها اصل لكل شئ و عليها اجتمعت الامور كلها الجواب ان مراده عليه السلام من الحروف هي الحروف الكونية و الذوات المتأصلة الحقيقية و انما عبر عنها بالحروف لانه عليه السلام اراد ان يجعل هذا الكلام مقدمة لجواب عمران عن السؤال عن الله تعالي هل يوحد بحقيقة ام يوحد بوصف فانه عليه السلام يريد ان يبين له انه تعالي يوحد بالوصف الذي وصف به نفسه و بين لخلقه و البيان لما كان باداء الكلمات و هي انما تكون بتأليف الحروف و هو سبحانه تجلي للاشياء بها و وصف نفسه لها بها فكان هو سبحانه و تعالي بمشيته و ارادته و اختراعه المتكلم و الخلق هي الكلمات و اجزاء الخلق هي الحروف و لا شك ان الاجزاء اصل للهيئة ( الهيئة خ ) التأليفية التركيبية و قد نطق الله سبحانه في كتابه العزيز بذلك حيث قال ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم و قال عز و جل و تلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه و الكلمات هم آلمحمد صلي الله عليه و عليهم و قال عز و جل و اذ ابتلي ابرهيم ربه بكلمات فاتمهن و قال عز و جل لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله قال عليه السلام نحن الكلمات التي لايستقصي فضلنا و لايستحصي و قال عز و جل و لقد وصلنا لهم القول اي الامام عليه السلام و عن ابيجعفر عليه السلام انه قال ان الله تبارك و تعالي تفرد في وحدانيته ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ثم خلق من ذلك النور محمدا و عليا و عترته ثم تكلم بكلمة فصارت روحا و اسكنه في ذلك النور و اسكنه في ابداننا فنحن روح الله و كلمته احتجب بنا عن خلقه [ص 182] فمازلنا في ظل العرش خضراء مسبحين نسبحه و نقدسه حيث لا شمس و لا قمر و لا عين تطرف ثم خلق شيعتنا و انما سموا شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا اه ، و اطلاق الكلمة علي الذوات مما لايستريبه عاقل متتبع في الاخبار و الآثار و كلمات العلماء الابرار فقوله عليه السلام و كان اول ابداعه و ارادته و مشيته الحروف التي جعلها اصلا لكل شئ و هي ثمانية و عشرون حرفا من الحروف الظاهرة الكونية و تسعة و عشرون بملاحظة ظهور الاصل الواحد في صيغ التصاريف و ثلثة و ثلثون بملاحظة تفاسير الكلمة التي هي الاصل الواحد كما سيأتي ان شاء الله تعالي بيانها مشروحا و لكنا نجري الكلام في هذا المقام علي الثمانية و العشرين التي نزلت عليها الكلام الكريم و لها وجوه كثيرة نقتصر علي وجهين منها :
احدهما ان الثمانية و العشرين جميعها علي قسمين احدهما الحروف النورانية و هي اربعةعشر مظاهر يد الله و وجه الله و اسمي الجواد و الوهاب و هي هياكل التوحيد الاربعةعشر و الذوات الطيبة التي عليها كل امر مستقر و الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و ثانيها ( ثانيهما خل ) الحروف الظلمانية و هي الذوات الخبيثة الملعونة المسخوطة المنقوشة علي صخرة سجين اسفل السافلين فمن القسم الاول تفيض الخيرات و تنفجر الحسنات و تظهر الخيرات و من القسم الثاني تنبعث الشرور و الطغيان و تتراكم ظلمة العدوان و تتكثر جنود الشيطان و بهما كان ( كانت خ ) الطتنجان خليجان احدهما ماء عذب فرات سائغ شرابه و الآخر ماء اجاج فهذه الحروف بدرحيه (كذا) ( تدرجيّة ظ خ . بدرجتيه خل ) في عليين و سجين اصل لكل شئ لان كل شئ [ص 183] خلق من قبضة من النور الذي هو من شعاع الحروف النورانية و من قبضة من الظلمة التي هي من فاضل ظلمة الحروف الظلمانية و خلق الاشياء بجميع احوالها و اطوارها و اكوارها و ادوارها و اوطارها و جميع ما لها و منها و بها و عليها و عنها و لديها و فيها و عندها كلها من هذه الحروف تحققت و بها تأصلت و عنها نشأت و اليها عادت و عليها دلت و هي دليل علي كل مدرك بكسر الراء و فتحها اما الاول فلان القوي المدركة اما نورانية نزلت من عليين و اما ظلمانية صعدت من سجين علي اختلاف مراتبها من النورانية و الظلمانية في الصفاء و الكدورة و البساطة و التركيب و غير ذلك كل هذه المراتب من هذه الحروف حصلت و هي دليلة عليها فالحروف النورانية دليلة علي جميع قوي ( القوي خ ) النورانية من قوله تعالي ثم جعلنا الشمس عليه دليلا و الحروف الظلمانية بالعكس حرفا بحرف و فاصلا لكل شكل لان الاشكال انما يقع عند الجهل بعلل الشئ و جهاته و مباديه و اسبابه فاذا كانت المبادي هي هذه الحروف الثمانية و العشرون فمن احاط بها و عرفها و وقف عندها و جعل نسبة كل حرف في مواقعها ( موقعها خ ) ارتفع عنده الاشكال و ظهر الامر و وضح و بتلك الحروف تفريق كل اسم حق او باطل او فعل او مفعول فبالحروف النورانية التي هي مبدأ للاسماء الطيبة و اسماء الافعال حيث تعلقها الي النور و الخير المعبر عنها باليد اليمني و اسماء المفعولين من حيث انفسهم من حيث نظرهم الي بارئهم و الحروف الظلمانية التي هي مبدأ للاسماء السوءي الخبيثة و اسماء الافعال من حيث تعلقها الي الشرور و المعاصي و الظلمات [ص 184] المعبر عنها بيد الشمال و ان كان كلتا يديه يمين و اسماء المفعولين من حيث انفسهم الباطلة و ذواتهم الخبيثة تفريق كل اسم حق او باطل اه ، ثم اجمل عليه السلام الكلام و جمع الكل و قال روحي فداه و عليها اجتمعت الامور كلها لان الله عز و جل يقول و ان من شئ الا عندنا خزائنه و اصلها الخزانتان اللتان هما الحروف النورانية و الظلمانية و كل شئ مركب من هذين الاصلين فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال .
و ثانيهما ان الثمانية و العشرين هي الحروف الكونية التي عليها مدار الشئ في القوسين الصعودية و النزولية و هي ثمانية و عشرون حرفا لثمانية و عشرين مرتبة : الحرف الاول الالف و هي اسم للعقل و الثاني الباء و هي اسم للنفس و الثالث الجيم و هي حرف للطبيعة و الرابع الدال و هي حرف للمادة الكلية و الخامس الهاء و هي حرف المثال و شكل الكل و السادس الواو و هي حرف جسم الكل و السابع الزاء و هي حرف العرش و الثامن الحاء و هي حرف الكرسي و التاسع الطاء و هي حرف فلك البروج و العاشر الياء و هي حرف فلك المنازل و الحاديعشر الكاف و هي حرف فلك الزحل ( زحل خ ) و الثانيعشر اللام و هي حرف فلك المشتري و الثالثعشر الميم و هي حرف فلك المريخ و الرابععشر النون و هي حرف فلك الشمس و الخامسعشر السين و هي حرف فلك الزهرة و السادسعشر العين و هي حرف فلك عطارد و السابععشر الفاء و هي حرف فلك القمر و الثامنعشر الصاد و هي حرف كرة النار و التاسععشر القاف و هي حرف [ص 185] كرة الهواء و العشرون الراء و هي حرف كرة الماء و الحادي و العشرون الشين و هي حرف كرة التراب و الثاني و العشرون التاء و هي حرف الجماد و المعدن و الثالث و العشرون الثاء و هي حرف النبات و الرابع و العشرون الخاء و هي حرف الحيوان و الخامس و العشرون الذال و هي حرف الملائكة و السادس و العشرون الضاد و هي حرف الجن و السابع و العشرون الظاء و هي حرف الانسان و الثامن و العشرون الغين و هي حرف الجامع الكلي عليه السلام و هذه الحروف هي اصول الموجودات و عليها اجتمعت الامور كلها لان جميع ذرات الكائنات مما هو في الوجود المقيد كلها لاتخلو من هذه الحروف الا ان تركيب بعضها من بعضها ( بعض خ ) اظهر و الا فكل شئ فيه هذه الحروف كالانسان فانه مركب من القوي الاربع ( الاربعة خ ) التي هي الصفراء و الدم و البلغم و السوداء مع انك تقول في بعض الامزجة انها صفراوية او دموية او بلغمية و هكذا و ذلك لغلبة ظهور تلك القوة و خفاء القوي الاخر لا عدمها بالمرة و كذلك اذا رأيت في بعض الموجودات لا ذكر لبعض هذه الاحرف فيها و ذلك واضح ظاهر ان شاء الله فهذه الحروف ( الاحرف خ ) هي الاصل لكل شئ و الدليل علي كل شئ لان الاشياء تعرف بحدودها و مباديها و اسبابها و هي هذه الاحرف و بها تفريق كل اسم حق او باطل لان الادراك و العقل و التميز بها يحصل فيحصل الفرق بين الامور التي ذكرها عليه السلام ثم لما كان الفعل هي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر كما قال تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و هذه الكلمة تتحقق بنقطة و الف [ص 186] و حروف و تأليف كانت الحروف اشارة الي حروف الكلمة الايجادية و هي المرتبة الثالثة منها و المشية اشارة الي النقطة منها و الارادة الي الالف و لما كانت النقطة و الالف لا ظهور لهما الا بالحروف جعلها اولا و يحتمل ان تكون الحروف اشارة الي المرتبة الثالثة من مراتب الفعل عند التعلق بالمفعول فان اول مراتبه عند التعلق هو المشية بمعني الذكر الاول و ثانيها الارادة و هي العزيمة و ثالثها القدر و هي الهندسة و الحدود و الاوضاع و الكلمة مجموع عالم الوجود المقيد فنقطتها هي الكون و الوجود مبدء هذا العالم و الفها هي الماهية و الصورة متعلق الارادة و الفها ( حروفها خ ) هو القدر و هو الحدود و الاوضاع و الاشخاص و القرانات و العلل و الاسباب و المبادي و كل ما في الوجود المقيد منشأه و اصله و دليله هذا المقام و يحتمل ان تكون الحروف اشارة الي الحروف العاليات حروف الاسم الاعظم و هي اربعة في الدال و سبعة في الحمد و ستة فيه بالتنزيل و اثنيعشر فيه بالضرب و اربعةعشر فيه بالجمع و التثنية و ثمانية و عشرون في الدنيا و الآخرة و تسعة و عشرون فيهما و البرزخ و ثلثة و ثلثون عند السير في ميادين التوحيد في رتبتي الاجمال و التفصيل و هذه الحروف هي اول ما خلقه الله تعالي بالابداع و المشية و الارادة و جعلها اصلا لكل شئ و دليلا علي كل مدرك و فاصلا لكل مشكل و لذا قال انه حلال المشاكل و بها تفريق كل اسم حق او باطل لانه فصل الخطاب و في الزيارة و فصل الخطاب عندكم و آيات الله لديكم و عزائمه فيكم و نوره و برهانه عندكم و امره اليكم فاذن اجتمعت الامور كلها عليها [ص 187] و ذلك واضح ظاهر و لما كان لكل حقيقة غيبية مظهر في عالم الحس و الشهود صارت الحروف اللفظية و الرقمية صفة حاكية لها في هذا العالم و الحروف الفكرية و العددية حاكية لها و واصفة اياها حيث ان الاثر علي هيئة مؤثره و يشابه صفة فعله فجرت الحروف اللفظية حاملة لظهورات آثار الحروف المعنوية الباطنية فحكت مثالها و ظهرت علي عددها و صفتها و هيئتها و دلالتها و ترتبت عليها ( عليه خ ) آثارها و لما كان كل شئ من حيث هو هو مع قطع النظر عن جميع الاضافات و القرانات و الروابط و العلل و الاسباب و المبادي و الاحوال و الافعال و الاطوار و الاوطار و الاكوار و الادوار و ساير مقتضياتها لايحكم عليه و لا به لانه مجرد عن جميع النسب فاين الحكم و الحمل و انما النسب و الاضافات و الاحكام لانحاء الروابط الغيرية قال عليه السلام كما هو الواقع و لميجعل للحروف في ابداعه ( ابداعها خ ) لها معني غير انفسها يتناهي في الجعل الاول اذ ليس لها معني الا نفسها و هي النفس التي من عرفها عرف ربه او المراد بالنفس هي الشئ من حيث هو هو لا بملاحظة الامر المضاف او المنسوب اليه و لذا قالوا ان اجتماع النقيضين و ارتفاعهما في المرتبة يجوز و يريدون مرتبة الشئ من حيث نفسه مع قطع النظر عن النسب الخارجية من كونه مركبا او بسيطا او عاليا او سافلا و جميع الاحوال التي تصير مناطا للحمل و الحكم المستلزمين للنسبة و الصفة و كذلك الحروف اللفظية من حيث نفسها لاتدل الا علي نفسها اما الدلالة علي الامور الغير المتناهية لاتكون الا بالتركيب و التأليف و البسط و المزج و غير ذلك من الاحوال كما سيأتي [ص 188] بعض بيانه ان شاء الله تعالي فيكون حاصل معني الكلام انه تعالي لميجعل ابداع الحروف لمعني معين متناه غير انفسها بل انما معانيها المتناهية هي انفسها لا غير و اما ما يعني بتراكيبها فهي غير متناهية و هي في الحقيقة معاني تراكيبها لا معاني انفسها البسيطة ثم انه عليه السلام اراد ان يبين ان الحقايق الكونية و الذوات المتأصلة و ان كانت تتراءي في بادي النظر انها امور متحققة ساكنة ثابتة الا انها دائمة الحركة سريعة الذوبان و الفناء بل لا بقاء لها الا حين وجودها ( و خل ) وقت وجودها كما قال عز و جل و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب قال عليه السلام و لا وجود لها لانها مبدعة بالابداع اي لا بقاء لها و لا تحقق بل لا وجود لها الا حين صدورها عن الفعل و لذا تري انك اذا سكت عن الكلام بطل و اضمحل و اذا اردت ان تبقيه و تثبته لا بد من ان تكرر الفعل و الابداع و لذا شرط اهل النحو في الفعل الزمان و التجدد و لما كانت الاشياء انما كانت شيئا بالمشية فاذا كانت المشية متجددة غير قارة و لا ثابتة بالنسبة الي مبدئها و باريها كذلك الاشياء التي هي الحروف للكلمة الاولي التي تكلم الله بها بالمشية فلا وجود للحروف قارة في زمان بل وجودها و عدمها و مجيئها و ذهابها مقترنان ممتزجان كالحركة و الزمان لوجوب التشابه بين العلة و المعلول و قد دل الشرع كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلام علة ما صنع فعله و هو لا علة له و دل العقل المسدد بالشرع ان المشية هي الابداع و هي العلة بالله لفعل الاشياء و هي متجددة سريعة الفناء و الزوال و لذا قال حاملها و محلها و سرها صلي الله عليه و آله الفقر فخري [ص 189] و به افتخر كانت المعلولات ( المعلومات خ ) المصنوعات التي اولها الحروف كذلك فلذا ظهرت الحروف اللفظية علي طبق الحروف الكونية و صارت بحيث لا بقاء لها و لا وجود الا حين صدورها من اللافظ المتكلم و اعلم ان هذا المقام و ان كان مقام اثبات الحركة الجوهرية و ان الحوادث في بقائها و استمرارها تحتاج الي العلة كما تحتاج اليها في وجودها و تكونها و ذكر النقوض الواردة و رفعها و بيان انه لاينافي عينية الحشر و النشر و استحقاق الثواب و العقاب و لكني تركت ذكرها خوفا للتطويل و صونا من اصحاب القال و القيل و لما في قلبي من الكسل و الملل عافانا الله و اياكم من العيب و الزلل ثم اراد عليه السلام تمثيلا لهذه الحقيقة الدقيقة و اللطيفة الغامضة بان الاشياء و الذوات لا تأصل لها الا حين صدورها و لا بقاء لها اكثر من ذلك الا بعون و مدد جديد فاشار عليه السلام بما مثل الله تعالي به في كتابه العزيز بقوله الله نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح الآية ، و لا ريب ان الاشعة متقومة بالشعلة المرئية التي هي السراج الوهاج و هو علي ما وصف الله سبحانه مركب من نار و دهن فما دام الدهن و النار موجودتان في السراج فالاضاءة موجودة و الاشعة ثابتة و اذا عدما عدم السراج فعدمت الاشعة و الدهن و النار المتعلقة به يأتيانه تدريجا ( تدريجيا خ ) لا دفعة فالسراج بتجدد الدهن و النار لميزل طريا لا بقاء له الا حين وجوده فالاشعة كذلك لانها متحققة بالسراج و معلولة له فاذا جري التصرم و التفصي ( التقضي خ ) و التجدد في العلة ففي المعلول بالطريق الاولي ثم اراد [ص 190] عليه السلام تطبيق المثال بالممثل بالطف الاشارة فقال روحي فداه و النور في هذا الموضع اول فعل الله الذي هو نور السموات و الارض و الحروف هو المفعول بذلك الفعل و هي الحروف التي عليها الكلام ، و النور اي السراج في هذا المقام من الاستدلال و الا ففي المقام الآخر اشارة الي امور اخر يطول الكلام بذكرها و السراج هو المركب من الدهن و النار المتجددين و هو الاشارة الي الفعل و المشية فاذا جري التجدد في المشية و الفعل ففي المشاء و المفعول بالطريق الاولي فالفعل هو نور السموات و الارض و المفعول هو السموات و الارض اللذان هما الحروف الكونية المعنوية و هي التي عليها الكلام الالهي فقوله تعالي الله نور السموات اشارة الي الاسم المكرم الحادث عند الفعل بالفعل لا غير و هو منور السموات و الارض اي الهادي لهما بالهداية الوجودية و التكوينية الظاهرة بالهداية التشريعية في الوجود الشرعي و الشرع الوجودي هذا اذا جعلت المصدر بمعني الاسم الفاعل اما اذا جعلته بمعناه فتكون الاشارة الي العلة المادية فيكون الاسم المكرم الذي هو نور السموات و الارض تأكيدا و صفة للاسم الذي هو منور السموات و الارض كقولك ضربت ضربا في قوة قولك ضربت ضربت فالصورة ( و الصورة خ ) واحدة و المعني كما قال الحجة عليه السلام في دعاء رجب لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء فافهم ،