قوله عليه السلام بلا حدود و لا اعراض ، رد و ابطال لقول القائلين بوحدة الوجود بان الوجود هو ذات الله سبحانه و الخلق حدود و اعراض لذلك الوجود تعينه بحد فيكون منشأ مرتبة من المراتب كالبحر و الامواج كما قال شاعرهم :

البحر بحر علي ما كان في القدم ان الحوادث امواج و انهار ( اشكال خ )

سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا فان المحدود ينفعل بالحد و يتغير به لان حالة الاطلاق غير حالة التقييد ثم ان المحدود لو لم‌يكن صالحا للحد مايصح تحديده به و جهة الصلوح غير جهة الذات فتكثر الذات عند ذكر تلك الصلوحيات مع ان كلما يقبل الحد يقبل الزيادة و النقصان و كذلك القول في الاعراض لانها هي الحدود او اعم منها و لا شك انها خارجة عن حقيقة الذات و لايتصل بها الا لما بينهما من المشابهة و الملايمة و الايتلاف و كلها نسب يجب تنزيه الباري سبحانه عنها لاستلزامها التركيب و كون الواجب حادثا و الحادث واجبا لان النسبة تستدعي اتحاد الصقع في المنتسبين لانها رابطة و وصلة و الشئ الذي كلما سواه معدوم عنده لايقترن بشئ و لايتصل به و لايرتبط معه ثم ان الاعراض ان [ص 34] كانت حادثة يلزم ان يكون الواجب محلا للحوادث و ان كانت قديمة يلزم تعدد القدماء و في هذا القول ايضا اشعار الي ابطال ما ذهب اليه المتكلمون من ان موضوع علم الكلام هو ذات الله تعالي مع اتفاقهم بان الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و الله سبحانه منزه عن ذلك كله .

قوله عليه السلام و لايزال كذلك ، يعني انه تعالي لايتغير بخلقه الخلق لتكون له حالتان حالة قبل الخلق و حالة بعد الخلق بل حاله سبحانه واحد في الحالين و هذا دليل علي عدم النسبة و ان نسبة الخالقية و المخلوقية لم‌تقع في رتبة الذات و انما هي في مقام الاسماء و الصفات الفعلية الاضافية فلو كانت النسبة جارية علي الذات تغيرت البتة و ماصح القول بانه تعالي لايزال منزها عن الاقتران لان النسبة تابعة للمنتسبين فقبل وجود احدهما لم‌توجد لاستحالة النسبة الا في الشيئين و حيث كانت الحوادث معدومة وجدت بالايجاد كانت النسبة عند الايجاد فان كانت هذه النسبة مع الذات لم‌تكن الها ( حالها خ‌ل ) قبل الخلق هي حالها بعد الخلق و هذا خلاف ما اجمع عليه المسلمون فابطل عليه السلام بهذا القول الربط بين الحادث و القديم كما عليه جماعة من الناس و كذلك ( كذا خ ) ابطل بذلك قول من توهم من قولهم عليهم السلام كان الله و لم‌يكن معه شئ بان الله سبحانه كان في وقت لم‌يكن هناك شئ ثم صارت الاشياء في وقت آخر فيكون الزمان زمانا فاصلا ( الزمان فاصلا خ ) بينه و بين خلقه حتي توجه عليهم كلام بعض الحكماء من ان هذه الفاصلة الزمانية لاتخلو اما ان تكون متناهية او غير متناهية فان كانت متناهية لزم تحديد الواجب و ان لم‌تكن متناهية يجب ان [ص 35] لايوجد الخلق الي الآن اذ كل وقت فرض فيه حدوث الخلق تناهت الفاصلة و لزم التحديد ثم ان هذا الوقت و الزمان الذي كان و لم‌يكن شئ لايخلو اما ان يكون شيئا ام لا فان لم‌يكن شيئا ارتفعت السابقية و ان كان شيئا لايخلو اما ان يكون حادثا او قديما فان كان حادثا وجب ان يكون ( ان لم‌يكن خ ) في وقت ثم ينقل الكلام في ذلك الوقت بعين ما ذكرنا فيدور او يتسلسل او ينتهي الي عدم الوقت و الزمان و ان كان قديما لزم تعدد القدماء و ذلك معلوم البطلان و لما تنبه بعضهم الي هذه المفاسد و اشباهه من انقطاع الفيض الغير اللايق بالكريم الفياض و التعطيل فيما يصح الافاضة و الفعل و غير ذلك قال و يجب ان تحمل الزمان السابق علي خلق الاشياء المستفاد من قولهم عليهم السلام كان الله و لم‌يكن معه شئ علي الزمان الموهوم المتوهم لا الموجود ( الموجود المحقق خ ) المحض حتي يلزم ما ذكروا و ليت شعري ما ( بما خ ) الذي نفعه هذا التوهم اذا لم‌يكن صادقا مطابقا لما في الواقع و المفروض ان في الواقع الوجودي لا وقت و لا زمان و اما الواهمة فهي منوطة بوهم الواهم فاذا لم‌يتوهمه المتوهم قبل خلقه و قبل خلق الواهمة و التوهم كيف كان الامر هل كان زمان و وقت لم‌يكن فيه شئ ام لا و عليه العمدة و الاعتماد و الواهمة لاتغير الحقايق المتأصلة الوجودية و كل هذه المغالطات انما نشأت من ظواهر الاخبار و الآثار و الادعية كما في الدعاء يا ذا الذي كان قبل كل شئ ثم خلق كل شئ و غير ذلك و هم عليهم السلام لما عرفوا ذلك من قوله تعالي و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان [ص 36] ارادوا عليهم السلام نسخ القاء الشيطان من كلامهم عليهم السلام فقالوا كما عن اميرالمؤمنين عليه السلام فان قيل كان فعلي ازلية الوجود و ان قيل موجود فعلي تأويل نفي العدم فبين ان كان ازلية لا زمانية و الازل ليس عنده قبل و بعد و متي و القبل هو عين البعد و العكس و الاولية هي عين الآخرية كالعكس كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌يسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا فاذن يكون حاله قبل الخلق هو حاله بعد الخلق ( قبل خلق الخلق هو حاله بعد خلق الخلق خ ) فكما كان و لم‌يكن معه شئ و كذلك يكون ابدا لم‌يزل و الا لكانت له حالتان و متغير الحالة حادث و لذا قال عليه السلام في جواب عمران و لايزال كذلك اي كائنا لا شئ معه بلا حدود و لا اعراض فبالاول نفي ما عليه المتكلمون و بالثاني نفي ما عليه الصوفية الملحدون و اظهر الحق الصريح و لو كره المشركون و لاتتوهم من ذلك اني اقول بالحدوث الذاتي و القدم الزماني كما عليه طائفة فان ذلك ايضا لايناسب مقام القيومية و قد شرحت الامر علي كمال ما ينبغي في اللوامع و قد بين الامام عليه السلام في هذه الكلمات جميع ما يتعلق بامر التوحيد و الاسماء و الصفات و ظهور الوسايط و كونه تعالي منزها عن وصف الواصفين و متعاليا عن ادراك العارفين و ان الاشياء لاتنتهي اليه تعالي و لايقترن بها بل مرجع الاشياء و مصدرها ما يشابهها فرجعت من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله فبقوله عليه السلام اما الواحد ، اشار الي الصفات كلها و الي الاحد الذي [ص 37] هو الذات اما الصفات كلها فانها مقهورة تحت الواحد فان الصفة هي ظهور الذات باثر من الآثار الفعلية و قد قلنا ان جميع مراتب الخلق تنحصر في قوي الواو فاذا اضيفت الي الاحد الذي هو ظهور الذات فتكثر الاسماء و الصفات للشئ الواحد لان الظهور بالمتعلق ينصبغ بصبغه فللظهور بالرحمة يكون الرحمن و للظهور بالخلق يكون خالقا و للظهور بالعظمة يكون عظيما و هكذا الي ما لا نهاية له من الاسماء التي تظهر و تشتق عند وجود المبدأ الذي هو الاثر و لذا كان الواحد مبدأ الاعداد الغير المتناهية و اما الذات فلان الواحد لا قوام له الا بالاحد ضرورة ان الصفة لاتقوم الا بالذات بنحو من انحاء القيام كما فصل في محله و برهن في موضعه و بقوله واحدا كائنا اثبت جميع مراتب التوحيد التي ترتقي كليات مراتبه الي خمسة‌آلاف و مأتين و ثمانين مرتبة و بقوله عليه السلام لا شئ معه الخ ، اثبت تنزهه عن جميع الممكنات اذ لايجري عليه ما هو اجراه و بقوله عليه السلام و لايزال كذلك ، اثبت انقطاع الخلق عن الوصول الي عز جلاله و انقطاع النسبة مطلقا بينه و بين خلقه فلا ينتهي اليه شئ و لايتصل به شئ و الخلايق لا محيص لهم عن النسبة و الا عدموا و فنوا و اضمحلوا فتكون النسبة الي اسمائه و صفاته و هي لمظاهره و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و هو قوله تعالي و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع الآية ، و شرح هذه الاحوال يضيق القلب بابرازها في السطور و لايضيق باخفائها في الصدور مع ما يستلزم من تطويل المقال و ليس لي الآن ذلك الاقبال .

[ص 38] قال عليه السلام ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا باعراض و حدود مختلفة لا في شئ اقامه و لا في شئ حده و لا علي شئ حذاه و مثله له .

اقول هذا التراخي ليس زمانيا يتخلل ( بتخلل خ ) زمان بين ذاته تعالي و بين خلقه و لا دهريا و لا سرمديا و لا طبعيا و لا ذاتيا كتقدم حركة اليد علي حركة المفتاح و لا غير ذلك من انحاء التقدم و التأخر و انما هو تراخ حقيقي بلا كيف و لا وضع لان جميع ما يتصور من انحاء التقدم و التأخر و اقسامه كل ذلك مخلوق بهذا الخلق و لايجري عليه ما هو اجراه و هذا الخلق هو الفعل المخلوق اولا عبر عنه بالمخلوق المبتدع ردا علي من يزعم انه امر اعتباري لا وجود له متحقق و هو باطل و انما هو مصنوع مخترع مبتدع ذات تذوتت به الذوات و تحققت بها الكينونات فكيف يكون امرا اعتباريا و اثره ذوات متأصلة فان المفعول معمول للفعل و محدث به و لايعقل تذوت المعمول و اعتبارية العامل المؤثر بل الفعل ايضا عامل في الفاعل لكون فاعلية الذات انما تكون بالفعل لا بالذات و الا لزم الاقتران و التغيير ( التغير خ ) المنفيان باجماع المسلمين كما سيأتي ان شاء الله و هذا الخلق انما وصفه بالابتداع علي معني الاختراع فان احدهما يطلق علي الآخر اذا افترقا و الاختراع كما سيأتي ان شاء الله هو الخلق لا من شئ اصلا فيكون هو مبدأ الموجودات اذ كلها مخلوقة من شئ اي من المادة التي احدثها الله بهذا الخلق فهو المخترع بالاختراع الاول الذي هو نفسه و حقيقته فان الله سبحانه اول ما خلق الفعل و هو المشية و الارادة و الابداع و الاختراع خلقه بنفسه لانه حركة ايجادية و هي لاتتولد من الذوات و انما تحدث [ص 39] بنفسها لا بحركة غيرها كما قال عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و المشية بنفسها فنفس المشية هي جهة فاعلية نفسها بالله تعالي فتدور المشية عليها علي خلاف التوالي لكون الاستدارة استدارة المعلول علي علته و هي تدور علي المشية علي التوالي لكونها استدارة العلة علي معلولها و بلا فرض العلية و الفاعلية لم‌يتحقق الشئ ضرورة ان المفعول يتقوم بفاعله و المعلول يتقوم بعلته الا ان العلة لما كانت صفة فعل لا صفة ذات لاستلزامها المقارنة و المناسبة و المرابطة لايجوز ان تنسب الي الذات لتعاليها عن الاقتران فوجب ان تكون تلك الصفة في رتبة الفعل و عند احداث الفعل نفسه يكون للفعل جهتان جهة هي تلك الصفة اي الفاعل و العلة التي هما اسما الفاعل لا اسما الذات و جهة هي الانية المعلولة فالعليا تدور علي السفلي علي التوالي و السفلي تدور علي العليا علي خلاف التوالي و التميز بين العليا و السفلي انما هو عند التعلق بالآثار و المتعلقات و اما في ذاته فانما هي شئ واحد بسيط لاتعتبر فيه جهة و كيف و اقتران و اتصال كما قال الرضا عليه السلام و لا كيف له اي للفعل كما انه لا كيف لذاته و لما كان الجعل و الاحداث لايتم في التأثير الا في الكيفيات ( بالكيفيات خ ) الاربع لان كل واحد منها شرط لتحقق الاخري في الظهور و الوجود و لذا قلنا اذا تعلق الفعل بالمفعول حدث هناك اربع كيفيات النار لحرارة الحركة الايجادية المعبر عنها بالفعل و لاستقراره من نفسه و عدم صيرورته نفس المفعول كما هو مذهب طائفة الهواء لربط الفعل بالمفعول و نسبته اليه فالربط رطوبة و رطب و جهة الفاعل حرارة الماء [ص 40] لربط المفعول بالفعل و توجهه اليه للاستمداد منه التراب لحفظ المفعول ما يقع عليه من تأثير الفعل و الفاعل و هذه الطبايع مما لا بد منه في ممكن من الممكنات الا انها تختلف ظهورا و خفاءا لشدة بساطة المفعول و تركيبه اي ظهور البساطة و التركيب و الا فالتركيب لايخلو منه ممكن كما اشتهر في قولهم كل ممكن زوج تركيبي و لما كان هذا الخلق الاول وجد بنفسه لا بامر آخر غيره كانت الطبايع هناك متحدة فالنار هناك هي نفس الثلثة و هي نفس النار و كل واحد منها نفس الآخر بل هو شئ واحد يطلق عليه هذه الاسماء كما تقول ان الله ( تعالي خ ) عالم قادر سميع بصير و كل واحد من هذه الصفات هناك عين الآخر و اختلافها انما ظهر باعتبار الآثار و المتعلقات و هذا المثال تقريبي و الا فالمشية عند الذات مختلفة كما صرح عليه السلام في المتن كما نبين لك ان شاء الله تعالي و لذا عبر عنه عليه السلام بالاختلاف لان كلامه ( عليه السلام خ ) في الوحدة المحضة كما هي شأن سؤال عمران فيكون الفعل هو اول الخلق و هو المختلف في ذاته بالطبايع الاربع و ان كان بينها اتحاد و ائتلاف و هذه الطبايع ايضا ظهرت فيه في الكونين و العالمين المعبر عنهما بالعقدين و الحلين ففي الحل الاول فالرطوبة فيه غالبة لانها هناك اربعة اجزاء و اليبوسة جزء واحد و الحرارة و البرودة بالنسبة و في الحل الثاني فاليبوسة فيه غالبة لانها هناك جزء واحد و الرطوبة جزءان فيحصل الانعقاد ففي كيفية خلق الفعل اخذ سبحانه و تعالي من رطوبة الرحمة بتلك الرطوبة التي هي نفس الرحمة بنفس الرطوبة بتلك النفس اربعة اجزاء بها و من هبائها اي [ص 41] اليبوسة نفسها بها جزء به ثم صعد بها بنفس الصعود في هواء عالم الظهور فتراكمت بها به و انعقدت بها به ثم قام عبدا خاضعا خالصا الفقير لله سبحانه بكله و ببعضه فحباه سبحانه سر الكينونة مع البينونة فحوي الاشياء و جمع الصور و حضرت عنده الاعيان و انتهت اليه روابط عالم الامكان فظهر كعموم قدرة الله تعالي و حصلت له باعتبار الجهات اسماء فهو الوجود المطلق لكونه في تحققه و تكونه و صدوره و انصداره لايحتاج الي شئ سوي فاعله و خالقه فوجوده مطلق اي ليس مشروطا بشرط و قيد كسائر الحوادث و الموجودات و هذا معني اطلاق هذا الوجود و كونه لا بشرط لا علي ما يزعمون من انه حقيقة واحدة انبساطية يتعين بالحدود و الاطوار و التعينات فان الامام الرضا عليه السلام نفي هذا المعني عنه و يسمي ايضا بالظهور و التجلي الاولي ( الاول خ ) لكونه جهة ظهور الله سبحانه و ذكره و مذكوريته في الامكان و يسمي بالفعل و بالحركة الايجادية لكونه ظهوره سبحانه لغيره و موصل فيضه الي ما يريد من خلقه و يسمي بالفاعل لكونه ظهوره سبحانه له به و لغيره و يسمي بالمشية لكونه اول الذكر و المذكور و به نشأت الاشياء و تأصلت و بالارادة حيث انه مبدأ الصور و الاعيان و بالاختراع حيث انه تكون لا من شئ و بالابتداع حيث انه تكون لا لشئ و لا علي احتذاء مثال و بالتعين الاول حيث انه اول مظاهر الحق سبحانه و ظهوراته في الامكان و بالشجرة المباركة الزيتونة حيث انه الاصل المنشعب عنه الحدود و الجهات و الحيثيات و كونه مصفي عن جميع ما ليس له سبحانه و بالمحبة حيث انه [ص 42] اول الميل الذي هو مبدأ الايجاد و علته و بالرحمة حيث انه به الاحسان و الامتنان و من اثره الماء الذي به كل شئ حي و بالولاية المطلقة حيث انه تدبير الحق للخلق في الخلق و الآخذ ( الآخذة خ ) بذمام ( بزمام خ‌ل ) كل شئ بناصية كل دابة و بالازل الثاني حيث انه لا غاية لاوله و لا نهاية لامده و هو منقطع و مضمحل له اول و آخر عند بارئه و بصبح الازل حيث انه اول ظهور الحق سبحانه كما ان الصبح اول ظهور الشمس و بآدم الاول لكونه في اول الاصول و اصلها و غايتها و بالاسم الاعظم حيث ان كل الظهورات و التجليات الالهية انما هي بفاضل تجليه بها و بالكاف المستديرة علي نفسها حيث انه متمم لحقايق الامكان و الاكوان و متمم لنفسه بنفسه بالله سبحانه و بالسر المقنع بالسر و السر المجلل بالسر و السر المستسر بالسر حيث انه مبدأ المبادي و جواهر ( جوهر خ ) اوائل العلل و بالسحاب حيث ان الماء الواقع علي ارض الجرز انما نشأ منه و صدر عنه و تأصل به و بالكلمة الاولي العليا حيث انه لفظ ( اللفظ خ ) الصادر عن فعله سبحانه بنفسه و بالامر حيث انه حكم الله علي الموجودات و بفلك الولاية المطلقة حيث انه المستدير علي نفسه و قطب لما سواه و بالعلم حيث انه الذكر الاول للاشياء الامكانية و بالقدرة حيث انه به استولي الله سبحانه علي الاشياء و استطال عليها و بالعرش الاعظم الاعلي حيث انه به ظهور مواد الخلق و تأييداتهم من عند الله سبحانه و غيرها من الاسماء و الصفات التي يطلع عليها الفطن الماهر في استعمالات حفظة الشريعة عليهم السلام و تعدد الاسماء لاجل اختلاف جهات ذلك الخلق المبتدع و تلك [ص 43] الجهات المبتدعية ( المستدعية خ ) لتعدد الاسماء ليست ذاتية و انما هي باعتبار تعلقات الآثار و المفاعيل و هذه هي الاسماء العامة للجهات العامة و له ايضا اسماء خاصة لجهات خاصة و هي لاتحصي و لاتعد و لايصفها الواصفون و لايعدها العادون مثل الحركة المطلقة فانها اسم للفعل المطلق و اما الحركات الخاصة المتعلقة بآثار خاصة كالقيام و القعود و الاكل و الشرب و غير ذلك فلها اسماء خاصة كالقائم و القاعد و الآكل و الشارب و غير ذلك و قد برهنا في مقامه ان المشتقات انما تشتق من المصدر المشتق من الفعل فتلك هي اسماء الافعال لا اسماء الذات فافهم فظهر لك ان هذه الاختلافات ليست من حيث الذات و انما هي من حيث الاعراض و الحدود و اليه الاشارة بقوله عليه السلام مختلفا باعراض و حدود و لا شك ان الاعراض و الحدود خارجة عن ذات المعروض و المحدود و جزء للحقيقة المتحصلة من انضمام ذلك الحد فان كان المحدود الكينونة فتسمي الحدود ذاتية كتحديد ذات الانسان بالحيوان الناطق و ان كان المحدود الصفات و الافعال فهي الحدود الفعلية كتحديد الانسان بالكاتب و القائم و القاعد و لذا عد المنطقيون امثال هذه الصفات من الخاصة او العرض العام و اما الحدود الذاتية مثل الفصول و المشخصات النوعية و الجنسية فعدوها من الذوات لانها اما جزء الماهية او عينها علي زعمهم فالحدود الذاتية في المشية هي الطبايع الاربع المذكورة و مراتبه الذاتية في تكوينه من الحلين و العقدين و اختلاف مراتبه ايضا بالنقطة و الالف و الحروف و الكلمة التامة و امثالها من الذاتيات التي لانطول الكلام بذكرها [ص 44] لكن لا علي جهة الاختلاف و الكثرة و انما هي علي محض الايتلاف و الوحدة و لايمكننا ادراك تلك الجهات و الاختلافات لان اقصي مقامات الوحدة الحاصلة لنا بحيث لايمكن لنا ان ندرك وحدة و بساطة اعظم و اشد منها هي ذاتنا و حقيقتنا لا من حيث هي هي و هي اثر المشية و الفعل الاول الاعظم بوسائط و لا شك و لا ريب ان التأثير انما يقع في الرتبة السفلي لا الرتبة العليا و الاثر يحكي الوجه الاسفل من احد ظهورات فعل المؤثر فاذا كان هذا الوجه الاسفل من احد ظهورات فعل المؤثر فاذا كان هذا الوجه الاسفل الذي هو وجه واحد من الوجوه الغير المتناهية في الوحدة و البساطة و الاتحاد كما تري فما ظنك باصل الفعل و نفس المشية و حقيقة هذا الخلق المبتدع المخترع و لكن لما كان الفعل اثرا للذات و مضمحلا لديها و فانيا عندها و الحادث لايكون الا ذا الجهات قال عليه السلام خلقا مبتدعا مختلفا و كان قوله عليه السلام بالحدود و الاعراض اشارة الي ان هذه الاختلافات الظاهرة انما هي لاجل المتعلقات و هي الحدود العرضية المتعلقة بالمشاءات مثل هيئة حركة اليد بالنسبة الي الكتابة و رسم حدودها و خطوطها او الي ان كل ممكن زوج تركيبي و ان هذا التركيب لايكون الا بالاطلاق و التقييد و الاجمال و التفصيل و التعميم و التخصيص و لاتصح ان تكون الاجزاء متساوية في العموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد فان ذلك خلاف صنع الحكيم بل لايجري النظام المتقن الا عليه و يتفرع علي ذلك صحة عدم الصدور من الواحد الحق سبحانه الا الواحد الذي يتكثر بالحدود و الاضافات و انحاء القرانات الفعلية و الذاتية [ص 45] الحقيقية او العرضية لا انه لايمكن ان يصدر من الواحد الا الواحد فبطل قولهم في الحكم و صح في الوقوع و الوجود كذلك ربنا و هنا احكام و تفاصيل اعرضت عنها .

و قوله عليه السلام لا في شئ اقامه ، اعلم ان الاشياء كلها قد قامت بالمشية و في محالها الموجودة بها و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام و هو منشئ الشئ اذ لا شئ اذ كان الشئ من مشيته و الشئ انما يسمي شيئا لانه مشاء فاذا كانت الاشياء لاتقوم الا بها و في محالها بها ففي اي شئ تقوم المشية الا بذاتها و هذا ابطال و رد لقول من زعم ان الاوقات سابقة و كان وقت قبل خلق الخلق ثم اوجد الخلق فيه او هناك مكان و عالم خلقت المشية فيه الحاصل بالمشية خلقت الاشياء و لم‌يكن قبلها ما يعبر عنه بفي بكل معني من المعاني و بكل وجه من الوجوه و الا لزم اما ان يكون قديما او حادثا لم‌يتعلق به المشية فيكون له مؤثر آخر او صدر عن ايجاب و اضطرار من دون ارادة و اختيار و التوالي كلها باطلة و قوله عليه السلام و لا في شئ حده ، اعلم ان حدود الشئ و ان كانت صورة له الا انها مكتنفة به محيطة عليه احاطة القشر اللب ( لللب خ ) و كذا كل ظاهر بالنسبة الي باطنه و لذا جاز اطلاق الاب علي القشر كما جاز علي اللب و جاز اطلاق الابن علي اللب و الباطن كما جاز علي القشر الا ان الاطلاقين في احدهما حقيقي و في الآخر صوري و التحديد لايكون الا لمطلق يصلح للتحديد بالحدود الغير المتناهية و اما المشية و الفعل فهما شئ واحد متعين بذاته لايصلح لغيره حتي يتحدد فيتميز افراده بتميز ( بتمييز خ ) حدوده [ص 46] و اوضاعه و الفعل في ذاته واحد متعين و متميز بذاته فلايتحدد لان التحديد للتمييز و لذا عبر عنه في الاخبار بانه الاسم الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره فيبطل اذا القول بقدم الماهيات و انها اعيان ثابتة مستجنة في غيب الازل و الوجود المحض يتحدد بتلك الحدود فلو كان كذا لكان حده في شئ و هو حد من تلك الحدود التي هي الاعيان و هذا في البطلان بمكان .

و قوله عليه السلام و لا علي شئ حذاه الخ ، بيان لابتداعيته اي خلقه لا علي صورة سابقة اي ماجعل و ماخلق محاذيا لخلق آخر و موازيا له و مماثلا معه اذ لم‌تسبقه صورة و لا مثال لان الصور به خلقت و عنه صدرت و بظهوره تمثلت و تحققت فلايعقل تقدمها حتي يخلق ( هذا الخلق خ ) محاذيا و مماثلا اذ لايعقل قدم الصورة و لا حدوثها بلا محدث و لا احداث الوجود بلا مشية و لا ارادة و لا ثبوت مشية و ارادة غير المشية الاولي و الارادة الاولي و هذه الاولية لا ثاني لها و لا ثالث فلاتكون المشية خلقت علي احتذاء مثال فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال و لك ان تقول ان قوله عليه السلام لا في شئ اقامه و لا في شئ حده ، بيان لاختراعية المشية و كونها مخلوقة لا من مادة سابقة و قوله عليه السلام و لا علي شئ حذاه ، بيان لابتداعيتها و كونها مخلوقة لا علي صورة و مثال قبلها فوجدت الثوابت و الاوامر بالاولي و المنفيات و المناهي بالثانية و اليه الاشارة بقوله عليه السلام في الصحيفة فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و المشية [ص 47] و الارادة بمعني واحد الا ان متعلقهما مختلف فافهم و لما كان المعبر عنه بالوجود علي ثلثة اقسام الاول وجود ( الوجود خ ) الحق و هوية ( هو آية خ ) الذات الاقدس تبارك و تعالي و تقدس باسمائه و صفاته و افعاله و الثاني هو الوجود المطلق و هو الامكان الراجح اي الذكر الاول الذي هو المشية و مراتبها و احوالها الذاتية و الفعلية و الثالث الوجود المقيد و هو الامكان الجايز اي المشاءات المتعلقة بها المشية و لما اشار الامام عليه السلام الي القسمين الاولين باكمل اشارة و اتم تبيين اراد ان يشير الي الوجود الثالث اي الوجود المقيد لان في الوجود اما خالق و هو الاول او خلق و هو الثاني او مخلوق و هو الثالث او قل فاعل و فعل و مفعول .

قال ( فقال خ ) عليه السلام فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة و غير صفوة و اختلافا و ائتلافا و الوانا و ذوقا و طعما .

اقول هذه العبارة الشريفة تشعر ان الاختلاف في الخلق الاول الذي ذكر انه مختلف باختلاف الحدود و الاعراض المختلفة ليس اختلافا تظهر آثاره و تتبين و انما الاختلاف و الكثرة و التعدد هناك بالنسبة الي ذات القديم جل شأنه و اما بالنسبة الي ما دونه فهو في الوحدة و البساطة بحيث لايمكن ابسط منه و لا اعلي منه و لذا ذكر عليه السلام الاختلاف و الايتلاف و الالوان و الاذواق و الطعوم التي هي جهات الاختلافات بعد ذلك و بيان ما ذكره عليه السلام بالاجمال هو ان الفعل لما تعلق بايجاد الاثر فاوجده الله به فانوجد ذلك الاثر و هو قوله تعالي كن فيكون فكن هو الفعل و هي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و يكون هو الاثر [ص 48] المشاء فله جهتان جهة تشير الي مبدئه و بها يشتق منها كن و تولد عنها لانك اذا حذفت حرف المضارعة التي هي الياء و حذفت الواو التي في الوسط لالتقاء الساكنين يستنطق و هذا الاشتقاق اشتقاق الصفة اي ظهور الموصوف فيها بها و هذا معني كون نور محمد و علي و فاطمة و الطيبين الطاهرين من اولادهم عليهم السلام في صلب آدم عليه السلام و تولد تلك الانوار من تلك الاصلاب الطاهرة و الارحام المطهرة و الجهة الاخري تشير الي نفسه و كينونته و لذا تري ضمير الفاعل في فيكون يرجع الي نفس الاثر لا الي المؤثر و لا الي فعله و لما كانت الجهة العليا الاولي جهة المبدأ و ظهوره بفعله و اسمه و صفته كانت نورا و ضياء و الجهة الثانية لما كانت جهة احتجاب المبدأ و بعده عنه و اختفائه لديه كانت ظلمة و قد يسمي الاول ( الاولي خ ) بالوجود و الثانية بالماهية و الاولي هي المادة و الثانية هي الصورة و الشئ المخلوق الموجود مؤلف و مركب منهما تركيبا لم‌يضمحل احد الاجزاء في الآخر بحيث يصدر ( لايصدر خ ) منهما الامر الآخر الثالث كما هو مقتضي التركيب لكن الله سبحانه بقدرته و مشيته ركبهما و الفهما و جعل كل واحد منهما تام التأثير في اقتضائه حال التركيب فلذا تحقق للشئ الاختيار لوجود مبدء ميلين متضادين فيه فبالجهة الاولي النورية يميل الي الخيرات و الطاعات الصرفة المحضة و بالجهة الثانية الظلمانية يميل الي المعاصي و السيئات و الشرور المحضة الصرفة و لكن لما كانت له وحدة تأليفية لايمكن [ص 49] ان يكون في حال التفاته الي احد الجهتين و اظهار مقتضاها ان يكون ناظرا الي الجهة الاخري فيشغله شأن عن شأن و الذي لايشغله شأن عن شأن هو الله سبحانه المنزه عن جهات التمييز ( التميز خ ) و حدود التعيين و لذا قال تعالي ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه فاذا دائما يصدر من الشئ اما آثار النور و الخير او آثار الظلمة و المعصية فان كان نظره دائما الي جانب الخير و جهته فهو الصافي الذي ليس بمشوب مع الظلمة و الشر و ان كان نظره و عمله الي الجانب الآخر دائما سرمدا فهو صافي الظلمة و ان كان قد ينظر الي هذه الجهة و قد ينظر الي الاخري و هو الذي خلط عملا صالحا و آخر سيئا الا ان الصفوة في الاطلاقات و التعبيرات لاتطلق الا علي اهل الخير و النور الذين نظرهم الي الجهة العليا المعصومون المطهرون الذين لايغفلون و لايفترون عن طاعته و عبادته و غير الصفوة من سواهم من الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و من المغمورين في المعاصي و المنهمكين في السيئات الذين لا توجه لهم الي بارئهم ابدا بحال من الحالات و هؤلاء الفريقان هم الغير الصفوة ثم ان هؤلاء مختلفون فمنهم من تكون الصفا و غيره فيه عن العمل التشريعي المستلزم للوجود التكويني و هم المطيعون و العصاة في كل سلسلة في العرض اي الذين اخذت طينتهم من العليين و الذين اخذت من سجين و الذين اصل طينتهم من عليين و فيهم خلط من سجين و الذين اصلهم من سجين و فيهم خلط من عليين و المرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم و منهم من يكون الصفا و غيره فيهم عن العمل [ص 50] التكويني المستلزم للوجود التشريعي و هم الواقعون في سلسلة الطول و هؤلاء ثماني طبقات فاعلي الصفوة الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله اعني قصبة الياقوت المشتملة علي عقود اربعة‌عشر ثم الانبياء المرسلون و غيرهم عليهم السلام علي طبقاتهم ثم الانسان الرعية من حيث الكينونة الحقيقية لا الصورة الظاهرية ثم الجن ثم الملك ثم البهائم ثم النبات ثم الجماد و منهم من يكون الصفا و غيره فيهم بحسب تقدمهم و تأخرهم في الاجابة و الوجود من مراتب الشئ الواحد بحسب اقباله و ادباره و تكثر الجهات و قلتها و هؤلاء ايضا ثماني طبقات فاعلاها في الصفا و الطهارة و قلة الجهات الفؤاد اي الوجود المرتبط بالماهية ثم العقل الاول و العقل الكلي الذي قال الله تعالي اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احب الي منك و لااكملتك الا في من احب و هو اكمل الصفوة بعد الفؤاد و باب المراد و المداد الذي به الامداد و منه الاستمداد ثم الروح النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة ثم النفس عالم الذر و النور الاخضر التي منه اخضرت الخضرة ثم عالم الطبيعة حجاب الياقوت و الجوهرة التي ذابت لما نظر الله اليها بعين الهيبة ثم عالم جوهر الهباء المادة الجسمانية و هي البحر الذي حصلت لاجل ذوبان تلك الجوهرة اي الياقوتة ثم عالم المثال و الاشباح ابدان نورانية لا ارواح لها ثم عالم الاجسام من العرش الي الثري فاصفي الموجودات المقيدة العقل و اكدرها الجسم و اصفي الاجسام العرش ثم الكرسي ثم فلك الشمس ثم فلك زحل ثم فلك المشتري ثم المريخ ثم الزهرة [ص 51] ثم عطارد ثم القمر ثم كرة النار ثم كرة الهواء بالطبقات الثلث ثم كرة الماء ثم كرة الارض فالطفها و اصفيها العرش و اكدرها الارض و ما بينهما متوسطات فما قرب الي الاول اصفي و ما قرب الي الاسفل اكثف و اكدر و هذا هو المراد من قوله عليه السلام فجعل الخلق بعد ذلك صفوة و غير صفوة فقد جمع في هذا الكلام الموجز المختصر جميع مراتب الوجود و مقاماتها و اطوارها و احوالها من حيث نفسها كما اشرنا اليها بالاجمال و اما باضافة بعضها الي الآخر فقد اشار عليه السلام اليه بقوله و اختلافا و ائتلافا لان الاشياء كلها اذا اضيفت بعضها الي بعض لايخلو عن واحد منهما لان اصلها الطبايع الاربع و هي اثنان منها متباغضان متخالفان و اثنان منها متؤالفان متوافقان فالاول الحرارة و البرودة و جميع لوازمهما و مقتضياتهما و آثارهما و احوالهما و الثاني الرطوبة و اليبوسة و جميع لوازمهما و مقتضياتهما و آثارهما و احوالهما فبينهما بينونة و اختلاف و اما هذه الاربعة اذا جمعت ( اجتمعت خ ) فبينهما نسبة و ايتلاف لان بعضها و ان كان يبغض البعض الآخر الا ان هنا مصلح آخر ( آخر مصلح خ ) مناسب للمتباغضين يورث الاجتماع و الايتلاف فالحرارة تناسبها الرطوبة و هي تناسبها البرودة فتجتمع ( فتجمع خ ) بينهما في محل جامع و البرودة تناسبها اليبوسة و هي تناسب الحرارة فتجمع بينهما و الرطوبة و اليبوسة تجمعان بواسطة الحرارة و البرودة و هما يجتمعان و يأتلفان بواسطتهما فيتركب و يتألف الشئ منها مع بقاء كل منها علي صرافة تأثيرها و تدبيرها و بها تتم اضلاع المربع و تقوم معتدلة الزوايا ذلك تقدير العزيز العليم فاصل الاختلاف من جعل [ص 52] النور الذي هو الموجود ( الوجود خ ) و منه الحرارة و جعل الظلمة التي هي الماهية و منها البرودة و من جعل نسبة كل منهما بالآخر التي هي الرابطة و هي المودة و الرحمة المذكورة في الآية الشريفة و منها الرطوبة و اليبوسة فاختلفت و ائتلفت و هذا هو الحكم في كل شئ و كل ذرة في الوجود المقيد و لما كانت الاشياء تحركت علي المحور لا علي القطب اختلفت بحسب القرب عن القطب و البعد عنه و باعتبار الحدود و الاوضاع و القرانات تمايزت نقطة الجنوب و الشمال و نقطة المشرق و المغرب فتمايزت الحرارة عن البرودة و الرطوبة عن اليبوسة في الاشياء بحكم الغلبة و ظهور الآثار فتمايز الاختلاف عن الايتلاف الي ان قال الامام عليه السلام الارواح جنود مجندة كلما تعارف منها ائتلف و كلما تناكر منها اختلف فتقابلت الاشياء بالاختلاف و الايتلاف من النورانية و الظلمانية و الحرارة و البرودة و الحلاوة و الحموضة و امثال ذلك و اما في الحركة الاولي التي هي الحركة علي القطب كل هذه الامور المختلفة فيها مؤتلفة ( و يظهر هذا الايتلاف خ ) في الآخرة فيرد الاختلاف الي الايتلاف و يظهر هذا الايتلاف من كل ( يظهر من كل خ ) واحد آثار جميع هذه الطبايع فالاختلاف و الايتلاف يردان علي شئ واحد فمختلف من جهة و مؤتلف من جهة و هما بحران يلتقيان و اول ملتقي هذين البحرين العقل ثم ما دونه من المراتب و الاطوار و يجوز لك ان تقول ان الاختلاف اشارة الي الشكل المثلث و الايتلاف الي المربع و بجمعهما يحصل حد الوجود و بالضرب يمتاز الشاهد من المشهود و الموجود من المفقود فتظهر كلمة الله العليا في قوله تعالي انما امره اذا [ص 53] اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و تستولي يد الله علي كافة الوري في قوله تعالي يد الله فوق ايديهم و الارض جميعا قبضته و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم ثم لما بين عليه السلام احكام الخلق من حيث الاضافات و القرانات التي تدور علي الاختلاف و الايتلاف المعبر عنهما بالتواجه و التناكر في الذات و الصفات او في احديهما دون الآخر اراد عليه السلام ان يبين صفات الاشياء و احوالها و خواصها و اقتضاءاتها الذاتية و الفعلية فقال عليه السلام و الوانا و ذوقا و طعما ، فاللون هو اقتضاء الطبايع الاربع فالحرارة و اليبوسة المجتمعان في النار تقتضيان الحمرة علي الاصح و ان قال بعضهم باقتضائهما الصفرة نظرا منهم الي المرة الصفراء فانها حارة يابسة قطعا و لونها صفرة قطعا و هذا وهم منهم فان الصفرة ليست ذاتية للمرة المذكورة و انما حصلت لخلطها مع الرطوبات البلغمية الاتري الجمرة فانها حارة يابسة حمراء فاذا وضعتها علي الدهن و الحطب او غير ذلك مما فيه رطوبة تشتعل فتكون الشعلة صفراء و تري الشمس قرصها احمر و هي حارة يابسة قطعا فاذا وقعت اشعته علي الارض و الجو بما فيهما من الابخرة و الادخنة و ساير الرطوبات يميل لونها الي الصفرة و اما اذا وضعت الجمرة الحمراء علي الحديد و النحاس و غيرهما مما ليست فيه الرطوبة الزائدة فلايمتزج ( فلاتبرح خ ) علي لون الحمرة و هذا معلوم واضح ان شاء الله تعالي و الحرارة و الرطوبة المجتمعان في الهواء تقتضيان الصفرة علي الاصح و ان قال بعضهم باقتضائهما الحمرة [ص 54] نظرا منهم الي الدم فانه حار رطب اتفاقا و لونه الحمرة بالضرورة و هذا ايضا وهم منهم فان حمرة الدم ليست من لونه الذاتي و انما لونه الذاتي ما ذكرناه الا ان الحمرة حصلت بممازجة الصفرة مع الرطوبات البلغمية فان البدن اذا خلي من الرطوبات فني و الصفرة المختلطة بالبياض تقتضي الحمرة الاتري الزنجفر فانه مركب من الكبريت و هو الاصفر و من الزيبق و هو الابيض و من التأليف بالتركيب الاعتدالي تحصل الحمرة فحمرة الدم من هذا القبيل و البرودة و الرطوبة المجتمعتان في الماء تقتضيان البياض و لا اعلم في ذلك خلافا لاحد من اهل العلم و النقض بالاشياء الباردة الرطبة التي لونها غير البياض و الحارة اليابسة التي لونها البياض كالملح و غيره مدفوع باختلاف اللون العرضي و الذاتي و كون الشئ ذا طبيعتين و ذا لونين فان الملح مثلا اذا صعدته و اخذت رطوباته المائية تري في باطنه دهنا احمر براقا كالياقوت و ينفصل عن عرق ماء ابيض و هكذا غيره يظهر لونه علي حسب طبيعته الخاصة و هنا تفاصيل شريفة اعرضت عن ذكرها و بيانها و البرودة و اليبوسة المجتمعتان في الارض و التراب و المرة السوداء تقتضيان السواد اجماعا منهم و لايختلفون في ذلك و ما تري من الالوان المختلفة في الظاهر المنافية للطبيعة فكما ذكرنا و علي ما قلنا فافهم و هذه الاربعة اصول الالوان و باقي الالوان كلها بجميع اجناسها و انواعها و اشخاصها مستخرجة و متحصلة من تأليف هذه الاربعة بعضها ببعض كالخضرة تحصل من اجتماع الصفرة و السواد و الزرقة تحصل من اجتماع البياض [ص 55] و السواد و هكذا امثالهما ( امثالها خ ) و لما كانت العوالم الالف‌الف كلها انما تحصلت و تحققت من هذه الطبايع الا ان في كل مقام بحسبه من ظهور الطبايع فقد اشار عليه السلام الي الوان جميع العالم و ساير الصفات تتبع الالوان التابعة للطبايع الاربع و اول ما تكون العرش تكون من انوار اربعة و العرش اول ما خلق الله تعالي كما دل عليه العقل و النقل و هو مركب من انوار اربعة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و هو النور الابيض و هو الحاصل من نور سبحان الله ظاهرا و باطنا و بياضه لشدة انفعاله و خضوعه و انكساره و هو في الباطن احمر قان و هو العقل الاول اي القلم و النور و النور الاصفر و هو الحاصل من نور الحمد لله ظاهرا و باطنا و هو الروح و اصل البراق و منشأ الوفاق و عليه الاتفاق و النور الاخضر و هو الحاصل من نور لا اله الا الله ظاهرا و باطنا و هو النفس الكلية و اصل عالم الذر و النور الاحمر و هو الحاصل من نور الله اكبر ظاهرا و باطنا و هو الطبيعة الكلية مبدأ الاجسام و علة النقش و الارتسام و هو الذر الثاني و عالم المباني بجميع الافلاك و العناصر و المتولدات و الموكل بالركن الاول ميكائيل و يخدمه الصبا و يعينه اسرافيل و عزرائيل بنصف قوتهما و الموكل بالركن الثاني اسرافيل و يخدمه الجنوب و يعينه الصبا و جبرائيل و ميكائيل بنصف ( جبرائيل بنصف خ ) قوتهما و الموكل بالركن الثالث عزرائيل و يخدمه الشمال و يعينه جبرائيل و ميكائيل بنصف قوتهما و الموكل بالركن الرابع جبرئيل و يخدمه الدبور و يعينه عزرائيل و اسرافيل بنصف قوتهما و الكلام في هذا المقام طويل فجبرئيل صاحب الريش الاحمر و عزرائيل صاحب الجناح الاخضر و اسرافيل صاحب الجناح الاصفر و ميكائيل صاحب الجناح الابيض و هكذا كل [ص 56] مقام بحسب ما فيه من الطبايع و الخواص فافهم .

و اما الطعوم فاعلم ان كلياتها تسعة و هي الطعوم البسيطة عندهم لان الطعم لا بد له من فاعل و هو الحرارة او البرودة او الكيفية المتوسطة و من قابل و هو الكثيف او اللطيف او المعتدل بينهما و اذا ضرب اقسام الفاعل الي اقسام المنفعل حصل اقسام تسعة ينقسم الطعوم بحسبها فالحرارة ان فعلت في اللطيف حدثت الحرافة و في الكثيف حدثت المرارة و في المعتدل حدثت الملوحة و البرودة ان فعلت في اللطيف حدثت الحموضة و في الكثيف حدثت العفوصة و في المعتدل حدثت القبض و الكيفية المتوسطة بين الحرارة و الرطوبة ( و البرودة خ ) ان فعلت في اللطيف حدثت الدسومة و في الكثيف حدثت الحلاوة و في المعتدل حدثت التفاهة و هي علي نوعين احدهما ان لايكون له طعم حقيقة و التفه بهذا المعني يسمي مسخيا و الثاني ان لايكون لها طعم في الحس و يكون له طعم في الحقيقة لكن لشدة الالتيام بين اجزائه لايتحلل منه شئ يخالط اللسان فلايحس بطعمه ثم اذا احتيل في تحليل اجزائه و تلطيفها احس منه بطعم كالحديد و النحاس اقول قولهم لايكون له طعم حقيقة ، غلط فان كلما دخل في الوجود من ذي الطبايع فان له طعما و لونا فان اللون و الطعم من آثار الطبايع و اقتضاءاتها فلايصح وجود المقتضي بدون المقتضي نعم قد يحصل موانع لظهور المقتضي فيمنعه عن الظهور لا الاقتضاء و قولهم رفع المانع من تتمة المقتضي ، غلط منهم فان المانع شئ و المقتضي شئ آخر لا دخل لاحدهما بالآخر نعم رفع المانع شرط لظهور [ص 57] المقتضي لا لوجوده كنور الشمس فانه موجود بوجودها و لكن اذا لم‌يكن هناك جسم كثيف لم‌يظهر النور فاذا وجد الجسم الكثيف ظهر النور فلايقال عند وجود الجسم الكثيف وجد النور هذا ظاهر و الفرق بين العفص و القبض ان القبض يقبض ظاهر اللسان و باطنه و العفص يقبض ظاهر اللسان فقط و هذه الطعوم تجري في كل العوالم في كل المراتب لاتخص بمرتبة دون ( دون اخري و بعالم دون خ ) آخر في كل شئ بحسبه فاشار عليه الصلوة و السلام الي جميع ما في العوالم بكل احوالها فانها لاتخلو من هذه الاطوار و الاحوال و يدخل في اللون الصفات كلها و يدخل في الطعم الخواص و الخاصيات باسرها و يدخل في الاختلاف و الايتلاف احكام جميع القرانات و الاضافات و النسب و الاوضاع و يدخل في الصفوة و غير الصفوة جميع الذوات و الحقايق و الكينونات و الوجودات و الماهيات في السلسلتين الطولية و العرضية بابي و امي من متكلم ما اجمع كلامه و اوضح بيانه نعم هو ابن من قال اوتيت جوامع الكلم صلي الله عليه و علي جده و جدته و آبائه و ابنائه الطيبين الطاهرين المعصومين و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم و خالفيهم اجمعين ابد الآبدين و دهر الداهرين و لما اشار الامام عليه السلام الي العلة الفاعلية بقوله ثم خلق و العلة المادية و الصورية بقوله صفوة و غير صفوة و اختلافا و ايتلافا و الوانا و ذوقا و طعما فالصفوة الوجود و هو العلة المادية و الغير الصفوة الماهية اي الحدود و الهندسة الايجادية من الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و الوضع و ساير الحدود [ص 58] و الاوضاع و القرانات و انما كان الغير الصفوة اشارة الي الماهية لانها جهة البعد عن الوحدة و النور و الخير و الاختلاف اثبات حركة كل منهما فانهما كرتان متداخلتا السطوح يتحرك كل منهما الي خلاف جهة الآخر فالوجود يتحرك علي التوالي الي جهة مبدئه الذي هو قطب استمداده و استغنائه و افتقاره و الماهية تدور علي خلاف التوالي الي جهة الوجود من حيث نفسه لا من حيث مبدئه علي حد قوله تعالي وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله فهما مختلفان في جميع الاقتضاءات و الاحوال الا ان في كل حركة يتبع احدهما الآخر فيكون حركة احدهما ذاتية و الاخري عرضية و هو حقيقة الاختلاف و اما الايتلاف فهو الاشارة الي النسبة الارتباطية بين الوجود و الماهية ليتحقق بها التأليف و التركيب و لولاها لماصح الاقتران و الاجتماع و هي منزلة التراب الذي يمزج الملك بين النطفتين نطفة الرجل الحارة اليابسة و نطفة المرأة الباردة الرطبة و هما المتضادان المتباغضان و التراب يناسب نطفة الرجل باليبوسة و نطفة المرأة بالبرودة فتربط بينهما و هو القاضي الذي يشير اليهما بالتراضي و اللون و الطعم من متممات العلة الصورية و مكملاتها و لما اشار عليه السلام الي هذه المراتب اراد عليه السلام ان يشير الي العلة الغائية و انها ليست بحاجته ( لحاجته خ ) تعالي اليه سبحانه و تعالي عن ذلك علوا كبيرا .

قال عليه السلام لا لحاجة كانت منه الي ذلك و لا لفضل منزلة لم‌يبلغها الا به و لا رأي لنفسه فيما خلق زيادة و لا نقصانا تعقل هذا يا عمران قال نعم والله يا سيدي قال و اعلم يا عمران انه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم‌يخلق [ص 59] الا ما يستعين به علي حاجته و لكان ينبغي ان يخلق خلقا اضعاف ما خلق لان الاعوان كلما كثروا كان صاحبهم اقوي و الحاجة يا عمران لاتسعها لانه لم‌يحدث من الخلق شيئا الا حدثت فيه حاجة اخري و لذلك اقول لم‌يخلق الخلق لحاجة و لكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم الي بعض و فضل بعضهم علي بعض بلا حاجة منه الي من فضل و نقمة منه علي من اذل فلهذا خلق .

اقول اخذ عليه السلام في الاستدلال علي ان الغاية في الايجاد ليست استكمالا له تعالي بان يكون متمما لنقصانه تبارك و تعالي في ذاته بان لايتم الا به كالاعمال التي يفعلها العباد تتميما لذاتهم و تكميلا لحقيقتهم و لايزال بالعمل تزداد الذات و تترقي الحقيقة و الوجود و لاتقف الزيادة علي حد فلايتم نقصان الامكان ابدا و لاتفني حاجتهم سرمدا و ان ترقت ذواتهم و تكملت كينوناتهم و كيف يجوز لعاقل ان يثبت هذا النوع من الاستكمال لذات الله سبحانه و تعالي فان الاستكمال بالعمل الذي هو الاثر الذي هو معدوم و فان في مرتبة المؤثر فلايمكن تأثيره في استكماله و اكماله اذ لا وجود له هناك حتي يكمل نعم اذا كان العامل اثرا لغيره ليكون ذاته اثرا لفعل الغير فيكون حركته بذاته و فعله بحقيقته الي جهة مبدئه فيستكمل بالتوجه الي مبدئه بدوام نظره اليه و امداده له بالمدد الذاتي الوجودي و اما اذا كان الوجود عين حقيقة ذاته لا بامر آخر مستفاد فلايتوجه الي اعلي منه ابدا و اما آثار افعاله فلا ذكر لها في مرتبة ذاته فاين الاستكمال اذن و كذلك اذا كانت الغاية تحقق صفة من [ص 60] الصفات الكمالية التي لم‌تكن له تعالي فان ذلك ايضا باطل و كفر بل لايعقل فان الذي وجوده ذاته لاينتظر و لايستقبل و الا لم‌يكن وجوده ذاته فان ذاتي الشئ لايتخلف ( لاتتخلف خ ) و قد شرحنا هذه المسألة في بعض رسائلنا و كذلك هو سبحانه لم‌يتغير بخلق الخلق حتي تحصل له الزيادة و النقصان كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌تسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا فلايتصور في حقه استقبال و لا ماض و لا حال لان متنقل الحالات حادث فلايتفاوت حاله سبحانه قبل الخلق و بعد الخلق و مع الخلق فلايمكن ان تثبت له صفة بعد الخلق لم‌تكن قبل الخلق و لا اسما قبل الخلق قد زال بعد الخلق و لاكان فاقدا خلقه قبل الخلق ثم صار واجدا له و لاكان الخلق كامنا في ذاته بالوجود الجمعي الاجمالي ثم صار بعد الخلق ظاهرا بالوجود الفرقي التفصيلي و لا بنسبة و ارتباط بينه و بين خلقه لتكون له حالتان حالة في ذاته و حالة في نسبته بخلقه و لا ان حبه الذاتي اقتضي الظهور العلمي و الكوني و لا انه لكمال حسن ذاته و جماله اراد ان يري مثاله في المرايا الآفاقية و الانفسية فان الجميل يلتذ اذا رأي جماله في المرايا و لاحل في شئ لتكون له حالتان قبل الحلول و بعد الحلول و لااتحد بشئ و لاكان مطلقا فتقيد و منبسطا فتعين و لاكانت الاعيان و الماهيات مستجنة في ذاته فبرزت و لا لازمة لذاته و لاكان فاقدا لشئ ( بشيء خ ) حتي لايصح وقوع خطابه عليه لتخص خطاباته و لاكانت الاسماء اللفظية موضوعة لذاته و حقيقته حتي تتفاوت حاله قبل الوضع و بعد الوضع و لا انه تعالي قبل الخلق لم‌يكن [ص 61] عالما بالاشياء ثم علم بعد الخلق و لايصح السؤال و القول بانه تعالي كيف كان علمه بالاشياء قبل الخلق و كيف كان بعد الخلق فان هذا السائل جاهل و المتكلم المجيب بالفرق اجهل و لا غير ذلك من الاحوال الجارية عليه تعالي المستلزمة لزيادة و نقصان و تفاوت حال قبل الخلق و بعد الخلق و بما ذكره عليه السلام انخرمت قواعد كثيرة متداولة بين الحكماء و العلماء من المتقدمين و المتأخرين كما اشرت الي بعض انواعها بالاشارة و لو اردنا كشف الحال و توضيح المقال و ذكر الاستدلال لطال بنا الكلام و لسنا بصدده و لما كانت هذه المسألة و ان كانت بحسب القول و اللسان متفقا عليها و لكن لسان احوالهم الظاهرة بلحن مقالهم يتكلم بالفرق بين الحالتين و اثبات الزيادة و النقصان و لذا اشار عليه السلام ثم نبه عمران و قال له تعقل هذا يا عمران اي تفهم و تنبه علي ان ما ذهبت اليه انت و غيرك في عقائدهم يبطله قولي و لارأي لنفسه زيادة و لا نقصانا و هذه الفقرات الثلثة و ان كانت خالية عن الاستدلال الظاهري و قد قلنا انه عليه السلام اخذ في الاستدلال تنبيها علي ان هذه الكلمات المباركة من القضايا التي قياساتها معها و قد ذكر في هذه الفقرات روحي فداه جوامع العلم ثم اراد ( عليه السلام خ ) ان يبين الغاية الاصلية الحقة و ان فعل الله تعالي لايجوز ان يكون عبثا و لا اتفاقيا و لا ايجابا و انما هو فعل اختيار صدر عن كمال الارادة و الفائدة و الغاية و لايجوز ان تكون تلك الغاية راجعة اليه سبحانه ليكون محتاجا فانه تعالي لو خلق ما خلق لاجل احتياجه اليهم فوجب ان يخلق دفعة اضعاف اضعاف اضعاف ما [ص 62] خلق فانه تعالي اذا فرضناه يتقوي بخلقه فكلما كانت ( كان خ ) الخلق اكثر كانت القوة اعظم و اشد فلم اقتصر في الخلق علي التدريج و علقه بالاسباب و اجري عليه المسببات فان كان لاجل العجز و الضعف حتي يحتاج الي معين فباطل ايضا لان المفروض انه قادر لا مانع له في مشيته و خلق الخلق لحاجته فاذا ما دام لم‌ينقطع الخلق اي يصل الخالق الي حد لايقدر علي ازيد من ذلك او تنقطع قوابل الامكان عن صلاحية الايجاد او يخلق في كل دفعة اضعاف ما خلق و هكذا الي ما لا نهاية له لم‌تنقطع الحاجة و الشقوق كلها باطلة اما عجز الخالق عن الخلق فظاهر و اما قطع قوابل الامكان فباطل ايضا لان قابلية الامكان لا نهاية لها فلاتنظر في شئ الا و يمكن في حقه الاشياء كلها و بالقرانات و الاوضاع لاينتهي الي حد و لايقف علي مرتبة و حكم و الثالث غير واقع بالضرورة فثبت ان الخلق ليس لحاجة نفسه فانه ( فانها خ ) افتقار محض و هو لايجامع الغناء المحض اذا لم‌يكن فرق بين الخالق و المخلوق و المنشئ و المنشأ و المكون و المكون لان الحاجة من صفات المخلوقين و الفقر سمة المربوبين فلايجري عليه ما هو اجراه و الفقر عدم و الوجوب وجود فلايجتمعان ابدا و لا ذكر لاحدهما عند الآخر و لما كان الامكان و الحاجة امران وجوديان ( امرين وجوديين خ ) و كل ما كان كذلك يحتاج الي الواجب المحدث و الا لكانا قديمين او معدومين و كلاهما محال فان علي الاول يلزم تعدد القدماء و قد دلت الادلة القطعية علي بطلانه كما ذكرت و شرحت في محلها و علي الثاني يلزم ان لايكون الخلق ممكنين و محتاجين لان العدم يناقض الوجود فاذا لم‌يكن الامكان و لم‌تكن الحاجة [ص 63] استغنت الخلائق و البديهة تقتضي بطلان ذلك فوجب ان يكون الامكان الذي هو الحاجة و الفقر امرا وجوديا مخلوقا مجعولا خلافا لبعض الحكماء و المتكلمين بل اكثرهم من قولهم بان الامكان ذاتي لم‌يتعلق به جعل الجاعل و الا لزم انقلاب الحقايق و للبعض الآخر حيث حكموا بان الامكان امر عدمي انتزاعي لا تحقق له و لا تذوت اصلا و لما كان القولان كلاهما باطلين نبه عليه السلام علي بطلانهما فقال عليه السلام و لذلك اقول لم‌يخلق الخلق لحاجة و لكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم الي بعض ، فالحاجة و الافتقار امران وجوديان خلقهما الله تعالي و الزم الخلق اياها بمقتضي ذواتهم فان الله سبحانه و تعالي جعل في الخلق جهتين جهة غناء و هي عين جهة افتقاره الي الله تعالي لانها وجهه فلاتتقوم و لاتتحقق الا بالنظر اليه سبحانه ليستمد منه فهي دائما فقيرة اليه لائذة ببابه و سائلة من جنابه لاتري لنفسها تذوتا اصلا فحيث كانت كذلك جعلها الله تعالي بابا لامداداته و فيوضاته منها يمد غيرها و بها يفيض علي غيرها فلما افتقر في الغاية و النهاية استغني كذلك و الجهة الثانية ( جهة خ ) افتقاره و هي جهة استغنائه لانها جهة انيته و نظره الي نفسه و جهة ماهيته و اعراضه عن مبدئه و احتجاب الخلق ( الحق خ ) به فهي بعيدة عن النور و هي فقيرة دائما ناظرة الي غيره تعالي و هو الفقر سواد الوجه في الدارين كما ان الاول هو الفقر الذي فخري به ( و به افتخر خ ) فخلق الله سبحانه الحاجة و الزمها اياهم حين شعروا بانفسهم و نظروا الي جهات انيتهم و ظهر حكم الغيور و احتجب حرف النور فلما تحقق الوجود و الماهية [ص 64] تحققت النسبة الارتباطية ثالثة بينهما و كل واحدة محتاجة الي الآخر بجهة اما الوجود فمحتاج الي الماهية في الظهور الكوني و العيني و الحقيقي و الرسمي اكثر و اعظم و ان كان محتاجا اليه في الوجود و التحقق ايضا و الماهية محتاجة الي الوجود في التذوت و التحقق لانها حدوده و هيآت رسومه و ان كانت محتاجة ايضا في الظهور فتوقفهما تساوقي و الدور معي و كذلك حكم النسبة الارتباطية معهما و حكمهما معها فالنسبة كالمصدر و الوجود كاسم الفاعل و الماهية كاسم المفعول في الوجه الاسفل و هما مشتقان من المصدر و هو منحل اليهما فكل الي كل مضاف و منسوب ، فلما تحققت هذه الثلثة وجدت الطبايع الاربع متساوقة مترابطة متناسبة متوفقة ( متوقفة خ‌ل ) بعضها علي بعض فالنار ظهرت بالماء و الماء وجد بالنار و الهواء بالنار و ظهرت بالتراب و هو قد وجد بالهواء بها و كل واحد منها شرط لوجود الآخر و تحققه و الاصل في ذلك ان الشئ انما حدث بالفعل و الانفعال كما تقول اوجده فانوجد و لايكون الشئ شيئا الا بهما معا فالفعل وجدت به الحرارة و اثره الذي في المفعول وجد به الرطوبة و من تلقي المفعول المدد من الفاعل المعبر عنه باقبل المفعول ( بالميل المفعولي خ ) وجدت البرودة و ( من نفس المفعول خ ) من حيث هو الحافظة لايرد ( لما يرد خ‌ل ) عليها من فعل الفاعل وجدت اليبوسة فصار الشئ لايتم الا بهذه الاربعة و تلك الثلثة ففي تأصله و وجوده مفتقرة ( مفتقر خ‌ل ) الي سبعة اشياء و تلك السبعة بعضها شرط لتحقق الآخر و ظهوره ثم لما تكثرت الاشياء و تعددت كانت علة الكثرة قرانات تلك السبعة بعضها ببعض علي الاوضاع المختلفة و الاطوار المتباينة ففي بعضها تجد غلبة النار و في بعضها الهواء و في بعضها الماء [ص 65] و في بعضها التراب و في بعضها الاثنين و في بعضها الثلاثة علي الاختلاف و مراتب الحرارة في السبعة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة في المراتب السبعة التي لكل منها من جهة القوة و الضعف كالمرتبة و الدرجة و الدقيقة و الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة فصارت افراد الموجودات المتكثرة يفتقر بعضها ببعض لافتقار تلك السبعة بعضها ببعض و شدة الافتقار و ضعفه علي حسب ما في الشئ المفتقر من الطبايع و الاكوان فالسماء محتاجة في استدارتها علي الارض اذ لولاها لم‌يظهر نورها و براكاتها و اشعتها و منافعها و كذلك وجودها ايضا لان الارض قابلية لوجود السماء الا ان الاول اظهر لغلبة الحرارة النارية فيها و غلبة البرودة الترابية في الارض و كذلك الحكم في العكس و شرح تفاصيل هذه الاحوال مما لايناسب هذا المقام فالاعراض عنه اولي و هذا مجمل معني قوله عليه السلام بل نقل بالخلق الحوائج ، فان الله سبحانه امسك الاشياء بعضها ببعض و اقامه ( اقام خ‌ل ) بعضها ببعض و لما كانت علة الحاجة الارتباط و علة الارتباط الحركة و كان الله سبحانه منزها عن الحركة المورثة للارتباط المورث للحاجة اما كون علة الارتباط الحركة فان الارتباط انما يحصل من ميل احد الشيئين الي الآخر سواء كان الميل ذاتيا او وصفيا ام عرضيا و لانعني بالحركة الا الميل و هو كون الاول بوجهه في المكان الثاني و هذا المعني هو المفهوم من الميل و اما كون الارتباط علة للاحتياج فان ذلك لايتحقق الا بين امرين فكان كل منهما مفتقرا الي الآخر في تحقق الرابطة و هي علة التركيب فان المركب في تحققه محتاج و مفتقر [ص 66] الي ربط الاجزاء و تأليفها فكل مرتبط مركب لا اقل من الجهتين اللتين يتحقق بهما الجهة الثالثة التي تتحقق بها الرابطة ( الرابعة خ ) لتمام الشئ ثم ان تلك الاجزاء المؤلفة الاربعة تستدعي بحسب الاوضاع و القرانات اجزاء لاتتناهي فبين الامام عليه السلام بهذا الكلام بطلان ما ذهب اليه الحكماء من الربط بين الحادث و القديم و اطالوا البحث في ذلك و لم‌يعلموا ان الربط مثبت الشيئين في كل من المرتبطين ضرورة ان كل واحد منهما له ذات و جهة ارتباط الي الآخر اذ لايصح ان يكون ذات كل منهما عين الربط الي الآخر و الا لكان امرا آخر تنسب اليه تلك الذوات التي فرضناها انها نفس الربط اذ لاتعقل النسبة و الارتباط الا بين الشيئين المتغايرين و الواحد من حيث الوحدة الحقيقية لاينسب الي شئ اصلا فلايرتبط بشئ فالمرتبطان يحتاج كل واحد منهما الي الآخر لتحقق الارتباط فلما كانت الحاجة لاتسع الذات القديمة كما برهن عليه عليه السلام بالدليل العقلي كان الارتباط ايضا لايسعها فتكون الروابط مطلقا في الخلق بعضهم ببعض و الله سبحانه و تعالي ( منزه خ‌ل ) عنها مطلقا و هو قول جده اميرالمؤمنين عليه السلام كما في الخطبة اليتيمية رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الخطبة ، فالذات تبارك و تعالي قد انقطعت دونها النسب و الاضافات و الروابط و الشؤن و الحالات و الكثرات تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا فكلما فيه نسبة و ارتباط من الصفات الاضافية و الخلقية تنتهي الي الافعال فهي الصفات الفعلية و اذا اطلقت عليه تعالي [ص 67] فالمراد بعد التجريد عن تلك الروابط و الاضافات و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام ان قيل كان فعلي معني ازلية الوجود و ان قيل موجود فعلي تأويل نفي العدم فلايعتبر في الذات الاقدس المدلولات اللفظية و المفهومات الرسمية و الاعتبارات الفكرية و اذا اطلقت عليه تعالي تلك الاسماء و الصفات عند الطلب و الحاجة اذ لايصل ( لاتصل خ ) الي جهة معرفته بدونها فنزهها عن جميع المفاهيم و الاعتبارات و اقصد بها معني واحدا احدي الذات و الصفات فان الالفاظ مرتبطة بالمعاني و الذوات بالمباني فلما بين عليه السلام انقطاع الخلق عن الوصول الي مقام الاحدية بكل جهة لاستلزام الوصول الارتباط و استلزام الارتباط الحاجة و استلزامها الحدوث و الامكان و هو سبحانه و تعالي منزه عن كل ذلك اراد ان يبين ان الخلق مختلفون في شدة الحاجة و ضعفها و قلتها و كثرتها بنسبة بعضهم الي بعض و الا فهم بالنسبة الي الله عز و جل كلهم متساوون في الفقر و الحاجة و لذا كانت الموجودات كلها كرة واحدة تدور علي قطب واحد و هو جهة استمدادها من الحق سبحانه فقال عليه السلام و فضل بعضهم علي بعض بلا حاجة منه علي من فضل و لا نقمة منه علي من اذل ، فكل مفتقر الي غيره في الوجود و التحقق و التذوت احوج بالنسبة الي المفتقر الي الغير في الظهور و البروز و ان كان في التحقق ايضا الا ان هذه الجهة فيه اكثر و اظهر فهؤلاء افضل من الاولين لان كل من حاجته الي غير الله اقل دليل علي ان حاجته الي الله اكثر و كل من كان كذلك فلا شك انه افضل لان الكمال كل الكمال الاستغناء من المخلوق و الافتقار [ص 68] الي الخالق و لذا قال صلي الله عليه و آله الفقر فخري فالغالب عليه الحرارة الجوهرية الغريزية افضل كالمبادي العالية من الانبياء و الاولياء و السموات و العرش و الكرسي و المجردات و اطوار الملائكة و غيرهم و كل من فيه الغالب جهة البرودة اسفل و انقص لان الحرارة صفة الفاعل و البرودة صفة المفعول المقبول الذليل فلا شك ان المتصف بصفة المبدأ الفاعل اشرف من المتصف بصفة القابل و ذلك معلوم واضح و شرح هذا الكلام طويل و قلبي للبيان كليل و ليس مرادي ظاهر ما يعرفون و قولي بالحرارة الجوهرية الغريزية احتراز عن الحرارة الغريبية الموجودة في الشهوات الباطلة فانها في الحقيقة باردة يابسة و بالعرض حار يابس و ذلك حكم نار جهنم فصار زحل اشرف من المريخ مع ما فيه من البرودة الظاهرة و الحرارة الباطنية و ما في المريخ من الحرارة الظاهرية و البرودة الباطنية و لهذا قالوا في المريخ انه شيخ كبير قاعد علي كرسي من الدم فالشيخ الكبير مزاجه البرودة و اليبوسة مع الرطوبة الغريبية ( الغريبه خ ) و اشتمل بظاهره الحرارة الغريبية العرضية فافهم و بما ذكرنا من التحقيق الدقيق ظهر التفاضل بين الموجودات و قوله عليه السلام و فضل الله بعضهم علي بعض كما قال تعالي انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض و للآخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا و لما كان الاستكمال في حق الله سبحانه المورث للحاجة نفاه عليه السلام عند نفي الخلق لغاية عائدة اليه تعالي و نفي الروابط عنه تعالي اكد بقوله بلا حاجة الخ ، فاثبت ان نسبة فعله الي كل الموجودات نسبة واحدة [ص 69] متساوية كما هو شأن الفاعل بالنسبة الي مفعولاته و فيه تنزيه له تعالي عن الظلم و خلاف الحكمة و بيان لاتحاد نسبة فعله مع كل المفعولات و تحقيق لانقطاع ذاته المقدسة عن جميع الروابط و الاضافات و لما كان العبث و الترجيح من غير مرجح ضروري ( ضروريي خ ) البطلان عندهم عليهم السلام فاثبت عليه السلام بالتلويح ما صرح الله تعالي بقوله الحق الله اعلم حيث يجعل رسالته فيكون الاختلاف بين الخلق بالتفاضل و عدمه بالامر بين الامرين في الذوات و الاعمال و الافعال لانه سبحانه انما فضل من فضل بقابليته للنور و الخير و طلب قوة الحرارة الغريزية ( و خ ) السعادة لا ابتداء و اشقي من اشقي ( شقي خ ) بخذلانه تعالي لاعراض ذلك الشقي عن مبدأ النور و الخير و ما ربك بظلام للعبيد و قال عز و جل بل طبع الله عليها بكفرهم و بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية الآية ، و هكذا الحكم في اختلاف المراتب و المقامات في انحاء السعادات و درجاتها و اطوار الشقاوة و دركاتها و هو قوله عز و جل فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون و لما بين عليه السلام العلة الغائية في خلق الاشياء و العلة في اختلافها و انه انما صار بفعله تعالي بسر الامر بين الامرين اشار تلويحا الي ان الاختلاف علة تعدد الاسماء الجمالية و الجلالية و اسماء القهر و الغلبة و ظهور العظمة و الجبروت و الكبرياء و القدرة و الرحمة و المغفرة و غيرها من الشؤن الحقية الظاهرة [ص 70] في الاطوار الخلقية و لما ( و الي خ ) ان الله سبحانه انما خلق الخلق للمعرفة كما في قوله تعالي في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و لما ( و الي خ ) ان المعرفة الكاملة لاتتم الا بمعرفة التوحيد في المراتب الاربع توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة و توحيد الصفات يشمل ( يشتمل خ ) المقامات و العلامات و المعاني و المعاني لاتتحقق الا باختلاف الذوات و تعدد الموجودات ليكون كل موجود من الموجودات الحادثة مظهر اسم من الصفات الكمالية فان الاسم عبارة عن ظهور ( الظهور خ ) الظاهر بالمتعلق الخاص فان القيام مثلا صار علة لظهور اسم القائم و القعود علة لظهور اسم القاعد و الاكل لظهور اسم الآكل و هكذا سائر الاسماء و تلك الاسماء الكمالية هي مبادي الموجودات الخلقية و الآثار الحادثة الدالة علي كمال صنعة الصانع و تنزيهه عن النقايص و استجماعه للكمالات و معرفتها من متممات معرفة التوحيد و الشرايط اللازمة و معرفة التوحيد بمراتبه الاصلية و الفرعية المرتقية الي خمسة‌آلاف و مأتين و ثمانين مرتبة بالمراتب الكلية هي سبب الارتقاء الي معالي الدرجات و التوجه التام الي خالق السموات و بارئ المسموكات و هي سبب العناية الخاصة و العامة بالنسبة الي تلك النسمات و هي موجب البلوغ ( للبلوغ خ ) الي اقصي الغايات و الصعود الي اعلي الدرجات و الخلاص عن حضيض الدركات و مشاهدة التجليات و الظهورات و تلك هي الغاية القصوي و المقصد الاسني الذي ليست فوقها درجة و لا ورائها مرتبة الا ما كان من هذه ( هذا خ‌ل ) القبيل و الي ذلك الاشارة [ص 71] بقوله روحي فداه و عليه السلام فلهذا خلق .